التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 206-245
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ضعيف، لأن المسلم لا يبيع ما لا يحل له، وقد تقدم هذا الفرع في باب الطهارة.
والمشهور: أنه يستصبح به في غير المساجد ويعمل صابوناً، لكن تطهر الثياب بعد ذلك بالمطلق، ودل كلامه على منعه في المسجد اتفاقاً.
وعظام الميتة، ثالثها: يجوز في ناب الفيل الخلاف مبني على الخلاف في الطهارة، والمشهور: أنه نجس فلا يباع.
والثاني: لابن وهب، لأنه هو القائل بالطهارة.
والثالث: نسبه في الجواهر لمطرف وانب المجاشون، ولا عندهما بين أن يغلى أو لا.
اللخمي: وناب الفيل كالقرن يجري ما في القرن فيه، قال: وهو قرن منعكس وليست بأنياب ولا في الفم، وأجرى الخلاف الذي في أطراف القرون في الظفر إذا [433/ب] قطع من موضع لا يألم.
وللأبهري قول رابع: بالكراهة.
ولابن وهب خامس: بالجواز إذا غليت، والمنع إذا لم تغل.
فائدة: منع مالك في العتبية الخبز المخبوز بروث الحمير، ونصها: وسألته عن الطعام يوقد تحته بأرواث الحمير أيؤكل أم لا؟ فقال لي: أما الخبز الذي ينضج فيه فلا يؤكل، وأما ما طبخ في القدور فأكله خفيف وهو يكره بدءاً، وقال سحنون مثله.
وعلل ذلك في البيان بأن ما في القدور لا يصل إليه من عين النجاسة شيء من أجل الحائل الذي بينه وبينه وإنما يكره من أجل دخان الروث، لما في ذلك من الشبهة من أجل من يقول: إن الدخان نجس وإن لم يكن عندنا نجس.
ابن القاسم: ولا أرى أن يوقد بعظام الميتة في الحمامات، ولا أرى به بأساً أن يخلص بها الفضة، وقال في المدونة: لا يطبخ بعظام الميتة أو يسخن بها الماء لوضوء أو عجين، ولا بأس أن يوقد بها على طوب أو حجارة.

عياض: وظاهره جواز الانتفاع بعظام الميتة، بخلاف ما في الموازية أنه لا يحمل الميتة إلى كلابه.
وقيل: لعله تكلم بعد الوقوع لا في الجواز ابتداءً.
وقيل: لعله وجدها مجتمعة وأطلق النار فيها، فكانت كسوق الكلاب للميتة، وهو بعيد، لأن طبخ الجير لا يتصور إلا بترتيب وعمل، وظاهر المسألة استعمال الطوب والجير في كل شيء، لأنه وإن باشر النجاسة أو داخله من رطوبتها شيء فقد أذهبت النار عينها وأثرها.
وكذلك ما طبخ من الفخار بها، بخلاف ما ينعكس فيه دخانه من الطعام، أو يلاقيه من رطوبة الشواء والخبز، وإن كان أبو جعفر الأبهري حكى عن مالك في الفخار يطبخ بالنجاسة: أنه لا يجوز استعماله وإن غسل، وهو قول القابسي وغيره.
وقال ابن شبلون: لا تستعمل إلا بعد غسلها وتغلية الماء فيها كقدور المجوس وهو الصواب عندي، بل هي أخف، لأن الدهنية التي دخلت قدور المجوس باقية بخلافها هنا، لأن الدهنية قد أكلتها النار فلم يبق لها عين ولا أثر.
انتهى بمعناه.
وقال شيخنا- رحمه الله-: ينبغي أن يرخص في الخبز بالزبل في زماننا بمصر، لعموم البلوى به، وأن يراعى فيه قول من رأى النار تطهر، وأن النجاسة إذا صارت رماداً طهرت، ولنا قول بطهارة زبل الخيل، وقول بكراهته منها ومن البغال والحمير، فيخف الأمر مع مراعاة هذا الخلاف، وإلا فيتعذر على الناس أمر معيشتهم غالباً، والحمد لله على خلاف العلماء فإنه رحمة للناس.
وفيها: منع جلود الميتة وإن دبغ، وقيل: يجوز.
وفيها: جواز جلد السبع المذكى وإن لم يدبغ، وقيل: لا يجوز .... القولان في جلد الميتة مبنيان على الطهارة وعدمها بالدباغ، ومقابل المشهور لابن وهب: جواز البيع بعد الدبغ بشرط البيان، وهو قول مالك في المختصر.

ومقابل المشهور في جلد السبع لأشهب: مقيد بعدم الدبغ، وأما إذا دبغ فيجوز.
كذا نقله ابن عبد البر عنه.
وفرق ابن حبيب بين العادية فيمنع، وغير العادية كالهر والثعلب فيجوز بيعها والصلاة عليها، بناء على أن الذكاة تتبعض.
وفي كلب الصيد والسباع قولان هذا راجع إلى القيد الثاني، وهو قوله: منتفع به، وكذا قال ابن راشد، أي: وفي منع بيع الكلب أو جوازه، والمشهور: المنع.
قال في البيان: وهو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، والجواز لابن كنانة وابن نافع وسحنون.
سحنون: أبيعه وأحج بثمنه وشهره بعضهم.
وعن مالك ثالث: بالكراهة.
وعن ابن القاسم: أفتى بجواز اشترائه ومنع بيعه، حكاه ابن زرقون، وحكى عنه ابن رشد وغيره كراهة بيعه.
ولمالك في المدونة: يجوز بيعه في الميراث والدين والمغانم، ويكره بيعه للرجل ابتداء.
وهذا الخلاف إنما هو في مباح الاتخاذ، وأما غيره فلا خلاف في عدم جواز بيعه وأن ثمنه لا يحل، نقل ذلك في البيان.
وعلى المشهور: فروى أشهب: يفسخ إلا أن يطول، وحكى ابن عبد الحكم: يفسخ وإن طال.
وقوله: (والسباع) قال بعض من تكلم على هذا الموضع: أي وفي الكلب الذي يحرس الماشية من السباع وفي معناه كلب الزرع، فإن اتخاذ الكلب لذلك جائز.
واختلف في بيعه كما ذكره المصنف، ونقله الباجي وغيره.
وذكر المازري خلافاً في الكلب الذي يتخذ لحراسة الدور والقياصير والفنادق، وللمنع ذهب ابن القصار، وأجاز فيه شيخنا- رحمه الله- وجهاً آخر، وهو أن يريد بالسباع التي في معنى الكلب كالفهد ونحوه، وهو الذي اقتصر عليه ابن راشد، فقال: يعني السباع كالفهود ونحوها، بناء على وجود المنفعة فيها، أو كونها منفعة يسيرة فلا تقابل بالعوض.

ويجوز بيع الهر والسباع لتذكيتها لجلودها، فإذا ذكيت بيعت جلودها وصلي فيها وعليها بخلاف الكلب مطلقاً .... هذا معنى ما في المدونة في كتاب الضحايا، وعلى القول: أن جلود السباع لا تعمل فيها الزكاة لا يجوز البيع هنا، واستشكل الجواز لوجهين.
أحدهما: لا يدري أيسلم الجلد أم لا؟ وأجيب بأنه يحتاط له من اللحم.
والثاني: لا يدرى أرقيق أم غليظ؟ وأجيب بأنه مما يعلم بالعادة لاسيما القصابون.
ويؤخذ من هذه المسألة جواز بيع الجلد وهو على [434/أ] ظهره الحيوان، لأنه لما كان السبع لا يؤكل لحمه على المشهور، فإذا بيع لجلده فكأن البائع لم يبع إلا جلده فقط.
وحصل في البيان في بيع الجلد قبل الذبح ستة أقوال.
الأول: الجواز.
والثاني: الكراهة ويمضي بالثمن.
والثالث: الكراهة ويفسخ، إلا أن يذبح البائع الشاة فيمضي بالثمن.
والرابع: الكراهة ويفسخ، إلا أن يقبضه المبتاع فيمضي بالثمن.
والخامس: يفسخ، إلا أن يقبض المشتري الجلد ويفوت عنده فيمضي بالثمن.
والسادس: إن شراءه لا يجوز ويفسخ، فإن فات عند المشتري صح بالقيمة.
وقوله: (بخلاف الكلب مطلقاً) ابن راشد: يعني أن الكلب غير المأذون في اتخاذه لا يجوز بيعه لمن يبقيه حياً أو يذكيه لأخذ جلده، لوجود النهي عن بيعه وعن اتخاذه.
خليل: ويدخل في قوله: (مطلقاً) المأذون في اتخاذه.
ولا يباع من في السياق ابن عبد السلام: من هنا ابتدأ بالكلام على ما يتعلق بقوله: (منتفع به) وما تقدم أولى، لأن النافع إذا كانت ممنوعة شرعاً فهي كالمعدومة حساً، وهو الذي في الجواهر، لأنه تكلم على مسألة الكلب وما بعدها لما تكلم على قوله: (منتفع به) ولأنه لو كان قال ابن

عبد السلام للزم أن يكون الكلام على الكلب داخلاً في مقابل قوله: (طاهر) وليس بجيد، لأن الكلب عندنا طاهر.
وما ذكره المصنف خاص بالرقيق وما لا يؤكل لحمه، لأنه من أكل المال بالباطل وأما مأكول اللحم فيباع ليذكى، فيجوز بيعه لحصول المنفعة به، قاله ابن عبد السلام.
ويجوز بيع المريض المخوف عليه والحامل المقرب على الأصح إن كان الحيوان مما يؤكل لحمه فيجوز بيعه، لأن المنفعة به حاصلة في الحال، وإن كان مما لا يؤكل لحمه والمرض خفيف فيجوز أيضاً، وإن كان مخوفاً، أو الحامل مقربا من الولادة، فكذر المصنف أن الأصح الجواز وهو الأقرب، وأشار غيره إلى أن الأصح المنع، لأن الموت حينئذ كثير، بدليل منعه ما زاد على الثلث.
ولعل الخلاف خلاف في حال.
ولا يباع الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، ولا الآبق والشارد، والإبل المهملة لاستصعابها .... هذا راجع إلى قوله: (مقدور على تسليمه) وتصوره ظاهر.
اللخمي: وبيع الآبق فاسد إن شرط أنه من المشتري، أو على أنه من البائع حتى يقبضه المشتري، أو على أن طلبه على المشتري، أو على البائع بشرط النقد، أو بغير النقد على أنه للمشتري بأي صفة وجد عليها، أو على أنه على صفة كذا ولا يدري متى يجده قريباً أو بعيداً وإن كان البيع بغير نقد، وعلى أن طلبه على البائع، فإن وجده على صفة كذا أو في وقت كذا أو ما يقارب ذلك جاز، لأنه لا يجوز فيما عقد على هذه الصفة.
وقد قال ابن القاسم فيمن قال: اعصر زيتونك فقد أخذت زيته كل رطل بدرهم وكان يختلف خروجه، لا خير فيه إلا أن يشترط إن خرج جيداً، أو أنه بالخيار ولا ينقد وإن عرف مكانه وقبض عليه وسجن وعرف حاله بعد وجوده ولا خصومة فيه وقرب

موضعه، جاز العقد والنقد، وإن بعد جاز العقد وحده، وإن لم تعلم صفته لم يجز عقده ولا غيره، إلا أن يقول: إن وجد على ما كنت أعرفه، أو على أنه إن كان الآن على صفة كذا فيجوز العقد، أو يكون بالخيار فيجوز وإن لم يذكر صفة، وفي الاستذكار: تحصيل مذهب مالك في بيع الآبق أنه لا يجوز، إلا أن يدعي مشتريه معرفته فيشتريه ويتواضعان الثمن، فإن وجده على ما يعرفه قبضه، وإلا رد الثمن وضمانه من البائع، وإن كان الآبق عند المشتري فإن علم البائع حاله جاز البيع، لأنه قد يزيد وينقص.
مالك: وبيع العبد في إباقة فاسدة وضمانه من بائعه ويفسخ وإن قبض.
وكلام ابن عبد البر مخالف لكلام اللخمي، إذ مقتضاه أنه لا يجوز بيعه إذا كان طلبه على البائع بشرط أن يجده على صفة كذا، أو على أنه بالخيار.
وقد صرح المازري وابن بشير: بأن ما قاله اللخمي اختيار له، وما ذكره المصنف في الإبل المهملة نحوه في العتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم: أنه لا يجوز بيع الصعاب من الإبل وما لا يؤخذ إلا بالإزهاق ولا يعرف ما فيها من العيوب.
ابن القاسم: ولا يجوز بيع المهاري والفلاء الصغار بالبراءة ولا يعلم بها عيب أم لا.
قال أصبغ في العتبية: إن بيع الفلاء ونحوها بالبراءة جائز.
قال في البيان: وقول أصبغ هو الصحيح.
المازري: اختلف في تعليل المنع، فمنهم من أشار إلى لا يمكن قبض الإبل إلا بالإزهاق، ومنهم من أشار إلى كونها لا تعلم صفتها.
ويمنع بيع طير الهواء وسمك الماء بشرط التعيين، وأما مطلق السمك والطير فيجوز.
والمغضوب إلا من غاضبه هو معطوف على الطير.
أي: ولا يباع المغصوب إلا من غاصبه، لأنه تحت يده.
وجعل ابن رشد وغيره بيع المغصوب من غير غاصبه على ثلاثة أوجه، إن كان مقدوراً

عليه مقراً بالغصب فهو جائز باتفاق.
وإن كان ممتنعاً من دفعه وهو ممن لا تأخذه الأحكام مقراً أو غيره لم يجز بيعه من غيره اتفاقاً.
وإن كان منكراً وهو ممن تأخذه الأحكام وعليه بالغصب بينة فقولان، بناء على القولين في اشتراء ما فيه خصومة.
ابن رشد: والمشهور منهما المنع، لأنه غرر، وأما من بيعه من غاصبه فجعله ابن رشد على ثلاثة أوجه: الأول: أن يعلم أنه عازم على رده.
والثاني: أن يعلم أنه غير عازم على رده وإن طلبه ربه.
والثالث: أن يشكل أمره.
فالأول يجوز باتفاق، والثاني عكسه، والثالث فيه قولان.
قال: وإلى هذا ترجع الروايات.
انتهى.
وبالفساد قال مطرف ورواه عن مالك، [434/ب] وبذلك حكم القاضي ابن بشير في جارية بقرطبة لم يتم السلطان شراءها حتى طحنت لصاحبها ستة أشهر بعد ردها إليه من الغاصب، لئلا يكون بيع المضغوط، والجواز هو ظاهر قول مالك في العتبية، ورواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب.
ابن عبد السلام: وأكثر نصوصهم أنه لا يجوز البيع للغاصب، إلا بعد أن يقبضه ربه ويبقى بيده مدة طويلة حدها بعضهم بستة أشهر فأكثر، ورأى أن بائعه إذا باعه على غير ذلك فهو مضغوط، أي: يبيعه ببخس مكرها استخلاصاً لبعض حقه، والذي في المدونة جواز ذلك.
خليل: وكذلك لا يجوز أيضاً أن يبيعه من غير الغاصب إذا كان المشتري يقدر على خلاصه بجاهه، لأنه يأخذه ببخس فيكون من أكل المال بالجاه.
تنبيه: قال في المدونة: ولو باعها ربها من رجل غير الغاصب ممن رآها وعرفها كان نقضاً لبيع الغاصب.
أي: إذا اشتراها شخص من الغاصب غير عالم، وظاهره جواز بيعها من غير الغاصب، وهو خلاف ما ذكره المصنف، إلا أن يتأول على أن ربها لم يبعها من غير الغاصب إلا بعد تمكنه من أخذها، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن: إن الشيوخ يقولون إن معناها: إذا سلم من شراء ما فيه خصومة.

وفيها: لو باعه الغاصب ثم ورثه فله نقضه، بخلاف ما لو اشتراه من ربه لتسببه، وقال ابن القاسم: البيع تام فيهما .... أي: إذا باعها الغاصب ثم مات ربها وكان الغاصب وارثه، فله نقض ذلك البيع، لأنه لما باع باع ما لم يكن ملكاً له- وتصور كلامه واضح- كأنه نسب المسألة للمدونة لاستشكاله الفرق بين الإرث والبيع، إذ لا يبعد تخريج النقض في الشراء من الميراث، لأنه إما تمام فيهما أو منتقض فيهما، والتسبب وعدمه وصف طردي لا كبير مناسبة له، والضمير في (فيهما) عائد على مسألة الوارث والمشتري.
ابن عبد السلام: انظر لو اشترى الغاصب السلعة من ربها بأقل مما باعها به للأجنبي، هل يكون له ما بين الثمنين أو لا؟ وقد قال محمد فيمن تعدى على سلعة رجل فباعها بغير أمره، ثم اشتراها بأقل مما باعها للأجنبي ليس له ربح، لأنه ربح ما لم يضمن.
أو يفرق بينهما بأن الغاصب هنا كان ضامناً، ولم يكن المتعدي في مسألة محمد ضامناً.
والمرهون يقف على رضا المرتهن أي: وبيع الراهن الشيء المرهون يصح ويقف لزومه على رضا المرتهن، يعني: بعد القبض والحوز، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب الرهن.
وملك الغير على مالكه، وقيل: لا يصح وقع لفظ الغير- كما ترى- بـ (أل) وكذلك وقع في كلام جماعة من الأئمة، وأنكر ذلك بعض أئمة العربية، وقال: إنها لا تستعمل إلا مضافة في اللفظ، والتقدير: وبيع ملك غيره بغير إذنه ويقف لزومه على رضا مالكه، وهو مذهب أحد بن حنبل، وتعرف هذه المسألة ببيع الفضولي.
ودليلنا: ما خرجه الترمذي عن أبي لبيد لما رواه عن عروة البارقي قال: دفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً لأشترى له شاة، فاشتريت له

شاتين، فبعت أحداهما بدينار وجئت بالشاة والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما كان من أمره، فقال له: ((بارك الله لك في صفقة يمينك)) فكان يخرج بعد ذلك إلى الكوفة فيربح الربح العظيم، فكان من أكثر أهل الكوفة مالاً.
عبد الحق: وأبو لبيد أثنى عليه أحمد ثناء حسنا، وخرجه البخاري عن شبيب.
وظاهر كلامه: أن البيع يصح ولو علم المشتري أنه لغير البائع، وهو ظاهر المذهب.
وقال أشهب: لا يصح إذا علم المشتري بالتعدي.
ابن عبد السلام: وبعضهم قيد الخلاف بما إذا لم يكن المشتري عالماً بأنها ملك الغير، وأما إن كان عالماً لم يصح البيع.
ومنهم من يرى أن لا فرق.
ومنهم من يقول: إنما يلزم هذا لبيع للمشتري إذا كان المالك حاضراً أو قريب المكان، وأما إن كان بعيد المكان فلا يلزمه البيع، لما يلحقه بسبب الصبر من الضرر.
وقوله: (وقيل: لا يصح) أي: ولو أمضاه مالكه، وحكي عن مالك، وهو مذهب الشافعي.
وإن قيل: لا يظهر لهذا الخلاف جدوى، لأن البيع على المشهور إنما يمضي برضا البائع، وحينئذ فلا نسلم استناد البيع إلى العقد الأول بل إلى رضا المالك، ولاسيما على المذهب في الاكتفاء بالمعاطاة، فجوابه: أنه لو رضي المالك ولم يرض المشتري للزم على المشهور، وهو واضح.
والعبد الجاني يقف على ذي الجناية فيأخذ الثمن أو العبد، وللسيد أو المبتاع دفع الأرش، وفي كونه عيباً في الخطأ قولان ... يعني: أن من باع عبده الجاني، فإن إمضاء بيعه يقف على رضا ذي الجناية، أي: المجني عليه، لتعلق حقه بعين الجاني فجاز له أن يأخذه، إلا أن يفتكه السيد، وكذلك له أن يقتص منه إن كان في الجناية القصاص.

وقوله: (فيأخذ الثمن) أي: يأخذ المجني عليه إن شاء الثمن الذي باعه به سيده، وإن شاء فسخ البيع وأخذ العبد، وهذا إذا لم يدفع السيد ولا المبتاع أرش الجناية.
وحذف المصنف هذا الشرط، للدلالة عليه بقوله: (وللسيد أو المبتاع دفع الأرش) فإن امتنع السيد من دفع الأرش وادعى عليه المجنى عليه أنه إنما باع لأنه رضي بحمل الجناية، حلف ما أراد حملها، فإن حلف خير المجني عليه بين إجازة البيع وأخذ الثمن، وبين رد البيع، قاله في المدونة.
وحيث دفع المبتاع [435/أ] الأرش، فإنه يرجع به على البائع، إلا أن يكون الثمن أقل منه فلا يرجع إلا به.
وقوله: (وفي كونه عيباً) أي: إذا دفع السيد الأرش أو عفا المجني عليه، فهل يكون للمشتري مقال في رده بعيب الجناية؟ إن كان عمدا فله القيام اتفاقاً، وإن كان خطأ فقولان، سببهما: هل ذلك عذر أم لا؟ إذ لا تؤمن منه العودة، وهما في المدونة، ففيها: ولو افتكه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب، إلا أن يكون البائع بينه له فيلزمه البيع.
قال غيره: هذا في العمد، وأما في الخطأ فلا وهو كعيب ذهب.
وحكاية المصنف القولين يدل على أن قول غيره ليس تقييداً لقول ابن القاسم، وجعله في النكت تقييداً، قال في قوله ابن القاسم: يريد به العمد كما قال غيره، فعلى هذا لا يختلف في الخطأ أنه ليس بعيب، ولا في العمد أنه عيب.
وفيها: قال ابن دينار: من حلف بحرية عبده فباعه نقض البيع وعتق أجمل في هذه المسألة إذ لم يبين هل كانت يمينه على بر أو حنث، وابن دينار إنما قاله في الحنث، ولو كان على بر لم ينقض البيع.
وصورة المسألة: إذا حلف ليضربن أمته مثلاً ضرباً يجوز له.
قال في المدونة: منع من البيع والوطء حتى يفعل، فإن باعها نقض البيع.
والمشهور: يرد إلى ملكه، فإن مات قبل

الضرب عتقت عليه في ثلثه.
والشاذ لابن دينار: أنه ينقض البيع وتعتق عليه، قال: ولا أنقض صفقة مسلم إلا إلى عتق ناجز وضعف، فإنا ننقض البيع للكتابة والتدبير، وأدخل المصنف هذه المسألة هنا لما كان البائع لا قدرة له على تسليم العبد لأجل يمينه.
وفيها: بيع عمود عليه بناء للبائع وقيده المازري بانتفاء الإضاعة وبأمن الكسر نسب هذه المسألة للمدونة لإشكالها، لكونه أطلق جواز البيع.
وقوله: (بيع عمود) أي: جواز بيع عمود عليه للبائع بناء.
وتقييد المازري لابد منه، وقد سبقه اللخمي للتقيد بالقيدين المذكورين.
وقوله: (بانتفاء الإضاعة) أي: إضاعة المال، فإن إضاعته لا تجوز، كما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بهدم الغرفة التي فوقه، لأن ذلك من الفساد.
اللخمي: إلا أن يكون قد أضعف له في الثمن، أو تكون الغرفة تحتاج إلى النقض، أو كان عليه بناء يسير، ولم يذكر المصنف من عليه النقض، والمنصوص لمالك أنه على البائع.
ذكر المازري عن بعض الأشياخ أنه استبعده، قال: ولا وجه لاستبعاده.
وفي المدونة: ولا بأس بشراء صل سيف دون حليته وينقض البائع حليته.
ابن يونس: ولو اشترى الحلية دون النصل لكان على المشتري، كاشتراء الصوف على ظهور الغنم جزافا، واشتراه التمر في رءوس النخل جزافا.
وجعل اللخمي نقض الحلية على البائع إذا باعها كما في بيعه النصل، قال: لأن على كل بائع أن يمكن من المبيع، واختلف في هذا الأصل، فقيل: فيمن باع صوفا على ظهور الغنم، أو تمراً في رءوس النخل على البائع، وقيل: على المشتري وأشار المازري أيضا إلى هذا الإجراء، قال ولو باع شاة واستثنى جلدها، فظاهر المذهب أن الذبح على المشتري.

اللخمي: وأرى أن يكون الذبح عليهما، لأن التذكية منفعة لهما، ثم يختلف هل تكون الأجرة عليهما على السواء، أو على قدر ما لكل واحد منهما ويكون السلخ على صاحب الجلد لأنه على صاحب الجلد لأنه على اللحم، فعلى من له الأعلى أن يزيله.
المازري: وعندي أنه يختلف في السلخ، فإن قلنا: أن المستثنى مشترى جرى على القولين في شراء صوف الغنم، وإن قلنا: أنه مبقى على ملك البائع فالسلخ على البائع.
وفيها: بيع هواء فوق هواء ويبني البائع الأسفل وقيده بوصف البناء صورتها: أن يقولك له بعني عشرة أذرع فوق سطحك.
فيقول: وأنا محتاج إيضاً إليها.
فيقول له: فبعها لي فوق ما تبينه.
فيشترط في جواز ذلك وصف البناء الأسفل والأعلى، وهل بآخر أو حجر إلى غير ذلك.
وظاهرة: أن التقييد في هذه المسألة للمازري، وبه صرح ابن شاس.
وهذا التقييد في المدونة في كتاب الغرر فلا حاجة إلى المازري، على أنه يمكن أن يعود الضمير في كلام المصنف على مالك كما مشاه ابن عبد السلام.
فائدة: قال علماؤنا: من ملك أرضاً أو بناءً مالك هواها إلى أعلى ما يمكن، واختلفوا هل يملك باطنها أو لا؟ على قولين.
ورجح بعضهم الملك، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من غصب قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين)).
وفيه نظر.
وقال القرافي: ظاهر المذهب عدم الملك.
فرع: وفرش السقف بالألواح على من شرط عليه، وإن سكت عنه، فقيل: على المبتاع لأنها أرضه، وقيل: على البائع لأن السقف سقفه.
ابن القاسم: الموثق وهو الأصح، قال: ولا يجحوز للمبتاع بيع ما على سقفه إلا بإذن البائع، لأن الثقل على حائطه.

وفيها: غرز جذع في حائط، فقال: إن ذكر مدة فإجارة تنفسخ بانهدامه، وإلا فمضمون .... يعني: يجوز لك أن تشتري من غيرك قدر ما تضع عليه خشبة أو أكثر من جداره، فإن ذكرت مدة فهو إجارة تنفسخ بانهدام الجدار، لأنه قد هلك ما يستوفى منه المنفعة.
وإن لم تتعين المدة فهو مضمون، فعليه أن يعيده لتستوفي منفعتك، كما على صاحب [435/ب] السفل لصاحب العلو.
وفاعل (قال) عائد على المازري، لأنه هو الذي قيد الكلام الذي نقله المنصف عن المدونة فلا يرد ما قاله ابن عبد السلام: إنه كلام حسن في إجرائه على المذهب، وأما نسبته إلى المدونة فليس بصحيح، لأنه فهم أن فاعل (قال) عائد على مالك.
والجهل بالثمن والمثمون جملة وتفصيلاً مبطل، كزنة حجر مجهول، وكتراب الصواغين .... هذا راجع إلى قوله: (معلوم).
وقوله: (والجهل بالثمن) يحتمل أن يريد بقدر الثمن، ويحتمل بشأنه، ليندرج قدره وصفته وعينه.
ومراده بـ (الجملة) مجموعة، وبـ (التفصيل) أجزاؤه.
والصور المقدرة بحسب الجهل بالثمن والمثمون والعلم بهما أو بأحدهما أربع: مجهولان، ومعلومان، وأحدهما مجهول، والآخر معلوم، ولا يجوز منها إلا صورة واحدة وهي المعلومان.
وقوله: (كزنة حجر مجهول) يحتمل في الثمن، ويحتمل في المثمون، ولا إشكال في هذا الحضر حيث لا تعدم الموازين.
ابن عبد السلام: وأما في البوادي، فقد يتخرج الجواز فيه على البيع بمكيال لا يعرف المشتري قدره.
فإن قيل: الفرق أن الجهالة في الكيل هناك في جانب المشتري فقط، وهنا في

جانب البائع والمشتري معاً.
قيل: فلنا أن نفرض الجهالة هنا في جان المشتري وحده.
(وكتراب الصواغين) لأنه لا يدري هل فيه شيء أم لا، كثير أم قليل.
فرعٌ مرتبٌ: فإن وقع بيع التراب فسخ، وإن فات بذهاب عينه فقيمته يوم قبض على غرره إن كان على حاله، وإن خلصه المشتري رده على المشهور.
وقال ابن أبي زيد القيرواني: على المشتري قيمته على غرره، وعلى المشهور فله أجر تخلصيه.
وأجرى الأشياخ ذلك على الخلاف فيمن اشترى أشجاراً بوجه شبهة فسقى وعالج ثم ردت إلى ربها، أو اشترى أبقاً فأنفق على رده نفقة ثم فسخ البيع ورد إلى ربه، هل يرجع بالنفقة في جميع ذلك أم لا؟ وأصل ذلك: أن النفقة إن كان لها عين قائمة رجع بها بلا خلاف، وإن لم تكن لها عين قائمة، فقال ابن القاسم: يرجع.
وقيل: لا.
وصرح ابن بشير بأن المشهور الرجوع بنفقة الآبق، حيث قلنا: إن المشتري يرجع بأجرة عمله فزادت الأجرة على قيمة الخارج، فهل يرجع بها، أو إنما يرجع بها ما لم تزد على أجرة الخارج؟ أجرى ذلك ابن محرز على القولين فيمن أنفق على الثمرة، هل يرجع بجميع النفقة، أو إنما يرجع بها ما لم تزد على قيمة الثمرة؟ واقتصر ابن يونس على أنه إنما يرجع بها بشرط ألا تزيد على الخارج.
وعلى هذا فلا تكون له أجرة إذا لم يخرج شيئاً، وعلى الأول تكون الأجرة في ذمة البائع.
بخلاف معادن الفضة، وفي معادن الذهب قولان أي: بخلاف تراب معادن الفضة فيجوز بيعه، لأنه يحزر ما فيه من الفضة لقلة ترابه، والمشهور في معادن الذهب قولان: الجواز نص عليه المازري.
والشاذ لابن حمدون.

ومنشأ الخلاف فيه خلاف في حال، هل يمكن حزره كالفضة أو لا؟ وروى ابن القاسم عن مالك: جواز قسمة تراب المعادن، ومنع ذلك يحيي بن عمر.
وكرطل من شاة قبل سلخها على الأشهر، بخلاف بيعها قبله هذا معطوف على (كزنة حجر) وكلما عطف هنا بالكاف فهو ممنوع، إلا قوله: (وكذلك الدقيق) وكلما عطف بخلاف فهو جائز، يعني: أن بيع رطل لحم من شاة قبل سلخها لا يجوز على الأشهر، لأنه لا يدري على أي صفة يأخذه، وأما من أي موضع فلم يشترطوه في السلم.
وقوله: (بخلاف بيعها قبله) أي: فيجوز بيع جميعها قبل السلخ قياساً على بيع الحي الذي لا يراد إلا للذبح، ولأنه لما لم يقصد شيئاً معيناً خف الغرر في الجميع ولم يخف في الرطل.
قال في البيان: والأصل في هذا أن كل ما يدخل بالعقد في ضمان المشتري فليس من بيع اللحم المغيب كالشاة المذبوحة وما لا يدخل في العقد في ضمانه كالرطل فهو بيع اللحم المغيب.
قال شيخنا- رحمه الله-: وقد يعكس لكثرة الغرر في الجميع وخفته في الرطل.
واعترض ابن عبد السلام كلام المصنف بوجهين، أحدهما: أن مقابل الأشهر قول أشهب بالكراهة لا الإباحة، كما هو ظاهر كلامه.
وثانيهما: إن عنى بقبلية السلخ في الموضعين بعد الذبح فلا يصح، لأن أشهب نص على أن ذلك قبل الذبح.
وإن عنى الأعم فيلزمه أن ينسب لابن القاسم جواز بيع لحم شاة وهي حية، لقوله بخلاف بيعها قبله، وهذا لا يوجد إلا في مسائل الاستثناء.
وأجيب عنهما: بأن غير الأشهر حكاه ابن شعبان، فاقل: واختلف في بيع اللحم والبهيمية قائمة على الحبس أو بعد ذبحها أو نحرها وقبل الكشف عنها فكرهه أشهب في المدونة، وإن حبسها وعرفها وشرع في الذبح جاز.
زاد أشهب في الموازية: وإن كان بعد يوم أو يومين فسخ.

فظاهر ما حكاه ابن شعبان: الجواز من غير كراهة كما ذكر المصنف.
وعن الثاني: بأن مراده بقبلية السلخ الأعم، أي: قبل الذبح وبعده، وقد ذكر ابن شعبان الخلاف مطلقاً.
ولا يلزم أن يحمل مقابل الأشهر على قول أشهب، ولو سلم حمله عليه فلا فرق بين ما نص عليه وهو قبل الذبح، وبين ما سكت عنه وهو بعده وقبل السلخ.
وأما ما ألزمه أن ينسب لابن القاسم فهو مذهبه في العتبية من رواية عيسى عنه، قال: وما لا ينتفع به إلا اللحم، مثل الداجن كدجاجة لا تبيض، لا بأس أن تباع بما لا يستحيى من الطير على التحري.
واعترض على المصنف بأن قوله: (وكرطل) يقتضي أنه مثال للمجهول جملة وتفصيلاً لأنه عطف على ما قبله وليس كذلك بل هو معلوم الجملة، [436/أ] وإنما الجهل حصل في صفة اللحم، قال: ويحتمل أن يكون إنما شبه في المنع خاصة.
وبخلاف بيع الحنطة في السنبل والتبن، والزيت في الزيتون على الكيل والوزن أي: فيجوز لمعرفة الصفة بفرك بعض السنبل وتذرية بعض التبن عنه.
الباجي: ولا خلاف في الجواز، أعني: إذا كان على الكيل، وهذا ظاهر إن اشترى من المجموع كيلاً معلوماً.
وأما إن اشترى الجميع على الكيل، فيخرج على قول من منع بيع جميع الصبرة على أن كل قفيز بكذا ها هنا المنع، بل أولى لعدم رؤية الجميع هنا.
أبو الحسن، أي: تأخر تمام دراسه وليس يعني تأخير المزروع.
وقد اختصره ابن يونس: وإن كان مكثه في حصاده ودراسه وذروه إلى عشرة أيام أو خمسة عشر فهذا قريب.
وشرط في المدونة في جواز الزيت أن يكون خروجه لا يختلف، قال فيها: وإن اختلف لم يجز إلا أن يكون مخيراً فيه ولا ينقده، ويكون عصره قريباً إلى عشرة أيام ونحوها.

بعض الأندلسيين: وينبغي أن يشترط الخيار لهما معاً، وإلا لم يجز إذا كان يختلف وذهب اللخمي إلى أنه لا يلزم، وهو ظاهر ما اختصر عليه المختصرون.
قال: فإن هذا من الباب الذي حكاه سحنون في كتاب الغرر عن جل أصحاب مالك في البيع على أنه بالخيار إذا رأى وهي المسألة بعينها، وعلى ما ذكر البغداديون أنه غير جائز.
وقوله: (على الكيل والوزن) أي: الكيل راجع إلى القمح، والوزن راجع إلى الزيت، ولا يصح جعلهما للقمح والزيت، فإنه نص في المدونة على منع بيع القمح بالوزن.
اللخمي: ويجوز فيه الوزن بمصر، لأن ذلك العادة عندهم في الدقيق يبيعونه وزنا، ويسلمون القمح للطحان بالوزن، وكذلك نص على جواز بيع الزيت بالكيل والوزن إذا كان العرف جارياً بذلك.
وعلى هذا فلا يبعد أن يعود قول المصنف على الكيل والوزن إلى كل واحد من القمح والزيت.
وكذلك الدقيق قبل الطحن على الأشهر قال: (وكذلك) ولم يقل: وكالدقيق، لئلا يتوهم عطفه على (كزيت) فيكون الأشهر فيه المنع وليس كذلك، فإن الأشهر فيه الجواز.
ثم له حالتان، تارة يقول: آخذ منك من دقيق هذا القمح صاعاً بكذا، فهو في ضمان البائع حتى يوفيه مطحوناً.
وتارة يقول: أشتري منك هذا الصاع على أن تطحنه، فإذا وفاه إياه حباً خرج من ضمانه، وهو بيع وإجارة.
والمصنف إنما أراد الأول، فوجه الأشهر أن الطحن متقارب، ورأي مقابله أنه مما يختلف ولا يدري كيف يخرج، هل هو فاخر أو لا؟ وبخلاف صاع، أو كل صاع بدرهم من صبرة معلومة الصيعان، أو مجهولتها فيهما ..... الضمير في فيهما عائد على الصورتين، أي: صورة صاع، وكل صاع.
أما مسألة: صاع بكذا فلا إشكال فيها.
وأما مسألة: كل صاع بكذا، فثلاثة أحوال، إن قال: أشتريها

كل صاع بكذا وهي معلومة الصيعان فلا إشكال أيضاً في جوازها.
وإن كانت مجهولة الصيعان فالمذهب أيضاً الجواز، وحكى أبو عمران عن بعض أصحابنا الكراهة.
ومنعها بعض الأئمة خارج المذهب.
وإن قال: أخذت منك منها كل صاع بكذا، فاختلف الشيوخ في ذلك- سواء كان عدد صيعان الصبرة معلوماً أو مجهولاً- فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه.
واختار ابن عبد السلام المنع، قال: لأن (من) هنا لا شك أنها للتبعيض وهو يقل ويكثر.
ومال أيضاً المازري إليه، بشرط أن يريد المتعاقدان بـ (من) التبعيض.
وأما إن أرادا بيان الجنس، والقصد أن يقول: أبيعك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، فلا.
وقال ابن راشد: إذا قال أبيعك من هذه الصرة حساب كل عشرة أقفزة بدينار ولم يبين ما باعه منها، فقال القاضي أبو محمد: ما علمنا فيها نصاً.
وقال بعض المعاصرين: البيع فاسد، وهو قول الشافعي.
القاضي: ويحتمل أن تكون (من) زائدة فيحمل على ذلك، وهو أولى من حمله على الفساد، ويحتمل أن يلزمه البيع في مقدار ما علق البيع عليه، وهو عشرة أقفزة على ما رواه عبد الملك فيمن قال: اكتريت منك هذه الدار حساب كل شهر بكذا، أن الإجازة تلزمه في شهر واحدٍ.
فإن جهل التفصيل، كعبدين لرجلي بثمن واحد، فقولان لما ذكر المجهول جملة وتفصيلاً، والمجهول الجملة المعلوم التفصيل كالصبرة، أعقبه بالمجهول التفصيل المعلوم الجملة ومثله بالعبدين.
وكلامه يصدق على ثلاثة صور، إذا كان لكل واحد منهما عبد.
أو لأحدهما عبد لا شركة فيه والآخر مشترك.
أو هما مشتركان بينهما على أجزاء متفاوتة.
وأشهر قولي ابن القاسم المنع.
قال في البيوع الفاسدة من المدونة: لأنه لا يدري بما باع، ثم قال: وأجازه أشهب وقد كان ابن القاسم يجيزه، فإن وقع على المشهور من قول ابن القاسم فسخ.
وإن فات، ففي الموازية: يمضي بالثمن

مفضوضا على القيم.
وفي غير الموازية: أنه يمضي بالقيمة كالبيع الفاسد.
التونسي: وهو أشبه.
فإن قلت: كلامه معترض لأنه يصدق على ما إذا كانا مشتركين بينهما [436/ب] على السواء، وهي جائزة اتفاقاً.
فالجواب: لا نسلم دخولها، لأنه جعل العبدين مثالاً لمجهول التفصيل، وإذا حصلت الشركة على السوية فالثمن معلوم التفصيل.
وقوله: (بثمن واحد) ظاهره لو سمى لكل واحد ثمناً جاز، وكذا قال ابن لبابة، وأحسبهم يجيزون إن سميا لكل سلعة ثمناً، كالمرأتين في النكاح.
وأشار غيره إلى أنهما إذا قوما أو دخلا على المساواة فلا يختلف في الجواز.
ابن عبد السلام: إن كان دخلوهما على المساواة بعد التقويم فظاهر، وإن كان باتفاقهما فقط لا يفيد، لأن المذهب أن المتبايعين إذا سميا لكل سلعة ثمناً ثم طرأ عيب أو استحقاق لا يلتفت إلى تلك التسمية.
وأشار التونسي إلى أن هذا الخلاف إنما هو إذا علم المشتري بذلك، وأما إذا لم يعلم وظهر أنهما شريكان في السلعتين جميعاً فإنه لا يفسخ البيع، لأن الفساد من جهة أحد المتبايعين لا من جهتهما.
وقال المازري: إذا لم يعلم المشتري يجري ذلك على الخلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد.
ولو قال المصنف: كشيئين مكان عبدين لكان أصوب.
بخلاف سلة وخمر على الأصح أي: إذا اشتمل على ما لا يجوز وما يجوز كما مثل به، فالأصح بطلان الجميع وهو مذهب المدونة، لأنه إذا بطل بعض الصفقة بطلت كلها.
وأشعر كلام المصنف بأن الأصح البطلان لذكره الخمر، فإنه إنما يناسب الإبطال، ومقابل الأصح إبطال الحرام وإمضاء الحلال بما يقابله، ذكره ابن القصار تخريجاً.

المازري: وتعلق فيه بقول ابن القاسم فيمن اشترى شاتين فوجد إحداهما غير ذكية وهما متكافئتان، يلزمه البيع في الذكية، وهو صحيح إن كان مراد ابن القاسم أن العقد وقع والمتعاقدان عالمان بغير الذكية، وأما إن لم يعلمها فهذا مما اضطرب فيه المذهب، هل يفسخ العقد أو يمضي الحلال ويفسخ الحرام، ويكون ما ظهر أنه حرام كالمستحق من الصفقة التي اعتقد أنها لبائعها ثم ظهر أن بعضها ليس له، وكمن تزوجت على عبد ثم ظهر أنه حر، وكمن باع خلاف ثم ظهر أنها خمر.
وخرج بعض المتأخرين الاختلاف من رواية ذكرها ابن عبد الرحمن بن زياد الأندلسي عن مالك أنه قال فيمن أسلم مائة دينار وقبض خمسين وتأخر خمسون: أنه يبطل السلم في مقدار ما تأخر وهذا أيضاً فيه نظر، فإن التأخير بغير شرط لا يفسد السلم على أحد القولين ولو تأخر جميع رأس المال، فيمكن أن يكون راعى هذا الاختلاف.
انتهى.
وعلى الصحة يقسط الثمن فيهما أي: إذا فرعنا على الصحة في هذا الفرع وفي الذي قبله، فيقسط الثمن في المسألة الأولى على السلعتين، ليأخذ كل بائع ما ينوب سلعته، وقسط الثمن في المسألة الثانية، فأخذ البائع منه ما قابل السلعة وبطل ما قابل الخمر.
فإن باع ملكه وملك غيره فرد وكان وجه الصفقة فللمشتري الخيار يعني: لو باع سلعتين إحداهما له والأخرى لغيره، فهو في التي لغيره فضولي، فإن أمضى غيره البيع لزم ذلك المشتري ولا مقال له، وإن رد فكان المردود وجه الصفقة، فإن المشتري يخير في التمسك بالباقي بما يخصه من الثمن أو رده، وهذا قول ابن حبيب.
والمشهور خلافه، أنه إذا رد وجه الصفقة الانتفاض في الجميع وليس له التمسك بالباقي.

ويجوز بيع الشاة واستثناء أربعة أرطال فأدنى، وإليه رجع بد منعه ابن القاسم، وسنه أشهب، وقدر الثلث كالصبرة والثمرة باتفاق .... هذا يشبه المعلوم جملة والمجهول تفصيلاً، لكن باعتبار الثمن، وقد تقدم أنه لا يجوز بيع رطل من شاة قبل سلخها على الأشهر، لكن أجاز مالك هذه على وجه الاستثناء بشرط اليسارة، وإلى هذا رجع مالك بعد أن كان يمنعه.
ووجهه: أن المستثنى إما مشترى فلا يجوز، لأنه شراء لحم مغيب.
وإما مبقى فيكون ما عداه مشترى وهو مغيب.
ثم ذكر في حد اليسير ثلاثة أقوال.
ابن عبد السلام: والثلاثة أرطال رواها ابن المواز، والذي في المدونة أربعة أرطال.
خليل: قد جاء في المدونة الثلاثة على رواية ابن وضاح كما ذكره المصنف، وفي بعض الروايات جواز استثناء الثلث، والذي نقله ابن يونس عن الموازية: جواز الخمسة والستة لا الثلاثة كما نقله ابن عبد السلام.
ابن راشد: واتفق على أن ما زاد على الثلث كثير.
ابن عبد السلام: وقيد الاتفاق راجع إلى الثمرة، لأن الخلاف في الصبرة، فقد روى ابن الماجشون وقال به: أنه لا يجوز أن يستثني من الصبرة قليلاً ولا كثيراً، كيلاً ولا جزءاً مشاعاً، لأن الجزاف إنما بيعه للضرورة، وهي مشقة الكيل والوزن، فإذا استثنى منها جزءاً فلابد من الكيل، فلم يقصد بالجزاف إلا المخاطرة، والثمرة لا يتأتى فيها الكيل فافترقا، وعلى هذا فالثمرة مبتدأ خبره محذوف، أي: يجوز فيها استثناء الثلث باتفاق، يريد: على رءوس الأشجار.
وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: بل هو راجع إليهما، والمقصود به الاستدلال على ابن القاسم بما اتفقا عليه.
وقد حكى ابن المواز ذلك، فقال: واتفق ابن القاسم وأشهب على جواز الاستثناء من الصبرة والثمرة كيلاً قدر الثلث فأقل.

[437/أ] وفرق المازري لابن القاسم بأن الصبرة مرئية فخف الغرر، وعلى الجواز في الثمرة، فقال أشهب: يجوز، سواء كان ذلك تمراً أو رطباً أو بسراً، وهو ظاهر على أن المستثنى مبقى، وفيه نظر على أنه مشترى، فإن كانت الثمرة أنواعاً فاستثنى من نوع منها أكثر من ثلثه إلا أنه أقل من ثلث الجميع، فاختلف فيه قول مالك بالإجازة والمنع، وأخذ ابن القاسم وأشهب بالمنع.
ويجيز على الذبح، وقيل: إن كانت معلولة ما صدر به المصنف، قال المازري: وهو المعروف، لأن المشتري دخل على أن يدفع للبائع لحماً ولا يتوصل إليه إلا بالذبح، وحكى بعضهم الاتفاق عليه.
وقوله: (وقيل: إن كانت معلولة) وقع في بعض النسخ: معلوفة بالفاء، وظاهره: أنها إذا كانت كذلك أجبر، وينبغي أن يقدر إن كانت معلولة لم يجبر على الذبح ليوافق المنقول.
ففي الواضحة من رواية مطرف عن مالك: فيمن باع جزوراً واستثنى رأسها أو أرطالاً يسيرة من اللحم، فإن أخرها المبتاع حتى ماتت أو صحت وكانت مريضة، قال: إذا بيعت لمرض أو علة فخيف عليها الموت فبيعت لذلك بيسير الثمن ولولا ذلك لبيعت بدنانير كثيرة، فإن أخرها عامداً فهو ضامن لما استثنى عليه منها، وإن صحت وذهب ما كان بها من مرض فعلى المبتاع شراء ما استثنى عليه البائع أو قيمته، ولا يجبر على نحرها، لأنه كان ضامناً لما استثنى عليه.
وإن كانت حين البيع صحيحة فتربص بها المبتاع الأسواق فزاد ثمنها أو سمنت فكره المبتاع نحرها، فالبائع شريك بقدر ما استثنى منها.
وانظر كيف لم يجعله في هذه الرواية شريكا إذا كانت مريضة وجعله شريكاً إذا لم تكن مريضة وزادت أسواقها، ولعل ذلك لأنها إذا كانت مريضة لا يكون لها كبير ثمن، فإذا صحت ارتفع ثمنها فصارت الرأس المبيعة وهي مريضة كأنها قد فاتت.
والله أعلم.

ولا يأخذ منه لحماً على الأصح أي: لو اتفقنا على أن يعطي المشتري البائع لحما عوضاً عن المستثنى، فالأصح وهو مذهب أشهب منعه.
وصححه المصنف لما ذكره ابن المواز أنه يدخله بيع اللحم بالحي، ولذلك قال: بخلاف الجلد، أي: فيجوز.
والجواز ظاهر قول مالك في رواية مطرف.
وفي المدونة ما يقتضيه، وهو قوله: فيمن استثنى الجلد أو الرأس، أو أبى المشتري من الذبح أن عليه شراء جلده أو قيمته، فلم يجعله من بيع اللحم بالحيوان فاعلمه.
واختلف هل للبائع أن يبيع ما استثناه بناء على أنه مبقى، أو لا بناء على أنه مشترى فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، على قولين.
ولو استثنى جزءاً جاز، ولو كان على الذبح كما لو باع شاة والمستثنى نصفها أو ثلثها أو غير ذلك من الأجزاء.
المازري: ولا خلاف فيه.
قوله: (ولو كان) مبالغة في الجواز، وهو ظاهر.
وفي جبر من أباه حينئذ قولان قوله: (حينئذ) أي: حين باع على الذبح.
ابن عبد السلام: والظاهر الجبر لدخوله على ذلك، والمؤمنون عند شروطهم.
وقال ابن يونس: الصواب عدمه، لأنهما قد صارا شريكين، فمن دعا إلى الذبح فذلك له، قال: فإن قيل قد قال ابن القاسم: يجبر على الذبح إذا استثنى أرطالاً فما الفرق؟ قيل: لأنه هنا إذا تشاحا بيعت عليهما ووقع لكل واحد منهما ثمن معلوم، بخلاف الأرطال.
انتهى.
واقتصر اللخمي على القول بعدم الجبر.
المازري: وهو الذي نص عليه الأشياخ.

خليل: ويدل عليه قولهم: يجوز ولو كان على الذبح، إذ لو كان يجبر فإن فيه شراء اللحم المغيب.
والله أعلم.
وحكى بعضهم الأول ولم يعزه.
وذكر ابن يونس والمارزي أن بعض الشيوخ توقف في الجبر وعدمه.
ولو استثنى الجلد والرأس، فثالثها: المشهور يجوز في السفر لا في الحصر أي: لو باع شاة واستثنى جلدها أو رأسها، فثلاثة أقوال، الجواز في الحضر والسفر: حكاه فضل عن ابن وهب وعيسى.
والمنع فيهما: حكاه الأبهري رواية عن مالك.
والثالث المشهور: يجوز في السفر دون الحضر، ودليله ما رواه أبو داود في مراسله عن عروة بن الزبير: أن النبي- عليه الصلاة والسلام- حين خرج هو وأبو بكر مهاجرين إلى المدين مرَّ براعي غنم اشترى منه شاة وشرط له سلبها.
ولا يقاس الحضر عليه، لأنه إنما جاز في السفر لكونه لا قيمة له هناك فخف الغرر.
تنبيه: جعل المصنف المشهور عدم الجواز في الحضر، والذي في المدونة: أجاز مالك استثناء الرأس والجلد في السفر إذ لا ثمن له هناك، وكرهه للحاضر إذ كأنه ابتاع اللحم، فظاهره الكراهة فقط، وبذلك فسرها أبو الحسن فاحتج بقول ابن حبيب: خفف مالك ذلك في السفر وكرهه في الحضر، إذ له هناك قيمة، ولا يفسخ إن نزل.
لكن أضاف المازري إلى المذهب المنع كما فهم المصنف، فقال: وأما استثناء جلد الشاة المبيعة في الحضر فمنعه في المذهب وأجازه ابن وهب، وأما في السفر فعن مالك روايتان: الجواز وهو المشهور، والمنع ذكره الأبهري وغيره.
وقال القاضي أبو محمد: إن المحققين من أصحابنا نزَّلوا هاتين الروايتين على اختلاف حالين، فالمنع في السفر إذا كان للجلد قيمة، والجواز إذا لم تكن له قيمة.

وأشار ابن حبيب إلى منع هذا التأويل وأجاز استثناء الجلد والأكارع حيث تكون لها قيمة، واعتل بأنه شيء معين.
وتردد الأبهري في الإجازة في السفر إذا كانت له قيمة، فقال: يحتمل أن لا يجوز ويحتمل أن يجوز، لأن الحكم للأغلب، والأغلب ألا قيمة له هناك، والاحتمال الثاني أوضح والأول أقيس.
ابن يونس: والصواب جوازه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أجازوه ولم يعللوا لم جاز.
قال: وأما استثناء الرأس والأكارع، فلا يكره في سفر ولا حضر، كمن باع شاة مقطوعة الأطراف [437/ب] قبل السلخ.
ولا يجبر على الذبح على الأصح أي: حيث قلنا بإجازته، فالمشهور- قال المصنف: وهو الأصح- عدم جبره على الذبح إذا أباه ارتكاباً لأخف الضررين، إذ أمر الجلد والرأس يسير وقيمته أو مثله تقوم مقامه، وفي إجبار المشتري على الذبح إفساد مال.
ومقابل الأصح ليس منصوصاً، وإنما قال المازري: إنه التحقيق، لدخوله على ذلك اللحم.
وقد حكى عياض الاتفاق على الأول، فقال: لا يختلف في أن المشتري يخير أولاً في أن يذبح ويعطي الجلد، أو يمسك فيعطي مثله أو قيمته.
انتهى.
وهذا الكلام مخالف أيضاً لما صححه المصنف من تحتم القيمة على القول الذي صححه بقوله: وعليه القيمة لا المثل على الأصح إذ معناه: أنا إذا فرعنا على عدم الجبر، فهل يقضى عليه بقيمة الجلد والرأس، أو بمثلهما؟ قولان، والأصح القضاء بالقيمة، لأنهما من المقومات.
ولم ار من صرح بهذا القول الذي حكاه المصنف.

والذي حكاه ابن يونس وغيره عن ابن القاسم بعد أن حكى عنه التخيير بين القيمة والمثل، والقيمة أعدل، ابن يونس وغيره، وقاله سحنون.
وكذلك أيضاً ظاهر كلامه أن مقابل الأصح القضاء بالمثل فقط، وليس كذلك، بل التخيير بينهما، وهو مذهب المدونة.
واختلف الشيوخ فيمن له هذا التخيير، فقيل: للمشتري لأنه الذي جعل له الخيار أولاً بين أن يذبح ويعطي الجلد.
وقيل: للبائع لأنه صاحب الحق.
وقيل: للحاكم، وهو أضعفها.
فلو مات ما استثني منه معين، فثالثها: يضمن المشتري الجلد والرأس دون اللحم .... مراده بالمعين: خلاف الجزء الشائع، كالثلث والربع فإنه لا ضمان عليه في ذلك.
وحاصل ما ذكره: أنه اختلف في مسألة الأرطال والجلد والرأس، فقيل: يضمن في الجميع بناء على أنه يجبر، أو يضمن في مسألة الجلد والرأس بناء على عدم جبره، دون مسالة الأرطال فإنه يجبر، ثلاثة أقوال، والثالث هو مذهب المدونة.
ونسب ابن يونس وغيره القولين في ضمان الجلد لابن القاسم، فعنه في العتبية: أنه لا ضمان عليه في الجلد.
وروى عنه أصبغ أنه ضامن.
خليل: والرأس في معناه.
وذكر صاحب البيان عن ابن دحون: أنه حمل القول بعدم الضمان على ما إذا لم يفرط، وأما إن تواني في الذبح فيضمن، وهو معنى الرواية بالضمان، وعلى هذا فلا خلاف في المسألة.
قال ابن دحون: إنما جعل المصيبة من المشتري، لأنه إنما جاز أن يشتري بهذا الاستثناء في السفر، لأنه لا قيمة للمستثنى في السفر، فكأنه اشترى الجميع.

قال في البيان: وهو كلام غير صحيح، إذ لا معنى للتفرقة بين أن يفرط أو لا، وإن كان ابن حبيب نحا إلى هذا، ورواه أبو قرة عن مالك فيمن باع بهيمة واستثنى رأسها فلم يذبحها حتى ماتت، فعليه قيمة رأسها الذي فرط فيه، لأنه ترك ما اشتراها له من الذبح.
وإن حسبها بإذن البائع حتى هلكت فلا شيء عليه.
وإن صحت فأبى أن يذبحها فعليه قيمة رأسها، وإن استحياها بإذن شريكه فهو شريك معه، وهو استحسان على غير قياس، إذ لا يخلو أن يكون للبائع على المشتري حق توفيه أو لا.
فإن كان فلا يسقط عنه ترك التفريط، وإن لم يكن فلا يجب عليه التفريط.
وأما قوله: (وقيل: إنما جعل المصيبة من المشتري) إلخ.
فهو كلام متناقض، لأن كون الجلد لا قيمة له في السفر يقتضي أن البيع لم يقع عليه وأن المشتري لا يكون ضامناً له.
فالصحيح في المسألة: أن قولي ابن القاسم محمولان على الخلاف، وأن الخلاف في ذلك هل هو مبقى فلا يكون على المشتري ضمان، أو مشترى فيكون عليه الضمان فكأن البائع باع جميع الشاة بعشرة وبجلدها، فإذا كانت قيمته درهمين رجع عليه بسدس قيمة الشاة، كأنه بمنزلة من باع شاة بعشرة وعرض.
انتهى.
وفي تهذيب الطالب، وابن يونس عن بعرض القرويين: إنه لم يختلف في مسألة استثناء الأرطال أنه لا ضمان على المشتري، ولا يدخل في ذلك الخلاف الذي في الجلد، لأنه لما لم يجبر في الجلد على الذبح كان الجلد في ذمته لا في معين، بخلاف مسألة الأرطال فإنه مجبور على الذبح.
وهذا بخلاف ما حكاه المصنف من تعميم الخلاف في جعله الثالث تفصيلاًز وفي اشتراء البائع مال العبد المبيع بماله، قولان لابن القاسم وأشهب هذه المسالة مشكلة حكماً ونقلاً.
أما الحكم: فظاهر كلامه أن أحد القولين جواز اشترائه، وإن كان فيه طعام ونقد ودين بما شاء من الثمن، وفي ذلك من وجوه المنع ما لا خفاء فيه، حتى قال ابن عبد السلام: إنه لا يعلم خلافاً أن البائع فيها كالأجنبي.

قال شيخنا- رحمه الله-: ويمكن لو ساعده النقل التفرقة بين البائع وغيره، فإن البائع عالم بمال عبده غالباً بخلاف غيره، قياساً على ما أجازوه للبائع أن يستثني أربع نخلات من حائطه.
وأما النقل: فقد بحث ابن عبد السلام وغيره عن هذه المسالة في مظانها فلم يجدها.
ثم اختلف الأشياخ، فمنهم من وهمه، ومنهم من حسن الظن به وتكلف له جواباً، ثم لهم في ذلك وجوه: أولها: أنها على ظاهرها، والشراء محمول على الإقالة، أي: أراد البائع أن يستقيل المشتري في مال العبد بما ينوبه من الثمن، فإن عددنا الإقالة حل بيع جاز، وإن عددناها [438/أ] ابتداء بيع كان ما يخص مال العبد من ثمنه غير معلوم، إذ لا يعلم إلا بعد تقويم رقتبه على انفرادها وماله على انفراده، ويكون هذا كالثمن المعلوم جملة دون تفصيل، ويكون المصنف غير لفظ الإقالة بلفظ الشراء تنبيهاً على سبب القول بالمنع، لأنه لو عبر بالإقالة لم يفهم السبب المقتضي للمنع، وفيه نظر، لأن المعلوم جملة المجهول تفصيلاً منعه ابن القاسم وأجازه أشهب، عكس ما نسب المصنف، إلا أن يقدر: وفي منع، وهو تأويل ابن عبد السلام.
ثانيها: أن المسألة على ظاهرها، والخلاف فيها بالأحرى على قولي ابن القاسم وأشهب في العبد إذا باعه بدون ماله، ثم أراد المشتري أن يزيد البائع شيئاً ويلحق المال بالبيع، فروي عن مالك جوازه وبه أخذ ابن القاسم، وروي عنه منعه وبه أخذ أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم، ولابن القاسم ثالث بالجواز إذا كان بحضرة البيع.
قال في المبسوط: ومعنى القرب، أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص، بناء على أن الملحقات بالعقود، هل تقدر واقعة في أصل العقد فيجوز، أولا تقدر واقعة فيه فيمتنع في الصورتين.
ونسب المصنف القولين لهما، بناء على أن لازم القول قول، وهو تأويل ابن راشد.

ثالثها: أن اشتراء، مصدر وهو مضاف إلى المشترى منه.
والفاعل محذوف، وهو المشتري، أي: وفي اشتراء المشتري من البائع مال العبد المبيع بماله، أي: بمال المشتري.
والخلاف فيها منصوص لابن القاسم وأشهب، كما ذكره في الوجه الثاني، وفيه تعسف.
رابعها: أن البائع بمعنى المشتري، لأن كلام منهما بائع في المعنى، واشترى بمعنى باع، وضمير (ماله) يعود على المشتري، وفيه تعسف، وإن كان البائع يطلق في اللغة على المشتري لكن الفقهاء لا تستعمله، وإنما يستعمله من يريد الألغاز.
تنبيه: ما تقدم من تمشية ابن راشد من خلاف ابن القاسم وأشهب، إنما ذلك إذا اشترى المال على وجه لو انفرد المال لم يجز، كما لو كان المال عيناً وعرضاً واشتراه بعين، وأما لو اشتراه على وجه لو انفرد جاز فلا خلاف في الجواز.
والمتعين ولا غرض في عدده، أو قل ثمنه يجوز جزافاً لما ذكر أن من شرط البيع أن يكون معلوماً خشي أن يتوهم منع الجزاف، فذكره ليعلم أن حكمه الجواز.
وأن الحزر أقيم فيه مقام العلم.
وقوله: (والمتعين) أي: المشاهد المرئي، بذلك فسره ابن راشد، وتفسير ابن عبد السلام المتعين بالمقوم بعيد جداً.
وذكر علماؤنا لبيع الجزاف شروطاً: أولها: أن يكون مرئياً، فلا يجوز بيع غائب جزافاً، إذ لا يمكن حزره.
ثانيها: ألا تكون آحاده مقصودة، كالجوز واللوز والعصافير وصغار الحيتان، فلا يجوز بيع الرقيق والحيوان والثياب جزافاً، وإليه أشار بقوله: (ولا غرض في عدده).
وفي الواضحة: جواز بيع الأترج والبطيخ جزافاً وإن اختلفت آحاده في الكبر والصغر.

المازري: وهو لا يأتي على ما أصلناه من المنع فيما يراد آحاده، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقدين بالصغر والكبر.
ثالثها: أن يكون مما يتأتى حزره، فإن كان من الكثرة بحيث لا يتأتى حزره لم يبع جزافاً، لكثرة الغرر، ذكره الباجي وغيره.
رابعها: جهل المتعاقدين بكميته.
وسيأتي هذا الشرط من كلام المصنف.
خامسها: أن يكون عالمين بالحزر.
اللخمي: فإن كان قوم لا يعتادون ذلك أو اعتاده أحدهما لم يجز، لأن الغرر يعظم.
سادسها: أن يكون في أرض مستوية، ذكره جماعة.
وقوله: (أو قل ثمنه) ظاهره ولو قصدت آحاده، وبذلك صرح ابن راشد، ومثل ذلك بالبيض والرمان والقثاء واللوز والأترج والبطيخ.
وكذلك قال ابن عبد السلام، فإنه قال: الفقوس والبطيخ والرمان وشبهه من المعدود الذي تقصد آحاده ولا يتعلق الغرض بعدد عندهم يجوز بيعه جزافاً.
ابن عبد السلام: ويقع في بعض النسخ (أو قل عدده) موضع (ثمنه) وذكر الثمن هو الصواب، وأما قلة العدد فإنما تناسب المنع، لأنه لا كبير كلفة في عدده، إذ هو مما تقصد آحاده ويتعلق الغرض بعدده، فإن قل ثمنه قام ذلك مقام كونه لا تقصد آحاده.
انتهى.
وقد صرح ابن أبي زيد: بأن ما قل ويمكن عده بلا مشقة لا يجوز بيعه جزافاً.
ومنع ابن القاسم في العتبية شراء الخشب الملقى بعضه على بعض جزافاً، لأنه تخف مؤنة عده بمنزلة الغنم.
قال: ولا باس بشراء صغار الخشب جزافاً.
تنبيه: ما قدمناه من بيع العصافير جزافاً نص عليه مالك، وأوله ابن القاسم على أن ذلك بعد الذبح، وأما قبله في الأقفاص فلا، لأن بعضها يدخل في بعض فلا يمكن حزره.

وكذلك نص ابن حبيب على الجواز بعد الذبح وعلى عدمه قبله.
وفي الموازية لا باس ببيع برج الحمام فيما فيه جزافاً.
وفي الطرر ذكر القاضي أبو الوليد في كتابه الكبير: أن بيع الطير في القفص جزافاً غير جائز باتفاق، وفي بيع الحمام في الأبراج قولان بالجواز والمنع، بناء على أن عدها ممكن أو لا.
وفرق بين ظرف مملوء، وملئه وهو فارغ ابتداء، أو بعد أن اشتراه جزافاً وفرغه [438/ب] أي: ولأجل اشتراطنا في الجزاف أن يكون مرئياً، فرق بين ظرف مملوء فيجوز بيع ما فيه جزافاً.
وبين ملئه وهو فارغ ابتداء، وبين ملئه ثانياً بعد أن اشتراه أولاً جزافاً فلا يجوز فيهما لعدم الرؤية.
وكذا نص عليه ابن القاسم وأصبغ ومحمد وغيرهم.
المازري: وقد يهجس في النفس أنه لا فرق بين ما أجازوه ومنعوه، إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو لمقدار ملئها زيتا.
ولهذا اختار بان يونس جواز شراء ملء هذه القارورة، قال: ولو قاله قائل في الغرارة لما بعد وهو في القارورة أبين، لأن ملئها لا يختلف.
ولا يقال: يرد على التفرقة التي ذكرها المصنف ما أجازه في العتبية من شراء سلة تين ثانياً بعد أن اشتراها أولاً، لقوله: بخلاف غرارة القمح، ألا تراه لا يسلم في غرارة القمح ويسلم في سلتين تينا لأنه معروف.
فإنه أشار في تعليل المسالة على أن السلة في التين مكيال له كالويبة بالنسبة إلى القمح، فصار كأنه إنما اشترى شيئاً معلوماً، وأكد ذلك بقوله: بخلاف غرارة القمح.
فرع: واختلف أصحابنا إذا وقع التبايع بمكيال مجهول.
قال أشهب: لا يفسخ وجعله بمنزلة الجزاف.
ورأى غيره: أنه يفسخ، لأن العدول عن المعتاد له من المكيال إلى المجهول غرر.

فأما الغائب ونحو القمح في التبن قولان أي: ولا يجوز بيع الجزاف غائباً.
وعطفُ القمحِ في التبن على الغائب، إما من باب عطف الخاص على العام، وإما أنه ليس غائباً حقيقة ولكنه في حكم الغائب.
ولا خلاف فيما ذكره المصنف، قاله صاحب الإكمال.
بخلاف الزرع قائماً، وكذلك المحصود على الأشهر لا خلاف عندنا في جواز القائم، لما في الصحيح: أنه- عليه الصلاة والسلام- نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.
والأشهر في المحصود الجواز قياساً على القائم.
وقيل بالمنع قياساً على ما كان منه حال الدرس، وهو قول التونسي.
وظاهر كلامه: أن الجواز أعم من أن يكون حُزماً أو لا.
وينبغي أن يقيد بما إذا كان حُزماً، فقد قال صاحب الإكمال: لا خلاف أنه لا يجوز بيعه إذا خلط في الأندر للدارس، أو كدس بعضه على بعض قيل تصفيته.
واختلف عندنا إذا كان حُزماً أو قطعاً يأخذها الحزر والتحري على قولين.
ولو رأى المشتري ما في الأندر وهو قام قبل أن يحصد جاز، لأنه علم حزره وهو قائم.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون خلافاً في حال، فإن لم يختلط وبقي السنبل إلى جهة واحدة، فالنفس أميل إلى الجواز ولا يحاط به مع ذلك كما يحاط بالقائم، وإن كان على خلاف هذه الحال فلا شك في المنع.
خليل: وقد يمشي كلام المصنف على ظاهره، ويعتمد في ذلك ما نقله الباجي، فإنه قال: روى القاضي إسماعيل أنه يجوز بيعه في أندره وقبل درسه.
وروى عن ابن نافع أنه لا

يجوز بيعه إلا إذا كان حُزَماً يرى سنلة وينظر إليه.
فعطفة قول ابن نافع على رواية القاضي دليل على أنه يجوز على وراية القاضي وإن لم يكن حُزَماً.
والمسكوك، والتعامل بالوزن يجوز جزافاً، وبالعدد لا يجوز، وقيل: فيهما قولان احتزر بالمسكوك من التبر والمصوغ ونحوهما، فيجوز جزافاً، المازري: ولو كان الحلي محشواً، إذا عرف قدر الساتر للمحشو من الذهب والفضة بأن تعلم رقته من غلظة وأمكن حزره.
وشمل قوله: (المسكوك) الفلوس، وهو صحيح نص مالك في الموازية عليه.
قوله: (والتعامل بالوزن) أي: كدراهم مصر، وهي المجموعة يجوز بيعها جزافاً.
وإن كان التعامل بالعدد كدراهم المغرب فلا يجوز بيعها جزافاً.
وحكى ابن بشير، وابن شاس عن القاضي أبي الحسن الكراهة إذا كان التعامل بالعدد.
واعلم أنه نص في المدونة على منع بيع الدراهم والدنانير جزافاً وأطلق، وحملها اللخمي على الإطلاق ولم يذكر في المنع خلافاً إذا كان التعامل بالعدد، وحكى عن ابن القصار الكراهة فيما إذا كان التعامل بالوزن.
قال المازري: اختلف البغداديون في معنى المنع، فقال ابن القصار: إنه كرهه، وإليه أشار ابن عبد الحكم بقوله: لم أر أحداً من أصحابنا يجترئ على فسخ بيع الدراهم والدنانير جزافاً.
وذهب الأبهري وعبد الوهاب على أن المنع على التحريم.
فمقتضى قول ابن القصار عدم الفسخ، لأنه مكروه.
ومقتضى قول الأبهري وأبي محمد الفسخ إذا لم يراعيا الخلاف.
واختلف في علة المنع، فقال ابن مسلمة: لكثرة ثمن العين فيكثر الغرر وهو منقوض، لإجازتهم بيع الحلي جزافاً، واللؤلؤ إذا لم تقصد آحاده، وإن كان القاضي أبو محمد أطلق عدم جواز بيع الجواهر جزافاً، لكن التحقيق ما قلته.
وعلل الأبهري وأبو محمد المنع: بأن الغرر هنا من وجهين، من جهة الكمية، ومن جهة الآحاد، لأنه يرغب في كثرة آحاده ليسهل شراء السلع اليسيرة الثمن، بخلاف

غيره من المبيعات، فإن الغرر فيها إنما هو من جهة واحدة وهي جهة الكمية.
انتهى كلام المازري.
وقول المصنف: وقيل فيهما قولان، أي: سواء كان التعامل بالوزن أو بالعدد، هذه طريقة الباجي، وبنى الخلاف في ذلك على الخلاف في الدنانير والدراهم، [439/أ] هل تتعين بالعقد أول لا؟ فإن قلنا: إنها لا تتعين بالعقد لم يجز بيعها جزافاً، لأن العقد عليها يتناول الذمة والجزاف لا يصلح أن يثبت في الذمة.
وإن قلنا: تتعين جاز بيعها كسائر الموزونات والمكيلات.
وهذا فهم حسن من المصنف لكلام الباجي، وإن كان ابن بشير إنما نقل عن الباجي أنه قال: إن كان التعامل بالعدد لم يجز المجازفة باتفاق، وإن كان وزناً فقولان.
فإن كلام الباجي لا يؤخذ منه الاتفاق فيما إذا كان التعامل بالعدد، وتعليله بالتعيين وعدمه ينافيه.
خليل: ولكن في كلام الباجي نظر من جهة أخرى، وذلك أنه ينبغي إن قلنا: إن الدراهم والدنانير لا تتعين، فينبغي أن يتفق هنا على تعيينها لأنها جزاف، والجزاف مجهول والذمة لا يكون فيها مجهول.
والله أعلم.
وشرط الجزاف استواؤهما في الجهل بقدره أي: وشرط جواز بيع الجزاف استواء البائع والمبتاع في الجهل بقدر المبيع، لأنهما لو اشتركا في العلم بقدره لم يكن جزافاً، وإن انفرد أحدهما لم يجز العقد عليه، ولاسيما إن أعلمه بعلمه، لأنهما تعاقدا على مخاطرة وغرر، وهذا أولى من كلام ابن عبد السلام.
فرع: لا إشكال فيما ذكره المصنف في المكيل والموزون والمعدود الذي لا تختلف مقاديره بالكبر والصغر.
وأما المختلف كالقثاء والبطيخ، فقد روى ابن وهب عن مالك في

المبسوط: جواز بيعه ممن يعرف عدده جزافاً.
وقال ابن المواز: إذا عرف أحد المتابعين العدد لم يجز بيعه جزافاً.
ووجه الباجي الرواية الأولى بأن الغرض في مبلغه دون عدده، فإذا انفر بمعرفة عدده فلم ينفرد بمعرفة المقدار المقصود منه، كما لو انفرد بمعرفة عدد القمح أو معرفة وزنه.
فإن علم المشتري بعلمه بعد العقد فله الخيار فإن علم المشتري بعلم البائع بقدر المبيع جزافاً بعد العقد فللمشتري الخيار، كما لو اطلع على عيب دلس به البائع.
وحكى عبد الوهاب عن ابن القصار استشكال كون هذا عيباً، لأن العيب إذا أعلم به البائع جاز للمشتري الرضا به، ولو أعلم البائع المشتري بأنه عالم به ورضي كان فاسداًن نص على الفساد في كتاب محمد.
وحكي سحنون أن البيع جائز، واستبعده ابن عبد السلام.
خليل: ويمكن أن يجاب عما أورده ابن القصار، بأنه هنا إذا أخبره بأنه عالم بكيله ثم اشترى منه بعد ذلك، فقد خل معه على المغامرة والمخاطرة، بخلاف غيره من سائر العيوب.
وأجاب القاضي أبو محمد على الإشكال بأنه: لا ملازمة بين أن يكون الشيء يفسد به العقد إذا قارنه، ولا يفسد إذا اطلع عليه بعد ذلك، لدخوله في الأول على الغرر دون الثاني، كما قال سحنون فيمن باع أمة وشرط أنها مغنية أن البيع فاسد، ولو اطلع على ذلك لم يفسد وكان له الخيار.
خليل: وعلى هذا فلا يصح بيع المغنية مع التبيين بعد العقد، وإنا يجوز بيعها بشرط عدم التمييز ثم يبين بعد العقد، وفيه نظر.
وينبغي أن يقيد ما قالوه: من أنه ذكر أنها مغنية لم يجز شراؤها بما إذا كان القصد من ذلك زيادة الثمن، وأما إن كان القصد التبري فيجوز.

وقوله: (فإن علم المشتري) يريد: وكذلك العكس، فقد ذكر المازري أن المعروف من المذهب مساواة البائع في ثبوت الخيار له إذا اطلع على علم المشتري كالعكس.
قال: ورأيت بعض أصحابنا حكى فيه عن بعض أهل المذهب خلافاً، وأن البائع لا خيار له.
ابن رشد: فإن فات المبيع في مسالة الجزاف التي حكموا فيه بتخيير المشتري لزم فيه الأقل من الثمن أو قيمة الجزاف، وفي مسالة الجاف التي حكموا فيها بفساد البيع إن فاتت الصبرة ففيها القيمة ما بلغت.
قال: وإن أراد المبتاع أن يصدق البائع في الكمية وردها له لا نبغى ألا يجوز على أصولهم في الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً.
فرع: وهل يجوز أن يجمع مع الجزاف غيره في عقدة واحدة؟ اعلم أولا أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلاً جزافاً كالحبوب.
ومنها: ما يباع جزافاً ويجوز كيلاً كالأرضين والثياب.
ومنها: عروض لا يجوز بيعها كيلاً ولا وزناً كالعبيد والحيوان.
فالجزاف مما أصله أن يباع كيلاً كالحبوب لا يجوز بيعه مع المكيل منه، ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافاً كالأرضين والثياب باتفاق.
والجزاف مما أصله أن يباع جزافاً لا يجوز أن يباع مع المكيل منه باتفاق أيضاً، واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلاً على قولين، أحدهما: الجواز، وإليه ذهب ابن زرب وأقامه من إجازته في السلم الأول من المدونة أن يسلم في ثياب وطعام صفقة واحدة.
ولا خلاف في جواز بيع المكيلين صفقة واحدة وكذلك الجزافان، ويجوز بيع الجزاف مع العروض صفقة واحدة إلا عند ابن حبيب، فإنه ذهب إلى أن الجزاف مما أصله أن يباع كيلاً لا يجوز بيعه مع العروض في صفقة واحدة وهو بعيد، قاله صاحب المقدمات.
وقال المازري: لا إشكال في جواز بيع الجزافين من الحبوب.
واختلف في جزاف ومكيل، فمن أجاز رأى أن الغرر لم يكثر بإضافته هذا [439/ب] المكيل إلى الجزاف، ومن

منع رأى أن المكيل معلوم مبلغه والجزاف مظنون، واجتماع معلوم ومظنون في عقد واحد يصير في المظون غرراً لم يكن فيه.
وكذلك اختلف إذا ضم إلى المكيل ثوب أو عرض.
خليل: وحكاية المازري الخلاف في الفرع الأول خلاف ما في المقدمات.
قال في المقدمات: أما بيع الجزاف على الكيل، فلا يضاف إليه شيء في البيع بحال على الصحيح من الأقوال، وهو مذهب ابن القاسم.
وأما بيع الجزافين على الكيل، فإن كانا على صفة واحدة وكيل واحد جاز باتفاق، وإن اختلف الكيل والصفة جميعاً لم يجز باتفاق، وإن اتفق أحدهما واختلف الآخر جاز عند أشهب ولم يجز عند ابن القاسم.
ورؤية بعض المثلى كالقمح والشعير، والصوان كقشر الرمان والبيض كافية يعني: ليس من شرط البيع عندنا أن يرى جميع المبيع، بل رؤية بعض المثلي كافية في جواز العقد على الجميع لتماثل آحاده كالقمح والشعير، ولا فرق في ذلك بين ما كان حاضراً بالبلد أو غائباً، وينبغي الاحتفاظ على المعين فيكون كالشاهد عند التنازع.
وقوله: (والصوان) أي: ورؤية ما له صوان كافية عن المصون.
والصوان بكسر الصاد وضمها: الوعاء الذي يصونه ويحفظه، ونقل الجوهري ثالثة وهي صيان.
وتقييد المصنف بالمثلى يدل بمفهومه أنه لا يكفي ذلك في المقوم، وهو ظاهر المذهب، وهو مفهوم المدونة في بيع الخيار.
وممن نص على عدم اللزوم في المقوم الشيخ أبو محمد، وابن شلبون، وعبد الحق وغيرهم من الشيوخ.
الشيخ: ولو قال قائل أنه كالمثلى يلزم باقيه إذا كان على الصفة ما بعد.
خليل: وهو مقتضى ما في سماع ابن القاسم من العتيبة، قال: ومن باع أعدالاً من كتان أو بز ونظر إلى ثوب أو ثوبين، أو رطل أو رطلين، ثم وجد الباقي لا يشبه، فأما ما هو قريب مما رأى فلا رد له، وكذلك القمح والتمر في بيت يكون أوله خيراً من داخله.
وأما التغيير القريب فلا حجة له، وأما الأمر الفاسد فليرد.
انتهى بمعناه.

ابن رشد: وهي مسالة صحيحة مبينة لما في المدونة وغيرها.
قال في المدونة: وإن خرج آخر الحنطة مخالفاً لأولها، لم يلزم المشتري من ذلك شيء وله رد الجميع إن كان الاختلاف كثيراً، وليس للمبتاع أن يقبل ما رضي بحصته من الثمن ويرد ما خرج مخالفاً إلا أن يرضى البائع، ولا البائع أن يلزمه ذلك إذا أبى المبتاع وكان الاختلاف كثيراً، وكذلك في جميع ما يوزن أو يكال.
عبد الحق: وإنما يلزم الباقي إذا وافق، بشرط ألا يكون الأول معيباًن لأنه يقول: ظننت أن الباقي سليم فاغتفرت العيب فيما رأيت أولاً.
وقوله: (إن كان الاختلاف كثيراً).
أبو الحسن: اختلف في حد الكثير، فقال أبو محمد: النصف، وقال أبو إسحاق: الثالث، وقال ابن يونس: الربع.
وقد ذكر ابن رشد أن وجود العيب بالطعام على خمسة أوجه، وقد ذكرت كلامه عند قول المصنف: وتلف بعضه أو استحقاقه كرده بعيب، فانظره.
والرؤية تتقدم بمدة لا يتغير فيها كافية أي: يجوز العقد على سلعة غائبة برؤية متقدمة إذا مضت مدة لا تتغير فيها إلى وقت العقد.
ومفهوم كلامه: أنه لو مضت مدة تتغير فيها لا يجوز العقد، وبذلك صرح ابن شاس، فقال: وأما البيع على رؤية متقدمة فيشترط في صحته ألا تطول مدة الرؤية طولاً يتوقع فيه تغير المبيع عادة.
وكذلك يفهم من كلام بعضهم.
وفي ابن يونس: وأن رأى عبداً منذ عشرين سنة ثم اشتراه على غير صفة.
قال: إذا طال ذلك وتقادم ما يتغير العبد في مثله فالبيع فاسد إلا بصفة مستقبلة.
وفي كتاب محمد: البيع جائز إذا علم البائع أن المشتري قد كان رآه، لأنه إنما باعه على تلك الصفة التي كان رآها.
زاد أبو محمد: ولا ينقده.
انتهى.

وفي اللخمي: وإن بعدت الرؤية بما يمكن أن تتغير فيه لم يجز بشرط النقد، وإن لم يشترط النقد جاز، وهو الذي يأتي على ما ينقله المصنف عن المدونة أنه يجوز الشراء من غير صفة.
والقول قول البائع في بقائه خلافاً لأشهب أي: إذا حصل العقد برؤية متقدمة، فلما رأى المشتري المبيع عند القبض زعم أنه تغير عن حالته الأولى على ما هو دون، فقال ابن القاسم: القول للبائع.
وقال أشهب: القول للمشتري، بناء على أن الأصل بقاء ما كان على حاله أو براءة ذمة المشتري من الثمن.
أما لو تنازعا في عين السلعة، فالقول للمشتري بالاتفاق مع يمينه، لأنه لم يرد نقض بيع في سلعة اتفقا على البيع فيها.
وقيد اللخمي الخلاف بأن يكون ما مضى من المدة يشكل الأمر، هل يتغير فيه أم لا؟ أما إن قرب ما بين الرؤيتين بحيث لا يتغير في مثله، فالقول البائع اتفاقاً، وكذلك العكس إذا بعد ما بينهما مما يقال أن المبيع يتغير فالقول للمشتري.
قال: وتسقط اليمين علن البائع حيث يقطع بكذب المشتري، كما إذا اشترى زيتاً أو قمحاً بالأمس، ويقول: اليوم قد تغير الزيت واحْمَرَّ وتسوس القمح.
ويشترط في لزوم بيع الغائب وصفه بما يختلف الثمن به، وفيها صريح في الجواز من غير صفة، وللمشتري خاصة الخيار، وأنكره بعضهم .... قوله: (ويشترط في لزوم) ظاهره أن الجواز لا يشترط فيه ذلك ويخير في أخذه وتركه، وهو معنى ما ذكره عن المدونة، فكان ينبغي أن يقول: ويشترط في جواز، ليكون ما في المدونة خلافاً.
والقول الأول نسبه في المدونة لبعض كبار أصحاب مالك.
وما في المدونة مقيد بما إذا انعقد البيع على أن [440/أ] المشتري بالخيار، وأما إن انعقد على الإلزام أو سكتا عن شرط الخيار فالبيع فاسد.

وكلام المصنف لا يقتضي أن ذلك من شرط الصحة، لاحتمال أن يكون قوله: (وللمشتري خاصة الخيار) من نتائج العقد لا أنه مشترط وليس كذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر ما في السلم من المدونة، أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع بالكلية.
وأنكر الأبهري، وابن القصار، وعبد الوهاب ما وقع في المدونة، وزعم بعضهم أن هذه المسألة إنما هي من كلام الحنفية، لأن أسد بن الفرات سألهم أولاً ثم أخذ بمذهب مالك، وأن أسد بن الفرات أبقاها في المدونة وهو باطل، لأن نسبة الوهم بغير دليل إلى أسد وسحنون لا يجوز.
المازري: وما في المدونة هو المعروف، ونقله اللخمي عن جل الأصحاب.
وقال في المقدمات: وفي المدونة في كتاب الغرر دليل على أنه لابد من الوصف، وهو الصحيح الذي يحتمله القياس.
وأن لا يكون بعيداً جداً كإفريقية من خراسان هذا شرط ثان لبيع الغائب، وهو معطوف على وصفه، أي: ويشترط في جواز بيع الغائب كونه غير بعيد جداً، لكثرة الغرر فيه.
ولا قريباً جداً تمكن رؤيته بلا مشقة على الأشهر هذا شرط ثالث، وهو شرط في الجواز كالثاني، لأن عدولهما عن الرؤية مع إمكانها إلى الصفة ضرب من الغرر.
وما ذكر أنه الأشهر هو مذهب الموازية، ومقابله مذهب العتبية، فقد أجاز فيها بيع ما في صندوق بين أيديهما على الصفة، وظاهر المدونة في خمسة مواضع.
ففي آخر السلم الثالث: وإن ابتعت من رجل رطل حديد بعينه في بيته ثم افترقتما قبل قبضه ووزنه جاز ذلك.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل