ابن القاسم: وإن كان الكيل فيها مَعْرُوْفَاً فلا بأس به.
وقال ابن حبيب: يسلم فيه كيلاً وعدداً لا وزناً، وقيل: أما ما عَظُمَ فالعدد فيه أظهر، ولا ينبغي أن يعد هذا خلافاً، ويحمل على أن كل واحد تكلم على ما يعرفه من العادة.
وقوله: (أَوْ غَيْرِهِ) كالأحمال والحزم والجزر، وهي القبض، وذلك في البقول والقصيل والقرط والقضب، نص عليه في المدونة، قيل: وذلك أن يقاس ذلك بحبل فيقال: أسلم لك فيما يسع هذا ويجعلانه عند أمين.
الباجي: ولا يجوز أن يقدر بذرع الأرض، وجوز ذلك أشهب، لا يقال: قد أجاز مالك في السلم الأول السلم في اللحم تحرياً، وليس بمقدار معلوم؛ لأنه قال: إذا كان لذلك قدر عرفوه فهو راجع إلى قدر معلوم.
واختلف في صفة ضبطه؛ فقال ابن أبي زمنين: إنما يجوز فيما قل، وصفة ضبطه أن يقول: أسلفك في لحم يكون قدره عشرة أرطال مثلاً، وكذلك الخبز.
وقال ابن زرب: هو أن يعرض عليك قدر ما يقول مثل هذا كل يوم، ويشهد على المثال، ولا يجوز على شيء يتحراه، وفي السلم الثاني من المدونة: ومن أسلم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه إلى أجل جاز ذلك إذا أراه الذراع وليأخذا قياس الذراع عندهما كما جاز شراء ويبة وحفنة بدراهم إن أراه الحفنة؛ لأنها تختلف.
واختلف في مسألة الويبة فقيل: ذلك حيث لا مكيال، كما قال في القصعة.
محمد: وقيل: هو جائز كالذراع، واختلفوا إذا كثرت الويبات والحفنات، وأكثرهم على المنع، ونص عليه سحنون.
أبو عمران: وظاهر المدونة رؤية ذراع الرجل المعير خلاف ما في الموَّازيَّة أن السلم جائز وإن لم يره الذراع، وفي الطرر: إن كان القاضي نصب للناس ذراعاً لم يجز اشترط ذراع رجل بعينه، كما لا يجوز ترك المكيال المعروف والعدول إلى المجهول، فإن لم يكن للناس ذراع
منصوب فلا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه، وإنما يجوز على ذراع وسط مطلقاً، ويحملان على الوسط.
فرع:
واختلف في جواز السلم على مثال يريه إياه على قولين حكاهما ابن بشير، قال: ولا ينبغي أن يعد خلافاً، وإنما هو خلاف في حال إن قصد بالمثال المشابهة في كل الصفات لم يجز، وإن قصد الصفات العامة جاز.
وَالْمَعْدُودُ كَالْبَيْضِ والْبَاذِنْجَانِ والرُّمَّانِ والْجَوْزِ واللَّوْزِ
هو ظاهر، وقد تقدم، وشرط في المدونة أن يصفا قدر الرمانة والسفرجلة ونحوهما إن كان يحاط بمعرفته.
وَلَوْ عَيَّنَ مِكْيَالاً مَجْهُولاً فَسَدَ، وإِنْ عُلِمَتْ نِسْبَتُهُ كَانَ لَغْواً
تصوره واضح.
وقوله: (فَسَدَ) يقتضي فسخه إن وقع، وهو المشهور، وكرهه أشهب في الطعام ابتداءً، ولا يفسخ عنده إن نزل.
وخفف في المدونة في شراء العلف والتين والخبط من الأعراب في السفر بمكيال لا تعرف نسبته من المكيال الجاري بين الناس للضرورة.
واختلف فيما أجازه مالك من ذلك في القصعة للأعراب وحيث يعدم الكيل، ففي كتاب محمد أن ذلك جائز في اليسير، وعن أبي عمران: أنه يجوز هنالك في الكثير إن احتيج إليه كاليسير.
السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ اخْتِلافاً لا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي السَّلَمِ ....
الشرط السابع: ذكر الأوصاف التي تختلف بها قيمة المسلم فيه اختلافاً لا يتغابن المتبايعان بمثله، وظاهره أن الصفة إذا كانت لا تختلف القيمة بسببها أنه لا يجب بيانها في
السلم.
وعبارة غيره أقرب؛ لأنهم يقولون: يبين في السلم جميع الأوصاف التي تختلف الأغراض بسببها، واختلاف الأغراض لا يلزم منه اختلاف القيمة؛ لجواز أن يكون ما تعلق به الغرض صفة يسيرة عند التجار، وتخلفها صفة أخرى.
وقوله: (فِي السَّلَمِ) مفهومه أن السلم يغتفر فيه من الإضراب عن بعض الأوصاف ما يغتفر مثله في بيع النقد ولا ينعكس؛ لأن السلم مستثنى من بيع الغرر، بل ربما كان التعرض للصفات الخاصة في السلم مبطلة له لقوة الغرر.
قاله ابن عبد السلام.
ويشترط أن تكون الصفات معلومة لغير المتعاقدين؛ لأنه متى اختصم المتعاقدان بعلمهما دل ذلك على ندورهما، والندور يقتضي عزة الوجود، وأيضاً فاختصاصها بها يؤدي إلى التنازل بينهما.
وَيُرْجَعُ فِيهَا إِلى الْعَوَائِدِ، فَقَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الْبِلادِ
أي: يرجع في تعيين تلك الأوصاف التي تختلف بها القيمة إلى العوائد، فرب صفة تتعين في نوع دون غيره، وفي بلد دون آخر، واستغنى المصنف بهذا الضابط عن مسائل ذكرها أهل المذهب لاندراجها فيما ذكره، وهذا الضابط ذكره المازري، قال: يحتاج في الثمن إلى ذكر النوع والجودة والرداءة.
قال: وزاد بعض العلماء: البلد واللون وكبر الثمرة وصغرها، وكونه جديداً أو قديماً، ويحتاج في القمح إلى هذه الصفات أيضاً.
واشترط بعض العلماء في القمح وصفاً سابعاً، وهو كون القمح ضامراً أو ممتلئاً، ورأى أن الثمن يختلف باختلافه، ورأى أن الضامر يقل ريعه، لكن الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن حمل المذهب على أنه لا يلزم اشتراط القدم والجودة في القمح، واحتج بالرواية الواقعة في السلم أنه إذا أسلم في قمح فأتاه بقمح قديم أنه يجبر على قبوله.
زاد ابن يونس عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: لا يختلف العتيق من الجديد عندنا بإفريقية.
ابن يونس: وهو يختلف عندنا بصقلية؛ فلا يجوز حتى يشترط قديم من جديد، وهل يجب أن يبين السمراء من المحمولة؟ إن كان بمحل ينبتان فيه، ولا غالب وجب بيانه وإلا فسد، وإن كان ما يجلبان إليه فرأى ابن حبيب أن تركه لا يفسد، ورأى الباجي أن مقتضى الروايات خلاف قوله [504/أ].
ابن بشير: ولا ينبغي أن يُعَدَّ خلافاً، بل إن اختلاف الثمن بهما وجب ذكره وإلا فلا، أما إن لم يكن إلا واحداً فلا يجب البيان.
واختلف في مثل مصر فقيل: لا يفتقر إلى الجنس؛ لأن قمح مصر جنس واحد في الغالب، وهو المحمولة.
وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا بد أن يسمي الجنس وإلا فسخ البيع.
والأول مذهب المدونة، ففيها: ويقضي بمصر بالمحمولة، وبالشام بالسمراء، قال: وإن أسلم بالحجاز حيث يجتمع المحمولة والسمراء ولم يسم جنساً فالسلم فاسد.
فرع:
قال ابن عبد الغفور: وإذا سمى قمحاً طيباً ولم يقل جيداً فالسلم تام، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن لبابة: لا بد أن يقول جيداً، وإلا لم يجز على مذهب المدونة، نقله ابن راشد.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَتُرَابِ الْمَعَادِنِ، والدُّورِ، والأَرْضِينَ لَمْ يَجُزْ بِخِلافِ غَيْرِهَا
أي: فإن لم يكن ذكر تلك الأوصاف لم يجز السلم فيه، وَمَثَّلَهُ بشيئين:
أولهما: تراب المعادن.
قال في المدونة: لأن صفته غير معروفة.
ثانيهما: الدور والأرضون.
وفي التمثيل بهما نظر؛ لأنه مما يمكن صفتهما، وإنما امتنع السلم فيهما؛ لأن وصفهما بما تختلف الأغراض به يستلزم تعيينهما فيؤدي إلى السلم في
معين.
وذكر المازري عن بعض الأشياخ أنه خرج قولاً بجواز السلم في العقار مما قاله أشهب أنه يسلم في البقول فدادين؛ لأنه إن لم تصرف الفدادين لم يجز السلم، وإذا وصف بمكانه صار معيناً.
قال صاحب المقدمات: أربعة أشياء لا يصح السلم فيها.
فذكر الإثنين اللذين ذكرهما المصنف، وألحق بتراب المعادن الجزاف فيما لا يصح بيعه جزافاً.
قال: والثالث: ما يتعذر وجوده من الصفة.
والرابع: ما لا يجوز بيعه بحال كتراب الصواغين وجلود الميتة.
فَيَذْكُرُ فِي الْحَيَوَانِ النَّوْعَ وَاللَّوْنَ وَالذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ وَالسِّنَّ، وَيُزَادُ فِي الرَّقِيقِ الْقَدُّ، وَكَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالإِبِلُ وشِبْهُهُمَا ....
مذهبنا جواز السلم في الحيوان، ومنع جماعة من الشيوخ السلم في الآدمي، ولا سيما جواز الوطء، وعلى هذا قصر بعضهم المنع اعتقاداً منهم أن الصفات في ذلك لا تضبطه، وذكر المصنف في الحيوان خمسة أوصاف:
أحدها: (النَّوْعَ) فيحتمل أن يريد به النوع حقيقة كنوع الإنسان والإبل، ويحتمل أن يريد الصنف كالرومي والتركي، فلا بد من ذكرهما.
الثاني: (اللَّوْنَ) وجعله المصنف معتبراً في جميع الحيوان، وقد نص في الجواهر على اعتباره في الإبل والخيل ولم يذكره في الطير.
وعلم أن ذِكْرَ الجنس يغني عن اللون في الرقيق، فجنس النوبة السواد، والروم البياض، والحبش السمرة، لكن يحتاج هذا إلى بعض عرضيات النوع كالدهمي والأحمر والبياض الشديد، وذكر سند أن اللون لا يعتبر عندنا في غير الرقيق، ولعله اعتمد على المازري، فإنه لم يذكر اللون في غيره.
وليس بظاهر؛ فإن الثمن يختلف به، وقد ذكره بعضهم في الخيل وغيره من الحيوان.
ابن بشير وغيره: وحظ الفقيه المفتي في هذا أن يحيل على العارفين بالعوائد، فما حكموا أن الأثمان والأعراض تختلف به يجب ذكره.
الثالث: (وَالذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ) وهما معتبران في جميع الحيوان؛ لاختلاف الثمن بهما.
الرابع: (السِّنَّ) وهو أيضاً مطلوب في الجميع.
الخامس: يختص بالرقيق وهو (القَدُّ).
وفي بعض النسخ (القَدْرُ) والمعنى واحد، فيقال: طويل أو قصير أو متوسط.
قوله: (وَكَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالإِبِلُ) ظاهره أنه يشترط فيهما، وما أشبههما ذكر القد، وذكر سند أنه لا يشترط ذلك فيما عدا الإنسان؛ فانظر ذلك.
وبقي عليه من شروط الحيوان الجودة والدناءة، وإن كانت أنثى الثيوبة والبكارة، ذكرهما المازري، على أنه قال في الثيوبة والبكارة إن كان الثمن يختلف بذلك، وقيده سند بالعليات.
ولا يُشْتَرَطُ فِي اللَّحْمِ فَخِذٌ ولا جَنْبٌ، وَلا يُؤْخَذُ مِنَ الْبَطْنِ إِلا بِعَادَةٍ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَيَكُونُ لَحْمٌ بِلا بَطْنٍ، قِيلَ: فَمَا مِقْدَارُهُ؟ قَالَ: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) لأَنَّهَا كَانَتْ عَادَتَهُمْ ....
للسلم في اللحم شروط:
أولها: الجنس من إبل أو بقر أو ضأن أو معز.
ثانيها: السن من صغر أو كبر.
اللخمي والمازري: فيقال: ثني أو رباع أو جذع.
ثالثها: السمن والهزال ويقضي في مطلقها بالعرف، قاله في الموَّازيَّة والواضحة، ويختلف فيه كما في مطلق الجودة والطعام هل يقضي فيها بالعرف الغالب أو ما يتناوله الاسم فقط.
رابعها: الراعي والمعلوف.
قاله المازري.
الباجي: ولم أر لأصحابنا تفريقاً بين الذكورة والأنوثة.
فإن كان مؤثراً في الثمن لزم ذكره، ونحوه لعبد الوهاب وغيره، وشرط أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى.
المازري: والخصي والفحل.
وقال الباجي: ولم أر لأصحابنا تفريقاً فيه.
سند: وعندي ذكره حسن.
ابن حبيب وابن المواز: ليس عليه ذكر موضع اللحم.
ابن حبيب: وإن ذكر فحسن.
ابن القاسم: وإنما يشترطه أهل العراق، وهو معنى قول المصنف: (وَلا يُشْتَرَطُ فَخِذٌ وَلا جَنْبٌ).
وقال عبد الوهاب: إن اختلفت الأغراض بموضعه من الشاة ذكره.
قال: ولا يؤخذ من البطن إلا بعادة.
وقال ابن القاسم: لا يخالفه، لأن العادة كانت جارية عندهم بأخذها.
وفسر في المدونة قوله: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) بأن ذلك على قدر البطن من قدر الشاة.
خليل: والعادة الآن جارية بمصر أن البطن لا يخلط مع اللحم، ولذلك وإن كان البطن لحماً وجزءاً من الشاة [504/ب] فإن المتبادر إلى الذهن من اللحم عند إطلاق اللفظ ما عد البطن، فلا يلزم المسلم أن يأخذ من البطن إلا بشرط لفظي أو عادي، والمراد بالبطن ما احتوت عليه من كرش أو مصارين وغيره.
ويَذْكُرُ فِي الثِّيَابِ النَّوْعَ، والرِّقَّةَ والْغِلَظَ، والطُّولَ، والْعَرْضَ
النوع؛ أي: من قطن أو كتان والرقة وما بعده ظاهر.
والغلظ والطول والعرض، زاد المازري: والصفاقة والخفة؛ والبلد؛ لاختلاف الثمن باختلاف البلد.
وكأن المصنف استغنى عن ذكر هاتين الصفتين اكتفاءً بما قدمه حيث قال: معرفة الأوصاف التي تختلف بها القيمة، وليس عليه أن يذكر وزنه ولا جيداً.
قاله ابن القاسم في المدونة.
سند: وروي أن الجودة تدخل تحت غيرها من الأوصاف.
وَلَوِ اشْتَرَطَ فِي الْجَمِيعِ الْجَوْدَةَ وَالدَّنَاءَةَ جَازَ، وحُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْوَسَطُ ...
مراده والله أعلم بالجميع جميع أنواع المسلم فيه، ويحتمل ما تقدم له من الثياب والحيوان، وأما الطعام فقد ذكروا أنه إذا ذكر صنفه فلا بد أن يصفه بالجودة والدناءة والوسط؛ لأن الصنف الواحد يختلف بذلك.
انتهى.
وقد تقدم من كلام المازري أنه يشترط في الحيوان ذكر الجودة والدناءة، وأما اللحم فلم ينصوا عليها فيه.
قال في المدونة: وإن لم يذكر في الطعام الجودة والدناءة فالسلم فاسد.
التونسي: اجتزى في صفة الطعام أن يقول جيداً ولم يجتزِ في صفة الحيوان بفاره ولا من الثياب بجيد، والفرق بينهما أن الطعام يعرف الجيد منه فلا يختلف الجيد منه اختلافاً متبايناً؛ فيكون له وسط الجيد والفاره من الحيوان، والجيد من الثياب يختلف اختلافاً متبايناً لا متقارباً، ثم هل يكفي ذكر الجودة فيما هي فيه شرطه وهو المذهب، أو لا بد أن يقول غاية الجودة، وإلا بطل السلم، قاله ابن العطار؟ وزيفه الباجي بأن الغاية غير
محصورة، وبأنه لا يلزم ذلك في سائر الأوصاف كالطول والقصر والبياض والسواد، ثم إذا اشترطت الجودة، فقال ابن حبيب وابن المواز: يقضي بالغالب من الجيد، وإليه أشار بقوله: (حُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ) وإن لم يكن غالب فقال الباجي: يحمل على ما يقع عليه اسم الجيد.
سند: ورأى غيره أن العرف يقتضي في الإطلاق الوسط من الجيد كما في النكاح على غنم موصوفة.
وعلى هذا الأخير اقتصر المصنف.
وَأَدَاؤُهُ بِجِنْسِهِ بَعْدَ أَجَلِهِ بِأَرْدَأَ أَو بِنَوعٍ آخَرَ يَجُوزُ، وَبِأَجْوَدَ يَجِبُ
أي: أداء المسلم فيه.
ومراده بهذا الفصل الكلام على حكم اقتضاء المسلم فيه جوازاً أو منعاً.
ابن عبد السلام: والباء للمصاحبة في الثالث، والأول والثالث مجاز؛ لأن الشيء لا يفارق جنسه ولا نوعه، والباء الثانية حقيقة؛ لأن صفتي الجودة والدناءة يعتذران على الماهية.
انتهى.
وقال بعضهم: الأولى بمعنى عن، و (أَدَاؤُهُ) خبر مبتدأ على حذف مضاف؛ أي: هذا باب أدائه كسائر التراجم.
وقوله: (بِجِنْسِهِ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إثباته بجنسه.
و (بِأَرْدَأَ): بدل من جنسه.
ولا يقال: فيه إبدال مشتق من جامد؛ لأنا نقول هو غير ممتنع، وإنما هو قليل، وهذا هو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر.
وتكلم المصنف على الأردأ والأجود ولم يتكلم على المساوي لوضوحه.
واحترز بالجنس من غيره وسيأتي، ويبعد أجله من قبله كما سيأتي.
وقوله: (بِأَرْدَأَ) يريد: سواء كان من نوعه أو من نوع آخر كمحمولة عن سمراء؛ لأنه جنس اقتضاء.
ونبه بقوله: (يَجُوزُ) على أنه لا يجب القبول، وكلام المصنف عام بالنسبة إلى الطعام وغيره.
ابن عبد السلام: وفي الطعام إشكال؛ لأن المخالفة في الصفة والنوع إن كان غير ما في الذمة وجب قبوله، وإن لم يكن هو الحق فلا يجوز قبوله وإن اتفقا عليه؛ لأن قبوله بيع ثان فيدخل تحت عموم النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
لا يقال: مقتضى إطلاق المصنف جواز اقتضاء الأردأ وإن كان أقل كيلاً، وقد منعه ابن القاسم في السلم الثالث كمن أخذ خمسين محمولة من مائة سمراء إذا كانت بمعنى الصلح والتبايع، وأما إن كان على الإبراء فجائز كمن أخذ خمسين عن خمسين وبقيت له خمسون ثم أبرأه منها بعد ذلك فيجوز.
لأنا نقول: إنما تكلم على الأردأ المساوي في الكيل، وقد نص سند على أنه لا يجوز أن يقتضي أدنى النوعين عن الآخر إذا خالف في القدر، وأنه لو نقص كف واحد لم يجز.
فرع:
منع مالك اقتضاء دقيق من قمح وبالعكس مراعاة لمن قال: إنهما جنسان، فيؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه.
قوله: (وَبِأَجْوَدَ يَجِبُ) هو معطوف على قوله (بِأَرْدَأَ) ومعناه إذا قضاه جنس ما في الذمة ونوعه لكنه أجود صفة فإنه يجب قبوله؛ لأنه حصل المقصود وزيادة، وتبع في وجوب القبول ابن شاس.
ابن عبد السلام: وهو قول غير واحد من المتأخرين.
خليل: والمذهب خلافه؛ لأن الجودة هبة لا يجب قبولها.
وفي الصرف من المدونة: ومن اقترضته دراهم خلافه؛ لأن الجودة هبة لا يجب قبولها.
وفي الصرف من المدونة: ومن أقرضته دراهم يزيدية فقضاك محمدية أو قضاك دنانير عتقى عن هاشمية، أو قضاك سمراء عن محمولة أو شعير لم يجبر على أخذها، حل الأجل أو لم يحل.
ابن القاسم: وإن قبلها جاز في العين من بيع أو قرض قبل الأجل أو بعده، والمحمولة والعتق والسمراء أفضل.
وقَبْلَهُ بِصِفَتِهِ يَجُوزُ
أي: قضاؤه قبل الأجل من نوع ما في الذمة، وصفته جائز، وإن أبى من الأخذ لم يلزمه؛ لأن الأجل في السلم من حق كل من المتبايعين، وتحرز بصفته من الأجود منه أو الأردأ فلا يجوز؛ لأنه في أخذ الأجود: حُطَّ الضمانَ [505/أ] وَأَزِيْدُكَ، وفي الأردأ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ.
فَإِنْ زَادَهُ قَبْلَ الأَجَلِ دَرَاهِمَ عَلَى ثَوْبٍ أَعْرَضَ أَو أَطْوَلَ جَازَ إِنْ عَجَّلَهَا، وَفِيهَا: لأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ كَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ ثُمَّ زِدْتَهُ لِيَزِيدَ طُولاً، وقَالَ سُحْنُونٌ: دَيْنٌ بِدَيْنٍ بِخِلافِ الإِجَارَةِ؛ لأَنَّهُ مُعَيَّنٌ ....
أي: وإن زاد المسلم للمسلم إليه في ثوب موصوف دراهم على أن يأخذ ثوباً أطول من ثوبه.
زاد في المدونة من الصفة أو من غير الصفة جاز بشرط تعجيلها؛ أي: الدراهم لا الثوب الطويل، هذا ظاهر قوله، وهو الذي قاله ابن عبد السلام.
واعترضت هذه المسألة بأن الثوب الأطول إما أن يكون معيناً أو في الذمة؛ فالمعين حاضر لا معنى لاشتراط تعجيل الدراهم؛ لأن الثوب الطويل حينئذ يكون بعضه مأخوذاً عن الثوب القصير الذي في الذمة وبعضه مبيع بالدراهم، ويصح بيع ذلك البعض بنقد وبنسيئة، وإن كان في الذمة لم يجز، وهو ظاهر ما فهمه سحنون؛ لأنه إذا اشترط تعجيل الثوب الأطول يلزم المسلم الحال، وإن لم يشترط فهو فسخ دين في دين، وقال بعض من تكلم هنا: إن ضمير (عَجَّلَهَا) عائد على الزيادة؛ أي: يجوز بشرط تعجيل الزيادة؛ لأنه إن تأخرت وكانت في صفقة فهو بيع وسلف تأخير بما عليه سلف وزيادة
بيع بالدراهم، وإن كان على غير صفقة فهو دين بدين، وأما ثمن الزيادة فيجوز تأخيرها، قال في كتاب الصرف من المدونة فيمن لك عليه لحم حيتان وأقضيته فوجدت فيه فضلاً عن وزنك فجائز شراؤك تلك الزيادة نقداً أو إلى أجل إن كان الأجل قد حل.
خليل: وفي نظر، والظاهر ما قاله ابن عبد السلام، وما ذكره من مسألة الحيتان ليس فيها دليل؛ لأنه لما أتى بما عليه وفضلت فضلة واشتراها كان ذلك شراءً محضاً ليس من السلم في شيء، ثم لا يصح على هذا إلى أن يحمل قوله: (عَجَّلَهَا) أي: عند الأجل مع الأصل، وليس بظاهر؛ إذ المسألة مفروضة قبل الأجل، فإن ابن يونس وغيره إنما نقلوا قول سحنون قبل الأجل، وعلى هذا فليعتمد في كلام المصنف على فسخه قبل الأجل، وإن كان الواقع في أكثر النسخ: (بَعْدَ الأَجَلِ) وقد ذكر سند الإجماع على الجواز بعد الأجل إذا كان المزيد فيه على الصفة؛ يعني: بشرط أن يعجل الجميع.
قال في المدونة: وإن أسلمت في ثوب موصوف فزدته عند الأجل دراهم على أن يعطيك ثوباً أطول منه في صفة من صنفه أو من غير صنفه جاز إذا تعجلت ذلك؛ أي: وإما إن لم يتعجل فلا يجوز؛ لأنه بيع للزيادة وسلف لتأخير الثوب الأول.
ابن يونس: فإن قيل: لِمَ منع التأخير بعده لعلة البيع والسلف وأجاز ذلك قبل الأجل، ولم يعجله ثوباً مؤجلاً ودراهم نقداً بثوب مؤجل أطول منه فيكون ديناً بدين كما قال سحنون؟ قيل: الفرق أنه قبل الأجل لم يملك المسلم تعجيل الثوب حتى يعد تأخيره به سلفاً، وأما بعده فقد ملك تعجيل الثوب فيكون تأخيره به سلفاً، والزيادة بيع، فيدخله البيع والسلف.
وقوله: (وَفِيهَا: لأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ) استدل به في المدونة على الجواز في جواب السائل لما قال له: لِمَ أجزته وقد صارت صفقة فيها دراهم نقداً ودراهم إلى أجل بثوب إلى أجل؟ قال: ليس هي صفقة واحدة، ولكنها صفقتان وللتحقيق أنها صفقتان إنما يجوز ذلك
بشرط أن يبقى من الأجل مثل أجل اسلم؛ لأنها صفقة ثانية، وعلى هذا فيلزم تقديم الثمن.
وقيد عبد الحق ما في المدونة فقال: يريد: أنه لو اشترط عليه في أصل العقد أنه يزيده بعد مدة كذا وكذا لم يجز، ولو قال: أسلمته إليك في كذا على أني إن زدتك في الثمن زدت في الطول لم يجز أيضاً؛ لأنها صفقة واحدة عقدت على غرر.
وقوله: (كَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ) استدلال من ابن القاسم لقول مالك في النسج، ونصه: قال لي مالك: لا بأس به في النسج إذا دفع الرجل الغزل إلى النساج على أن ينسج له ثوباً ستة في ثلاثة، فزاده درهماً وزاده غزلاً على أن يجعله سبعة في أربعة، فقال السائل: مسألتي بيع وهذه إجارة فكيف يكون مثله؟ قال: الإجارة عند مالك بيع من البيوع؛ أي: أن الإجارة والبيع كلاهما عقد معاوضة مالية، ويمتنع فيها الغرر ويقعان على مضمون ومعين، فما يمتنع في أحدهما يمتنع في الآخر.
قوله: (وَقَالَ سُحْنُونٌ: دَيْنٌ فِي دَيْنٍ) أي: لأن الزيادة في طول الثوب تغيير للصفقة الأولى كالزيادة في صفاقته وخفته.
قوله: (بِخِلافِ الإِجَارَةِ؛ لأَنَّهُ مُعَيَّنٌ) أي: أن سحنون فرق بين السلم والإجارة بأن في السلم نقله من مضمون إلى مضمون، وذلك فسخ دين في دين، والإجارة والمستأجر عليه معين؛ فهو في حكم البيع للمعين، ولهذا يجوز فيها تأخير العوض، ولولا أنها في حكم المعين ما جاز تأخير العوض فيها؛ لأنه يكون دين بدين.
قال في النكت: وفي قول سحنون نظر؛ لأن الإجارة أيضاً في ذمته، ألا ترى أنه لو مات لم تنفسخ الإجارة، ويستأجر من ماله من يتم العمل، فصار كل منهما ديناً عليه.
تنبيه:
إنما وقعت المسألة في المدونة في ثوب أطول والمصنف قال: (أَطْوَلَ أَوْ أَعْرَضَ) وفيه نظر.
ومقتضى كلام اللخمي أن الأعرض يتفق فيه على المنع؛ لأنه قال: إن زاده دراهم قبل الأجل ليأخذ إذا حل الأجل أصفق أو أرق أو أعرض لم يجز، وهو فسخ دين في دين، ويجوز ذلك إذا حل الأجل إذا كان يقبض العوض الثاني قبل الافتراق، وإن زاده قبل الأجل ليأخذ أطول، وهو على الصفة في الجودة جاز ذلك عند ابن القاسم، وقال سحنون: هو فسخ دين في دين.
والأول أصوب، وهو مقتضى كلام ابن يونس.
وبِغَيْرِ جِنْسِهِ بَعْدَ أَجَلِهِ يِجُوزُ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيُخْرِجُ الطَّعَامَ ....
أي: وإن كان قضاء المسلم [505/ب] فيه بجنس مخالف لجنسه، وذلك بعد أن حل أجل السلم فإنه يجوز بثلاثة شروط:
أحدها: (أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ) تحرز به مما إذا كان المسلم فيه طعاماً فلا يجوز أن يقتضي عنه من غير جنسه، كما لو اقتضى فولاً أو عدساً عن قمح، وأجازوا إذا أسلم في سمراء أن يأخذ عنها محمولة وبالعكس، وكذلك القمح والشعير، وكان ينبغي أن يحتاطوا بالمنع؛ لأنه قيل: إنهما جنسان كما احتاطوا بالمنع في القمح والدقيق كذلك.
وَأَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضى مِمَّا يُسْلَمُ فِيهِ رَاسُ الْمَالِ فَيَخْرُجُ أَخْذُ الطَّعَامِ ورِاسُ الْمَالِ طَعَامٌ، والذَّهَبُ بِالْوَرِقِ وعَكْسُهُ، والْعُرُوضُ بِصِنْفِهَا ....
هذا ثاني الشروط؛ وهو: أن يكون المقتضى؛ أي: المأخوذ عوضاً عما في الذمة مما يصح أن يسلم فيه رأس المال، وذكر أنه احترز بهذا الشرط من ثلاث مسائل، وتصورها واضح، ومنعت سداً للذريعة.
ويستثنى من الأول إذا كان الطعام المأخوذ مساوياً لرأس المال فإنه يجوز ويعد إقالة، ومن الثانية ما إذا زاد أحد العوضين على الآخر زيادة كثيرة لِبُعْدِ التُّهْمَةِ حينئذ عن الصرف المستأخر، ومن الثالثة ما إذا كانت العروض المأخوذة مثل رأس المال.
وَأَنْ يِكُونَ الْمُقْتَضَى مَمَّا يُبَاعُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ يَداً بِيَدٍ، فَيَخْرُجُ أَخْذُ اللَّحْمِ عَنِ الْحَيَوَانِ، وعِكْسُهُ ....
هذا ثالث الشروط، وتصوره واضح.
وقَبْلَ أَجَلِهِ يُزَادُ: أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضَى مِمَّا يُبَاعُ بِالْمُسْلِمِ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ فَيَخْرُجُ صِنْفُ الْمُسْلِمِ فِيهِ الأَعْلَى والأَدْنَى ....
هذا قسيم قوله: (بَعْدَ أَجَلِهِ) يعني: وإن وداه بغير جنسه قبل أجله اعتبرت الشروط الثلاثة.
وزيد رابع؛ وهو: أن يكون المقتضى مما يصح سلمه فيما يثبت في الذمة إلى أجل، فلا يجوز أخذ أعلى أو أدنى؛ لأنه في الأعلى يلزم حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيْدُكَ، وفي الأدنى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، والظاهر أن مراده بالأعلى والأدنى في الصفة؛ لأنه غالب اصطلاح الفقهاء، ويكون سكت عن الأكثر والأقل في القدر؛ لأنه مساو له، وإن كان ابن عبد السلام قال: الأقرب أن المصنف أراد في القدر؛ لأنه مساوٍ له.
وإن كان ابن عبد السلام قال: الأقرب أن المصنف أراد بالأعلى والأدنى في الصفة والمقدار.
وَفِي اشْتِرَاطِ زَمَانَيْ سَلَمٍ لِتَوَسُّطِ الْمُقْتَضَى قَوْلانِ
يعني: أنه اختلاف هل يضم إلى الشروط السابقة شرط آخر، وهو أن يكون قد مضى من يوم عقد السلم إلى زمان الاقتضاء أَجْلُ السلم، وأن يكون قد بقي فيما بين الاقتضاء وحلول الأجل الأول مقدار أجل السلم على قولين حكاهما ابن بشير، وذلك أنا لما اشترطنا صحة سلم رأس المال في هذا المقتضى واعتبرنا أيضاً أن يكون المقتضى مما يجوز سلمه في السلم فيه استلزم ذلك عقدتي سلم.
وقيل: لا يشترط ذلك في الصورتين؛ لأن اشتراط الأجل في السلم ليس بالقوي؛ فلا يتحرز منه بخلاف ما تقدم من الشرط.
وبنى ابن بشير القولين على أن المأخوذ عما في الذمة سلف فلا يشترط الأجل أو بيع فيشترط.
وذكر بعضهم أن هذا الخلاف إنما يحسن إذا كان المقتضى مخالفاً في الجنس، وأما إن كان موافقاً فلا يشترط الأجل؛ لأنه في معنى القرض، والقرض يجوز حالاً ومؤجلاً؛ نعم يشترط فيه ما يشترط في القرض، وصورة ما ذكر أن يسلم ديناراً في قنطار حناء إلى شهر فقضى له فيه غير الجنس وهو قنطار من كتان مثلاً عند تمام خمسة عشر يوماً فهو رأس المال هنا، لأنه يقتضي من ذمته.
وصورته أيضاً أن يسلم ديناراً في ثوب ثم اقتضى فيه حماراً، فإن لم يكن أجل السلم بين عقد السلم والاقتضاء كان سلماً حالاً؛ لأن المعتبر أفعالهما كأنهما عقدا سلماً على الحمار المقتضى، وذكر الثوب وشبهه لغو، ووجه اشتراط مدة السلم بعد الاقتضاء أنه إن لم يكن أدى ذلك إلى السلم الحال أيضاً، ثم إن المسلم إليه ثبت في ذمته ثوب يأخذ الحمار.
الزَّمَانُ: ولا يَلْزَمُ قَبُولُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَهُ بِالْكَثِيرِ، وبِالْيَوْمَيْنِ يَلْزَمُ
لما فرغ من شروط السلم وآدابه شرع في زمانه ومكانه، ولما كان الأجل في السلم من حقهما لم يكن للمسلم ولا المسلم إليه التعجيل إلا برضاهما، وهذا هو القياس، لكن استحسن جماعة من المتأخرين ما رواه أشهب عن مالك أنه إذا قدم المسلم إليه باليوم أو باليومين لزم المسلم قبوله، وعلى هذا اقتصر المصنف؛ لأن التأخير إنما كان من حق المسلم لاختلاف الأسواق، واليومان لا تختلف فيهما الأسواق غالباً، ولهذا قيد بعضهم هذا بما إذا كانت قيمة السلعة الآن مساوية لقيمتها بعد يومين، وظاهر المدونة خلافه لقوله: وإن كان لك على رجل طعام فأتاك به لم تجبر على أخذه، وإن كان من قرض جبرت على أخذه.
لكن ذكر ابن محرز عن الأشياخ أنهم فهموا الكتاب على ما رواه أشهب.
ابن راشد: ولو حل الأجل فكان رب السلم غائباً، ورفع المسلم إليه إلى القاضي وقال: "لا أرضى ببقائه في ذمتي واقتضه للغائب أيها القاضي" فحكى التونسي أنه يلزم القاضي أخذه وإيقافه للغائب.
ومثله في المدونة في باب المفقود، وظاهر ما في العيوب خلافه.
والْمَكَانُ: مَا يُشْتَرَطُ وَإِلاَّ فَمَكَانُ الْعَقْدِ
تصوره واضح، وما ذكره من الصحة إذا لم يشترط المكان هو المشهور، وفي كتاب ابن حارث إذا لم يذكر موضع القضاء فسد السلم.
فَلَو عَيَّنَ الْفُسْطَاطَ جَازَ، فَلَو تَشَاحَّا فَسُوقُهَا
أي: إذا اشترط التسليم بالفسطاط جاز، وهو مأخوذ مما تقدم، وإنما مراده به التوصل إلى ما بعده من التشاح، فإذا تشاح في جهاته قضى بالتسليم في سوق تلك السلعة؛ لأنه أخص بقاع [506/أ] البلد، وهذا هو المشهور.
وقال سحنون في الموَّازيَّة: على المسلم إليه أن يوصله إلى دار المسلم.
التونسي: وهو المحكوم به اليوم؛ لأن الناس اعتادوا ذلك، هكذا أشار إليه اللخمي أن الاعتبار بالعادة.
فرعان:
الأول: إن لم يكن للسلعة سوق فالمشهور أنه يلزمه القبول حيثما قضاه.
وقال سحنون: بدار المسلم.
وقال ابن القاسم في سماع عيسى: بالموضع الذي قبض فيه رأس المال.
ابن بشير: وهذا ليس بخلاف، وإنما يرجع إلى العوائد.
الثاني: إذا اختلفا في الموضع الذي شرط القبض فيه فقال ابن القاسم: القول قول من ادعى موضع العقد وإلا القول قول المسلم إليه إن أتى بما يشبه، وإلا فقول المسلم إن أتى بما يشبه، وإن تباعدا تحالفا.
وقال سحنون: القول قول المسلم إن ادعى الآخر موضع العقد؛ لأنه صاحب الحق.
وقال أبو الفرج: إن لم يدع واحد منهما موضع العقد تحالفا وتفاسخا؛ لتساويهما.
فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِهِ وكَانَ فِي الْحَمْلِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَلْزَمْ، وَإِلاَّ فَقَوْلانِ
يحتمل: فإن ظفر من عليه الدين بالطالب وأراد المديان التعجيل فامتنع الطالب، ويحتمل عكسه؛ فعلى الأول فقال ابن بشير وغيره: المسألة على ثلاثة أقسام:
إن كان الدين عيناً وجب قبوله، قال في نوازله: إلا أن يتفق أن للطالب فائدة في التأخير كما لو حصل في الزمان خوف أو فيما بين البلدين.
وإن كان الدين عروضاً لها حملٌ أو طعاماً فلا يجبر على قبوله، وإن لم يكن لها حمل كالجواهر فقولان: المشهور أنهما كالعروض، وقيل: كالعين.
قال: وهما خلاف في شهادة إن كان الأمن في الطريق فكالعين وإلا فلا.
قال: وهذا إذا كان من بيع.
وأما القرض فيجبر على قبوله مطلقاً، وعلى الثاني فنص محمد وغيره أنه ليس للطالب جبر المطلوب مطلقاً.
اللخمي: ولأشهب عند محمد ما يؤخذ منه أنه إذا كان سعر البلدين سواء، وهو في البلد الذي لقيه فيه أرخص أنه يجبر المسلم إليه على القضاء في البلد الذي لقيه فيه، وحمل ابن عبد السلام المسألة على هذا الثاني، وقد يقال: هو الأقرب إلى لفظه، ولعل الأول هو المتعين؛ لأن ذكر مؤنة الحمل إنما يناسب إرادة المطلوب بالتعجيل، ولأنه كذلك منقول.
ويفهم من قوله: (لا يلزم) أنهما لو اتفقا على ذلك جاز في العروض سواء حل الأجل ألم يحل، وأما الطعام فيجوز إن حل الأجل، بل وإن لم يحل لم يجز، قاله في الموازية والواضحة، واعترض ذلك ابن الكاتب والتونسي وابن محرز، وقالوا: لا فرق بين حلول الأجل أو عدم حلوله لأن القضاء لا يلزمه هناك فأشبه عدم الحلول؛ لأن مسافه البلدين يفتقر فيها إلى كراء الحمولة، فكأنه وجب عليه كراء الحموله فعجل له الطعام بشرط أن يسقطها فيدخله ضع وتعجل.
ابن بشير: ونقل اللخمي عن الموازية المنع سواء حل ذلك الأجل ألم يحل.
والذى في الموازية التفرقة بين حلول الأجل وعدمه كما تقدم.
ولا يَجُوزُ أَخْذُهُ ودَفْعُ الْكِرَاءِ؛ لأَنَّهُمَا كَالأَجَلَيْنِ
أى: فإن لقيه في غير المكان الذى يتعين فيه القبض فتراضيا على أخذ المسلم ودفع كراء ما بين المسافتين لم يجز، قال في المدونة: لأن البلدين بمنزلة الآجال، ثم هذا المنع عام في الطعام وغيره، لكن تزيد العلل المقتضية للفساد في الطعام؛ إذ فيه بيعه قبل قبضه، والنسيئة لأنه أخره في الطعام الذى يجب له ليستوفيه من نفسه في بلد الشرط، والتفاضل بين الطعامين، ويدخل في الطعام وغيره سلف جر منفعة إذا كان ما أخذ المسلم من الكراء من جنس رأس المال.
وبيع وسلف وحط الضمان وأزيدك إذا كان في موضع الاشتراط أرخص.
ومفهوم قوله هو مفهوم المدونة: أنه لو لم يأخذ كراء المسافة لجاز، ولا إشكال فيه في العروض، وأما الطعام فقد تقدم أنه قوله في الموازية والواضحة، وأن ابن الكاتب وغيره اعترضوا ذلك، وقال: ينبغي عدم جوازه.
الْقَرْضُ: يَجُوزُ قَرْضُ مَا يَثْبُتُ سَلَماً إِلا الْجَوَارِيَ، وَقُيِّدَ لِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَالنِّسَاءِ، وَالصَّغِيرِ يَقْتَرِضُ لَهُ وَلِيُّهُ، وَالصَّغِيرَةِ الَّتِى لا تُشْتَهَى ....