اللخمي: ويلزم على قوله أنه إن أحرم بعمرة وهو على بعد ألا يحل إلا في الوقت الذي يحل فيه لو لم يحصر.
ابن عبد السلام: وأما قول المؤلف: (وروي أيضا: ينتظر حتى لو خلي لم يدرك الحج) فهو في الحقيقة غير القول الذي اعتبر فيه العلم.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن علمه يمقام العدو قد يكون قبل ما لو خلي لم يدرج الحج.
فرع:
قال في المبسوط فيمن حل له الإحلال فلم يفعل حتى أصاب النساء.
إن كان نوى أن يحل فلا شيء عليه، وإن نوى أن يقيم على إحرامه لقابل فقد أفسد حجه وعليه أن يقضي حجته تلك.
وَلَوْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنِ الْبَيْتِ فَفِيهَا: تَمَّ حَجُّهُ، وَلا يُحِلُّهُ إِلا الإِفَاضَةَ وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ فَائِتِهِ مِنَ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنىً– هَدْيٌ كَمَا لَوْ نَسِيَ الْجَمِيعَ، وَقِيلَ: لا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَنْتَظِرُ أَيَّاماً فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ الإِفَاضَةُ وَإِلا حَلَّ ....
نحوه في المدونة، ولم يبين فيها هل حصر بمرض أو عدو؟ وحملها سحنون على أنه بمرض وذكره عن مالك، ومثله في الواضحة، وكذلك في موضع من كتاب محمد، وفي موضع آخر منه: بعدو.
ابن أبي زيد: ورواية بعدو أصوب.
وقال غيره: لو كان بعدو لما لزم الهدي؛ لأن مذهب ابن القاسم سقوط الهدي عمن أحصر بعدو، وأجيب بأن ذلك إنما هو في حق من لم يقف بعرفة.
وقوله: (وَلا يُحِلُّهُ إِلا الإِفَاضَةَ) أي: لا يزال محرماً ولو أقام سنين –حتى يطوف للإفاضة؛ إذ لا يتم الحج إلا به، وعليه لجميع فائته من الرمي والمبيت بمزدلفة ومنى – هدي، كما لو نسي الجميع، وقال التونسي في هذه المسألة: الأشبه أن يخير بين أن يبقى على
إحرامه أو يحل ويبطل حجه ويكون عليه الحج إن كان ضرورة، قال: ولا يكون أسوأ حالا ممن حصره العدو قبل وقوف عرفة.
وقوله: (وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ فَائِتِهِ ... إلخ) هو مذهب المدونة.
وقوله: (كَمَا لَوْ نَسِيَ الْجَمِيعَ) هو كذلك في المدونة.
خليل: ولو قيل: إذا نسي الرمي والمبيت بالمزدلفة بالتعدد ما بَعُدَ؛ لتعدد الموجبات كما في العمد.
وكأنهم لاحظوا أن الموجب واحد لا سيما وهو معذور.
ابن راشد: والقائل بإسقاط الهدي قاسه على التحلل قبل الوقوف.
وما ذكره عن الباجي هو كذلك في المنتقى، وهو يقتضي أنه حمل مسألة العدو.
فَإِنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ لَمْ يَحِلَّ إِلا أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَلا يَكْفِي طَوَافُ الْقُدُومِ وَلا هَدْيَ عَلَيْهِ ...
لما كان حصر العدو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يحصر عن البيت والوقوف.
والثاني: أن يحصر عن البيت فقط وتكلم المصنف عليهما.
وأتبع ذلك بالكلام على القسم الثالث وهو أن يحص عن عرفة فقط.
وإنما لم يحل إلا بالبيت لقدرته عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
ولم يكفه طواف القدوم والسعي بعده؛ لكونه لم ينو بهما التحلل، وهذا مذهب المدونة.
وقال عبد الملك: يكفيه طوافه وسعيه أولاً، وذكر ابن بشير خلافاً فيمن صد بعدو بعد أن طاف طواف القدوم ولم يقف بعرفة هل يجوز له التحلل أم لا؛ لأنه لم يأت التحلل إلا فيمن صد عن البيت قبل الوصول إليه؟
وَلا قَضَاءَ عَلَى مَحْصُورٍ
لأنه معذور، ولا خلاف في ذلك عندنا، وأوجب أبو حنيفة القضاء وذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما صد عن عمرة الحديبية ووقع الصلح على أن قاضي أهل مكة على تمكينه في العام القابل، فاعتمر هو وأصحابه في العام المقبل وسميت عمرة القضاء.
والمالكية يقولون: إنما سميت عمرة القضاء؛ لمقاضاته عليه الصلاة والسلام، والحنفية تقول: لأنها قضاء والله أعلم.
وَلا تَسْقُطُ الْفَرِيضَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَسْقُطُ
والأول هو القياس كسائر الفرائض ووافق ابن الماجشون أبو مصعب وسحنون ورأوا أنه قد أتى بالمقدور وبذل وسعه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كما قالوا لسقطت الفريضة ولو أحصر قبل الإحرام، وقد وافقوا على أنها لا تسقط.
وحكى المازري أن الداودي ذكر في كتاب النصيحة عن أبي بكر الثعالبي أن الفريضة تسقط وإن صد قبل أن يحرم.
المازري: وأظن أنه حكاه عن رجل آخر من أصحابنا، وكان بعض شيوخنا يستبشع هذا القول.
عياض: والذي رأيته في كتاب النصيحة للداودي ما هذا نصه: إن من صد بعد إحرامه لم تسقط عنه حجة الفريضة.
وقال أبو مصعب: إنه يجزئه عن حجة الفريضة.
وزاد ابن القرطي: إذا صد أجزأه عن حجة الفريضة، وإن لم يكن أحرم.
وهو بعيد في النظر.
انتهى قوله.
ولم أره ينسب القول إلى الثعالبي ولا غيره سوى ابن شعبان، والثعالبي هو أبو بكر تلميذ [209 / ب] ابن شعبان فقيه مصر في وقته.
انتهى.
وَلا يُوجِبُ تَحَلُّلُ الْمَحْصُورِ دَماً خِلافاً لأَشْهَبَ
أي: بعدو.
ومنشأ الخلاف هل قوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ([البقرة: 196] يتناول المحصور بعدو أم لا؟ وقد اختلف في ذلك أئمة اللسان فنقل أبو عبيدة عن
الكسائي أنه قال: أحصر في المرض وذهاب النفقة.
وحصر في العدو والسجن؛ لقول ابن عباس: لا حصر إلا في العدو.
وقال الفراء: العرب تقول: أحصر بالمرض وحصره العدو، ولا يقال: حصره إلا في العدو.
وقال ابن فارس في المجمل: ناس يقولون: حصره المرض وأحصره العدو عكس الأول، وحكى ابن قتيبة وغيره في المرض وجهين.
ابن بشير وابن هارون وابن راشد: والأول هو المشهور عن أهل اللسان، ورجح اللخمي وغير واحد قول أشهب؛ لأن الآية نزلت بسب عمرة الحديبية، قاله ابن عبد البر وغيره، وأجيب بأن الهدي لم يكن لأجل الحصر، وإنما كان بعهم ساق هديا فأمره بذبحه ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهدي لحصرهم، قاله التونسي وابن يونس.
وضعف قول أشهب بقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (والمحصور بعدو يحلق رأسه حيث كان.
فرع:
قال ابن الماجشون: إذا كان العدو منع من طريق فليس عليه أن يأخذ طريقاً آخر يسلكه في الانتقال حيث لا يسلك بها، ولا يركب المخاوف، وإن لم يجد إلا هذا فهو محصور، وإن وجد طريقا مأمونة معلومة وهي أبعد فليس بمحصور إن بقي من المدة ما يدرك فيه الحج.
وَلا يَجُوزُ قِتَالُ الْحَاصِرِ مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، وَلا إِعْطَاءُ مَالٍ لِلكَافِرِ
نحوه لابن شاس.
ابن عبد السلام: وسواء كان بمكة أو بالحرم.
وأما إعطاء المال على أن يخل بين الناس وبين مكة فلا يجوز إن كان كافراً، ومفهوم كلامه أنه يجوز إن كان مسلما، والأصل في منع القتال ما في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام، قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة".
وفي حديث أبي شريح، وهو في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً".
قال سند: إن كان العدو المانع كافراً أو لم يبدأ بالقتال فهو بالخيارين التحلل والقتال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقاتل من صده مع علوه على الصاد، وإن طلب الكافر مالاً على الطريق كره له دفعه نفيا للمذلة.
وإن كان الصاد مسلماً فهو كالكافر في القتال؛ لأنه ظالم.
انتهى.
ابن هارون: والصواب قتال الصاد انتهى.
وفي الكافي: وأما من أحصر بعدو غالب من فتنة أو غيرها فلهم قتال العدو ولهم تركه والتربص، فإن كشف الله عنهم ذلك ورجوا إدراك حجهم نهضوا، وإن يئسوا من زوال العدو نحر من كان معه هدي وحلق كل واحد منهم، وسواء كان ذلك في الحل أو في الحرام.
انتهى.
وفي الإكمال قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة".
هو محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كان خوف أو حاجة إليه جاز، وهو قول مالك والشافعي وعطاء وعكرمة، وكرهه الحسن البصري تمسكاً بظاهر الحديث.
وحجة الآخر دخوله عليه الصلاة والسلام عام القضية بما شرطه من السلاح، ودخوله يوم الفتح وعلى رأسه المغفر.
عليه إذا احتاج إليه وحمله الفدية، ولعل هذا في حاجته إلى المغفر والدرع وشبههما فلا يكون خلافا، ثم قال: وقول الكافة أن هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم لقوله عليه الصلاة والسلام: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار" فخص بما لم يخص به غيره.
وقال القاضي في كتاب الجهاد: ولم يختلف في دخول النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان حلالا بدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه كان دخلها محارباً حاملاً للسلاح هو وأصحابه، ولم يختلفوا في تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولم يختلفوا أن من دخلها لحرب بعده أو لغيره أنه لا يحل له دخولها حلالاً.
انتهى فانظره.
وحكى الخطابي أنه إنما حل له تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وغيره، والصواب في مذهب الشافعي جواز القتال.
النووي: والجواب عن الأحاديث المذكورة ما أجاب ب الشافعي في كتاب سير الواقدي أن معناه تحريم نصب القتال وقتالهم بما يعلم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن صلاح الحال بدون ذلك.
وَالْحَصْرُ عَنِ الْعُمْرَةِ كَالْحَجِّ
أي: في جواز التحلل منها بتحقق المانع أو ظنه كما تقدم.
والحصر في العمرة هو الأصل؛ لأن ذلك محل النص، والحصر فيها إنما يكون عن البيت.
قال في الذخيرة: قال ابن القاسم: وليس للعمرة حد بل يتحلل وإن لم يخش الفوات؛ لأنه عليه الصلاة والسلام صد وهو محرم بعمرة ولم يتأخر، وقال عبد الملك: يقيم ما رجا إدراكها ما لم يضره ذلك.
انتهى.
وقوله: (إدراكها) أي: بزوال العدو، وصرح بذلك الباجي.
فإن استوطن العدو فإنه يجوز له الإحلال عنده.
الباجي: إلا أن ترجى إباحة الطريق، فإن التوقف في ذلك [210/أ] ومحاولته يجري مجرى زواله.
وَفَوَاتُ الْوُقُوفِ بِخَطَأِ الْعَدَدِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِ، غَيْرِ الْعَدُوِّ وَلا يُحِلُّهُ إِلا الْبَيْتُ –وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ– فَيَتَحَلُّلُ بأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى إِهْلالِهِ الأَوَّلِ وَلا يَعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْحَصْرِ، وَيُعِيدُهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إِحْرَامٍ ...
يعني: أن من فاته الوقوف بعرفة (بِخَطَأِ الْعَدَدِ) أي: فإن علموا أول الشهر ثم نسوه– وقد تقدم حكم ما إذا كان بسبب خطأ أهل الموسم في الرؤية – أو فات الوقوف بمرض (أَوْ غَيْرِهِ) أي: من عدم رفيق، أو مركوب، أو عدم الدليل على الطريق.
وقوله: (لا يُحِلُّهُ إِلا الْبَيْتُ وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ) أي: ويجب التمادي على إحرامه.
قوله: (فَيَتَحَلُّلُ بأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى إِهْلالِهِ الأَوَّلِ) أي: من غير أن يجدد إحرامها، لما تقدم أن العمرة لا ترتدف على الحج، ولا يعتمد بما فعله من طواف وسعي قبل الفوات؛ لأنه لم ينو به التحليل.
خليل: وإذا ثبت أنه لا يجدد لعمرته إهلالا يحصل له أجر عمرة.
وأيضا فقولهم: إنه لو وطئ فيها ليس عليه بدلها يدل على ذلك والله أعلم.
والفرق بين العدو والمرض، وما ذكر معه أن العدو أمر غالب عام والمرض خاص، ولأن المرض وغيره، قد يمكنه إتيان البيت بوجه ما، والله سبحانه أعلم.
وَلا يُجَدِّدُ إِحْرَامَهَا إِلا مِنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ، أَوْ أَرْدَفَهُ فِي الْحَرَمِ
قوله: (إِحْرَامَهَا) أي: العمرة؛ أي: إذا أحرم بالحج من الحرم أو أردفه فيه فإنه يحتاج إلى تجديد إحرام، هذا مقتضى كلام المنصف، وليس كذلك، وإنما يؤمر أن يخرج إلى الحل فيلبي منه ويدخل إلى العمرة، ويحج قابلاً ويهدي، ظن أن مراده بقوله:"يلبي" تجديد الإحرام.
ابن عبد السلام: وليس ذلك مراده ولا ذهب إليه أحد من الشراح فيما علمت، وإنما أمر بالخروج لما علم من غير موضع أن كل نسك لابد أن يجمع فيه بين الحل والحرم.
وَلَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ، فَيُجْزِئُهُ وَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فَفِي الْهَدْيِ قَوْلانِ ...
الضمير في قوله: (وَلَهُ) عائد على من فاته الحج بأحد الوجوه المتقدمة.
وظاهر كلامه أنه مخير في البقاء على إحرامه، ونص في المدونة والعتبية على استحباب التحلل.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من فاته الحج فليهل بعمرة وعليه الهدي قابلاً".
وقوله: (وَلا دَمَ) أي: على من بقي على إحرامه.
وقوله: (وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةُ) راجع إلى قوله: (وَلَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ) وحاصله أنه مخير ما لم يدخل مكة، فإذا دخلها فهل له التمادي؟ قولان.
والقول الثاني من كلام المنصف هو مذهب المدونة والموازية، قال في المدونة في أول الحج الثالث: وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإذا دخلها فليطف بالبيت ويسعى ويحل من إحرامه ذلك ولا يثبت عليه.
سند: يريد أنه يكره له
التمادي على الإحرام خشية ارتكاب المحظورات.
وألحق اللخمي بمكة في استحباب التحلل ما إذا كان قريبا منها.
وما صدر المصنف به حكاه ابن نافع عن مالك.
وقوله: (فَيُجْزِئُهُ) يعني: إن بقي على إحرامه وحج من قابل أجزأه عن حجة الإسلام.
وهذا هو مذهب المدونة.
وقال ابن وهب: لا يجوز له البقاء على الإحرام وإن بقي فلا يجزئه عن حجة الإسلام.
ابن راشد: والأول أصح؛ لأن إحرامه إنما كان عن حجة الإسلام وقد بقي على ذلك الإحرام حتى حج.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فَفِي الْهَدْيِ قَوْلانِ) مذهب المدونة السقوط ومذهب العتبية الوجوب؛ إما لأنه لتأخبر أفعال الحج عن وقته، وإما على سبيل الاحتياط إذا الغالب عدم الوفاء بحق الإحرام مع طول المقام ولهذا قال بعضهم: إذا أهدى لا يأكل منه؛ لاحتمال أن يكون أماط أذى، والدم إذا كان لإماطة الأذى لا يؤكل منه.
فَإِنْ تَأَخَّرَ إِلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلا يَتَحَلَّلُ، فَإِنْ تَحَلَّلَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَمْضِي وَلا يَكُونُ مُتَمَتِّعاً؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْ بِعُمْرَةٍ، وَقَالَ أَيْضاً: لا يَمْضِي، وَقَالَ أَيْضاً: يَمْضِي وَيَكُونُ مُتَمَتِّعاً ....
يعني: فإن أراد البقاء على إحرامه ثم بدا له أن يحل فذلك له ما لم تدخل أشهر الحج من العام لمقبل، فلا يتحلل؛ لسيارة ما بقي، فإن تحلل فهل يصح تحلله؟ قال ابن القاسم أولاً: يمضي تحلله ويصح.
وقال أيضاً: لا يمضي تحلله؛ بناء على أن الدوام كالابتداء فلا يمضي أو لا فيمضي؟ وإذا قلنا أن تحلله يمضي وحج ذلك العام فهل يكون متمتعا؟
قولان لابن القاسم أيضاً، والأقرب أنه ليس بتمتع؛ لأن المتمتع من تمتع بالعمرة إلى حج، وهذا إنما تمتع من حج إلى حج، وعلى قول ابن القاسم أنه يكون متمتعا يجب عليه دم التمتع؛ لأنه استمتع بتحلله كما في العمرة.
التونسي: وعلى هذا القول أنه إنما يجب عليه الهدي إذا حج من عامه، فإن لم يحج من عامه فلا.
وفي هذا نظر؛ لأنه قد انتفع بالتحلل الذي حل به من الإحرام، فيجب أن يكون عليه الدم بكل حال، حج من عامه أو لم يحج، كما لو حل قبل أشهر الحج لكان عليه دم التحلل وإن لم يكن ممتعا.
انتهى.
وهذه الثلاثة الأقوال في المدونة.
ولم يختلف قول ابن القاسم فيها ثلاث مرات إلا في هذه المسألة.
فَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ بَعْدَ الإِفْسَادِ أَوْ قَبْلَهُ فَلا يَبْقَى وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ فِي قَابِلٍ، وَدَمُ الْفَوَاتُ لا دَمُ قِرَانٍ.
وَمُتْعَةٌ لِلْفَائِتِ بِخِلافِ الْمُفْسِدِ وَشُبِّهَتْ بِمُتَعَدِّي المِيقاتِ يُحْرِمُ ثُمَّ يَفُوتُ أَوْ يَفْسُدُ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَكَالأَصْلِ ...
يعني: فإن اجتمع في الحج فوات وإفساد، سواء كان الإفساد أولاً أو ثانياً فلا يجوز له البقاء هنا على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفساد، ويتحلل بعمرة من الحل؛ يريد إذا كان أحرم بالحج من مكة أو أردفه فيه، ولو كان إحرامه من الحل لم يخرج إليه كما تقدم.
قوله: (وَيَجِبُ الْقَضَاءُ) ظاهر كما في سائر صور الإفساد والفوات، ثم لا يخلو إما أن يكون ما فاته أو أفسده إفرادا أو تمتعا أو قرانا، فالإفراد لا يحتاج فيه إلا إلى هديين، أحدهما للفوات والثاني للفساد.
ابن عبد السلام: هذا مذهب المدونة، وقيل: يسقط عنه دم الفساد إذا جامع ثم فاته الحج.
انتهى.
وإن كان قراناً أو تمتعاً فقال المصنف: لا شيء عليه في ذلك القران أو التمتع، يكون عليه إذا قضى ثلاث هدايا؛ هدي للفساد وهدي للفوات وهدي للقران أو التمتع الثاني.
وما حكاه من سقوط دم القران الفائت هو في الموازية من رواية أبي زيد عن ابن القاسم.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يسقط حكاه الباجي.
ونسب اللخمي القولين لابن القاسم قال: والسقوط أحسن؛ لأنه آل أمره إلى عمرة ولم يتم القران.
وحكى ابن يونس عن ابن القاسم في سقوط دم المتعة قولين أيضاً، وقال في البيان: مذهب المدونة أن الفوات.
لا يسقط عنه دم القران إن كان قارنا ولا دم إن وطيء قبل أن يفوت الحج، قال في الحج الثالث فيمن وطيء ثم فاته الحج أن عليه هديين، والتمتع مقيس عليه.
وقوله: (بِخِلافِ الْمُفْسِدِ) أي: فإنه يجب عليه القران والتمتع.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك.
انتهى.
والفرق أن الفوات يبيح القطع فتذهب صورة القران والتمتع في الصورة والحكم، بخلاف الإفساد فإنه يجب معه التمادي فتبقى صورتها ظاهرة، فلذلك وجب ترتب أثرها وهو الهدي كما في الصحيح.
قوله: (وَشُبِّهَتْ) أي: وشبهت هذه المسألة في سقوط الدم في الفوات دون الفساد، بما تقدم من أن المشهور سقوط دم التعدي عنه إذا فاته الحج، بخلاف ما إذا أفسدته، فإنه لا يسقط عنه الهدي، وهذا التشبيه لابن يونس وغيره.
هذه المسألة تقدمت من كلام المصنف وذكر فيها عن ابن القاسم أن عليه أربع هدايا.
وأن أصبغ قال: عليه ثلاث وهو الصحيح.
لكن بين هنا أنه لا فرق بين تقدم الفوات على الإفساد أو العكس.
وقوله: (وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَكَالأَصْلِ) ظاهر وقد تقدم.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُحْصَرِ هَدْيٌ حَبَسَهُ مَعَهُ إِلا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ فَلْيَبْعَثْ بِهِ فَيُنْحَرَ بِمَكَّةَ
أي: المحصر بمرض؛ لأن حكم هدي المحصر بالعدو قد تقدم أنه يذبحه حيث كان، وأمر بحبسه لاحتمال أن يصح إنه يبعثه إذا لا مانع للهدي.
قال في الذخيرة: وإن قدر المحصر – أي: بعدو – على إرسال الهدي أرسله وإن تعذر نحره في الحل.
وَلا يُجْزِئُ هَدْيٌ مَعَهُ عَنِ الْفَوَاتِ بَعَثَهُ أَوْ تَرَكَهُ
يعني: أن ما قلده المحرم أو أشعره قبل أن يفوته الحج لا يجزئه عن دم الفوات سواء بعثه أو تركه عنده؛ لأنه بالتقليد وجب فلا يجزئ عن واجب آخر.
وقد اختلف قول مالك فيمن ساق هديا في عمرة ثم أردف الحج أو فرغ من عمرته وتمتع هل يجزئه ذلك الهدي عن تمتعه وقرانه؟ والذي رجع إليه في المدونة في مسألة التمتع – الإجزاء وكذلك قال في المدونة في امرأة دخلت مكة بعمرة فحاضت قبل أن تطوف، وخشيت فوات الحج، أنها تردف الحج على العمرة، ويجزئها عن دم القران ما ساقته أولا قبل إردافها.
خرج بعضهم خلافاً في تعيين الهدي بالتقليد والإشعار من هذه المسألة، وعلى هذا فلا يبعد أن يختلف في مسألة الفوات والله أعلم.
وَيُؤَخَّرُ دَمُ الْفَوَاتِ إِلَى الْقَضَاءِ، وَفِي إِجْزَائِهِ قَبْلَهُ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَكَانَ مَالِكٌ يُخَفِّفُهُ ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ لَمْ يُجِزْئُهُ مَا أُهْدِيَ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ
قال في المدونة: ولا ينحر الهدي إلا في حجة القضاء، فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدي الفوات في عمرته أجزأه.
وقد كان مالك يخففه ثم استثقله.
قال ابن القاسم: ولا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء، وإن فعل أجزأ، ثم ذكر ما ذكره المصنف عنه.
ونقل ابن يونس عن أشهب عدم الأجزاء إن قدمه.
إنما أمر بتأخير الهدي لحجة القضاء ليتفق الجابر النسكي والجابر المالي.
ورأى بعض الشيوخ أن ما استدل به ابن القاسم مصادرة على المطلوب، وأن من يقول بعدم الإجزاء إذا تقدم يخالف في مسألة الميت.
وَلَوْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ، أَوْ فَاتَ ثُمَّ أَفْسَدَ قَبْلَ تَحَلُّلِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيهَا فَقَضَاءٌ وَاحِدٌ وَهَدْيَانِ، وَلا بَدَلَ لِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ ...
تصور كلام واضح.
وقوله: (فَقَضَاءٌ وَاحِدٌ) أي: للحج.
(وَهَدْيَانِ) أي: هدي للفوات وآخر للفساد.
ولا بدل لعمرة التحلل.
أي: لا يقضيها لأنها ليست عمرة في الحقيقة بدليل أنه لا يحرم لها، وإنما هي تحلل بطواف وسعي.
وَلا تُفِيدُ الْمَرِيضَ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ أَوَّلاً بِتَقْدِيرِ الْعَجْزِ
يعني: أن المريض إذا أحرم وشرط أنه إن حصل له عجز يتحلل – فلا تفيده تلك النية، وكذلك أيضاً إن شرطت المرأة عند إحرامها أنها إن حصل لها حيض تحللت– لم يفدها ذلك الشرط؛ لأنه شرط مخالف لسنة الإحرام.
وَحَبْسُ السُّلْطَانِ كَالْمَرَضِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لا كَالْعَدُوِّ، وَثَالِثُهَا إِنْ كَانَ حُبِسَ لِحَقٍّ فَكَالْمَرَضِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُنْتُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ فَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ اتُّهِمُوا بِدَمٍ فَحُبِسُوا بالْمَدِينَةِ مُحْرِمِينَ، فَقَالَ: لا يُحِلُّهُمْ إِلا الْبَيْتُ
يعني: أنه اختلف إذا حبس السلطان قوماً محرمين فالمنصوص أي: المنقول عن مالك في المدونة أن ذلك كالمرض؛ أي: لا يحلهم إلا البيت.
ولو قال: المشهور لكان أولى؛ لأن الغالب من عادته ألا يجعل مقابل المنصوص منصوصاً.
ووجه المشهور أن هذا خاص ببعض الناس فكان كالمرض.
والقول بأنه كالعدو نقله ابن بشير عن المتأخرين.
والقول الثالث نقله في البيان عن مالك، ولم يجعله خلافاً للأول، بل ساقه على أنه وفاق، وهو اختيار ابن يونس، وقطع ابن القصار بأنه كالمرض إذا سجنوا بحق وتردد إذا سُجِنوا بباطل.
اللخمي: ولا فرق بين حصر بدَينٍ أو بدم، وما حكاه ابن القاسم هو كذلك في المدونة وغيرها، وهو القول الأول من كلام المصنف.
زاد في النوادر فيه عن مالك: أو يثبت عليهما ما ادعى عليهما فيقتلان.
ابن رشد: وهو تمام المسألة.
وإنما ردهما مثل المريض لأنهما حبسا بالحكم الذي أوجبه الله تعالى، فكان بمنزلة المرض الذي هو عند الله.
انتهى.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام ابن رشد أن الظلم الموجب لتحلل المحبوس بالعدو وإلحاقه به، وهو أن يكون ظلماً وعداءً في ظاهر الحال، ولا يحتاج أن يكون ظلماً في نفس الأمر، حتى أنه إن حبسه بتهمة ظاهرة فهو كالمرض وإن كان يعلم من نفسه أنه بريء.
قال: وفيه عندي نظر.
وإنما كان ينبغي أن يحال المرء على ما يعلم من نفسه؛ لأن الإحلال والإحرام من الأحكام التي بين العبد وربه، ولا مدخل فيها للولادة، فمن علم من نفسه البراءة جاز له التحلل، ولو كان سبب التهمة ظاهر.
وَمَنْعُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ الْمُحْرِمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا تَمَكَّنَ بِإذْنٍ أَوْ عِتْقٍ فَيَجِبُ الْهَدْيُ، وَقِيلَ: كَالْحَصْرِ ...
يعني: أن العبد إذا أحرم بغير إذن سيده فله أن يحلله ويجب على العبد القضاء إذا أذن له سيده أو عتق على المشهور، ويجب الهدي.
ابن المواز: ويحتاج فيه لإذن السيد.
ابن عبد السلام: وقد يقال: إذن السيد في القضاء يستلزم الإذن في توابعه.
وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه.
التونسي واللخمي: وهذا أبين؛ لأن السيد قد رد إحرامه من أصله.
وإليه أشار بقوله: (وَقِيلَ: كَالْحَصْرِ) أي: كحصر العدو عن حج التطوع، والفرق للمشهور أن العبد لما أحرم بغير إذن سيده مع علمه بأن السيد يمنعه صار بمنزلة من علم بالحصر ثم أحرم، ومثل ذلك لا يعذر، ولا يحلله إلا البيت.
اللخمي وغيره: ويستحب للسيد ألا يحلله إذا كان السيد محرما.
ابن الجلاب: ويستحب لمن استأذنه عبده في الحج أن يأذن له إذا لم يضر به ذلك.
ومن خرج بعبده إلى مكة فاستأذنه في الإحرام فليأذن له، وإن نقص ذلك من ثمنه، وإن لم يفعل فلا شيء عليه.
سند: وينعقد إحرام العبد بغير إذن سيده عند الفقهاء كافة، خلافا لأهل الظاهر؛ قياساً على الصوم والصلاة، ثم يجب على العبد الموافقة على التحليل، فإن لم يوافق وكمل الحج أثم ولا هدي عليه.
وتحليله يكون بالنية والحلاق؛ لأن رفض النية وحده يبطل الإحرام.
انتهى.
قيل لأشهب: فهل يمنعه سيده أن يحل من ذلك في عمرة؟ قال: إن كان قريباً فلا يمنعه، وإن كان بعيدا فإما أن يبقيه على إحرامه إلى قابل، وإما أن يأذن له في فسخه في عمرة.
قال في المدونة: وعلى العبد الصوم لما حلله السيد، إلا أن يهدي عنه سيده طاو يطعم.
وقال يحيى: لا أعرف في هذا إطعاما، وإنما هو هدي أو صيام؛ أي: لأن الإطعام إنما هو في فدية الأذى.
ورأى في المشهور أنه لما أحرم مع علمه بأن للسيد أن يحلله صار العبد كأنه قاصد التحليل، فصار كفدية الأذى.
اللخمي: ثم لا يخلو العبد في الإحرام الذي أحله منه السيد من أربعة أوجه: إما أن يكون متطوعا به، أو منذورا في حج عام بعينه، أو منذورا مضمونا، أو نوى حجة الإسلام وهو يظن أن ذلك عليه؛ فإن نوى تطوعا بغير نذر أو نذر حج ذلك العام لم يلزمه القضاء إن أذن له السيد أو عتق في عام آخر.
وإن أذن له أو عتق في ذلك العام الذي أحله منه وهو يدرك الحج ندب إلى الوفاء به وليس بواجب.
وإن كان منظوراً مضموناً فأحرم ينوي قضاء ذلك النذر ثم رد إحرامه – كان عليه القضاء متى عتق؛ لأن السيد إنما رد ذلك الإحرام ولم يرد النذر ولا العقد المتقدم قبل الإحرام.
واختلف هل للسيد إن يرد عقده للنذر؟ فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب، وهو أحسن؛ لأن ذلك العقد لا يضر للسيد ما دام العبد ملكه ولا يحط من الثمن إن باعه.
وإن أحرم ينوي حجة الإسلام وظن أن ذلك عليه، لم يكن عليه شيء مادام في الرق.
وإن أذن له السيد فإن عتق أتى بحجة الإسلام فقط.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْمَاذُونِ لَهُ كَالْمَرأَةِ فِي التَّطَوُّعِ، وَيُقْضَى لَهُمَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْمُشْتَرِي، وَهُوَ عَيْبٌ إِلا أَنْ يَقْرُبَ الإِحْلالُ وَلَهُ بَيْعُهُ إِنْ قَرُبَ الإِحْلالُ ...
المراد بالمأذون: المأذون له في الحج لا المأذون له في التجارة [211/ب]، فإن المأذون له في التجارة هنا كغيره، ويدل على أن مراد المصنف بالمأذون ما ذكرناه؛ قوله أولاً: (عبده المحرم بغير إذنه) يعني: أن السيد إذا أذن لعبده في الحج فليس له منعه، كالمرأة في التطوع إذا أذن لها زوجها فيه فليس له منعها.
(وَيُقْضَى لَهُمَا) أي: للعبد والمرأة (عَلَيْهِمَا) أي: على السيد والزوج.
ولا إشكال على هذا إن أحرما، وأما قبل الإحرام فنص مالك على أن له أن يمنع العبد.
اللخمي: وليس بالبين.
وقال سند: ظاهر الكتاب يقتضي أنه ليس له منعه بعد الإذن وإن لم يحرم.
قوله: (فِي التَّطَوُّعِ) ولم يقل في حج التطوع؛ ليشمل الإحرام بالحج والعمرة.
وهل يجوز بيع الرقيق محرماً؟ أجاز ذلك في المدونة، قال فيها: وليس للمشتري إحلاله.
قال سحنون: لا يجوز بيعه ويفسخ.
قال: ومتى يأخذه، بعد الحج أو قبله؟ ألا ترى أن ابن القاسم يقول: إذا آجر عبده شهراً لم يجز له بيعه.
اللخمي: وقد يفرق بين السؤالين، لأن العبد المحرم منافعه لمشتريه، وفي الإجازة منافعه قد بيعت، فيستخف من كان في الإحرام لهذا، ثم اختار الصحة إن كان المشتري محرماً، ولو كان الموضوع بعيدا؛ لأنه خارج معه، والفساد إن كان غير محرم إلا أن يكون الموضع قريباً والأيام يسيرة.
وعلى الصحة فإن علم المشتري أولاً بذلك فلا مقال له، وإن لم يعلم فذلك عيب يوجب الخيار.
وهو معنى قوله: (وَهُوَ عَيْبٌ).
وقوله: (إِلا أَنْ يَقْرُبَ الإِحْلالُ) أي: فليس بعيب، وكذلك قال في المدونة.
وينبغي أن يكون الحكم إذا باعه السيد قبل أن يعلم بالإحرام، ثم رده عليه المشتري – أن يكون له تحليله كما قالوا إذا تزوج العبد بغير إذن سيده.
وقوله: (وَلَهُ بَيْعُهُ إِنْ قَرُبَ الإِحْلالُ) ابن بشير: وإذا أحرم العبد بإذن سيده فأراد السيد أن يبيعه فهل له ذلك؟ أما إن لم يبق من مدة الإحرام إلا اليسير فله بيعه، وإن بقي الزمان الكثير فقولان انتهى.
وكأنه فهم أن خلاف سحنون مقيد بما إذا طال الزمان.
وظاهر ما حكاه اللخمي عنه العموم.
قوله: (وَلَهُ بَيْعُهُ إِنْ قَرُبَ الإِحْلالُ) ظاهره أنه ليس له ذلك إن لم يقرب، وهو خلاف مذهب المدونة.
وإن أراد أنه يجوز له بيعه من غير بيان فهو مشكل، ولم أر من
صرح بذلك.
وإن أراد أنه يتفق على جواز بيعه إذا قرب الإحلال ويختلف إذا بعد كما قال ابن بشير، فكلامه ينبئ عن هذا.
وَما لَزِمَ الْمَاذُونَ عَنْ خَطَأٍ أَوْ ضَرُورَةٍ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الإِخْرَاجِ وَإلا صَامَ بِغَيْرِ مَنْعٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ...
يعني: أن السيد إذا أذن لعبده في الحج ولزمه دم أو صوم فإن لزم ذلك لعذر؛ كمن مرض حتى فاته الحج أو فاته الوقوف بخطأ في العدد، أو في الهلال أو بخطأ في الطريق، أو قتل صيداً خطأ، أو لبس، أو تطيب لضرورة التداوي، فإن أذن له سيده في إخراج الهدي والفدية بالنسك أو الإطعام فعل، وهذا هو الجاري على المشهور من إجزاء الكفارة بالإطعام مع الإذن.
وإن لم يأذن له صام وإن أضر به في عمله، وإن تعمد موجب الهدي أو الفدية – فلا شك – إن أذن له في الإخراج أنه يفعل، وإن لم يأذن له فأراد الصوم فإن لم يضر ذلك بالسيد فله ذلك، إلا إن أضر به على المشهور خلافا لابن وهب وابن حبيب، ورأوا أنه لما أذن له في الحج فقد أذن له في توابعه.
فَلَوْ أَفْسَدَ فَفِي وُجُوبِ الإِذْنِ لَهُ فِي الْقَضَاءِ قَوْلانِ لأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ
أي: في القضاء، رأى أصبغ أن ذلك عليه؛ لأنه من آثار إذنه.
ابن المواز: والصواب قول أشهب؛ لضرر السيد.
قال في الموازنة: وإن أذن له ففاته الحج فعليه القضاء والهدي إذا أعتق.
وَمَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْمُحْرِمَةَ فِي التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَمَنْعِ الْعَبْدِ فِي الْقَوْلَيْنِ
أي في التطوع بغير إذنه، فيجب عليها أن تطيعه وتتحلل.
وقوله: (فِي الْقَوْلَيْنِ) أي: هل يلزمها القضاء إذا أذن لها أو فارقته أو لا يلزمها؟ فالتشبيه إنما هو في القضاء؛ إذا لم يتقدم له قولان إلا في ذلك.
وقيد اللخمي الخلاف بالنذر المعين والتطوع، قال: ويلزمها القضاء في المضمون قولاً واحداً.
فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ أَثِمَتْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا بِخِلافِ الْفَرِيضَةِ عَلَى الأَصَحِّ
أي: فإن لم تقبل ما أمرها به من التحلل أثمت لمنعها حينئذ حقه عدواناً، وله حينئذ مباشرتها كارهة.
وأما الفريضة فلا يحلها منها على أصح القولين.
فرع:
روي عن مالك وابن القاسم في التي تركت مهرها لزوجها ليأذن لها: ترجع عليه بمهرها؛ لأنه يلزمه أن يدعها.
وقال ابن القاسم في رواية أبي جعفر إن كانت عالمة أن لها أن تحج وإن كره فالعطية ماضية، وإن كانت جاهلة رجعت عليه.
واختار يحيى بن عمر وابن يونس، وهو يحتمل الوفاق.
وجزم في البيان بالموافقة، قال: ولو أعطته مهرها على أن يحج بها لم يجز؛ لأنه فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، قاله ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب السلم.
وفي سماع عيسى من الصدقات والهبات ما يعارض ذلك فقف عليه.
ومقابل الأصح مقتضى كلام ابن يونس أنه منصوص؛ لقوله: فصار في المرأة إذا أحرمت بفريضة بغير إذن زوجها قولان.
قول بأن له أن يحللها، وقول إنه ليس له ذلك.
وقال بعضهم: هو مأخوذ من مسألة المدونة التي ذكرها المصنف.
ولعل هذا هو المعتبر عمد المصنف، ولذلك عقب ذلك بمسألة [212/أ] المدونة إشارة إلى ما أخذ من مقابل الأصح، والله أعلم.
وَفِيهَا: وَلَوْ حَلَّلَهَا مِنْ فَرِيضَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ، فَقِيلَ: عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي عَامِهَا أَجْزَأَهَا عَنِ الْفَرِيضَةِ وَالْقَضَاءِ؛ لأَنَّهَا قَضَتْ وَاجِباً بِوَاجِبٍ، بِخِلافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُدْخِلُ تَطَوُّعَاً مَعَ وَاجِبٍ– يَعْنِي إِذَا حَلَّلَهُ ثُمَّ عُتِقَ– وَقِيلَ: فِي اعْتِقَادِهِمَا أَوْ تَعَدِّياً مِنْهُ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَذِنَ– يَعْنِي بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ الْفَاسِدِ أَوْ عَلَى تَمْكِينِهِ بَعْدَ ظُلْمِهِ- وَقِيلَ: قَبْلَ الْمِيقَاتِ ...
قال في المدونة: قيل: فإن أحرمت المرأة بفريضة بغير إذن زوجها فحللها ثم أذن لها من عامها بحجة فحجت أيجزئها حجها عن حجة الفريضة والقضاء؟ قال: أرجو ذلك.
وأما إن أحرم عبد بغير إذن سيده فحلله ثم أعتقه فحج ينوي القضاء وحجة الإسلام أجزأته للقضاء لا للفريضة، كما لو نذر عبده فقال: إن أعتق الله رقبتي فعلي المشي إلى بيت الله في حجة.
ثم أعتق فإنه يحج حجة الإسلام ثم النذر بعدها، ولا تجزئه حجته حين أعتق عنهما؛ لأنه أدخل تطوعا مع واجب.
ولو كان حللها من تطوع لكانت كالعبد.
انتهى.
فتعلق مقابل الأصح بقوله: (وَلَوْ أَذِنَ) بقوله: (وَالْقَضَاءِ) ورأى أن جعل الإذن له وإطلاق القضاء على فعلها يدلان على التحلل سائغ، وهو تأويل ابن أبي زيد.
وقوله: (بِخِلافِ الْعَبْدِ .... إلخ) ظاهر التصور من لفظ المدونة، والقائلون بالأصح اختلفوا على تأويلين؛ أولهما: أن ذلك التحلل الذي دل عليه لفظ المدونة إنما كان من اعتقاد الزوج والزوجة أنه الحكم الشرعي في المسألة، أو على سبيل التعدي من الزوج، وجعل عداءه في ذلك تحيلاً لشبهه به.
فقوله: (وَلَوْ أَذِنَ) يعني: بناء على اعتقاده الفاسد، أو على تمكينه بعد ظلمه.
قال المصنف: (وَهُوَ الصَّوَابُ) وهو يرجع في المعنى إلى تأويلين.
وكذلك قال ابن عبد السلام: وقرره ابن هارون على أنه تأويلان حقيقة، والأول أولى؛ لقوله: (هُوَ الصَّوَابُ) فأعاد الضمير مفردا.
وعلى هذا التأويل فتحللها باطل ولم تزل بعد محرمة.
ابن المواز: وعليها من الفدية وغيرها ما على المجرم، وإن وطئها فسد حجها وتتمه وتقضي ويجزئها ذلك عن حجة الإسلام، وتهدي في القضاء، وترجع بالهدي على الزوج ولو فارقها فتزوجت غيره قبل القضاء فنكحها باطل؛ لأنها محرمة، ولو تزوجت بعد تمام الفاسد وقبل القضاء جاز؛ لأنها حلت ثم تقضي بعد ذلك.
ابن يونس: وقال بعض شيوخنا: ونفقتها في قضاء ما أفسد عليها على الزوج من كراء ونحو ذلك.
التأويل الثاني: أنها أحرمت قبل الميقات زماناً أو مكاناً.
وصوب المصنف الأول؛ لبقاء لفظ المدونة على ظاهره، فإن قلت: كيف جعل القول بتحليلها أولاً صحيحاً؛ لجعله إياه مقابلاً للأصح، ثم قال ثانياً: وهو الصواب فيلزم أن يكون مقابل الأصح غير صواب وذلك تهافت؟
فالجواب: أن الوجه الذي صححه منه المصنف غير الذي أبطله؛ إذا تصحيحه من جهة النقل، وتخطئه من جهة فهم المدونة.
فرع:
إذا أحرمت المرأة بالحج سقطت النفقة عن زوجها، واختلف الأشياخ هل تسقط سقوطا كلياً أو إنما يسقط عنه الزائد على النفقة في الوطن؟ فمن رأى النفقة في مقابل الاستمتاع أسقطها جملة؛ لأن الزوج ممنوع من الاستمتاع، ومن نظر إلى وجوب الحج على المرأة ولا مندوحة لها عن الإحرام أسقط الزائد عن نفقة الحضر كالمرض.
وإلى الثاني ذهب عبد الحق وابن يونس.
وَلَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَلَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ
لما ذكر في التأويل المتقدم الإحرام قبل الميقات بين حكمه فذكر أن المشهور له تحليلها؛ لأنها منعته حقه عدواناً.
وقيد اللخمي هذا بما إذا خرج معها واحتاج إليها، وأما إن خرجت دونه أو خرج وأحرم معها فليس له تحليلها.
ومقابل المشهور ليس بظاهر ولم أره.
فرع:
فإن كانت الزوجة أمة فلا تتطوع إلا بإذن سيدها وزوجها عند مالك.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ الْمُسْتَطِيعَةِ مِنَ السَّفَرِ لَهُ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ قُلْنَا عَلَى التَّرَاخِي كَأَدَاءِ الصَّلاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ ...
الضمير في: (لَهُ) عائد على حج الفرض.
والأولى أن لو قال: "ولو قلنا على التراخي على الأصح" لأن الخلاف إنما هو على التراخي، كذلك قال ابن بشير وغيره، وكلامه يوهم أن الخلاف جارٍ على الفور والتراخي.
وذكر ابن بشير الأصح ومقابله عن المتأخرين، وقال: ونَزَّلوا عليه المبادرة إلى قضاء رمضان، والمبادرة إلى أداء الصلاة.
انتهى.
وعلى هذا فقوله: (كَأَدَاءِ الصَّلاةِ) تشبيه لإفادة الحكم، وقد يقال: الحج أولى بالمبادرة، لأنه قد لا يتيسر في غير ذلك الوقت لكثرة عوائقه إلا أن زمانه يطول غالباً.
وَمَنْعُ الْمُحْرِمِ الْمُوسِرِ مِنَ الْخُرُوجِ لِلدَّيْنِ لا يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلَ وَلا يُمْنَعُ الْمُعْسِرُ وَلا الْمُؤَجَّلُ عَلَيْهِ ...
لأنه ظالم بعدم أدائه ليسره، بل لو كان معسراً ولم يثبت عسره عند الإمام فلا يجوز له التحلل على المنصوص كما تقدم؛ لأنه خاص، فكان كالمرض.
وقوله: (وَلا يُمْنَعُ الْمُعْسِرُ وَلا الْمُؤَجِّلُ عَلَيْهِ) نحوه في الجواهر.
وقوله: (الْمُعْسِرُ) يريد: ثبت إعساره.
وقوله (الْمُؤَجِّلُ) يريد: ولا يحل في غيبته، وأما لو حل فله منعه إلا أن يقيم وكيلاً، وليس هذا خاصاً بسفر الحج.
فرع:
من الموانع السفه، قال سند: قال مالك: ولا يحج السفيه إلا بإذن وليه إن رأى وليه في ذلك نظرا أذن له وإلا فلا.
وإذا حلله وليه فلا قضاء عليه.