التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

، وهي تربص المرأة زماناً، معلوماً قدره الشرع علامة على براءة رحمها مع ضرب من التعبد، وجعل المصنف أنواعها ثلاثة، وفي جعل الاستبراء من أنواع العدة تجوز في اصطلاح الفقهاء.
وهيَ بالأَقْرَاءِ ِوالأَشْهُرِ، والْحَمْلِ الأقراء في الطلاق لذوات الحيض، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] والأشهر للمتوفى عنها وللمطلقة إذا لم تكون من ذوات الحيض لصغر أو كبر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:234] وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:4] أي فعدتهن كذلك، ووضع الحمل عدة للحامل كانت متوفى عنها أو مطلقة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4].
ولا عِدَّةَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49] ولا مفهوم لصفة الإيمان هنا لأنه خرج مخرج الغالب، ولا فرق بين مؤمنة وكافرة.
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَجَبَتْ بِإِقْرَارِهَا لا بِإِقْرَارِه يعني: فإن لم يعلم دخول فإن أقرت هي به وجبت عليها العدة، لأنه إقرار منها على نفسها فلزمها كسائر الإقرارات بخلاف ما [398/أ] لو أقر هو فقط فإنه دعوى عليها

بغير دليل فلا يقبل كسائر الدعاوي، وهذا الكلام في نفس العدة، وأما لواحقها من النفقة والسكنى فسيأتي الكلام عليها.
فَإِنْ ظَهَرَ حَمْلٌ ولَمْ يَنْفِهِ كَانَ كَالدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ والرَّجْعَةِ ولَوْ ظَهَرَ بَعْدَ َمْوتِهِ لَحِقَ بِهِ .... لأن الولد للفراش فهو لاحق به ولا ينتفي عنه إلا بلعان، وعلى هذا فيجب عليها إذا طلقها العدة وتكون له الرجعة، وهذا معنى قوله: (وكَانَ َكَالدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ والرَّجْعَةِ) وفي بعض النسخ: (ولا رجعة له) وهي غير صحيحة لأنها إذا وجبت عليها العدة كان له الرجعة، وقوله: (ولَو ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ) ظاهرٌ لأنه إنما كان ينتفي عنه في الحياة باللعان وهو لا يتأتى هنا.
وأَمَّا بَعْدَهُ فَتَجِبُ، وإِنْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَطْء حَيثُ أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ بِأَيِّ خَلْوةٍ كَانَتْ .... أي: وأما بعد الدخول وهو إرخاء الستور (فَتَجِبُ) العدة سواء (تَصَادَفَا) معاً (عَلَى نَفْي الْوَطْء) أم لا لحق الله في العدة بشرط إمكان الوطء، وأما لو خلا بها لحظة تقصر عن زمان الوطء فلا، وقوله: (بِأَيِّ خَلْوةٍ كَاَنَتْ) أي: سواء كانت خلوة اهتداء زيارة.
فرع: قال في المدونة: ولو كان معها نساء حين قَبَلَ وانصرف لمحضرهن فلا عدة عليها.
الباجي: وكذلك امرأة واحدة، أي: لأن الخلوة قد فقدت وتَسْقُطُ النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وَلا يَجِبُ إِلا نِصْفُ الصَّداقِ، ولا رَجْعَةَ لَهُ هذا مفرع على ما إذا تصادقا على نفي الوطء وسقط حقها من النفقة والسكنى ومن تكميل الصداق لإقرارها بعدم الإصابة، وسقط حقه من الرجعة لإقراره أنه لم يصب،

وكذلك أيضاً لا تكون الرجعة إذا دعى أحدهما الوطء وأنكره الآخر، لأنه يتهم على الرجعة في غير محلها.
ابن عبد السلام: وينبغي إذا اختلفا في المسيس أن يجري حكم النفقة والسكنى على الصداق بحيث يكمل يثبتان، وحيث لا يكمل يسقطان.
ولا شَيْءَ لَهَا فِي الْفاسِدِ، وقِيلَ: تَعَاَرضَ إن كان تَلَذَّذَ بشَيْءٍ يعني: أن ما قدمه من وجوب نصف الصداق إذا طلق قبل البناء إنما هو في النكاح الصحيح وأما الفاسد فلا شيء عليه فيه، لأن الله تعالى إنما أوجب النصف إذا طلق الزوج فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237] لأنه قد أضاف الطلاق إليهم، والإضافة إليهم تستدعي وقوعه باختيارهم.
وظاهر ما لابن القاسم في إرخاء الستور ما قدمه المصنف، والمنسوب فيه لغيره هو القول الثاني، وعكس هذا القول في كتب العدة فجعل القول بأنها تعارض لابن القاسم ولا تعارض لغيره.
وَلا تَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرِ الَّذِي لا يُولَدُ لِمِثْلهِ وإِنْ قَوِىَ عَلَى الْجِمَاعِ، ولا بالْمَحْبوبِ ذَكَرُهُ وأُنّْثَيَاهُ .... يعني: أن العدة في الطلاق إنما تجب إذا كان الزوج يمكن أن يولد لمثله، فلذلك لا تجب بوطء الصغير الذي لا يولد لمثله، يريد إذا خالع عنه أبوه أو وصيه مثلاً فطلاقه نافذ، ولا بوطء المجبوب لكن تجب على زوجاتهما العدة في الوفاة، ولا أعلم في هذه الجملة خلافاً.
بِخِلافِ الْخَصِيَّ الْقَائِمِ الذَّكَرِ، وفِيهَا فِيهِ وفِي عَكْسِهِ يُسْأَلُ النِّسَاءُ، فَإِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْعِدَّةُ، وإِلا فَلا عِدَّةَ ولا يَلْحَقُ .... (بِخِلافِ الْخَصِيَّ الْقَائِمِ الذَّكَرِ) المقطوع الأنثيين، ومقتضى قوله (بِخِلافِ) أنها تجب العدة بوطئه وهذا قول حكاه اللخمي وغيره.

ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب.
وقال ابن حبيب: لا عدة على امرأته وهو ظاهر، لأن الولد لا يلحق به عند ابن القاسم.
ابن حبيب: وكذلك ذاهب الخصية اليسرى.
وقال ابن دينار: الولد لاحق بالخصي كيفما كان.
قيل: وعكسه تجب العدة كيفما كان، وأشار عياض إلى أنه لا فرق في القليح الذكر بين أن يكون سالماً أو بعضه لأنه يصيب بما بقي من ذكره، وكذلك صرح به أشهب، وقوله: (فِيهِ وفِي عَكْسِهِ) المراد بالعكس أن يكون ما في الأنثيين مقطوع الذكر.
عياض: وسبب الخلاف بين المدونة وابن حبيب ذهاب الأنثيين أو أحدهما، فمذهب الكتاب الإحالة على سؤال أهل المعرفة هل يولد له أم لا؟ ومذهب ابن حبيب الإحالة على علم الطب والتشريح لأنهم يقولون: إن البيضة اليسرى جعلت لطبخ المني فإذا فقدت لم يمكن أن يتأتى له ولد، فلا تعتد زوجته ولا يلحق به ولد بخلاف ما إذا كان مقطوع الذكر أو البيضة اليمنى، ونص ابن حبيب على أنه إن بقي معه أنثياه أو اليسرى منهما وبقي من العسيب بعضه أن الولد لاحق به.
وينبغي على قوله أن يلحق به الولد وإن لم يبق من عسيبه شيء.
وقوله: (إِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْعِدَّةُ) أي فالعدة واجبة، يريد ويلحق به الولد (وإِلا فَلا) أي وإن لم يولد لمثله (فَلا عِدَّةَ ولا يَلْحَقُ) به الولد.
ولا عَلَى صَغِيرَةٍ لا تُطِيقُ الرَّجُلَ لا خلاف في ذلك لأن وطئها جرح وفساد، وفهم منه أنها إن طاقت الرجل عليها العدة وإن لم يمكن حملها وهو مذهب المدونة، واختار ابن لبابة أنها لا عدة عليها ولا على الكبيرة المسنة التي لا يخشى منها الحمل.
ويَجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ عِدَّةُ المْطَلَّقَةِ مِنْ كُلِّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ حِينَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثَلاثُ حِيضٍ ومِنْ كُلِّ وَطْءٍ مِنْ زِنَى أَوِ اشْتِبَاهٍ عدة المطلقة [398/ب] ثلاثة أقراء في ذات الأقراء وثلاثة أشهر في اليائسة والصغيرة.

وقوله: (مِنْ كُلَّ نِكاَحٍ) أي سواء كان مجمعاً على فساده أم لا؟ وهذا هو المشهور ومذهب المدونة.
اللخمي: وقيل: يكفي في المتفق على فساداه كنكاح المحرم والرضاع حيضة لأن الزيادة على الواحدة تعبد.
وقوله: (بَعْدَ الدُّخُولِ) ظاهر لأنه إذا لم يجب على المطلقة قبل البناء شيء في النكاح الصحيح فأحرى الفاسد.
وقيل: من حين فرق بينهما، لأنه قد يتوهم أن النكاح المجمع على فساده لما كانت الفرقة فيه لا تحتاج إلى حكم كانت في كل وقت كالأجنبية، فتكون العدة من آخر وطء.
وقوله: (ثَلاثُ حِيَضٍ) هو عطف بيان على قوله: (عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ) أو بدل، ومراده بقوله: (ثَلاثُ حِيضٍ) أي ثلاثة أطهار، لأن الأقراء عندنا الأطهار كما سيأتي، ووجبت العدة في النكاح الفاسد كالصحيح لأن الولد لا يلحق به فيه.
وقوله: (ومِنْ كُلَّ وطْءٍ مِنْ زنّى أَوِ اشْتِباهٍ) هذا معطوف على قوله: (مِنْ كُلَّ نكاحٍ فاسد) لكن لا يسمى هذا في عرف الفقهاء عدة وإنما يسمى استبراء ولا يَطَأُ الزَّوْجُ ولا يَعْقِدُ وإِنْ لَحِقَ الْوَلَدُ بِخِلافِ الْمَطَلِّقِ فِي الصَّحِيحِ يعني: أن من زنت زوجته أو اشتبهت فلا يطأها زوجها في مدة الاستبراء ولو كان الولد به لاحقاً، وكذلك لا يعقد على الأجنبية التي زنت أو وطئت باشتباه، لأن كل محل امتنع فيه الاستمتاع امتنع فيه العقد إلا الحيض والنفاس.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد أن النكاح الفاسد إذا فسخ لا يكون للزوج فيه أن يعقد ولا يطأ وإن لحق الولد، وهذا المعنى الثاني وإن كان قرب إلى لفظه لكن يبقى قوله: (ولا يَطَأُ) ليس فيه كبير فائدة واقتصر، وعلى الثاني بخلاف المطلق في النكاح الصحيح فإن له أن يعقد ويطأ لأن ماءه صحيح لكن يشترط أن لا تكون مريضة بحيث يحجر عليها.

ومِنْ غَيْبَةِ الْغَاصِبِ والسَّابِى عَلَيْهَا والْمُشْتَرِي ولا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِها يعني: ويجب الاستبراء أيضاً بثلاثة أطهار إذا غصبت وغاب عليها الغاصب.
ابن عبد السلام: وقد اختلف لفظه في المدونة في الأمة المغصوبة يغيب الغاصب عليها ثم تعود إلى ربها فظاهر كلامه في أول الاستبراء الوجوب ونص بعد ذلك على أن استبراءها مستحب، وينبغي أن يجري ذلك في الحرة، وكذلك يجب الاستبراء بالثلاثة إذا غاب عليها السابي من الكفار أو المشتري، وسواء بيعت هذه الحرة جهلاً أو فسقاً.
وقوله: (ولا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِها) أي لا تصدق المرأة إن قالت: لم يصبني.
وفي بعض النسخ: (قولهما): أي الرجل والمرأة لحق الله تعالى.
وفِي إِيجَابِ ذِلِكَ فِي إِمْضَاءِ الْوِلِيِّ أِوْ فَسْخِهِ قَوْلانِ يعني: إذا زوج أجنبي امرأةً مع وجود وليها غير المجبر.
وقلنا بأشهر قولي ابن القاسم أن للولي الخيار في إجازته وفسخه ما لم يطل بعد البناء، فأمضاه بعد البناء بالقرب فهل هو تقرير، وكأن النكاح وقع بولي فلا يحتاج إلى استبراء، وكذلك لا يحتاج إليه في الفسخ إذا أراد أن يتزوجها بعد الفسخ؟ أو يقال: إمضاؤه كابتداء نكاح فيحتاج إلى استبراء لأن الماء الأول فاسد وكذلك يحتاج إليه في الفسخ؟ وحاصله: إن قيل أن الماء صحيح لم يحتج إليه وإلا احتاجت.
والقول بالاستبراء هو ظاهر المدونة على ما وقع في بعض الروايات، ففيها: ويكره للرجل أن يتزوج امرأة بغير أمر ولي، أعني ولي نسب.
ابن القاسم: فإن فعل كره له وطؤها حتى يعلم وليها فيجيز أو يفسخ، فإن فسخه الإمام أو وليها عند الإمام ثم أرداته زوجها إياه مكانها وإن كره الولي إذا دعته إلى سداد وإن لم يساوِ حسبها ولا غناها، وكان مرضياً في دينه وعقله وهذا إذا لم يكن دخل بها.

ابن يونس: يريد فإن دخل بها لم ينكحها حتى تستبرئ بثلاث حيض.
لكن صرح في بعض الروايات بأن قوله: (وهذا إذا لم يدخل بها) من كلام سحنون، والأولى رواية أبي عمران لأنه قال: إن كان هذا الشرط لسحنون فهو على مذهبه في العبد يتزوج بغير إذن سيده فيجيز السيد أنه يستبرئ.
قال: وقاله ابن الماجشون.
وإن كان من كلام ابن القاسم فهو خلاف ما ذكره ابن حبيب أن مالكاً قال: إن كل نكاح ليس لأحد إجازته فلا يتزوجها في استبراء منه، وإن كان للولي أو السلطان إجازته فله أن يتزوجها في عدة منه.
وهو في الموازية في المملوكة توطأ قبل العلم عليها الاستبراء.
واستشكل جماعة الاستبراء هنا لعدم فائدته فإن الولد لاحق به.
وأجيب بأن الفائدة تظهر في القذف فلو نسب الولد إلى شبهة في نسبه لم يحد من نسبه إلى ذلك إذا نشأ من الماء الواقع قبل الفسخ أو الاختيار، ويحد إذا نشأ الولد بعد ذلك.
فرع: وإما إذا كان النكاح صحيحاً والوطء فاسداً كمن وطئ زوجته حائضاً فإنه لا يلزم من ذلك استبراء، قالوا: وكذلك لو كان النكاح فاسداً لصداقه.
والأَمَةُ فِي النَّكَاحِ الصَّحِيحِ والْفاسِدِ كذلك، وفِي الزِّنى والاشْتِبَاهِ كذلك هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: وفي الزنا والاشتباه حيضة، يعني [121/ب] أن الأمة الزوجة حكمها حكم الزوجة الحرة في هذه الأحكام إلا في القدر الذي تعتد به فإنها تعتد بحيضتين وتستبرئ في الزنا والاشتباه، يريد ومن غيبة الغاصب والسابي والمشتري بحيضة واحدة.
ولولا أن المصنف اعتمد على ما اشتهر من أن عدة الأمة حيضتان لكان قوله: كذلك قوله: كذلك: يوهم أن عدة الأمة ثلاث حيض، وعلى هذا فيكون التشبيه بذلك راجعاً إلى أصل الوجوب لا إلى قدره.
ووقع في بعض النسخ: والأمة في النكاح الصحيح والفاسد حيضتان، وفي الزنا والاشتباه حيضة: وهي أظهر.

وتُجْبَرُ الْكتَابيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ فِي طَلاقِهِ ومَوْتِهِ كَالمْسْلِمَةِ قوله: (كَالمْسْلِمَةِ): أي: فتعتد ذات الأقراء بثلاثة قروء، واليائسة والصغيرة بثلاثة أشهر، وفي الوفاة بأربعة أشهر وعشر، هذا هو المشهور، وحكى ابن الجلاب رواية ثانية بأن الذمية تعتد في الوفاة من المسلم بثلاثة قروء، وخرج على الروايتين ما إذا توفي عنها قبل البناء فعل المشهور وتعتد في الوفاة أي المسلم بأربعة أشهر وعشر، وعلى الرواية الثانية لا عدة عليها وإنما أجبرت الكتابية على العدة لحق الزوج.
واعلم أنه اختلف في الأقراء الثلاثة في عدة الحرة المسلمة فقال الأبهري: الجميع استبراء ولا تعبد فيها.
وقال أبو بكر القاضي: القرء الأول لاستبراء الرحم والقرءان الأخيران عبادة.
واختار ابن يونس الأول، ولا يعترض عليه بأنه يكفي في الأمة القرء الواحد لأنا نقول: ذلك كالحدود إنما هي موضوعة على حرمة المحدود من العبيد والأحرار والمحصنين والأبكار.
وقال عبد الحق: قول أبي بكر هو الصواب.
وخرج بعضهم على قول أبي بكر قولاً بأن الذمية تكتفي بقرء واحد في الوفاة والطلاق بناء على أن الكفار غير مخاطبين بالأحكام، ولهذا روى أبو زيد عن ابن القاسم في النصرانية يموت عنها زوجها الذمي فيتزوجها المسلم بعد حيضة أنه لا يفسخ نكاحها.
وَيَتَزَوَّجُهَا الْمُسْلْمُ بَعْدَ مَوْتِ الذَّمَّيِّ بَعْدَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ كَطَلاقِهِ يعني: وقد دخل بها الذمي لمقابلته ذلك بقوله: فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ تَزَوَّجَهَا مَكَانَهَا فِيهِمَا أي: في موت الذمي وطلاقه، ولمالك في العتبية أنه يكتفي بحيضة واحدة من طلاق الذمي.

أَقْسَامُهَا مُعْتَادَةٌ، ومُرْتَابَةٌ بِتَأخِيرِ الْحَيْضِ، وصَغِيِرِةٌ، ويَائِسَةٌ، وحَامِلٌ، ومُرْتَابَةٌ بالْحَمْلِ الضمير في (أَقْسَامُهَا) عائد على العدة، فـ (مُعْتَادَةٌ) فيه حذف مضاف، أي عدة معتادة، ويحتمل عوده على المعتدات، ويترجح الأول بأنه لو أراد الثاني لقال: أقسامهن في الأفصح، وحصرها فيما ذكره استقراء، ثم أخذ المصنف يتكلم على كل قسم فقال: فَالْمُعْتَادَةُ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ للْحُرَّةِ، وقُرْءانِ للأَمةِ ما ذكره في الحرة هو نص الآية الكريمة، ولا فرق بين أن يكون زوجها حراً أو عبداً على المعروف.
وقيل: إن العدة تتشطر بكون أحد الزوجين رقيقاً، وما ذكره في الأمة متفق عليه عندنا، ويعضده ما رواه أبو داود وغيره أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان)) لكنه ضعيف عند أهل الحديث، قيل: والصحيح أنه من كلام أبي عمران.
وَالأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ، وجَاءَ لَفْظُ الْحَيْضِ مَوْضِعَهُ كَثِيراً عَلَى التَّسَامُحِ قوله بقولنا، الشافعي، وهو قول عائشة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، وأبان بن عثمان، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: الأقراء هي الحيض.
وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى وغيرهم.
وضعف أحمد أسانيد ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود.
وبالجملة فكل من القولين مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ولولا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1] مع حديث ابن عمر في طلاق الحائض لكان مذهب أبي حنيفة أظهر، لأن المقصود من العدة إنما هو العلم أو الظن ببراءة الرحم، والدال على ذلك إنما هو الحيض، وأما الطهر فيوجد مع الحمل.

قوله: (وجَاءَ لَفْظُ الْحَيْضِ) أي إنهم قد يطلقون لفظ الحيض موضع الطهر كثيراً على التسامح.
ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف هو مذهب المحققين، وذهب بعض الشيوخ إلى حمل هذه الإطلاقات على ظاهرها فنقل عن المذهب قولاً كمذهب أبي حنيفة وهو بعيد لأن هذه المسامحة جرت على لسان من علم أنه لا ينصر إلا قول مالك.
وطُهْرُ الطْلاقِ تَعْتَدُّ بِهِ ولَوْ لحظَةً لا خلاف في هذا عندنا وليس كمذهب أبي حنيفة في التي تطلق في الحيض فإنها لا تعتد بذلك الحيض عنده وإن قال: القرء هو الحيض.
فَتَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، ويَنْبَغِي أَلا تَعْجَلَ إِذْ قَدْ يَنْقَطِعُ عَاجِلاً فَلا تَعْتَدُ بِهِ .... أتى بالفاء لأن هذا مرتب على ما قبله وأيضاً فلما قدم أن الطهر الأول تعتد به ولو لحظة خشي أن يتوهم منه أن الجزء الأول من الطهر الأخير يقوم مقام جميع الطهر فتحل [399/ب] ببعضه فبين ذلك وأنها لا تحل إلا بجميعه.
ومقابل المشهور رواه ابن وهب عن مالك أنها لا تبين إذا رأت الدم حتى يعلم أنها حيضة تامة.
وخرج ابن رشد على قول ابن الماجشون أن أقل الحيض خمسة أيام أنها لا تحل لغير المطلق حتى تمكثها، وكذلك على القول أن أقله ثلاثة وعلى أنه يوم، وفيه نظر، ألا ترى أن مالكاً وابن القاسم يريان الدفعة ونحوها ليست بحيض في هذا الباب مع أنها تبين برؤيتها أول الدم الثالث فلا يبعد أن يسلك ابن الماجشون وغيره هذا المسلك.
ابن رشد: بناء على تخريجه وعلى قول ابن الماجشون وابن مسلمة: لو انقطع الدم فإن عاد بالقرب لفق منه العدة المذكورة، وإن لم يعد إلا بعد البعد كانت تلك الدفعة ونحوها ملغاة لا يعتد بها، وحكم ذلك دم العلة والفساد، وتقضي ما تركت فيه من الصلاة.

عياض: وقول شيخنا، تقضي ما تركت فيه من الصلاة، فيه نظر لا يوافق عليه.
وقوله: (ويَنْبَغِي أَلا تَعْجَلَ) يعني وإذا قلنا تحل للأزواج برؤيتها أول الدم الثالث فينبغي ألا تعجل بالتزويج لاحتمال أن ينقطع الدم عنها قبل اسبترائها حيضة.
واعلم أن قوله: (ويَنْبَغِي) هو من كلام أشهب في المدونة، والكلام الأول لابن القاسم، كذا قال الجمهور، واختصر ابن أبي زمنين المدونة على أن مجموع الكلام لأشهب، وعلى الأول فاختلف هل كلام أشهب وفاق وهي طريقة المصنف وأكثر الشيوخ، أو اختلاف وإليها ذهب غير واحد وهو مذهب سحنون لقوله: هو خير من رواية ابن القاسم، وهو مثل رواية ابن وهب: أنها لا تحل للأزواج ولا تبين من زوجها حتى يتبين أنها حيضة مستقلة، وهو مذهب ابن المواز وابن حبيب.
وعلى هذا فيكون قول أشهب: (وأحب) محمولاً على الوجوب، ويبين ذلك تعليل أشهب بقوله: أن قد ينقطع عاجلاً فإنه علة تقتضي الوجوب.
واختلف القائلون بحمل قوله على الخلاف لو انقطع الدم ما الحكم؟ فقال أبو عمران وابن رشد وغيرهما: لا يضرها ذلك وقد حلت للأزواج برؤيته أولاً.
ورأوا أن مذهب ابن القاسم في مقدار الحيض واحد في باب العبادة والعدة.
ومنهم من قال: بل يضرها، وإنما لم يطلب منها ابن القاسم ما طلبه أشهب لأن الأصل عدم انقطاع الدم، وهو أيضاً الغالب فلا يلزمها وجوب ولا استحباب رعياً لمخالفة الأصل والغالب، وإلى هذا ذهب جمهورهم أنه إن لم يتماد بها الدم لا تحسب به حيضة.
فرعان مرتبان على قول الجمهور: الأول: لو ماتت الزوجية بعد رؤية الدم وقبل التمادي فإنه يحمل أمرها فيه على التمادي ولا يرثها مطلقاً، وإن مات الزوج حينئذ لم ترثه إن تمادى، وإن قالت قبل موته باليوم والشيء القريب: انقطع الدم عني، وكان موته بإثر قولها ذلك ورثته، نقله ابن عبد السلام.

الثاني: عياض: واختلف إذا راجعها زوجها عند انقطاع هذا الدم وعدم تماديه ثم رجع الدم بقرب، هل هي رجعة فاسدة إذ قد ظهر أنها حيضة صحيحة وقعت الرجعة فيها فتبطل وهو الصحيح.
وقيل: لا تبطل رجع عن قرب أو بعد.
خليل: وهذا الكلام يدل على أنها لم يعاودها الدم أن الرجعة صحيحة وأن للزوج الرجعة وإن قالت قبل ذلك: رايت الدم ثم ادعت انقطاعه.
وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ ولا قَبْلَهُ فِي ثُبُوتِ الرَّجْعةِ ابن راشد: يعني إذا ادعى زوجها أنه ارتجعها قبل انقضاء العدة وأقرت هي بصحة قوله فإن قولها في ذلك غير مقبول.
هذا الذي ظهر لي من قوله، وما كان يحتاج إلى هذا فقد سبق له في الرجعة ما يغني عنه.
وقال ابن عبد السلام: يعني إذا فرعنا على المشهور أن لها أن تتزوج ولم تفعل ما استحب لها من التأخير فتزوجت فبعد أن عقد عليها النكاح قالت: انقطع الدم، لم يقبل قولها لأن ذلك إقرار على غيرها وهو الزوج فتتهم على إرادة فسخ نكاحه، وكذلك لو لم تتزوج فتتهم على إنشاء نكاح من مطلقها من غير صداق ولا ولي فعلى هذا لو دفع إليها المطلق ربع دينار وأحضر الولي لما منعت من ذلك إذ لا موجب للتهمة والله أعلم.
وانظر كلام المؤلف ووفق بينه وبين قول أشهب في المدونة أحب إلى ألا تنكح حتى تستمر الحيضة لأنها ربما رأت الدم ساعة أو يوماً ثم ينقطع عنها فيعلم أن ذلك ليس بحيضة فإذا رأت المرأة هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها والعدة قائمة ولزوجها الرجعة حتى تعود عليها حيضة صحيحة مستقيمة.
انتهى كلام ابن عبد السلام وفيه نظر، لأنها إذا قالت: انقطع عني قبل التزويج فإما أن تبني على قول أبي عمران وابن راشد أن ابن القاسم يرى أن اقل الحيض لا حد له هنا كما في العبادة أولاً، فإن كان الأول فلا عبرة

بكلامها لأنها قد كمل لها حينئذ ثلاث حيض، وإن بنينا على قول الأكثر فيقبل قولها لأنها حينئذ ثلاثاً ويكون لزوجها الرجعة، وقد تقدم في الفرع الثاني من كلام القاضي عياض ما يدل [400/أ] على ذلك، وقد صرح غيره بذلك، وعلى هذا فكلام ابن راشد أحسن، والله أعلم.
فَإِنْ طُلَّقَتْ فِي حَيْضٍ أِوْ نِفَاسٍ حَلَّتْ بأَوَّلِ الرَّابِعَةِ، والأَمَةُ بحِسَابِهَا لأنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها وكذلك النفاس فلأجل ذلك لا تحل إلا بالدخول في الحيضة الرابعة.
قوله (والأَمَةُ بحِسَابِهَا)، أي فتحل بالدخول في الحيضة الثالثة.
وَإِذَا حَاضَتْ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم فَفِيهَا يُسْأَلُ النِّسَاءُ أَيَكُونُ هَذَا حَيْضاً أَمْ لا، وقَالَ أَيْضاً: ولا تِكُونُ حَيْضةٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمَيْنِ.
ابْنُ مَسْلَمَةَ: لا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
ابْنُ الْماجِشُونِ وسَحْنُونٌ: لا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ.
ولِذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ: لا تَنْقَضِي بأَقَلَّ مِنْ أَرْبِعَينَ وقَد تَقَدَّمَ الطُّهْرُ فِي الْحَيْضِ .... قد تقدم أن ابا عرمان وابن راشد تأولا على المدونة أنه لا حد لأقل الحيض هنا كالعبادات وأن أكثرهم خالفهما هنا في ذلك، ونص المازري على أن المشهور عن مالك نفي التحديد وإسناد الحكم إلى ما يقوله النساء أنه حيض، ونص أشهب في المدونة أن اليوم لا يكون هنا حيضاً، وحكى الخطابي عن مالك أنه لا تكون الحيضة هنا أقل من يوم، وكل من قال بالتحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة أو خمسة فإنما قال ذلك لعادة جرت عنده.
وصرح المصنف عن سحنون أنه يقول: إن أقل الحيض خمسة، وإنما يحكيه غيره استقراء من قوله أنها لا تنقضي بأقل من أربعين، أي بناء على أن أقل الحيض خمسة، وعلى المشهور أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، وذلك أنه يقدر الطلاق وقع آخر لحظة من الطهر فهذا قرء ثم حاضت بعد خمسة أيام ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم حاضت خمسة

ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم دخلت في الدم الثالث وذلك أربعون، ولو بنى على قوله أن أقل الطهر ثمانية لانقضت بستة وعشرين.
قوله: (وقَد تَقَدَّمَ الطُّهْرُ فِي الْحَيْضِ) فيه حذف خطابين تقديرهما: تقدم مقدار الطهر في كتاب الحيض، وحاصل كلام المصنف أن الطهر في البابين سواء، وإنما يختلف البابان في مقدار الحيض.
وَالْمُرْتَابَةُ بغَيْر ِسَبَبٍ مُعْتَادٍ- حُرَّةً أَوْ أَمَةً- تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً ثُمَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ عِدَّةً فَتَحِلُّ عَقِبَ السَّنَةِ، كَمَا قَضَى عُمَرُ، ولذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: عِدَّة الطَّلاقِ بَعْدَ الَّريبَةِ، وعِدَّةُ الْوَفَاةِ قَبْلَ الرِّيبَةِ لما انقضى كلامه على المعتادة أخذ يتكلم على المرتابة بتأخير الحيض.
وقوله: (بغَيْر ِسَبَبٍ مُعْتَادٍ) احترز بذلك مما لو تأخر حيضها لسبب معتاد وسيأتي.
وسوى المصنف بين الحرة والأمة في التربص تسعة أشهر، وهي زمان الحمل غالباً، فإذا لم يظهر بها حمل ولا رأت ما حصل الظن أنها ليست بحامل وأنها لا ترى دماً فقام ذلك مقام الإياس من كونها من أهل الأقراء فتعتد حينئذ كعدة الآيسة ثلاثة أشهر مضافة إلى التسعة ولا تدخل فيها، وهو معنى قوله: (فَتَحِلُّ عَقِبَ السَّنَةِ) ثم أشار إلى دليل هذا الكم بقوله: (كَمَا قَضَى عُمَرُ) وبه قال ابن عباس ولا يعلم لهما مخالف، وهذا هو المشهور.
وذكر في الكافي قولاً آخر أن المرتابة لا تخرج من عدتها حتى تستوفي بقيتها وترفع الريبة.
وقال أشهب: تعتد الأمة بأحد عشر شهراً تسعة استبراءً وشهران للعدة، وهو الظاهر لأن الثلاثة أشهر إنما لم تتشطر في حق الأمة لأجل أن الحمل لا يظهر في أقل منها وها هنا قد حصل قبلها تسعة أشهر.

وقوله: (ولذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ... إلخ) إنما كانت عدة الطلاق بعد الريبة قبلها لأن المطلقة تطلب أولاً بالأقراء فإذ مضت لها تسعة أشهر ولم تر شيئاً علمت أن عدتها بالأشهر، والمتوفى عنها تعتد بالأشهر فإذا انقضت عدتها ولم تر حيضاً وهي ممن تحيض في ذلك القدر حصت الريبة فأمرت أن تنتظر حمل النساء غالباً، وهو تسعة أشهر- لتزول الريبة.
فَإِنْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ ولَوْ آخِرَهَا انْتَظَرَتِ الثَّانِيَةَ كَذَلِك ثُمَّ الثَّالِثَةَ يعني: إذا قلنا تتربص سنة فإن جاءتها الحيضة ولو في آخر السنة انتقلت إلى الحيض لأن الحيض يدل على الأقراء فإذا ظهر الأصل قبل ترتب البدل وجب إلغاء البدل كما في سائر الأصول، أما لو رأت الدم بعد السنة ولو بقليل لم يكن له أثر لأن المرأة قد حلت للأزواج بانقضاء السنة، فكان ذلك بمنزلة ما لو طرأ الماء على المتيمم وهو في الصلاة، وما ذكر المصنف من انتظار الثانية والثالثة كذلك هو المشهور.
وقال ابن نافع: إن حاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها أو كانت ممن تحيض فإنها تنتظر أقصى الحمل خمس سنين، وإن كانت ممن يئس مثلها من الحيض اعتدت بالسنة تسعة أشهر ثم ثلاثة.
سحنون: وأصحابنا لا يفرقون بينهما والعدة فيهما بالسنة.
الشيخ أبو محمد: يعني سحنون فيمن يحتمل أن تحيض، وأما من لم تحتمل ذلك فعدتها ثلاثة أشهر.
فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى عِدَّةٍ أُخْرَى قَبْلَ الْحَيْضِ فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ يعني: إذا تمت عدتها بالسنة ثم احتاجت إلى عدة أخرى إما بأن تزوجت غير زوجها ودخل بها ثم طلقها، وإما أن يكون زوجها قد ارتجعها ثم طلقها فروى محمد عن مالك وأصحابه أن عدتها ثلاثة أشهر حرة كانت أو أمة لأنها لما اعتدت بالشهور صارت لها حكم اليائسة والقول بأنها لا تكتفي بثلاثة [400/ب] أشهر وتنتظر السنة لم أره معزواً.

وَتَكْفِي فِي الأَمَةِ الْمُشَتَراةِ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ باتِّفَاقٍ قال في المدونة: وإن اشترى معتدة من طلاق وهي ممن يحيض فارتفعت حيضتها فإذا مضت سنة من يوم الطلاق وليوم الشراء ثلاثة أشهر فأكثر حلت، وعلى هذا ففاعل (تَكْفِي) ضمير عائد على السنة، ويكون كلامه مقيداً بما إذا بقي من السنة من يوم الشراء ثلاثة أكثر، ويحتمل أن يكون ضمير (تَكْفِي) عائد على الثلاثة أشهر المتقدمة في قوله: (فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ) وذكر عن القابسي في معتدة من طلاق اشتريت فرفعتها حيضتها أنها لا توطأ إلا بعد سنة ولو قال القوابل بعد ثلاثة أشهر وقبل سنة لا حمل بها، فلا توطأ إلا بعد حيضتين أو سنة لا حيض فيها.
قال: وليست كالمعتدة من الوفاة هذه إن قال القوابل: بعد ثلاثة أشهر وقبل تسعة لا حمل بها، حل لمشتريها وطؤها لأن العدة من الوفاة قد انقضت بمضي شهرين وخمس ليال والتربص لزوال الريبة فمتى زالت حلت، والمطلقة عدتها بعد التسعة أشهر، وفي المدونة أيضا: من اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة.
وأتيت بالكلام في المشتراة في عدة الوفاة استطراداً لأن كلام المصنف لا يتناولها، إذ هو الآن إنما يتكلم في عدة المطلقة.
وَبسَبَبٍ مُعْتَادٍ كَمَنِ اعْتَادَتْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ فَفِي انْتِظَارِهَا لاعْتِبَارِ الأَقْرَاءِ قَوْلانِ، وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا هذا قسيم قوله: (والمرتابة بغير سبب معتاد) أي والمرتابة بسبب معتاد، وجعل المصنف الأسباب أربعة: الأول: إذا كانت عادتها أنها لا تحيض إلا في كل سنة أو نحو

ذلك.
والثاني: الرضاع.
والثالث: المرض.
والرابع: الاستحاضةز واقتصر في الجواهر على الثلاثة الأخر، وهو أحسن، لأن في إدخال من تأخر حيضها بسبب العادة تحت المرتابة تسامحاً، والقول بانتظارها الأقراء لمحمد، وهو الذي حكاه اللخمي وغيره.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر.
ابن راشد: وهو الصحيح عملاً بعموم الآية، لأن عمدة المذهب في التربص سنة إنما هو قضاء عمر، وهو إنما كان فيمن رفعتها حيضتها.
ابن راشد: وقيل تحل بانقضاء السنة.
وقال ابن عبد السلام: لا أتحقق وجود هذا القول في المذهب.
ويمكن أن يريد المصنف أنها تحل بثلاث أشهر، لكن هذا القول إنما نقله أشهب عن طاوس ووجهه أنه حمل الآية في الأقراء الثلاثة على الغالب من حصول الطهر والحيض في شهر.
وعلى الانتظار فقال محمد: إن لم تحِض عند مجيئها حلت وإن حاضت من الغد، وهذا معنى قوله: (وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا) وكذلك في الحيضة الثانية والثالثة، واستشكله اللخمي فقال: وليس هذا أصل المذهب، ألا تحتسب بالحيض إذا جاء من الغد لأن الحيض يتقدم ويتأخر.
ثم تكلم المصنف على الرضاع فقال: والْمُرْضِعَةُ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لا بالسَّنَةِ اتَّفَاقاً، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى .... ما حكاه من الاتفاق حكاه محمد فقال: لم يختلف قول مالك وأصحابه في عدة المرضع أنها لا تعتد بالسنة وعليها أن تنتظر الحيض أبداً ما دامت ترضع حتى ينقطع عنها الرضاع فتسقبل ثلاث حيض، فإن لم تحِض حتى أتت عليها سنة من يوم قطعت الرضاع حلت.
وهذا معنى قول المصنف: (فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى) وعلل محمد انتظارها للأقراء بأنا عرفنا أن الرضاع هو الذي رفع عنها الحيض فكانت عدتها بالأقراء كما قال الله تعالى، أي فلم تدخل تحت اليائسات.

وَلِلَّزْوِج انْتِزَاعُ وَلَدِهِ فِرَاراً مِنْ أَنْ تَرِثَهُ أَوْ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعَةً فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْوَلَدِ .... هكذا قال مالك ومحمد وهو مئروط بأن لا يضر بالود كما إذا علق بأمه ولم يقبل غيرها.
مالك في العتبية: وكذلك هي إذا طلبت طرحه إذا قبل ثدي غيرها وكان للأب مال.
وإنما قال المصنف: (فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ) لأنه لو كان طلاقاً بائناً لم يحتج إلى انتزاع الولد لأنها حينئذ لا ترثه وله أن يتزوج أختها أو رابعة، ثم تكلم المصنف على المرض فقال: وَالْمَرِيضَةُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وقَالَ أَشْهَبُ: كَالْمُرْضِعِ قوله: (كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ) أي تتربص سنة، ورأى أشهب أن المرض يذهب الدم فكان كالرضاع، وفرق ابن القاسم بينهما بأن المرضعة قادرة على إزالة ذلك السبب فكانت قادرة على الأقراء بخلاف المريضة فإنها لا تقدر على رفع السبب فأشبهت اليائسة.
وقول ابن القاسم مروي عن مالك، وبه قال أصبغ وابن عبد الحكم، واختار ابن المواز قول أشهب [401/أ] ثم تكلم المصنف على السبب الرابع وهو الاستحاضة فقال: وَأَمَّا الْمْسَتحَاضَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُمَيَّزَةَّ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَرِوَايَتَانِ، ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعْتَبرُ الْحَيْضُ الْمُمَيَّزُ، ابْنُ وَهْبٍ: كَالْمُرْتَابَة، وغَيْرُ الْمُمَيِّزَة كَالْمُرْتَابَةِ .... حاصله أن المستحاضة على ضربين: إن كانت غير مميزة فهي كالمرتابة باتفاق فعدتها سنة، وإن ميزت فروايتان، واختار ابن القاسم أنها تعمل على المميز الذي لاشك فيه وهو المشهور، واختار ابن وهب أن تعتد بالسنة كالأوىل وتمييزه برائحته ولونه، وقال ابن المواز بكثرته أي أن دم الحيض كثير ودم الاستحاضة قليل، والأمة في ذلك كالحرة.

تنبيه: الباجي: انتظارها سنة ظاهر في تقديم الاستحاضة وأما في تأخيرها ففيه نظر وذلك أن الاستحاضة لا تكون إلا بعد حيض، فإذ وجد الحيض بطل حكم الريبة بارتفاع الحيضة واعتدت بالأقراء، فلا يجوز أن يضاف ما بعد الحيض والاستحاضة إلى ما قبله، وقاله ابن القاسم.
تستأنف بالمستحاضة التي ينقطع عنها الدم سنة من يوم انقطعت الاستحاضة، ووجهه أن الاستحاضة ليست من جنس انقطاع الدم فلا تلفق.
وقال بعضهم: إذا قلنا تبني على أيام الاستحاضة فاختلف إذا لم تعلم أول الدم هل كان حيضاً أو استحاضة؟ فقيل: محمله على الاستحاضة وتكون السنة من يوم الطلاق.
محمد: والقياس أن تكون السنة من بعد قدر حيضة والاستطهار.
وأَمَّا الصَّغِيرَةُ والْيَائِسَةُ حُرَّةُ أَوْ أَمَةً فَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ بِالأَهِلَّةِ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:4] أي كذلك، وقوله: (حرة أو أمة) هو المشهور، ووجهه أن الحمل لا يظهر في أقل من ثلاثة أشهر.
وحكى ابن بشير قولين آخرين: شهر ونصف.
والثاني: شهران.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي فلم تدروا ما عدتهن، هكذا فسره مالك في العتبية، وقال ابن بكير والقاضي إسماعيل: إن ارتبتم في معاودة الحيض، قالا: ولو كانت ريبة ماضية في الحكم لكان حقها أن ارتبتم بفتح الألف من إن.
قالا: واليائس في كلام العرب إنما هو فيما لم ينقطع فيه الرجاء، يقال: يئست من الحيض لشدة مرض ومن الغائب لبعد غيبته، ولا يقال: يئست من الميت الذي قد انقطع منه الرجاء.
قال اللخمي: والأول أحسن لقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ولا يجتمع الإياس والشك وقال بعض المفسرين: المعنى: إن ارتبتم هذ الدم الذي ظهر من المرأة استحاضة أو حيض معهود أو كبر؟ وقال بعضهم أنه متصل بأول السورة، والمعنى

لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة، قيل: وهو الأصح في معنى الآية.
وقوله: (بِالأَهِلَّةِ) ظاهر.
فَإِنِ انْكَسَرَ الأَوَّلُ تُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ ثَلاثِينَ مِنَ الرَّابعِ، وقِيلَ: تُمِّمَ الثلاثة أي فإن انكسر الشهر الأول بأن طلقها في أثناء شهر، وما قدمه المصنف هو في المدونة على بعض الروايات، لكن صرح عياض وغيره بأن ذلك إنما هو عن ابن شهاب وربيعة.
المتيطي عن بعض القرويين: وقولهما مخالف لقول مالك.
وقال أبو عمران: لعل ربيعة يريد إذا لم تر الأهلة مثل أن يغم الهلال، وهو أحسن من الخلاف، والقول الثاني هو مذهب المدونة، ونص عليه في كتاب أكرية الدور، وصرح بعضهم بمشهوريته، وهو الذي يأتي على ما ذكره المصنف في الظهار بقوله: فإن انكسر الأول تمم المنكسر ثلاثين من الثالث، وهو الظاهر لأن المطلوب ما يصدق عليه ثلاثة أشهر، وذلك حاصل بهذا القدر، ووقع في بعض النسخ تقديم هذا القول وهي أحسن.
قَالَ مَالِكٌ: وتُلْغِي الْيَوْمَ الأَوَّلَ، بَعْدَ أَنْ قَالَ: تَحْتَسِبُ بهِ إِلَى وَقْتِهِ أي: إذا طلقت في بعض يوم- وعلى قوله الأول- أنها تحتسب به إلى وقته فتحل في تلك الساعة.
قال في البيان: ووجهه أنها تجب عليها بإجماع أن تبتدئ العدة من تلك الساعة ولتجتنب الطيب والزينة من حينئذ إن كانت عدة وفاة فيجب أن تحل في تلك الساعة.
قال: ووجه الثاني أن السنة والشهر واليوم لما كان أول كل واحد منها غروب الشمس عند العرب والعجم وجب إلغاء بعض اليوم.
وعلى الثاني: لو تزوجت بعد الوقت الذي هلك فيه زوجها وقبل غروب الشمس لفسخ النكاح.
وقال ابن القاسم: لا يفسخ.
وهو قول ثالث وهو استحسان مراعاة للخلاف.

فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ تَمَامِهَا عَادَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ يعني: فإن رأت الصغيرة الدم قبل تمام الأشهر فإنها تلغي ما قدم وتعتد بالأقراء ولو كان ذلك في آخر يوم من الأشهر لأنها إنما اعتدت بالأشهر لتعذر الحيض، وإنما خصصنا كلامه هنا بالصغيرة كما قال ابن راشد، ولم نعممه في الصغيرة والكبيرة كما قال ابن عبد السلام لأنه سيتكلم في اليائسة.
والعدد بالنسبة إلى الصغيرة مجاز لأنه حقيقة في الرجوع إلى شيء تقدم، ثم كلامه مقيد بما إذا كانت في سن من تحيض وأما من لم تحِض فلا اعتبار به وهو دم علة وفساد كما لو رأته بنت الستة ونحوها، وهذا معنى قوله: وما تَرَاهُ مَنْ لا يَحِيضُ مِثلُها لا اعْتِدَادَ بِهِ ثم تكلم على اليائسة فقال: وَما تَرَاهُ الْيَائِسَةُ يُسْأَلُ النِّسَاءُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ حَيْضاً انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَهُ كَالْمُرْتَابَةِ بَعْدَ حَيْضَة .... أي إذا قال النساء أنه حيض فليست بيائسة، وإنما معنى الكلام [401/ب] وما تراه من شك في كونها يائسة فإن قلن أنه حيض انتقلت إليه.
قال في المدونة: وإن قلن ليس بحيض وكانت في سن من لم تحض من بنات السبعين والثمانين لم يكن ذلك حيضاً وتمادت بالأشهر.
ونص في المقدمات في كتاب الطهارة على أنه إذا شك في هذا الدم أنه يحكم له بحكم الحيض حتى يظهر.
وَاَّلتِي لَمْ تَحِضْ، وإن بَلَغَتِ الثَّلاثِينَ كَالصَّغِيرَة يريد: وأكثر من الثلاثين، وقد صرح في أصل المدونة بأن الأربعين كذلك، قال علماؤنا: وأما لو حاضت مرة في عمرها ثم انقطع عنها سنين كثيرة لمرض أو غيره، وقد

ولدت أو لم تلد ثم طلقت فإن عدتها بالأقراء ما لم تبلغ سن من لم تحض، فإن أتتها الأقراء وإلا تربصت سنة كما تقدم.
وَالْحَامِلُ تَحِلُّ بِوَضْعِ جَمِيعِ حَمْلِهَا لا بأَحَدِ التَّوْءَمَيْنِ، ولِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي، ولا فَرْقَ بَيْنَ الْكَامِلِ والْعَلَقةِ كَالاسْتِيلادِ .... لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] وذلك يتناول جميع الحمل، فلذلك فلا تحل إلا بوضع الثاني، فإذا لم تحل كان للزوج الرجعة، ولفظ الحمل يتناول الكامل والعلقة ونص في المدونة في إرخاء الستور على أنها تحل بالمضغة والعلقة وتكون بها أم ولد، ونص في الاستبراء على أن الدم المجتمع كذلك.
وقال أشهب: لا تحل بالدم المطلقة ولا تكون به الأمة أم ولد.
قيل: وعلامة هذا الدم عند ابن القاسم أن يصب عليه الماء فلا يذوب.
ابن عبد السلام: وما تقدم من أنها تحل بالدم عند ابن القاسم ولا تحل به عند أشهب هو المعلوم من المذهب وعكسه عياض في بعض تواليفه.
والْمُرْتَاَبَةُ بحَسِّ الْبَطْنِ لا تُنْكَحُ إِلا بَعْدَ أَقْصَى أَمَدِ الْوَضْعِ، وهُوَ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، ورُوِيَ أَرْبَعَةٌ، وسَبْعَةٌ، وقَالَ أَشْهَبُ: لا تَحِلُّ أَبَداً حَتَّى يَتَبَيَّنَ .... ما ذكره المصنف أنه المشهور كذلك، قال ابن شاس وغيره، وهو قوله في كتاب العدة من المدونة، والقول بالأربع هو أيضاً في كتاب العتق من المدونة.
عبد الوهاب: وهي الرواية المشهور.
قال ابن الجلاب: هو الصحيح.
وروى أشهب عنه أن أقصاه سبعة أعوام، وقال أشهب: لا تحل أبداً حتى يتبين براءتها من الحمل.
قال: وأرى أن المرأة تلد أبداً إذا كانت ترى الدم حتى يذهب عنها ثم تستقبل تسعة أشهر.
وهذا يصحح النسخة التي ذكرناها وهي قوله: حتى يتبين، لا ما وقع في بعض النسخ: حتى

يتأيس، من الإياس لأنه لا يلزم من بلوغها سن الإياس أن لا يكون في بطنها حمل متقدم وإنما يمنع الإياس ابتداء الحمل، ويمكن أن يكون المعنى: حتى تيأس من الحمل، فيتفق معنى هذه والأولى، وما جاء هذا الإشكال إلا من فهم الإياس من الحيض، ونقل الجوهري في إجماعه عن محمد بن الحكم أن أكثره تسعة أشهر.
ابن عبد السلام: ولا أعلم له موافقاً كما لا أعلم له موجهاً لأن العيان يقتضي خلافه بما لا يشك فيه ولعله لم يصح عنه.
وروي عن مالك أنه لا تحد في ذلك بل يلحق الولد بما يقول النساء أنه يلحق به.
وهو أظهر، وسيأتي هذا القول من كلام المصنف.
والنِّسَاءُ كُلُّهُنَّ فِيهِ سَوَاءٌ أي: فيما تقدم، وهو أكثر مدة الحمل، ولعله إنما ذكر هذا إشارة إلى دفع ما يقال أنه وجد من بني فلان من لا تلد إلى كذا، وفي بني فلان من لا تلد إلى كذا.
ولَوْ أَتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ بِوَلَدٍ لِدُونِ أَقْصَى الْحَمْل لَحِقَ بِهِ إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باللِّعَانِ، ولا يَضُرُّهَا إِقْرَارُهَا بانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لأَّنَّ الْحَامِلُ تَحِيضُ ... يعني: أن المرأة المطلقة- وفي معناها المتوفى عنها- إذ أتت بعد انقضاء العدة بولد فإنه يلحق به إذا أتت به لما يلحق فيه الولد، ولا ينتفي عنه إلا بلعان لأن الولد للفراش، وكلام المصنف ظاهر التصور وهو مقيد بما إذا لم تتزوج غير هذا الزوج أو تزوجت غيره وأتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثاني، وحينئذ ينفسخ نكاح الثاني لأنه نكاح في عدة وترجع إلى الأول، وأما إن أتت به لستة أشهر فأكثر فهو لاحق بالثاني قطعاً.
وَفِيهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ بأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِد مِنْهُمَا وحُدَّتْ واسْتَضْعَفَهُ بَعْضُهُمْ وقَالَ كَأَنَّ تَحْدِيدَ خَمْسِ سِنِينَ فَرْضٌ .... إنما لم يلحق بالأول للزيادة على الخمس سنين ولم يلحق بالثاني لنقصانه عن أقل الحمل، إذا لم يلحق بواحد منهما فتحد قطعاً، والمستضعف لهذا هو القابسي.
ابن يونس:

وكان يستعظم أن ينفى الولد من الزوج الأول، وتبعه على ذلك اللخمي، وهو استضعاف ظاهر، ولظهوره عقب المصنف ذلك بقوله: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِمَا يُشْبِهُ لَزِمَ وإلا فكان الأليق بالمصنف أن يقدم هذا القول لما ذكر الخلاف والله أعلم.
وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلا بَيِّنَةَ اسْتَانَفَتِ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ إِقْرَارِهِ وَوَرِثَتْهُ فِيهَا فِي الَّرجْعِيِّ، ولا يَرِثُهَا وَلا رَجْعَةَ لَهُ إِنِ انْقَضَى قَدْرُ الْعِدَّةِ مِنْ يَوْمِ طَلاقِ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بيِّنَةٌ فَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ طلَّقَ ... صورة المسألة من كلامه ظاهرة وإنما استأنفت العدة من يوم أقر لأن العدة حق لله تعالى [402/أ] فلا يصدق في إسقاطها ولذلك ورثته في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، وإنما لم يرثها ولم تكن له رجعة إذا انقضت العدة من يوم طلاق إقراره لأنه أقر أنها حينئذ أجنبية، فالشرط في قوله: (إِنِ انْقَضَى) راجع إلى مسألتي الميراث والارتجاع معاً.
قال في المدونة: وإن كان الطلاق بتاتاً لم يتوارثا بحال.
أبو الحسن: وانظر لو قال الزوج: إنما أقررت بذلك لإسقاط النفقة والسكنى هل يصدق وتكون له الجرعة كما صدقوا المرأة إذا دعت أن زوجها طلقها ثلاثة ولم تصدق عليه ثم خالعها وأرادت نكاحه وقالت: إنما أقررت بذلك لإسقاط النفقة والسكنى لأتخلص منه أن ذلك لها وكما صدقوها إذ طلقت وادعت أنها حامل ثم تقول: لم يكن بي حمل وإنما قلت ذلك ليراجعني زوجي.
وقوله: (وَإِنْ كَانَتْ بيِّنَةٌ) أي تشهد بما أقر به فالعدة من يوم شهدت البينة، لأن قيام البينة يقطع كل تهمة.
قال في التهذيب، ويرجع عليها بما أنفقته من ماله بعد طلاقه قبل علمها لأنه فرط، زاد في أصل المدونة بخلاف المتوفى عنها تنفق من مال زوجها بعد موته فللورثة الرجوع عليها.

مالك في العتبية: وترجع أيضاً بما تسلفت في الطلاق.
وقال ابن نافع: لا ترجع بما تسلفت بخلاف ما أنفقت.
ابن المواز: ولو قدم عليها رجل واحد يشهد بطلاقها فأعلمها أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد عندها من يحكم به السلطان في الطلاق.
وَزَوْجَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا- صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، بنِكَاحٍ صَحِيحٍ غَيْر الْحَامِلِ مِنْهُ- تَعْتَدُّ صَغِيَرةً أَوْ كَبِيرَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، مَدْخُولاً بهَا أَم لا- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْراً، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَشَهْرانِ وخَمْسُ لَيَالٍ أي: أن المسلم مطلقاً سواء كان صغيراً أو كبيراً إذا توفي عن زوجته صغيرة كانت أو كبيرة تعتد لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:234] الآية، ولم يفرق هنا في الزوج والزوجة بين أن يكونا صغيرين أو لا، لأن الزوج لما كان معدوماً في عدة الوفاة حسم الشرع الباب وأوجب له العدة مطلقاً بخلاف الطلاق فإن الزوج يبحث عن حال المعتدة ويذب عن نفسه.
واحترز بقوله: (غير الحامل) من الحامل فإن عدتها وضع حملها كما سيأتي.
وقوله: (فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً) يريد: أو فيها بقية رق.
وحكى ابن أبي زيد وابن العطار عن مالك أنه لا عدة على أمة توفي عنها زوجها قبل البناء وإن كان مثلها يوطأ، وهي رواية شاذة.
وَتُجْبَرُ الذِّمَّيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ، ورُوِيَ فِي الْحُرَّةِ الذِّمِّيَّةِ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ ولا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ .... أي: العدة المتقدمة وهي أربعة أشهر وعشر، وجبرت إما لعموم الآية وإما لأنه حق بين مسلم وكافر، وما هذا شأنه يغلب فيه المسلم، والرواية أنها تعتد بثلاثة قروء حكاها ابن الجلاب وغيره.

وقوله: (ولا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ): هكذا وقع في نسختي ولم يقع ذلك في نسخة ابن عبد السلام وابن راشد، وعلى وقوعها فليست ابتداء مسألة وإنما هي من تمام الرواية الثانية، ففي الجواهر: وروي الحرة الذمية أنها تستبرأ بثلاث حيض، ويشرط في هذه الرواية كونها مدخولاً بها وإلا فلا عدة عليها، وأما على المشهور فتعتد بأربعة أشهر وعشراً، وهكذا أشار ابن الجلاب وغيره.
تنبيه: يعني: أن ما قدمه من أن المتوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشراً إنما هو في النكاح الصحي، وأما الفاسد فإنها تلحق بالمطلقات فإن دخل بها استبرئت بثلاث حيض وإن لم يدخل بها استبرئت بثلاث حيض وإن لم يدخل بها فلا شيء عليها لأن الحكم يوجب فسخه، وتحقيق المذهب أن الفساد إن كان مجمعاً عليه ولم يدخل بها فلا عدة، وإن دخل بها فعليها الاستبراء خاصة على المشهور، وقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشر، وإن كان مختلفاً فيه ولم يدخل فمن ورثها قال: عليها العدة، ومن لم يورثها لم ير عليها شيئاً.
وإن كان دخل ففي اعتدادها بالأشهر أو الأقراء قولان، روى ابن المواز عن ابن القاسم فيمن تزوج في المرض ثم مات أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، وقال أيضاً أنها تعتد بثلاثة أقراء، والأول أظهر.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لابُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهَا فِي الْمُرْتَابَةِ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا.
والْمَشْهُورُ: إِنْ تَمَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا فَلا، ويَنْظُرُها النِّسَاءُ وإِلا فَنَعَمْ لا خلاف أن المعتدة في الوفاة تحل بمضي الشهر إذا حاضت في أثنائها، واختلف إذا لم تحض، فروى أشهب: لابد من حيضة كانت أيام طهرها أقل من العدة أو أكثر، وإن لم

تحض فلا بد من تسعة أشهر.
وإلى هذا أشار بقوله: أو ما ينوب عنها في المرتابة.
وفي قوله: (قَالَ أَشْهَبُ) نظر، لأنه يوهم أن أشهب قاله، والمنقول عنه في المنتقى والمقدمات وغيرهما كقول [402/أ] ابن الماجشون: لا يحتاج إليها، وتكفيها أربعة أشهر وعشر لأنه لو كانت الحيضة مشروطة لبينته الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:64] والمشهور تصوره واضح ووجهه بين، لأن تأخير الحيض إذا كانت عادتها أن تحيض قبل مضي مقدار العدة ريبة بخلاف ما إذا كانت عادتها أنها لا تحيض في قدرها، فإن التأخير هنا لا يوجب ريبة، ولذلك اتفق على أن المرضع والمريضة تحل بمضي أربعة أشهر وعشر، قاله ابن بشير لأنها لم يتأخر الحيض عنها لريبة في الحمل وإنما ذلك لما نزل بها، وعلى المشهور فتكون الآية مخصصة بمن لم تحصل لها ريبة بتأخير الحيض وهو مبني على تخصيص العموم بالمعنى.
وما ذكره المصنف أنه المشهور رواه مطرف عن مالك، وحاصله أنها تبرأ بمضي أربعة أشهر وعشر بشرطين: أن تتم العدة قبل مجيء عادتها، وأن ينظرها النساء ويقلن لا ريبة بها.
وإلى الشرط الثاني أشار بقوله: وينظرها النساء، أي إذا تمت العدة قبل عادتها.
قوله: (وإِلا فَنَعَمْ) أي وإن قال النساء: بها ريبة، فلابد من الحيضة أو ما يقوم مقامها، وهذا الخلاف في المدخول بها.
القاضي أبو محمد: وأما غير المدخول بها فتحل بمضي العدة وإن تأخر حيضها.
وروى ابن المواز وابن سحنون أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر إلا أن ترتاب بتأخير الحيض فترفع لتسعة أشهر.
وفِي الْمْستَحَاضَةِ قَوْلانِ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْر، وتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَالتَّفْصِيلُ أَيْضاً فِي الْمُمَيِّزَةِ .... اقتصر الباجي على القول بأنها تعتد بتسعة أشهر، وحكاه اللخمي وابن بشير وحكيا أيضاً القول بأنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، واستحسنه اللخمي لعموم الآية.
قال ابن

عبد السلام: والقولان لمالك نصاً، وأما الثالث فتخريج، ومعناه أنها إن كانت غير مميزة تربصت تسعة أشهر وإلا اكتفت بالأربعة أشهر وعشر إن أتتها فيها حيضة، كما تقدم.
وَأَمَّا الأَمَةُ فَقِيلَ: لا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْعِدَّةِ اتِّفَاقاً، وإِنَّمَا تَحِلُّ بِمَا تَحِلُّ بِهِ الأَمَةُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ مَعَهَا، وقِيلَ: تَحِلُّ الْمُرْضِعُ بِمُضِيِّهَا، وفِي الْعُتْبِيَّةِ: تَحِلُّ مُطْلَقاً .... حاصل ما ذكره طريقان: أحدهما: أن ما تقدم من الخلاف في اشتراط الحيضة في عدة الوفاة إنما ذلك في عدة الحرة، وأما الأمة فالاتفاق على أنها لا تحل بمجرد مضيها لقصر أمدها فلا يظهر الحمل فيها.
وقوله: (وإِنَّمَا تَحِلُّ ... إلخ): ليس بظاهر لأنه لا يؤخذ منه الحكم، ولا يقال: لعله شبه لإفادة الحكم لأن التشبيه لإفادة إنما يكون إذا ذكره.
وقد اختلف بما تحل به الأمة المتأخر زمان حيضها في الشراء، هل بثلاثة أشهر أو تسعة؟ ومقتضى المدونة أنها تحل بثلاثة إلا أن ترتاب، ففيها: ومن اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت أجزائها عن العدة والاستبراء، وإن تمت عدتها ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة.
قيل لابن شاش: ما فائدة التسعة وهي لا تبرأ إلا بزوال الريبة؟ قال: معنى ذلك إذا أحست شيئاً عند الثلاثة وارتفعت إلى التسعة كفتها التسعة إن لم تزد تلك الريبة، وأنها لا تزيد على التسعة إلا أن تزيد تلك الريبة.
ابن عبد السلام: والمشهور أنها ترفع إلى تسعة أشهر.
خليل: ولعله يريد مع الريبة ليوافق المدونة.
وقول المصنف: وإنما تحل بما تحل به الأمة في الشراء: يحتمل أن يريد به القولين أو على أحدهما، والأقرب أنه يريد القول بالثلاثة

الأشهر لأنه الذي في الجواهر، وهو مقتضى المدونة كما ذكرنا، وكذلك مذهب الرسالة فإنه نص فيها على أن الأمة التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بني بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر، وهذه الطريقة ضعيفة فإن ما حكاه المصنف عن العتبية في الطريقة الثانية يبطل الاتفاق.
وقوله: (تَحِلُّ مُطْلَقاً) أي سواء كان يخشى منها الحمل أو لا، وحكى غير واحد في هذه المسالة ثلاثة أقوال، قال ابن القاسم في العتبية: تحل وإن كانت شابة يخشى منها الحمل، وفي إحدى الروايتين عن مالك أنها تكمل ثلاثة أشهر ولا تحل بدونها، وقال في الموازية: إن كانت ممن يخشى منها الحمل فثلاثة أشهر، وإن كانت صغيرة أو يائسة أو لم يدخل بها فشهران وخمس ليال.
اللخمي: وهو أحسنها، والقول بأن المرضع تحل بمضيها هو أيضاً لابن القاسم في العتبية.
والْحَامِلِ بِوَضْعِهَا ولَوْ لَحْظَةً، ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا ولَوْ بَعْدَ نِكَاحِهَا يعني: والحامل المتوفى عنها تحل بوضعها ولو ولدت بعد موته بلحظة.
(ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا) ولو تزوجت غيره، وهذا مذهب الجمهور.
ورأوا أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:234] ونقل عن علي وابن عباس: إنما تعتد بأقصى [403/أ] الأجلين، وبه قال سحنون، ودليل الأول ما في الصحيح أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج، وصرح البخاري (لأربعين ليلة)، وفي الموطأ: (نصف شهر).
الباجي: وهذه القضية من آخر ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم، لأن سبيعة كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع.

وقوله: (ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا ولَوْ بَعْدَ نِكَاحِهَا): تصوره بين.
ابن الماجشون: وإن ماتت الزوجة وكان قد تزوج أختها فله أن يغسلها.
وقال ابن حبيب: أحب إلى إذا نكح أختها أن لا يغسلها.
ابن يونس: وعندي إذا ولدت المرأة وتزوجت غيره فأحب إلى ألا تغسله.
وهو ظاهر، ولا يوجد دليل على جواز نظر المرأة إلى فرج رجلين في وقت واحد.
وَالْمَوْتُ يَنْقُلُ الرَّجْعِيَّةَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وقِيلَ: إِلَى أَقْصَى الأَجَلَيْنِ يعني: أن المطلقة الرجعية سواء كانت حرة أو أمة إذا مات زوجها عنها انتقلت إلى عدة الوفاة وتبطل العدة التي كانت فيها لأن المطلقة طلاقاً رجعياً حكمها حكم الزوجة في الإرث والنفقة والسكنى وهذا هو المشهور.
وقال سحنون: عليها أقصى الأجلين.
ورأى أن الطلاق أوجب عدة والموت أوجب أخرى فلا يبطل الموت ما تقدم بالطلاق.
خليل: وانظر لو كانت حاضت حيضة قبل الموت ثم لم تأتها حيضة في عدة الوفاة فهل تكتفي بتلك الحيضة وهو الظاهر من جهة المعنى أو لا؟ وهو ظاهر كلامهم.
وقوله: (وَالْمَوْتُ يَنْقُلُ الرَّجْعِيَّةَ) احترز به من المطلقة طلاقاً بائناً فإن الموت لا ينقلها.
وَلا يَنْقُلُ الْعِتْقُ إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ يعني: إذا طلقها طلاقاً رجعياً ثم عتقت فإنه تتم عدة الأمة لأن العتق ليس بموجب للعدة، وحاصله أن الناقل ما أوجب عدة.
وَلذَلِكَ لَوْ عُتِقَت ثُمَّ مَاتَ َفعِدَّةُ الْحُرَّةِ لِلْوَفَاةِ لأَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا نَقَلَهَا صَادَفَهَا حُرَّةً، ولَوْ مَاتَ ثُمَّ عُتِقَتْ فَعِدَّةُ أَمَةٍ .... يعني: ولأجل ما قدمه من أن الموت ينقل وأن العتق لا ينقل كان الحكم فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعيا ثم عتقت ثم مات عنها أن عليها عدة الحرة، لأن الموجب لعدة

الوفاة حصل في حال كونها حرة بخلاف ما إذا مات ثم عتقت لأن الموجب- وهو الموت- لما نقلها لم يصادف حرة فتستمر على عدة الأمة شهرين وخمس ليال.
ابن عبد السلام: وسواء تقدمت لها حيضة أم لا، غير أنه إن تقدمت اكتفت بما انتقلت إليه، وإن لم تتقدم لها حيضة فاسلك بها ما تقدم في عدة الأمة للوفاة إذا لم تر فيها دماً، وكذلك تفعل في التي تقدم عتقها على موت مطلقها.
وَلا تَنْتَقِلُ ذِمِّيَّةٌ تُسْلِمُ تَحْتَ ذِمِّيِّ بَعْدَ الْبِنَاِء فَيَمُوتُ فِي عِدَّتِهَا إنما لم تنتقل الذمية وإن كان الزوج أملك بها إذا أسلم لأنها في حكم البائن، وإنما كان أملك بها إذا أسلم تأليفاً على الإسلام لا لكونها رجعية، وأيضاً فالخطاب في عدة الوفاة إنما وقع للمسلمين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾.
احترز بقوله: (بَعْدَ الْبِنَاِء): مما لو مات عنها قبله فإنها لا عدة عليها.

وَيَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ إِرْثٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ فَسْخٍ، أَوْ إِقَالَةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ إِذَا لَمْ تًؤْمَنِ الْبَرَاءَةُ بِوَجْهٍ قَوِيِّ اتِّفَاقاً كَذَاتِ السَّيِّدِ والْمَسْبِبَّةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ زَوْجِها، وإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ أَوِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا إِذَا كَانَتَا مِمَّنْ يَحْمِلْنَ عَادَةً كًبِنْتِ َثلاثَ عَشْرَةَ، وخَمْسِينَ أصل اشتقاق الاستبراء من التبري وهو التخلص، ثم استعمل لغة في الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، وفي الشرع في الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب، وهو واجب كإيجاب العدة في الزوجات لما رواه أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال في سبي أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة)).
الأبهري: ويجب الاستبراء بأربعة شروط: الأول: الملك، الثاني: ألا تعلم براءة الرحم، الثالث: أن يكون وطء تلك الأمة مباحاً في المستقبل، والرابع: أن لا يكون الفرج محللاً له قبل الملك، واحترز بالأول مما لو تزوج أمة فإنه لا يجب عليه استبراؤها، وبالثاني مما لو علمت براءتها كما لو حاضت الأمة المودعة عنده ثم اشتراها، وبالثالث مما لو اشترى ذات زوج، وبالرابع مما لو اشترى زوجته، وقال غيره: إذا اجتمع نقل الملك مع عدم الحوز وجب الاستبراء، وإن انتفى الأمران أو أحدهما فلا استبراء، وكلام الأبهري أحسن لأن هذا الكلام يقتضي أن الإنسان إذا اشترى أمة متزوجة بالغير أن عليه الاستبراء وليس كذلك، وقال بحصول الملك ولم يقل كغيره ينقل الملك ليدخل في كلامه ما أخذه بالغنيمة من أيدي الكفار مما أخذوه من أموال المسلمين بالقهر فإنهم إنما لهم فيه شبهة الملك على المذهب، وقسم المصنف أنواع الملك بقوله: (أَوْ غَيْرِهِ ... إلخ).
وقوله: (أَوْ إِقَالَةٍ)، يريد إلا أن يتقايلا قبل التفرق فإنه لا استبراء.
نص عليه في المدونة، ويؤخذ هذا التقييد [403/ب] من كلام المصنف من قوله: (إِذَا لَمْ تًؤْمَنِ) لأنه إذا حصل التقايل قبل التفرق علمت البراءة.

وقوله: (كَذَاتِ السَّيِّدِ) هو أيضاً من الأمثلة التي لا تعلم فيها البراءة لأنها إذا كانت ذات سيد ثم انتقلت إلى غيره فذلك الغير لم يعلم براءة رحمها لاحتمال أن يكون السيد قد وطئها.
وقوله: (والْمَسْبِبَّةِ) ظاهر، وفيها جاء الحديث المتقدم.
وقوله: (وإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ ... إلخ) (إن) للبالغة بمعنى (لو) أي يجب الاستبراء على كل من يمكن حملها سواء كانت من رأت دم الحيض أم لا، وجعل سن الصغيرة التي يمكن حملها ثلاثة عشر، وسن الكبيرة التي يمكن حملها خمسين، وتقدم في الطهارة فيمن سنها خمسون هل يحكم لم تراه من الدم بحكم الحيض أم لا؟ وكذلك اختلفوا هنا في العدد هل يحكم لها بحكم اليائسة أم لا؟ وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْضَعَ فِيهَا فَاشْتْرُيِتْ فَحَاضَتْ فِي الطَّرِيقِ.
يعني: وكذلك يجب الاستبراء إذا أبضع في جارية، أي إذا أرسل دراهم مع شخص ليشتري له بها جارية فاشتراها، وظاهر كلامه أنه لا فرق في ذلك بين أن يأتي بها المبضع معه أو يرسلها مع غيره، وإنما ذكر في المدونة المسالة فيما إذا أرسلها مع غيره.
عياض: ووجب الاستبراء هنا لأنها قد خرجت من يد مشتريها المؤتمن عليها، ولهذا فارقت المودعة التي تخرج ولو كان مشتريها هو الذي أتى بها إليه كانت كمسألة المودعة، وقال أشهب: تجزئها حيضتها في الطريق ولو أرسلت مع وكيل، ولا استبراء عنده من سوء الظن، وعلى هذا فيقيد كلام المصنف بما إذا بعثها مع غيره، واستشكل قول ابن القاسم بوجهين: أحدهما: لو وجب الاستبراء بسوء الظن لزم ألا يطأ من إيمائه إلا من لا تتصرف، وأن لا يطأ في كل طهر إلا مرة، ثانيهما: أن ابن القاسم وافق في الأمة المودعة، وكذلك الأمة المرتهنة تفدى على أن لا استبراء فيهما، فكان يلزمه ألا يستبرئ في المسالة المذكورة لأن المبضع معه والرسول أمينان، وأجيب بأن المبضع معه بعثها مع غيره بغير

إذن ربها فأشبه الغاصب فليس استبراء سوء الظن، ولا تشبه أيضاً الوديعة للتعدي، وفيه نظر الوديعة.
فإِنْ أمنت قَطْعاً أَوْ بِوَجْهٍ قَوِيِّ كَالاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَجِبِ اتِّفَاقاً كَمَنْ لا تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَكَمَنْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيٍر فَيَسْتَبْرِئُهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ولَمْ تَخْرُجْ، أَوْ لِشَرِيكِهِ، أَوْ بِوَدِيعَةٍ ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا وكَالْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ ولَمْ تَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ ظاهره أن فاعل (أمنت) عائد على البراءة لأنه قسيم قوله: (إذا لم تؤمن البراءة) وصوابه على هذا أن يقول فإن حصلت البراءة أو اعتقدت بوجه قطعي أو بوجه ظني قوي، ويمكن أن يكون فاعل (أمنت) ضميراً عائداً على المشتراة المفهومة من السياق، والأول أقرب إلى لفظه كما ذكرنا، والثاني أولى لسلامته مما أورد على الأول، والله أعلم.
قوله: (كَالاسْتِبْرَاءِ) مثال لما علمت فيه البراءة بوجه ظني.
وقوله: (كَمَنْ لا تُطِيقُ الْوَطْءَ) مثال لما علمت فيه البراءة قطعاً، واعترضه ابن عبد السلام بأن الكلام إنما هو فيمن يمكن وطؤها وفيه نظر، ونص المتيطي أن بنت ثمان سنين لا تطيق الوطء وعمل بذلك وثيقة، وإنما لم يجب الاستبراء هنا لأنه إنما وجب خشية وطء الحامل، وقد انتفى الحمل إما بالقطع وإما بالظن.
وقوله: (كَمَنْ حَاضَتْ) هذه أمثلة لما ظن فيها البراءة لأنها إذا حاضت تحت يده سواء كانت لزوجته أو ولده الصغير ثم اشتراها حصل الظن القوي ببراءة رحمها.
وقوله: (مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ) راجع إلى مسألة الولد.
وقوله: (ولَمْ تَخْرُجْ) أي وأما إن خرجت فإنه يجب عليها الاستبراء لسوء الظن، وهذا الشرط إنما هو على قول ابن القاسم وأما على قول أشهب فلا.

ابن عبد السلام: والظن في التي انتقلت إليه من ابنه أقوى منه في المنتقلة إليه من زوجته لأن نظره في الأولى أتم، ولهذا فصل أشهب في جارية زوجته على ما حكاه عنه محمد، فقال: إن كانت معه في دار هذا الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه كانت تخرج أم لا تخرج، فظاهر هذا أن الزوج لو لم يكن هو الذاب عنها لكان لها حكم غير هذا.
وقوله: (أَوْ لِشَرِيكِهِ) أي اشترى نصيب شريكه وهي تحت يده.
وقوله: (أَوْ بِوَدِيعَةٍ ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا) لا خفاء في اشتراط عدم دخول سيدها، وأما اشتراط عدم خروجها فهو مبنى على قول ابن القاسم لا على قول أشهب.
وقوله: (أَوْ بِوَدِيعَةٍ) معطوف على قوله: (وَكَمَنْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِزَوْجَتِهِ) تقديره كمن حاضت تحت يده حالة كونها لزوجته أو بوديعة.
وقول ابن عبد السلام أن قوله (بِوَدِيعَةٍ) معطوف على قوله (بِوَجْهٍ قَوِيِّ)، أو على ما عطف عليه بوجه قوي ليس بظاهر، لأن الوديعة أحد أمثلة الوجه القوي.
وقوله: (وكَالْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ) أي إذا اشترى أمة على الخيار إما له أو للبائع أو لأجنبي، وقبضها المشتري وحاضت في أيام الخيار، ثم أمضى من له الخيار البيع فلا يحتاج إلى استبرائها، وهذا حكم المشتري [404/أ] وأما البائع ففي المدونة: ومن اشترى جارية بالخيار ثلاثة فتواضعاها أو كانت وخشاً فقبضها، فاختار من له الخيار ردها فلا استبراء على البائع، لأن البيع لم يتم فيها، قال: وأن أحب البائع أن يستبرئ التي غاب عليها المشتري وكان له الخيار خاصة فذلك أحسن، إذ لو وطئها المبتاع لكان بذلك مختاراً وإن كان منهياً عن ذلك، كما استحب استبراء التي غاب عليها الغاصب.
عياض: وأحب في مسألة الغاصب محمولة على الوجوب.
قال: ويبينه ما وقع في أول الكتاب من قوله: (وعليه أن يستبرئها).
قالوا: وعلى الغاصب نفقتها ومنه ضمانها حتى تخرج.
نص في الجواهر على استحباب الاستبراء إذا غاب عليها المشتري على ظاهر المدونة.
وقال

القاضي أبو الفرج: القياس إذا غاب عليها المشتري وجوب الاستبراء.
واستحسنه اللخمي.
انتهى.
خليل: والأقرب حمل المدونة على الوجوب في مسألة الخيار ولاسيما إذا كان الخيار للمشتري.
فَإِنْ أَمِنَتْ بِوَجْهٍ قَوِيٍّ يَقْصُرُ عَنِ الاسْتِبَراءِ فَقَوْلانِ، وهُوَ مَرَاتِبُ هذا الكلام يتم به تقسيمه الذي بين فيه من يجب في حقه الاستبراء ومن لا يجب، وجعل الأقسام ثلاثة، إما ألا تعلم البراءة ولا تظن أولاً، فالأول يجب فيه الاستبراء ودخل فيه من ظن شغل رحمها ومن شك.
والثاني إما أن تعلم براءة الرحم أو تظن بوجه قوي كالاستبراء الحاصل عنده قبل حصول ملكه أو يظن دون ذلك.
وذكر في القسم الثالث في وجوب الاستبراء قولين، وجعله مراتب ولم يجعله مسائل لوجهين، لأن المراتب تفاوت الوجوه التي يقوى بها الاستبراء ويضعف، لأن المرتبة الواحدة يدخل تحتها مسائل، والمشهور في جميع المراتب الوجوب إلا الأولى.
الأُولَى: الْحَاصِلَةُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ بِشَرْطِ أَلا يَمْضِيَ مِقْدَارُ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ، فَالْمَشْهُورُ: لا يَجِبُ .... تصور كلامه ظاهر، ومقابل المشهور حكاه ابن شعبان وفضل عن أشهب أنه لابد من حيضة أخرى.
وقوله: (بِشَرْطِ أَلا يَمْضِيَ مِقْدَارُ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ) هكذا فسر محمد ذلك، وهو أحسن من قوله في المدونة: ومن ابتاع أمة في أول الدم أجزأه من الاستبراء، وأما في آخره وقد بقي منه يوم أو يومان فلا، لأن قوله في أول الدم أعم من المقصود، فإنها إذا كانت عادتها اثني عشر يوماً أو نحوها واشتراها بعد أربعة أيام صدق عليها أنها في أول الدم مع أنها لا تستغني ببقية هذا الدم عن الاستبراء.
لكن ما أشار إليه المصنف إنما يأتي على رأي

أبي بكر بن عبد الرحمن، وذلك أنه اختلف في معظم الحيضة فذهب أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه يراعى أكثر الأيام، وحكى ابن القصار عن ابن مناس أن معظم الحيضة اليوم الأول والثاني، لأن الدم فيهما يكون أكثر اندفاعاً من باقي الحيضة وإن كثرت الأيام، والدم القوي وهو الذي يدفع ما في الرحم لا الرقيق.
الثَّانِيةُ: مَنْ تَحْتَ يَدِهِ إِذَا كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ مَنْ كَانَتْ لِغَائِبٍ أَوْ لِمَجْبُوبٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ أَوْ مُكَاتَبَةٍ تَتَصَرَّفُ ثُمَّ عَجَزَتْ ويُسَمَّى اسْتِبْرَاءَ سُوءِ الظَّنِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ.
وقَالَ أَشْهَبُ: لا يجِبُ خاف ابن القاسم عليها الحمل من زنا أو اغتصاب فأوجب الاستبراء.
ابن راشد: وهو أقيس لفساد الزمان، ولم يعتبر أشهب هذا الاستبراء الذي أوجبه ابن القاسم لسوء الظن، لأن الدليل قام على الغاية في مملوكته التي تتصرف.
وقد يجاب لابن القاسم أنه لو خوطب بالاستبراء في المملوكة لشق ذلك لتكرره بخلاف المشتراة، وألحق في الجواهر المشتراة من الصبي ونحوه المشتراة من محرم، وصرح بمشهورية قول ابن القاسم.
وما ذكره المصنف من وجوب الاستبراء في المكاتبة هو نص قول ابن حبيب، وهو الذي نقله التونسي وابن شاس عن ابن القاسم، وهو ظاهر نقل المازري، لأنه قال: أثبت فيها ابن القاسم الاستبراء ونفاه أشهب.
والذي في المدونة في أول كتاب الاستبراء: ومن كاتب أمته ثم عجزت أحببت له الاستبراء إلا التي في يده لا تخرج فالاستبراء عليها.
وعلى هذا فيكون معنى أحببت أنه يجب عليه الاستبراء.
وحمل أبو الحسن وابن عبد السلام المدونة على ظاهرها، وجعل المصنف مخالفاً لها.
وقد اختلف ظواهر مسائل المدونة في رجوع المكاتب إلى يد ربه بسبب العجز، هل هو ملك مستأنف أم لا؟ وخلافهم في مسألة المكاتبة راجع إلى هذا المعنى.

خليل: وفيه نظر لأنه خلاف ما نقله التونسي وغيره عن ابن القاسم، ولأن علة ابن القاسم حاصلة في المكاتبة كغيرها.
وَالثَّالِثَةُ: كَالْمُطِيقَةِ وَالْياَئِسَةِ لا يَحْمِلانِ عَادَةً.
وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ لِلذَّرِيعَةِ وِلِعُسْرِ تَبَيُّنِهِ .... قال في الجواهر: كبنت التسع والعشر فإنه يمكن وطؤها ولا تحمل في العادة، وكبنت الخمسين.
والقول بوجوب الاستبراء رواه ابن القاسم عن مالك، والقياس هو الشاذ، وهو رواية ابن عبد الحكم وابن غانم، لأن الاستبراء معلل بخشية الحمل، والفرض أن العادة تنفيه لولا ما عارضه من التعليل الذي أشار إليه المصنف، لأنه لو قيل بذلك لتوسل إلى [404/ب] من يمكن الحمل منها، وأيضاً فإنه يعسر تمييز الزمان الذي يمكن فيه الحمل مما لم يمكن فيه، فلذلك أمر بالاستبراء في الجميع حسماً للذريعة.
وَالرَّابعَةُ: كَالْوَخْشِ وَالْبِكْرِ ذكر في الجواهر أن المشهور الوجوب فيهما، والقول بنفي الوجوب في الوخش حكاه المازري وغيره.
والقول بنفي الوجوب في البكر للخمي، ورآه مستحباً على وجه الاحتياط.
ابن عبد السلام: واحتمال الحمل في الوخش أقوى منه في البكر، فكان ينبغي ألا يجمع بينهما في مرتبة واحدة، بل احتمال الحمل في الوخش أقوى منه في الصغيرة واليائسة المذكورتين في المرتبة الثالثة، والذي قاله ظاهر لاسيما إن كانت الوخش شابة.
وَالْخَامِسَةُ: كَالْمُشْتَرَاةِ مُتَزَوِّجَةً فَتُطَلَّقُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: تَحِلُّ مَكَانَهَا يعني: إذا اشترى أمة ذات زوج ولم يبن بها، فبعد انعقاد البيع طلقها زواجها قبل أن يبني بها، فقال ابن القاسم: ليس للمشتري أن يطأها في تلك الحال، ولابد له من الاستبراء، لأنها لو أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم عقد النكاح عليها لحق بالزوج.

وقال سحنون: تحل للمشتري مكانها، إذ لا موجب عنده للاستبراء، لأن الفرض أنها غير مدخول بها.
قول ابن القاسم أظهر لما ذكرناه، ولأن الزوج إنما يباح له وطؤها بإخبار السيد لأنه لا طريق له غير ذلك بخلاف المشتري، فإنا لو أجزنا له الوطء لكان أيضاً معتمده إخبار السيد، والمشتري لا يجوز له الاعتماد على ذلك باتفاق.
وَيَجِبُ بِرُجُوعِهَا مِنْ غَصْبٍ أَوْ سَبْيٍ القاعدة أنه متى حيزت الأمة على وجه استباحة وطئها وجب استبراؤها إذا غلب عليها غيبة يمكن فيها الوطء، ولا تصدق الأمة إن قالت لم يطأني كما لا تصدق الحرة في ذلك.
عياض: قالوا وعلى الغاصب نفقتها ومنه ضمانها حتى تخرج، قالوا ويلزم هذا فيمن زنى بأمة رجل طائعة أو مكرهة، لأن طوعها لا يبطل حق سيدها.
وَيَجِبُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ سَيِّدِ أُمِّ الْوَلَدِ فِي غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ والْمُعْتَدَّةِ مِنْهُمَا .... لما كان موجب الاستبراء ضريين، حصول الملك وزواله، وتكلم على الأول أتبعه بالثاني.
ابن هارون: يعني أن الأمة الموطوءة كانت مستولدة أم لا إذا عتقها السيد أو مات سيد أم الولد فلا تتزوج كل واحدة منهما إلا بعد الاستبراء بحيضة، وإن عقد قبل الاستبراء فسخ قبل الدخول وبعده لوقوع العقد في حالة يحرم الاستمتاع فيها لحق الغير.
ثم إن هذا الاستبراء إنما يحتاج إليه إذا لم يكونا متزوجتين أو معتدتين، فإن كانا كذلك فلا استبراء، لأنهما إنما وجب استبراؤهما إذا لم يكونا معتدتين أو متزوجتين، لأنه لا مانع هناك للسيد من وطئهما، فاحتمل أن يكونا موطوءتين له بخلاف ما إذا كانتا متزوجتين أو معتدتين فإن هناك مانع له.
وهذا معنى قوله في غير المتزوجة والمعتدة منهما، أي من الأمة وأم الولد.

وَلَوِ اسْتَبْرَأَهُمَا أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا اسْتَانَفَتْ أُمُّ الْوَلَدِ دُونَهَا يعني: إذا استبرأ السيد الأمة أو أم الولد أو انقضت عدتهما من وفاة زوج كل منهما أو طلاقه، ثم أعتقهما وأراد السيد أن يزوجهما، فإن الأمة تكتفي بذلك الاستبراء المتقدم أو العدة المتقدمة بخلاف أم الولد فإنها لا تكتفي بذلك الاستبراء المتقدم أو العدة المتقدمة، وتحتاج بعد العتق إلى الاستبراء بحيضة، لأن أم الولد لما كان فيها عقد حرية كانت الحيضة في حقها كالعدة، فصارت بمنزلة الزوج يطلق امرأته بعد استبرائها بثلاث حيض فإنها لا تكتفي بذلك ولابد لها من استئناف العدة، لأن أم الولد فراش لسيدها ولا يخرجها عن ذلك إلا تزويجها، وإذا زالت عصمة النكاح عادت إلى الفراش بخلاف الأمة فإنها وإن كانت رائعة ليست بفراش حتى يقر السيد بوطئها.
وَاسْتَانَفَا فِي الْمَوْتِ مَعاً، وَلَوْ كَانَ غَائِباً إِلا غِيبَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ َيْقَدَمْ مِنْهَا يعني: لو مات سيد أم الولد أو الأمة فإنهما يستأنفان معاً حيضة، لأن الميت يحتاط له.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ غَائِباً) مبالغة، وسواء كانت الأمة أقر السيد بوطئها أم لا.
ابن عبد السلام: ولو قيل في الأمة المتوفى عنها سيدها ولم يقر بوطئها لا تحتاج إلى استبراء كان السيد غائباً أو حاضراً ما كان بعيداً، ألا ترى أنها لو أتت بولد لم يلحق بسيدها، فلم يبق إلا الاستبراء من سوء الظن، وفيه ما قد علمت.
وقوله: (إِلا غِيبَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ َيْقَدَمْ مِنْهَا) أي: ولا يمكنه أن يأتي خفية.
وفي معنى الغيبة التي يعلم أنه لم يقدم منها ما إذا كان مسجوناً.
وما ذكره صحيح في الأمة، وأما في أم الولد فمخالف لما في المدونة، ففيها: وإن مات السيد وهي في أول دم حيضتها أو غاب عنها فحاضت بعده كثيراً ثم مات عنها، فلابد لها من استئناف حيضتها بعد موته لأنها عدته، وإنما يأتي كلام المصنف على ما قاله عبد الوهاب في معونته أن الحيضة في الدم استبراء محض وليس بعدة.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل