بنية العتق لكان كالضحية فيتصدق بالأرش، كما أنه لو اشترى الشاة ليملكها ثم ضحى بها لم يؤمر بالصدقة بقيمة العيب.
قال في الوجيز: وإن ابتاع أضحية فلما ذبحها ظهر على عيب دلس به البائع، فقال أبو عمران: يرجع عليه بقيمة العيب.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: يردها عليه ويرجع بالثمن كله ويشتري به أضحية، فإن فضل منه شيء فعند ابن المواز يتصدق به، وعند أشهب يأكله.
انتهى.
وَحُكْمُ لَبَنِهَا وَصُوفِهَا وَوَلَدِهَا كَذَلَِكَ
أي: فيفرق بين ما أوجبه وما لم يوجبه.
وتبع المصنف ابن بشير في هذا والنقل لا يساعدهما.
ففي المدونة: لم أسمع من مالك في لبنها شيئاً، إلا ما أخبرتك أنه كره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: "لا بأس بالشرب منه بعد ري فصيلها"، فإن لم يكن للأضحية ولد فأرى ألا يشربه، إلا أن يضر بها فليحلبها وليتصدق به، ولو أكله لم أرَ عليه شيئاً، وإنما أنهاه عنه، كما أنهاه عن جز صوفها قبل ذبحها.
ابن عبد السلام: وظاهرها الكراهة إذا لم يكن لها ولد، وهي أحرى إذا كان لها ولد.
وعن مالك له شربه بخلاف لبن الهدي؛ لأن الأضحية لم تجب بعدُ بخلافه.
اللخمي: وقال أِهب في مدونته: يصنع باللبن ما شاء، وله أن يحرمه ولدها.
ولمالك في المبسوط: التفرقة؛ فيكره شربه إذا كان لها ولد، ويجوز إذا لم يكن.
هذا تحصيل القول في اللبن.
وأما الصوف ففي المدونة: لا يجوز جز صوفها قبل الذبح، ولا يبيع من أضحيته لحماً ولا جلداً ولا شعراً ولا غيره.
ابن المواز: إلا في الوقت الذي ينبت مثله قبل الذبح.
اللخمي: وحكم الصوف بعد الذبح كحكم الأضحية، وأما قبله فاتفق ابن القاسم وأشهب على أنه ليس له أن يجزه؛ لأن فيه جمالاً لها، واختلفا إذا فعل فقال ابن القاسم: ينتفع به ولا يبيعه.
وقال أشهب وسحنون: يبيعه.
والأول أحسن؛ لأنه قد نواه مع الشاة
لله عز وجل.
واستحب أني بيع تلك الشاة إذا جز صوفها، ويشتري غيرها كاملة الصوف؛ لأن ذلك الذي فعل نقص من جمالها.
قال صاحب البيان وابن زرقون: وقول ابن القاسم: استحباب؛ لأنها لا تجب عنده إلا بالذبح.
وقد صرح التونسي بذلك فقال: استحب ابن القاسم ألا يبيعه.
وعلى هذا فقوله: لا يجوز ليس معناه أنه حرام، بل معناه: لا يباح.
نقل الباجي وابن يونس عن أشهب جواز الجز قبل الذبح، ونحوه لابن نافع.
ابن عبد السلام: ومذهب ابن نافع كراهة شرب لبنها، وهو اختلاف قول.
وقال عبد الحميد: إن اشترى شاة ونيته أن يجز صوفها للبيع وغيره، جاز ذلك سواء جزه قبل الذبح أو بعده، وهو تقييد لقول من منع من ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا تحصيل القول في الصوف.
وأما الولد فإن خرج بعد الذبح فسيأتي، واختلف إن خرج قبله؛ فالمشهور استحباب ذبحه كما سيأتي، وقال ابن وهب: يجب ذبحه.
وقال ابن حبيب: إن شاء ذبحه وإن شاء تركه.
وقال أشهب: لا يذبحه ولا يجوز.
هكذا نقله التونسي والباجي واللخمي.
الباجي: يريد لأن سن الأضحية معتبر وهو معدوم في السَّخْلَة، وهكذا قال ابن شاس وغيره.
وقول ابن عبد السلام: ورأيت لفظة "لا يجوز" مضروباً عليها في نسخة صحيحة من النوادر؛ إن أراد بذلك مجرد الإخبار دون أن يقصد تضعيف نقل هذا القول فظاهر، وإن أراد تضعيف نقله فليس بجيد؛ لأن أئمة المذهب قد نقلوا ذلك، فيجب الرجوع إليهم.
ونقل ابن يونس عن ابن المواز أن قال: واستحب أشهب ألا يذبح معها.
وَفِيهَا: وَلا يَجِبُ ذَبْحُهُ إِنْ خَرَجَ قَبْلَ ذَبْحِهَا؛ لأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا لَوْ هَلَكَتْ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُمْحَى، وَالأَوَّلُ الْمَشْهُورُ ...
ظاهر كلامه أنه اختلف قول مالك، فكان أولاً يقول بعدم الوجوب، ثم أمر بمحوه ورجع إلى وجوب الذبح، وليس كذلك، بل الذي أمر بمحوه وإبقائه شيء واحد.
قال في
التهذيب: إذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم يكن ذلك عليه واجباً؛ لأن عليه بدل أمه لو هلكت.
ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: امح واترك، إن ذبحه معها فحسن.
ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجباً.
واستشكل الشيوخ هذا الموضع؛ لأن الذي أمر بمحوه هو قوله: "لا أرى ذلك عليه واجباً"، والذي أبقاه هو قوله: "إن ذبحه معها فحسن" سواءٌ في [232/أ] الدلالة على عدم الوجوب، وأشار التونسي إلى أن اقتران عدم الوجوب دليل على ضعف ذلك الاستحسان، بخلاف ما إذا أبقى قوله: "فحسن أن يذبح معها ولدها" مجرداً عن عدم وجوب الذبح، فإنه قد يفهم منه تأكيد ذلك الاستحسان، وهذا التأكيد هو الذي رجع إليه مالك، والمعنى الآخر هو الذي رجع عنه، وهو الذي اختاره ابن القاسم.
فلذلك أثبت اللفظ الدال عليه، فقال: لا أرى ذلك عليه واجباً.
فائدة:
ممحوات المدونة أربع: هذه، ونكاح المريض إذا صح قبل الفسخ، كان مالك أولاً يقول: يفسخ، ثم أمر بمحو الفسخ، والثالثة: إذا حلف ألا يكسو امرأته، فافتكَّ لها ثياباً من رهن، فقال مالك أولاً: يحنث، ثم أمر بمحوه، وقال: لا يحنث.
قال ابن القاسم: وأرى إن لمتكن له نية أن يحنث.
الرابعة: من سرق ولا يمين له أو له يمين شَلاَّء، فقال مالك: تقطع رجله اليمنى، ثم أمر بمحوه وأمر أن تقطع يده اليسرى.
أَمَّا لَوْ ذُبِحَتْ فَكَلَحْمِهَا
أي: إذا خرج الولد بعد الذبح فحكمه حينئذٍ كلحمها.
ابن هارون: وهذا متفق عليه؛ لأنه كالجزء منها.
وَلَوْ أَصَابَهَا عِنْدَهُ عَوَرٌ وَنَحْوُهُ لَمْ تُجْزِهِ، بِخِلافِ الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ
لا إشكال في هذا على القول بعدم الإيجاب، وأما على قول القاضي إسماعيل: إذا أوجبها فلا، كما تقدم.
ابن رشد: وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه إن ماتت قبل أن يذبحها أن تجزيه، ولا يكون عليه أن يعيد ضحية أخرى.
انتهى.
ولولا النقل لأمكن أن يقال هنا بوجوب البدل ولو قلنا بالتعيين، والفرق بين الإيجاب ي الضحية والتقليد أن التعيين في الهدي ليس من جهة المكلف، وإنما هو شيء أمر به المكلف فصار بذلك كأنه وجب معيناً، والأصل في المعين عدم البدل، وأما التعيين في الأضحية، فإنما جاء من قبل نفسه فلا يسقط ما طلبه الشارع من طلب شاة سليمة من العيوب، ويوضح لك هذا أنه لو اشترى بعيراً وتلفظ بأن يجعله هدياً، ثم أصابه عيب قبل تقليده، فإنه لا يجزيه؛ لأن ذلك ليس مما طلبه الشارع منه، ولقائل أن يلتزم ذلك على قول القاضي.
قد قال ابن شاس: وإن قال ابتداء: جعلت هذه الشاة ضحية وهي معينة، فهل تصرف إلى مصارف الضحية، أو يعوض بها سليمة؟ فيها الخلاف المتقدم في الهدي، وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أضحي عرجاء، فهل تلزمه سليمة أولا تلزمه إلا العرجاء؟ فيه الخلاف المتقدم.
وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّتْ إِلَى أَنِ انْقَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَوَجَدَهَا صَنَعَ بهَا مَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَبَسَهَا إِلا أَنَّ هَذَا إِثْمٌ ....
يعني: ولكونها لا تتعين يكون الحكم كذلك، فالإشارة بذلك إلى عدم التعيين اللازم من وجوب بدلها إذا طرأ بها عيب.
قال في المدونة: وإن وجدها في أيام النحر فليذبحها، إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فيصنع بها ما شاء.
قيل: وينبغي على قول القاضي إسماعيل الذي يرى أنها تجب بالنية.
والقول: أن يذبحها إذا وجدها في أيام النحر ولو كان ضحى
بغيرها، قال هذا القائل: وكذلك إذا مضت أيام النحر، وتقدم الكلام على قوله: (إثم) وفي بعض النسخ (ولذلك) باللام.
وَلَوِ اخْتَلَطَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ أَوْ جُزْؤُهَا فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ قَوْلانِ
ظاهر قوله: (فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ) أنه لا فرق في العوض بين أن يكون من الجنس أو من غيره.
وظاهره أن القولين فيها بالجواز والمنع، ولم أرَ في الجنس قولاً بالجواز، بل القولان فيه بالكراهة والتحريم.
ففي اللخمي: قال يحيى بن عمر في رجلين أمرا رجلاً أن يذبح لهما فاختلطا بعد الذبح: أنهما يجزيان من الضحية ويتصدقان بهما، ولا يأكلان منهما شيئاً.
وقال محمد بن المواز في رؤوس الأضاحي تختلط عند الشواء: أكره لك أن تأكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك.
محمد: ولو اختلطت برؤوس الشواء لكان خفيفاً؛ لأنه ضامن كمن ضمن لحم الأضاحي، وقد قيل: ليس له طلب القيمة.
اللخمي: فعلى قول محمد يجوز إذا اختلطت الشاتان أن يأكلاهما؛ لأنه إنما كره أكل الرأس لإمكان أن يكون الآخر تصدق به ولم يأكله، فلا تأكل أنت متاعه، وهذا استحسان.
واعترض عبد الحق قول يحيى وقال: ما أرى المنع من أكلها، وهي شركة ضرورية تشبه شركة الورثة في أضحية مات صاحبها.
وأما القولان في أخذ العوض من غير الجنس، فلم أر فيه قولاً بالمنع نعم هو يلزم على قول يحيى؛ لأنه إذا منع أخذ العوض من الجنس فالمنع في غيره أولى.
وعن ابن القاسم: استحب لمن سرقت رؤوس أضاحيه ألا يغرمه شيئاً.
وكأنه رآه بيعاً.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء، ألا ترى أن من حلف ألا يبيع ثوبه فيغصبه غاصب، أن له أن يأخذ قيمته.
وما احتج به من قوله: "ألا ترى أن من حلف .... إلى آخره" ليس متفقاً عليه، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال عيسى بن دينار: أحب إلي أن يأخذ الثمن من السارق، ويتصدق به، ونحوه لابن القاسم فيمن
أعطى جلداً للدبَّاغ، فادعى السرقة، إن كان يثق به فلا يأخذ منه شيئاً، وإن كان يتهمه أخذ منه قيمته وتصدق بها.
ومنشأ الخلاف: هل القيمة بيع أم لا؟ [232/ب] واستشكل في البيان قول من قال باستحباب التصدق بأن أخذ القيمة إن لم يكن بيعاً فلا وجه لاستحباب التصدق بها، وإلا فلا يجوز ذلك، وإن تصدق بها لأنه لا يجوز أني بيع الإنسان شيئاً من أضحيته ليتصدق بثمنه.
وَأَمَّا قَبْلَهُ فَالْمَنْصُوصُ إِذَا قُسِمَتْ فَأَخَذَ الأَقَلَّ بَدَّلَهُ بِمُسَاوِي الأَفْضَلِ، وَقُيِّدَ بِالاسْتِحْبَابِ ...
أي: وأما إن اختلطت قبل الذبح إن تساويا فواضح، وإن لم يتساويا فمن أخذ الأفضل ذبحه، ومن أخذ المفضول استحب له أن يبدله بما يساوي الأفضل.
وإليه أشار بقوله: (بِمُسَاوِي الأَفْضَلِ).
ومعنى (الْمَنْصُوصُ) المنقول، وليس مراده بذكر المنصوص التنبيه على خلاف، ولأجل أن مراده بالمنصوص المنقول قال: (وَقُيِّدَ) وهو ظاهر.
ابن بشير: والإبدال بالمساوي ظاهر إذا عينها، وأما إذا لم يعين فإنما ذلك على طريق الاستحباب.
انتهى.
ونقل ابن يونس عن ابن عبد الحكم أن الضحايا إذا اختلطت فال بأس أن يصطلحا فيها؛ يأخذ كل واحد كبشاً ويجزيه.
فقد يقال: هذا مخالف لكلام المصنف؛ لأن ظاهره سواء كانا متساويين أو لا، وعلى هذا فهمه بعضهم، ويحتمل أن يكون أراد المتساويين فلا يكون مخالفاً، والله أعلم.
فَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ غَالِطاً لَمْ تُجْزِئْ مَالِكَهَا، وَالْمَشْهُورُ: وَلاَ الذَّابِحَ، وَثَالِثُهَا: إِنْ فَاتَتْ قَبْلَ تَخْييرِ مَالِكَهَا أَجْزَأَتْ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِ اخْتَارَ مَالِكُهَا الْقِيمَةَ أَجْزَأَتْ كَعَبْدٍ أُعتِقَ عَنْ ظِهَارٍ فَاسْتُحِقَّ
إنما لم تجز مالكها لعدم نيته ونية موكله.
خليل: ولم أرَ في ذلك خلافاً.
وأما الذابح ففي إجزائها عنه أقوال:
المشهور: لا تجزئ لوقوع القربة في غير محل، وهو أحد قولي أشهب.
والثاني: أنها تجزيه، وهو أحد قولي أشهب؛ لأن أخذ القيمة يحقق له الملك بناء على أن المرتقبات إذا وقعت، هل يقدر حصولها الآن أو من الأول؟
والثالث لابن حبيب: إن كانت على وجه لا يكون لمالكها إلا أخذ قيمتها أجزأت؛ لأنه حينئذٍ يصير كأنه ضحى بملكه، وإن بقي لربها فيها خيار لم تجزئ؛ لأن ذابحها كأنه إنما ملكها بعد الذبح.
وأما قول ابن المواز أنها تجزئ إذا أخذ ربها قيمتها، فهو تفسير لقول أشهب، وهو كذلك في المدونة؛ إذ لا يمكن أن يقول أشهب بالإجزاء إذا اختار ربها أخذ لحمها.
ولذلك لم يعده المصنف رابعاً.
وكذلك أيضاً أشار ابن المواز إلى أن قول ابن القاسم بعدم الإجزاء إنما هو إذا أخذ لحمها، وأما إذا أخذ قيمتها فإنها تجزيه.
ابن المواز: وإن أسلمها وأخذ قيمتها، فابن القاسم يقول: لا تجزئ الذابح، ولا له بيع لحمها، ويأكله أو يتصدق به، وقاله أصبغ.
وهذه من كتب المجالس لم تتدبر، وأحب إليَّ أن تجزئ عنه، كعبد اشتراه وأعتقه عن ظهار، ثم استحق بعد أن شهد شهادات، ونكح وطلق فأجاز ربه العتق، فإنه يجزئ معتقه وتنفذ شهادته وجميع أحكامه، وإن نقض عتقه بطلت أحكامه.
وقد يفرق للمشهور بأن مشتري العبد كالمالك حقيقة عند الفقهاء، ويعطونه جميع أحكامه، وقد ضمنه بدفعه الثمن بخلاف الغالط، ولهذا قال عبد الحق: ولو اشترى الأضحية وذبحها ثم استحقت، فأجاز ربها البيع، لأجزأته وصارت كالعتق سواء لفعله ذلك بشيء ضمنه بالعوض الذي وداه.
واختلف لو غصب شاة وذبحها وأخذ ربها القيمة منه، هل تجزئه لأنه ضمنها بالغصب أم لا؟ لأن هذا ضمان عداء وذلك ضمان ملك.
عبد الحق: والأول أبين على طرد العلة.
ابن عبد السلام: وحيث أخذها مالكها مذبوحة تصرف فيها كيف شاء.
انتهى.
ولا يقال إن قول ابن المواز موافق لقول ابن الحبيب؛ لأنه يظهر الفرق بينهما إذا لم تفت، واختار مالكها القيمة، فعلى قول ابن حبيب لا تجزئ، بخلاف قول محمد.
وَشَرْطُهُا: أَنْ تَكُونَ مِنَ النِّعَمِ، وَفِيمَا تَوَلَّدَ مِنَ الأُنْثَى مِنْهَا قَوْلانِ
احترز بالنعم من الطير والوحش.
والنعم: الإبل والبقر والغنم.
ابن شعبان: ولا يختلف المذهب أن الإناث إذا كانت من غير النعم لا تجزئ، وإن كانت منها فقولان.
قال: والذي أقول به الجواز؛ لأن أكثر الأحكام على أن الولد تابع لأمه.
وانظر هل يتخرج قول بجواز الضحية إن كانت الأم وحشية من القول بوجوب الزكاة في ذلك كما تقدم في الزكاة.
وَالأَفْضَلُ الضَّانُ ثُمَّ الْمَعْزُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ الإِبِلِ عَلَى الْبَقَرِ أَوْ الْعَكْسِ قَوْلانِ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ ذُكُورِهَا أَوِ التَّسَاوِي قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ الْفَحْلُ وَالْخَصِيُّ وَالاقَرَنُ وَالأَبْيَضُ أَفْضَلُ ...
الغنم في الضحايا أفضل؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، وبها فدي الذبيح ولد إبراهيم عليه السلام، وهو أصل مشروعية الأضحية.
ونقل الحفيد عن أشهب وابن شعبان أن الإبل أفضل من الغنم كمذهب الشافعي.
والخلاف فيما بين البقر والإبل خلاف في حال، هل هذا أطيب أم هذا؟ والظاهر طيب البقر، وهو قول الجلاب وعبد الوهاب في المعونة، واستقرأه صاحب البيان من العتبية.
والقائل بأن الإبل أفضل هو ابن شعبان.
وظاهر المذهب تفضيل الذكور.
وفي المبسوط الذكر والأنثى في الضحية والهدي سواء.
وكذلك الفحل على الخصي، وهو مذهب الرسالة، وحكى ابن بزيزة قولاً بأن الخصي أفضل من الفحل لطيب لحمه.
وإناث الجنس الفاضل أفضل من ذكور الجنس
الذي يليه، وإناث المعز أفضل من ذكور [233/أ] البقر.
وعلى هذا فالمراتب اثنتا عشرة مرتبة ولا تخفى عليك.
وخرج مسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي فقال: "يا عائشة هلمي المدية"، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "اشحذيها بحجر"، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش وأضجعه ثم قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد"، ثم ضحى به.
زاد النسائي: ويأكل في سواد.
ولهذا قال ابن وهب: استحب جماعة من الصحابة والتابعين الضحية بكبش عظيم سمين أقرن أملح، ينظر في سواد ويسمع في سواد ويشرب في سواد، والجمهور على اختيار التسمين، وفي البخاري عن أبي أُمامة: كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة.
وكره ذلك ابن شعبان لئلا يتشبه باليهود.
وروى البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أٌرنين أملحين.
والأقرن أن يكون ذا قرون.
ابن عبد البر: وأجمع الجمهور أنه لا بأس أن يضحي بالخصي إذا كان سميناً، قالوا: والأقرن الفحل أفضل من الخصي الأجم، إلا أن يكون الخصي الأجم أسمن فهو أفضل.
وكذلك قال ابن حبيب: الخصي السمين أفضل من الفحل المهزول.
والأملح قيل: هو كلون الملح فيه طاقات سود.
وقيل: هو الأسود تعلوه حمرة.
وقيل: هو المتغير الشعر بالسواد والبياض كالشهبة.
وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض.
وهو يوافق ما ذكره المصنف من تفضيل الأبيض.
ويحتمل أن يكون مراد المصنف بالأبيض ما تقدم أن الصحابة استحبوه، ويكون أطلق عليه أبيض باعتبار غالبه.
وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّانِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِه
لما خرجه مسلم وأبو داود والنسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".
وَأَكْمَلُهُ الْجَوْدَةُ وَالسَّلامَةُ مُطْلَقاً، وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، والْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الْتِي لا تُنْقِي؛ أي: لا مُخٌّ فِيهَا، وَقِيلَ: لا شَحْمَ ....
لا إشكال في أفضلية الكامل، وكره مالك تغالي الناس في الضحايا، وكره لرجل يجد بعشرة دراهم أن يشتري بمائة درهم.
وفي الموطأ وغيره عن البراء بن عازب: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينقى في الضحايا؟ فأشار بيده وقال: "أربع"، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم "العرجاء البيِّن ضلعها، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقِي".
ابن عبد البر: وهذه العيوب مجمع عليها.
عياض: وضلعها بفتح الضاد واللام.
أبو الحسن: وروي بالظاء المشالة؛ أي عرجها، وهي التي لا تلحق الغنم.
ابن حبيب عن مالك: وأما العرج الخفيف إذا لم يمنع أن تسير بسير الغنم فلا يمنع الإجزاء.
والبين عورها هي التي ذهب بصر أحد عينيها، وإن كان بعينيها بياض على الناظر يسير لا يمنعها أن تبصر، أو كان على غير الناظر لم يمنع الإجزاء.
قال محمد عن مالك: وإن كان على الناظر فهي العوراء.
الباجي: وكذلك عندي لو ذهب أكثر بصر عينيها.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام أشهب انه إن نقص نظرها شيئا ًلم يَجز أن يضحي بها.
وأما البين مرضها فهو وصف ظاهر، وهو الذي عمم به الفقهاء أكثر الأحكام.
وإن وقع خلاف في بعضها فلتحقيقه هل هو كثير أو لا؟ ولا خلاف في إلحاق ما هو أشد من هذه العيوب بها كالعمى وقطع اليد والرجل.
كما لا خفاء في عدم إلحاق ما ليس بمساوٍ لها.
مالك: ولا يجوز الدبر من الإبل.
ابن القاسم: يريد بذلك الدبرة الكبيرة، وأن المجروح بتلك المنزلة إن كان جرحاً كبيراً، يريد: فيلحق بالمرض.
محمد: ولا تجزئ يابسة الضرع كله، وإن أرضعت ببعضه فلا بأس.
وفي المبسوط: لا تجزئ البكماء.
والنتَّن في الفم مما يُنَّقى، قال في الذخيرة: لنقصان الجمال واستلزامه تغر اللحم أو بعضه.
والأكثر على أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنقي"؛ أي: لا مخ في عظامها، وهو المنقول عن أهل اللغة.
وقال ابن حبيب: هي التي لا شحم فيها، وفسرها ابن الجلاب وغيره بالوجهين.
وَكَذَلِكَ قَطْعُ الأُذُنِ وَالذَّنَبِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى التَّعْدِيةِ أَوِ الْقَصْرِ
الشاذ لابن القصار وعبد الوهاب، ورأيا أن إشارته صلى الله عليه وسلم بيده وتلفظه بالعدد الخاص كالحصر.
والأحسن لو قال: ونحوهما، ولعله يريد بذلك الثدي.
وَيُغتَفَرُ الْيَسِيرُ، وَهُوَ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَفِي الثُّلُثِ قَوْلانِ، وَفِيهَا: وَمَا سَمِعْتُ مَالِكاً يُوَقِّتُ نِصْفاً مِنْ ثُلُثٍ ...
هذا تفريع منه على الأشهر، وحاصله أنه يغتفر ما دون الثلث، ولا يغتفر ما زاد عليه، (وَفِي الثُّلُثِ قَوْلانِ) وظاهر كلامه أن هذا في الأذن والذنب، ولابن بشير نحوه وهو صحيح، أما الأذن فقد نص ابن حبيب فيه على أن الثلث كثير.
وقال ابن المواز: النصف عندي كثير من غير أن أجد يه حداً.
فأخذ منه غير واحد أن الثلث يسير.
وأما الذنب فنص ابن المواز وابن حبيب على كثرة الثلث فيه.
وحكى التونسي قولاً بيسارته.
وفي البيان بعد أن ذكر أن ما دون الثلث من الأذن يسير باتفاق، وأن النصف كثير باتفاق: وإنما اختلف في الثلث والذنب والأذن فيما يستحق سواء.
وقال الباجي: الصحيح [233/ب] أن ذهاب ثلث الأذن يسير، وذهاب ثلث الذنب كثير؛ لأن الذنب لحم وعصب، والأذن
طرف جلد لا يكاد يستضر به، لكن ينقص الجمال كثرته.
وما ذكره المصنف عن المدونة ظاهر أنه في الأذن والذنب وليس هو كذلك فيهما بل هو خاص بالأذن.
وَالنَّهْيُ عَنِ الْخَرْقَاءِ وَالشَّرْقَاءِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُدَابَرَةِ بَيَاناً لِلأكْمَلِ عَلَى الأَشْهَرِ
النهي المشار إليه خرجه ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي عن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، ولا يضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء.
فالمقابلة هي التي قطع من جهة أذنها من قبل وجهها وترك معلقاً، وإن كان قطع من جهة قفاها فهي المدابرة، والشرقاء هي المشقوقة الأذن، والخرقاء: المثقوبة الأذن.
هكذا فسر أهل اللغة وأصحابنا.
الباجي: وأما القطع ي الأذن أو الأذنين كالمقابلة والمدابرة والخرقاء والشرقاء، فقال ابن القصار: لا يمنع الإجزاء إلا الاستحباب، وهذا قول مطلق.
والمذهب على أن الكثير يمنع الإجزاء.
ابن بشير: وحمل ابن القصار النهي المذكور على منع الكلام، وهو على قوله المتقدم يقصر منع الإجزاء على العيوب المذكورة.
وفي الرسالة: ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيراً وكذلك القطع.
وفي المدونة: ولا بأس في الأذن بمثل الميسم أو شق يسير أو قطع يسير.
وأما جدع الأذن أو شقها فلا يجوز، وما سمعت مالكاً يوقت في الأذن نصفاً ولا ثلثاً.
وعلى هذا ففي قول المصنف: (بيان الأكمل) على الأشهر نظر، ولا يقال: لعل كلام المصنف محمول على اليسير؛ لأنا نقول: لم يحكوا في اليسير خلافاً.
وَيُغْتَفَرُ كَسْرُ الْقَرْنِ مَا لَمْ يَكُنْ مُمْرِضاً كَالدَّامِي
هكذا قال في المدونة والرسالة.
قال في الرسالة: وإن لم يَدْمَ فذلك جائز.
وقال أشهب: لا يضحي بكسير القرن إن كان يَدْمَى، فإن فعل أجزأه.
وينبغي أن يكون هذا الخلاف راجعاً إلى تحقيق العلة؛ لأن المعتبر إنما هو المرض المبين.
التونسي: وإذا استؤصل قرناها وقد برئت أجزأت.
وفي كتاب ابن حبيب: لا تجزئ.
والصواب الأول؛ لأن ذلك ليس نقصاً في الخلقة ولا في اللحم؛ لأن النعاج لا قرن لها.
وعلى الإجزاء أكثر الشيوخ، وفهم أبو عمران وغيره المدونة عليه.
وَلَوْ كَانَتْ بغَيْرِ أُذُنٍ أَوْ ذَنَبٍ خِلْقَةً وَهِيَ السَّكَّاءُ وَالْبَتْرَاءُ فَكَقَطْعِهِمَا
أي: فلا يجزيان، وقوله: (السَّكَّاءُ) راجع إلى المخلوقة بغير أذن، و (الْبَتْرَاءُ) راجع إلى المخلوقة بغير ذنب.
وَالصَّمْعَاءُ جِدّاً كَالسَّكَّاءِ بخِلافِ الْجَمَّاءِ، وَالْبَشَمُ وَالْجَرَبُ كَالْمَرَضِ
الصمعاء والسكاء ممدودان، والصمعاء الصغيرة الأذنين.
أي: فإن كانت صغيرة الأذنين جداً فلا تجزئ كما لو كانت بغير أذنين، وهكذا قال الباجي؛ لأن الأذن إذا كانت من الصغر بحيث تقبح به الخلقة تمنع الإجزاء.
فإن قلت: ما ذكره المصنف مخالف للمدونة لقوله فيها: ولا بأس بالجلحاء وهي الجماء، والسكاء وهي صغيرة الأذنين.
ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء.
قيل: ليس هو خلاف؛ لأن المصنف إنما تكلم على الصمعاء جداً لا على مطلق الصمعاء.
والجماء: التي لا قرن لها.
ابن بشير: ولا خلاف فيها.
وحكى بعضهم فيها الإجماع.
والبشم: التخمة، ومعنى كون البشم والجرب كالمرض أنه إن كان بيِّناً لم تجزئ وإلا أجزأت.
وَفي السِّنَّ الْوَاحِدَةِ وَالاثْنَتَيْنِ قَوْلانِ، بخِلافٍ الْكُلِّ وَالْجُلِّ عَلَى الأَشْهَرِ
معناه: إن ذهب جميع الأسنان أو جلها ففيه قولان، أشهرهما أنه لا يجزئ، والقول بالإجزاء مبني على قول من قصر العيوب على الأربعة الواردة في الحديث، وعليه فلا إشكال في الإجزاء في السن والسنين، وأما على الأشهر فاختلف في الإجزاء في السن
والاثنتين كما ذكر المصنف، لكن في كلامه إجمال؛ لأن محل الخلاف إنما هو إذا كان من كبر، ويتبين بكلام اللخمي، قال: فلا تجزئ إذا كانت ذاهبة الأسنان بكسر أو شبهه، وتجزئ إذا كان من إثغار.
واختلف إذا كان لكبر.
فقال مالك في كتاب محمد: تجزئ.
وقال ابن حبيب: لا تجزئ.
والأول أبين.
واختلف في السن الواحدة ففي كتاب محمد: لا بأس بها.
وفي المبسوط: لا يضحي بها.
ومجمل قوله على الاستحباب؛ لأنه من العيوب الخفيفة.
انتهى.
وقد صرح في البيان بالاتفاق على الإجزاء في التي سقطت أسنانها لإثغار، وبالاتفاق على عدم الإجزاء في التي كسرت أسنانها.
وَفِي الْهَرَمِ كثِيراً قَوْلانِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلا نَصَّ فِي الْمَجْنُونَةِ، وَأُرَاهُ كَالْمَرَضِ
الخلاف في الهرم خلاف في حال هل هو من المرض المانع أو لا؟ وقال سحنون: في التي أقعدها الشحم أنها تجزئ.
وفي جعل الباجي الجنون كالمرض إشارة إلى تفريق اللخمي بين الدائم فيمنع، وبين غيره فلا يمنع.
وحكى ابن بزيزة في المجنونة خلافاً بين المتأخرين.
الْمَامُورُ: مُسْتَطِيعٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ حَاجِّ بمِنّى، بخِلافِ الرَّقِيقِ وَمَنْ فِي الْبَطْنِ، وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لا تُجْحِفُ بِمَالِهَ ...
يعني: أن المأمور بالأضحية من اجتمعت فيه شروط أربعة.
وقوله: (بِخلافِ الرَّقِيقِ) راجع إلى قوله: (حُرٌّ)، والمراد بالرقيق: الْقِن ومن فيه شائبة حرية كأم الولد والمدبر والمكاتب، واستحسن مالك الضحية لهم إذا أذن لهم [234/أ] السيد.
ومن في البطن كالعدم.
مالك في الموازية: ولا يعجبني أن يضحي عن أبوين الميتين.
قوله: (وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لا تُجْحِفُ بِمَالِهِ) تصوره ظاهر.
ابن بشير: وتحرز بالاستطاعة من الفقير، فإنها لا تلزمه، ولا يؤمر بها من تجحف بماله، وإن كان قادراً على شرائها، ولا يتحصل في المذهب حد المال المقتضي للأمر بها، لكن النظر إلى الإجحاف وعدمه.
انتهى.
وسئل مالك: أيضحي عن الصغير له ثلاثون ديناراً بنصف دينار؟ فقال: نعم.
ابن حبيب: يلزم من ماله في يده من وصي أو غيره أن يضحي عنه منهن ويقبل قوله في ذلك كما يقبل في النفقة سواء.
واحترز بـ (غير الحاج بمنى) من الحاج بمنى، فإن سنته الهدي فقط، ولا تشرع له الأضحية على المشهور، وظاهر ما في المبسوط لابن القاسم وما لأشهب في غيره أن المشروعية باقية.
وقولنا: الحاج بمنى يخرج من لم يحج من أهل منى.
قال في البيان: وفي المبسوط لابن كنانة: إنه لا يضحي أحد بمنى.
ظاهره: وإن لم يكن من الحاج وهو شذوذ.
وَيُضَحِّي عَنِ الصَّغِيرِ، وَلا يَشْتَرِكُ فِيهَا لَكِنْ لِلْمُضَحِّي أَنْ يُشْرِكَ فِي الأَجْرِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بخِلافِ غَيْرِهِمْ
يضحي عن الصغير؛ لاجتماع الأوصاف المتقدمة فيه، وهذا إن كان له مال، وإن لم ينك فقال ابن حبيب: يلزم الإنسان أن يضحي عمن تلزمه نفقته من ولد ووالد.
وفي العتبية ذلك غير لازم.
ونص في المدونة على أنه لا يلزمه أن يضحي عن الزوجة.
محمد عن مالك: وله أن يدخلها.
ابن حبيب: وإن لم يفعل فذلك عليها بخلاف الفطرة.
والفرق بين زكاة الفطر والأضحية أن زكاة الفطر من توابع النفقة، بخلاف الضحية فإنها قربة.
والإنسان لا يلزمه أن يتقرب عن الغير.
وقال ابن دينار: يلزمه أن يضحي عن زوجته إن لم يدخلها.
قوله: (وَلا يَشْتَرِكُ فِيهَا) قال في البيان: وروى ابن وهب عن مالك الاشتراك في هدي التطوع، ويلزم ذلك
في الأضاحي على القول بعدم وجوبها.
وقوله: (لَكِنْ ... إلخ) أي أن هذه الشركة جائزة، وهو الاشتراك في الأجر دون الشركة في ثمنها.
ولا فرق في ذلك بين أن يكونوا سبعة أو أكثر.
وقوله: (مَنْ فِي نَفَقَتِهِ مِنْ أَقَارِبهِ) يريد الساكنين معه أشار إلى ذلك في المدونة.
ابن حبيب: وله أن يدخل في أضحيته من بلغ من ولده، وإن كان غنياً، وأخاه وابن أخيه وأقاربه إذا كانوا في نفقته وبيته.
الباجي: فأباح ذلك بثلاثة أسباب: القرابة، والمساكنة، والإنفاق.
محمد: إن شاء أدخل في أضحيته أم ولده، ومن له فيه بقية رق، ولا يدخل يتيمه في أضحيته ولا يشرك بين يتيمين في أضحية وإن كانا أخوين، والجد والجدة كالأجانب.
الباجي: يريد أن الجد والجدة ليسا في نفقته، ولو كانا على ذلك لجاز عندي على ما تقدم في الأقارب.
وعندي أنه لا يصح التشريك لأهل بيته وإن لم يعلمهم بذلك.
ولذلك يدخل فيها صغار ولده، وهم لا يصح منهم قصد القرابة.
انتهى.
ابن عبد السلام: وفيه نظر لأن شرط حصول الثواب على القربة النية، وأما الصغار فإنها تسقط عنهم لعدم القصد مع أنها عبادة مالية، والوالي هو المخاطب بها كالزكاة.
انتهى.
وقال محمد- بعد قوله: أنه لا يدخل الجد والجدة وهما كالأجنبيين-: لا يضحي إلا عن كل واحد بشاة، إلا أن تكون زوج الجد يدخلها في شاة، كما لو بعثها إلى الجد فذبحها الجد عنه وعن زوجته.
ابن ميسر: وذلك بإذن الجد.
وَالأَوْلَى ذَبْحُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَنَابَ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ جَازَ
لأنها قربة.
ابن يونس وابن راشد: والمرأة في هذا كالرجل.
وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسكهن.
محمد: إلا من ضرورة أو ضعف.
ابن حبيب: أو كبر أو رعشة.
وظاهر كلام مالك أنه إن استناب لا يطلب بالإعادة؛ لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم استناب عليّاً رضي الله عنه في نحر بقية بدنه في الهدايا.
محمد: قال مالك: إن أمر مسلم غيره من غير عذر، فبئس ما صنع وتجزيه، وقال ابن حبيب: أحب إليَّ أن يعيد إن وجد سعة.
وفي مختصر ابن عبد الحكم قولُ أنه لا تجزيه إذا استناب مسلماً غيرُ مميز.
فَلَوْ قَصَدَ الذَّبْحَ عَنْ نَفْسِهِ فَفِي إِجْزَائِهَا قَوْلانِ
أي: فلو قصد المستناب الذبح عن نفسه، فقال مالك: تجزئ ربها، وقال أصبغ: لا تجزئ مالكها، وتجزئ عن الذابح ويضمن قيمتها، كمن تعدى على أضحية رجل فذبحها عن نفسه.
وقال الفضل بن سلمة: لا يجزئ عن واحد منهما.
ورد في البيان قول الفضل بأن الذابح لم يتعد في ذبحه، فوجب أن تكون النية نية ربها الحاضر، كمن أمر رجلاً أن يوضيه.
وفرق بأن الذابح مذكَّ للشاة بلا شك، بدليل أنه لا يصح أن يكون مجوسيّاً، وكل مذكَّ لابد له من النية بحضور ربها، وصف طردي بخلاف مسألة الوضوء.
وَلا تَصِحُّ اسْتِنَابَةُ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ كِتَابيّاً عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: إن كان غير كتابي فلا تصح اتفاقاً وفي الكتابي قولان؛ مذهب المدونة: لا تجزئ؛ لأنها قربة فلا تصح منه، والقول بالإجزاء لأشهب اعتباراً بنية المالك، فإن أمر رجل رجلاً يظن أنه مسلم فذبح، ثم تبين أنه نصراني، فعن مالك أنه يعيد، فإن نحر اليهودي أو النصراني من نفسه، فإن تَزَيَّا بزِيِّ المسلمين الذين [234/ب] يذبحون ضمن ذلك وعاقبه السلطان.
وَفِي تَارِكِ الصَّلاةِ قَوْلانِ
بناء على فسقه فتصحن أو كفره فلا تصح.
وَالاسْتِنَابَةُ بالْعَادَةِ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ تَصِحُّ عَلَى الأَصَحِّ كَالْقَرِيبِ
الاستنابة تكون بالتصريح، وقد تقدمت، وبالعادة كمن ذبح أضحية ولده أو والده، وجرت عادته القيام بأموره، ثم كلام المصنف يحتمل معنيين: أحدهما: الخلاف في القريب وغيره، وعليه مشاه ابن راشد، وهكذا حكى اللخمي الخلاف في القريب وغيره.
ويحتمل أن يكون القريب لا خلاف فيه.
وفي غير القريب قولان، وهذا مقتضى كلام ابن بشير؛ لكونه جعل استنابة القريب بالعادة كالاستنابة باللفظ.
ابن عبد السلام: وهذا ظاهر كلام المصنف.
ونقل ابن عبد السلام هذه الطريقة، ولكن لم يعزها لابن بشير، ونقل طريقة ثالثة: أن الخلاف إنما هو في القريب.
وكلام الباجي يقتضي أنه لا خلاف في المسألة لا في القريب ولا في غيره، وذلك لأنه وقع في المدونة بالإجزاء في القريب، ونقل عن أشهب عدم الإجزاء، فتأول الإجزاء بما إذا كان القريب مفوضاً إليه، وقول أشهب فيما إذا لم يكن مفوضاً إليه، ووقع لابن القاسم في الموازية في غير القريب قولان، قال: لو أن جاراً لي انصرف من المصلى فذبح أضحيتي إكراماً لي، فرضيت بذلك لم يجز، وقال أيضاً: إذا كان لصداقة بينهما ووثق به أنه ذبحها عنه أجزأته، فتأول ما وقع من الإجزاء على أنه كان فوض إليه.
قال: وأما إن ذبحها عنه بمجرد الصداقة، فالظاهر من المذهب أنه لا تجزئه لأنه متعدَّ، ولو شاء أن يضمنه لضمنه، إلا أن تكون هذه رواية بالإجزاء في التعدي، أنه إذا لم يرد صاحبها تضمينه فله وجه، وعلى هذا فمناط الحكم في القريب وغيره القيام بجميع الأمور، وأن من كان قائماً بجميع الأمور أجزأ ذبحه قريباً كان أو لا، ومن لم يكن قائماً بالجميع لم يجز ذبحه مطلقاً.
وهذه الطريقة رابعة، وتصحيح المصنف الصحة في غير القريب ليس بحسن لكونه مخالفاً للمدونة.
قال فيها: ومن ذبح أَحيتك بغير أمرك، فإما ولدك أو بعض عيالك ممن فعله ليكفيك مؤنتها، فذلك مجزئ عنك، وأما على غير ذلك فلا يجزئ، ونظير هذه المسألة ما لو زوج ابن أو أخ أخته البكر بغير إذن الأب، فقال في المدونة: يجوز إن كان قد فوض إليه القيام بجميع أموره.
وَيَاكُلُ الْمُضَحِّي وَيُطْعِمُ نِيئاً وَمَطْبُوخاً وَيَدَّخِرُ وَيَتَصَدَّقُ، وَلَوْ فَعَلَ أَحَدَهَا جَازَ وَإِنْ تَرَكَ الأَفْضَلُ ...
المذهب كما قال أنه لو أكلها كلها أو تصدق بها كلها كان تاركاً للأفضل، وكذلك إن اقتصر على اثنين منها.
وقال ابن المواز: التصدق بجميعها أفضل.
وحكى عبد الوهاب رواية شاذة بوجوب الأكل.
ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر من أضحيته.
وقال عثمان وابن المسيب وابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق.
يُكْرَهُ لِلْكَافِرِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَفِي تَحْدِيدِ الصَّدَقَةِ اسْتِحْبَاباً ثَلاثَةٌ: الثُّلُثُ، وَالنِّصْفُ، وَالْمَشْهُورُ: نَفْيُ التِّحْدِيدِ ...
القولان لمالك في العتبية في النصرانية تكون ظئر الرجل.
والأشهر هو اختيار ابن القاسم، ووجهه أنها قربة فلا يعان بها الكافر.
وعن مالك التخفيف في الذمي دون غيره كالمجوسي، وأشار ابن حبيب إلى أن من أباح ذلك إنما هو في الذي يكون في عيال الرجل.
وأما البعث إليهم فلا يجوز وكذلك فسره مطرف وابن القاسم وابن الماجشون، وقاله أصبغ.
وعكس ابن رشد فجعل محل الخلاف في الكراهة والإباحة إنما هو في البعث.
وأما من كان في عياله وأقاربه أو ضيفه، فلا خلاف في إباحة طعامهم.
فيتحصل من الطريقتين ثلاثة أقوال، والله أعلم.
قوله: (وَفِي تَحْدِيدِ الصَّدَقَةِ ... إلخ) تصوره واضح.
وَيُرَدُّ الْبَيْعُ، وَإِجَارَةُ الْجِلْدِ كَالْبَيْعِ خِلافاً لِسُحْنُونٍ، وَإِذَا فَاتَ فَثَلاثَةٌ: يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَلَحْمِهَا، وَكَمَالِهِ ...
قوله: (يُرَدُّ الْبَيْعُ) يدل بالالتزام على المنع منه ابتداء وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء؛ لما في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه
قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال نحن نعطيه من عندنا.
وكذلك لا يجوز أني دبغ بعض الجلود ببعض نص عليه ابن المواز.
ومنع مالك من أن يدهن أحد شراك النعل التي يصنعها بدهن الأضحية؛ لأنها بالدهن تحسن ويكون لذلك حصة من الثمن.
واختلف فيمن تصدق عليه أو وهب له لحم، فمنعه مالك من البيع؛ لأن قصاراه أني تنزل منزلة الأصل بالقياس على الوارث.
وقال أصبغ: يجوز له البيع كالصدقة على الفقير، والزكاة.
ابن غلاّب: وهو المشهور.
قوله: (وَإِجَارَةُ الْجِلْدِ كَالْبَيْعِ ... إلخ) قال التونسي: وأجاز سحنون أن يؤاجر جلد أضحيته، وكذلك جلد الميتة، وفيه نظر؛ لأن بيع جلدها لا يجوز، واستئجارها انتهاك لأعيانها، فيؤدي ذلك إلى بيعأعيانها شيئاً فشيئاً.
انتهى.
وقيد ابن أبي زيد قول سحنون في جلد الميتة بأن مراده بعد الدبغ.
وقوله: (فإن فات) أي: فات المبيع من لحم أو غيره فثلاثة أقوال:
الأول لابن القاسم وابن حبيب: أنه يتصدق به.
والثاني لسحنون: [235/أ] أنه يصرف الثمن فيما يصرف فيه المثمون، ويجعل ثمن الجلد في ماعون، وثمن اللحم في طعام.
الثالث لابن عبد الحكم: انه مال من أمواله يصنع به ما شاء.
والتصدق بالثمن على قول ابن القاسم إنما هو إذا تولى المضحي البيع بنفسه أو أمر بذلك غيره، وأما لو تولاه غيره بغير أمره، كما لو باعه أهله وفرقوا ثمنه، فنص ابن القاسم في العتبية على أن ذلك لا يلزمه.
قال في البيان: ومعناه إذا صرفوا الثمن يما له غنى عنه، وأما إن صرفوه فيما لا غناء له عنه، فعليه أن يتصدق به.
ابن عبد السلام: وما قاله صحيح، ومعناه يتصدق بالأقل من الثمن، أو مما صرفوه، كما قالوا ذلك في المحجور يبيع شيئاً، ويصرفه في مصالحه، ثم ينقض البيع.
وينبغي إذا سقط عن المضحي التصدق بالثمن ألا يسقط عن الأهل الذين تولوا البيع.
الْوَقْتُ: وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ، وَمَبْدَؤْهَا يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ صَلاةِ الإِمَامِ وَذَبْحِهِ فِي الْمُصَلَّى، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ أَعَادَ ...
لا خلاف عندنا أن أيام النحر ثلاثة؛ يوم النحر ويومان بعده، وهو مذهب علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، ذكره في الموطأ.
ومذهبنا مراعاة ذبح الإمام؛ لما في مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بهم يوم النحر بالمدينة، فسبقه رجال فنحروا، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد.
وقوله: (وَذَبْحِهِ فِي الْمُصَلَّى) أي: السنة أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى؛ ليعلم الناس ذبحه، وأما إن لم يذبح الإمام فالمعتبر صلاته.
فَإِنْ لَمْ يُبْرِزْهَا فَفِي الذَّبْحِ قَبْلَهُ قَوْلانِ، وَلَوْ تَوَانَى
الباجي: إن أظهر إمام المصلى ذبح أضحيته بإثر الصلاة فمن ذبح قبله فالمشهور عن مالك أنه لا يجزيه، وإن لم يظهر فحكى المصنف في إجزاء الذبح قبله قولين تبعاً لابن بشير، فقال: إن لم يبرزها وثواني فالمشهور عدم الإجزاء؛ لما ثبت من وجوب الاقتداء به.
والثاني: الإجزاء لأنه إنما يقتدي به، إذا اقتدى بفعله صلى الله عليه وسلم في إبراز الضحية.
انتهى.
وعدم الإجزاء مذهب الموازية، ففيها: ون ذبح أحد قبله في وقت لو ذبح الإمام بالمصلى لكان هذا قد ذبح قبله لم يجزه.
وقيد ابن يونس بأن لا يتوانى، وأما إن توانى بعد وصوله إلى داره فمن ذبح في وقت لو لم يتوانَ الإمام وذبح في داره لكان هذا ذابحاً بعده أجزأه.
ونحوه لصاحب البيان قال: إلا أن يتوانى بعذر من اشتغال بقتال عدو أو غيره، فينتظرونه ما لم يخرج وقت الصلاة بزوال الشمس.
وقال ابن راشد: وقوله: (وَلَوْ ثَوَانَي) يقتضي أن الخلاف في الإجزاء وعدمه إذا ذبح قبل الإمام سواء توانى الإمام في
الذبح أم لا.
ولم أقف على ذلك، فإن القائل بعدم الإجزاء قال: إن توانى الإمام في الذبح، فإن الذابح قبله يجزئه.
ابن رشد: وقال أبو مصعب: إن لم يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى، فليس على الناس أن ينتظروه حتى يرجع إلى منزله.
ومن ذبح بعد القدر الذي كان يذبح فيه في المصلى فضحيته جائزة.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَذَبْحُ أَقْرَبِ الأَئِمَّةِ إِلَيْهِ عَلَى التَّحَرِّي، فَإِنْ تَحَرَّى فَأَخْطَأَ أَجْزَأَ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
أي: فإن لم يكن لهم إمام فإنهم يتحرون أقرب الأئمة إليهم، والفرق على المشهور بين هذا الفرع والذي قبله أن الإمام إذا لم يكن عندهم يعسر الاطلاع على ذبحه، والشاذ رواه أشهب عن مالك.
وَالإمَِامُ الْيَوْمَ الْعَبَّاسِيُّ أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ
نحوه للخمي، وأشار إلى أن المتغلبين يكونون كمن لا إمام لهم.
وقال التونسي: الإمام المعتبر ذبحه الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد.
وقال ابن رشد: المراعي في ذلك الإمام الذي يصلي صلاة العيد بالناس، إذا كان مستخلفاً على ذلك.
وَلا يُرَاعَى قَدْرُ الصَّلاةِ فِي الْيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
المشهور رواه ابن حبيب عن مالك وقاله الباجي؛ وهو قول ابن المواز قال: وتذبح إذا ارتفعت الشمس وحلت النافلة، ولو فعل ذلك بعد الفجر أجزأه.
وقال أصبغ: إذا طلع الفجر جاز الذبح في هذين اليومين.
فإذا تقرر هذا علمت أن من لا يراعي وقت الصلاة لا يراعي طلوع الشمس إلا استحباباً، ولا يؤخذ هذا من كلام المصنف.
وتشهير المصنف هو الصحيح وإن كان ابن بشير جعل الشاذ هو المشهور.
وَيُرَاعَى النَّهَارُ عَلَى الْمَشْهُورِ
قد تقدم هذا.
وَالأَوَّلُ أَفْضَلُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى أَوَّلِ مَا بَعْدَهُ قَوْلانِ
أما أفضلية النصف الأول من الأولى فمجمع عليه لفعله صلى الله عليه وسلم، واختلف هل النصف الثاني منه أضل من أول اليوم الثاني وإليه ذهب ابن المواز، أو أول الثاني أفضل؟ وهو قول مالك في الواضحة، بل صرح بكراهة ما بعد الزوال، قال: وكذلك الثاني يذبح فيه من ضحى إلى زوال الشمس، فإن فاته أمر بالصبر إلى ضحى اليوم الثالث.
ابن يونس: وحكى لنا بعض فقهائنا القرويين قال: سمعت أبا الحسن ينكر قول ابن حبيب هذا، وقال: بل اليوم الأول كله أفضل من اليوم الثاني والثاني أفضل من الثالث.
ورواية ابن المواز واختياره أحسن من هذا، والذي [235/ب] عند ابن المواز هو المعروف.
ولو قال المصنف: وفي أفضلية ما بعد الزوال على أول ما بعده أو العكس لكان أحسن؛ لأن كلامه ليس بنص في أن القول الآخر يقتضي أفضلية أول الثاني لاحتمال فهم التساوي.
ورأى القابسي واللخمي أن هذا الخلاف جارٍ أيضاً فيما بين آخر الثاني وأول الثالث.
وقال ابن رشد: لا يختلف في رجحان أول اليوم الثالث على آخر الثاني.
فائدة:
نقل الباجي أن الأبهري وابن القصار رويا أنه يستحب لمن أراد أن يضحي إذا رأى هلال ذي الحجة ألا يقص شعراً، ولا يقلم ظفراً حتى يضحي، قالا: ولا يحرم ذلك عليه.
قال: وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس في ذلك استحباب.
وقال احمد وإسحاق: يحرم عليه الحلق.
ودليلنا على الاستحباب حديث أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى هلال ذي الحجة فأراد أنا يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من
أظفاره حتى يضحي".
رواه مسلم والترمذي وأبو داود.
الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
وهذا نهي، والنهي إذا لم يقتض التحريم حمل على الكراهة.
ودليلنا على نفي الوجوب حديث عائشة المتقدم في كتاب الحج: فَتلْتُ قلائدَ هدي رسول الله صلى الله عليه وسل بيدي، ثم بعثت مع أبي فلم يحرم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أحله الله له.
ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسل ضحى في ذلك العام.
الْعَقِيقَةُ: ذِبْحُ الْوِلادَةِ، وَأَصْلُهُ شَعَرُ الْمَوْلُودِ
ينبغي أن تضبط الذال من (ذِبْحُ) بالكسر؛ ليكون المراد ما يذبح، ويحتمل الفتح على إرادة المصدر؛ لأن ذلك يستلزم مذبوحاً.
الجوهري: و