من رمضان.
وحمل الفرض على التقدير بعيد، لاسيما وقد خرج الترمذي: بعث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي في فجاج مكة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم.
وعلى الوجوب، فالمشهور أنها واجبة بالسنة، وقيل بالقرآن، وعلى وجوبها بالقرآن، فقيل بآية تخصها وهي: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14 - 15]. وقيل بالعمومات.
وَفِي وَقْتِهِ أَرْبَعَةٌ: الْمَشْهُورُ لَيْلَةُ الْفِطْرِ، وَطُلُوعُ فَجْرِ يَومه، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمَا بَيْنَ الْغُرُوبَيْنِ.
وَفَائِدَتُهُ: فَيمَنْ وُلِدَ أَوْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ بِيعَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ
أي: في وقت الوجوب أربعة أقوال.
المشهور: غروب الشمس من آخر ليل رمضان وهو مراده بقوله: (لَيْلَةُ الْفِطْرِ) وفي عبارته تسامح.
وروي عن مالك: طلوع الفجر من يوم الفطر، وشهره الأبهري.
وقال ابن العربي: هو الصحيح.
وقيل: طلوع الشمس منه، حكاه القاضي أبو محمد عن جماعة من الأصحاب.
قال: ابن الجهم: وهو الصحيح من المذهب.
وأنكر بعضهم هذا القول، وقال: لا خلاف فيمن مات بعد الفجر أن الزكاة عليه.
وصوب صاحب التنبيهات مقالة هذا المنكر.
وروي من غروب الشمس ليلة الفطر إلى غروب الشمس من يوم العيد.
وفي المذهب قول خامس: من غروب الشمس ليلة العيد إلى الزوال.
وأقرب هذه الأقوال ما شهر المصنف؛ لقول الراوي: صدقة الفطر من رمضان.
والفطر من رمضان أوله غروب الشمس.
وقوله: (وَفِي وَقْتِهِ) فيه قصور، وأحسن من ذلك لو قال: (وفي زمان الخطاب) كما قال غيره ليعم الوجوب والسنة.
قوله: (وَفَائِدَتُهُ) أي: وفائدة الخلاف تظهر فيما ذكره وفيما يشابهه من الهبة، والصدقة، والميراث، والطلاق.
وَالْمُسْتَحَبُّ: إِخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى اتِّفَاقاً، وَوَاسِعُ بَعْدَهُ
أي: أن الزمان الذي يستحب إخراجها فيه غير زمان الوجوب؛ لأنه اتفق على استحباب إخراجها بعد الفجر قبل الغدو إلى المصلى؛ لما خرجه مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى المصلى.
وما حكاه من الاتفاق فيه نظر.
فقد قال سند: إن ذلك عند من يرى الوجوب في الفجر، وأما على رأي من يرى أنه بطلوع الشمس، فإنه لا يستحب تقديمها على ذلك، وإنما يكون إخراجها قبله رخصة لا أنه أفضل، نقله ابن رشد.
وَفِي تَقْدِيمِهَا بِيَوْمِين أو ثَلاثَةٍ قَوْلانِ
وفي المدونة: وإن أداها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس.
وقال في الجلاب: وقد يجوز إخراجها قبل يوم الفطر باليومين أو الثلاثة استحساناً.
وقال ابن المواز: إذا أخرجها قبل يوم الفطر بيومين يجزئه.
ويوم الفطر أحب إلينا، ولو أخرجها قبل يوم الفطر بيومين فهلكت لم يجزئه، وكذلك زكاة الأموال.
قال التونسي: وفي هذا نظر؛ لأن الوقت لو كان مضيقاً كأوقات الصلاة لوجب ألا يجزئ منها شيء ولو قبل الحول بنصف يوم، كما لو صلى قبل الزوال فيجب متى أخرجها فضاعت في وقت لو أخرجها فيه لأجزأت أنها تجزئ في هذا.
انتهى بتلخيص.
ونسب اللخمي، والتلمساني عدم الإجزاء لابن مسلمة، وابن الماجشون.
قال ابن يونس: وقال سحنون: إن أخرجها قبل الفطر بيوم لم يجزئه، وإنما كان ابن عمر يخرجها قبل الفطر بيومين إلى من يلي إخراجها، وأشار ابن يونس إلى أنه يمكن إن حمل كلام ابن
القاسم على ذلك.
قال: ومن حمل كلام ابن القاسم على ظاهره يلزمه أن تجزئه ولو أخرجها أول الشهر، وذلك لا يجوز.
انتهى.
وفيه نظر.
وليس ما قرب كغيره.
وحمل اللخمي وغيره ما في المدونة على ظاهره، وقال: إن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه أجزأته اتفاقاً.
قال: لأن لدافعها إذا كانت لا تجزئ أن ينتزعها، فإن تركها كان كمن ابتدأ دفعها.
وقال الباجي، وابن عبد السلام: المشهور عدم الإجزاء إلا أن يفرقها، وفيه نظر.
وَالْمَشْهُورُ: وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ مَعَهَا.
وَقِيلَ: مَنْ لا تجحِفْ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا.
وَقِيلَ: أَخْذُ الزَّكَاةِ ....
يعني: أنه اختلف فيمن تجب عليه على أقوال: المشهور: أنها تجب على كل من فضل عن قوته إن كان وحده، أو قوته وقوت عياله إن كان له عيال صاع، وهو في الجلاب وغيره، وقاله ابن حبيب.
اللخمي: وهو موافق لما في المدونة.
والثاني: لعبد الوهاب، قال: يخرج زكاة الفطر من لا تلحقه في إخراجها مضرة من فساد معاشه، أو جوعه، أو جوع عياله، فعلى هذا فلو فضل له من قوته صاع وأكثر وكان إذا أخرجها [149/ ب] يلحقه الإجحاف في معاشه لا يجب عليه إخراجها.
والقول الثالث نقله اللخمي عن ابن الماجشون، ولفظه: وقال ابن الماجشون في المبسوط: الحد الذي تجب وتسقط به من حال اليسر والفقر، أن من كانت تحل له سقطت عنه.
وقاله مالك في كتاب محمد: قيل له إن كانت له عشرة دراهم فأخرج زكاة الفطر أيأخذ منها، قال: أيخرج ويأخذ؟ لا، إذا كان هكذا فلا يأخذ، قيل: إذا كانت له عشرة دراهم فلا يأخذ منها، قال: ليس هذا حد معلوم.
انتهى.
وقوله: (وَقِيلَ: أَخْذُ الزَّكَاةِ) فيه نظر؛ لأن هذا القول إنما ذكره ابن بشير وغيره تفريعاً على قول ابن الماجشون، وهو أنه إذا قلنا إنما تجب على من لا يحل له أخذها على قولين، وعلى هذا فالأولى: أن يسقط هذا القول هنا ويكتفي بما سيذكره في قوله: ومصرفها مصرف الزكاة.
وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها.
وقد ذكر صاحب البيان أن المذهب لم يختلف في أنه ليس من شرطها أن يملك المخرج نصاباً فتأمله.
ويبين لك ما ذكرناه أن كلامه هنا ليس بجيد؛ لأنه لا يخلو إما أن يبنى على القول بأن مصرفها مصرف الزكاة، أو على القول بأن مصرفها الفقير الذي لم يأخذ منها، وأياً ما كان فيلزم عليه إشكال، أما الأول فيتداخل القول الثالث والرابع؛ لأن من لا يحل له أخذ زكاة المال لا يحل له أخذها وبالعكس، إذ مصرفها مصرف الزكاة.
وأما على القول الثاني فيلزم أحد أمرين؛ إما أن يتداخل الثالث مع المشهور، وإما حصول غرابة في النقل، وذلك أنا إذا بنينا على القول بأن مصرفها الفقير الذي لم يأخذ منها، فإذا أخذ فقير صاعاً من زكاة الفطر ولم يكن عنده غيره، فهذا لا يحل له أخذ صاع ثان، وحينئذ إما أن تقول يجب عليه إخراجه أم لا، فإن قلت بعدم الإخراج لزم التداخل مع القول الأول، إذ يشترط أن يفضل له صاع عن قوته.
وإذا قلنا بوجوب الإخراج ففيه إشكال من جهة المعنى، ويعز وجوده ولا يخفى وجه إشكاله.
والله أعلم.
فروع.
الأول: إذا قدر على بعض الزكاة.
قال صاحب الطراز: ظاهر المذهب أنه يجزئه، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
الثاني: هل تسقط عنه الزكاة بالدين أم لا كالماشية، والقول الأول قول عبد الوهاب، والثاني لأشهب.
الثالث: إذا وجد من يسلفه وهو محتاج، قال في المدونة: يتسلف ويخرج.
وقال محمد: لا يلزمه ذلك.
والرابع: فإذا لم يكن له إلا عبد، فقال مالك: يخرج الزكاة، ورآه موسراً.
ونقل أيضاً عنه أنه لا شيء عليه، فلم يره موسراً به.
وَتَجِبُ عَلَيْهِ عَمنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً بِالْقَرَابَةِ وَالرق كالآبَاءِ والأبناء والْعَبِيدِ ....
لما في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على كل مسلم.
ومفهومه سقوطها عن غير المسلم.
وفي الدارقطني عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر عن الصغير والكبير عمن تمونون.
وقوله: (كالآبَاءِ والأبناء) راجع إلى القرابة.
(والْعَبِيدِ) راجع إلى الرق.
وَالْمَشْهُورُ: وَبِغَيْرِهِمَا، كَالزَّوْجَةِ وَخَادِمِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَلِية، وَزَوْجَةِ الأَبِ الْفَقِيرِ وَخَادِمِهِ ....
مقابل المشهور في الزوجة لابن أشرس قال: لا يلزمه أن يخرج عنها.
ابن عبد السلام: ومن أوجب ذلك ألحقها بالقرابة، كما قال المؤلف أنها قسم ثالث ومن أسقط ألحقها بالإجزاء، وتمسك الشاذ بأنها لو ألحقت بالقرابة لوجب مساواة حكمها فتسقط عن الزوج بملائها، ولعل هذا هو المعنى الذي أوجب جعل الزوجة قسماً ثالثاً، ووجب أداؤها عن زوجة الأب الفقير وخادمه وخادم الزوجة بحكم التبعية.
وَإِنِ اشْتُرِيَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَرَجَعَ إِلَى أَنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ
المرجوع إليه مبني على أنها تجب بالغروب لا بالفجر، ولعله في المرجوع عنه رأى الوجوب متسعاً فلذلك أوجبها على المشتري؛ لانتقال الملك إليه في وقت الوجوب.
وحكي عن أشهب قول ثالث بوجوبها على كل واحد منهما.
وحكي أيضاً عنه رابع أنها تجب على البائع وتستحب على المشتري حكاهما في التنبيهات.
وَالْمَبِيعُ بِالْخِيَارِ، وَالأَمَةُ الْمُتَوَاضِعَةُ عَلَى الْبَائِعِ
وذلك لأن عليه نفقتهما وضمانهما عليه وله غلتهما.
قال سند: ومن قال إن الملك ينتقل بالعقد إلى المشتري جعل الزكاة على المشتري، فأشار إلى أن هذه المسالة تأتي على القاعدة المذكورة في بيع الخيار هل هو منحل حتى ينبرم، أو هو منعقد، وهذا إن قاله نصاً فواضح، وإن كان تخريجاً فيه نظر.
ومراد المصنف: إن كان البيع فيهما قبل ليلة العيد.
وَالْعَبْدِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ عَلَى الْمُشْتَرِي
ما ذكره هو قول ابن القاسم؛ لأن ضمانه من المشتري.
وقال أشهب: إنما تجب عليه إذا مضى يوم الفطر وقد فات، وإلا فهي على البائع.
وروي عن أشهب في الموازية: أنه على كل واحد من البائع والمشتري زكاة.
وقال ابن الماجشون: إن فاتت ولم يفسخ فهي من المشتري ولو لم يفت إلا بعد يوم الفطر.
وَالْمُخْدَمُ يُرْجَعُ [150/ أ] إِلَى حُرِّيَّةِ عَلَى مَخْدُومِهِ.
وَإِلَى رِقٍّ، ثَالِثُهَا: إِنْ طَالَتْ فَعَلَى الْمُخْدَمِ ...
يعني: أن من أخدم عبده رجلاً ثم هو حر، فإن الزكاة على الرجل المخدم؛ لأن النفقة عليه ولم يبق لسيده منفعة، وإن كان يرجع إلى رق كما لو أخدمته رجلاً خمس سنين ثم هو بعد ذلك غير حر، فقال في المدونة: هي على مالك الرقبة إن قبل الوصية كما لو أخدم عبده رجلاً فصدقة الفطر عنه على سيده الذي أخدمه.
انتهى.
وفي الموازية: على مالك الخدمة في الوجهين إن كانت رقبته ترجع إلى السيد أو غيره.
وفرق ابن الماجشون، فقال: إن قلت الخدمة فهي على مالك الرقبة، وإن طالت فهي على مالك المنفعة.
ومنشأة الخلاف
النظر إلى الملك أو النفقة على أنه قد اختلف قول مالك في نفقة هذا العبد المخدم، هل على سيده أو على الذي له الخدمة.
قال في التنبيهات: وروي أن نفقة المخدم من مال نفسه لا على السيد ولا على المخدم، وحكاها ابن الفخار، وهذا القول هو الذي ذكره أصحاب الوثائق أنها من كسبه وخدمته وما بقي للمخدم، إلا أن تكون الأيام قليلة فتكون نفقته على رب العبد.
قال: وقيل إن الخلاف إنما هو في الكثيرة، وأما القليلة فهي على رب العبد، وهو مذهب سحنون.
انتهى.
وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ عَلَى الأَجْزَاءِ لا عَلَى الْعَدَدِ
كما لو كان عبداً لثلاثة، لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللآخر سدسه، فعلى المشهور: يجب على كل بقدر نصيبه.
وقيل: تجب على العدد؛ أي: يجب على كل واحد ثلث صاع.
وروي عن مالك: أن على كل واحد زكاة كاملة وأنكرها سحنون ولم يعرفها.
وَفِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ ثَلاثَةٌ: الْمَشْهُورُ عَلَى السَّيِّدِ حِصَّتُهُ، وَعَلَيْهِمَا، وَعَلَى السَّيِّدِ الْجَمِيعُ ..
كما لو كان نصفه معتقاً.
فعلى المشهور: يجب على السيد نصف صاع ولا شيء على العبد.
والقول الثاني لمالك في المبسوط: يؤدي السيد بقدر ما يملك ويؤدي العبد بقدر ما عتق منه، وحكاه ابن حبيب عن أشهب.
والقول الثالث لعبد الملك: نظراً إلى أنه لو مات ورث جميع ماله.
وَعَنِ الآبِقِ الْمَرْجُوِّ
لأن الإباق لا يخرجه عن ملكه، واحترز بالمرجو من غير المرجو، فلا تجب زكاته حينئذ لأنه كالعدم.
وَعَلَى رَبٍّ الْمَالِ فِي عَبَيدِ الْقِرَاضِ.
وَقَالَ أَشْهُبُ: تُسْقُطُ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ
لا يخفى عليك تصوره.
وَقَدْرُهَا: صَاعٌ مِنَ الْمُقْتَاتِ فِي زَمَانِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالسُّلْتِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالأَقِطِ، وَالذُّرَةِ، وَالأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَزَادَ ابْنُ حَبِيبِ الْعَلَسَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: مِنَ السِّتِّ الأُوَلِ خَاصَّةً.
تقديرها بالصاع في جميع الأنواع هو المعروف، وقال ابن حبيب: تؤدي من البر مدين لا صاعاً، وقوله: (الْمُقْتَاتِ فِي زَمَانِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: في سائر الأقطار ولم يرد بلداً معيناً كما فهم ابن عبد السلام واعترض.
وأما قصر أشهب الإجزاء على الستة الأول، فإنه يرى أن الاقتصار على ما جاء الحديث ب، وإن كان ليس في الحديث نص على البر والسلت لكنهما أطيب من الشعير، فينتظم فيهما قياس الأحرى بخلاف ما بقي، قاله ابن عبد السلام.
واستحب أشهب الترتيب، نقل عنه ابن يونس أنه قال في المجموعة: أحب إلى أن تؤدي في البلدان من الحنطة، وأداء السلت أحب إلى من الشعير، والشعير أحب إلى من الزبيب، والزبيب أحب إلى من الأقط، والظاهر أن محمل الخلاف بين ابن حبيب والمذهب في العلس، وبين أشهب والمذهب في الثلاثة إذا كان العلس أو الثلاثة غالب عيش قوم، وغير ذلك موجود وكان الجميع سواء، فابن حبيب يرى الإخراج من العلس في الصورة الأولى، والمشهور يخرج من التسع، وأشهب يرى الإخراج من الستة.
فَلَوِ اقْتِيتَ غَيْرُهُ كَالْقَطَانِيِّ، وَالتِّينِ، وَالسَّوِيقِ، وَاللَّحْمِ، وَاللَّبَنِ، فَالْمَشْهُورُ: يُجْزِئُ
أي: فلو اقتيت ما ذكر، فهل يجزئ الإخراج منه؟ فالمشهور: أنه يجزئ؛ لأن في تكليفه غير قوته حرجاً عليه.
ورأى في القول الآخر الاقتصار على ما ورد في الحديث، ورواه ابن القاسم عن مالك في القطاني أنه لا يخرج وإن كانت قوته.
وَفِي الدَّقِيقِ بِزَكَاتِهِ قَوْلانِ
قال مالك: لا يجزئ إخراج الدقيق.
قال ابن حبيب إنما ذلك للريع، فإن أخرج منه مقدار ما يخرج من صاع القمح أجزأ، وقاله أصبغ، وجعله بعضهم تقييداً.
ووجه عدم الإجزاء: أن في الدقيق تحجيراً؛ لأن القمح يصلح لما لا يصلح له الدقيق، ولو جاز الدقيق لجاز الخبز.
قوله: (بِزَكَاتِهِ) احترازاً مما إذا أخرجه بغير زكاته فلا يجزئه اتفاقاً.
وَتخرُجُ عَنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ قُوتهُ دُونَهُ لا لِشُحٍّ فَقَوْلانِ
يعني: أن التسعة المقدمة هي متعلق الوجوب من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل، فيتعين في حق كل بلد غالب قوتهم، فأهل مصر يتعين في حقهم القمح، وإن كان قوته أفضل فله أن يخرج من قوته، فإن أخرج من قوت الباد أجزأه، وإن كان يقتات الأدنى لعسر أخرج منه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] وإن كان مع الوجدان كالبدوي يأكل الشعير بالحاضرة وهو مليء فقولان، ومفهوم كلامه أنه لو فعل ذلك [150/ ب] شحاً لكلف أن يخرج من قوت البلد اتفاقاً.
ومَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.
وقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَاخُذْ مِنْهَا.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُعْطَى الْوَاحِدُ عَنْ مُتَعَدِّدٍ ....
ظاهر كلامه أنها تصرف في الأصناف الثمانية، وليس كذلك، فقد نص في الموازية على أ، هـ لا يعطى منها من يليها ولا من يحرصها.
وظاهر كلامهم: أنه لا يعطى منها المجاهد، وأكثر كلامهم تعطى للفقراء والمساكين.
وقوله: (وقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَاخُذْ مِنْهَا) هو قول أبو مصعب.
ونصه على ما نقل اللخمي: وقال أبو مصعب: لا يعطاها من أخرجها ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان وهو صاع.
قال اللخمي: وهو الظاهر؛ لأن
الغرض إغناؤه في ذلك اليوم، كما قال عليه الصلاة والسلام، بخلاف زكاة المال، فإن القصد بها إغناء الفقير عما يحتاجه من النفقة والكسوة في المستقبل.
وقد قيل: إنه يعطي ما يكفيه في السنة، وقد قيل: إنه لا بأس أن يعطي الزكاة من له نصاب لا كفاية له فيه، ولا أعلمهم يختلفون أنه لا يعطى زكاة الفطر من يملك نصاباً.
انتهى.
وإِذَا أَدَّى أهل الْمُسَافِر عَنْهُ أَجْزَأَهُ
هذا ظاهر إذا كانت عادتهم تلك أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية والله أعلم.
الصِّيَامُ وَاجِبٌ- كَرَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ- وَنَفْلٌ.
وَرَمَضَانُ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ، وَفِي تَكْفِيرِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ صَوْمِهِ كَمَا فِي الصَّلاةِ ...
لا خلاف في وجوبه وهو في اللغة يطلق على الإمساك.
وفي الشرع: إمساك عن شهوتي البطن والفرج يوماً كاملاً بنية التقرب.
وشرع لمخالفة الهوى؛ لأن الهوى يدعو إلى شهوتي البطن والفرج، ولكسر النفس، ولتصفية مرآة العقل، والاتصاف بصفات الملائكة، ولينتبه العبد على مواساة الجائع.
وقول ابن حبيب بالقتل كفراً في تارك الصلاة أقوى منه في الصوم؛ لأنه لا يوجد له من الأدلة هنا مثل الصلاة، ولأنَّا لا نعلم أحداً يوافقه في الصوم إلا الحكم بن عيينة، بخلاف الصلاة فإنه وافق في ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الإِسْلامُ، ويستحب قَضَاءُ يَوْمِ إِسْلامِهِ
جعله (الإِسْلامُ) شرط صحة مبني على خطاب الكفار، واستحب له أن يقضي (يَوْمِ إِسْلامِهِ)؛ لأنه لما أسلم في بعض النهار وخوطب بأحكام الإسلام، ولم يمكنه صيام ما بقي، لكون الصوم لا يتبعض، واستحب له القضاء ليحصل له ثواب ذلك اليوم، واختلف في إمساكه بقية ذلك اليوم، هل هو واجب أم لا؟ كما سيأتي.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ
الظاهر أن (جَمِيعَ النَّهَارِ) راجع إلى الحيص والنفاس ويشاركهما في ذلك البلوغ ولا يعود على العقل؛ لأن الإغماء إذا كان في أقل النهار وأوله سالم لا أثر له.
ويحتمل عوده على الجميع ويكون ما ذكره في العقل جارياً على بعض الأقوال كما سيأتي.
ويبعد هذا الوجه كون المصنف لم يذكر في الصورة المذكورة خلافاً.
والله أعلم.
وجعل النقاء من الحيض والنفاس شرطاً في الوجوب يلزم منه أن يكون القضاء بأمرٍ جديد وهو الصحيح، خلافاً لعبد الوهاب في قوله: إنه شرط صحةٍ وتحقيقها في الأصول.
ابن راشد: وفي كلامه تجوز؛ لأن الحيض والنفاس مانعان، فكان ينبغي أن يقول: الوجوب يتوقف على وجود الشرط وهو البلوغ والعقل، وعلى انتفاء المانع وهو الحيض والنفاس؛ لأن تأثير الشرط في العدم وتأثير المانع في الوجود.
وَلا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُطِيقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخَلافِ الصَّلاةِ
الفرق للمشهور أن الصلاة تتكرر كثيراً وأحكامها كثيرة فأمر ليتمرن، وإلا لكانت تشق عليه عند بلوغه بخلاف الصوم فإنه إمساك فقط وليس هو إلا مرة واحدة في العام والشاذ الاستحباب، رواه أشهب في المجموعة.
واختاره ابن الماجشون وابن حبيب، ويؤمر بقضاء ما أفطر فيه، فإن عجز قضاه إذا قوي.
وَمَنْ بَلَغَ عَاقِلاً وَقَلَّتْ سِنُو إطباقه فَالْقَضَاءُ اتِّفَاقاً، بِخِلافِ الصَّلاةِ، وَإِلا فَثَالِثُهَا: إِنْ قَلَّتْ وَجَبَتْ، وَالْمَشْهُورُ: الْقَضَاءُ ...
لما تكلم على الشرط الأول وهو البلوغ تلكم هنا على الثاني وهو العقل، يعني: أن هذه المسالة على أربعة أقسام: الأول، أن يبلغ عاقلاً وتقل سنو إطباقه كالخمس فعليه القضاء اتفاقاً.
وقاله اللخمي أيضاً.
وقوله: (بِخِلافِ الصَّلاةِ) إشارة منه إلى أنه لا يعترض علينا في هذا الموضع بالصلاة فإن البابين مفترقان؛ ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وذلك لمشقة التكرار في الصلاة.
القسم الثاني: أن يبلغ مجنوناً وتكثر سنو إطباقه، القسم الثالث: أن يبلغ عاقلاً وتكثر سنو إطباقه.
القسم الرابع: عكسه، وإلى هذه أشار بقوله: (وَإِلا فَثَالِثُهَا) يعني أن في هذه الأقسام الثلاثة، ثلاثة أقوال: القضاء، وهو المشهور، قياساً على محل الوفاق، والثاني السقوط، والثالث: إن قلت السنون وجب، وإن كثرت لم يجب.
وتبع المصنف في هذا المحل ابن بشير على أن ابن بشير لم يحك الخلاف إلا فيما إذا بلغ مطيقاً أو كثرت السنون لا فيما إذا بلغ مجنوناً [151/ أ] وكثرت، لكن يؤخذ مما حكاه اللخمي وغيره الخلاف فيه؛ لأنه حكى في القضاء ثلاثة أقوال: قول مالك وابن القاسم في المدونة عليه القضاء، بلغ صحيحاً أو مجنوناً، قلَّت السنون أو كثرت، وقيل: إن قلت كالخمسة ونحوها فالقضاء، وإن كثرت كالعشرة فلا قضاء؛ ذكره ابن حبيب عن مالك والمدنيين.
الثالث حكاه ابن الجلاب عن عبد الملك فيما يظنه إن بلغ مجنوناً فلا قضاء عليه، وإن بلغ عاقلاً ثم جُنَّ وجب عليه القضاء، وأسقط أبو حنيفة والشافعي- رضي الله عنهما- القضاء عن المجنون وهو الظاهر.
واحتجاج أهل المذهب بقوله- تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 183] والمجنون مريض ليس بظاهر.
ابن عطاء الله: لأن قوله تعالى في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 183] إنما توجه للعقلاء، ثم قال: والوجه عندي أن يقال: فهم من عادة الشرع أن من وجد في حقه سبب الوجوب وتأخر شرطه، أنه إذا وجد الشرط بعد ذلك وجب عليه القضاء، أصله الحائض.
وَلا أَثَرَ لِلنَّوْمِ اتِّفَاقاً
أي: في القضاء، ولو كان جميع النهار؛ لأنه ساتر للعقل غير مزيل له.
وَأَمَّا الإِغْمَاءُ فَإِنْ كَانَ كُلَّ النَّهَارِ فَكَالْجُنُونِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلَّهِ وَأَوَّلِهِ سَالِمُ فَكَالنَّوْمِ، وَإِلا فَقَوْلانِ، وَفِي النِّصْفِ وَالْجُلِّ: قَوْلانِ.
يعني: أن الإغماء له صور: تارة يكون في جميع النهار، وتارة في أقله، وتارة في نصفه أو جله.
فإن كان في جميع النهار فلا يصح صومه، وهو في هذه الصورة أشبه شيء بالمجنون.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِمَرَضِ) هو لابن الماجشون.
ابن يونس: وقال ابن الماجشون: الإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، وإنما ذلك إذا تقدمه مرض أو كان بإثره متصلاً، فأما ما قل من الإغماء ولم يكن بمرض فكالنوم، فلو طلع عليه الفجر ثم تخلى عنه فإنه يجزيه صومه، وعلى هذا ففي كلامه نظر؛ لأن ابن الماجشون لا يشترط في إيجاب القضاء أن يكون كل النهار، كما يؤخذ من كلامه، وإنما يشترط أن يكون قبل الفجر ثم يدوم إلى بعد طلوعه، وقد نقل ابن يونس وغيره عن ابن الماجشون: أنه إذا أغمي عليه بعد الفجر وأفاق قبل الغروب أن صومه صحيح.
وقد نقل ابن عطاء الله الاتفاق على أنه إذا أغمي عليه جميع النهار أن ذكل كالجنون وإن كان في أقله، فإن كان في أوله، أي: عند طلوع الفجر سالماً فكالنوم، لا قضاء عليه.
وحكى ابن بشير وابن عطاء الله على ذلك الاتفاق، وفيه نظر، وقد حكى بن يونس عن ابن عبد الحكم أنه يقول: القليل من الإغماء والكثير سواء وعليه القضاء.
وحكاه القاضي عبد الوهاب في الإشراف عن القاضي إسماعيل، والقاضي أبي الحسن، ورأى هؤلاء الإغماء كالحيض.
قوله: (وَإِلا) أي: وإن كان في أقله وأوله غير سالم فقولان: أشهرهما أن الصوم لا يصح لمقارنة الإغماء لوقت النية، وهو مذهب المدونة، زاد ابن حبيب: ولا يؤمر بالكف عن الأكل بقية نهاره.
وفي سماع أشهب: الإجزاء نظراً إلى القلة.
قوله: (وَفِي النِّصْفِ وَالْجُلِّ: قَوْلانِ) أي: مع سلامة أوله، ومذهب المدونة الإجزاء في النصف وعدم الإجزاء في الجل.
وقال ابن حبيب: إن أغمي عليه النصف لم يجزه، وقاله ابن القاسم في الواضحة، وقال ابن وهب: في الجل يجزيه.
وهو الذي يؤخذ من كلام أشهب؛ فإنه قال في المدونة بعد قوله فيها بعدم الإجزاء: هذا استحسان ولو اجتزى به ما عنف.
واعلم أن المصنف كان يمكنه أن يكتفي بقوله: (وَإِلا فَقَوْلانِ) عن قوله: (وَفِي النِّصْفِ وَالْجُلِّ: قَوْلانِ) والله أعلم.
وَمَتَى انْقَطَعَ الْحَيْضُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا حُكْمَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ الْغُسْلُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ اغْتَسَلَتْ ..
شرع- رحمه الله- يتكلم على الشرط الثالث: يعني أن الحيض إذا انقطع قبل الفجر فلا حكم له في إسقاط الصوم ومنع صحته، سواء أمكن الغسل أم لا، اغتسلت أم لا، وقيل: إن اتسع الزمان للغسل قبل الفجر فالحكم كذلك، وإن لم يتسع فحكم الحيض باقٍ، ولا يصح صومها.
نقله في الجلاب عن ابن الماجشون، ورواه ابن القاسم وأشهب عن مالك؛ وقيل: إن اغتسلت فحكم الحيض باقٍ سواء طهرت لزمانٍ يمكنها فيه الغسل أم لا، وهذا القول حكاه ابن شعبان، قال في الجلاب: وقال ابن مسلمة: تصوم وتقضي.
فَإِنْ شَكَّتْ صَامَتْ وَقَضَتْ
تصورها ظاهر، وهي في المدونة، وفيها نظر؛ لأنه ألزم الإمساك فيها بمجرد الشك، ولم يستصحب الأصل وهو الإباحة السابقة.
ابن رشد: وهو بخلاف الصلاة، فإنه لا يجب عليها أن تقضي ما شكت في وقته، هل كان الطهر فيه؟ وما قاله بين، فإن الحيض مانع من أداء الصلاة وقضائها وهو حاصل، وموجب القضاء وهو الطهر في الوقت مشكوك فيه، وأما في الصوم فإنما يمنع من الأداء خاصة، ولا يمنع من القضاء؛ فلهذا وجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة.
واعلم أنهم اختلفوا في تأويل قول الإمام: صامت وقضت، فمنهم من قال: يؤخذ منه أن الحيض لا يقطع النية بخلاف [151/ ب] السفر، ومنهم من قال: هذه رواية بجواز الصوم بغير نية كقول ابن الماجشون.
الباجي: وليس في قول مالك ما يوجب هذا إلا أن لو قال: لا قضاء عليها، وأما إذا أوجبه فلا.
وَيُعْرَفُ رَمَضانُ بِأَمْرَيْنِ – أَحَدُهُمَا: الرُّؤْيَةُ إِمَّا بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَرْطِهَا بِرْجُلَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ كَالْْفِطْرِ، وَالْمَوَاسِمِ إِنْ كَانَ ثَمَّ مُعْتَنُونَ بِالشَّرِيعَةِ، وَإلّا كَفَى الْخَبَرُ ....
أى: يعرف دخول رمضان بأمرين: الأول، رؤية الهلال فى حق من رآه وغير الرائي يحصل له ذلك بأحد وجهين: الخبر المنتشر، وهو المستفيض المحصل للعلم أو الظن القريب منه.
والشهادة على شرطها، أى فيعتبر فيها أن تكون من ذكرين حرين عدليين.
وقوله (حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ)، مع قوله (عَلَى شَرْطِهَا): زيادة إيضاح.
وهذا هو المشهور.
وقال ابن مسلمة: شهادة رجل وامرأتين.
وقال أشهب: شهادة رجل وامرأة فى المبسوط.
وفيهما بعد قوله: (كَالْفِطْرِ).
أى كعيد الفطر، فإنه لابد فيه من التعدد، والمواسم: كعرفة وعاشوراء ونحوهما.
وقوله: (إِنَّ كَانَ ثَمَّ معتنون بِالشَّرِيعَةِ).
أى هذا الذى ذكرناه من الشهادة إنما يكون إذا كان هناك قاض وجماعة من المسلمين يعتنون بأحكام الشريعة ومواقيت العبادة، إذ لا يتأتى النظر فى الشهادة ومن يشهد بها إلا مع ذلك.
قوله: (وإلا) أى وإن لم يكن ثم معتنون بالشريعة، إما أنه لا إمام البتة، أو لهم إمام وهو يضيع أمر الهلال ولا يعتنى به، نقله الباجى وغيره عن عبد الملك، واعترض الشيخ أبو محمد قوله: ويحمل على ذلك من يقتدى به.
وقال: كيف يحمل برؤية نفسه عليه غيره، ولو رآه الحاكم وحده لم يحمل الناس على الصيام.
عبد الحق ويحتمل أن يكون قول عبد الملك، ويحمل عليه غيره.
إنما هو راجع إلى ما ثبت عنده برؤية غيره لا برؤية نفسه.
ابن عطاء الله: وظاهر قول سحنون أنه لابد من الشهادة بشرطها، كان ثم حاكم أم لا، لأنه قيل له فى المجموعة: أرأيت إن أخبرك الرجل الفاضل بأنه رأى الهلال؟ قال: ولو كان عمر بن عبد العزيز ما صمت ولا أفطرت.
ومنشأ الخلاف، اختلاف الأصوليين في أنه هل يخصص العام ويقيد المطلق بالعرف أم لا؟ لأنه روى النسائي، وأبو داود: "إن شهد عدلان فصوموا وأفطروا".
ففهموه إذا قلنا بالمفهوم أنه إذا لم يشهد عدلان، فلا صوم، فهل يبقى هذا المفهوم على الإطلاق؟ أو يقيد بما إذا كان حاكم معتنيا وهو الغالب؟
فرع: فإن شهد اثنان فاحتاج القاضى إلى الكشف عنهما وذلك يتأخر فقال ابن عبد الحكم: ليس على الناس صوم ذلك اليوم، فإن زكوا بعد ذلك أمر الناس بالقضاء، وإن كان فى الفطر فلا شئ عليهم فى الصيام.
وَإذَا نُقِلَ بِالانْتِشَارِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَرْطِها عَنْهُمَا مِنْ بَلَدٍ لِزَمَ سَائِرَ الْبِلادِ، وَقِيلَ إِلا عَنْ حاكِمٍ مَخْصُوصٍ فَلا يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُوَلَّى عَلَيهُمْ ....
يعنى أن للنقل أربع صور:
استفاضة عن استفاضة، فيلزم من بلغهم الصوم والقضاء.
وشهادة عن استفاضة فكذلك.
واستفاضة عن شهادة، أو شهادة عن شهادة، والحكم فيها واحد إن كانت الشهادة المنقول عنها ثبتت عند حاكم عام وهو الخليفة، وكذلك إن ثبتت عند حاكم خاص فالمشهور كذلك، وقال عبد الملك: لا يلزم ذلك إلا من تحت ولايته، وهذه الأربع صور تؤخذ من كلامه لأن قوله: (عَنْهُمَا)، عائد على الانتشار والشهادة.
أى: نقل بالشهادة أو الانتشار عن الشهادة والانتشار.
واعلم أن الاستثناء من قوله: (وَقِيلَ إِلا) متصل؛ لأن الشهادة المنقول عنها أعم من أن تكون عند حاكم أو عام أو خاص، وزعم ابن عبد السلام أنه منقطع وليس كذلك، ثم قال: وهذا الاختلاف إنما هو فيما ينقل عن الحاكم المخصوص.
وأما ما ينقل عن الشهود أو الخبر المنتشر فلا تختص به جهة دون جهة.
فرع:
وإذا أخبر الإمام بثبوت الرؤية عنده لزمه الصوم، نص عليه فى المقدمات.
وَفِى النَّقْلِ بِالْخَبَرِ: قَوْلانِ
يعنى: أنه اختلف هل يكتفى بخبر الواحد عن الإمام وعن الخبر المنتشر؟ كذا نقل الباجى وابن رشد وابن زرقون.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه وعن الشاهدين، وليس كذلك فإن هذا الخلاف في النقل عن الإمام والخبر المنتشر لا عن الشاهدين.
انتهى.
ولفظ الباجي: وإذا ثبتت رؤية الهلال عند الإمام وحكم بذلك وأمر بالصيام، ونقل ذلك إليك العدل أو نقله إليك عن بلد آخر فقد قال أحمد بن ميسر الإسكندراني: يلزمك الصوم من باب قبول خبر الواحد العدل لا من باب الشهادة.
قال الشيخ أبو محمد: وقول ابن ميسر صواب.
كما ينقل الجل إلى أهله وابنته البكر مثل ذلك فيلزمهم تبييت الصيام بقوله.
انتهى.
ابن هارون: طعن أبو عمران في صحة ما نقله الشيخ أبو محمد وفي تشبيهه فقال: إنما الرواية عن ابن ميسر إذا وجه القوم رجلا فأخبرهم أنهم رأوا الهلال لزمهم الصوم بقوله.
قال: وهذا لا حجة فيه لأنهم لما بعثوه صار كالمستكشف لهم، قال: وليس هذا كنقل الرجل إلى أهله وولده؛ لأنه القائم عليهم.
ابن رشد وابن يونس: كلام [152/أ] أبى عمران لا معنى له، ولا فرق بين أن يخبرهم دون أن يبغثوه أو بعد أن يبعثوه.
قال فى المقدمات: وإنما يفترق ذلك عندى فيما يحكم به الإمام، فإن الإمام إذا بعث رجلا وجب عليه أن يأمر الناس بالصيام إذا أخبره بالثبوت عند حاكمهم أو بؤية مستفيضة، وإن
أخبره بذلك من غير إرسال وجب عليه هو الصيام في خاصة نفسه، ولم يصح له أنه يأمر الناس بذلك حتى يشهد عنده شاهد آخر؛ لأنه حكم فلا يكون إلا بشاهدين.
انتهى مختصرا.
قيل: والمشهور خلاف ما قاله ابن ميسر، وأنه لا بد من شاهدين، وفى اللخمى: واختلف فى الصوم بشهادة الواحد.
إذا أخبر عن رؤية نفسه، فمنع مالك أن يصام بشهادته لا على الوجوب ولا على الندب ولا الإباحة.
وقال أحمد بن ميسر: إذا أخبر عما ثبت في البلد أو أخبر عن بلد آخر أنه ؤي به صيم بقوله.
وأجاز ابن الماجشون في البلد نفسه إذا أخبر عن رؤية نفسه أو رؤية غيره.
انتهى.
وَيُقْبَلُ النَُقْلُ بِالْخَبَرِ إِلَى الأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ عَنْهُمَا عَلَى الأَصَحِّ، وَخُرِّجَ قُبُولُ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ لِلْمَشَقَّةِ ....
الضمير في عنهما.
ابن عبد السلام: يعود على الخبر المنتشر وعلى الإمام.
انتهى.
ومقتضى كلام المصنف أن مقابل الأصح لا يكفى فى ذلك إلا شاهدان، وفيه بعد.
ابن راشد: ولم أقف عليه.
ويحتمل أن يكون (الأصح) عائدا على قومه: (ونحوهم) يريد بنحوهم من ليس تحت حكمه مثل من يقتدى به إذا كان الإمام يضيع أمر الهلال، وفيه قولان لعبد الملك وسحنون، وتقدما.
فإن قيل: ما الفرق بين الشاهدين هنا والمؤذن الواحد، فإنه اتفق على قبول قوله، وكل منهما عدل مخبر بدخول الوقت؟.
فجوابه: إن المؤذن مستند في إخبارره إلى أمر يطلع عليه غيره عادة ويشاركه فيه بل ويتقدم عليه، ولو أخطأ لكثر النكير عليه، بخلاف الهلال فإنه لا يعلم إلا بقوله، لا سيما مع توف دواعى الناس وحرصهم على رؤيته وبذلهم وسعهم، فهم كالمعارضين له.
وما ذكره المصنف من التخريج والرد عليه ليس بالخفي.
ابن راشد: تنبيه: إذا حكم الحاكم بالصوم بشهادة شاهد لم يسع أحد مخالفته؛ لأن حكمه وافق محل الاجتهاد.
انتهى.
ولم ينقل ابن عطاء الله في هذا الفرع شيئا بل تردد فيه، وقال سند: لو حكم الحاكم بالصوم بالواحد لم يخالف.
قال: وفيه نظر؛ لأنه فتوى لا حكم، ونص القرافى فى فروقه في الفرق الرابع والعشرين والمائتين على أنه لا يلزم المالكى الصوم فى هذا قال: لأن ذلك فتوى وليس بحكم.
قال: وكذلك إذا قال الحاكم ثبت عندى أن الدين يسقط الزكاة.
وبنى ذلك على قاعدة وهي أن العبادات كلها لا يدخلها حكم بل الفتيا فقط، وليس للحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة وإنما يدخل الحكم في مصالح الدنيا.
والله أعلم.
فائدة: الشهادة يشترط فيها العدد والواية لا يشتط فيها ذلك مع أن الخبر يشملهما، والفرق أن الشهادة تتعلق بمعين فاشتط فيها العدد لقوة التهمة، بخلاف الرواية.
وَفِى قُبُولِ الشَّاهِدَيْنِ فِى الصَّحْوِ فِى الْمِصْرِ الْكَبِيرِ – ثَالِثُهَا: إِنْ نَظَرُوا إِلَى صَوْبٍ وَاحِدٍ رُدَّتْ ....
المشهور القبول، قاله ابن بشي وغيره.
وقال سحنون: لا يقبلان للتهمة، والقول الثالث لم أر من صرح به، ولم يذكره ابن بشير، على أنه خلاف، بل قال بعد القولين: وهو خلاف فى حال إن نظر الكل إلى صوب واحد ردت.
وإن انفردوا بالنظر إلى مواضع ثبتت شهادتهما؛ فلا ينبغى عده ثالثا.
وَإِذَا قُبِلا فَعُدَّ ثَلاثُونَ فَلَمْ يُرَ فِى الصَّحْوِ، فَفِيهَا: قَالَ مَالِكٌ هُمَا شَاهِدَا سُوءٍ
وإذا فعنا على المشهور فقبلا فعد الناس ثلاثين يوما ونظروا ليلة إحدى وثلاثين والسماء مصحية فلم ير فقال مالك فى المجموعة: هما شاهدا سوء.
اللخمى وغيره: يريد أنه قد تبين كذبهما؛ لأن الهلال لا يخفى مع كمال العدة قال مالك: وأى ريبة أكبر من هذه؟.
ابن عبد السلام: وعلى هذا يجب أن يقضى يوم إذا كانت شهادة الشاهدين على رؤية هلال شوال وعد الناس ثلاثين يوما ولم يوا هلال ذى القعدة، وكذلك يفسد الحج إذا شهدا بهلال ذى القعدة انتهى.
وقوله: (فَفِيهَا) عائد على المسألة، وفى بعض النسخ إسقاطها وكأنهم لم يوا المسألة في المدونة يستشكلونها فيسقطونها.
وَيَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ عَدْلاً أَوْ مَرْجُوّاً رَفْعُ رُؤْيَتِهِ، وَفِى غَيْرِهِمَا قَوْلانِ
أما الوجوب في حق العدل أو مرجو العدالة فواضح لرجاء انضمام آخر فتكمل الشهادة، وهل يجب على غيرهما؟ وهو قول ابن عبد الحكم رجاء أن يقتدى به غيره، ولعل ذلك يكثر فيؤدى إلى الانتشار أولا؟ وهو قول عبد الوهاب؛ للأنه يضع من نفسه بغير فائدة، ونقل اللخمى عن أشهب في غير العدل إن لم يكن حاله منكشفا وأشبه أن تقبل شهادته كان عليه أن يرفع، وإن كان منكشفا فأحب له ذلك، وليس بواجب عليه، وهذا قول ثالث بالاستحباب.
وَيَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ الإِمْسَاكُ
أى: الثلاثة [152/ب] المتقدمة، العدل والمرجو وغيرهما لحصول سبب الوجوب وهو الرؤية.
وَمِنْ أَفْطَرَ فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَفِى الْمُتَأَوِّلِ قَوْلانِ
يعنى: أن من أفطر من هذه الثلاثة منتهكا يجب عليه القضاء والكفارة اتفاقا، وإن تأول فقولان: المشهور وجوب الكفارة.
وقال أشهب في المدونة والمجموعة: لا كفارة عليه، وهما خلاف في حال هل هو تأويل قريب أو بعيد.
وجعل المصنف وغيره قول أشهب خلافا، وإلى هذا ذهب ابن يونس، وذكر ذلك عند الكلام على التأويل المسقط للكفارة.
ونقل أبو الحسن عن الشيوخ أنهم جعلوا قوله تقييدا.
فرع:
فإن صام هذا الرائى وحده ثلاثين ثم لم ير أحد الهلال والسماء مصحية؛ فقال محمد ابن عبد الحكم وابن المواز: هذا محال ويدل على أنه غلط.
وقال بعضهم: أى ينبغى أن يعمل فى ذلك على اعتقاده الأول ويكتم أمره.
وَلا يُفْطِرُ فى هِلالِ شَوَّالٍ ظَاهِراً وَلا خُفْيَةً، وَإِنْ أَمِنَ الظُّهُورَ عَلَى الأَصَحِّ
أى: من انفرد بؤية هلال شوال ولم يكن له عذر يستتر به فى الفطر فلا يفطر ظاهرا؛ لأنه يعض نفسه للأذى مع إمكان تحصيل غرض الشرع بالفطر بالنية.
وهل يجوز له الفطر خفية إذا أمن الظهور؟ قولان، أصحهما المنع؛ لأنه قد يتطرق اليه، وغرض الشرع حاصل بالنية.
وهذا الأصح منصوص لمالك فى العتبية قال فى البيان: ومثله فى الموطأ والمدونة وغيرهما من الدواوين، وكذلك إن رأى هلال ذى الحجة وحده يجب عليه أن يقف وحده دون الناس ويجزيه ذلك من حجه.
قال بعض المتأخين: وهو صحيح.
انتهى.
ولعل بعض المتأخرين المشار إليه هو أبو عمران، لكنه زاد: ثم يعيد الوقوف مع الناس.
قيل له: فإن خاف من الانفراد قال: هذا لا يكاد ينزل ولم يقل شيئا.
عبد الحق: ويحتمل أن يقال: يكون كالمحصر بعدو ويحل ثم ينشئ الحج من مكة مع الناس، ويحج معهم على رؤيتهم استحسانا واحتياطا، وإن أمكنه أن يأكل عند طلوع الفجر أو عند الغروب فحسن؛ لأنه إن ظهر عليه حينئذ لم ينسب إليه إلا الغلط.
ومقابل الأصح لم أره منصوصاً، وخرجه اللخمى من مسألة الزوجين يشهد عليهما شاهدان بطلاق الثلاث، والزوجان يعلمان أنهما شهدا بزور فقد قيل: لا بأس أن يصيبهما خفية، والأكل مثله من باب أولى؛ لأن ما يكون من الواحد وهو الأكل، أخف مما يكون من اثنين وهو الجماع لأن التخفى فى الأكل أكثر من الجماع.
فرع:
فإن ظهر على من يأكل وقال: رأيت الهلال؛ فقال أشهب: يعاقب إن كان غير مأمون، إلا أن يكون ذكر ذلك قبل وأذاعه، وإن كان مأمونا لم يعاقب وقدم إليه ألا يعود، فإن فعل عوقب، إلا أن يكون من أهل الدين أو الرضى، نقله اللخمى.
فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يُخْفِيهِ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ أَفْطَرَ
كان تامة، ونحو السفر المرض والحيض.
أى فإن حصل لهذا المنفرد بالرؤية عذر يبيح الفطر في رمضان متعمدا أفطر، وهو ظاهر.
وَمَتَى رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلِلْقَابِلَةِ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: إن رؤي الهلال بعد الزوال فالاتفاق على أنه للقابلة، قاله ابن عبد السلام، وإن رؤي قبله فالأصح أنه للقابلة أيضا.
قاله مالك في كتاب ابن حبيب وشرح ابن مزين؛ فيستمر الناس على ما ابتدأوه من صيام في رمضان أو فطر في شعبان.
وقال ابن وهب وعيسى بن دينار وابن حبيب: هو للماضية.
وقيل: أما فى الصوم فللماضية، وأما فى الفطر فللقابلة، حكاه ابن غلاب.
وظاهره أنه فى المذهب، وإنما حكاه ابن زرقزن عن بعض أهل الظاهر.
وَإِذَا انْفَرَدَ عَدْلٌ فِي أَوَّلِهِ، وَعَدْلٌ بَعْدَ ثَلاثِينَ، فَفِي تَلْفيقِهِمَا قَوْلانِ بِخِلافِ مَا قَبْلَهُ
أي: إذا شهد واحد برؤية هلال رمضان ثم آخر بهلال شوال، وبينهما ثلاثون يوما فهل تلفق الشهادة ويفطر الناس أم لا؟ قولان.
بخلاف ما لو كان بين الرؤيتين تسعة وعشرين يوما فلا تلفق شهادتهما وإليه إشار بقوله: (بِخِلافِ مَا قَبْلَهُ).
كذا قال ابن عبد السلام ونحوه لابن بشير.
وأصل هذه المسألة ليحيى بن عمر قال في المجموعة: وإذا شهد شاهد على هلال رمضان وآخر على هلال شوال لم يفطر بشهادتهما.
الباجى: زمعناه عندى أن الشاهد الثانى رآه بعد ثلاثين يوما من رؤية الأول؛ لأن شهادة الثانى لا تصحح شهادة الأول؛ لأنه يحتمل ألا يكون الأول رأى شيئا ورأى الثانى هلال شوال لتسعة وعشرين خلت من رمضان.
وأما إن رأى الثاني بعد تسعة وعشرين يوما من رؤية الأول فإنه يجب أن يفطر بشهادتهما؛ لأن شهادة الثانى تصحح شهادة الأول على كل حال؛ لأنه محال أن يصدق الثاني ولا يصدق الأول.
انتهى بالمعنى.
ابن زرقون: قوله: يجب أن يفطر بشهادتهما وهم؛ لأن الأول لا يصحح شهادة الثاني إذا رآه بعد تسعة وعشرين من رؤية الأول، وإنما يصحح الثاني شهادة الأول، والصواب أن يقال: يقضى اليوم الذى شهد به الأول لأنهما اتفقا إنه من رمضان وإذا رآه الثاني بعد ثلاثين من رؤية الأول وجب أن يفطر لاتفاقهما أن ذلك اليوم من غير رمضان، ولم يجب قضاء اليوم الذى شهد به الأول لأنهما لم يجتمعا عليه فتأمله.
والصواب قول يحيى بن عمر: لا تلفق الشهادتان بحال.
انتهى.
وذكر [153/أ] في المقدمات بعد أن ذكر قول يخيى بن عمر: وقال غيره من أهل العلم: يجوز، ومعنى ذلك إذا شهد الشاهد على هلال رمضان أنه رآه بعد ثلاثين يوما من رؤية الشاهد على هلال شعبان، إذ ليس في شهادة الشاهد الثانى تصديق للأول، وأما لو رآه الشاهد الثانى بعد تسعة وعشرين يوما من رؤية الأول لوجب أن تجوز شهادتهما؛ لأن الشاهد الثانى يصدق الشاهد الأول، إذ لا يصح أن يصدق الشاهد الثانى إلا والأول صادق فى شهادته يريد بصيام التمام من شهادته، قال: وهو معنى خفي.
ابن رشد: وليس هو عندي بين المعنى؛ لأنه كما يصدق هنا الشاهد الثانى الشاهد الأول من أجل أنه لا يرى الهلال ليلة التسعة وعشرين فكذلك يصدق في المسألة الأولى الشاهد الأول الشاهد الثانى من أجل أنه لابد أن يرى ليلة إحدى وثلاثين.
فالصحيح عندى لا فرق بين المسألتين وأنهما جميعا يتخرجان على قولين، وقد اختلف إذا اتفق الشاهدان على ما يوجبه الحكم، واختلفا فيما شهدا به، والمشهور أن شهادتهما لا تجوز.
انتهى.
خليل: وكذلك أشار غيره إلى أن هذه المسألة تتخرج على الخلاف فى تلفيق الشهادة فى الأفعال، والمشهور كما ذكر عدم التلفيق، والظاهر أنهما لا تجري عليهما بل هذه أولى بالقبول؛ لأن كلا من الشاهدين يصدق الآخر هنا فى مجموع شهادته، ولا كذلك في مسألة تلفيق الشهادة؛ لأن صورتها أن يقول شاهد مثلا: رأيته قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت.
ويقول الآخر: رأيته قال إن كلمت زيدا فأنت طالق، فكلمته، فأنت ترى أن شهادة كل واحد لا تستلزم صدق ما شهد به الآخر بخلاف المسألة المتقدمة.
ورد اللخمي المسألة إلى تلفيق الشهادة فى الأقوال لأنه قال: إن شهد واحد أنه رأى هلال رمضان ليلة الأحد وشهد الآخر أنه رآه ليلة الاثنين لم يلفق لأنهما يجتمعان أن يوم الاثنين يوم فطر لاحتمال أن يكون الشهر كاملا على رؤية الأول.
وإن شهد الثانى أنه رآه ليلة الثلاثاء وهو صحو لم يفطر بشهادتهما.
وإن كان غيم ضمت الشهادتين على أحد القولين فى ضم الأقوال لاتفاق الشهادتين أنه يوم فطر.
انتهى.
الثَّانِى: إِتْمَامُ ثَلاثِينَ، وَلَوْ غُمَّ شُهُوراً مُتَعَدِّدَةً، وَلا يُلْتَفَتُ إِلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ اِتِّفَاقاً، وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدادِيِّينَ ....
أي: الأمر الثاني من الأمرين اللذين يعرف بهما هلال رمضان إتمام ثلاثين يوما ولو غم شهورا متعددة لما فى الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم.
فاقدروا له" وتقديره لتمام الشهر الذى أنت فيه ثلاثين.
وكذلك وقع مصرحا به فى بعض الروايات
رواها مالك والبخاري ومسلم، ولا يعتمد على قول المنجمين أن الشهر ناقص، وروى ابن نافع عن مالك في الإمام الذي يعتمد على الحساب أنه لا يقتدي به ولا يتبع.
عياض: ومعنى قوله: "غم عليكم"، ستر عليكم، من قولهم: غممت الشيء إذا سترته، ويكون من تغطية الغمام إياه وليس من الغم.
وقال ابن أبي زمنين: معنى "غُم" التبس العدد من قبل الغم أو من قبل الشك في الرؤية، وليس هو من الغيم وإلا لقال: غيم.
وقوله: (وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدادِيِّينَ) إشارة إلى ما روي عن ابن شريح وغيره من الشافعية.
وهو مذهب مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير من كبار التابعين.
ابن بَزِيزةَ: وهي رواية شاذة في المذهب.
رواها بعض البغداديين عن مالك.
ويحمل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا له" من التقدير بالحساب والتنجيم.
وهذه تنقض الاتفاق، ونقل بعضهم مثلها عن الداودي.
وَإِذَا كَانَ غَيْمٌ، وَلَمْ تَثْبُتِ الرُّؤْيَةُ فَذَلِكَ يَوْمُ الشَّكِّ فَيَنْبَغِي الإِمْسَاكُ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ بِمَنْ يَاتِي مِنَ السُّفَّارِ وَغَيْرَهِمْ ...
أي: أن يوم الشك الذي جاء النهي عن صيامه هو أن تكون السماء مغيمة ليلة ثلاثين ولم تثبت الرؤية، فصبيحة تلك الليلة هو يوم الشك.
وفي كلامه تجوّز؛ لأن الإشارة بقوله: (فَذَلِكَ).
لا تعود على شيء من كلامه.
فَإِنْ ثَبَتَتِ الرُّؤْيَةُ وَجَبَ الإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ، وَلَوْ كَانَ أَفْطَرَ أَوْ عَزَمَ
وجب الإمساك لثبوت رمضان والقضاء لعدم ثبوت النية الجازمة.
وقوله: (لَوْ كَانَ أَفْطَرَ) راجع إلى الإمساك، وقوله: (أَوْ عَزَمَ) راجع إلى وجوب القضاء.
فَلَوْ ثَبَتَتْ ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلاً بِهِ كَفَّارَةٌ بِخِلافِ غَيْرَهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا وجب الإمساك بعد الثبوت، فمن أفطر بعد ذلك فإن تأول أن هذا اليوم لما لم يجزه يجوز له فطره فلا كفارة عليه، وإن لم يتأول وهو مراده بقوله: (بِخِلافِ غَيْرَهِ)،
فالمشهور وجوب الكفارة والشاذ سقوطها كالمتأول بناء على أن الكفارة معللة بانتهاك [153/ ب] حرمة الشهر، وقد حصل، أو بانتهاك إفساد صيام رمضان.
وَأَمَّا الْحَائِضُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُسَافِرُ تَزُولُ مَوَانِعُهُمْ فَلا يَجِبُ الإِتْمَامُ لأَنَّهُ أُبِيحَ مَعَ الْعَلْمِ أَوَّلاً ...
حاصله أن كل من أبيح له الفطر مع العلم بأن ذلك اليوم من رمضان، ثم زال عذره في أثناء ذلك اليوم، جاز له التمادي على الفطر، وقوله: (فَلا يَجِبُ).
لا ينفي الاستحباب.
وقد صرح ابن عطاء الله وابن عبد السلام بنفيه.
وإطلاق المصنف المانع على الحيض والجنون صحيح.
وعلى الصبا والسفر فيه مسامحة.
واحترز بقوله: (أُبِيحَ أولاً) من طُرُوِّ العلم يوم الشك.
وحكى اللخمي عن ابن حبيب في المغمي عليه مثل ما قاله المصنف من جواز تماديه على الفطر، قال: والذي يقتضيه المذهب لزوم الإمساك؛ لأنه صوم مختلف فيه هل يجزئ أم لا؟
وَلِذَلِكَ جَازَ وَطْءُ الْمُسَافِرِ يَقْدَمُ امْرَأَتَهُ تَطْهُرُ
أي: ولأجل الضابط المذكور جاز للمسافر إذا قدم ووجد امرأته طهرت في يوم قدومه أن يطأها.
واختلف إذا كانت نصرانية، فظاهر المذهب الجواز؛ لأنها ليست بصائمة.
وقال ابن شعبان: لا يجوز وإن وجدها بإثر الطهر، لأنها متعدية بترك الإسلام.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يطأها إذا كانت كما طهرت، كما لو كانت مسلمة، ولا يطأها إذا كانت طاهرة قبل قدومه، واستشكل قول ابن شعبان أنه لا يجوز وطؤها وإن وجدها بإثر الطهر، لأنها لو أسلمت يومئذٍ لجاز له وطؤها، فلا أثر لكفرها، وكأن ابن شعبان، لاحظ كون فطرها للكفر لا للحيض فمنعه أن يعينها عليه، ووقع في بعض النسخ (وامرأته) بزيادة الواو ولا حاجة إليها.
وَفِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ قَوْلانِ
أي: اختلف في الكافر إذا أسلم في أثناء نهار رمضان هل يجب عليه الإمساك أو يستحب؟ عياض: والاستحباب لمالكٍ في المدونة.
وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك وابن حبيب وابن خويز منداد لأنه لما غفر الله له ما تقدم ساوى المجنون يفيق.
الباجي: ومن قال من أصحابنا بخطاب الكفار، وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه أوجب عليه الإمساك.
وعلى هذا فيكون ظاهر المذهب وجوب الإمساك، لكن قال عياض: وهو تخريج بعيد، ولو كان كذلك لما اختص باليوم الذي أسلم فيه مما قبله، ولا فرق بينه وبين ما سبقه لفوات صومه شرعاً كاليوم السابق، ولو كان على ما قال لكان القضاء والإمساك واجبين على القول بخطابهم.
ولم يقل بوجوب ذلك أحد من شيوخنا، وإنما استحب الإمساك لتظهر عليه صفات المسلمين في ذلك اليوم.
انتهى.
ونقل اللخمي عن أشهب في المجموعة أنه قال: لا يمسك بقية اليوم.
قال: وعلى قوله لا يقضيه وهو أحسن لجب الإسلام.
عياض: وتخريج اللخمي ترك القضاء على القول بترك الإمساك واستحبابه على استحباب الإمساك، فيه نظر؛ لإإنه لا يطرد، إذ الحائض ممنوعة من الإمساك والقضاء واجب عليها، والناسي في الفرض مأمور بالإمساك وعليه القضاء، والمغمى والمحتلم لا يمسكان ولا يقضيان، والناسي لصومه يفطر في التطوع، مأمور بالإمساك ولا قضاء.
فلا ملازمة بينهما.
وفِيمَنْ أَفْطَرَ بِعَطَشٍ ونَحْوِهِ فَأَزَالَهُ: قَوْلانِ كَمُضْطَرِّ الْمَيْتَةِ
يعني: أنه اختلف فيمن أدركته ضرورة فأزالها إما بشرب في العطش أو بأكل في الجوع هل له أن يستديم الأكل بقية النهار اختياراً ولو بالجماع؟ أجاز ذلك سحنون.
وقال
ابن حبيب: يزيل ضرورته فقط، قال: وإن أكل بعد ذلك جهلاً أو تأويلاً أو تعمداً فلا كفارة، لأنه شبيه بالمريض.
اللخمي: والأول أقيس، وفي أسئلة ابن رشد، لما سئل عن الرجل يصيبه العطش الشديد في رمضان فيفطر ويأكل بقية يومه ويجامع أهله: اختلف في هذا والصحيح أن عليه القضاء والكفارة إلا أن يفعل ذلك متأولاً، وقال عبد الملك: إن بدأ بالجماع كفّر وإن بدأ بالأكل لم يكفّر.
وقوله: (كَمُضْطَر الْمَيْتَةِ).
أي إن قلنا: يشبع ويتزود، وهو المشهور، جاز له التمادي.
وعلى قول ابن حبيب إنما يأكل قدر سد رمقه يزيل به ضرورته.
وَيُصَامُ نَذْراً أَوْ قَضَاءً أَوْ بعَادَةٍ
أي: يصام يوم الشك (نذراً) أي ينذر يوماً فيوافقه أو أياماً فيوافق أن يكون يوم الشك بعضها، إلا أن ينذره من حيث أنه يوم الشك فإن ذلك لا يلزم لأنه نذر معصية.
(أَوْ قَضَاءً) كمن عليه يوم من رمضان فيقضيه في يوم الشك (أَوْ بعَادَةٍ) كمن يسرد الصوم، أو يوافق يوماً جرت عادته أن يصومه كيوم الاثنين والخميس.
وفي كلامه مناقشة؛ لأن قوله: (يُصَامُ نَذْراً) يوهم أن الفروع المتقدمة مختصة بيوم الشك؛ وليس كذلك بل هي عامة فيه وفي غيره.
وَفِي صَوْمِهِ تَطَوُّعاً الْجَوَازُ وَالْكَرَاهَةُ
المشهور: الجواز، وقصر النهي على من صامه للاحتياط.
[154/ أ] قال في الموطأ: وعلى ذلك أهل العلم ببلدنا.
والكراهة لمحمد بن مسلمة، هكذا نقل عنه ابن عطاء الله، ونقل اللخمي عنه أنه قال: إن شاء صامه وإن شاء أفطره.
فلعل له قولين، ووجه الكراهة مخافة موافقة أهل البدع.
وَالْمَنْصُوصُ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ احْتِيَاطًا، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ
أي: المنقول في المذهب النهي عن صيامه احتياطاً لما صححه الترمذي من حديث عمار ابن ياسر: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ولم يبين المصنف هل النهي فيه على الكراهة أو التحريم؛ وظاهر الحديث التحريم، وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك؛ لأنه قال: ومنعه مالك.
وفي المدونة: ولا ينبغي صيام يوم الشك.
وحملها أبو الحسن على المنع.
الجلاب: ويكره صوم يوم الشك.
وقال ابن عطاء الله: الكافة مُجْمِعون على كراهة صومه احتياطاً.
وَخَرَّجَ اللخميُّ وُجُوبَهُ مِنْ وُجُوبِ الإِمْسَاكِ عَلَى مِنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ، وَمِنَ الْحائِضِ تَتَجَاوَزُ عَادَتَهَا ....
هذا مقابل المنصوص: أي خرّج اللخمي وجوب صوم يوم الشك من مسألتين: الأولى: إذا شك في الفجر؛ فقيل: يجب عليه الإمساك، وقيل: يستحب.
قال اللخمي: فيؤمر بالإمساك هنا على طريق الوجوب والاستحباب قياساً على الشك في الفجر، والجمع أن كل واحد من الزمانين مشكوك فيه، هل هو جزء الواجب؟ الثنية: الحائض يتجاوز دمها عادتها ولم تبلغ خمسة عشر يوماً.
فخرج اللخمي على القول بأنها تحتاط بالصيام وتقضي أن يكون الحكم في يوم الشك كذلك، والجامع الشك في دخول الوقت في المحلين.
وَهُوَ غَلَطٌ لِثُبُوتِ النَّهْي
أي: أن التخريج المذكور غلط؛ لأن الجامع المذكور في الصورتين إن لم يكن صحيحاً فلا تخريج وإن كان صحيحاً منع من إجزاء الوجوب لثبوت النهي وهو حديث عمار بن ياسر ويكون حينئذٍ قياساً فاسد الاعتبار.
وانظر كيف جزم بالغلط وهو من باب تعارض القياس وخبر الواحد، وقد اختلف أهل الأصول في أيهما يقدم؟
وَلَوْ صَامَهُ احْتِيَاطاً ثُمَّ ثَبَتَ لَمْ يُجْزِهِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَقَالَ أَشْهَبُ: كَمَنْ صَلَّى شَاكًّا فِي الْوَقْتِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الْوَقْتُ ....
أي: من صام يوم الشك احتياطاً ثم تبين أنه من رمضان لم يجزه لعدم النية الجازمة، وما نقله المصنف من العمل هو في الموطأ وتشبيه أشهب ظاهر.
وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّ الصَّوْمَ بِالشَّكِّ مَامُورٌ بِهِ بِخِلافِ شَكِّ الْوَقْتِ
أي: ورد اللخمي تشبيه أشهب، قال في التبصرة بعد تشبيه أشهب: وليس السؤالان سواء؛ لأن من شك في وقت الظهر مأمور أن يؤخر حتى لا يشك.
ولا يقال له: احتط بتعجيل الصلاة في وقت يشك فيه، ومن شكّ في الفجر أو الهلال مأمور أن يعجل الإمساك.
وَقَالَ: هِيَ مِثْلُ مِنْ تَطَهَّرِ أَوْ تَوَضَّأَ شَاكًّا ثُمَّ تَبَيّّنَ لَهُ الْوُجُوبُ، وَفِيهَا قَوْلانِ
يعني: أن اللخمي لما رد على أشهب تشبيهه شبّه المسألة بمسألة أخرى مختلف فيها.
قال بإثر الكلام السابق: وهو بمنزلة من شك في صلاة هل هي عليه أم لا؟ وشك هل أجنب أم لا؛ فاغتسل ثم تبين له أنه كان جنباً.
انتهى.
وَالصَّوَابُ مَعَ أَشْهَبَ
إنما كان الصواب مع أشهب؛ لأن كلام اللخمي يستلزم أن يكون في الصيام قولاً بالإجزاء، وهو لا يجوز؛ لأن المنهي عنه لا يجزئ عن المأمور به، وكونه منهياً عنه ظاهر، لحديث عمار المتقدم، لكن هذا إنما يتم في يوم الشك لا في الشك في الفجر؛ فانظره.
على أن اللخمي لم يصرح بيوم الشك في كلامه، ويمكن حمل قوله: ومن شك في الفجر أو الهلال على هلال شوال.
نعم فهم ابن بشير عنه أنه أراد يوم الشك.
وَأَمَّا الأَسِيرُ وَنَحْوُهُ لا يُمْكِنُهُ رُؤْيَةٌ وَلا غَيْرُهَا فَيُكْمِلُ ثَلاثِينِ
أي: أن الأسير ونحوه من محبوس وتاجر ببلد العدو، إن لم تمكنه رؤية ولا غيرها أي استخبار من ثقة كمل الشهور ثلاثين؛ أما إن أمكنه ذلك فحكمه حكم المطلق، فيعمل على ما تقدم، وهذا كله لا خلاف فيه، قاله ابن عبد السلام.
فَإِنِ الْتَبَسَتِ الشُّهُورُ بَنَى عَلَى الظَّنِّ
هذا ظاهر؛ لأنا متعبدون في المشتبهات بما يغلب على الظن، وناقش ابن هارون المصنف بأنه إذا وجب البناء على الظن فلا التباس، وإنما اللبس مع الشك.
فَإِنْ فُقِدَ الظَّنُّ فَقَوْلانِ؛ كَمَنِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ أَوْ نَسِيَ يَوْمَ نَذْرِهِ صَامَ جَمِيعَ الشُّهُورِ، ويتَحَرَّى شَهْرًا .....
أي: فإن لم يجد أمارة تحصل له الظن فقولان، كالقولين فيمن التبست عليه القبلة.
هل يصلي إلى أربع جهات أو يتحرى جهة؟ وكالقولين فيمن نذر يوماً معيناً من الجمعة ثم نسيه، هل يصوم جميع أيام الجمع أو يتحري؟ وظاهر كلامه أن القولين منصوصان؛ والذي ذكره ابن بشير: أن المتأخرين خرجوهما من هاتين المسألتين.
وعلى ما ذكره ابن بشير، فالفرق ظاهر، لأن صيام جميع الشهور فيه مشقة [154/ب] عظيمة، بل يكاد يكون من باب تكليف ما لا يطاق، بخلاف المسألتين الأخيرتين، فقوله: (صَامَ جَمِيعَ الشُّهُورِ)، هو القول الأ, ل. وقوله: (ويتَحَرَّى) هو القول الثاني، وفيه مناقشة، لأن فرض المسألة أنه فاقد للظن، فكيف يتحرى؟ وإنما مراده يتخير، وأطلق رحمه الله التحري على التخيير لعدم اللبس.
فَإِنْ تَحَرَّى فَأَخْطَأَ بِمَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَخْطَأَ بِمَا قَبْلَهُ لَمْ يُجِزْهِ الأَوَّلُ اتِّفَاقاً، وَفِي وُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ قَضَاءً عَنِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي قَوْلاَنِ ...
أي: وإذا قلنا يتحرى شهراً فاجتهد وصام شهراً، إما مع الظن وإما مع الشك على أحد القولين ثم انكشف له الحال، فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يعلم أنه صادفه؛ قال في البيان: وأما إن علم أنه صادفه بتحريه لم يجزئه على مذهب أشهب وابن القاسم، وأما إن بقي على شكه فلا يجزئه على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على مذهب ابن الماجشون وسحنون وأما إن أخطأ بما بعده فقال المصنف أجزأه.
قال في البيان: بالاتفاق.
وانظر كيف اتفقوا على الإجزاء إذا صادف شهراً بعده، مع قول ابن رشد: إن على مذهب ابن القاسم لا يجزئه إذا صادفه، وينبغي أن يكون عدم الإجزاء إذا صادف ما بعده أولى.
وقد نقل الشيخ أبو محمد في النادر عن ابن القاسم الإجزاء إذا صادفه، وكذلك صدر صاحب الإشراف به ثم قال: وفيه خلاف.
وأما إن علم أنه صام قبله كما لو صام شعبان فلا يجزئه في العام الأول اتفاقاً.
ونقل في البيان الاتفاق كالمصنف، وعلى هذا فيقضي شهراً للعام الأخير اتفاقاً.
واختلف هل يقع شعبان في السنة قضاء عن السنة الأولى؟ وشعبان الثالثة قضاء عن السنة الثانية؟ حكى المصنف وغيره في ذلك قولين، والإجزاء لعبد الملك؛ قال في البيان: والصحيح عدم الإجزاء.
ابن راشد: وهو المشهور.
ابن أبي زمنين: وهو الصواب عند أهل النظر.
فرع:
وإن قلنا بالإجزاء إذا وافق شهراً بعده، فالمعتبر عدد رمضان على المشهور كما سيأتي.
وعلى هذا فإن وافق شوالاً لم يعتد بيوم العيد ثم إن كانا كاملين أو ناقصين قضى يوماً
واحداً وهو يوم العيد.
وإن كان رمضان ناقصاً وشوال كاملاً لم يقض.
وإن كان العكس قضى يومين.
وكذلك إن صادف ذي الحجة لم يعتد بيوم النحر ولا بأيام التشريق ثم ينظر إلى ما بقي.
تنبيه:
قال الباجي: وهل تجزئ نية الأداء عن نية القضاء؟، يتخرج في ذلك وجهان على اختلاف أصحابنا في الأسير، إذا التبست عليه الشهور فصام شعبان أعواماً يعتقد أنه رمضان فذكر القولين.
فهل يجزيه شعبان السنة الثانية عن رمضان السنة الأولى؟ وفهم عنه سند وابن عطاء الله، أنه قصد تخريج هذين القولين في الصلاة، واعترضا عليه، بأن قالا: لا نعرف في إجزاء نية الأداء عن نية القضاء خلافاً، فإن استيقظ، ولم يعلم بطلوع الشمس فصلى معتقداً أن الوقت باق صحت صلاته، وإن كانت بعد طلوع الشمس وفاقاً.
خليل: وفي كل منهما نظر.
لأنه لا يلزم من الاتفاق في الصلاة نفي التخريج فيها، ولو كان الخلاف في الصلاة لم يحتج إلى التخريج، ثم قال الباجي: وأما إجزاء نية القضاء عن نية الأداء، فيتخرج في ذلك أيضاً وجهان على اختلاف أصحابنا فيمن صام رمضان قضاء عن رمضان.
خليل: وإنما يظهر التخريج على القول بالإجزاء، وأما القول بعدم الإجزاء فلا، لاحتمال أن يكون السبب في عدم إجزاء رمضان عن رمضان كون رمضان آخر لا يقبل غيره.
والله أعلم.
وَشَرْطُ الصَّوْمِ كُلَّهِ النِّيْةُ مِنَ اللِّيْلِ
أي: فرضه، ونفله، مُعَيَّنه ومطلقه، لما رواه البخاري ومسلم من قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات".
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت
الصيام من الليل" رواه النسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجة؛ ولا يقال: ليس بعمل، فلا يتناوله الأول، لقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه عز وجل: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به".
وقول الطحاوي: إن الاستثناء في قوله عليه الصلاة والسلام: "إلا الصوم" منقطع، بعيد.
وَلا يُشْتَرَطُ مُقَارَنُتَهَا لِلْفَجْرِ لِلْمَشَقَّةِ
هذا ظاهر، ونص القاضي أبو محمد: على أنه يصح أن تكون مقارنتها للفجر، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، لأنه إنما نفى ذلك للمشقة، فدل على أن اقترانها بالفجر هو الأصل.
وفي البيان: يصح إيقاعها في جميع الليل إلى الفجر.
وقيل إيقاعها مع الفجر لا يصح.
والأول أصح لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].
وَالْمَشْهُورُ الاكْتِفَاءُ بِهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ رَمَضَانَ لِجَمِيعِهِ
المشهور كما ذكر المؤلف، وبه قال أحمد بن حنبل.
وجماعة.
قال في البيان: وحكى ابن عبد البر عن مالك وجوب التبييت كل ليلة وهو شذوذ في المذهب.
انتهى.
وظاهره أن هذا القول منصوص وذكر [155/ أ] جماعة أن ابن عبد الحكم إنما تأوله من عموم قول مالك: لا صيام لمن لم يبيت الصيام.
ولكن إن كان هذا هو النقل الصحيح ففي تأويل ابن عبد الحكم نظر؛ لأن قول مالك يكون كقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" وهو لا يدل عند الإمام على وجوب التبييت كل ليلة.
والله أعلم.
ورأى في المشهور أن الشهر كله كالعبادة الواحدة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]؟ قال سند: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. وظاهر الإتمام فعل لما
قد مضى.
والشاذ إن ثبت ظاهر في النظر؛ لأن أيام الشهر عبادات متعددة، بدليل أن إفساد يوم لا يوجب إفساد ما مضى وبه قال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما.
فرع:
ولا يجوز تقديم النية قبل الليل وهو قول الكافة، لحديث التبييت المتقدم.
وما ذكره من الاكتفاء بنية واحدة إنما هو في حق الحاضر وأما المسافر فلا بد له من التبييت كل ليلة، قاله في العتبية؛ والمريض يلحق بالمسافر، وحكى سند قولاً ثانياً في المسافر بالاكتفاء بنية واحدة، وأشار اللخمي إلى أنه مخرج على القول بالاكتفاء بالواحدة في السرد.
وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ
أي: وكذلك يكتفي في الكفارات.
يريد التي يجب تتابعها، كشهري الظهار وقتل النفس.
ولو قال: ما يجب تتابعه كما في الجلاب لكان أولى ليعم غير الكفارات كما لو نذر شهراً أو نذر تتابع ما لا يجب تتابعه.
وَفِي إِلْحَاقِ السَّرْدَ وَنَذْرِ يَوْمٍ مُعَيَّنِ – ثَالِثُهَا: يَلْحَقُ السَّرْدُ
اللخمي: اختلف فيما لا يجب تتابعه كرمضان في السفر، وقضاء من أفطره لمرض أو سفر وما أشبه ذلك، وما لا تصح متابعته كيوم الخميس ويوم الاثنين على ثلاثة أقوال، فذكرها المصنف والقول بالاكتفاء لمالك في المختصر.
أما المتتابع، فلأن تتابعه يحصل به الشبه برمضان وأما المتعين فلوجوبه وتكرره وتعين زمانه.
والقول بأنه لابد من التجديد فيهما لابن القاسم.
قال في البيان: وهو الصحيح، وهو مذهب مالك في المدونة؛ لأن ظاهر قوله فيها في المرأة تحيض في رمضان، ثم تطهر، أن الصيام لا يجزيها إلا أن تجدد النية الأولى في الصيام الثاني ولو لم يراع ما بينهما من الفطر لوجب أن لا يحتاج في أول رمضان إلى نية لتقدم النية
في صيامه قبل دخوله، وهذا لا يقوله أحد غير ابن الماجشون.
ويدل على ما اخترناه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" فإنه يقتضي انه لا يصح تقديمها قبل ليلة صومه، فكيف يصح ما روي عن مالك أنه إذا نذر يوماً بعينه أن النية تجزئه قبل ذلك بأيام انتهى بمعناه.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ
أي: فإنه لا يجزئ إلا بنية من الليل، والشاذ لابن حبيب صحة صومه بنية من النهار؛ لما في أبي داود: أن أسلم أتت النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: "صمتم يومكم هذا"؟ قالوا: لا.
قال: "فأتموا بقية يومكم واقضوه" أي يوم عاشوراء.
عبد الحق: ولا يصح هذا الحديث في القضاء.
ثم إن ابن حبيب لم يلحق سائر التطوعات بعاشوراء كما فعل الشافعي، على أنه يحتمل أن يكون هذا الحديث إنما كان في وقت كان عاشوراء فرضاً.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يَحْتَاجُ الْمُعيَّنُ إِلَى نِيَّةٍ
هذا القول راجع إلى ما تقدم من قوله: (وشرط الصوم كله النية من الليل) وما حكاه عن ابن الماجشون ابن عبد السلام، حكاه عنه القاضي وعن ابن المعذل.
انتهى.
وقوله: (الْمُعَيَّنُ) فيه عموم؛ وفي المقدمات: وقال ابن الماجشون في الواضحة أن أهل البلد إذا عمهم علم رؤية الهلال بالرؤية وبالشهادة عند حاكم الموضع يجزئ من لم يعلم وإن لم يبيت الصيام، وكذلك الغافل والمجنون؛ فكأنه لما رأى تعين صوم اليوم، أجزأه ما تقدم من نيته لصيام رمضان كناذر يوم من أيام الجمعة وعلى هذا لا يحتاج أن يعمهم على الرؤية.
انتهى.
ونحوه حكاه الباجي عنه في المبسوط، وأشار في البيان إلى أنه يصح أيضاً على قوله: إذا تخلل رمضان مرض أو سفر من غير تجديد نية.
ونقل عبد الحق عنه إذا أصبح في رمضان بعد أوله ينوي الفطر ناسياً أنه لا شيء عليه.
ابن حبيب: بخلاف أول يوم.
فَإِنَّ اِنْقَطَعَ التَّتَابُعُ بأَمْرٍ- فَالْمَشْهُورُ تَجْدِيدُهَا، وَثَالِثُهَا: يُجَدِّدُ غَيْرُ الْحائِضِ لِقَوْلِهِ فِي الشَّاكَّةِ: تَقْضِي لأَنَّها لا تَدْرِي أَطَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَمْ لا؟ فَلَمْ يَذْكُرِ النِّيَّةَ ....
أي: إذا فرع على المشهور من عدم اشتراط التبييت في كل ليلة؛ فانقطع التتابع بفطر لمرض أو حيض أو سفر أو نسيان، فهل يلزمه تجديد النية؟ وهو المشهور، وعبر عنه في التنبيهات بالمعروف، أو لا يلزمه؟ أو يفرق بين من انقطع التتابع في حقها بالحيض فلا يلزمها تجديد؟ وبين غيرها فيلزمه؟
ابن رشد: والقول الثاني لم أره معزواً، واستقرأ ابن محرز الثالث من مفهوم الفرع الذي ذكره المصنف، إذ هو يقتضي بحسب مفهوم العلة، أنها لو تيقنت أن الدم انقطع عنها قبل الفجر، لما قضت، مع أنها لم تتقدم لها نية، وفيه ضعف؛ لأنه لا يلزم من السكوت عن النية [155/ب] عدم اشتراطها.
وفرق بعض المتأخرين بين الحائض وغيرها بوجهين: أحدهما: أنها معولة في الغالب على وجود الحيض، فكأنها قاصدة في الأول إلى التبييت بعد انقضاء الحيض بخلاف المريض والمسافر.
والثاني: أن زمان الحيض لا يصح صومه فأشبه الليل بخلاف المسافر والمريض، ولتعلم أن هذا القول ليس مأخوذاً من هذا الاستقرار فقط، كما يُشَعر به كلامه؛ فقد حكاه القرطبي في المفهم عن مالك، وحكاه في البيان عن ابن القاسم.
واعلم أن هذا الكلام إنما هو إذا طرأ الحيض بعد أن بيتت أول الشهر، وأما من دخل عليها رمضان وهي حائض، فلا يجزئها في أول يوم من طهرها دون تبييت إلا على رأي عبد الملك أن المتعين لا يحتاج إلى نية.
وقول المصنف: تجديدها.
يؤخذ منه ذلك إذ لا يقال: التجديد إلا بعد تقديمها.
وانظر إذا أفطر متعمداً بغير عذر هل يلزمه التجديد اتفاقاً أو يجري فيه الخلاف؟ وعبارة ابن بشير: ولو طرأ في رمضان ما أباح الفطر فهل يفتقر إلى إعادة التبييت؟ في المذهب قولان.
وَإِذَا رُفِضَتِ النِّيَّةُ بَعْدَ الانْعِقَادِ - فَالْمَشْهُورُ تَبْطُلُ كَمَا يَبْطُلُ قَبْلَهُ
أما رفضها بعد الانعقاد فقد تقدم ذلك في كتاب الصلاة مع نظائره.
وقوله (كَمَا يَبْطُلُ قَبْلَهُ) أي كما يبطل الصوم بترك النية قبل الفجر.
وظاهر كلامه عزو هذا الفرع من الخلاف وقد صرح بذلك، ونص أشهب فيه على سقط الكفارة في رمضان، وأنه إن أكل بعد ذلك فعليه الكفارة.
وَشَرْطُهُ الإِمْسَاكُ – فِي جَمِيعَ زَمانِهِ – عَنْ إِيصَالِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ إِلَى الْحَلْقِ أَوْ الْمَعِدَةِ مِنْ مَنَفَذٍ وَاسِعٍ- كَالْْفَمِ وَالأَنْفِ وَالأُذُنِ – يُمْكِنُ الاحْتِزَازُ مِنْهُ .....
عطف الإيصال إلى المعدة على الواصل إلى الحلق لتدخل الحقنة، فإن المشهور فيها القضاء كما سيأتي.
وقال أيضاً: (إِيصَالِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ) ولم يقل: إيصال شيء؛ ليعم الحصى ونحوه لأنه لم يذكر في هذا الفرع مشهوراً، وكأنه قصد إدخال المتفق عليه والذي فيه مشهور وترك غيره لينبه على ما فيه.
وقوله: (يُمْكِنُ الاحْتِزَازُ مِنْهُ) صفة لطعام أو شراب، احترز به من غبار الطريق ونحوه على ما سيأتي، وقد تسامح في إطلاقه الشرط على الركن، إذ لا معنى للصوم إلا الإمساك والشرط خارج عن الماهية وكذلك الشرط الذي بعد هذا.
وَإِيلاجِ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ
هو مخفوض بالعطف على (إِيصَالِ)، ويتنزل منزلة الحشفة قدرها من مقطوعها.
وَفِي نَحْوِ التُّرَابِ وَالْحَصَا وَالدَّرَاهِمِ قَوْلانِ
يعني: أنه اختلف في الصائم يصل إلى جوفه شيء مما لا يستعمل في الغذاء كالنواة والذلة والفستقة هل يفسد بذلك صومه ويكون كسائر الغذاء يجب القضاء مع السهو، والقضاء والكفارة مع العمد؟ وهو قول ابن الماجشون، أو لا يفسد ولا شيء عليه؟ لأنه لما كان من غير جنس الغذاء ولا سيما الحصى صار وجوده كعدمه بل في وجوده مضرة.
ونقله في الجواهر عن بعض المتأخرين.
وفرق ابن القاسم في كتاب ابن حبيب فجعل الذرة كالطعام وأوجب في الحصاة واللوزة وما لا غذاء له القضاء في عمده: زاد التلمساني: إذا كان الصيام واجباً.
وقال مالك في المختصر: يقضي ولا يكفر.
قال الباجي بعد هذا: وروى معن عن مالك: الحصاة خفيفة.
سحنون: معناه حصاة تكون بين الأسنان كقوله في فلقة الحبة للضرورة، وأما لو ابتدأ أخذها من الأرض فابتلعها عامداً لزمه القضاء والكفارة.
انتهى.
وقال ابن القاسم: يكفر في العمد ولا يقضي، وعلى هذا يقال: كل من لزمته الكفارة لزمه القضاء، إلا في هذه المسألة على هذا القول، ونقل عن ابن القاسم أيضاً في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه: ولا قضاء عليه في النافلة ويقضي ويكفر في الفريضة، هذا مع أن القاعدة: أن كل ما أوجب الكفارة في الفرض يوجب القضاء في النقل.
وقد خالف ابن القاسم في كل هذين القولين قاعدته.