وقوله: (فَلا صَدَاقَ) يعني: لا يكون لها نصف؛ لأنه قد علم أن المرأة لا تستحق قبل البناء إلا النصف، وقوله: (ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ) يعني: إن قبضه.
فَإِنْ كَانَ عَدِيماً فَقِيلَ: يَسْقُطُ خِيَارُهَا لأَنَّ ثُبُوتَهُ يُسْقِطُهُ، وقِيلَ: يَثْبُتُ وَتُبَاعُ فِيهِ لِمَا أَوْجَبَهُ الْحُكْمُ.
وقِيلَ: يَثْبُتُ وَلا تُبَاعُ لأَنَّهُ طَارِئُ بِالاخْتِيَارِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
هذا مفرع على قوله: (ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ) وقوله: (فَقِيلَ: يَسْقُطُ خِيَارُهَا ... إلخ.) أي: لأنه صار ديناً على السيد وهو عديم، فيرد عتقه لتقدم الدين عليه، فكان ثبوت خيارها يفضي إلى بطلان عتقها، وإذا بطل عتقها بقيت زوجة.
وهذا القول هو المختار الذي به الحكم، قاله المتيطي وغيره، وعمل بذلك وثيقة.
وتصور القول الثاني من كلامه ظاهر، ورأى في الثالث أن الزوج إنما وجب له الرجوع بالصداق بعد العتق، فصار كدين طرأ بعد العتق فلا يرد له العتق، فالضمير في قوله: (لأَنَّهُ طَارِئُ) عائد على الدين المفهوم من السياق، وهو أقيس.
ابن عبد السلام: وهو أشبه بأصل ابن القاسم في المدونة، لما في العتق الأول منها: إذا باع عبدك سلعة بأمرك ثم أعتقته ثم استحقت السلعة ولا مال لك، فليس للمبتاع رد العتق؛ لأنه دين لحق السيد بعد إنفاذه.
لكن تأول محمد هذه المسألة على أن الثمن كان بيد السيد حتى أعتق، قال: وأما إن تلف أو أنفقه قبل العتق فليرد العتق؛ لأن السلعة لم تكن له ملكاً.
فَإِنْ اخْتَارَتْ بَعْدَ الْبِنَاءِ فالْمُسَمَّى ويَكُونُ كَمَالِهَا إِلا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَبَضَهُ أَوِ اشْتَرَطَهُ ..
لا إشكال في وجوب المسمى بعد الدخول، ويكون كمالها فيتبعها؛ لأن العبد إذا عتق تبعه ماله، إلا أن يشترط السيد.
وجعل المصنف قبض السيد كاشتراطه، ونحوه في المتيطية والجواهر.
وينبغي أن يقيد بما إذا قبضها على سبيل الانتزاع، وهو الذي يدل عليه لفظ المدونة، فإنه قال: إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق أو اشترطه فيكون له.
وإِنْ رَضِيَتْ وَهِيَ مُفَوَّضَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَفُرِضَ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلا سَبِيلَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ
لأنه قبل الفرض لم يتقرر لها شيء، بدليل أن المفوض لو طلقت قبل البناء لم يكن لها شيء، فصار كمال وهب له بعد العتق.
ابن بشير: وإذا استثنى صداقها قبل البناء، وكان تفويضاً في الروايات لا يصح [318/ ب] استثناؤه؛ لأنه لم يجب لها بعد، وقال بعض الأشياخ: يجري على القولين فيمن قال لعبده: أنت حر وعليك ألف.
هل يكون حراً ولا شيء عليه، أو يتبع بما جعل عليه؟ وأنكر ابن محرز هذا، ورأى أنه لا يختلف في أن الاستثناء لا يصح؛ لأنه اشترط لنفسه ما لا تملكه المرأة هنا.
وَاخْتِيَارُهَا طَلْقَةُ بَائِنَةُ كَالْعَيْبِ، ورُوِيَ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ إِنْ عُتِقَ فِي الْعِدَّةِ
يعني: أن اختيار طلقة بائنة، سواء بينت الواحدة أو لم تبين، بل قالت: اخترت نفسي فقط.
وهكذا قال في المدونة.
والرواية بأن له الرجعة إذا عتق في مختصر ما ليس في المختصر، وقاسه فيه على طلاق المولي والمعسر بالنفقة، والقول الأول هو المشهور.
فَإِنْ قَضَتْ بِاثْنَتَيْنِ طَلاقَ الْعَبْدِ فَفِي لُزُومِهِ رِوَايَتَانِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ
نحوه في المدونة، ففيها: وللأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات، على حديث بريرة، وكان مالك يقول مدة: ليس لها أن تختار إلا واحدة بائنة.
وهو قول أكثر الرواة.
ابن يونس: ووجه الأول أنها ملكت ما كان ملكه من الفراق، فلها أن تفارق بما شاءت كهو، ووجه الثاني أن الواحدة تبينها، فالزيادة على ذلك ضرر.
انتهى.
فقوله كهو إشارة إلى أنها إنما تؤمر ابتداء على القولين بواحدة، ألا ترى أن الرجل يؤمر ألا يطلق إلا واحدة.
وعلى هذا فالخلاف إنما هو في لزوم الزائد على الواحدة بعد الوقوع، كما ذكر المصنف.
وحكي عن مالك وابن القاسم في المدونة أن للمعتقة تحت العبد أن تطلق نفسها ثلاثاً، فمن الشيوخ من نسب قائله إلى الوهم؛ لأن الطلاق إنما يعتبر بالرجال، ومنهم من صححه، ووجهه بأن الزوجة لما انتقل إليها الطلاق وهي حرة اعتبرت.
وَتُؤْمَرُ بِالتَّاخِيرِ فِي الْحَيْضِ
لأن اختيارها طلاق، والطلاق في الحيض منهي عنه.
فَإِنْ أَخَّرَتْ فَعُتِقَ الزَّوْجُ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ عَلَى خِيَارِهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: الصَّوَابُ أَلا خِيَارَ لَهَا ..
قد تقدم أن ابن زرب عارض بين هذه المسالة وبين ما إذا أعتق بعد عتقها، وما يتعلق بذلك.
وما صوبه اللخمي ظاهر لزوال سبب الخيار وهو لحاق العار بسبب حريتها ورق زوجها.
فرع:
فإن اختارت في الحيض فلا تجبر على الرجعة على المشهور؛ لأن الطلاق بائن.
ابن رشد: وعلى أنه طلاق رجعي إن أعتق زوجها قبل انقضاء العدة تخير.
وتردد اللخمي في هذا؛ لأن الطلاق ليس بيد الزوج، وإنما هو حق عليه، فتشكل صحة رجعته أو جبره عليها.
وَيَسْقُطُ خِيَارُهَا بِقَوْلِهَا وبِتَمْكِينِهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ.
قوله: (بِقَوْلِهَا) بأن تصرح بالمقام مع الزوج أو بتمكينها؛ أي: تمكن من نفسها من الاستمتاع.
وقوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أي: تستمتع بالزوج.
وهذا أقوى في الوكالة من التمكين؛ لأن هذا فعل وهذا ترك.
وقوله: (إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ) يعني أن السقوط مشروط بأن تعلم بأنها عتقت وان لها الخيار، وهو معنى قوله: (الْحُكْمِ).
وَالْجَاهِلَةُ بِالْعِتْقِ تُخَيَّرُ اتِّفَاقاً
لأنها معذورة.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يعاقب الزوج إذا علم بالعتق والحكم، كما قالوا: إذا وطئ المملكة والمخيرة وذات الشرط.
وَالْجَاهِلَةُ بِالْحُكْمِ: الْمَشْهُورِ سُقُوطُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إِنَّمَا أَسْقَطَهُ مَالِكُ بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ اشْتَهَرَ وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَمَةٍ، وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ جَهْلُهَا فَلا
الأقرب أن قول ابن القصار تقييد، وأيضاً فإن ما نسب المصنف لابن القصار وقع نصاً لمالك في المختصر والمدونة، وإذا كنا نقيد قول الإمام بقول غيره، فتقييده بقول نفسه أولى، لكن قول المصنف وابن شاس وصاحب الذخيرة: المشهور سقوط الخيار يقتضي أن قول ابن القصار خلاف.
فرع:
قال في الجواهر: وإذا اختلفا في المسيس فإن أنكرت الخلوة فالقول قولها مع يمينها، وإن اعترفت بالخلوة فالقول قوله مع يمينه، وإن تصادقا على المسيس وادعى الطوع وادعت الإكراه فالقول قوله مع يمينه، وإن تصادقا على المسيس والطوع واختلفا هل علمت بالعتق فالقو قولها.
محمد: بغير يمين.
وَإِذَا عُتِقَتْ واخْتَارَتْ وتَزَوَّجَتْ وَقَدِمَ وَثَبَتَ أَنَّهُ عُتِقَ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا فَكَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ
قد تقدمت هذه المسألة مع نظائرها في مسألة الوليين.
وَإِذَا عُتِقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ تَعْلَمْ حَتَّى بَنَى بِهَا فَلَهَا الأَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى أَو صَدَاقُ حُرَّةِ مِثْلِهَا ..
لأنه إن كان المسمى أكثر فقد رضي الزوج به على تقدير أن يكون أمة، ولا يقال إن الزوج إنما رضي به على تقدير أمة، ولا يقال إن الزوج إنما رضي به دوام العصمة؛ لأن الصداق إنما يقابل الوطأة الأولى، وإن كان صداق مثلها أكثر وجب دفعه لها؛ لأنه قيمة بعضها.
وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي الزَّوْجِيَّةِ فَلا يَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ
يعني: إذا ادعى رجل نكاح امرأة، فأنكرته أو بالعكس، فلا يمين على المنكر.
قال المصنف: (إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ) اي لانتفاء ثمرة اليمين وهي انقلابها على المدعي فيقضي له بيمينه مع نكول المدعي عليه، وهو مراده بقوله: (إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ) وليس مراده أنه يقضي على المدعى عليه بنكوله دون يمين المدعي؛ لأن النكول لا يقضي به في المال، فما بالك بغيره.
ابن عبد السلام: [319/ أ] قال جماعة: وهذا إنما هو في غير الطارئين، وأما الطارئان فتتوجه اليمين على المنكر؛ لأنهما لو تصادقا على النكاح لنفذ قولهما.
وفيه نظر؛ لأن مراد أصحابنا من تصديق الطارئين على النكاح إنما هو إذا قدما مصطحبين اصطحاب الزوجين؛ لأنا لو كلفناهما البينة على النكاح لشق ذلك عليهما، ولأنا لو منعناه منها بأن منعناها أيضاً هي من غيره، كان ذلك من أشد الحرج، وإن لم نمنعها كان ذلك أقوى ريبة؛ لأن فيه ترك الظاهر الراجح واستعمال المرجوح.
واختلف في غير الطارئين إذا أقر الزوج والولي بالنكاح وأنكرت المرأة هل يحلف أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفصل في الثالث بين أن يكون ثم منع وعلامة أم لا؟
فروع:
الأول: إن أتى المدعي منهما ببينة بسماع فاش من العدول وغيرهم بصحة النكاح واشتهاره بالرق، فقال المتيطي: المشهور المعمول به أنه يثبت النكاح.
وقال أبو عمر: إنما تجوز شهادة السماع حيث يتفق الزوجان على الزوجية.
الثاني: قال أبو عمران: الذي يدعي نكاح امرأة ولا بينة له لا يمكن من نكاح خامسة، إلا أن يطلقها؛ لأنه زعم أنها في عصمته وقد ظلمته في إنكارها النكاح.
ابن راشد: ويلزم على قوله ألا تمكن المرأة من النكاح إذا ادعته وأنكرها؛ لأنها معترفة أنها ذات زوج.
الثالث: إذا دعى رجل نكاح ذات زوج، وقال: تزوجتها قبل ذلك.
لم يسمع قوله، فإن أتى بشاهد واحد أمر الزوج باعتزالها حتى يأتي بشاهد آخر إن ادعى أمداً قريباً، فإن لم يأت بشاهد لم يلزم واحد من الزوجين يمين.
فَإِنْ أَتَى بِشَاهِدٍ فَقَوْلانِ، وَلا يُقْضَى بِنُكُولِهِ، لَكِنْ إِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ غَرِمَ الصَّدَاقَ
أي: فإن (أَتَى) المدعي للنكاح (بِشَاهِدٍ فَقَوْلانِ) أحدهما: أن اليمين لا تتوجه، وهو قول مالك في المدونة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، لانتفاء ثمرتها كما تقدم.
المتيطي: وهو قول مالك وجميع أصحابه.
والقول الثاني لابن القاسم في الموازية: يحلف المنكر ثم إن نكلت المرأة لم يثبت النكاح ولا تحبس، وإن نكل الزوج غرم الصداق.
واستشكل هذا القول لأنه إذا وجب اليمين لأجل المال فينبغي أن تحلف مع شاهدها أولاً.
والضمير في (نُكُولِهِ) يعود على المدعي عليه منهما، ومعنى قوله: (وَلا يُقْضَى) أي: بالنكاح.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنِ ادَّعَى الزَّوْجِيَّةَ: لا تُؤْمَرُ الْمَرْأَةُ بِانْتِظَارِهِ إِلا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً قَرِيبَةً، فَإِنْ أَعْجَزَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَهُ نَكَحَتْ أَوْ لا، وَمَضَى الْحُكْمُ
يعني: إذا ادعى رجل نكاح امرأة فلا يلتفت إلى دعواه ولا تؤمر المرأة بانتظاره، وكذلك إذا ادعى بينة بعيدة، وإن كانت قريبة لا يضر بالمرأة انتظارها.
ورأى الإمام لذلك وجهاً، أمرت بالانتظار.
قوله: (فَإِنْ أَعْجَزَهُ) ثم جاء ببينة فقد مضى الحكم، نكحت أو لم تنكح، وهكذا روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وأسقط المصنف من الرواية كون القريبة لا يضر بالمرأة انتظارها، وكون الإمام يرى لذلك وجهاً، كأنه رأى أن القريبة لا تضر بالمرأة.
قال في البيان: وقوله: إنه لا تقبل منه بينة إن أتى بها بعد التعجيز خلاف ما في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبان وخلاف ظاهر المدونة إذا لم يفرق بين تعجيز الطالب والمطلوب.
وقال ابن القاضي: يقبل منه ما أتى به بعد التعجيز، كان طالباً أو مطلوباً، وفرق ابن الماجشون في الطالب بين أن يعجز في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان وفي تعجيز الطالب أقوال، قيل: وهذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام.
وقيل: بل ذل كفيه وفي من بعده من الحكم، وهذا الاختلاف إنما هو إذا عجزه بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه بعد التلوم والإعذار السلطان وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله: قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسمع منه بعد نفوذه عليه.
انتهى.
فرع:
ثم حيث أمرت بالانتظار فطلبها الزوج بحميل بوجهها ليقيم البينة على عينهأ، ففي وثائق ابن الهندي وابن العطار وغيرهما: يلزمها ذلك، وفي أحكام ابن العطار لابن لبابة وغيره من الشيوخ: أنه لا حمالة في ذلك.
المتيطي: والذي جرى به العمل عند شيوخنا وانعقدت الأحكام عليه أن تجعل عند امرأة صالحة تتحفظ عليها، أو تجعل المرأة عندها، وإلا فتسجن في الحبس حتى يحق الحق، وعمل وثيقة على هذا القول.
فروع:
الأول: إذا أقامت المرأة على الزوج المنكر شاهدين، ولم يأت بمدفع لزمه النكاح والدخول والنفقة، ولا ينحل عنه إلا بطلاق، فإن طلق قبل البناء لزمه نصف الصداق، فإن أبى من الدخول أو الطلاق، فقال ابن الهندي: كان بعض من أخذت عنه العلم أن السلطان يطلق عليه بعد أربعة أشهر من وقت إبايته، ويكون بمنزلة الولي لأنه مضار.
خليل: وفيه نظر؛ لأن مشهور المذهب فيمن ترك وطء زوجته بغير يمين أنه يطلق عليه بغير أجل.
المتيطي: ولم يجعل ابن الهندي وابن العطار وغيرهما من الموثقين إنكار الزوج للنكاح طلاقاً، وهو أصل مختلف فيه، فقد وقع لأصبغ في الواضحة إذا قال الزوج أنكحتني [319/ ب] فلانة، وقال الأب بل فلانة، فإن النكاح يفسخ، ولا أيمان بينهما.
قال: وإن رجع أحدهما إلى تصديق صاحبه لم يقبل منه، ولزم الزوج أن يغرم نصف صداق كل واحدة، الأولى بإقراره والثانية برجوعه إليها، فجعل الإنكار طلاقاً.
وكذل كاختلف في مسألة الابن الذي زوجه أبوه وه وساكت، هل يكون نكوله طلاقاً أم لا؟ وفي مسائل ابن زرب في وصي أنكح يتيمته من رجل ثم إن الزوج أنكر ذلك، فقال له القاضي: طلقها.
فقال: وكيف أطلق من لم أنكح؟ فقال: ولعلك فعلت فطلاقها خير لك ولها.
فلم ير الإنكار طلاقاً، وقال ابن القاسم فيمن قال في جارية بيده: اشتريتها؛ وقال سيدها: بل زوجتكها-: إنهما يتفاسخان بعد تحالفهما ولا تكون زوجة ولا أم ولد، وترجع الأمة إلى سيدها؛ لأن المشتري أقر أنها ليست بزوجة، فهو كالمطلق، وادعى أنها أمة فلا يصدق.
ابن زرب: وقوله: كالمطلق، ليس هو على أصله، وليس إنكاره لها طلاقاً.
انتهى كلام المتيطي.
الفرع الثاني: لو ادعى رجلان نكاح امرأة وأنكرتهما أو أقرت بهما أو بأحدهما فأقام كل منهما البينة على ذلك، ولم يعلم الأول منهما يفسخ النكاحان بطلاق، ولا يقضي بالأعدل خلافاً لسحنون، ولا عبرة بتصديق المرأة خلافاً لمحمد، وهذه المسألة كمسألة إذا زوجها الوليان ولم يعلم السابق منهما، وقد تقدمت.
الفرع الثالث: قال في الجواهر: ولو أقام رجل بينة أن هذه زوجته فأنكرت واقامت هي بينة أن فلاناً زوجهاً فأنكرها ولم يوقتا تاريخاً، فقال أشهب: لا أنظر إلى التكافؤ في العدالة وأفسخ النكاحين.
وقال أصبغ: ما لم يدخل أحدهما، فإن دخل قبل الفسخ كانت زوجته، وقيل للآخر أقم البينة أنك الأول.
أشهب: ومن أقام بينة أنه تزول فلانة وهي تنكره، وأقامت أختها البينة أن هذا الزوج تزوجها وهو منكر، ولم يوقتوا فإن النكاحين يفسخان ولا ينظر إلى التكافؤ، قال: وكذلك لو شهدت كل بينة قبل البناء لفسخا، ولهما الصداق.
محمد: وهذا لإنكاره نكاح الأخرى، ولو كان مقراً ويدعي أنها الأخيرة لقبل قوله؛ لأن البينة لا تكذبه، ولا ينفع التي تزعم أنها الأولى جحوده؛ لأن البينة أثبتت نكاحها.
قال: وهذا تقويه المسألة الأولى حين ذكر عنه أنه جعل الإقرار كالإنكار.
وإِذَا أَقَامَتْ شَاهِداً بِالنِّكَاحِ عَلَى مَيِّتٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَرِثُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لا تَرِثُ.
وَتَوَقَّفَ أَصْبَغُ ..
يعني: (إِذَا أَقَامَتْ شَاهِداً) على النكاح لرجل ميت (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَرِثُ) لأنه بعد الموت لا يكون لها إلا المال.
ورأى أشهب أن الميراث يتوقف على ثبوت الزوجية، والزوجية لا تثبت بالشاهد واليمين، وقاله ابن القاسم أيضاً، وهو أقيس بناء على أن الدعوى إذا لم تكن مالاً وتؤول
إليه، هل يقبل فيه الشاهد الواحد أم لا؟ والأكثر أن التوقف لا يعد قولاً، وهو الصحيح؛ لأن التوقف يستلزم عدم الحكم.
وعلى قول ابن القاسم الأول فإنها تحلف مع شاهدها وترث إذا لم يكن ثم وارث معين ثابت النسب، وأما إن كان فلا، حكاه صاحب المغمز.
ولا يقال: يلزمه عليه أن يكون الحكم كذلك في الحياة؛ لأنه في الحياة تترتب عليها أحكام أخر غير المال، كلحوق النسب وغيره، فإن أثبتا النكاح فبشاهد ويمين، فإما أن يثبت كل تلك الأحكام وهو باطل بالاتفاق، أو يثبت الأحكام المالية خاصة مع ثبوت الزوجية، وهو تناقض، والله أعلم.
وَتَرِثُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ الطَّارِئِ، وَفِي غَيْرِ الطَّارِئِ قَوْلانِ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدُ يُقِرُّ بِهِ فَتَرِثُ حِينَئِذٍ مَعَهُ ..
لأن الطارئ بعده على الزوجية التي ادعاها ومكنه منها.
ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي إذا أقرت هي، ولم يعلم منه إنكار أن يرثها.
وأما غير الطارئ فلعل منشأ الخلاف فيه هل بيت المال وارث فلا ينفع إقراره، أو حائز للأموال الضائعة فيقبل؟ وعلته أنه أوصى به، والجاري على مشهور المذهب عدم القبول؛ لأن المشهور أن بيت المال وارث، وبعدم القبول قال سحنون، ولو في الصحة.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب.
زاد (المتيطي) ابن راشد.
ويفسخ قبل البناء وبعده، إلا أن يطول بعد البناء جداً.
وظاهر ما نقله اللخمي عن محمد أنه يقبل دعوى التزويج في غير الطارئين.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدُ) أي أن الخلاف حيث لا يكون ولد معها، فإن كان معها ولد فترثه؛ أي المقر معه، أي مع الولد؛ لأنه لما كان الشرع متشوفاً إلى لحوق النسب جعلوا استلحاقه قاطعاً للتهمة.
وَفِي الإِقْرَارِ بِوَارِثٍ غَيْرِ الزَّوْجِ والْوَلَدِ قَوْلانِ
يعني: إذا أقر رجل أو امرأة بأخ أو ابن عم ونحوه.
وقيد ابن راشد هذا الخلاف بما إ ذا لم يعلم أنه وارث.
وقال: إن القبول يجري على أصل ابن القاسم؛ لأنه أقر بمال، لكن لا يثبت بذلك نسبه.
وعلى أصل أشهب لا يرث؛ لأن الإرث فرع ثبوت النسب.
وَإِقْرَارُ أَبَوَيْ غَيْرِ الْبَالِغين فِي النِّكَاحِ مَقْبُولُ عَلَيْهِمَا
أي: أبو الصبي وأبو الصبية، وقبول قولهما ظاهر؛ لأن كل واحد من الأبوين قادر على إنشاء ما أقر به فلا يتهمان ..
فرع:
قال في الجواهر: ومن احتضر فقال: لي امرأة بمكة، وسماها ثم مات، فطلبت ميراثها [320/ أ] منه، فذلك لها، ولو قالت هي ذلك ورثها.
ابن راشد: وعلى ما حكاه في المغمز إن كان في عصمته امرأة غيرها لم ترثه؛ لأن هذه حازت الميراث.
وَإِذَا قَالَ: أَلَمْ أَتَزَوَّجْكِ؟ فَقَالَتْ: بَلَى.
فَإِقْرَارُ مِنْهُمَا
لأنه إقرار لغة وعرفاً، ولابد هنا من إجازة الولي والإشهاد عليه لتصحيح ميراث النكاح.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ.
فَأَنْكَرَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَنْكَرَ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ
لأنها لم أنكرت أولاً لم يصح إقرار، ثم قولها بعد: نعم، كابتداء دعوى منها عليه بالزوجية، وأنكر هو ذلك فلم يتفقا في زمان.
وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ طَلَّقْنِي، أَوْ خَالِعْنِي فَإِقْرَارُ
أي: قالت طلقني أو خالعني في جواب قولها قد تزوجتك فإقرار؛ لأن المرأة لا تطلب ذلك إلا من زوجها.
وَلَوْ قَالَ: اخْتَلَعْتِ مِنِّي فَإِقْرَارُ
أي: في جواب قولها: قد تزوجتني.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامُ، أَوْ بَائِنَةُ، أَوْ بَتَّةُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ إِلا جَوَابَ طَلَّقْنِي.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرُ فَإِقْرَارُ بِخِلافِ أَنْتِ عَلَيَّ كَمظَهْرِ أُمِّي ..
هكذا قال ابن سحنون: إنه إن قال لها أنت حرام أو بائن أو بتة، فليس بإقرار بالنكاح؛ لأن الأجنبية عليه حرام، إلا أن تسأله الطلاق، فيجيبها بهذا، فهو إقرار بالنكاح في إجماعنا، قال: وكذلك قوله لها أنا منك مظاهر، بخلاف قوله أنت طالق أو أنت علي كظهر أمي؛ لأن مظاهر اسم فاعل، ولا يصدق ذلك إلا في زوجته بخلاف أنت علي كظهر أمي، فإن ذلك يصدق على الأجنبية، واعلم أن ما ذكره المصنف هنا من الإقرار إنما يفيد في الطارئين.
وكذلك ذكر ابن عبد الحكم لما تكلم على بعض الفروع التي ذكرها المصنف، وأما غيرهما فلا؛ لأنه قد تقدم أنهما لو تصادقا على الزوجية لم يقبل على الظاهر.
الصَّدَاقُ: وَأَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَتُهَمَا وَلَوْ كَانَ عَبْداً لأَمَتِهِ
لما قدم المصنف أن أركان النكاح خمسة، وتكلم على أربعة منها تكلم على الخامس وهو