قول صحيح في المذهب وعليه يأتي قول علي بن زياد وسحنون في المجبوب والمعترض والشيخ الفاني أنه لا يلزمهم الظهار.
انتهى.
وما قاله اللخمي هو متمسك من تأوُّل المدونة على الموافقة لسحنون، وتمسك الآخرون بإلزامه الظهار من الصغيرة، ولم يفصل بين من بلغت حد الاستمتاع وغيرها وبإلزامه الظهار من الرتقاء.
وَعَلَيْهُمَا خِلافُ الاسْتِمْتَاعِ
أي: وعلى المشهور، وقول سحنون: يجري على الخلاف هل يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها فيما عدا الفرج؟ فعلى صحة الظهار من المجبوب والرتقاء يمنع الاستمتاع، ففرع على الخلاف المتقدم الذي ذكره الباجي العكس؛ لأنه لما حكى عن سحنون أن الظهار لا يلزم الخصي والعنين والمجبوب والشيخ الفاني، قال: عندي مبني على أن الظهار لا يحرم الاستمتاع بغير الوطء.
وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فإن قلنا أن الظهار يحرم الاستمتاع كما يحرم الوطء، وهو ممكن من جميعهم، وجب أن يلزمهم الظهار، وإن قلنا أنه ليس بحرام لنفسه، وإنما هو ممنوع لئلا يكون داعية إلى الجماع، فإنه لا يصح الظهار من المجبوب ولا الخصي ولا العنين؛ لأن الجماع لا يتأتى منهم، ونحوه لصاحب المقدمات.
وكلام المصنف يقتضي أنه على قول سحنون يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها من غير كراهة، والذي في البيان والمقدمات: اختلف في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فجعله أكثر أهل العلم على عمومه أنه لا يطأ ولا يقبل ولا يباشر، وهو مذهب مالك، وقال الحسن وعطاء والزهري: المراد الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل وباشر في خلال الكفارة، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف: يبتدئ الكفارة.
والامتناع على قول مطرف في مقدمات الوطء واجب، وعلى قول أصبغ وسحنون مستحب، والظاهر من قول مالك التحريم كقول مطرف؛ لأنه قال: يجب على المرأة أن تمنعه نفسها وإن رفعته إلى الإمام حال بينه وبينها وقال عبد الملك له أن يقبل ويباشر وينظر إلى الشعر والصدر والمحاسن؛ نقله ابن راشد.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ مَعَهَا إِنْ أُمِنَ عَلَيْهَا
أي: وعلى المشهور من عدم جواز الاستمتاع بالمظاهَر منها، وصحة ظهار الخصي ونحوه، يجوز أن يكون المظاهر معها، قال في المدونة: ويجوز أن يكون معها في بيت، ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته، فتجوز المساكنة معها، وزاد في العتبية الخدمة بشرط الاستتار.
قال في المدونة: ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفِّر، وجائز أن ينظر إلى وجهها.
[381/ب] وفي الجلاب: ولا بأس أن ينظر إلى الرأس والوجه والقدمين وسائر الأطراف.
قال مالك في العتبية: له النظر إلى شعرها.
وأشار عياض إلى أن إجازة النظر مشروطة بأن لا يقصد بذلك اللذة، وأما إن قصدهابه فهو ممنوع كالمباشرة، قال: وعلى هذا فتكون القبلة وما في معناها ممنوعة على الإطلاق، والنظر ممنوع إذا قصد به اللذة، قال: ولو أخذ من المدونة قولاً آخر أنه يجوز النظر إلى شعرها وصدرها، من إجازته أن يدخل عليها بغير إذن ما بَعُد؛ لأن دخوله عليها بغير إذن سبب إلى أن ينظر منها ذلك.
وقوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أي وأما على مقابله فهو أولى، وإنما احتاج إلى التفريع على المشهور؛ لأنه قد يتوهم منه منع الدخول عليها، فإن قلت: فما الفرق بين المظاهَر منها، فإنكم أجزتم الدخول عليها والنظر إليها، وبين الرجعية، فإن الذي رجع إليه مالك أنه لا يدخل عليها وكل منهما محرم وطؤه، قيل: لأن الرجعية منحلة العصمة، مختلة النكاح بخلاف المظاهَر منها، فإنها ثابتة العصمة صحيحة النكاح.
والله أعلم.
وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِنْ خَافَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ
قال في المدونة: ويجب عليها أن تمنعه من نفسها فإن خشيت منه على نفسها، رفعت ذلك إلى الإمام فيمنعه من وطئها، ويؤدبه إن أراد ذلك.
وقد تقدم قوله في البيان: إن ظاهر هذا يقتضي تحريم الاستمتاع، وأن الإمام يحول بينه وبينها، فقول المصنف: (وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ) أي من الوطء ومقدماته، لا من الوطء فقط.
وَفِي تَنْجِيزِهِ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلاقُ- مِثْلَ بَعْدَ سَنَةٍ- قَوْلانِ
اعلم أن المصنف أشار إلى المسألتين، الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي بعد سنة، أو بعد شهر أو نحو ذلك.
فهل يتنجز الظهار عليه من الآن كالطلاق وهو المشهور، أو لا؟ والفرق على هذا القول بين الطلاق والظهار: أن الظهار يرتفع بالكفارة، فلم يشبه نكاح المتعة بخلاف الطلاق، وظاهر كلامه أن الشاذ منصوص، وبذلك صرح في الجواهر.
وقال ابن عبد السلام: هو مخرج من الشاذ في الثانية، وهو إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، مثلاً ولم يعد حتى انقضت السنة، فهل يتأبد الظهار عليه حتى يكفر، وهو المشهور، بمنزلة ما لو قال لها: أنت طالق سنة، أو لا يتأبد عليه وينقطع عنه الظهار بمضي السنة، وهو قول مالك في كتاب ابن شعبان؟
ولو قال المصنف: (وفي تنجيزه فيما ينجز فيه الطلاق، وتعميمه فيما يتعمم فيه الطلاق قولان) لكان أحسن؛ لأن قوله: (فِي تَنْجِيزِهِ) إنما يتناول الصورة الأولى فقط، ولعل المصنف لما رأى أن الصورتين يشتركان في المعنى، وهو أن الظهار هل يتغير بزمان أم لا؟ اكتفى بالتمثيل.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ الإِيَاسِ أَوِ الْعَزِيمَةِ
يعني: إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت عليَّ كظهر أمي، فلا يكون مظاهراً إلا بالإياس أو العزيمة على ترك التزويج، وزاد ابن شاس إلا أن ينوي مدة معينة، فيحنث بمضيها، ولم يتعرض المصنف لكونه هل يمنع من الوطء أي الطلاق، أو لا؟ ونص الباجي على أن الظهار كالطلاق، وأنه يحرم عليه الوطء، إذا كانت يمينه على حنث، ويدخل عليه الإيلاء، ويضرب له الأجل من يوم الرفع، والإياس يتحقق عليه إذا مات المحلوف عليها المعينة.
وهل يتحقق بعلو سنه إذا كانت المرأة غير معينة؟ فيه نظر.
وقوله: (أَوِ الْعَزِيمَةِ) ابن راشد: جعل العزم على الترك كالترك، ومن هنا أفتى شيخنا القرافي بالحنث في من قال لامرأته: إن لم أدخل الدار فأنتِ طالق، ثم عزم على ترك الدخول، وقول ابن عبد السلام: إن ظاهر كلام المصنف أنه لا يمنع من الوطء ليس بظاهر؛ لأن كلام المصنف ليس فيه تعرض لجوز ولا لعدمه.
وَإِذَا عَلَّقَهُ لَمْ يَصِحَّ تَقْدِيمُ الكَفَّارَةِ قَبْلَ لُزُومِهِ
يعني: إذا علق الظهار بأن قال: إن كلمتُ فلاناً فأنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يصح له أن يكفر قبل أن يكلم فلاناً؛ لأن الظهار إلى الآن لم ينعقد عليه، ولهذا لا يصح أن يتخرج في هذه المسألة الخلاف الذي في كفارة اليمين قبل الحنث؛ لأن اليمين هناك انعقدت، ولأن كفارة الظهار مشروطة بالعودة، والعودة مشروطة بتقديم الظهار، قال في الجواهر: ولو قال: إن دخلت الدار فأنتِ كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار قبل الدخول لم يجزه، كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أعتق قبله لم يجزه.
وَإِذَا كَرَّرَهُ لَمْ يَتَعَدَّدْ وَلَوْ قَصَدَ ظِهَارَاتٍ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ كَالْيَمِينِ بِاللهِ إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ
يعني: إذا كرر الظهار فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يتعدد الظهار ولو قصد ظهارات، إلا أن ينوي كفارات، وقوله: (كَالْيَمِينِ بِاللهِ) يستفاد منه أن المسألة على ثلاثة أقسام: إن قصد التأكيد أو لم يقصد شيئاً فليس عليه إلا كفارة [382/أ] واحدة باتفاق، وإن قصد كفارات لزمه ذلك باتفاق، وإن قصد ظهارات ولم ينوِ كفارات فنص هنا على عدم التعدد، وقد تقدم له في الأيمان قولان في اليمين بالله، ولا فرق بينهما، ثم إذا قصد كفارات فقال الشيخ أبو محمد: لا يطأ حتى يكفر ما نوى من الكفارات، وقال القابسي وأبو عمران: إن كفر واحدة جاز له الوطء، والباقي إنما هو كطعام نذره.
قالا: وإن مات فأوصى بهذه الكفارات وضاق الثلث قدمت كفارة واحدة على كفارة اليمين بالله، وتقدم كفارة اليمين بالله على ما بقي؛ لأنه نذر.
ابن يونس: وقول القابسي هو الصواب؛ لأن الله تعالى إنما ألزم المظاهر كفارة واحدة قبل المماسة، والزائد على ذلك التزمه المكلف فلا يغير ما قدره الشرع.
ابن عبد السلام: وقد يقال: إن المكلف التزم ما بقي من الكفارة قبل المماسة، فيلزمه ما التزمه، ألا ترى أنه لو صرح فقال له: عليَّ أن أعتق رقبتين قبل أن أطأ لما جاز له الوطء إلا بعد عتقهما، فلعل هذا هو الذي فهم الشيخ أبو محمد من مراد المظاهر، وفهم غيره النذر المعلق، فكأنه قال: إن وطئتها فعليَّ كفارتان، وعلى هذا فيسئل المظاهر عن مراده، وتتفق القولان.
قال: وينبغي ألا يشترط العدد فيما زاد على كفارة واحدة على مذهب القابسي.
وقوله: (إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ) أي فتتكرر الكفارات بحسب ذلك، ولا ينوي كما لو قال: إن كلمت زيداً فأنت عليَّ كظهر أمي، وإن لبست الثوب فأنتِ عليَّ
كظهر أمي، واتفق على هذا إذا حنث ثانياً بعد أن أخرج الكفارة الأولى، وأما قبله فاختلف، فقال المخزومي وابن الماجشون: تجزئه كفارة واحدة.
اللخمي: وظاهر المدونة عليه لكل يمين كفارة، ومثله إذا لم يكفر عن يمينه حتى أوقع الظهار مجرداً عن اليمين، فعلى قول المخزومي تجزيه كفارة، وقال محمد: عليه كفارتان، وإن كان الأول ظهاراً مجرداً من اليمين، فعلى الأول تجزيه كفارة، وعلى قول محمد عليه كفارتان، وفرق أصبغ في الظهارين إذا كان أحدهما بيمين والأخرى بغير يمين، فقال: إن قدم ما كان بيمين وحنث ثم أردف ظهاراً مجرداً فعليه كفارة واحدة، وإن كان بالعكس فكفارتان، وربما نوقش المصنف في عبارته، فقيل: إنه يدخل في هذا الاستثناء ما لو قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيداً، أو أكلت الرغيف، ولبست الثوب، ويلزمه ثلاث كفارات، ألا ترى أنه يصدق عليه أنه علقه بأشياء مختلفة، مع أنه لا يلزمه عند أهل العلم إلا كفارة واحدة، ويجاب عنه بأن هذا الاستثناء من قوله وإن كرره، والمثال المذكور لا تكرار فيه.
فرع:
ولو أخذ في كفارة الظهار قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فليبتدئ الآن كفارة واحدة، وتجزئه، وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ في كفارة ثانية.
محمد: وهو أحب إلي إذا كان لم يبقَ من الأولى إلا اليسير، وأما إن مضى يومان أو ثلاثة فليتم وتجزئه لهما جميعاً، وقال أشهب: سواء مضى أكثر الكفارة أو أقلها فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة عن الظهارين إذا كانا نوعاً واحداً، مثل أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم يقول: وقد أخذ في الكفارة مثل ذلك، وكذلك لو كان الأول بيمين حنث فيها والثاني بغير يمين، قال: ولو كان الأول بغير يمين والثاني بيمين حنث فيها فليتم الأولى وليبتدئ كفارة ثانية للظهار الثاني.
وقوله: (بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ)، فـ (إِنْ) من قوله بمعنى (أو)؛ لأنها للمبالغة، وقد تقدم الفرق بين الطلاق والظهار واليمين بالله في باب الأيمان.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَادَ ثُمَّ ظَاهَرَ لَزِمَ
ولأجل الفرق بين التعليق بأشياء مختلفة، فتعدد، وبين التعليق بمتفقة فلا تتعدد، لو ظاهر ثم عاد ثم ظاهر أيضاً لزمته كفارة ثانية، ولو كان ظهاره ثانياً بما ظاهر به أولاً، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار، وعاد ثم قال ثانياً: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار؛ لأن الأولى لما تقدرت بشرطها وهو العود صارت اليمين الثانية- وإن كانت بعين ما علقت به الأولى- مخالفةً للأولى، فصار ذلك بمنزلة ما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيداً، وأنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار.
وَلَوْ ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ مِثْلُ: أَنْتُنَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ- بِخِلافِ مَنْ دخلت- فَهِيَ كَظَهْرِ أُمِّي ...
يعني: لو قال: لزوجاته الأربع أنتن عليَّ كظهر أمي، أو قال لهن قبل أن يتزوجهن: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمين لزمه الظهار في الأولى حين التكلم، وفي الثانية بشرطه، وتجزئه كفارة واحدة في الصورتين؛ لأن اليمين واحدة، وذكر ابن خويزمنداد أن عليه لكل واحدة كفارة، كالطلاق، إذا قال: أنتن طوالق.
قال في المدونة: [382/ب] ومن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمي، فتزوج واحدة لزمه الظهار، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر وتزوج البواقي فلا شيء عليه فيهن، وإن لم يكفر ولم يطأ الأولى حتى ماتت أو فارقها سقطت عنه الكفارة، ثم إن تزوج البواقي لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر؛ لأنه لم يحنث في يمينه بعد، وإنما يحنث بالوطء، ولو وطئ الأولى ثم ماتت أو طلقها أو لم يطلقها لزمته الكفارة، فإن تزوج البواقي فلا يقرب واحدة منهن حتى يكفر.
وما ذكره في المدونة من أنه إذا تزوج واحدة يحنث، هو جارٍ على أصل المشهور في التحنيث بالبعض، ويتخرج فيها قولاً آخر: أنه لا يحنث إلا بالجميع بناءً على القول بأنه لا يحنث إلا بجميع المحلوف عليه.
وقوله: (بِخِلافِ مَنْ دخلت) أي فيلزمه لكل امرأة كفارة؛ لأنه علق عنها الظهار على كل واحدة بانفرادها؛ لأن (مَنْ) من ألفاظ العموم، وكـ (مَنْ) في لزوم الكفارة لكل واحدة (أيتكن) قاله في المدونة.
الباجي: وأما إن قال: كل من دخلت الدار فهي عليَّ كظهر أمي، فظاهر المذهب أنه بمنزلة: من دخلت منكن الدار فهي عليَّ كظهر أمي، رواه ابن المواز في العتبية من رواية ابن القاسم: تجزئه كفارة واحدة، فيحتمل أن يريد بذلك أن حكم كل امرأة مخالف لمن تزوجت منكن، وأنه بمنزلة قوله: (إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ)؛ ويحتمل أن يريد الباب كله واحد، لا يجب في ذلك إلا كفارة واحدة، وما قدمنا أولى.
انتهى.
وقد يقال: بل الثاني أقرب؛ لأن لفظة (كل) للعموم، و (من) دونها في العموم، فإذا تعددت الكفارة مع (من) وحدها، فأحرى مع (كل)، لاسيما وقد دخلت على (من)، وقد يقال: بل اقتضاء (من) التعدد، أولى من (كل)؛ لأن (من) إنما كانت من ألفاظ العموم لإبهامها واشتمالها على الآحاد بغير تخصيص؛ لا أن مقتضى صيغتها كـ (كل)، فإنها بوضعها للاستغراق، فكانت كاليمين على شيء واحد، ولهذا كان المشهور فيها إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي، أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، خلافاً لابن نافع، قال: وتتعدد أيضاً إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليكِ، وقاله مالك في المختصر.
السيوري: وهو الصواب.
ولو قال: من أتزوج من النساء فهي عليَّ كظهر أمي، عليه كفارة واحدة، وانظر هل يتخرج على ما قاله اللخمي، فيما إذا قال: من دخلت منكن، قول بإجزاء كفارة واحدة.
قال في الاستلحاق: وانظر لو قال: من تزوجت فهي علي كظهر أمي، ولم يقل من النساء، هل تجزئه واحدة؟
تنبيه:
وقع في كلام ابن يونس أن (من) في قوله: (من تزوجت منكن)، أو (من تزوجتمن النساء) للتبعيض.
عياض وغيره: وليس كذلك، بل لبيان الجنس بدليل لو قال: (كل من تزوجت فهي عليَّ كظهر أمي)، لكان كذلك، وإن لم يقل: من النساء.
فرع:
إذا قال لزوجاته: إن دخلتن الدار فأنتن عليَّ كظهر أمي، فدخلت واحدة، فذكر الباجي عن المذهب أنه مظاهر من الجميع، وهو جارٍ على أصل المذهب في الحنث بالبعض، ونقل اللخمي عن ابن القاسم أنه لا شيء عليه حتى يدخلن جميعهن، وعن أشهب أنه يحنث فيمن دخلت خاصة، ولا شيء عليه في غيرها.
خليل: ولعله خرج ذلك على مسألة العتق الأول من المدونة، إذا قال لأمتيه: إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان، فدخلتها واحدة، فإن فيها هذه الثلاثة الأقوال، ومذهب ابن القاسم أنهما لا يعتقان حتى يدخلا معاً، وانظر لم خالف أصله في التحنيث بالبعض.
وَأَلْفَاظُهُ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ؛ مِثْلُ: كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي ....
كلامه ظاهر التصور، وتقسيمه هنا كتقسيمه في الطلاق، إلا أنه هنا مثل للخفية باسقني الماء، ولم يجعل ذلك من كناية الطلاق، وقوله: (فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) لا خلاف فيه، والمشهور قصر الصريح على ما ذكره، وعن ابن الماجشون: التشبيه بالمحارم صريح سواء سمى الظهر أم لا، ونقل عنه أيضاً أن التشبيه بالمحرمة كيفما كان صريح، وأنه لا كناية عنده.
ابن عبد السلام: وقول المصنف: (مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) أحسن من قول غيره: (ذات محرم) لشمول كلام المصنف المحرمة بالرضاع والصهر.
خليل: وفيه نظر فإن المحرم بسبب الرضاع أو الصهر يطلق عليه في الاصطلاح محرماً، وقد صرح في المدونة بذلك، فقال: فمن ظاهر من شيء من ذوات المحارم من نسب أو رضاع فهو ظهار، نعم كلام المصنف أعم من وجه آخر؛ لأنه يتناول الملاعنة، وليست محرمة؛ إذ المحرم من حرم نكاحها لحرمتها على التأبيد، فقولنا: (لحرمتها) احتراز من الملاعنة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل لعارض.
وقولنا: (على التأبيد)، احتراز من أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها.
ومن رأى أن وطء الشبهة لا يحرم، كالشافعي يزيد في الحد بسبب مباح؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة.
وَفِي تَنْوِيَتِهِ ثَالِثُهَا: يُنَوَّى فِي الطَّلاقِ الثَّلاثِ
لو ادعى في صريح الظهار أنه لم يرد الظهار، وإنما أراد الطلاق، فهل يقبل مه الطلاق، أم لا؟ المازري: والمشهور أنه لا يقبل ويكون ظهاراً، رواه ابن القاسم [383/أ] وأشهب عن مالك، زاد ابن المواز: ولا يلزمه الطلاق، ولو نوى: إنك بما أقول طالق، والقول بأنه ينوي في الطلاق سواء قصد الثلاث أو دونها لعيسى وسحنون، والقول الثالث: أنه ينوي إن قصد الطلاق الثلاث، ولا ينوي إن قصد دونها، لابن القاسم، وقيد اللخمي الخلاف بما إذا كان المتكلم عالماً بموجب الظهار، وقصد الطلاق، وأما إن قصد الطلاق وهو يجهل حكم الظهار، ويرى أنه طلاق فهو مظاهر، وفي مثله نزل القرآن؛ لأن الظهار كان عندهم طلاقاً، فأنزل الله فيه الكفارة.
تنبيه:
والمراد بعدم تصديقه في إرادة الطلاق على القول الأول إذا جاء مستفتياً، وكذلك قال أشهب، وهو أحد قولي ابن القاسم، ومذهب المدونة في تأويل الأبهري، روى عيسى وابن سحنون أنه يصدق، وهو مذهب المدونة على تأويل ابن رشد، وأما إن حضرته البينة فإنه يؤخذ بالظهار والطلاق معاً، أما الظهار فباللفظ، وأما الطلاق فلنيته.
وإن نوى
الثلاث لزمه ذلك، ثم إذا تزوجها لا تحل له إلا بعد الكفارة، هكذا أشار إليه سحنون واللخمي وغيرهما، ونص عليه صاحب المقدمات، وشبه ذلك اللخمي بما قاله ابن القاسم في مسألة ناصح ومرزوق من عتقهما معاً إذا قامت عليه البينة، فإن قيل فيما زاده ابن المواز من عدم لزوم الطلاق ولو نوى: أنك بما أقول طالق، نظر؛ لأن قاعدة المذهب كما تقدم أن كل كلام ينوي به الطلاق أو الإيلاء- اللزوم على المعروف، فجوابه أنه منع هنا من ذلك كونه تعالى أنزل الكفارة فيمن قصد بالظهار الطلاق.
وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ: سُقُوطُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ: كَأُمِّي، أَوْ ظَهْرِ فُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ
الضمير في (أَحَدِهِمَا) عائد على الظهر ومؤبدة التحريم، ولهذا قال: (كَأُمِّي، أَوْ ظَهْرِ فُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ)؛ ليذكر مثال كل نوع من الكناية الظاهرة، ونص في الجواهر أنه يلحق بقوله: (كَأُمِّي) في كونه كناية ظاهرة، كما لو قال: أنت كفخذ أمي أو رأسها أو عضو من أعضائها.
سحنون وابن العطار: وإن قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنتِ كظهر فلانة الأجنبية، فتزوج الأجنبية، ثم فعل المحلوف عليه فلا شيء عليه؛ لأنها صارت حلالاً حين الحنث.
قال في البيان: ويلزم على قياسه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ عليَّ كظهر فلانة، لامرأة له أخرى، ثم طلق فلانة طلاقاً بائناً ثم دخل الدار، أنه يلزمه الظهار، وقال اللخمي: واختلف هل يراعى يوم اليمين أو يوم الحنث، ومراعاة اليمين أحسن؛ لأنه المقصود للحالف، إلا أن يلاحظ كونه يمينه على بر، هذا معنى كلامه، ولهذا اختاره في البيان، قال: وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم، في قول القائل: إن كلمت فلاناً فكل عبد في ملكي حر، أن اليمين إنما تلزمه فيمن كان عنده حين اليمين.
وَيُنْوَى فِي الطَّلاقِ
أي: ينوي في الكناية الظاهرة بنوعيها، ويصدق فيما قصده منه، أما النوع الأول؛ أعني: إذا شبه بذوات المحارم، ولم يذكر الظهر فتنويته في الطلاق هو المشهور، وقال ابن الماجشون: هو ظاهر، ولا يصدق في دعوى الطلاق، وروى أشهب أنه طلاق إلا أن يسمى الظهر، وقال أشهب: لا يلزمه طلاق إلا أن يريد أنها طالق إذا فرغت من اللفظ، لا طالق بنفس اللفظ، وهو قول لا وجه له، وعلى المشهور إذا نوى الطلاق فهو البتات، ولا ينوي في دونها إلا أن تكون غير مدخول بها فينوي، وقال سحنون: ينوي في المدخول بها أيضاً.
صاحب المقدمات: وهو أظهر؛ لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، فوجب أن يوقف الأمر على ما نوى.
وأما النوع الثاني: وهو إذا قال: أنتِ كظهر فلانة، الأجنبية، فما قاله من أنه ظهار إلا أن ينوي به الطلاق، يكون كما نوى، هو مذهب المدونة، ففيها: وإن قال: أنتِ عليَّ كظهر فلانة، أو مثل ظهر فلانة، لجارة له أجنبية، وهي ذات زوج أم لا، فهو مظاهر، وقال غيره: هو طلاق، ولا يكون مظاهراً، زاد ابن رشد وغيره في قول غيره: إلا أن يريد بقوله: مثل فلانة في هوانها، ينوي في ذلك ولا يلزمه شيء، قاله غير واحد، وغيره هنا هو ابن الماجشون، واختلف في محل خلافه، فقال بعضهم: إنما خلافه مع ابن القاسم؛ حيث لا نية، وأما لو نوى الظهار، فيتفق على لزوم ذلك، وذهب أكثر الشيوخ إلى أنه يخالف ابن القاسم مطلقاً، وأنه يلزم عنده الطلاق ولو نوى الظهار، وذكر لفظ الظهر.
وصحح في المقدمات طريق الأكثر ابن يونس، وإذا بنينا على قول عبد الملك: أنه لا ينوي في إرادة الظهار؛ فإنه إذا قال: نونيت الظهار.
يؤخذ بالبتات وبالظهار، إن تزوجها بعد زوج.
أَمَّا لَوْ قَصَدَ مِثْلَهَا فِي الْكَرَامَةِ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ
هذا ظاهر في الأم؛ لأنها محل الإكرام، وأما الأجنبية؛ فينبغي أن يلزمه فيها الظهار أو الطلاق، على القولين السابقين، اللهم إلا أن [383/ب] يعلم أنه مكرم لها، ومذهبنا في التشبيه بالأم أنه محمول على الظهار إلا أن يقصد الكرامة، ومذهب الشافعي بالعكس.
فرع:
قال في المدونة، لو قال: يا أمه أو يا أخته أو يا عمته أو يا خالته، فلا شيء عليه، وهو من كلام أهل السفه.
فَلَوْ أَسْقَطَهُمَا وَشَبَّهَ بِغَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمُ، فَالْمَشْهُورُ: الْبَتَاتُ، وَثَالِثُهَا: ظِهَارٌ إِلا أَنْ يَنْوِي الطَّلاقَ، ورَابِعُهَا: عَكْسُهُ وَخامسها نفيهما
الضمير في (أَسْقَطَهُمَا) عائد على الظهر ومؤبدة التحريم، ولما كان سقوطهما أعم من التشبيه بغير مؤبدة التحريم؛ لشمول ذلك الصور التي يذكرها المصنف إثر هذه، احتاج إلى أن يقول: (وَشَبَّهَ بِغَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمُ، فَالْمَشْهُورُ: الْبَتَاتُ)؛ أي تطلق عليه ثلاثاً.
(وَثَالِثُهَا) أي والقول بأنه ظهار وإن نوى به الطلاق، وهكذا ذكره ابن شاس وغيره، والقول بأنه طلاق وإن نوى به الظهار نسبه ابن يونس لابن الماجشون، قال: ولا يكون الظهار إلا في ذوات المحارم، والقول بأنه ظهار إلا أن ينوي به الطلاق لسحنون وأشهب، والقول بعكسه حكاه اللخمي وابن بشير وعزاه في الجواهر لعبد الملك، والقول الخامس بنفي الظهار والطلاق ليس بمنصوص بل خرجه اللخمي من قول مطرف إذا شبه بالذكور، فإنه قال: لا يكون ظهاراً ولا طلاقاً، ورده ابن بشير وغيره بأن الذكر لما لم يكن قابلاً للوطء مطلقاً أشبه الجماد، بخلاف الأجنبية، وفيه نظر، فإن عدم القبول شرعاً ليس بمقتضٍ لإلغاء هذا الكلام، فإن الأم لا تقبله بالنسبة إلى المظاهر.
تنبيه:
وقيد المشهور بإلزام البتات بما إذا لم تكن له نية، أو قامت عليه بينة، وأما إن جاء مستفتياً فإنه يصدق في إرادة الظهار، وإذا ألزمناه الطلاق لقيام البينة فإنه يلزمه الظهار، وإن تزوجها لإقراره به، فإن قيل: هذه المسألة وما بعدها من أي الأقسام هي؟ فإنها ليست من صريح الظهار قطعاً، ولا من الكناية الخفية، والمصنف قد أخرجها من الكناية الظاهرة، قيل: هي مترددة بين الظاهرة والخفية، فلذلك ذكرها بينهما، والله أعلم.
وَلَوْ شَبَّهَ بِظَهْرِ ذَكَرٍ مِثْلَ: كَظَهْرِ أَبِي أَوْ غُلامِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ظِهَارٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَيْسَ بِظِهَارٍ وَلا طَلاقٍ ...
رأى ابن القاسم أنه لما شبه بمن يحرم وطؤه كان كما لو شبه بابنته، وبه قال أصبغ، وروى ابن حبيب أنه لا يكون ظهاراً؛ لأنه غير ما نزل به القرآن، ولا طلاقاً؛ لأنه لم ينوهِ، وهو قول مطرف، وقيل: هو طلاق، وكهذه المسألة لو قال: كظهر الدابة، فإنه يلزمه الظهار عند ابن القاسم، ولا يلزمه على قول مطرف.
فَلَوْ قَالَ: كَابْنِي أَوْ غُلامِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَحْرِيمٌ
لا إشكال على قول ابن حبيب: أنه لا يلزمه شيء، وإنما لم يلزمه عند ابن القاسم في هذه بخلاف التي قبلها؛ لأنه رأى أن ذكر الظهر قرينة في إرادة الظهار، وقوله: (تحريم) نحوه في الجواهر، وهو يقتضي الثلاث.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي، فَعَلَى مَا نَوَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَظِهَارٌ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: طَلاقٌ ...
الضمير في (مِنْهُمَا) يدل على الظهار والطلاق؛ أي: إن نوى بذلك الظهار والطلاق، لزماه.
قال في الجواهر: هذا إذا قدم الظهار في نيته، فإن نوى أحدهما لزمه ما
نواه فقط، وتبع المصنف هنا ابن شاس، وظاهر المدونة خلاف ما قالاه، ففيها: وإن قال لها: أنتِ حرام مثل أمي، فهو ظهار؛ لأنه جعل للحرام مخرجاً حين قال مثل أمي، قال غيره: لا تحرم به؛ لأن الله تعالى أنزل الكفارة في الظهار ولا يعقل من لفظ به شيئاً سوى التحريم، ثم قال بعد ذلك: وإن قال لها: أنتِ حرام مثل أمي، أو حرام كأمي، ولا نية له فهو مظاهر، وهذا لا اختلاف فيه.
انتهى.
فمقتضاه أن الكلام الأول مع النية، وأنه يلزمه به الظهار، وإن نوى به الطلاق، ويدل عليه قوله في الثانية: إن هذا مما لا اختلاف فيه، وقوله هذا أيضاً يدل على أن قول الغير في الأولى خلاف هذا.
قال ابن عبد السلام: في معنى المدونة، وكذلك قال غيره: لا خلاف في إلزامه الظهار، والمشهور أنه لا يلزمه، وكلام عياض قريب منه، أعني أنه يدل على أن مذهب الكتاب أنه ظهار، ولو نوى به الطلاق، فإنه قال: وإن قرن بظهاره لفظ الحرام، فقال أنت حرام مثل أمي، ففي المدونة أنه ظهار، ومثله في العتبية، وقال مالك في الموازية: ما لم يرد به الطلاق.
عبد الملك: في ذلك، وفي: أحرم من أمي؛ أنه ظهار، ولو نوى الطلاق، وقال محمد: هذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسمه فيلزمه ما نوى، وفي كتاب الوقار في: حرام مثل أمي هو البتات، ويلزمه الظهار متى رجع، وفي سماع عيسى في: أحرم من أمي، أنه ثلاث، انتهى.
ونقل ابن حارث عن ابن القاسم فيما إذا قال: حرام مثل أمي أنه طلاق إلا أن ينوي به الظهار، قيل: المشهور في أحرم من أمي أنه ظهار.
تنبيه:
أقام بعضهم من قوله في المدونة: كأنه جعل للحرام مخرجاً [384/أ] أن من قال: الأيمان تلزمه وامرأته طالق إن فعلت كذا، ثم فعله أنه إنما تلزمه طلقة واحدة، لأنه جعل للأيمان مخرجاً حين قال: وامرأته طالق.
فرع: قال ربيعة في المدونة: وإن قال أنت مثل كل شيء حرمه في الكتاب، فهو مظاهر، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن القاسم وابن نافع، بل هو البتات، لأن الكتاب حرَّم الخنزير والميتة وغيرهما، فيكون بمنزلة ما لو قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، وصرح ابن أبي زمنين وغيره بأنقول ابن القاسم مخالف لربيعة، وفي تهذيب الطالب: الذي قال ابن القاسم وابن نافع صواب ظاهر، ويحتمل أن يكون غير مخالف لقول ربيعة، ويكون معنى قول ربيعة: أنها تحرم عليه بالثلاث، ثم إذا تزوجها كان عليه الظهار، ويكون ربيعة إنما تكلم على الوجه المشكل، وهو الظهار.
ابن يونس: بعد ذكره القولين: والصواب عندي أنه يلزمه الظهار والطلاق ثلاثاً، وكأنه قال: أنت علي كأمي وكالميتة، ومعنى ما قاله ربيعة أنه أراد ما حرم الكتاب من النساء، ولو أراد غيرهن من تحريم المطعومات وغيرها لكانت الثلاث، قال بعضهم: إن قال أنت عليَّ مثل ما حرم الكتاب فهو الطلاق بالاتفاق، وإن قال كمثل شيء حرمه الكتاب فثلاثة أقوال، ظهار وبتات والأمران جميعاً.
قال ابن شهاب في املدونة: ولو قال: كبعض من حرمه عليَّ من النساء، فهو مظاهر.
قال ابن شعبان: وكذلك لو قال: كبعض من حرم القرآن، ولو قال: إن وطئتك وطئت أمي فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن قال لجاريته لا أعود لمسِّك حتى أمسَّ أمي فلا ظهار عليه.
وَالْخِفية: مِثْلُ- اسْقِنِي مَاءً فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الظِّهَارَ وَقَعَ كَالطَّلاقِ
تصوره ظاهر، وشبه ذلك بالطلاق إشارة منه إلى إجراء الخلاف الذي تقدم فيه هناك.
ولا يسْقط الطَّلاقُ الثَّلاثُ ظِهَاراً تَقَدَّمَهُ أَوْ صَاحَبَهُ مِثْلُ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ...
يعني: إذا ظاهر من زوجته فعاد، أو لم يعد، ثم طلقها ثلاثاً، فإن ذلك الطلاق لا يسقط الظهار ظهاره، فإن تزوجها بعد زوج لزمه ذلك، ولم يكن له أن يطأها إلا بعد
الكفارة، لأن الظهار والطلاق مختلفان، وأثرهما مختلف، فلم يكن أحدهما مسقطاً للآخر.
قوله: (أَوْ صَاحَبَهُ) مثاله ما ذكره المصنف، إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثاً، وأنت علي كظهر أمي، واستغنى المصنف بما ذكره عن عكسه، وهو إذا قدّم الظهار على الطلاق، فقال: أنت علي كظهر أمي وطالق ثلاثاً، ويبين لك الاستغناء قوله في المدونة بعد ذكر المثالين: والذي قدم الظهار في لفظه أبين، واختلف في سبب وقوعهما، فقال ابن محرز: لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقال اللخمي: لقرينة التعليق، فلزما جميعاً بالعقد، حتى لو قال ذلك في مجلسين، وبدأ بأيهما شاء، فإنهما يقعان بالعقد، وقول مالك: الذي قدم الظهار أبين، يريد لأن الواو ترتب عند بعضهم، فإذا قدم الظهار ارتفع النزاع.
وَإِنَّمَا يَسْقطُ مُعَلَّقاً لَمْ يَتَنَجَّزْ أَوْ ظِهَاراً تَأَخَّرَ مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ...
مثاله: لو قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثاً، فإذا عادت العصمة إلى زوجها بعد زوج لم يلزمه لم يلزمه الظهار، وإذا حققت النظر لم تجد الطلاق أسقط الظهار لأنه لم يلزم ظهار، وإنما علقه في عصمة وقد زالت، وعادت بعصمة أخرى، وهذا لو كان إنما أبانها بدون الثلاث لعادت عليه اليمين ما بقي من العصمة الأولى شيء، قاله في المدونة وغيرها، وكذلك قوله: (أَوْ ظِهَاراً تَأَخَّرَ)، فإن الظهار هنا لم يلزم البتة، لأنها لما طلقها ثلاثاً لم تبق عصمته، ومثل المثال الذي ذكر المصنف في عدم اللزوم لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، وأنت علي كظهر أمي، وأورد على ذلك ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طالق طالق، فإن المشهور لزوم الثلاث، وأجاب ابن أبي زيد وغيره بأن الطلاق لما كان من جنس واحد عُدَّ كأنه وقع في كلمة واحدة، ولا كذلك الطلاق والظهار، فإنه لا يمكن جمعهما في كلمة واحدة.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمي فَشَاءَتْ فَهُوَ مُظَاهِرٌ
لأنه ظهار معلق على شرط، فكـ (إن دخلت الدار).
ابن القاسم: وذلك بيدها ما لم توقف، قال في المدونة: وقال غيره هذا على اختلاف قول مالك في المملكة، هل ينقطع حقها بانقضاء المجلس أم لا؟ ابن يونس: ومذهب ابن القاسم في كل ما كان تفويضاً إليها من تمليك أو تخيير أو طلاق، أو ظهار، أو عتاق، أن ذلك بيدها، وإن قاما من المجلس، ما لم توقف، والغير يرى أن اختلاف قول مالك يدخل على ذلك، وفرق بعض القرويين على قول ابن القاسم، بين قوله: أنت طالق إن شئت، أو أمرك بيدك إن شئت، بأن الطلاق لا خيار فيه، سواء [384/ب] قال: إن شئت أو لم يقل، فأفاد بقوله (إِنْ شِئْتِ) التفويض إليها في ذلك، وأما الذي يقول: أمرك بيدك إن شئت، فسواء ذكر: إن شئت أو سكت عنه، قد فهم عنه أن مراده إن شاءت الطلاق، وزيادة إن شئت لا تؤثر شيئاً، ووجودها وعدمها سواء، فكأن الحكم إذ ذاك يختلف.
ابن يونس: وهذا قول له وجه، لكن ظاهر قول ابن القاسم ما قدمناه، وقاله أيضاً بعض القرويين.
وذكر عبد الحميد عن الشيخ أبي حفص وغيره من الشيوخ، أن كلَّ ما كان على جهة التفويض فذلك بيدها، وإن تفرقا، ولا يختلف القول في ذلك، وعن السيوري أنه لا يختلف في: إذا شئت، أو متى شئت أنه على التفويض، وأما إن شئت فهذا قد اختلف القول فيه، وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم في إذا شئت، ومتى شئت أن لها ذلك بعد المجلس، ما لم توقف أو توطأ بخلاف إن شئت.
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَزِمَهُ بِخِلافِ الطَّلاقِ لأَنَّ لَهُ مَخْرَجاً، وكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ ...
تصور المسألة واضح، وقوله: (لأَنَّ لَهُ مَخْرَجاً) أي بالكفارة، وهذا هو الفرق بين الطلاق والظهار، فإن الطلاق لو لزم مع العموم لحصل حرج، ولا يمكن رفعه، بخلاف
الظهار، فإن حرجه يزول بالكفارة، وقوله: (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ)، هو المشهور، ولمالك في المختصر: لكل امرأة كفارة، وقاله ابن نافع، فرأى في المشهور أنها يمين واحدة، ورأى في الشاذ أن كل لما كانت من صيغ العموم أشبهت ما لو قال لأربع نسوة: من دخلت منكن الدار فهي علي كظهر أمي.
وَتَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَالْعَوْدُ فِي الْمُوَطَّأِ: الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ والإِمْسَاكِ مَعَاً، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: العزم عَلَى الْوَطْءِ خَاصَّةً ورُوِيَ: الإِمْسَاكُ خَاصَّةً، وَفِيهَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ، وَرُوِيَ الْعَوْدُ: الْوَطْءُ نَفْسُهُ ...
يعني: أن وجوب الكفارة مشروط بالعودة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لأن دخول الفاء في خبر المبتدأ الموصول، دليل على الشرطية، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، وإذا قلنا أنها لا تجب إلا بالعود فهل يجوز إخراجها قبلها؟ روى ابن سحنون عن أبيه في المظاهر يكفر بغير نية العود، وهو يريد أن يطلقها ويقول: إن راجعتها حلَّت لي بغير ظهار، لا يجزئه حتى ينوي العودة.
قال: وهو قول أكثر أصحابنا.
ابن رشد: وهو المشهور المعلوم.
ونقل عبد الحق والباجي عن ابن عمران أن ابن القاسم لا يراعي العودة، وإنما يراعيها ابن الماجشون وسحنون، وأنكرت نسبة هذا القول لابن القاسم، وإنما أخذ له ذلك من قوله في الدونة، في مَن ظاهر من أمته وليس له غيرها لم يجزه الصوم، وأجزاه عتقها، لأن العودة إن كانت العزم على الوطء والإمساك فهي غير ممكنة مع العتق، وأجيب باحتمال أن يكون المظاهر عزم على وطئها وإمساكها أولاً، ثم سأل غيره عما يلزمه من الكفارة، فقيل له: يلزمك عتقها، ويحتمل أن يكون وطئ الأمة، فتكون الكفارة متحتمة عليه، ولأنه لا يلزم من عدم اشتراطها هنا لتعذرها، عدم اشتراطها مطلقاً، فإن قيل: هب أن الأخذ من قول ابن القاسم هذا لم يتم، لأن قول
سحنون أو ابنه أنه قول أكثر أصحابنا، يدل على أن الأقلين على خلاف ذلك، قيل لا دلالة في ذلك لاحتمال أن يراد بالأقل ما نقله ابن رشد عن ابن نافع أن الكفارة تصح مع استدامة العصمة، وإن لم ينو المصاب ولا أراده، وهو قريب من قول الشافعي أنَّ ترك الفراق بإثر الظهار هو العودة، لكن ذكر عياض أنه تأويل منه على ابن نافع، وأن يحيى بن عمر تأول قوله على أنه يرى أن العودة قصد الإمساك، وحكى بعضهم عن مالك قولاً مثل ما حكاه ابن رشد عن ابن نافع.
وذكر المصنف في تفسير العودة أربعة أقوال، وكلها روايات عن مالك، وما نسبه المصنف للموطأ تبع فيه ابن شاس، وهو ظاهر، لقوله: أن يجمع على إمساكها وإصابتها محتمل للوجهين، وما نسبه المصنف للمدونة هو فهم اللخمي منها، وفهمها ابن رشد وعياض على ما نقله المصنف عن الموطأ، وصرحا بأنه المشهور، ولا يقال إذا كان مذهبه في المدونة محتمل، فلم تثبت الرواية بأن العودة العزم على الوطء خاصة، لأ، نقول الرواية ثابتة، نقلها ابن الجلاب وغيره.
الباجي: وليس من شرط العزم على الإمساك الأبدية، بل لو عزم على إمساكها سنة، كان عازماً، واستضعفت الرواية بأن العود الوطء، لأن الله تعالى اشترط في الكفارة، أن تكون قبل المماسة، واعلم أن وجوبها على مذهب المدونة بالعزم خاصة مشروط ببقاء المرأة في عصمته، وإلا فلو عزم على وطئها ثم طلقها لسقطت الكفارة، وسيأتي ذلك.
وذهب داوود الظاهري إلى أن العودة [385/أ] هو أن يعود إلى لفظ الظهار، وأعرب (ما) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ مصدرية، ورد بأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المظاهر أن يعيد لفظ الظهار، وأيضاً فالظهار محرم، فلا يؤمر بإعادته، ورد أيضاً قول الشافعي بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يقتضي وقوع أمر في زمان متأخر عن
الظهار من المظاهر، والشافعي يرى أن مجرد مضي الزمان موجب للكفارة، وعلى مذهبنا فيكون في الآية حذف مضاف؛ أي: ثم يعودون لنقيض ما قالوا، أو يكون التقدير: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، أو يراه بما قالوا ما حرموه على أنفسهم؛ تنزيلاً للقول منزلة المقول، وما مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة.
وقوله: (وَفِيهَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ) يحتمل أن يكون أتى بذلك استشكالاً؛ لأنه لما ذكر عن المدونة أنها تجب بالعزم على الوطء، ذكر هذا كالمخالف له، والظاهر أنه هنا لا إشكال في هذا؛ لأن الوجوب هنا يطلق لمعنيين؛ الأول: وجوب متحتم، والثاني: غير متحتم؛ فالمتحتم بعد الوطء؛ لأنها تجب سواء بقيت الزوجة في العصمة أم لا، وغير المتحتم إذا عاد بغير الوطء، فإنها إنما تجب بشرط بقاء العصمة، فقوله في المدونة: وإنما تجب الكفارة بالوطء، مراده الوجوب المتحتم، والله أعلم.
فَلَوْ عَادَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ ثُمَّ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَتْ فَفِي سُقُوطِهَا قَوْلانِ
السقوط مذهب المدونة، ففيها: ولو طلقها قبل أن يمسها وقد عمل في الكفارة لم يلزمه إتمامها، وقال ابن نافع: إن أتمها أجزأه، وإن أراد العودة قبل الطلاق، والقول باللزوم إذا عاد ثم طلقها أو ماتت لمالك وأصبغ، واختلف هل قول ابن نافع خلاف لقول المشهور، وأنه لو أتم على قول ابن القاسم لم يجزه، وإليه ذهب صاحب تهذيب الطالب، وصاحب البيان، أو هو وفاق وإليه مال اللخمي؟ والخلاف جارٍ في الصيام وغيره، ولابن الماجشون قول ثالث بالفرق بين أن يمضي من الكفارة أقلها، أو أكثرها.
قال في البيان: وأما إن لم يتم كفارته حتى تزوجها فاتفق على أنه لا يبني على الصيام، واختلف هل يبني على الإطعام على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يبني بعد انقضاء العدة وإن تزوجها، وهو قول أشهب، والثاني: أنه يبني وإن لم يتزوجها وهو قول ابن عبد الحكم
وابن نافع، والثالث: أنه لا يبني إلا أن يتزوجها، وهو قول أصبغ، والرابع: الفرق بين أن يمضي منه أكثره أو أقله، وهو قول ابن الماجشون.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن مذهب المدونة السقوط، إنما هو في الطلاق البائن أو في الرجعي، وانقضت العدة، وأما لو تم عدة الطلاق فإنه يجزئه باتفاق، قاله في تهذيب الطالب، قال في البيان: وقيل ذلك إن نوى ارتجاعها وعزم على الوطء؛ لأن الكفارة لا تصح إلا بعد العودة، وإن لم ينوِ فيكون كالطلاق البائن، واختلف إذا أراد أن يبتدئ الكفارة وهي في عدة الطلاق الرجعي، فلمالك في الموازية: يرتجع ثم يكفر، وقال أشهب: إن كفر قبل أن يرتجع، وقيل: إن تبين منه فذلك جائز، وقال ابن المعذل: لا تجزئه الكفارة قبل أن يرتجع؛ لأن الكفارة إنما هي بعد أن يعود إلى الإمساك وهي في العدة بائنة.
أَمَّا لَوْ وَطِئ لَمْ تَسْقُطْ
لأنها وجبت وجوباً متحتماً كما تقدم.
وَلِذَلِكَ لَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ وَطِئَ وَلَوْ نَاسِياً ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ كَفَّرَ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً، وَلَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ أَعَادَهَا لَمْ يُجْزِئه؛ لأَنَّهُ كَفَّرَ قَبْلَ الْوُجُوبِ ....
أي: لأجل أنها لا تسقط بالوطء، ويحتمل لأجل ما ذكره من الفرق بين أن يعود بالوطء أو بغيره لو ظاهر ثم وطئها ولو ناسياً، ثم أبانها لزمته الكفارة ولم تسقط عنه؛ لأنها تحتمت بالوطء، وما ذكرناه من قولنا: (لزمته الكفارة) أحسن من قوله: (ثُمَّ كَفَّرَ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً) لأن قوله أجزأه يوهم أن له ألا يفعل، ولا يقال: هذا الوهم يزول بقوله أولاً: (أما لو وطئ لم تسقط) لاحتمال أن يخصص الكلام المتقدم بما إذا كانت باقية في العصمة، وما حكاه من الاتفاق صحيح باعتبار النصوص، وإلا فقد أشار ابن رشد وغيره إلى أنه يلزم
على القول بأن العود الوطء نفسه ألا تجب عليه الكفارة بأول وطء، بل له أن يطأ مرة، ثم لا يطأ حتى يكفر، فعلى هذا تكون الكفارة قد وجبت بالوطء المتقدم، ويكون الحكم فيها كالمسألة السابقة، وقوله: (وَلَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَبَانَهَا ... إلخ)، ظاهر التصور.
وَالْكَفَّارَةُ إِحْدَى ثَلاثٍ مُرَتَّبَةٌ: الْعِتْقُ، وَالصَّوْمُ، وَالِإطْعَامُ
لا خلاف في ترتيبها، وأن العتق أولاً، ثم الصيام ثم الإطعام.
وقوله: (إِحْدَى ثَلاثٍ)، يقتضي أن الكسوة لا تصح فيها، وهو المعروف، وفي النوادر: قال ابن القاسم في الأسدية فيمن كسا وأطعم عن كفارة واحدة: لا يجزئه، ووقع في المجالس: يجزئه، وأظنه قول مالك، وقال أشهب: لا يجزئه.
الباجي: وفي الموازية فيمن ظاهر من أربع نسوة، وأطعم عن واحدة ستين وكسا عن أخرى ستين، [385/ب] ثم وجد العتق فعتق عن واحدة غير معينة، ولم يقدر على رقبة إلى أربعة فليطعم أو يكسي، ويجزئه.
الشيخ أبو محمد: وانظر قول محمد في الكسوة ما أعرفه لغيره.
الباجي: وهو يحتمل عندي وجهين، أحدهما: أنه من باب إخراج القيم في الكفارة، فتخرج الكسوة عن الطعام إذا كانت في مثل قيمته أو أكثر، وهل يجب على هذا ألا يراعي قدر الكسوة، والثاني: أنه رآها خصلة رابعة قياساً على كفارة الأيمان على رأي من صحح دخول القياس في الكفارة، وهذا معنى كلامه.
وفي الأول بعدٌ؛ لأنَّا وإن قلنا بإخراج القيمة فلا نأمره بذلك ابتداء، وقوله في المسألة الثانية: فليطعم أو يكسي، يقتضي أنه مأمور بذلك ابتداء.
فَيُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ يُجْزِئُ فِي الصِّيَامِ والأَيْمَانِ، وَهِيَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ مُحَرَّرَةٌ لَهُ سَلِيمَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ وَالْعِوَضِ ..
إنما قال: (يُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ يُجْزِئُ فِي الصِّيَامِ والأَيْمَانِ) وإن لم يتقدم ما يجزئ فيها؛ لأنه أراد إفادة الحكم في الجميع، ثم شرع المصنف في بيان ما يتعلق بالقيود أولاً فأولاً.
فَلَوْ عَتَقَ جَنِيناً عُتِقَ وَلَمْ يُجْزِئه
هذا راجع إلى قوله: (رَقَبَةٌ)؛ لأن الجنين لا يسمى حين العتق رقبة، وإنما ألزمناه عتقه وإن كنا سيده إنما التزم عتقه على لا رجعة، ولم تحصل لتشوف الشرع إلى الحرية، وقصده به القربة.
فَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَيْنِ مِنْ رَقَبَتَيْنِ لَمْ يُجْزِئه
هذا راجع إلى قوله: (غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ)، ولم يجزئه ذلك؛ لأنه لا يصدق عليه رقبة، ولم يبين رحمه الله ما احترز عنه بالأيمان، ولعل ذلك لوضوحه.
واعلم أن الكافر على ضربين: كتابي وغيره، فالكتابي إن كان كبيراً قد عقل دينه لم يجز باتفاق، وإن كان صغيراً لم يعقل دينه فقال اللخمي: قال ابن القاسم: يجزئه، وقال ابن وهب وأشهب: لا يجزئه، وقال أبو مصعب: فيمن ولد من النصارى مملوكاً للمسلمين فهو على فطرة الإسلام، وقال ابن حبيب: لا يجزئ من ولد في ملك الإسلام، وسيأتي الكلام على غيره.
وَمِنْ وَاحِدَةٍ فِي دُفْعَتَيْنِ قَوْلانِ
يعني: إذا كان له عبد فأعتق نصفه عن كفارة، ثم أعتق النصف الباقي عن تلك الكفارة، ففي سماع عيسى: يجزيه، وإن رفع إلى السلطان وجبره على التكميل، وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يجزئه.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المدونة والأظهر لأن الحكم يوجب عليه التتميم، فملكه للباقي تام.
وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفاً، وَالْبَاقِي لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَكُمِّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئه عَلَى الْمَشْهُورِ
تصوره ظاهر، والمشهور هو نص التهذيب، ومقابله لابن القاسم أيضاً، والأقرب هنا وفي الفرع المتقدم عدم الإجزاء؛ لأن الحكم لما كان يوجب عليه تتميم الباقي صار ملكه له غير تام، وعلى القول بالسراية، فالأمر أظهر.
وَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى شِرَائِهِ أَوْ مِلْكِهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ- لَمْ يُجْزِهِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَنْ كَانَ لِلْغُرَمَاء مَنْعُهُ ....
هذا راجع إلى قوله: (مُحَرَّرَةٌ) لأن الأول عتق بسبب القرابة، والثاني عتق بنفس الشراء، والثالث لغيره فيه شرك؛ لأنه يضع من ثمنه لأجل العتق، فكأنه لم يعتق رقبة كاملة، ويحسن أن يكون هذا مما يتعلق بقوله: (خالية عن العوض) ولا إشكال في الفرع الأول إن بنينا على المشهور أن القرابة تعتق بنفس الملك، وأما إن بنينا على افتقاره إلى الحكم فأعتق قبل الرفع إلى الحاكم، فقد يخرج فيها الخلاف من المسألة التي قبلها، وما ذكره في المعلق عتقه على شرائه من عدم الإجزاء نحوه في المدونة، وعطف الملك على الشراء؛ لأن الملك أعم؛ إذ قد يملكه بإرث أو هبة أو غيرهما، وفي الموازية عن ابن القاسم: الإجزاء فيمن قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري.
ابن عبد السلام: وتردد الشيوخ هل هو خلاف للمدونة أو وفاق؟ ومال الباجي إلى الوفاق، قال: لأنه لم يتقدم بعقده عتق إلا للظهار، وتقدم له في الأولى عتق لازم بكل حال بتقدير الشراء.
ابن يونس: وذكر عن أبي عمران أنه غمز المسألة إذا كان قد ظاهر قبل قوله: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري، من أجل أنه لا يستقر ملكه عليه، وعتق بنفس الشراء، قال: وأما إن لم يكن ظاهراً قبل ذلك لأجزأه ذلك، فكأنه قال: إن اشتريتك فأنت حر عن ظهاري، إن وقع مني ونويت العودة، وإن لم أنوِ العودة فلا تعتق عليَّ.
الباجي: وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في المرأة تعطي زوجها رقبة يعتقها عن ظهاره أو ثمنها إن كان ذلك بشرط العتق، لم يجزه، وإن كان بغير شرط العتق أجزأه؛ لأن هذا أيضاً شرط عليه عتقه لظهار من يملكه، فكأنه هو الذي أثبت فيه العتق دون المظاهر، بخلاف ما في الموازية، فإنه هو الذي أثبت فيه عتق الظهار.
وعارض أبو إسحاق ما في المدونة من عدم الإجزاء في المشتري بشرط العتق بما لو أعتق أجنبي عنه، فإن مذهب المدونة الإجزاء، ووجه المعارضة: أنكم كما حكمتم بالإجزاء في مسألة الهبة مع أن الرقبة [386/أ] موهوبة للعتق، فكذلك إذا اشتراها بشرط العتق، وإلى هذا المعارض أشار اللخمي أيضاً، فقال: اختلف إذا اشترى عبداً بشرط العتق، يعتقه عن ظهاره، فقال مالك في المدونة: لا يشتري بشطر العتق؛ لأنها رقبة ليست بتامة؛ إذ يضع عنه من ثمنها، وقال ابن كنانة في شرح ابن مزين: إن كان جاهلاً لم يؤمر بالإعادة، وقال ابن القاسم: إن كان عالماً أن ذلك لا ينبغي لم يجزئه، وإن كان جاهلاً ولا وضيعة من ثمنها أجزأه، وإن كان فيه وضيعة لم يجزئه، وقال ابن القصار فيمن قال لرجل: أعتق عبدك عن كفارتي: أجزأه، وسواء كان بجعل جعله له؛ مثل أن يقول له: أعتقه عني ولك ألف، أو بغير جعل وهو أصوب على أصل ابن القاسم؛ لأنه إذا أجزأه وهو كله هبة بغير عوض، فأحرى إن كان بمعاوضة ولم يكن في الثمن وضيعة، وقوله: (وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ) هو اللخمي استثنى من عدم الإجزاء في القريب، ومن اشترى بشرط العتق إذا كان عليه دين، واذن له غرماؤه أن يشتريه فيعتقه، أو اشتراه بغير إذنهم فأذنوا له أن يعتقه، فقال هنا بالإجزاء؛ لأن الدين يمنع من عتقه، فإذا صح ألا يعتق ويباع للغرماء صح إذنهم في عقته عن الواجب.
وَلَوْ فَعَلَ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ لَمْ يُجْزِهِ
كما لو صام ثلاثين يوماً، وأطعم ثلاثين مسكيناً وأعتق نصف عبد لا يملك غيره، وصام ثلاثين يوماً، ولا إشكال في هذا مع القدرة؛ لأنه يجب عليه ألا يفعل الصوم إلا
بعد عجزه عن العتق وأما مع العجز، فقال ابن عبد السلام: أشار بعض المتأخرين إلى أن قول مالك اختلف في الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة، وهو: هل المعتبر في الكفارة يوم الوجوب أو الأداء؟ وأشار غيره إلى حصول الاتفاق في هذه الصورة على عدم الإجزاء.
ابن عبد السلام: وانظر إن لم يكن اتفاق صحة الجمع بين الثانية والثالثة، وأما الجمع بين الأولى والثانية فيعارض فيه شيء آخر، وهو أنَّا إذا منعنا من التلفيق بين نصفي رقبتين فأحرى أن يمنع من التلفيق بين نصف رقبة ونصف صوم وليس هذا التعارض بالقوي.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ ثَلاثاً عَنِ أَرْبَعٍ لَمْ يُجْزِهِ
لأن العتق لا يبعَّض.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَرْبَعاً عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ
لهذه المسألة- أعني: إذا أعتق أربع رقبات ع نأربع نسوة- أربع صور.
إن قصد التشريك في كل واحدة لم تجزه واحدة منهن، وهي كالتي قبلها، وإن قصد كل واحدة عن واحدة أجزأه.
واختلف إذا أطلق ولم يعين ولا شرك، فقال ابن القاسم: تجزئه، واختلف فيها قول أشهب.
اللخمي: والإجزاء أحسن.
فقول المصنف: (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) هو على قول ابن القاسم.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلاثاً عَنْ ثَلاثٍ مِنْهُنَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَمْ يَطَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يُكَفِّرَ عَنِ الرَّابِعَةِ، وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلَّقَهَا ...
هذا الفرع مبني على قول ابن القاسم وأحد قولي أشهب، وأما على قول أشهب بعدم الإجزاء فلا يجزيه من الثلاثة، وقوله: (لَمْ يَطَا وَاحِدَةً)؛ لأنه بمنزلة ما لو اختلطت ذات محرم بثلاث نسوة أجنبيات، أو ميتة بثلاث ذكيات، ولم تعلم، وقوله: (وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلَّقَهَا) مبالغة؛ أي لا يطأ واحدة، ولو ماتت منهن واحدة أو طلقها، بل وكذلك اثنان وثلاث، فلا يطأ الباقية حتى يكفر لاحتمال أن تكون هي التي لم يكفر عنها.
وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَداً فَيُكَمِّلُ لِلأُخْرَى
يعني: فلو صام ثمانية اشهر، ولم يعين لكل واحدة شهرين أجزأه، ولو صام ستة عن ثلاث ولم يعين، لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر عن الرابعة، وقوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ)؛ يعني إذا صام الأربع دون ثمانية اشهر وقد عين لكل واحدة عدداً، فإنه يبطل ما صام للأولى والثانية؛ لعدم التتابع، ويكمل للأخيرة، فإن نوى للأخيرة عشرة أيام بنى عليها، أو عشرين بنى عليها، ومثل هذا أيضاً لو صام ثمانية أشهر إلا أنه صامهن يوماً يوماً أو أكثر فإنه يبني على يوم واحد.
وَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَثَمَانِينَ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ ثَلاثٍ
فيه حذف مضاف؛ أي مقدر ثلاث، وليس المراد أن يجزيه عن ثلاث مستقلة؛ لقوله:
فَإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ تَشْرِيكَهُنَّ فِي كُلِّ مِسْكِينٍ فَلا يُجْزِئُهُ عَنْ شَيْءٍ ....
قوله: (سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ)؛ أي ربع المائة والثمانين، وهو خمسة وأربعون، ولا يطأ واحدة من الثلاث، إلا بعد أن يخرج عن كل واحدة منهن كمال كفارتها خمسة عشر مسكيناً، وقال المصنف: (سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ)، ولم يقل: سقط خمسة وأربعون؛ ليشمل ما إذا نوى لكل واحدة عدداً، أو نوى للميتة أكثر منهن، فإنه يسقط ما نواه لها.
أما إن جعل لأحد الكفارات عدداً أكثر من الأخرى ولم يعين، فإنه يجعل للميتة الأكثر، وقوله: (إلا أن ينوي تشريكهن في كل مسكين فلا يجزئه عن شيء) هذا إذا لم تعرف أعيان المساكين، ولو عرفت [386/ب] لنظر إلى ما يقع لكل واحد منهم فيكمل له تمام المد.
أَوْ يَنْوي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَداً فَيَجُوزُ مِثْلُ عَدَدِ الْمَيِّتَةِ
ابن راشد: فإذا أخرج مائة وثمانين عن أربع، فينوي لفلانة ستين ولفلانة ستين ولفلانة عشرة ولفلانة خمسين، فماتت التي نوى لها ستين، فيخرج ستين، وإن ماتت التي نوى لها
الخمسين أخرج خمسين، وإن ماتت التي نوى لها عشرة أخرج عشرة؛ إذ بها تكمل الثلاث كفارات، وفي كلامه إضمار؛ أي: فيجوز أن يخرج مثل عدد الميتة.
وَالْعُيُوبُ: ثَلاثَةٌ: مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ وَيُشِينُ؛ كَالقَطْعِ، وَالعَمَى، والبُكْمُ، والْجُنُونُ، والهرِمُ الْعَاجِزِ، وَالْمَرَضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ- فَلا يُجْزِئُ ...
هذا راجع إلى قوله: (سليمة)، وقسم المصنف العيوب إلى ثلاثة أقسام، وقسمها اللخمي إلى خمسة أقسام، وطريق المصنف أحسن؛ لأنها أخصر مع جمعها لما قاله اللخمي، وقوله: (مَا يَمْنَعُ)، خبر ابتداء؛ أي في الأول ما يمنع كمال الكسب ويشين فلا يجزئ، ومثل له المصنف بالقطع، وسواء كان مقطوع اليدين أو إحداهما أو أحد الرجلين، وكذلك الشلل والفلج.
وقوله: (وَالعَمَى)، ظاهر، وقوله: (والبُكْمُ) هو بيِّن إن كان أصم كما هو غالب أحوال البكم.
ابن عبد السلام: وإن لم يكن أصم فينبغي أن يجري فيه الخلاف اليذ في الأصم، وأما المجنون إن كان مطبقاً أو في أكثر الزمان، فلا يجزئ، وإن كان أقل الأزمنة، فقال مالك وابن القاسم: لا يجزئ، وقال أشهب: إن جن في كل شهر مرة أجزأ.
الثَّانِي: مَا لا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ ولا يُشِينُ؛ كَالْمَرَضِ الْخَفِيفِ، والْعَرَجِ الْخَفِيفِ، وَالأَنْمُلَةِ- فَيُجْزِئُ ....
وكذلك الجدع في الأذن وذهاب بعض الأسنان والصمم الخفيف، قاله اللخمي.
وقوله: (وَالأَنْمُلَةِ) إن كانت من غير الإبهام فبين، وأما أنملة الإبهام فإنها تمنع كثيراً من الصنائع.
الثَّالِثُ: مَا يُشِينُ وَلا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ؛ كَاصْطِلامِ الأُذُنِ، وَالصَّمَمِ، وَالْعَوَرِ، وَالْمَرَضِ الْكَثِيرِ الْمَرْجُوِّ، وَالْبَرَصِ الْخَفِيفِ، والْعَرَجِ الْبَيِّنِ، والْخِصَاءِ والأُصْبُعِ- فَقَوْلانِ ...
بناءً على اعتبار الشين أو الكسب، وقوله: (كَاصْطِلامِ الأُذُنِ) كلامه في التهذيب يدل على إجزاء المصطلم الأذن الواحدة؛ لقوله: (ويجزئ الجدع الخفيف كجدع الأذن)، ولكن انتقدت عليه هذه اللفظة، فقيل: إنما في المدونة: كجدع في الأذن؛ وهو يدل على أن الجدع لم يوعب الأذن، والقول بالإجزاء في مصطلم الأذن لأشهب، ونص في المدونة على أن مقطوع الأذن لا يجزئ، ومذهب المدونة أن الأصم لا يجزئ، وقال أشهب: يجزئ.
والمشهور إجزاء الأعور، وفي الموازية: لا يجزئ، وهو قول عبد الملك، وأما المرض الكثير المرجو، فقال محمد: يجزئ ما لم ينازع؛ وقاله عبد الملك، واستقرأ اللخمي من قول الغير في المدونة في الأبرص: يجزئ إذا كان خفيفاً ولم يكن ممرضاً، عدم الإجزاء في المرض البين.
وأما البرص الخفيف فقال ابن القاسم في الجذام والبرص: لا يجزئ جملة.
اللخمي: ولم يفرق بين قليله ولا كثيره.
وقال أشهب في البرص الخفيف: يجزئ، وأما الخصاء، فقال اللخمي فيه ثلاثة أقوال: كرهه في المدونة، وقال أيضاً: لا يجزئ، وقال أشهب يجزئ، وأما الأصبع فالمشهور عدم الإجزاء، وقال ابن الماجشون: يجزئ، وإن كانت الإبهام.
اللخمي: وليس بالبيِّن، ولو كانت الخنصر وما والاه رأيته أن يجزئ.
ويُجْزِئُ عِتْقُ الرَّضِيعِ، والأَعْجَمِيِّ بِخِلافِ الْجَنِينِ، وَمَنْ عَقَلَ الصَّلاةَ والصِّيَامَ أَوْلَى
هكذا في المدونة، لكنه اشترط في عتق الرضيع والأعجمي أن يكون ذلك لقصد النفقة.
أبو عمران: وهو على استحباب، وأما الإجزاء فإنه يجزئ وإن كان مع سعة النفقة.
ابن عبد السلام: وقيل: إنه شرط، فينتفي الإجزاء بانتفائه، والأول أولى؛ لأنه لا يعلم شيء من مسائل هذا الباب، وما يقرب منه كالضمان والهدايا يجزئ الفقير ولا يجزئ الغني.
فرع:
فإن عتق الرضيع في كفارة واحدة؛ فكبر أخرس أو أصم أو مقعداً أو مطبقاً، فقال أصبغ في العتبية: ليس عليه البدل، وكذلك لو ابتاعه فكبر على هذا الاحتمال حدوثه، وأما الأعجمي، والمراد به الكافر الذي ليس بكتابي، فنص في المدونة على الإجزاء، كما ذكرنا، ففسره سحنون وابن اللباد وابن أبي زمنين وغيرهم بأن يكون دخل في الإسلام اعتماداً على ما وقع في النذور من قوله: (والأعجمي الذي قد أجاب) واختصار ابن أبي زيد يخالف هؤلاء؛ لأنه قال في اختصاره لما في الظهار: ويجزئ عتق الأعجمي الذي يجبر على الإسلام، وإن لم يسلم، وكذلك قال في الموازية، وعلل ذلك بأنهم على دين من اشتراهم، قال: وقال أشهب: لا يجزئ حتى يجيب إلى الإسلام.
وهل الخلاف في الصغير كالكبير؟ أو إنما هذا الخلاف إنما هو في الكبير وأما الصغير يشترى مفرداً عن أبويه فلا خلاف أنه يجزئ طريقان، وتعميم الخلاف أولى؛ لأنهم أشاروا إلى أن الخلاف في الإجزاء مبني على الخلاف في جبرهم، وفي ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: يجبر الصغار دون الكبار وعلى ما في المدونة، فقال بعض أصحابنا ينبغي [387/أ] أن يوقف عن امرأته حتى يسلم هذا الأعجمي، وإن مات قبل أن يسلم لم يجزه، وقال ابن يونس: بل له وطء زوجته حين أعتقه، ولو مات قبل أن يسلم أجزأه؛ لأنه على هذا القول على دين من اشتراه، ولما كان يجبر على الإسلام ولا يأباه في الغالب حمل عليه.
وَيُجْزِئُ الْمَغْصُوبِ
أي: يجزئ المظاهر أن يعتق عبده المغصوب عن كفارته، سواء قدر على تخليصه أم لا؛ لأن ملكه باقٍ عليه، فقد أخرج رقبة من الرق.
وَلا يُجْزِئُ الْمُنْقَطِعُ الْخَبَرِ
عدل المصنف عن أن يقول كغيره: (الآبق المنقطع الخبر) إلى ما ذكره؛ لأنه يشمل الآبق وغيره، فكان أكثر فائدة، ولا يجزئ المنقطع الخبر؛ لأنه لا يدري أموجود هو أم معدوم، صحيح أم معيب، وعدم الإجزاء مقيد بما إذا لم تعلم سلامته بعد ذلك، نص عليه في المدونة آخر الضوال والإباق.
ومن عتق عبداً آبقاً عن ظهاره لم يجزه؛ إذ لا يدري أحي هو أم ميت أم معيب أم سقيم، إلا أن يعرف في الوقت موضعه وسلامته من العيوب، فيجزئه، أو يعلم ذلك بعد العتق فيجزيه وإن جهله أولاً.
انتهى.
واشترط ابن حبيب وغيره أن تعلم سلامته.
وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْمَرْهُونِ والْجَانِي إِنْ نفذ
لأن كل واحد من المرهون والجاني باقٍ على الملكية، لكنه قد تعلق به حق الغير، فإن أنفذ ذلك الغير العتق بأن أسقط حقه أو أعطى حقه نفذ العتق وأجزأه، وهو معنى (إِنْ نفذ)؛ أي معنى نفذ العتق وفي نسخة أخرى: (إن فديا)؛ أي استوفى المرتهن والمجني عليه حقه.
ولا يُجْزِئُ مُكَاتَبٌ، ولا مُدَبَّرٌ، وَلا مُعْتَقٌ إِلَى أَجَلٍ، وَلا مُسْتَوْلَدَةٍ
هذا راجع إلى قوله: (خالية من شوائب العتق)، وتصور كلامه ظاهر، وينبغي أن يجري المكاتب إذا رضي هو وسيده بتعجيزه، وفسخ الكتابة إذا لم يكن للمكاتب مال ظاهر، فإن لهما التعجيز حينئذٍ على ظاهر المدونة، قاله ابن عبد السلام.
فَلَوْ اشْتَرَى مُكَاتَباً أَوْ مُدَبَّراً فَأَعْتَقَهُ فَكَالْجَانِي
يعني: أن اشتراءه لهما يفسخ ما لم يتصل بعتق، فهل يفسخ أيضاً ويرد العتق؛ لأنه مرتب على ممنوع، أو لا ويمضي العتق ويجزئ؛ لأنا إنما نفسخه لتعلق حقه بالحرية، وقد
حصلت ناجزاً؟ قولان.
وحكى اللخمي ثالثاً: أن عتقهما ماضٍ ولا يجزيان؛ لأنه عتق مختلف فيه، فيمضي ولا تبرأ الذمة بمختلف فيه، وعلى هذا فيكون المصنف شبه المكاتب والمدبر على القول بالفسخ بما إذا لم يفتدِ الجاني، وشبههما على القول بصحة عتقهما بما إذا افتديا.
وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى دِينَارٍ لَمْ يُجْزِهِ
لأنه عتق لم يخلُ عن شوائب العوض، وهذا بشرط أن يكون الدينار في ذمة العبد، وأما إذا كان في يده فيجزيه، قال في المدونة: إذ له انتزاعه، وتقدير كلام المصنف: ولو أعتق السيد عبده عن ظهاره على أن يكون على العبد دينار لم يجزه، ويحتمل أن يردي ما قاله في المدونة، فيمن أعتق عبده عن رجل عن ظهاره على جعل جعله له، قال: فالولاء للمعتق عنه، وعليه الجعل، ولا يجزيه عن ظهاره، كمن اشترى رقبة بشرط العتق، فإن أراد هذا الوجه الأخير فما ذكره فيه من عدم الإجزاء هو المشهور، وحكى ابن القصار جوازه.
وَفِي إِجْزَاءِ مَا عَتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ فَبَلَغَهُ فَرَضِيَ بِهِ.
ثَالِثُهَا: إِنْ أَذِنَ لَهُ أَجْزَأَهُ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ ...
قد تقدم غير ما مرة أن قاعدة المصنف أن يجعل صدر القول الثالث دليلاً على الأول، وعجزه دليلاً على الثاني، وقاعدته أيضاً إذا ذكر أقوالاً وقائلين أن يرد الأول للأول، والثاني للثاني، وعلى هذا فيكون ابن القاسم هو القائل- أي في المدونة- بالإجزاء مطلقاً، وأشهب بنفيه مطلقاً، وعبد الملك بالتفرقة، إن أذن له أجزأه وإلا فلا، وبنى ابن بشير الأولين على أن العتق هل يفتقر إلى نية أو لا، وتفرقة عبد الملك ظاهرة؛ لأنه إذا أذن له فالمعتق إنما عتقه عنه بطريق النيابة، واحترز المصنف بقوله: (وَرَضِيَ بِهِ) لما لو لم يرضَ فإنه لا يجزيه باتفاق، واختلف في محل هذه الأقوال، فذهب اللخمي والأكثر إلى أن محلها إذا وجبت الكفارة بالوطء أو بالعودة، وأما لو لم تجب فلا يجزئ العتق
باتفاق، وذهب أبو عمران إلى أن العتق يجزئ على قول ابن القاسم، وإن لم ينوِ العودة، بناءً على أن ابن القاسم لم يشترطها، وقد قدمنا أنه قد أنكرت هذه النسبة لابن القاسم.
الصِّيَامُ: وَشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الْعِتْقِ وَقْتَ الأَدَاءِ، وَقِيلَ: وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى مَا بيَدِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لِمَنْصِبِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا
لما انقضى كلامه على العتق شرع في الصيام، ولا خلاف أن من شرطه العجز عن العتق، وهل وقت الأداء- أي: إخراج الكفارة- وهو مذهب المدونة، أو الوجوب- أي وقت العود- ما تقدم، وهو ظاهر ما وقع لابن القاسم في الموازية؛ لأنه قال في المظاهر الموسر إذا لم يعتق حتى أعدم، فصام ثم أيسر: أنه يعتق، وجعله اللخمي خلافاً للأول، كالمصنف على ظاهره، وتأوله الباجي على الاستحباب، قال: لأن المؤدي لما عليه إنما ينظر لحاله يوم الأداء دون الوجوب [387/ب] كمن ضيع الصلاة، وهو قادر على القيام فأراد أن يقضيها حال عجزه عنه، فإنه يؤديها جالساً ثم لا يلزمه قضاؤها إن قدر على القيام، أو فرط في الصلاة مع إمكان أدائها بالماء، ثم قضاها بالتيمم لعدم الماء، فإنه لا يلزمه قضاؤها ثانياً عند وجود الماء.
الباجي: ويحتمل أن يريد أنه لما وجب عليه العتق تعلقت الرقبة بذمته، فلما أعسر قبل العتق أمر بالصيام؛ لأنه أبلغ ما يمكنه، بشرط إن أيسر بالرقبة التي تعلقت بذمته كان عليه إخراجها، وحكم الأموال في ذلك غير حكم الأعمال، والأول أظهر.
وقال بعض القرويين: إنما ذلك لمن وطئ فلزمته الكفارة بالعتق ليسره، فلم يكفر حتى أعسر بصيام، وأما إن لم يطأ حتى أعسر فصام، ثم أيسر فلا يؤمر بالعتق.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ .. إلخ)؛ يعني أنه غذا ملك رقبة لم يكن له الانتقال إلى الصوم وإن كان محتاجاً إلى ما بيده من عبد أو غيره لمرض أو منصب أو غيرهما، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وعادم الماء، فإنه يجوز له أن يتيمم إذا كان محتاجاً لنفقة ما يشتريه به، والله سبحانه
لم يُجِز التيمم إلا عند عدم الماء، كما لم يُجِز الصيام هنا إلا عند العجز عن العتق، قيل: لأن المظاهر لما أدخل الظهار على نفسه شدد عليه، ولأنه أتى بالمنكر والزور، ولتكرار الوضوء، ولأن الحكم في الظهار معلق على عدم الوجود المطلق، بخلافه في التيمم، فإنه معلق على عدم الوجود المقيد، وهو وجدان ماء لا حرج فيه؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6].
فَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ قَوْلانِ، وَفِيهَا: حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا لَوْ صَامَ يَوْماً فِي الْحَجِّ ثُمَّ وَجَدَ هَدْياً
يعني: إذا صام لإعساره ثم أيسر، فإن صام ما له قدر كالربع والثلث ونحوهما، تمادى على صومه ولم يلزمه العتق، وإن كان إنما صام اليومين ونحوهما، فروى زياد بن جعفر عن مالك: يرجع إلى العتق، وروى ابن عبد الحكم: يتمادى، وقال ابن شعبان: إذا صام يوماً ثم أفاد مالاً مضى ويجزيه العتق أحب إليَّ، وجعلوا هذا القول موافقاً لرواية ابن عبد الحكم، والقولان يتجاذبهما أصلان؛ وهما: طروء الماء على المتيمم بعد تلبسه بالصلاة، وطروء الحيض على المعتدة بالأشهر، والشبه بالتيمم أقوى؛ للاتفاق أن اليسر إذا حدث بعد صوم كثير أنه يتمادى، ولو كان كالحيض لزم أن ينتقل إليه ولو بقي منه يوم واحد، وقوله: (وَفِيهَا: حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ)؛ أي حسن أن يرجع في اليومين ونحوهما إلى العتق، هكذا نص في المدونة، ولعله أتى بما فيها استشهاداً للقول بعدم الرجوع إلى العتق، ولا يقال إنما أتى بمذهب المدونة؛ لأنه مخالف للقولين، لأن على رواية ابن عبد الحكم يستحب أيضاً الرجوع، ألا ترى أنهم جعلوا قول ابن شعبان موافقاً لرواية ابن عبد الحكم، وقد نص ابن شعبان على استحباب الرجوع في اليوم إلى العتق كما تقدم.
أَمَّا لَوْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ يُسْرِهِ وَجَبَ الْعِتْقُ
يعني: لو أفسد الصوم بعد أن أيسر وجب العتق.
ابن القاسم: ولو لم يبق من صيامه إلا يوم واحد، ووجهه أن المعتبر في حال المكفر إنما هو يوم الأداء.
وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَةٍ لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا أَجْزَأَتْهُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لأنه لا يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ اتِّفَاقاً ...
تصور المسألة من كلامه ظاهر، والأصح مذهب المدونة، وعليه فإن تزوجها بعد العتقن حلت له من غير كفارة، ومقابل الأصح ليس بمنصوص، وإنما خرجه اللخمي على القول بأن من شرط الكفارة أن تكون المرأة تستباح إصابتها، وأن الكفارة تسقط عند بينونة المرأة منه، قال: لأن عتقها خلاف العزم على الإصابة، وأشار إلى أن الإجزاء إنما يأتي على القول بأن الكفارة لا تسقط بإبانتها، وقد تقدم أن بعضهم أخذ من هذه المسألة أن ابن القاسم لا يشترط في وجوب الكفارة وجود العود، والرد عليه، وانظر كيف جعل اللخمي أن عتق هذه الأمة إنما يجزئ على القول بأن الكفارة لا تسقط بإبانتها، مع أنه مذهب المدونة، وقد نص فيها على إجزاء العتق في هذه المسألة، والظاهر أن العودة بالعزم على الوطء والإمساك في هذه الأمة؛ لأنه إذا عزم على وطئها وجبت عليه الكفارة، فإذا أعتقها زال عنه الظهار وحرم عليه فرجها إلا بتزويج، وهكذا قال أبو عمران، فإن قيل: كيف يختلف في إجزاء العتق، مع أنه لا ينتقل إلى الصوم بالاتفاق فيما يفعل على مقابل الأصح، قيل: الأمة لا حق لها في الوطء، فإن شاء السيد أمسكها ولا يستمتع بها حتى يوسر، وإن شاء باعها.
وَلَوْ تَكَلَّفَ الْمُعْسِرُ الْعِتْقَ جَازَ
أي: تداين واشترى رقبة وأعتقها جاز، ولو قال: أجزأ، لكان أحسن، ومثل هذه المسألة إذا تكلف من فرضه التيمم الغسلن أو تكلف من فرضه في الصلاة الجلوس القيام، وقد تقدم التنبيه على ذلك أول هذا الكتاب.
وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ حُرٍّ فَطَالَبَتْهُ امْرَأَتُهُ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ، فَإِنْ لَمْ تُطَالِبْهُ صَبَرَ ...
لأنه إذا كان يعتق عليه [388/أ] كل من يملكه، صار عاجزاً عن العتق، وهذا مبني على المشهور من لزوم العتق المعلق على الملك، وأما على الشاذ فلا؛ لأنه لا تلزمه اليمين، ولو قيل بلزوم العتق والصوم للاحتياط ما بَعُدَ.
وَالْعَبْدُ- كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ- لا يَصِحُّ مِنْهُ الإِعْتَاقُ إِذْ لا وَلاءَ لَهُ
قوله: (أَوْ بَعْضُهُ) يحتمل أن يريد به المعتق بعضه، ويكون قصد التنبيه على أنه لا فرق فيمن فيه بقية الرق بين أن يكون كاملاً أو مبعضاً، فيؤخذ من كلامه الحكم في المدبر والمعتق إلى أجل بالالتزام، ويحتمل أن يريد كل من فيه شائبة الحرية، فيدخل المعتق بعضه والمكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل، ويؤيد الأول اصطلاح الفقهاء، ويؤيد الثاني أن كلاًّ من هؤلاء لا ولاء له، والأول أظهر.
وَفِيهَا: وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَإِلا فَالإِطْعَامُ إِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِلا انْتَظَرَ ...
قوله: (إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ)؛ أي من غير مضرة تلحق السيد، وأما مع المضرة فسيأتي.
وقوله: (وَإِلا فَالإِطْعَامُ)؛ أي وإن لم يقوَ على الصوم، فإنه يطعم إن أذن له السيد على المشهور، وقال عبد الملك: لا يجزئه الإطعام، ولو أذن له السيد؛ لأن للسيد الرجوع قبل
أن يصرفه للمساكين، وفيه بُعد لأن العبد مالك حتى ينتزعه السيد، ولو سلمنا أنه ملك مترقب، لم يكن للسيد الرجوع بعد الإذن؛ لما تعلق للعبد من الحق، قاله اللخمي.
وَفِي جَوَازِ مَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ- إِنْ أَضَرَّ بِخِدْمَتِهِ- ثَالِثُهَا: إِنْ أَدَّى خَرَاجَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ
القول بالمنع لابن القاسم، ورواه عن مالك في الموازية، ومقابله لابن الماجشون، وأصبغ، ومحمد بن دينار بناءً على أن العبد لما أدخل الظهار على نفسه، لم يكن له أن يضر بسيده، وأن السيد لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه.
الباجي: وعلى المنع ففي كتاب ابن سحنون عن مالك: إن كان يؤدي الخراج لم يكن له منعه، فمقتضاه أنه تقييد للقول بالمنع، وكذلك قال في الجواهر، وهو خلاف لحمل المصنف الثالث على أنه خلاف، والله أعلم.
وَفِيهَا: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَصُومَ وإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الإِطْعَامِ فَحُمِلَ عَلَى مَا إِذَا مَنَعَهُ مِنَ الصِّيَامِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَاجِزِ نَاجِزاً فَقَطْ، وقِيلَ: أَحَبُّ إِلَيَّ- لِلسَّيِّدِ- أَلا يَمْنَعَ عبده مِنْ الصَّوْمِ ...
ابن القاسم: في المدونة بإثر ما حكاه المصنف عنها: بل الصيام هو الذي فرض الله، وليس يطعم أحد يستطيعه.
وظاهر كلام ابن القاسم أنه حمل جواب مالك على الوهم، وصرح في ذلك في المبسوط، فقال: لا أدري ما هذا، ولا أرى جوابه فيها إلا وهماً، ولعل جوابه في كفارة اليمين بالله.
وإلى مثل قول ابن القاسم نحا سحنون؛ لأنه طرح هذا الكلام، وذهب الأكثرون إلى تأويله، وذكر المصنف ثلاثة تأويلات:
الأول لعياض: إن أحب باقية على بابها من ترجيح أحد الأمرين، وكلامه محمول على ما إذا منعه السيد من الصوم لأجل أنه يضر به في خدمته، والعبد قادر عليه، قال:
وهو قول محمد، فإنه قال: إذا أذن له سيده في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه، وأصوب أن يُكفِّر، وهو مثل قوله في الكتاب في كفارة اليمين: إذا أذن له سيده أن يطعم أو يكسو يجزئ وفي قلبي منه شيء؛ والصيام أبين عندي، فلم يرَ مالك الإطعام والكسورة ملكاً مقرراً.
الثاني للأبهري: حمل قوله: (الصوم أحب إليَّ) على ما إذا كان عاجزاً في الحال، قادراً على الصيام في الاستقبال، فأذن له السيد في الإطعام، فأحب إليَّ أن يصبر حتى يكفر بالصوم.
واعترضه ابن محرز فإنه إذا كان مستطيعاً للصوم في الاستقبال لزمه أن يؤخر، وإن كان لا يستطيع فلا يؤخر.
ابن بشير: وإنما بنى ابن محرز ذلك على قول ابن القاسم، الذي يقول: إذا عجز عن الصوم ناجزاً وهو يقدر عليه فيما بعد، أنه يلزمه التأخير، وأما على قول من يقول لا يلزمه التأخير، فيصح هذا الاعتذار.
التأويل الثالث للقاضي أبي إسحاق: وأن قوله: (أحب) يرجع إلى السيد؛ أي أن إذن السيد في الصيام أحب إليَّ من إذنه في الإطعام.
ابن عبد السلام: وإلى هذا مال الأكثر، ووجهه أنه لما اختلف قول مالك هل للسيد منعه من الصوم إن أضر به أم لا؟ استحب الأخذ بأحوطها، وهو الصيام، وقال أبو عمران: إن (أحب) هنا على الوجوب.
وفِيهَا: قَالَ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ بِاللهِ أَجْزَأَهُ، وَفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ
لعله ذكر هذه المسألة استشهاداً للشاذ في أنه لا يجزئه الإطعام، وإن أذن له فيه سيده، وقال ابن عبد السلام: ذكرها بإثر السابقة، وكذلك هي في المدونة، كالمستدل بها على صحة التأويل الأول؛ لأنه لا يشك أن الشيء الذي في قلب الإمام من جهة الإطعام، إما هو عدم صحة ملك العبد أو الشك في ذلك.