الأول: أن يطلق في طهر فلو طلقها في حيض كان مطلقاً للبدعة.
عبد الوهاب: وهو حرام بإجماع.
واختلف هل المنع في الحيض تعبداً أو لطول العدة عليها؟ وهو المشهور كما سيذكره المصنف، لأنه إذا طلقها في حيض لا تعتد به فيلغي بقية أيام الحيض.
القيد الثاني: أن لا يجامعها في ذلك الطهر، فإن جامعها ثم طلقها كان مطلقاً للبدعة، وليس ممنوعاً كطلاق الحيض.
فقد صرح في المدونة بكراهيته وفي الاستلحاق عن بعض الشيوخ: أنه محظور كالطلاق في الحيض، واختلف في وجه الكراهة، فقال عبد الوهاب: لأنه ليس عليها عدة، فلم تدر هل تعتد بالوضع أو بالإقراء؟ لأنه يندم إن خرجت حاملاً.
وقيل لخوف الندم خاصة إن خرجت حاملاً، وقيل: لتكون مستبرأة فيكون على يقين من نفيالحمل إن أتت بولد وأراد نفيه.
وضعف اللخمي الأول لعدم اللبس في العدة، وكذلك لأن العدة لا تفتقر إلى نية وهي تنتظر في المستقبل فإن رأت حيضاً بنت عليه، وإن ظهر حمل انتظرت الوضع.
القيد الثالث: أن يطلقها واحدة.
اللخمي: وإيقاع الاثنتين مكروه والثلاث ممنوع لقوله تعالى: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) [الطلاق: 1] أي: من الرغبة في المراجعة والندم على الفراق، ونقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على لزوم الثلاث في حق من أوقعها؛ لما خرجه ابن أبي شيبة أن ابن عباس أتاه رجل فقال له: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً فقال: إن عمك عصى الله.
فأندمه ولم يجعل له مخرجاً، وعن أنس أن عمر رضي الله عنه: كان إذا أتي له برجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد أوجعه ضرباً وفرق بينهما وقال عمران بن الحصين نحوه قال: ولا أعلم لهما مخالفاً من الصحابة.
وحكى في الإشراف عن بعض المبتدعة أنه إنما يلزم موقع الثلاث واحدة، وعن بعض الظاهرية أنه لا يلزمه شيء.
الباجي: وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق، وتعلقوا بحديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وسنين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فأمضاه عليهم.
وهو خبر صحيح رواه الأئمة، وطاوس إمام وابنه إمام، وقال بعضهم: هو وهم.
الباجي: وعندي أن الوهم وقع في التأويل، ومعناه عندي أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاثاً بدليل قوله: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.
وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة.
فإن حمل حديث طاوس على ما تأولناه فلا كلام، وإن كان على غير ذلك فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، وحكى التلمساني عندنا قولاً بأن إذا أوقع الثلاث في كلمة أنه إنما تلزمه واحدة؛ وذكر أنه في النوادر ولم أره، وشذ بعض المبتدعة أيضاً فقال بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض، وبذلك قال بعض البغداديين.
ويرده ما جاء في الصحيح في بعض طرق حديث ابن عمر لما طلق في الحيض قال: فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقها.
ذكره مسلم، وفي البخاري: [347/ ب] وحسبت علي تطليقة، لكن خرج أبو داوود عن ابن الزبير أنه سمع ابن عمر قال: فردها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئاً.
أبو داود: والأحاديث كلها على خلافه ولعل هؤلاء لاحظوا كون النهي يدل على الفساد.
القيد الرابع: أن تكون غير معتدة منه، يتحرز من أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يرتجعها فإن فعله فالأولى للسنة والأخيرتان للبدعة، وهذا مذهب المدونة وقال أشهب:
له أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يراجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية فلا يسعه ذلك لأنه تطويل للعدة عليها ويضر بها وهذا مقابل المشهور ورأى في المشهور أن ذلك بمنزلة من طلق ثلاثاً في دفعة ورأى أنه ليس في ذلك تطويل.
عياض: ولأشهب قول آخر أنه لا بأس إن ارتجع بنية الفراق ولا خلاف أنه لو ارتجع بنية البقاء ثم بدا له فطلق هكذا في كل طهر لما كره له الرجعة ولا الطلاق.
وَالْبِدْعِيُّ عَلَى خِلافِهِ
أي: فقد منه القيود، إما بأن يكون في حيض، أو في طهر مس فيه، أو أكثر من واحدة، أو طلقها وهي معتدة ويحسب ما فقد منه من القيود من الكثرة والقلة يبعد عن السنة ولا يمكن أن يفقد جميع القيود لأن أحد القيود أن يكون في حيض، والآخر أن يكون في طهر جامع فيه فلا يمكن اجتماعهما، ولا يلحق بالطهر المجامع فيه الحيض المجامع فيه لأنه الوطء في الطهر يكون عنه الحمل فيحصل اللبس، نعم يمكن أن يتكلف إلحاقه به إذا كان الجماع في أواخر الحيض كما يقال في كتاب الاستبراء.
فَلا بِدْعَةَ فِي الصَّغِيرةِ والْيَائِسَةِ والْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ إِلا فِي العدَدِ، وفِي الْمُمَيِّزَةِ قَوْلانِ ..
لأنهن لا حيض عليهن، والقولان في المستحاضة المميزة مبنيان على القولين في عدتها هل هي بالأقراء أو بالسنة؟ فعلى المشهور أنها تعتد بالأقراء فيكون طلاقها في الحيض بدعياً.
وعلى أنها تعتد بالسنة لا يكون بدعياً.
ونقل الباجي عن عبد الوهاب أنه قال: من جاز طلاقها في كل وقت كالصغيرة واليائسة لا يوصف بسنة ولا بدعة.
وعُلِّلَ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدِّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ مُعَلَّلِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ يَجُوزُ طَلاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا والْحَامِلِ فِي حَيْضِتهَما.
أما قوله: (وعُلِّلَ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدِّةِ) وقيل: غير معلل، وقد تقدم التنبيه عليه.
(وعَلَى الْمَشْهُورِ) أي التعليل.
(يَجُوزُ طَلاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا والْحَامِلِ فِي حَيْضِتهَما) إذ لا تطويل في حقهما لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، والحامل في عدتها بالحمل فلا أثر لحيضتهما، وما ذكرناه جار على المشهور هو في المدونة فقد نص فيها على طلاق غير المدخول بها والحامل متى شاء ونص ابن شعبان وأبو عمران على الجواز في الحامل ومنعه ابن القصار لما عورض بقول المخالف لو كانت الحامل تحيض لكان الطلاق فيه حراماً فقال: كذلك أقول.
ابن عبد السلام: وروي عن مالك أيضاً منع طلاق الحائض غير المدخول بها وعن أشهب كراهته فقط.
فرع:
فإن طلق من ولدت ولد وبقي في بطنها آخر، فقال أبو عمران: إن قلنا بطلاق الحامل حال الحيض لم يجبر على الرجعة.
تنبيهان:
الأول: ما ذكر المصنف من أن المشهور التعليل بتطويل العدة، قال اللخمي الظاهر من المذهب خلافه، وأنه غير معلل قال: ولو كانت العلة التطويل لجاز أن يطلقها في الحيض برضاها لأنه حق لها ويلزم أيضاً ألا يجبر على الرجعة إلا أن تقوم بحقها في التطويل، لأنه حق لأدمي فلا يقتضي به حتى يقوم به، ولا يجبر على الرجعة إذا طهرت لأن المدة لاتي كان فيها التطويل قد ذهبت.
الثاني: إنما تعرض المصنف لعلة المنع في الطلاق في الحيض دون سائر الطلاق لأن كتابه ليس موضوعاً لبيان التوجيه، وذكر الأسباب وإنما هو موضوع للأحكام فلذلك ذكر هذا لما يترتب عليه من الأحكام دون غيره.
والْخُلْعُ كَالطَّلاقِ، وقِيلَ: لا، لأَنَّهُ بِرِضَاهَا
قوله: (والْخُلْعُ كَالطَّلاقِ) أي فيمتنع وهو قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور، وقيل: ليس الخلع كالطلاق فيجوز وهذا القول هو الجاري على التعليل بتطويل العدة قال في الجواهر: واختلف في علة الجواز على هذا القول فقيل: لأن ذلك تطويل برضاها، وقيل: لأنه معلل بضرورة الافتداء، ويخرج على تحقيق العلة فرعان: جواز الطلاق برضاها وأن يكون عوض، واختلاع الأجنبي، وإلى هذين الفرعين أشار بقوله:
فَيَتَخْرَّجُ عَلَيْهِ جَوَازُ طَلاقِهَا فِي الْحَيْضِ بِرِضَاهَا، ومَنْعُهُ فِي اخْتِلاعِ الأَجْنَبِيِّ
تصوره ظاهر.
وَإِذَا وَقَعَ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثاً أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَةِ شَيْءُ، وقَالَ أَشْهَب: مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الثَّانِيَةِ ..
الأصل فيه ما خرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ، ثم قال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله عز وجل".
قال في الاستذكار: هكذا روى جماعة عن ابن عمر، وبه أخذ فقهاء الحجاز منهم مالك والشافعي [348/ أ] فقالوا: إذا طلقها أنه يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلق إن شاء.
ورواه جماعة عن ابن عمر وقالوا فيه مرة: فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلقها طاهراً قبل أن يمسها أو حاملاً، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأكثر العراقيين وللرواية الأولى أوجه حسان منها: أنه لما طلق في الوضع الذي نهي عنه لئلا تطول العدة أمر بالمراجعة
ليوقع الطلاق على سنته، فلو أبيح له أن يطلق إذا طهرت من تلك الحيضة كانت في معنى المطلقة قبل البناء، أو كانت تبني على عدتها الأولى فيتم مقصوده، فأمر بالوطء ليقطع حكم الطلاق الأول وإذا طلقها لم يكن طلاقها في ذلك الطهر لأنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يطلقها في طهر مسها فيه ومنها أن الطهر الثاني جعل للإصلاح الذي قال الله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) [البقرة: 228] لأن المرتجع لا يرتجع رجعة ضرر لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً) [البقرة: 231] فالطهر الأول فيه الإصلاح بالوطء فإذاً لم يجز له أن يطلق في ذلك الطهر.
ومنها: أن المراجعة لا تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح والمراجعة في الأغلب.
انتهى.
قوله: (ابْتِدَاءً) أي طلقها طلاقاً مبتدئاً في حيض أو نفاس أو حنث كما لو علق طلاقها على دخول الدار فدخلت وهي حائض أو نفساء أجبر على الرجعة لحديث ابن عمر وهو وإن ورد في الحيض فلا فرق بينه وبين النفاس كما في سائر الأحكام، والمشهور أنه يجبر ما بقي من العدة شيء معاقبة له ولا طلاق لقوله عليه الصلاة والسلام: "مره فليراجعها" وقال أشهب: يجبر على الرجعة ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر وهو معنى قوله: ما لم تطهر من الثانية، ووجهه: أن في هذه الحالة أباح النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها فلم يكن للإجبار معنى، وفهم من قول المصنف: (أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ) أن الإجبار مختص بالطلاق الرجعي وهو الصحيح.
وقال في المقدمات: كان أبو المطرف يفتي بالإجبار في طلاق الخلع، وكان شيوخ عصره يخطئونه في ذلك.
فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالأَدَبِ، فَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ
ابن القاسم وأشهب وابن المواز: يجبر عندنا بالضرب والسجن والتهديد، ويكون ذلك في مجلس واحدلأنه على معصية فإن أبى أجبره الحاكم عليه.
ابن راشد: وحكى الباجي في وثائقه قولين في سجنه أحدهما: أنه يسجن، والآخر: أن الحاكم يرتجع عليه ويتم القضاء.
وفي المقدمات عن ابن القاسم في العتبية: إن أبى حكم عليه بالرجعة قال: ولم يذكر سجناً ولا ضرباً قيل: وظاهره خلاف الأول، ووجهه: أنه إذا كانت الرجعة تحصل من الحاكم فلا معنى لجبره، ورأى في القول الآخر أن من شرط إلزام الحاكم له تحقق الإباية ولا يتحقق ذلك إلا بالسجن والضرب.
وَلَهُ وَطْؤُهَا بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا يَتَوَارَثَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ
قوله (بِذَلِكَ) أي بارتجاع الحاكم على الأصح والأصح قول أبي عمران وقاسه على المتزوج هازلاً، أنه يلزمه النكاح وله الوطء، قال في المقدمات: وهو الصحيح قياساً إلى من يجبر على النكاح من أب أو وصي أو سيد فيجوز للمتزوج الوطء إن غلب على ظنه النكاح، ومقابله لبعض أصحابنا البغداديين: أنه ليس له الوطء إلا أن يستمتع منها حال حيضتها بما فوق الإزار إذا لم يكن نوى الرجعة.
ابن عبد السلام: قال بعضهم: وعلى هذا إذا انقضت العدة ولا نية له في الرجعة فليس له وطئها ولا أن يبيت معها ومن يقول بهذا لا يبعد أن يخالف فيما احتج به المصنف من الميراث ومقتضى كلام المصنف أنه يوافق على الميراث وإلا لم يحسن الاستدلال بذلك.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ
دليله حديث ابن عمر المتقدم وقد تقدم وجه ذلك.
فَإِنْ طَلَّقَ فِي الطُّهْرِ الأَوَّلِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ أَوْ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَمْ يُجْبَرْ ..
يعني: أنه إذا طلق طلاق بدعة فلا يجبر إلا في الحيض فقط، لأن الجبر على خلاف الأصل فيقضي به على مورده فقوله: (لَمْ يُجْبَرْ) راجع إلى الجميع ولا يلزم من نفي الأمر وفي أصل المدونة: لم يؤمر.
واختصر أبو محمد المدونة على نفي الجبر.
وذكر عبد الوهاب قولاً بأمر من طلق في طهر مس فيه بالمراجعة من غير جبر.
عياض: وظاهر الكتاب خلافه، وحكى بعض المغاربة قولاً بالجبر فيما إذا طلق في طهر مس فيه.
قال في المدونة: ولا تطلق التي رأت القصة البيضاء حتى تغتسل بالماء فإن فعل لزمه ولا يجبر على الرجعة: وإن كانت مسافرة لا تجد ماء فتيممت فلا بأس أن يطلقها بعد التيمم لجواز الصلاة لها.
قال في النكت: قال بعض شيوخنا: وسواء صلت بالتيمم أو لم تصل به له طلاقها.
فقول المصنف: أو ما يقوم مقامه أي مقام الغسل وهو التيمم كما جاء في المدونة ويحتمل أن يكون الضمير في مقامه عائداً على الحيض، ويكون مراده النفاس لأنه يشاركالحيض في هذا وفهم من قول المصنف: (لَمْ يُجْبَرْ) منع الطلاق بعد الطهر وقبل الغسل وهو صحيح كما ذكرنا في المدونة.
وحكى ابن عبد السلام قولاً بجواز الطلاق إذا رأت القصة قال: وهو الظاهر إما على أن الطلاق منع في الحيض لتطويل العدة فلا تطويل هنا إلا قدر الاغتسال، وإما على التعبد فلانتفاء الحيض وتعذر القياس، فإن انقطع الدم فطلقها فعاودها الدم بالقرب فهل يجبر على [348/ ب] الرجعة؟ - وإليه ذهب أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمان؛ لأنه دم يضاف إلى الأول- أو لا يجبر؟
الباجي: وهو الأظهر عندي لأنه طلق في وقت يجوز له فيه الوطء ويجوز صومها وقد رأيت ذلك لبعض الصقليين انتهى.
ولأنه لم يقصد التطويل.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَنَّهَا حَائِضُ، وَلا تَكْشِفَ
يعني: إذا اختلفا فقالت: طلقتني وأنا حائض، فقال: بل وأنت طاهر، فلا تكشف بالاتفاق، قاله ابن عبد السلام.
واختلف هل تصدق عليه كما في عيوب الفرج ويجبر على الرجعة؟ وإليه ذهب ابن القاسم وسحنون.
أو لا تصدق عليه ويكون القول قوله؟ وهو أيضاً لابن القاسم ووجهه أنه أدعى حلالاً وادعت حراماً.
ابن عبد السلام: ابن المواز وهذا الخلاف إنما هو إذا تنازعا وترافعا إلى الحاكم حين الحيض، وأما لو كانت حينئذ طاهراً فالقول قوله، ونحوه للباجي، وذكر ابن راشد قول ابن المواز على أنه ثالث.
ابن يونس: ولو قيل تنظر إليها النساء بإدخال خرقة، ولا كشفة في ذلك ورأيته صواباً، ولأن ذلك حق للزوج كعيوب الفرج والحمل ولأنها تتهم على عقوبة الزوج بالارتجاع ولا ضرر عليها في الاختبار فوجب أن تختبر.
فرع:
قال محمد في النكاح الفاسد إذا كان مما يفرق فيه بعد الدخول ولا يحتاط فيه بالطلاق كنكاح المحرم فإنه يفسخ في الحيض لأن إقراره أعظم من الطلاق في الحيض.
محمد: ولا يطلق على المجنون والمجذوم والعنين ومن عدم النفقة في الحيض والنفاس.
اللخمي: وإن أخطأ الحاكم وطلق حينئذ لم يقع بخلاف الزوج نفسه، لأن الحاكم كالوكيل فلا ينفذ في غير ما وكل عليه ولأنه لو أجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثم يطلق عليه أخرى إذا ظهرت فتلزمه تطليقتان وفي هذا ضرر إلا على العنين فإنه يمضي عليه الطلاق لأن الطلاق بائن.
وعن مالك في التطليق على المولي في الحيض وتأخيره روايتان، وكلام اللخمي يقتضي أن الطلاق الذي يوقع على المجنون والمجذوم رجعي وهو قول التونسي وهو خلاف أصل المذهب، ففي المقدمات ذهب التونسي إلى أن تطليق الإمام على المجنون والمجذوم والأبرص إنما هي طلقة رجعية وأن الموارثة بينهما قائمة ما دامت في العدة ولو صحوا في العدة من دانهم كانت لهم الرجعة، وهو خلاف المعلوم من المذهب إن كان طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن، إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة فقال: فعلى قوله لو أخطأ الإمام فطلق على واحد منهم في الحيض يجبر على الرجعة إن صح فيها من دانه.
وَإِذَا قَالَ لِلْحَائِضِ: أَنْتِ طَالِقُ لِلسُّنَّةِ، طُلِّقَتْ مَكَانَهَا وَيُجْبَرُ عَلَى الرجعة لأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ مِثْل: إِذَا طَهُرَتْ ..
لأن قوله: (لِلسُّنَّةِ) بمنزلة قوله: أنت طالق إذا طهرت، والقاعدة أن من علق الطلاق على غالب تنجز في الحال كما سيأتي، وقوله: (وَيُجْبَرُ عَلَى الرجعة لأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ) ظاهر.
وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثلاثاً لِلسُّنَّةِ طُلِّقَتْ ثلاثاً مَكَانَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مثل: كلَّما طهرت ...
لأن قوله: (أَنْتِ طَالِقُ ثلاثاً لِلسُّنَّةِ) بمنزلة قوله: أنت طالق في كل طهر طلقة؛ فلما لزمه أن يطلقها في الطهر الأول طلقة، وفي الثانية أخرى، وفي الثالثة أخرى نجزت عليه الثلاث للقاعدة.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) لم يقع في كل النسخ وهو في الجواهر وهو ينبني على أصل وهو أنه: إذا علق الطلاق على آت، فهل ينجز؟ وإن لم يبن وقع في أجله، ولا يقدر واقع في أجله وهو المشهور وعليه يلزم الثلاث أو لا ينجز وإلا ما لو أتى زمنه كان واقعاً؛ وهو قول ابن الماجشون وسحنون وعليه فلا يلزمه إلا اثنتان لأن المرأة تحل للغير بدخولها في الحيضة الثالثة فلا يأتي الطهر الثالث إلا وهي بائنة، ولا فرق على المشهور بين أن تكون المرأة حال كلامه طاهراً أو حائضاً، صرح بذلك في المدونة وظاهر كلام ابن عبد السلام أن الشاذ أيضاً كذلك.
خليل: وفيه نظر؛ لأنه إذا قال لها وهي حائض: أنت طالق كلما طهرت؛ ينبغي أن يتفق على لزوم الثلاث لأنه يلزمه بالطهر الأول طلقة، وكذلك بالثاني وكذلك بالثالث لأنها لم تخرج من العدة إلى الآن لأن المرأة إذا طلقت في حيض أو نفاس لا تحل بالدخول في الحيضة الرابعة، ولم ينقل اللخمي وغيره قول سحنون إلا فيما إذا قال لها ذلك وهي طاهر.
فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَوَاحِدَةُ
هذا الفرع ذكره ابن سحنون عن أبيه.
ابن عبد السلام: والأقرب أنه أجراه على أصل ابن الماجشون لأنها لا عدة عليها فكأن الطلقتين أوقعهما على غير زوجة، وأما على أصل ابن القاسم فتلزمه الثلاث.
وَلَوْ قَالَ: خَيْرُ الطَّلاقِ وَشِبْهِهِ فَوَاحِدَةُ، وَشَرُّهُ ثَلاثاً
شبه (خَيْرُ الطَّلاقِ) أحسنه وأجمله وأفضله نص عليه في كتاب ابن سحنون.
وقوله: (وَشَرُّهُ ثَلاثاً) يريد بذلك أسوأه وأقبحه وأقذره وأنتنه وأبغضه نص عليه في كتاب ابن سحنون أيضاً.
وكذلك إن قال: أكثر الطلاق، وقالك بإثره عدداً أو لم يقل.
سحنون: وأكمل الطلاق عندي كأكثره قال: وإن قال: أنت طالق خلاف السنة أو على خلافها فهي واحدة إن لم تكن له نية، وكأنه قال أنت طالق إذا حضت أو في طهر وطئتك فيه.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يختلف فيه لأن من الطلاق البدعي الثلاث.
سحنون: من قال لامرأته: أنت طالق واحدة عظيمة أو كبيرة أو شديدة أو طويلة أو خبيثة أو منكرة أو مثل الجبل أو مثل القصر، أو أنت طالق إلى البصرة [349/ أ] أو إلى الصين فذلك كله سواء تلزمه واحدة، وله الرجعة إلا أن ينوي أكثر.
ابن عبد السلام: وهذا أبين على من يرى أن البينونة لا تحصل إلا مع العوض وأما من لا يشترط العوض فلا يبعد إلزامه هنا واحدة بائنة.
وَأَرْكَانُهُ أَهْلُ، وَمَحَلُّ، وقَصْدُ، ولَفْظُ
يعني: أن أركان الطلاق- أعم من أن يكون بعوض أو غيره- أربعة، ثم أخذ يتكلم على الأول، فالأول فقال:
الأَهْلُ مسلمُ مُكلَّفُ
مراده بالأهل موقع الطلاق.
فرع:
إذا طلق رجل زوجة الغير فأجازه زوجها فذلك طلاق، ويتصور على ذلك أن يطلق الرجل في ساعة واحدة خمس زوجات فأكثر نقله ابن راشد، وحاصله صحة طلاق الفضولي كالبيع، ثم أخذ المصنف يتكلم في ذكر من احترز منه فقال:
فَلا يَنْفذُ طَلاقُ الْكَافِرِ وإِنْ أَسْلَمَتْ وَكَانَت مَوْقُوفَة
أي: لا ينفذ طلاق الكافر زوجته الكافرة، واختلف إذا تحاكموا إلينا على أربعة أقوال قد تقدمت في أنكحة المشركين، وما ذكره في نفوذ طلاق الكافر هو المشهور.
اللخمي: وقال المغيرة: يلزمه الطلاق ويحكم عليه به الآن، وإن أسلم بعد ذلك احتسب.
وقوله: (وإِنْ أَسْلَمَتْ) مبالغة، يعني أنه لا ينفذ طلاق الكافر ولو أسلمت زوجته وطلقها في العدة، وإذا أسلم قبل انقضائها كان أحق بها كما يطلق وإنما بالغ بهذه الصورة لأنه قد يتوهم فيها اللزوم لكونه حكماً بين مسلم وكافر، وما ذكره نص عليه في المدونة وغيرها، وتأول ذلك اللخمي على أن المرأة لم تقم بحقها قال: وإن قامت حكم لها بما أوقع عليها من واحدة أو ثلاث، وإن طلقها ثلاثاً كان لها أن تمنعه من الرجعة لأن الطلاق يتضمن حقاً لله- تعالى- وحقاً لها فلا يسقط حق الله تعالى بإسقاطها حقها، قال: ويحكم عليه بذلك لأنه حكم بين مسلم وكافر.
ابن راشد: وفي كلامه نظر، وقد نص ابن القاسم على أنه لا يلزمه، وإذا لم يلزمه لم يكن لها القيام.
خليل: ولأنه يلزم ألا يجوز البقاء على الزوجية إن لم تقم بحق الله تعالى.
وَلا الصَّبيِّ، ولا الْمَجْنُونِ.
لانتفاء التكليف عن كل واحد منهما، والمشهور عدم لزوم الطلاق للمراهق، وفي كتاب ابن شعبان في من ناهز البلوغ إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها يفرق بينهما.
قوله: (الْمَجْنُونِ) أي في حال جنونه، وأما لو أفاق وطلق في حال إفاقته لزمه قال في المدونة، وألحق مالك في الموازية بالجنون المريض يهذي فيطلق في هذيانه، ولو طلق وقد ذهب عقله من المرض فأنكر ذلك وقال: لم أعقل، حلف ولا شيء عليه، قاله مالك في الموازية، وكذلك عنه في العتبية إلا أنه قال: ثم إن صح فأنكر وزعم أنه لم يكن يعقل.
ونص اللخمي وغيره على عدم لزوم طلاق المعتوه.
بِخِلافِ السَّكْرَانِ، وقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُطْبَقُ بِهِ كَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقاً إِلا فِي الصَّلاةِ
(بِخِلافِ السَّكْرَانِ) أي فإن طلاقه لازم، ثم قال في الجواهر: وأما السكران بخمر أو نبيذ فالمشهور نفوذ طلاقه، قاله المازري وقد رويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق.
ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المختلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب قال: وأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا اختلاف أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى- إلا فيما ذهب وقتته من الصلوات، فقيل أنها لا تسقط عنه، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها.
انتهى.
ابن عبد السلام: ويظهر من كلام غير واحد من الشيوخ أن الصلاة يقضيها السكران سواء كان مطبقاً أم لا، وأنه لا يختلف في ذلك، وتحصيل القول في السكران أن المشهور تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود، ولا تلزمه الإقرارات والعقود، قال في البيان وهو قول مالك وعامة أصحابه وأظهر الأقوال اللخمي.
وذكر أبو الفرج أنه لا يجوز طلاقه، فعلى هذا لا يجوز عتقه ولا يحد إذا زنا أو افترى ولا يقطع إن سرق ولا يقتل إن قتل، وقال ابن نافع: يجوز عليه كل ما فعل من بيع أو غيره، يريد: النكاح والهبات وغيرها.
وروى ابن نافع وأشهب عن مالك أنه قال: إن استوقن أنه سكران لم يجز بيعه وأخاف أنه إن ربح قال: كنت صحيحاً، وإن خسر قال: كنت سكراناً قيل له: أترى نكاحه مثل ذلك؟ قال: نعم.
ومن يعلم أنه سكران يقتل هذا ويقع في الحدود ويسرق متاع هذا ويقول: إني سكران لا أدري ما هذا؟ فوقف في الجواب لإمكان أن يكون السكر لم يستغرقه، وأرى إ ذا صح اختلاطه أن يجري في جميع أحكامه كالمجنون.
انتهى.
وقال الباجي: ولم يختلف أصحابنا في أن الحدود والطلاق تلزمه وفيه نظر كما تقدم، وظاهر كلام اللخمي أن الخلاف في السكران مطلقاً سواء كان معه ميز أم لا، وكذلك حكى ابن راشد عن المازري أنه قال: المشهور لزوم طلاقه والشاذ عدم لزومه؛ ولم يفصل.
وقال ابن بشير: إن كان في حال تمييز لزمه الطلاق بالاتفاق، وإن كان مغموراً فالمشهور اللزوم ونقل بعضهم ذلك عن ابن شعبان وعياض وهذه عكس طريقة ابن رشد، [349/ ب] ويتحصل في المسألة ثلاث طرق، وإذا فرعنا على المشهور من عدم إلزامه بالنكاح، ففي البيان اختلف إذا قالت البينة أنها رأت منه اختلاطاً ولم تثبت الشهادة بسكره، على قولين: أحدهما- وهو المشهور-: أنه يحلف ولا يلزمه النكاح، وروى ذلك زياد عن مالك وقاله في المبسوط.
والقول الثاني: أنه لا يصدق ولا يمكن من اليمين ويلزمه النكاح، وهو دليل قوله في رواية أشهب عنه، وكيف يعلم ذلك؟ وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحاً، وإن خسر قال: كنت سكراناً إلى آخر قوله.
انتهى.
ففهم منه اللزوم خلاف ما تقدم للخمي، وحمل في البيان قول مالك: لا رأى نكاح السكران جائزاً، وقال سحنون: لا يجوز بيعه ونكاحه وهباته وصدقاته وعطياته، على معنى أنه لا يلزم ذلك وله أن يرجع عنه قال: ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب مالك أنه غير منعقد، وإنما يقال أنه غير لازم انتهى.
وكلام ابن شعبان يدل على أن عقوده غير منعقدة لأنه جعل بيعه من الغرر ونص اللخمي على أنه لا فرق بين أن يسكر بخمر أو غيرها، قال: ولا يجوز أن يشرب شيئاً يصده عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
وفي شرح البخاري لابن بطال: من سكر بلبن أو طعام حلال أو دواء فقذف غيره فمحمله محمل المجنون والمغمى عليه، وقد بلغني عن ابن الفخار الفقيه أنه كان يقول: من شرب من لبن أو طعام حلال أنه لا يلزمه طلاق إن طلق في حال ذلك.
وحكى الطحاوي أنه إجماع الفقهاء، وقال أصبغ: إن شرب سيكراناً ولم يعلم به فلا شيء عليه، وكذلك إن علم به وشرب تداوياً.
ابن بشير: وإن شربه تعدياً فيه نظر هل يكون كالخمر نظراً إلى عدواه أو لا؟ لأن النفوس لا تدعو إليه بخلاف الخمر.
سحنون في العتبية: وإذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا لقوم فإن ذلك لا يجوز على حال.
قال: وإذا بت عتق عبيده في مرضه جاز ذلك عليه لأنه لو صح مضى وهو بحال عتقه في صحته، فكل ما أعتق السكران مما له فيه الرجوع مثل الوصية فلا يجوز وكل ما أعتق مما ليس له فيه الرجوع فذلك جائز عليه، ثم رجع سحنون بالعشي في وصية السكران فقال: أرى وصيته جائزة مما أوصى به من عتق أو غيره ولا يكون أسوأ حالاً من الصبي والسفيه فإن وصيتهما جائزة.
قال في البيان: وقول سحنون الأول أن وصية السكران لا تجوز غلط ولهذا أسرع في الرجوع عنه، وكذلك تفرقته فيه بين ما مثل في مرضه من العتق وغيره إن مات في مرضه غلط، والصحيح على ما ذهب مالك إن مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية وإن صح من مرضه نفذ عليه العتق ولزمه وكان له الرجوع فيما بث له من الهبة والصدقة من أجل السكر.
واعلم أن اصطلاحه في الجواهر إذا أراد الباجي قال: القاضي أبو الوليد، وإن أراد ابن رشد قال: الشيخ أبو الوليد فقوله هنا: ونزل الشيخ أبو الوليد على هذا، فهو ابن رشد
وقد التبس هذا على المصنف فقال في مواضع: قال في الجواهر قال الشيخ أبو الوليد قال الباجي، أولها هذا الموضع.
ثانيها: قوله في القراض، قال الباجي: لو قامت بينة لم تبع.
ثالثها: قوله في آخر المزارعة، وقال الباجي في الفاسدة ستة أقوال.
رابعها: قوله في الوقف، قال الباجي: وأخطأ ابن زرب.
خامسها: قوله في الأقضية، وقال الباجي: العالم من الثالث.
سادسها: قوله في الشهادات، وصوبه الباجي إلا في الأحباس ونحوها.
سابعها: قوله بأثر هذا الموضع، وقال الباجي: فلا ينبغي أن يختلف فيه لما قد تساهل الناس.
ابن عبد السلام: ولو عكس ابن شاس ما وصف به كل واحد من الشيخين لكان أولى لأن ابن رشد ولي قضاء قرطبة شبيهاً بالمكره، ولم يزل يسعى في العزل حتى عزل.
والباجي إنما ولي قضاء أوريولة وليس لها قدر قرطبة، غير أن بعضهم حكى أن الباجي ولي قضاء حلب في رحلته.
انتهى.
ولا يقال لا اعتراض على المصنف في هذا الموضع لأن الباجي أيضاً نص على أن السكران المطبق لا يختلف في عدم اللزوم، ولعل المصنف لم يتبع ابن شاس ويكون إنما اعتمد على الباجي لأنا نقول قوله: (إلا في الصلاة يرده) لأن الباجي لم يتكلم على الصلاة وإنما تكلم عليها ابن رشد.
والله أعلم.
وَطَلاقُ الْمَرِيضِ وإِقْرَارُهُ بِهِ كَالصَّحِيحِ فِي: أَحْكَامِهِ، وتَنْصِيفِ صَدَاقِهِ، وعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وسُقُوطِهَا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِلا أَنَّهُ لا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا هِيَ خَاصَّةً إِنْ كَانَ مَخُوفاً قَضَى بِهِ عُثْمَانُ لامْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
لما ذكر من يلزمه الطلاق ومن لا يلزمه، وكان المريض يترتب على طلاقه بعض الأحكام دون بعض أشكل بسبب ذلك كونه أهلاً للطلاق، وأخذ يذكر حكمه وبين أن
طلاق المريض سواء أنشأه في المرض أو أقر أنه فعله في الصحة كطلاق الصحيح في أحكامه، وعطف المصنف تنصيف الصداق وسقوط العدة عن غير المدخول بها على قوله: (كَالصَّحِيحِ فِي: أَحْكَامِهِ)، من باب عطف الخاص على العام وحسن ذلك إما لأن قوله: (فِي أَحْكَامِهِ) قد يتوهم أنه أراد بالأحكام ما قدمه من طلاق السنة والبدع’، وإما للتنبيه على الخلاف فيهما، أما عدم تكميل الصداق فالخلاف فيه خارج المذهب لأنه روي عن الحسن البصري [350/ أ] أن لها الصداق كاملاً وأما سقوط العدة عن غير المدخول بها فهو المعروف في المذهب، وحكى أبو عبيد عن مالك أن عليها العدة.
ابن عبد السلام: ويلزم مذهب الحسن البصري.
وقوله: (إِلا أَنَّهُ .. إلى آخره) بيان لما يخالف فيه طلاق المريض طلاق الصحيح، يعني أن المريض الذي طلق زوجته أو أقر بطلاقها لا ينقطع بذلك ميراثها منه، بل ترثه إن مات من مرضه ذلك لأنه لما اتهم على حرمانها من الميراث عوقب بنقيض قصده، وإن ماتت هي قبله لم يرثها، وأخذ عدم إرثه منها من قول المصنف: خاصة، وترثه سواء كان طلاقه بائناً أو رجعياً، ثلاثاً أو واحدة، انقضت عدتها أم لا.
قوله: (إِنْ كَانَ مَخُوفاً) ابن عبد السلام: ولا خلاف في اشتراطه عند من أثبت لها الميراث واستدل على وجوب إرثها بقضاء عثمان لامرأة عبد الرحمن، وهو في الموطأ: وهو أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان ابن عفان منه بعد انقضاء عدتها وفي الموطأ أيضاً: أن عثمان ورث نساء ابن مكمل منه، وكان طلقهن وهو مريض وبذلك قال عمر وعلي وعائشة.
قال في الاستذكار: ولا أعلم لها مخالفاً من الصحابة إلا عبد الله بن الزبير.
وَلَوْ كَانَ بِخُلْعِ أَوْ تَخْبِيرِ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ إِيلاءٍ أَوْ لِعَانٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِخِلافِ الرِّدَّةِ
يعني: أن لها الميراث ولو كان لها في الطلاق تسبب، كما لو بذلت مالاً حتى طلقها.
محمد: ولها الميراث في ماله، وفيما اختلعت به، وكما لو خيرها أو ملكها فاختارت الفراق.
أو كانت الفرقة بينهما بلعان.
ونبه المصنف باللعان على أنه لا فرق بين أن يكون فراقه بطلاق أم لا، فإن فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق، وهذا هو مذهب المدونة المعروف.
وفي الجواهر قول آخر بعدم الميراث في هذه الصورة لعدم التهمة فيها لأن الفراق وإن كان ابتداؤه منه لم يستقل به وإنما تممته هي أو غيرها وهذا مقابل المعروف.
فرع:
ابن محرز وغيره: وإذا لاعن في المرض انتفى الولد لأن الأنساب لا تهمة فيها، ألا ترى أنه لو استلحق ولداً في مرضه ألحق به ولم يتهم، فكذلك إذا نفاه.
وقوله: (بِخِلافِ الرِّدَّةِ) نحوه في المدونة ففيها: وارتد في مرضه فقتل على ردته لم يرثه ورثته المسلمون ولا ترثه زوجته، إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث.
يريد: وكذلك لو مات على كفره قبل رجوعه إلى الإسلام، وقد يقال: إذا أوجبتم الميراث في اللعان مع كونه فسخاً فلأن توجبوه في الردة مع كون الفرقة فيها طلاقاً على الأشهر من باب الأولى، لأن الفسخ أولى في حل العصمة، وجوابه لما كان اللعان خاصاً بالزوجة اتهم، بخلاف الارتداد فإنه لا تهمة فيه لأنه يمنع سائر الورثة من الميراث.
اللخمي: ولو عاد للإسلام ثم مات بقرب ذلك ورثه ورثته المسلمون دون زوجته على مذهب ابن القاسم، لأن الردة عنده طلاق بائن، والإسلام ليس مراجعة وترثه على مذهب أشهب وعبد الملك لأنهما يريان إذا عاد إلى الإسلام أنها تعود زوجته على الأصل من غير طلاق.
انتهى.
وقيل: لا يرثه ورثته على قول عبد الملك.
ابن عبد السلام: وألحق الشيخ أبو إسحاق بالردة ما إذا طلق عليه في المرض بسبب جنون أو جذام أو لعان أو لنشوز منها في المرض.
وفي الباجي: أن المطلقة لنشوز منها كالمخالعة والملاعنة في أن حكم الميراث باق خلافاً لأبي حنيفة ولم يذكر في ذلك خلافاً.
وَلِذَلِكَ حُكِمَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهَا وعَلَيْهَا، وقَتلُهَا إِيَّاهُ كَحُكْمِ الْوَارِثِ
أي: ولأجل أن المطلقة في المرض وارثة (حُكِمَ) لها في الوصية إذا أوصى لأجنبي بزائد عن الثلث، ولوارث غيرها ولو بدون الثلث وقف على إذنها.
(وعَلَيْهَا) أي: إذا أوصى لها بشيء بطل لأنها وراثة، وإذا قتلته خطأ ورثت من المال دون الدية، وعمداً لم ترث منهما، كما في الوارث، وكلام المصنف هنا ظاهر منصوص في المدونة وغيرها.
وفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّلاق مِنْ سَبَبِهِ، وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ، وكَمَا لَوْ أَحْنَثَتْهُ، هِي أَوْ غَيْرُهَا أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتْ بَعْدَ الطَّلاق ...
يعني: هل يشترط في الطلاق الذي لا يقطع الميراث أن يكون من سببه؟ لم يشترط ذلك في المدونة لقوله فيها: وإن قال لها في صحته إن قدم فلان أو قال: إن دخلت بيتاً فأنت طالق، فقدم فلان أو دخلت في مرضه لزمه الطلاق وورثته.
الباجي: وهو المشهور، وروى ابن زياد بن جعفر عن مالك: أنه لا إرث لها، لعدم التهمة بالكلية، ورأى المشهور ربط الحكم بالمظنة، ألا ترى أن عبد الرحمن رضي الله عنه أنزهه الله عن أن يقصد منعها من الميراث.
وإنما الحكم إذا ثبت بعلة غالبة اكتفى بغلبتها عن تتبعها في أحد الصور، وهذا في الشريعة كثير لمن تأمله لا سيما على مذهبنا بسد
الذراع، ولأنه قد يبدي لها ما يحملها على الدخول، وخرج اللخمي على رواية زياد عدم الإرث في الخلع، وفصل المغيرة في مسألة الحالف فقال: إذا حلف ليقضين فلان حقه، فمرض الحالف ثم حنث في مرضه ومات إن كان بين الملأ فلم يقضه فامرأته ترثه، وإن كان عديماً فطرأ له مال لم يعلم به حتى مات فقد حنث ولا ترثه.
سحنون: ولا أعرف هذا ولا أراه وقد قال أصحابنا: إنها ترثه بكل حال.
قوله: (وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ .. إلى آخره)، أي [350/ ب] لو تزوج كتابية أو أمة وطلقها طلاقاً بائناً وهو مريض ثم أسلمت النصرانية وعتقت الأمة ثم مات من مرضه ذلك، ففي ذلك أيضاً قولان، وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية أنهما ترثانه وبه قال محمد، وقال سحنون: لا ترثانه ولا يتهم في ذلك، قال: وكذلك لو طلقها البتة إلا أن يطلقها واحدة ويموت في العدة بعد أن أسلمت هذه وعتقت هذه فترثانه.
وعلل أصبغ ما رواه عن ابن القاسم بأنه يتهم أن يمنعها الميراث لما خشي أن تسلم امرأته أو تعتق.
والقولان في هذا الفرع يشبهان القولين في تزويج المريض أمة أو نصرانية، وفي كلام المصنف لف ونشر؛ لأن قوله: (كَمَا لَوْ أَحْنَثَتْهُ)، راجع إلى قوله: (وفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّلاق مِنْ سَبَبِهِ) وقوله: (أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتْ) راجع إلى قوله: (وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ).
ثُمَّ لا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ بَلْ وَلَوْ تَزَوَّجَتْ جَمَاعَةً وَطُلِّقَتْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَرِثَتْ مَنْ مَاتَ وَلَوِ الْجَمِيعَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَزِّوَجَةً ..
هكذا في المدونة، وأخذ اللخمي منه أنها ترث في المرض الطويل لأنها تحتاج للعدة من كل شخص، وهو قول عبد الوهاب، وخالف ابن الماجشون في الأمراض المتطاولة
كالسل والربع والطيحال والبواسير ورأى أنها تجري بعد تطاولها مجرى الصحة، وإن كان الموت قبل المطاولة ورثته زوجته وكان فعله في ثلثه.
اللخمي: وهو أحسن.
ورد عياض ما أخذه اللخمي من المدونة بأنه قد يتفق هذا في المدة القريبة بأن يكون جميعهم لم يدخل بها، واتفق مرض كل منهم إثر نكاحه، أو تفترق حالاتهم بأن يكون الأول طلقها حاملاً فولدت للغد ثم تزوجها آخر فمرض بعد العقد في القرب.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ مُتَزِّوَجَةً) يعني أنها ترث من طلقها في المرض ولو كانت تحت زوج آخر.
ويَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا بِصِحَّةِ بَيِّنَةٍ فَيَقْدِرُ كَأَنَّهُ طَلَّقَ صَحِيحاً
لأن المقتضي للإرث مرضه المخوف فإذا وجدت الصحة ارتفع الميراث لارتفاع سببه، وهذا كما لو أعتق المديان فإن للغرماء رد العتق إلى أن يحصل له مال قدر دينه فينفذ عتقه ويقدر كأنه أوقعه ملياً.
فَلَوْ صَحَّ ثُمَّ مَرِضَ فَطَلَّقَهَا ثَانِياً فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عِدَّةِ الأُولَى وَرِثَتْهُ، وإِلا لَمْ تَرِثْهُ
يعني: إذا طلقها في المرض طلاقاً رجعياً ثم صح من مرضه فلم يرتجعها حتى مرض وهيفي العدة فطلقها طلقة ثانية فالحكم إن مات قبل انقضاء العدة من الطلقة الأولى ورثته؛ لأن الطلاق في الصحة لا يمنع الميراث إن مات المطلق في العدة؛ فأحرى الطلاق في المرض.
وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه لأن ميراثها قد انقطع بسبب الصحة الكائنة بعد الطلاق ولا عبرة بالطلقة الثانية لأنها لا تستأنف العدة من يومها وإنما تحتسب من الطلقة الأولى- إن كان قول المصنف: (قَبْلَ عِدَّةِ الأُولَى) قد يوهم أن ثم عدة أخرى- أما لو راجعها انفسخت العدة ثم إن طلقها بعد ذلك في المرض فلها حكم المطلقة في المرض.
وَلَوْ صَحَّ فَأَبَانَهَا لَمْ تَرِثْهُ.
يعني: ولو طلقها في المرض ثم صح فأبانها لا ترثه، وسواء كان ارتجاعها أم لا، وهو ظاهر وهو مما يبين أن مراده في الفرع الذي قبل هذا أن الطلقتين كانتا رجعيتين.
وَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ صِحَّتِهِ، فَالْمَنْصُوصُ كَمَنْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ يُفْسَخُ، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَيصِحُّ مُطْلَقاً ..
(الْمَنْصُوصُ) مذهب المدونة ففيها: وإن طلق مريض زوجته قبل البناء ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه.
وقوله: (كمن نكح في المرض) يدل على أنه يفسخ بعد البناء، والقول بفسخه قبل البناء لسحنون، ورأى أن فساد هذا النكاح إنما هو لصداقه فكان كالمتزوج بغرر ونحوه، وما كان كذلك يثبت بعد البناء على المشهور، ووجه سحنون الغرر هنا بأن صداق المنكوحة في المرض إنما هو في الثلث، ولا يدري ما حمل الثلث.
قال: وليس هو كنكاح المريض لأن الموجب للفساد في نكاح المريض زيادة الوارث، وهذه المطلقة قد يثبت لها الميراث، ورده بعض القرويين بالتفرقة بين هذا والنكاح بالغرر؛ فإن الغرر إذا بنى فيه وجب صداق المثل لا ينقص منه، وهذا من الثلث ولا يدري ما حمل الثلث منه.
ابن يونس: إلا أن يكون له مال مأمون يكون ثلثه أضعاف صداقها فيصح قول سحنون.
أبو عمران: ولو حمل أجنبي على الزوج فلا يفسخ النكاح لأن الصداق قد ثبت للمرأة في مال الأجنبي والميراث ثبت بالنكاح الأول ولو كان ذلك على وجه الحمالة، فهي كمسألة الكتاب لأن الأجنبي إنما يطالب بالصداق في عدم الزوج وهو إنما يقوى على قول سحنون، وأما على مذهب المدونة، ففيه نظر لأن ظاهر المدونة أن فساده لعقد وقد تبين لك أن قوله: (وقِيلَ) هو قول سحنون وهو مقابل المنصوص، وسحنون وإن كان إنما قاله على وجه التقييد، لكن كلام ابن يونس وعياض وغيرهما يدل على أنه ليس بتقييد.
فرع: قال الباجي: لو مات فشهد الشهود أنه كان طلقها البتة في صحته فقد جعله ابن القاسم كالمطلق في المرض، لأن الطلاق إنما يقع بعد الحكم ولو لم يقع بعد الحكم لكان فيه الحد إذا أقر بالوطء وأنكر الطلاق، وهذا الذي علل به الباجي في المدونة نحوه، لأن فيها: في من [351/ أ] طلق امرأته في السفر وأشهد على ذلك، ثم قدم الشهود فشهدوا عليه ثم أنكر أن يكون أشهدهم وأقر بالوطء أنه يفرق بينهما ولا شيء عليه.
واستشكل الشيوخ سقوط الحد، واختلفوا في الجواب عن ذلك، فقال الأبهري: ولم ير عليه الحد لأنهما على حكم الزوجية حتى يحكم الحاكم بالفراق.
ابن المواز: لأنها تعتد من يوم يحكم بالفراق.
وقال المازري: لم ير عليه الحد لأنه كالمقر بالزنا الراجع عنه.
وقيل لم ير عليه الحد لأنه جوز عليه أن يكون نسي ولم يرتض سحنون شيئاً من هذه الوجوه وأوجب الحد إذا شهد عليه أربعة بالطلاق ثم أقر بالوطء.
عياض: وظاهر الكتاب أنها تعتد من يوم الحكم، وهو دليل قوله: (لا حد عليه).
ويشهد لما في المدونة الأمة يعتقها في السفر، وتشهد بينة بذلك ثم يقدم فيطأها ويستغلها، فقد اتفق على أنه لا حد عليه واختلف في رد العلة.
المحَلُّ: شَرْطُهُ مِلْكِيَّةُ الزَّوْجِ قَبْلَهُ تَحْقِيقاً أَوْ تَعْلِيقاً، فَلَوْ قَالَ لأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ بَائِنٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقُ فَنَكَحَهَا فَدَخَلَتِ الدَّارَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ: إِنْ نَكَحْتُكِ فَلَوْ قَالَ: إِنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ؛ فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ، وتُطلَّقُ عَقِيبَهُ، ويَثْبُتُ نِصْفُ الصَّدَاقِ فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِنْثِ ولَمْ يَعْلَمْ، وقِيلَ: صَدَاقُ ونِصْفُ ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ والْمَخْزُومِيُّ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ، وكَانَ أَبُو الْمَخْزُومِيِّ حَلَفَ بِهِ عَلَى أُمِّهِ ..
هذا هو الركن الثاني، والمراد بـ (المحَلُّ) هو الزوجة، والضمير في (شَرْطُهُ) عائد على
المحل ويحتمل على بُعْد أن يعود على الطَّلاق المفهوم من الكلام، والضمير في (قَبْلَهُ) عائد على الطَّلاق.
والتحقيق أن يكون مالكاً للعصمة قبل إنشاء الطلاق، والتعليق أن يطلق امرأته على تقدير نكاحه لها.
فلأجل هذا الشرط لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا شيء عليه لعدم ملك عصمتها تحقيقاً أو تعليقاً، إلا أن ينوي إن تزوجتك، فيلزمه لأنه قد ملك عصمتها تعليقاً.
وفي قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ) دليل على أن الشرط يصح أن يلتزم قصداً دون لفظ.
وقوله: (فَلَوْ قَالَ: إِنْ تزوجتك فَأَنْتِ طَالِقُ؛ فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ) هو مستفاد مما قبله، وإنما أعاده لإفادة الشاذ وليفرع على المشهور؛ يعني أن المشهور لزوم الطلاق المعلق.
وروى ابن وهب والمخزومي عن مالك: أنه لا يلزمه، وبه قال ابن وهب ومحمد بن عبد الحكم.
ابن بشير: ولم أر أحداً من أشياخي إلا ويختار هذا القول، وبعضهم يصرح بالفتوى، وبعضهم يقف كراهة مخالفة المشهور والمشهور يحكي في الموطأ عن عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وسالم والقاسم وابن شهاب، والشاذ قول الشافعي وجماعة.
قال في الاستذكار: وروي على نحو هذا القول أحاديث، إلا أنها عند أهل الحديث معلولة ومنهم من يصحح بعضها.
قال: وأحسنها ما خرج قاسم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق إلا من بعد نكاح أنثى" وروى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا طلاق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك ولا وفاء بنذر فيما لا تملك" البخاري: وهو أصح شيء في الطلاق قبل النكاح.
وأجيب عنهما بأنا تقول بموجبهما لأن الذي دل عليه الحديثان إنما هو انتفاء وقوع الطلاق قبل النكاح، ونحن نقول به.
ومحل النزاع إنما هو التزام الطلاق ثم فرع المصنف على المشهور بقوله: (وتُطلَّقُ عَقِيبَهُ) أي ولا يفتقر إلى حكم.
(ويَثْبُتُ نِصْفُ الصَّدَاقِ) لأنه طلاق قبل البناء والمذهب أنه يباح له زواجها، وبعض الفقهاء يمنعه، لأن ما لا يترتب عليه مقصده لا يشرع، وجوابه أن فائدته تحصل فيما بعد ذلك لأنها إذا طلقت عليه الآن ثم تزوجها لم يلزمه شيء، إلا أن يكون لفظه مقتضياً للتكرار، وإن بنى فالمشهور أنه يلزمه المسمى فقط، إن كان هناك مسمى وإلا فصداق المثل.
وقوله: (كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِنْثِ ولَمْ يَعْلَمْ) أي فليس عليه إلا صداق واحد، وقيل: صداق ونصف.
ابن عبد السلام: هو قول ابن نافع، وظاهره أنه أوجب لها صداقاً كاملاً من نسبة النصف والقياس أنه يجب لها نصف المسمى ثم يلزمه الأكثر من صداق المثل أو المسمى لأنه إذا كان صداق المثل أكثر فقد قدم على وطء فاسد فيجب عليه قيمته، وإن كان المسمى أكثر فيلزمه لأنه أقدم على الوطء راضياً بالمسمى، وألزم ابن المواز هذا القائل أن يقول في كل وطأة مهراً.
فرع:
لو أتى في لفظه بما يقتضي التكرار، فقال قبل النكاح: كلما تزوجت فلانة فهي طالق، فظاهر كلام ابن المواز أنه يلزمه نصف الصداق ولو بعد ثلاث تطليقات.
وقال التونسي وعبد الحميد وغيرهما: الصواب أن لا شيء عليه بعد الثلاث قوله: (وأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ) أي بالشاذ، ونص ما نقله أبو محمد في هذه الرواية وروى أبو زيد عن ابن القاسم في رجل تزوج امرأة حلف بطلاقها إن تزوجها، هل يفسخ نكاحه؟ فكتب إليه: لا يفسخ، وقد أجازه ابن المسيب، ولا يؤخذ من كلام المصنف أن فتوى ابن القاسم إنما هي بعد الفسخ لاحتمال أن يحمل كلامه على أنه أفتى بالجواز ابتداءً، وليس
[351/ ب] ما رواه ابن وهب كما أفتى به ابن القاسم ويتبين لك ذلك بكلام الباجي فإنه قال: وقد روى ابن وهب عن مالك أنه أفتى رجلاً حلف إن تزوج فلانة فهي طالق أنه لا شيء عليه إن تزوجها ثم قال: وليست هذه الرواية بالمشهورة، والمشهور رواية أبي زيد عن ابن القاسم أنه لا يفسخ إن وقع.
وقد صرح غيره أيضاً بأن قول ابن القاسم مخالفاً لرواية ابن وهب وأن في المسألة ثلاثة أقوال.
وفي البيان: المشهور أنه يفسخ وإن دخل ولا يراعى الاختلاف في هذه، ومراعاته شذوذ في المذهب وإنما الاختلاف المشهور المراعى في الميراث والطلاق والعدة، فقيل: أنهما لا يتوارثان إن مات أحدهما قبل أن يعثر عليه، وإن كان هو الميت لم تلزمها عدة إلا أن يدخل فتعتد بثلاث حيض وهو قول مالك في الموازية واختيار ابن القاسم في سماع عيسى ودليل المدونة على هذا لا يكون الفسخ طلاقاً ولا يلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه.
وقيل: إنهما يتوارثان إن مات أحدهما قبل الفسخ ويلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه، وإن مات هو اعتدت أربعة أشهر وعشراً، ويكون الفسخ فيه طلاقاً ويكون لها نصف الصداق إن فرق بينهما قبل الدخول، وإنما يراعى الاختلاف في وجوب الحد ولحوق النسب فيدرأ فيه الحد ويلحق فيه النسب على المشهور من المذهب.
وشذ ابن حبيب فلم يراعي الاختلاف في ذلك وأوجب الحد وأسقط النسب إذا كان الذي فعل ذلك عالماً غير جاهل.
ونص ابن بشير على أن المشهور فسخ هذا النكاح.
وزعم ابن عبد السلام: أن ما تقدم من كلام الباجي مخالف لكلام ابن رشد.
خليل: وقد يقال لا مخالفة بين كلاميهما لأن الباجي إنما شهر الرواية بعدم الفسخ بالنسبة إلى الرواية بالجواز ابتداءً وهو بين من كلام الباجي، وإنما تقع المخالفة لو قال الباجي
المشهور من المذهب أنه لا يفسخ، فانظره فإن قلت قد حكى ابن عبد السلام عن الباجي أنه قال: المشهور من المذهب أنه لا يفسخ، قيل: ليست حكايته بظاهرة ولفظه كما تقدم.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ- لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْحَرَجِ
أي: إذا فرعنا على المشهور من لزوم الطلاق لمن قال لامرأة معينة: إن تزوجتك فأنت طالق، فلو عمم في يمينه وقال: كل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه.
والفرق أن هنا إلزامه اليمين حرجاً وربما أدى ذلك إلى العنت ولم يلزموه اليمين وإن كان أبقى لنفسه التسري إما لأن التسري لا يقدر عليه كل واحد، وإما لأن الزوجة أضبط لمال الرجل وولده من السرية.
ابن بشير: وقد أخذ اللزوم في مسألة العموم من القائل: كل بكر أتزوجها طالق، ثم قال: وكل ثيب أتزوجها طالق، وليس بظاهر لأنه ليس من عمم أولاً كمن آلت يمينه إلى التعميم.
ونقل ابن بزيزة قولاً باللزوم إذا عمم ومقتضاه أنه منصوص.
وَلَوْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئاً كَثِيراً فَذَكَرَ جِنْساً أَوْ بَلَداً أَوْ زَمَاناً يَبْلُغُهُ عُمرُهُ ظَاهِراً لَزِمَهُ إِلا فِي مَنْ تَحْتَهُ إلا إذا طَلَّقَها ثُمَّ تَزَوْجَها ..
يعني: فإن لم يعمم بل أبقى لنفسه شيئاً كثيراً كما لو التزم طلاق جنس كالسودان أو الترك أو البيض أو طلاق من تزوجها من بلد كالإسكندرية مثلاً، لو التزم ذلك باعتبار زمان مقيد كسنتين وهو مراده بقوله: (يَبْلُغُهُ عُمرُهُ ظَاهِراً) أي يبلغ ذلك الزمان في ظاهر الحال، واحترز بذلك مما لو قال: إلى مائتي سنة، أو ما يعلم أنه لا يعيش إليه، لأنه لا يلزمه شيء صرح بذلك في المدونة، وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون في من قال: كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين أو عشرين سنة إن كان ممن يشبه أن يعيش إلى مثل ذلك لزمه، وإلا لم يلزمه.
ابن الماجشون: ويعمر في هذا تسعين عاماً، ونقل ابن بشير في من ضرب أجلاً لا يبلغه إلا في حال الهرم والشيخوخة قولين: أحدهما: لا يلزمه لوجود الحرج، والثاني: أنه يلزمه، لأنه أبقى لنفسه زماناً.
ووقع لمالك في غلام عمره عشرون سنة حلف في سنة ستين ومائة أن كل امرأة يتزوجها إلى سنة مائتين طالق أن اليمين لازمة له.
اللخمي: والقياس في هذا لا شيء عليه؛ لأنه قد عمم المعترك من العمر وأوان الشبيبة والوقت الذي يحتاج فيه إلى الاستمتاع ولم يبق إلا موت أو قلة حركة، ورأى اللزوم إذا قال إلى ثلاثين سنة أو عشرين وهو ابن عشرين لأنه أبقى لنفسه زمناً يحتاج فيه إلى ذلك، وعدم اللزوم إذا قال إلى أربعين سنة، قال: واختلف إذا كان الأجل حياة فلان، فقيل يلزمه، لإمكان أن يموت فلان قبله، وقال في كتاب ابن شعبان: لا شيء عليه.
يريد لإمكان أن يموت هو قبل فلان فيكون كمن عمم جميع الأزمنة.
ابن عبد السلام: وكلام اللخمي صحيح لو كان المعتبر عند أهل المذهب إنما هو الجماع ولم يعتبروه؛ ألا ترى أنه لم يلزمه الطلاق في كل امرأة وإن كان أبقى لنفسه التسري.
واعلم أنه إذا علق المنع ببلد كالإسكندرية، فتارة يقول: لا أتزوج من الإسكندرية؛ وتارة يقول: لا أتزوج بالإسكندرية، فأما الأول فيلزمه سواء كانت بإسكندرية أم بغيرها نص عليه في المدونة محمد في المصرية.
محمد: ولو حلف لا يتزوج مصرية فلا بأس أن يتزوج بمصر غير مصرية.
اللخمي: يريد ما لم يطل مقامها وتصير على طباعهم وسيرتهم.
الباجي: وإن حلف أن لا يتزوج من أهل مصر فتزوج امرأة أبوها مصري وأمها [352/ أ] شامية فقال ابن أبي حازم: يحنث، والأم تبع للأب.
وأما الثاني فقال الباجي: إن نواها وعلمها لزمه ذلك، وإن نواها خاصة فقال ابن حبيب عن ابن كنانة وابن الماجشون وأصبغ: يلزمه في من على مسافة الجمعة، قالوا وإن لم ينو شيئاً لزمهفي من على مسافة القصر ثمانية وأربعين ميلاً.
وقال ابن القاسم: استحسن أن يتباعد إلى حيث لا تلزمه الجمعة.
أصبغ: والقياس أن يتباعد إلى حيث يقصر الصلاة إذا خرج في ظعنه ولا يتم في الصلاة إذا قدم.
والأول استحسان ولو تزوج في الموضع الذي إذا برز إليه لم يقصر حتى يجاوزه لم أفسخه، وروى ابن سحنون عن أبيه في الحالف ألا يتزوج من قرطبة لا يلزمه إلا في قرطبة وأرباطها، ولو قال: بالغير وإن لم يلزمه إلا في المدينة نفسها ولو تزوج من منزل العلويين لم يلزمه شيء.
وجه الأول: أن من حلف ألا يتزوج من الإسكندرية فقد حلف ألا يتزوج امرأة بموضع يقع عليه هذا الاسم وفي حكم ما يقع عليه، فإذا لم ينو شيئاً لزمه في كل من تلزمه الجمعة، لأنه في حكمها.
وقد قال أصبغ: أن ذلك على وجه التحري، ومن تزوج من موضع تقصر فيه الصلاة لم أفسخه، ووجه قول سحنون: أن الاسم إنما يتناول المصر وأرباطه المتصلة إليه.
ومن حلف بطلاق من يتزوجها من المدينة، فقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس أن يواعدها بالمدينة ويعقد نكاحها بغيرها.
انتهى بمعناه.
وقوله: (إِلا فِي مَنْ تَحْتَهُ) استثناء من اللزوم، أي فإنه يلزمه الطلاق في كل امرأة من البلد أو الجنس الذي قد التزم فيه الطلاق إلا المرأة التي تحته فإنه لا يلزمه طلاقها لأن قوله: (أتزوجها) يقتضي الاستقبال وقوله: (إلا إذا تزوجها) أي أن هذه التي تحته إذا قلنا
أنه لا يلزمه فيها طلاق فإنما ذلك ما دامت تحته، فأما إذا أبانها ثم تزوجها فإنها تطلق عليه كما لو تزوج من ذلك الجنس ممن لم يتقدم له عليها نكاح.
فَلَوْ أَبْقَى قَلِيلاً فَقَوْلانِ
يعني: فلو لم يعم النساء وأبقى جنساً (قليلاً) أو بلدة صغيرة أو قبيلة صغيرة.
(فَقَوْلانِ) أحدهما: اللزوم لكونه لم يعم.
والثاني- وهو مذهب المدونة-: نفى اللزوم، ففيها: وإن قال: إلا من قرية كذا- لقرية صغيرة ليس فيها ما يتزوج، أو قال: إلا من فلانة، وهي ذات زوج أم لا، أو قال: إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه في ذلك وسبب الخلاف الشهادة بوجود الحرج ونفيه.
وأنكر ابن عبدوس تسويته في المدونة بين المسألتين، ورأى أن الأولى أي: كل امرأة أتزوجها إلا فلانة، فيها الحرج والتضييق، لأنه لا يقدر أن يتزوج غير فلانة لا قبلها ولا بعدها بخلاف الثانية أي: إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق، فإنه لا كبير حرج فيها لأنه قادر على أن يتزوجها أولاً ثم يتزوج بعدها ما أحب، فصار كمن صرح في يمينه بطلاق من يتزوج قبل فلانة أو قبل دخول الدار، ولا شك في لزوم ذلك، وقد يقال لما علق طلاق هذه على عدم زواجها وقد لا ترضى صار كمن عمم.
فرع:
أشهب في العتبية إن قال: كل امرأة أتزوجها تفويضاً فهي طالق لزمه، ولو قال: كل امرأة أتزوجها إلا تفويضاً لم يلزمه لأن التفويض غير مقدور ولا مرجو.
وَعَلَى اللُّزُومِ فَفِي إِبْقَاءٍ واحِدِةٍ قَوْلانِ
أي: إذا فرعنا على المشهور من عدم اللزوم إذا بقي قليلاً فمن باب الأولى لا يلزمه إذا أبقى واحدة، وإذا فرعنا على اللزوم فهل يلزمه في الواحدة؟ قولان، وزاد ابن بشير وابن
شاس قولاً ثالثاً، وهو نفي اللزوم ما دامت متزوجة ولزمه أو إذا تزوجت، ولزومه إن لم تكن متزوجة.
وَلَوْ خَشِيَ الْعَنَتَ فِي التَّاجِيلِ، وتَعَذَّرَ التَّسَرِّي نَكَحَ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ
يعني: إذا ضرب أجلاً يبلغه ظاهراً وألزمناه اليمين فخشي العنت، وتعذر عليه التسري يريد أو لم يعفه تزوج ولا شيء عليه، وهكذا في المدونة، ابن القاسم لأن نكاحه خير من الزنا.
قال: وقد أجاز هذا النكاح سعيد بن المسيب وغيره.
ابن القاسم في الموازية: ولا حد لمقدار ما يعذر فيه ولا شك أن عشرين سنة كثير ويتزوج.
أصبغ بعد تصبر وتعفف، وقال أشهب وابن وهب: لا يتزوج وإن خاف العنت في الثلاثين سنة وقال مالك: يتزوج فيها إن خاف العنت.
والعجب من ابن عبد السلام كيف حكى عن أشهب وابن وهب ما ذكرناه وقال: ولم أر خلافاً في أن خشية العنت عذر.
وانظر هل مرادهم بالعنت المشقة أو الزنا؟ وهو الظاهر كما قالوا في نكاح الأمة، وقول ابن القاسم: نكاحه خير من الزنا يدل عليه.
وَلَوْ تَكَرَّرَ التَّزْوِيجُ فِي وَاحِدَةٍ تَكَرَّرَ الطَّلاقِ وإِلا لَمْ يَكُنْ حَرَجاً فِي كُلِّ امْرَأَةٍ
يعني: حيث ألزمناه اليمين إما بأن خصص قبيلة أو بلداً أو نوعاً فإنه إذا تزوج امرأة مما التزمه لزمه الطلاق، وكذلك ولو بعد زوج، وهكذا بخلاف ما لو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم يأت في لفظه بأداة تقتضي التكرار، فإنه لا يلزمه إلا الطلاق أول مرة.
وقرر المصنف التكرار فإنه لو لم يتكرر لم يكن حرجاً في قوله: (كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ) لأنه حينئذ يمكنه أن يعقد النكاح على امرأة فتطلق عليه بمقتضى يمينه ثم يكون له أن يتزوجها وكانت اليمين تلزمه، وقد تقدم أنه لا يلزمه.
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ بِكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ ثَيِّبٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ، فَثَالِثُهَا: يَلْزَمُهُ الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي ..
من نظر إلى لزوم التعميم قال: بعدم اللزوم، وهذا القول حكاه جماعة واختاره اللخمي.
ومن نظر [352/ ب] إلى الخصوص قال: باللزوم وهو مروي عن مالك وابن وهب.
والثالث لابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وابن كنانة وأصبغ وسحنون وابن المواز وغيرهم.
ابن بشير وابن راشد: وهو الجاري على المشهور.
ابن عبد البر وغيره: وهو أصح؛ لدوران الحرج مع الثانية وجوداً وعدماً، ولا وجه لعدم لزوم اليمين الأول وانحلالها بعد انعقادها.
فرعان:
الأول: قال ابن القاسم في العتبية في الحر يقول: كل حرة أتزوجها فهي طالق يلزمه وله نكاح الإماء، وقاله ابن حبيب قال: لأنه أبقى الإماء وهو بيمينه كعادم الطول.
وقال محمد: لا يلزمه إن كان ملياً، قيل: والأول المشهور.
ابن القاسم: وإن قال كل امرأة أتزوجها من أرض الإسلام طالق إن كان يقدر على التزويج من أرض الشرك وإخراجها لزمته اليمين وإلا فلا.
وخالف أصبغ كمن استثنى قرية صغيرة.
الثاني: في الموازية: لو قال كل امرأة أتزوجها حتى انظر إليها طالق فعمى رجوت ألا شيء عليه، وكذلك حتى ينظر إليها فلان فمات فلان.
محمد: وإن مات من استثنى نظره فلا يتزوج حتى يخشى العنت ولا يجد ما يبتاع به أمة.
وقال: مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الذي قال: حتى أراها له أن يتزوج من كان رآها قبل العمى، واليمين عليه قائمة فيمن لم يكن رآها.
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، والْحَقُّ، أَنْ يُوقَفَ عَنِ الأُولَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً فَتَحِلُّ لَهُ الأُولَى، ثُمَّ يُوقَفُ عَنِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي ..
اللخمي: وإن قال: أول امرأة أتزوجها طالق لزمه، لأنه أبقى ما بعد الأولى ثم لا يحنث فيها ولا في غيرها.
واختلف إذا قال: آخر امرأة أتزوج بها طالق، فقال ابن المواز: لا شيء عليه، قال في العتبية: وهو مثل من حرم جميع النساء لأنه كلما تزوج امرأة فرق بينه وبينها، ولعل تلك المرأة آخر امرأة يتزوجها فلا تستقر معه امرأة.
وقال محمد وسحنون: يلزمه ذلك ويوقف عنها خوف أن لا يتزوج غيرها، فإن تزوج غيرها حلت الأولى ويوقف عن الثانية، فإن تزوج ثالثة وقف عنها وحلت الثانية.
اللخمي: والصواب لا شيء عليه في الأولى لأنه لما قال: آخر امرأة علمنا أنه جعل لنكاحه أولاً لم يرده باليمين، وبالثاني قال ابن الماجشون أيضاً.
وجزم المصنف بأنه الحق لأنه لما التزم طلاق الأخيرة ولسنا على يقين إذا تزوج واحدة أنها الأخيرة فصار شكاً مقدوراً على تحقيقه، وما كان كذلك فإنه يوقف مثل: إن لم أدخل الدار فأنت طالق.
ابن راشد: وما قاله ابن القاسم أصوب لأنا إذا قلنا باللزوم ولم يصح له أن يعقد لأنه ممنوع من الوطء إثر العقد حتى يتزوج أخرى، على ما قاله ابن الماجشون وغيره.
والمقصود بالعقد الوطء، إذا امتنع لم يترتب على العقد مقصوده فلا يشرع، ولما أبحنا له العقد وجب أن يباح له الوطء.
قوله: (وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي) هو تفريع على القول الثاني.
محمد: والأجل من يوم الرفع.
ابن الماجشون مفرعاً على قوله: فإن تزوج امرأة فماتت وقف ميراثه منها حتى يتزوج ثانية فيأخذه أو يموت قبل أن يتزوج فيرد إلى ورثتها، وإذا طلق عليه بالإيلاء فلا رجعة له، لأنه لم يبن بها.
وقوله: (وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي) مقتضى اللسان إظهار الفاعل فيقال وهو في الموقوفة عنها، لأن الوقف إنما هو من وصف الرجل لا المرأة ألا ترى إلى قوله: (والْحَقُّ، أَنْ يُوقَفَ عَنِ الأُولَى) وقوله: (ثُمَّ يُوقَفُ عَنِ الثَّانِيَةِ).
خليل: وقد يجاب عنه بأنه إذا وقف عنها فهي أيضاً موقوفة عنه فليس من باب جريان الصفة على غير من هي له فانظره.
وإن قال: آخر ما أتزوج إلا واحدة طالق، يريد تطليق التي تلي الأخيرة، فإن تزوج وقف عنها وعن الأولى إذ لا يدري ما تلي الأخيرة منهما، فإن مات فالأولى المطلقة وإن تزوج حلت له الأولى، ثم إن مات فالثانية المطلقة ثم كذلك.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ غَيْرِهَا طَالِقُ فَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا أَوَّلاً تَنَجَّزَ الطَّلاق عَلَى الْمَشْهُورِ وقيل: بنَاءً عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنى المولي مِنْ غَيْرِهَا أَوْ تَعْلِيقِ مُحَقَّقٍ .. َ
اختلف في قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فكل امرأة أتزوجها طالق فحمله في المشهور على أن معناه التزام طلاق من ليست من المدينة وكأنه قال كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق لأنه الذي يقصد في العرف، إذ المقصود عرفاً الرغبة في نساء المدينة، والتزام طلاق غيرها.
وحمله سحنون على ظاهره لغة من التعليق، وهو التزام طلاق من يتزوج من غير المدينة بشرط أن لا يتزوج من المدينة.
سحنون: ويوقف عن التي تزوج من غير المدينة حتى يتزوج من المدينة، بمنزلة قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فامرأتي طالق، وعلى ما قررنا فيكون المشهور إلزام الطلاق في غيرم ن تزوج من غير المدينة سواء تزوج من المدينة قبلها أو بعدها، وكذلك يؤخذ من الجواهر.
ابن راشد: وهو الذي يفهم من المدونة لأنه سوى بين ذلك وبين قوله: كل امرأة أتزوجها من غير الفسطاط طالق، وكلام اللخمي يدل على أنه إنما يلزمه الطلاق إذا تزوج من غير المدينة قبل أن يتزوج منها لأنه قال: وقول ابن القاسم أشبه، لأن قصد الحالف في مثل هذا أن كل امرأة يتزوجها قبل أن يتزوج من الفسطاط طالق.
وقاله ابن محرز أيضاً، [353/ أ] إلا أنه رده بأن ظاهر المدونة تسويته بين هذه المسألة وبين قوله: كل امرأة أتزوجها من غير الفسطاط طالق، كما ذكرنا وظاهر قول المصنف أولاً يوافق كلام اللخمي لكن قوله: في البناء بناء على أنه بمعنى المولي من غيرها يرده.
والله أعلم.
والْمُعْتَبَرُ فِي الْوِلايَةِ حَالُ النُّفُوذِ فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ شَيْءُ ..
يعني: الولاية على المحل الذي يلتزم فيه الطلاق، إنما يعتبر وقت وقوع المحلوف عليه لا وقت الحلف، فإن كانت المرأة زوجته وقت وقوع المحلوف عليه لزمه الطلاق.
ابن عبد السلام: وإلا فلا، فلذلك لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً ثم أبانها ودخلت، لم يقع عليه الطلاق لأنها حال وقوع المحلوف عليه لم تكن زوجة.
فَلَوْ نَكَحَهَا فَدَخَلَتْ أَوْ أَكَلَتْ بَقِيَّةَ الرَّغِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وقَدْ بَقِيَ شَيْءُ وَقَعَ- تَزَوَّجَتْ أَو لا- بِخِلافِ مَا لَوْ نُكِحَتْ بَعْدَ الثَّلاثِ لأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي علَّقَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ وكَذَلِكَ الظَّهَارُ ..
يعني (فَلَوْ) تزوجها بعد أن أبانها (فَدَخَلَتْ) الدار (أَوْ أَكَلَتْ بَقِيَّةَ الرَّغِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) إن كانت يمينه أولاً على ترك أكله لزمه ما حلف به وسواء (تَزَوَّجَتْ)
غيره في الزمان الذي كانت بائنة فيه (أَو لا) لأن نكاح الأجنبي عندنا لا يهدم الطلاق السابق قبله، وإذا راجعها الزوج ترجع عنده على بقية الطلاق وقوله: (بِخِلافِ مَا لَوْ نُكِحَتْ بَعْدَ الثَّلاثِ) يعني ثم تزوجها فإنه لم يبق له مما علقه قبل ذلك شيء.
(لأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي علَّقَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ) ورجعت بملك مستأنف، وحاصل كلامه – وهو المذهب- أن اليمين تلزمه ما بقي من العصمة الأولى شيء.
قوله: (وكَذَلِكَ الظَّهَارُ) أي: إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فأبانها فدخلت لم يلزمه ظهار، فإن راجعها فدخلت لزمه إلا أن يكون قد طلقها ثلاثاً فلا تعود عليه اليمين.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةِ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقُ؛ اخْتَصَّ بِالْمِلْكِ الَّذِي علَّقَ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
يعني إن قال لامرأته: (كُلُّ امْرَأَةِ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقُ) ثم طلق امرأته ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج ثم تزوج عليها فلا شيء عليه، نص على ذلك في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة ورأى كما قال المصنف أن هذا الالتزام اختص بالملك الذي علق فيه المحلوف بها وأنكر ذلك ابن المواز وابن حبيب وغيرهما.
ورأوا أن المذهب ما في كتاب الإيلاء أن الاختصاص بالملك إنما يكون في المحلوف بطلاقها مثل المسألة التي قبل هذه وأما المحلوف لها أو عليها فإن اليمين منعقدة عليه في الإيلاء: ومن قال: زينب طالق ثلاثاً أو واحدة إن وطئت عزة؛ فطلق زينب واحدة، فإن انقضت عدتها فله وطء عزة، ثم إن تزوج زينب بعد زوج أو قبله عاد موليا في عزة، وإن وطئ عزة بعد ذلك أو وطئها في عدة زينب من طلاق واحد حنث ووقع على زينب ما ذكر من الطلاق، ولو طلق زينب ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج لم يعد عليه في عزة إيلاء لزوال طلاق ذلك الملك، ولو طلق عزة ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج وزينب عنده عاد
مؤلياً في عزة ما بقي من طلاق زينب شيء كمن آلى وظاهر ثم طلق ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج، فذلك يعود عليه أبداً.
فأنت تراه كيف لم يفرق في عزة المحلوف عليها بين أن يتزوجها بعد الثلاث أم لا.
ابن عبد السلام: والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي ذكر المؤلف أنه الشاذ، وأن الذي وقع في كتاب الأيمان بالطلاق لم يقل به أحد.
وَفِيهَا: ولَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طُلِّقَتِ الأَجْنَبِيَّةُ ولا حُجَّةَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا عَلَيْهَا ولَوِ ادَّعَى نِيَّةً لأَنَّ قَصْدَهُ أَلا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ..
هذه المسألة متصلة في المدونة بمسألة كتاب الأيمان بالطلاق التي فرع المصنف منها ونصها: وأما إن طلق المحلوف لها وانقضت عدتها ثم تزوجها، ثم تزوج عليها أجنبية، أو تزوج الأجنبية ثم تزوجها فإن الأجنبية تطلق عليه في الوجهين ما بقي من طلاق الملك الأول شيء، ولا حجة له إن قال: إنما تزوجتها على غيرها ولم أنكح غيرها عليها ولا أنويه؛ ادعى نية ذلك لأن قصده ألا يجمع بينها.
وخالف أشهب إذا ابتدأ بنكاح الأجنبية ثم راجع مطلقته بعدها وقال: لا شيء عليه لأنه لم ينكح عليها، وراعى اللفظ ولم يعتبر ما قاله في المدونة من قصد الجمع.
وقال مطرف: إن كان شرطاً في أصل العقد فكالمدونة وإن كان طوعاً فله نيته هكذا نقل ابن عبد السلام وغيره.
وفي المتيطية: إن كان الشرط على الطوع قبلت نيته قاله ابن القاسم، وإن انعقد ذلك على الشرط في أصل النكاح، فقال المغيرة: لا تعود اليمين عليه لأنه لم يتزوج عليها وأنما تزوج الثانية عليها.
وروى مطرف وابن الماجشون: أنها تعود لأن نيته ألا يجمع بينهما.
وفي كلامه في المدونة نظر، لأن الحالف يقول: نويت ألا أتزوج عليها، ونحن نقول: بل قصدك ألا تجمع بينهما، وكذلك مخالفة له في قصده وليس بظاهر، وهذا للنظر إنما هو [353/ ب] إذا أجرينا المدونة على ظاهرها من العموم سواء قامت عليه بينة أو جاء مستفتياً، لصدق فلا إشكال.
أبو الحسن: وقيل: إنما لم ينوه لأنه حالف للزوجة والحلف على نية المحلوف.
فرع:
قال في المدونة: وإن قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت فلانة طالق؛ لزمه، كانت فلانة تحته أم لا، فإن كانت تحته فطلقها فإن نوى ما عاشت ما دامت تحته فله أن يتزوج، فإن لم تكن له نية فلا يتزوج ما بقيت إلا أن يخشى العنت.
وقوله: (فإن نوى فله أن يتزوج) أي وتقبل نيته في القضاء والفتوى.
وفِي: إِنْ دَخَلْتَ فَأَنْتَ حُرُّ فَبَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ بِغَيْرِ إِرْثٍ.
ثَالِثُهَا: إِنْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ لِفَلَسٍ لَمْ يَعُدْ ..
ليست هذه المسألة من هذا الباب وأتى بها المنصف لأنها تشبه مسألة الطلاق السابقة، يعني أن من حلف بحرية عبده على دخول الدار، إما على دخوله هو أو دخول العبد، فعلى هذا يصح أن تضبط التاء من قوله: (دَخَلْتَ)، بالفتح والضم، ثم باع العبد وملكه (بِغَيْرِ إِرْثٍ) يعني وإن ملكه بإرث لم تعد عليه اليمين بالاتفاق، وإنما اختلف إذا عاد إليه بأحد وجوه الملك إما بهبة أو شراء أو نحو ذلك، هل تعود عليه اليمين سواء باعه اختياراً أم لا؟ وإليه ذهب ابن القاسم.
أو لا تعود عليه مطلقاً، وإليه ذهب ابن بكير، أو يفرق.
فإن باعه اختياراً عادت عليه اليمين، وإن باعه السلطان عليه لم تعد عليه، وإليه ذهب أشهب.
والسؤال على قول ابن بكير لأنه سوى بين العتق والطلاق، وأما ابن القاسم فإنما أعاد اليمين للتهمة أي لاحتمال أن يكون إنما باعه قصداً لحل اليمين بخلاف الزوجة فإن أحداً لا يتهم فيها على ذلك.
ولمراعاة التهمة، استحسن جماعة قول أشهب لعدم التهمة ببيع الحاكم فكان كالميراث.
واختار المازري قول ابن بكير، لأنه اتفق على أن السيد لو دخل الدار والعبد مبيع قبل اشترائه أنه لا يحنث بذلك الدخول، ولو اشترى العبد بعد ذلك، وذلك لأن البيع الواقع اختياراً هو الموجب للتهمة عند من اتهمه، إما أن يقدر ناقلاً لملك العبد أولاً، فإن قدر الأول يلزم منه المطلوب، والثاني يلزم منه أن يعتق عليه العبد بالشراء لأنه دخل في حين كان يملك فيه العبد وإنما منع فيه من تنجيز العتق حق المشتري وقد زال.
واختار ابن المواز قول ابن القاسم.
والله أعلم.
وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ثُمَّ عُتِقَ فَدَخَلَتْ طُلِّقَتْ ثَلاثاً، ولَوْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ ..
لأن المعتبر في الولاية حال النفوذ لا حال التعليق، وهو حال النفوذ مالك للثلاث لأنه حر.
وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ عُتِقَ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ لأَنَّهُ طَلَّقَ النِّصْفَ
تصوره ظاهر، وشبه ذلك في الموازية فمن ذهبت له طلقة ونصف طلقة، قال ابن القاسم: ولو طلق العبد طلقتين ثم ثبت أنه عتق قبل الطلاق فله الرجعة.
وَلَوْ عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ لأَبِيهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَنْفُذْ
يعني: إذا تزوج أمة أبيه، وقال لها: إن مات أبي فأنت طالق، لم ينفذ الطلاق، لأنه بموت أبيه يملكها فيفسخ النكاح فلا تصير زوجة فيعدم محل الطلاق.