التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 430-469
أهل الأثرالأرشيف العلمي

: وهو نقص يخالف ما التزمه البائع شرطاً أو عرفاً في زمان ضمانه ..... هذا هو النوع الثاني، و (ما) موصولة، أو نكرة موصوفة.
وقوله: (شرطاً أو عرفاً) بيان لموجب الالتزام.
والأولى أن يقول: ما ثبت بنقص، إذ النقص سبب للخيار لا نفس الخيار، فلا ينبغي أن يعرف الخيار بالنقص.
فإن قيل: لعله عرف المضاف إليه وهو النقيصة، كأنه قال: والنقيصة التي توجب الخيار نقص، إلى آخره.
قيل: لو قصد ذلك لقال: وهي.
وقد يقال: أعاد الضمير عليها باعتبار معناها، وفيه بعد.
فإن قلت: هو تعريف غير جامع، لأن خيار النقيصة يكون أيضاً بتغرير فعلي، ولم يذكره.
وقد ذكره ابن شاس، فقال: ما ثبت بفوات أمر مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرطي، أو قضاء عرفي، أو تغرير فعلي.
قيل: هو راجع إلى الشرطي، ألا ترى قوله بعد ذلك: والتغرير الفعلي كالشرطي.
لكن قد يقال: إنه غير جامع من وجه آخر، لأن عيوب الدار تخالف ما التزمه البائع ولا توجب خياراً.
وأجيب: لا يرد هذا على القول بأنها توجب الخيار كغيرها، وعلى القول الأخير فهذا على خلاف القياس، وفيه نظر.
وقوله: (في زمان ضمانه) أي: أن النقص المذكور لابد أن يكون حاصلاً في الزمان الذي يضمن فيه البائع المبيع للمبتاع.
فالشرطي: ما يؤثر في نقص الثمن كصانع، وكاتب، وتاجر لما قسمه أولاً إلى قسمين تكلم على الأول، والظاهر أن الشرطي ما يشترطه المشتري.
وفي البيان: إذا نادى الذي يبيع الجارية في الميراث أنها عذراء أو غير ذلك، ثم وجد خلافه كان له الرد.
فنزلوا هذا منزلة الشرط.

فإن شرط ما لا غرض فيه ولا ماليه فيه، ألغي على المعروف كما لو اشترط أنه أمي فيجده كاتباً، أو جاهلاً فيجده عالماً.
ومقابل المعروف ذكره صاحب البيان وابن زرقون، فلا التفات إلى قول ابن بشير: لا أعلم فيه خلافاً.
وقد [470/أ] يجري الخلاف فيه على وجوب الوفاء بشرط ما لا يفيد.
وما فيه غرض ولا مالية فيه، فيه روايتان هذا يتصور في حق بعض الناس، كما لو اشترى أمة على أنها نصرانية فوجدها مسلمة، وقال: أردت أن أزوجها غلامي النصراني، أو اشتراها على أنها ثيب فوجدها بكراً، وقال: على يمين ألا أطأ الأبكار، أو اشترط جنساً فوجدها من جنس آخر أرفع.
وقد ذكر ابن بشير، وابن شاس القولين.
قال في البيان: والصحيح أن له الرد عملاً بالشرط.
وحصل صاحب البيان، وابن زرقون فيه وفي الذي قبله ثلاثة أقوال، الأول لسحنون: أنه له الرد.
والثاني: مخرج على رواية ابن نافع في مسلم غر نصرانية نكحته على أنه نصراني أنه لا خيار لها، فأحرى أن يقول ذلك في الأمة.
والثالث في سماع عيسى: إن كان له وجه رد به وإلا فلا.
ومثله في المدونة.
والعرفي: ما تقتضي العادة بأنه إنما يدخل على السلامة منه ما يؤثر في نقص الثمن، أو المبيع، أو في التصرف، أو خوفاً في العاقبة .... (أل) في (العرفي) للعهد، أي: والنقص العرفي، و (من) في قوله: (منه) لبيان الجنس.
ومعنى كلامه: والعيب الذي تقتضي العادة الدخول على السلامة منه.
وقوله: (في نقص الثمن) أي: من غير نقص في المبيع، كما لو وجده آبقاً، أو سارقاً، أو في المبيع من غير نقص في الثمن، كالخصاء في العبد، أو نقص التصرف، كالعسر أو التخنيث في العبد، أو خوفاً في العاقبة، كجذام أحد الأبوين إذ يخشى عليه حينئذ الجذام.

فالعمى، والعور، والقطع ونحوه متفق عليه لما ذكر ضابطاً كلياً شرع في تعداد العيوب لتكون كالمثال لما ذكره، وهو ظاهر.
ابن عبد السلام: وهذا الاتفاق إنما يصح في بيع الغائب، وأما الحاضر فقد يدخل بعض هذا الخلاف من اختلافهم في البيع الظاهر، هل للمشتري القيام به أم لا؟ ويمكن أن يريد المصنف الاتفاق على كون هذه الأشياء وشبهها عيوباً، لا على وجوب القيام بها.
والخصاء عيب يعني: في العبيد، وهو ظاهر.
وسقوط ضرسين عيب، والواحد في العلي تصوره ظاهر، وخص الأضراس تبعاً للباجي والمازري.
ولعل ذلك على جهة المثال، لأن سقوط سِنَّيْنِ مطلقاً عيب.
ففي الواضحة: وما زاد على السن الواحدة فهو عيب في كل العبيد ما كان في مقدم الفم أو مؤخره.
وفي قوله: (والواحد في العلي) نظر من وجهين، أحدهما: تخصيص الأضراس.
والثاني: ظاهره أنه مطلق في الأمة والعبد، وهو خاص بالرائعة.
ابن عبد السلام: وأطلق المؤلف في العلي، وظاهره سواء نقص من الثمن أو لم ينقص، إلا أن يقال: كلامه هنا هو مثال لما ينقص الثمن.
قال في الموازية: ولا يرد العبد إذا وجدت سنه منزوعة إلا أن يكون ذلك في الجارية الرائعة وينقص ذلك من ثمنها.
وفي الواضحة: السن الناقصة عيب في الرائعة في مقدم الفم أو مؤخره، وليست في الدنية ولا في العبد عيباً إلا في مقدم الفم.
فأنت تراه كيف لم يجعل السن الواحدة عيباً في الذكر.

ابن حبيب: والسن الزائدة عيب في العبد والأمة رفيعين كانا أو وضيعين.
والوخش في الرقيق الخسيس مأخوذ من قولهم: وخشت الشيء أخشه وخشاً إذا خلطته، فكان الوخش لا يعرف لخساسته، إذ هو من أخلاط الرقيق، وأصله الحقير من كل شيء.
والعلي: بفتح العين وكسر اللام مخففة وتشديد الياء صفة للجنس، أي: من الجنس العلي.
الجوهري: وفلان من علية الناس وهو جمع عليٍّ، أي: شريف مثل صبي وصبية.
وكذا ذكره عياض، قال: وقيل بكسر اللام وتشديدها، والأول أشهر.
وكالحمل فيهما، وقال أشهب: في العلي حاصله: أنه اتفق على أن الحمل عيب في العلي، واختلف في الوخش.
وما قدمه المصنف هو مذهب المدونة، قال: وقاله لنا مالك حين خالفنا ابن كنانة في الوخش.
ولابن القاسم ثالث: أنه عيب في الوخش إن اشترى جارية ودها لا إن اشتراها في جملة رقيق.
ولابن حبيب رابع: أنه عيب لأهل الحاضرة دون البادية.
وفيها: كونها زلاء ليس بعيب، وقيد باليسير الزلاء بالمد: الصغيرة الإليتين، ولابد من التقييد باليسير، ولهذا قال في المدونة: إلا أن تكون ناقصة الخلق.
وروى أشهب: الصغيرة القبل ليس بعيب إلا أن يتفاحش.
والشيب الكثير في العلي عيب، وفي القليل فيه والكثير في غيره قولان أي: لا خلاف في الكثير أنه عيب في العلي، ولا في اليسير أنه ليس بعيب في الوخش، واختلف في القيل في العلي، فظاهر المدونة أنه عيب.
وقال ابن عبد الحكم: ليس بعيب.
وكذلك في الواضحة عن مالك.
وجوز الباجي أن يكون تقييداً للمدونة.

وأما الكثير في غير العلي، فظاهر المدونة أنه ليس بعيب، قال فيها: ولا يرد به غير الرائعة إلا أن يكون عيباً ينقص من ثمنها.
وقيل: إن كان الشيب لا إن قل، إلا أن يكون بائعها قد علم بذلك فكتمه على تعمد، فيرد وإن كان قليلاً.
ابن المواز: وذلك كله في الشابة.
والاستحاضة فيها عيب أي: في العلي والوخش، وهذا ظاهر المذهب وهو الصواب، لأنه يضعف الجسم.
وعن ابن القاسم: يسال عن الدنية، فإن كان عيباً ينقص من الثمن ردت به.
قال: وهذا إذا ثبت استحاضتها عند البائع.
وأما الموضوعة للاستبراء تحيض حيضة لا شك فيها، ثم تستمر مستحاضة فمن المشتري ولا ترد، وقاله أشهب، أي: لاحتمال أن يكون حدث بها.
قال في الموازية: والاستحاضة التي ترد بها شهران.
وارتفاع [470/ب] الحيض عيب في ذات سنه، قاله في المدونة.
وعلله اللخمي: بأن ذلك صلاح لأجساد النساء، وهو يشمل العلي والوخش.
وفي العلي وجه آخر وهو: منع الوطء.
وأفتى ابن عتاب: بأنه عيب في الوخش.
وعن ابن القاسم: أنه عيب في العلي فقط.
قال في المدونة: وإن تأخر حيضها، قال في الأمهات: شهرين أو ثلاثة فذلك عيب، ولأشهب أنها لا ترد إلا فيما زاد على ثلاثة أشهر.
ولسحنون وغيره: أنها ترد بخمسة وأربعين يوماً.
مالك: وللبائع أيضاً أن يفسخ البيع لأجل نفقته.
والبول في الفرش في الوقت المستنكر عيب أي: في الذكور والإناث، قاله ابن حبيب عمن كاشف من أصحاب مالك.
ومراده بالوقت المستنكر: الزمان الذي لا يبول فيه الصغير غالباً، قال معناه ابن حبيب.

واحترز من البول في زمن الصغر، فإنه لا يستنكر فليس بعيب.
ابن حبيب: ولا يثبت أنه عيب حتى يقيم المبتاع بينة أنها كانت تبول عند البائع، لأنه مما يحدث في ليلة وأكثر، فإن لم تكن بينة حلف البائع على علمه، ولا يحلف بدعوى المبتاع حتى توضع بيد امرأة أو رجل له زوجة فيذكران ذلك، ويقبل قول المرأة والرجل عن زوجته في ذلك، ويجب اليمين على البائع، وليس بمعنى الشهادة.
ولو جاء المشتري بقوم ينظرون مرقدها بالغد مبلولاً، فلابد من رجلين، لأنه بمعنى الشهادة، ثم يحلف البائع.
وفيها: التخنيث في العبد، والفحولة في الأمة إن اشتهرت عيب، فقيل: التشبيه فيهما، وقيل: الفعل .... التفسير الأول لابن أبي زيد، فقال: تشبيه الذكر بالأنثى بتكسير المعاطف، وتشبيه الأنثى بالذكر بفحولة الكلام.
والثاني لصاحب النكت، فقال، قوله: إذا وجد العبد مخنثاً- أي: يؤتى- والمرأة مذكرة- أي: فحلة كشرار النساء- فإذا اشتهرت بذلك فهو عيب.
وهكذا وقع لمالك في الواضحة، وصرح في الواضحة بأن التشبيه ليس بعيب.
وجعل عبد الحق الواضحة مفسرة للمدونة، وهي على تفسير ابن أبي زيد خلاف.
واحتج أبو عمران للأول بأنه لو أراد الفعل لكان عيباً ولو مرة واحدة، ولكان لا يحتاج إلى قيد الاشتهار في الأمة.
أبو عمران: وإنما خص بهذا القيد الأمة ولم يجعل الرجل مشاركاً لها فيه، لأن التخنيث في العبد يضعفه عن العمل وينقص نشاطه، والتذكير في الأمة لا يمنع جميع الخصال التي في النساء ولا ينقصها ذلك، فإذا اشتهرت بذلك كان عيباً، لأنها ملعونة في الحديث.
وجعل في الواضحة هذا الاشتهار عائداً على الأمة والعبد.
عياض: ورأيت بعض مختصري المدونة اختصرها على ذلك.

خليل: وينبغي أن يقيد كلام عبد الحق وما في الواضحة بالوخش، وأما الجارية المرتفعة فالتشبه فيها عيب، إذ المراد منها التأنيث، وقاله عياض.
والزعر عيب الجوهري: الزعر: قلة الشعر.
ونص المسألة في المدونة فيمن اشترى أمة فوجدها زعراء العانة فهو عيب.
ابن سحنون: لأن الشعر يشد الفرج فإن لم يكن شعر استرخى الفرج.
قال في الموازية: وكذلك إذا لم ينبت في غير العانة فهو عيب.
ابن حبيب: وهو مما تتقى عاقبته من الداء السوء.
وقال سحنون: ليس هو في غير العانة عيباً.
وحمل بعضهم الأول على أنه تفسير للمدونة.
بعض الموثقين: والذكر والأنثى فيه سواء.
والثيوبة ليست بعيب إلا فيمن لا يفتض مثلها أي: إذا وجدها ثيباً وهي في سن من توطأ، فقال سحنون في العتبية: ليس ذلك بعيب، كانت من أعلا الرقيق أو وخشه.
وقال في البيان: لأنها محمولة حينئذ على أنها قد وطئت، وإن كانت في سن من لا توطأ فوجدها مفتضة فذلك عيب، لأنها محمولة في هذا السن على عدم الوطء.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق في ذلك بين الرائعة والوخش، وليس بظاهر، فإن الذي في المتيطية وغيرها ونص عليه ابن القاسم وسحنون: أن ذلك عيب في الرائعة فقط.
قال في البيان: لأن وطء الوخش لا ينقص من الثمن، إلا أن يشتريها على أنها غير مفتضة بشرط.
قال: وهذا قائم من المدونة.
والعسر عيب العسر: بفتح العين المهملة وفتح السين.

الجوهري: وهو الذي يعمل بيساره.
ابن حبيب: هو عيب في العبد والأمة رفيعين أو وضيعين.
ابن المواز: كالعثار في الدابة.
والأضبط ليس بعيب الجوهري: الأضبط هو الذي يعمل بكلتا يديه، تقول: منه ضبط الرجل يضبط والأنثى ضبطت.
قال في موضع آخر: وأما الذي يعمل بكلتا يديه فهو أعسر يسراً ولا يقال: أعسر أيسر.
وكان عمر بن الخطاب أعسر يسراً.
ابن حبيب: وليس بعيب إذا كانت اليمنى في قوتها والبطش بها، فإن نقصت فهو عيب.
والزنى، وشرب الخمر، والبخر عيب قوله: (عيب) أي: مطلقاً في العلي والوخش.
المتيطي: وسواء كان البخار في فم أو فرج.
قال غيره: وهو في الفرج عيب في الرائعة فقط.
وفي الموازية: في الأمة توطأ غصباً أن ذلك عيب.
والوالدان والولد عيب، والإخوة والأجداد ليس بعيب أي: أن أحد الوالدين عيب وأحرى اجتماعهما، والولد عيب صغيراً كان أو كبيراً، حراً أو رقيقاً، لأن وجود أحدهم مما يشغله عن خدمة سيده، وإنما لم تكن الإخوة والأخوات والأجداد عيباً، لعدم الميل لهم كما فيمن تقدم.
المتيطي: وانفرد [471/أ] ابن العطار فرأى الأخ عيباً.
ونقل صاحب الجواهر، وابن راشد عن بعض أصحابنا المتأخرين أنه ألحق الجدة للأم بالوالدة دون الجدة للأب.

وجذام الأب عيب، بخلاف مس الجان مراده بـ (الأب) الجنس فيدخل الجد، وصرح به في الموازية والعتبية والواضحة.
ولفظ الواضحة: وإن كان أحد أبويهما أو جديهما مجذوماً فهو عيب في الجارية والعبد، والعلي والوخش، وهذا هو المشهور.
وقال ابن كنانة: ليس بعيب.
ورواه داود بن جعفر عن مالك.
وقال ابن دينار: لا يرد به إلا أن يقول أهل العلم: إنه مرض يعم الأقارب حتى لا يخطئ أحداً منهم فيرد، وإن كان ربما أصاب أو لم يصب فلا يرد به.
وأما مس الجان فظاهر، إذ لا يخشى منه ما يخشى من الجذام.
وفي سواد الأب في العلي قولان مراده بـ (الأب) أيضاً الجنس، فيدخل الجد.
ففي الموازية والعتبية: أنه ليس بعيب.
وفي الواضحة: هو عيب لما يخاف من خروج ولدها أسود.
والأولى لو قال: الرائعة كما في الرواية، لأن العلي يصدق على الذكر.
وكونهما من زنى في العلي عيب، وفي الوحش قولان الضمير عائد من الأمة والعبد، والقول بأنه لا يرد في الوخش في الموازية، وبالرد لابن القاسم في المدونة وابن وهب.
ولم يجعل صاحب البيان العلي محل اتفاق، بل جعل القول بالفرق ثالثاً.
ابن عبد السلام: وقيل في الوخش الفرق بين الذكر والأنثى هو ظاهر ما حكاه ابن حبيب عن مالك.

والقلف في الذكر والأنثى من المولودين، وطول الإقامة كذلك إلا الصغير القلف: بفتح القاف واللام، الجوهري: رجل أقلف بيِّن القَلَفِ وهو الذي لم يختن.
قال، ويقال: أغلف، بالعين المعجمة.
واستعمل المصنف القلف في الذكر والأنثى، أي: أن متروك الختان ومتروكة الخفاض إذا ولدا في الإسلام أو في العجم ولكنهما طالت إقامتهما بين المسلمين كذلك، وأما إن لم تطل فليس بعيب لدخول المشتري على ذلك، بل نص ابن حبيب على أنه لو وجد المجلوبين مختتنين على أنه عيب، لما يخاف أن يكون أغار عليهما العدو أو أبق إليهم من رقيقنا، وقال به ابن القاسم.
وروي عن ابن القاسم أيضاً أن ذلك ليس بعيب.
قال في البيان: والأول أوضح في المعنى وأشبه في النظر.
واستثنى المصنف الصغير- كما ذكر ابن حبيب- لأنه لم يثبت ذلك فيه فلا يكون عيباً، وكذلك لو كان والأمة نصرانيين، فإنهما لا يردان بترك الختان والخفاض، قاله ابن حبيب.
وقوله: (كذلك) أي: لكونهما من زنا، فيكون القلف عيباً في العلي، وفي الوخش قولان.
وذكر في البيان ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يرد به الرفيع والوضيع من الغلمان والجواري، قاله ابن حبيب.
الثاني: لا يرد بذلك إلا الرفيع منهما، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسي.
الثالث: وهو الصحيح في القياس والنظر أنه لا يفرق في الختان بين رفيع ووضيع، بخلاف الجواري في الخفاض.
ولو قالت أنها مستولدة لم تحرم، ولكنه عيب يلزم المبتاع أن يبين إذا باع يعني: لو اشترى أمة ثم قالت وهي بيد المبتاع أنها أم ولد للبائع، لم تحرم بذلك على المبتاع لأنها مدعية، وتتهم أيضاً على إرادة الرجوع إلى البائع، لكنه عيب يوجب لربه الرد على البائع، فإن رضي به ثم أراد بيعها لزمه البيان، لأن النفوس تكره الإقدام على مثل هذا.

قال في البيان: وكذلك له أن يردها إذا قالت ذلك في عهدة الثلاث أو الاستبراء، لقول مالك: إن ذلك عيب يجب عليه البيان إذا باعها، لأن ما حدث من العيوب في العهدة والاستبراء ضمانه من البائع.
وبذلك أفتى ابن لبابة، وابن مزين، وعبد الله بن يحيي ونظراؤهم، ووقع ذلك في أحكام ابن زياد، خلاف ما روى المدنيون عن مالك أن ذلك ليس بعيب، إذ لا يقبل ذلك منها.
وقد روى داود بن جعفر عن مالك نحوه إذا سرق العبد في عهدة الثلاث رد به، وإن أقر على نفسه بالسرقة لم يرد، لأنه يتهم على إرادة الرجوع إلى سيده، إذا كانت سرقته التي أقر بها إنما لا يجب القطع فيها.
انتهى.
وفيها: في الصدع في الجدار وشبهه إن كان يخاف على الدار أن تنهدم رد به، وإلا فلا .... نسبها للمدونة لإشكالها، لتفرقته في الدار بين العيب اليسير والكثير.
والضمير في (شبهه) يحتمل أن يعود على الصدع أو على الجدار.
وظاهر قوله: (إن كان يخاف على الدار) أنه لو خيف على حائط لم يرد، وبه صر اللخمي.
عياض: وهو ظاهر الكتاب.
بخلاف ما ذهب إليه عبد الحق، وابن سهل وغيرهما، وقالوا: إنه إن خشي هدم الحائط من الصدع الذي يه أنه يجب الرد.
وقد قيل: إنما يرد لخوف هدم الحائط إذا كان ينقص الدار كثيراً.
عياض: وهو صحيح المعنى، أرأيت لو كان الحائط الذي هو واجهة البيت، إذ لا يمكن سكنى الدار إلا بعد إصلاحه.
واستدل من لم ير له الرد بهدم الحائط: بأن الحائط لو استحق لم يكن له رد فكيف إذا كان به صدع.
وفرق الآخرون: بأنه في الاستحقاق لا ضرر عليه، لأنه يأخذ قيمته بخلافه هنا، فإنه يضطر إلى بنائه والنفقة فيه.

عياض: ولم يختلفوا فيما قطع منفعة من منافعها كتهوير بئرها، أو غور مائها، أو فساد مطهرة مرحاضها، أو تعفن قواعد بئرها، أو وجد ماء بئرها مالحاً ف البلاد [471/ب] التي ماء آبارها حلوٌ وشبه ذلك، أنه يجب به الرد.
وتممه محمد، فقال: لا يرد، ولكن يرجع بقيمته إن كان يسيراً.
وصوبه الأئمة، وقيل: كغيره .... أي: وتمم ابن المواز ما في المدونة، فقال: ولكن يرجع بما نقص من الثمن.
وعدوه وفاقاً لا خلافاً، وأيده بما في قسم المدونة: أن أحد الشريكين إذا اطلع على عيب في نصيبه رجع بقيمته.
ومذهب المدونة بتتميم.
محمد: أنه يفرق بين الدور وغيرها، وهو المشهور المعمول به.
وقيد قوله: (يرجع بقيمته) بما إذا لم يكن يسيراً جداً، فقد قال عبد الحق: عيوب الدار ثلاثة أقسام قسم لا ترد به الدار ويرجع بقيمته ليسارته، يريد كالشرفات.
وقسم ترد من أجله، كخشية سقوطها.
وقسم لا ترد به ويرجع بقيمته، كصدع في حائط ونحوه.
وقوله: (وقيل: كغيره) أي: ترد باليسير في الدور كغيرها.
وحكاه الباجي عن بعض الأندلسيين.
وفي المسألة قول ثالث: أن العروض كالدور لا يجب الرد فيها باليسير.
قال في المقدمات: وعلى هذا كان الفقيه ابن رزق يحمل الروايات حيثما وقعت، ويقول: لا فرق بين الأصول وغيرها.
ويؤيد تأويله ما رواه ابن زياد عن مالك: فيمن ابتاع ثوباً فاطلع فيه على خرق يسير، لا يرد ويوضع قدر العيب، ونحوه في المختصر الكبير، وهو خلاف ظاهرها وخلاف تأويل الجمهور عليها.
والفرق هو المشهور، وفرق له بوجوه: أولها: أن الدور تراد للقنية غالباً، والسلعة للتجارة.
ثانيها: أن الدور لا تنفك عن عيب، فلو ردت باليسير لأضر بالبائع.

ثالثها: أن عيوب الدار لا يحاط بها.
رابعها لابن يونس: أن الدور ليست لها أسوا فيضر بالمشتري ردها، إذ قد لا يجد ما يشتري، والبائع إذ قد لا يجد من يشتري.
خامسها: أن الدار كالأجزاء، فعيب اليسير منها كاستحقاقه فيرجع بنسبته.
سادسها: أن الدور مأمونة والعيب لا يفوت عينها، لأنها وإن انهدمت تبقى قاعتها ونقضها.
سابعها: أن عيب الدار يصلح ويزول بحيث لا يبقى منه شيء، وصوبه ابن محرز.
واختلف في حد اليسير: فمنهم من رد ذلك إلى العادة وهو الأصل.
وقال ابن أبي زيد: ما ينقص معظم الثمن فهو كثير.
ولاشك أن هذا كثير، ولكنه إن عني أنه لا يرد بما دون ذلك- وهو ظاهر ما فهموه عنه- فضعيف، لأن النصف ليس بمعظم الثمن.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما نقص عن الثلث وأما الثلث فكثير.
وسئل ابن عتاب عن ربع الثمن، فقال: كثير.
وقال ابن القطان: المثقالان يسير والعشرة كثير.
ولم يبين من كم.
وقال ابن رشد: والعشرة من المائة كثير.
ولعل قوله تفسير لابن القطان.
والنقص الذي لا يطلع عليه إلا بتغيره كسوس الخشب بعد شقه لا يرد به على المشهور ولا قيمة، قال مالك: لأنه أمر دخلاً عليه .... أي: إذا بيع شيء وفي باطنه عيب يجهله المتبايعان لا يطلع عليه إلا بعد الشق كالخشب، فلا قيام للمشتري به ولا شيء له على البائع.
وعلله في الموازية، فقال: وهو أمر ثابت في هذه الأشياء معروف، يشتري عليه المشتري ويبيع عليه البائع وإليه أشار بقوله: (لأنه أمر دخلا عليه).

ومقابل المشهور رواه المدنيون عن مالك أنه يرد به كسائر العيوب، وذكرها ابن شاس وغيره.
وفرق ابن حبيب فلم يثبت الخيار بما كان من أصله الخلقة وأثبته بما طرأ، كوضع الخشب في مكان ندي فيتعفن.
وحمله ابن يونس على الخلاف لمذهب المدونة، والمازري على الوفاق.
وعن ابن الماجشون: أنه لا رد في اليسير بخلاف ما كثر، ولو شرط البائع البراءة منه لم يجز، لأنه خطر.
وأما الجوز والتين وشبهه، فقيل: مثله، وقيل: إن أمكن اختياره بكسر الجوزتين رد له ... (وشبهه) الفقوس، والخيار، والبطيخ.
وقوله: (مثله) يحتمل أن يكون للتشبيه في المشهور فقط، فإن المشهور فيه نفي الرد بما يظهر من أمر البطيخ ونحوه.
نص عليه في المدونة.
ويحتمل التشبيه في دخول القولين وهما أيضاً فيه.
وقوله: (وقيل) هو في الموازية، يعني: أنه إن كان مما يمكن اختباره والاطلاع عليه حال العقد كالقثاءة والقثاءتين.
أشهب: بإدخال العود الرقيق فيها.
وكالجوزة والجوزتين مما يتحيل عليه بشيء فيعرف حالهما قبل الكسر، فله الرد به.
قال: وأما الأحمال الكثيرة فلا رد إلا أن يكون كله فاسداً أو أكثره فيرد، إذ لا يخفي على البائع.
قال: وأما اليسير من الكثير فلا يرد ويلزمه البيع.
ولم ينقل المصنف هذا القول بكماله وذكر الاختيار بالكسر، وفي الرواية: إنما هو بالتحيل قبل الكسر.
ابن عبد السلام: وما في الموازية أظهر عندي.
وعن ابن الماجشون وأصبغ، أنهما قالا بإثر قول مالك: هذا في اليسير منه، فأما الكثير فيرد، ولو شرط البائع البراءة منه لم يجز.
وهذا كأنه عكس ما في الموازية، هكذا فهمه بعض الشيوخ.
وعندي أن معنى قولهما:

أنه إذا اشترى كثيراً، أو ماله قدر فوجد منه الجوزة والجوزتين، فإنه لا قيام له بذلك، إذ لا يكاد يسلم منه، وعلى هذا لا يكون عكس ما في الموازية، ولأجل ذلك قال صاحب هذا القول: وهذا في معنى قول مالك، أي: غير خارج عنه.
خليل: وانظر إذا بنينا على المشهور من نفي الرد فاشترط المشتري أنه إن وجده مُراً رده، وكذلك إذا اشترط الرد في [472/أ] البطيخ إن وجده غير حلو، هل يوفى له بهذا الشرط أو لا؟ والأظهر أنه يوفى له بذلك، لأن الأصل إعمال الشروط ما لم يعارض ذلك كتاب أو سنة.
ونص في المدونة على أن البيض يرد لفساده ويرجع بالثمن.
قال: لأنه مما يعلم ويظهر فساده قبل كسره، أي: إذا كان مدلساً.
قال في الموازية: وإن كان غير مدلس وكسر المشتري البيض وأتلفه، فإنه يرجع بما بين القيمتين إن كانت له قيمة يوم باعه بعد الكسر، وإلا رجع بالثمن كله.
ابن القاسم: وهذا إذا كسره بحضرة البائع، وإن كان بعد أيام لم يرد به، لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو المبتاع، وقاله مالك.
والتغرير الفعلي كالشرطي وهو فعل يظن منه كمال كتلطيخ الثوب بالمداد يريد بالتغرير الفعلي: أن يفعل البائع في المبيع فعلاً يستر به عيبه فيظهر في صورة السالم وليس كذلك، كصبغ الثوب القديم فيوهم جدته، وكتلطيخ ثوب العبد بالمداد فيظن أنه كاتب ولا يوجد ذلك.
وقوله: (كالشرطي) أي: الذي اشترطت سلامته لفظاً.
وأصله التصرية، فإنها كاشتراط غزارة اللبن أي: وأصل اعتبار هذا السبب والرد به، ما صح من حديث التصرية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)).

والتصرية: جمع اللبن في الضرع يوماً أو يومين حتى يعظم ثديها، ليوهم مشتريها أنها تحلب كل يوم مثل ذلك.
وهذا معنى قوله: (فإنها كاشتراط غزارة اللبن) أي: فيوجب الخيار لفقدها.
فلو ظن من غير تغرير لم ترد به ما لم تكن ذات لبن مقصودة له وكتمه مع علمه، وقال أشهب: وإن لم تكن ذات لبن، وقال محمد: إن زاد كذلك .... أي: فلو ظن المشتري غزارة البن مع عدم تغرير البائع، كما لو كان الضرع لحماً، فلا رد له إلا بثلاثة شروط: أن تكون ذات لبن، وعبر عنه في المدونة بأن يكون اشتراها في إبان الحلاب.
وأن يكون مقصوده الحلاب، وهو كقوله في المدونة: أن تكون الرغبة فيها إنما هي اللبن.
وأن يكون البائع قد علم قدر حلابها وكتمه عن المبتاع.
وقوله: (مع علمه) زيادة إيضاح، لأن الكتم لا يكون إلا مع العلم.
وقال أشهب: للمبتاع ردها وإن لم يكن في إبان الحلاب، سواء علم البائع أم لا، لأنه عيب، والعلم إنما يظهره أثره في التدليس لا في مطلق الرد.
ونصه عند ابن يونس، وقال أشهب: إذا كان البائع يعرف حلابها، فللمبتاع ردها حلبت أو لم تحلب، إلا إذا كانت شاة لبن.
وقال ابن المواز: أرى أن ينظر في ثمنها، فإن كان في كثرته ما يعلم أن ذلك لا لشحمها ولحمها ولا لرغبة في نتاج مثلها، وظهر أن الغالب من ذلك إنما هو اللبن، فليردها إذا كتمه البائع وثبت ذلك.
وجعل اللخمي محل الخلاف بين المذهب، وبين قول أشهب، وقول محمد إذا كان البيع في غير إبان الحلاب، وأنه يتفق على الرد إذا كان في إبانه.
وهذه المسألة ليست من التصرية، وإنما هي عندهم من الرد بالعيب، ولهذا قال يحيي بن عمر: اللبن هنا للمشتري ولا صاع عليه إذا رد لضمانه، بخلاف المصراة.

فإن حلبها ثالثة، ففيها: إن كان ما تقدم اختباراً فهو رضا، وقال مالك: له ذلك .... الضمير في (حلبها) عائد على المصراة، قال فيها: فإن حلبها ثالثة، فإن جاء من ذلك ما يعلم أنه إنما حلبها بعد أن تقدم له من حلابها ما فيه خبرة، فلا رد له ويعد حلابها بعد الاختبار رضا بها، ولا حجة عليه في الثانية، إذ بها يختبر الناس ذلك ولا يعرف بالأولى.
وقد علمت أن الضمير في: (فهو رضا) عائد على الحلاب الثالث.
وقوله: (وقال مالك) هو في الموازية: له أن يحلبها ثالثة ولا يعد ذلك رضا وجعل المصنف هذا خلافاً للمدونة كاللخمي.
وقال عيسى بن دينار: إذا حلبها الثانية فنقص لبنها وظن أن ذلك من إنكار الموضع أو نحو هذا، ثم حلبها الثالثة فتبين له أنها مصراة فأراد رده، فيحلف بالله ما كان ذلك منه رضا.
وقال محمد: إذا حلبها ثالثة فذلك رضا.
ابن يونس: وقول محمد هذا، وقول عيسى راجعان لما في المدونة.
واختار اللخمي ما في الموازية، لما رواه البخاري، ومسلم، والترمذي وصححه، أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام)).
أما إن حلبها رابعة فهي رضا باتفاق، حكاه ابن راشد.
فإن ردها معها صاعاً من تمر ولو غلا، وقيل: من غالب قوت البلد أي: فإن ردها بعيب التصرية رد معها صاعاً من تمر للحديث.
قال في المدنة: ولا لأحد في هذا الحديث رأي.
فقدم الخبر على القياس.
عياض: وهو مشهور مذهبه، خلاف ما يحكيه العراقيون عنه.

وقدم في كتاب ابن عبد الحكم القياس، فقال: لا يرد معها شيئاً.
ورواه أشهب في العتبية، وقال به ابن يونس.
ولعل أشهب رأى أن حديث: (الخراج بالضمان) ناسخ له.
وفيه نظر، لأن حديث: (الخراج بالضمان).
عام، وحديث المصراة خاص ببعض ما اشتمل عليه الخراج بالضمان، والخاص يقضى به على العام.
وقوله: (ولو غلا) مبالغة.
وهذا القول حكاه ابن يونس عن بعض الأصحاب.
وقدمه المصنف لأنه ظاهر الحديث، وتبعاً لابن شاس، فإنه قال: ثم قدر الصاع معين، فلا يزاد عليه لكثرة [472/ب] اللبن وغزارته، ولا ينقص منه لقلته ونزارته، ولا يلتفت إلى غلائه ورخصه، بل قال بعض المتأخرين: إ كانت قيمته تساوي قيمة الشاة أو تزيد، فظاهر المذهب أن عليه الإتيان به.
ولكن مذهب المدونة هو الثاني، ففيها: وإن كان ذلك ببلد ليس عيشهم التمر أعطى الصاع من عيش ذلك البلد، وعيش أهل مصر الحنطة فليعطوا منها.
وحملوا ذكر التمر في الحديث على أنه غالب قوت المدينة، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: ((وصاعاً من طعام لا سمراء)) فلم يذكر التمر بخصوصيته، وأخرج منه السمراء، لأنها ليست بطعام أهل الحجاز، وهو تنبيه على هذا المعنى أيضاً.
فلو كلف التمر في كل بلد لزم أن يرد المشتري ما يساوي نصف قيمتها أو أكثر، وهو مانع من ردها الذي دل الحديث على ثبوته.
وروى زياد عن مالك: يرد مكيل ما حلب تمراً أو قيمته.
واستبعده في البيان لمخالفته الحديث.
تنبيه: الرد بعيب التصرية مشروط بأن لا يعلم المشتري بذلك حين البيع وأما إن علم حين البيع أنها مصراة فلا مقال له، إلا أن يجدها قليلة اللبن دون المعتاد من مثلها.

ابن القاسم: ولو رد عين اللبن لم يصح ولو اتفقا، لأنه بيع الطعام قبل قبضه.
وقال سحنون: إقالة .... أي: لو أراد المشتري أن يرد المصراة وما حلبه منها لم يجز ذلك، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، فإن البائع وجب له صاع من طعام باعه قبل قبضه باللبن.
وقال سحنون: يجوز ذلك ويعد إقالة.
وقاله ابن وضاح وقيده بما إذا لم يغب على اللبن، ذكره في البيان.
وحمل اللخمي المدونة: على أن الحلاب تأخر، أما لو كان بفور العقد رده بعينه ولا يلزم المشتري عوضه، لأن وجوب الصاع إنما كان مع التراضي لاختلاط ملك البائع بملك المشتري، لأن ما حدث في ضرعها بعد الشراء فهو للمشتري، وهذا منتف بفور العقد لتمحض ما في الضرع للبائع.
ورده المازري: بأن اللبن إذا حلب غيَّره الهواء، فكأنه هو الذي ليس في الضرع.
ولا يصح أيضاً حمل المدونة على ما ذكره، لأنه قال فيها: لو تراضيا على رد اللبن بعينه لم يجز، ولو كان لأجل الاختلاط لكان الحق للمشتري، فإذا رضي جاز.
فإن تعددت، ففي الاكتفاء بصاع قولان أي: فلو تعددت المصراة اثنان فأكثر، فهل يكتفي في الجميع بصاع وهو قول الأكثرين، أو لابد في كل واحدة من صاع وهو قول ابن الكاتب، واختاره اللخمي وابن يونس.
واحتج أحمد بن خالد الأندلسي للأكثرين بأن غاية ما يفيده تعددها كثرة اللبن، وهذا لا يلتفت إليه، ألا ترى أن في لبن كل من الشاة والبقر والناقة صاعاً واحداً.
وأجيب بأن هذه الألبان وإن اختلفت قدراً فقد اختلفت في الطيب، فالأقل منها قدراً أطيب، وإنما يلزم ما قاله ابن خالد لو اختلفت في القدر واستوت في الطيب.
وفي

جامع البيوع من البيان قول ثالث، وهو: لا شيء عليه فيما احتلبه منها، بخلاف الشاة الواحدة، لقوله في الحديث: ((من اشترى شاة مصراة)).
فلو رد بعيب غيره، ففي الصاع قولان أي: فلو رضي المشتري بعيب التصرية ثم اطلع على عيب آخر فرد به، فقال محمد: لا يرد الصاع لحلابها.
واختاره التونسي.
وعن أشهب: أنه يرد الصاع بناء على أنه لما رد بغير عيب التصرية كانت كأنها غير مصراة، أو يصدق عليه أنه رد مصراة.
وإذا اشترط البائع البراءة مما لم يعلم، فطريقان، الأولى ثالثها في الموطأ: تفيد في الحيوان مطلقاً.
ورابعها في المدونة: تفيد في الرقيق خاصة.
وخامسها: تفيد من السلطان.
وسادسها: ومن الورثة لقضاء دين وشبهه .... لما ذكر خيار النقيصة شرع في موانعه، وهي قسمان: مانع مطلقاً، ومانع على تقدير.
فالأول أربعة أنواع: أولها: أن يشترط البائع البراءة من العيوب التي لا علم له بها.
وذكر المصنف فيها طريقين، الأولى، المذهب على ستة أقوال: الأول: أن شرط البراءة ينفع من كل بائع في كل مبيع، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب، وقيد بما عدا الحمل الخفي من الرائعة، إذ لا تصح البراءة منه لعظم الخطر.
وقيدها الباجي والمازري أيضاً بما لا يشترط فيه التماثل، أما ما يشترط فيه كمد قمح بمد قمح، فلا يجوز اشتراط البراءة فيه، لما يؤدي إليه من التفاضل.
قالا: وكذلك لا يجوز التبرؤ في عقد القرض، لأنه إذا أسلف عبداً وتبرأ من عيوبه دخله سلف جر منفعة.
الثاني: أن البراءة لا تنفع مطلقاً، ذكره القاضي أبو محمد عن مالك، لأن البراءة توجب غرراً.

الثالث: وقع في بعض روايات الموطأ، وفي الموازية، والواضحة أنها تنفع في الحيوان مطلقاً، ناطقاً أو غيره، ولا تصح في غيره.
الرابع، قال ابن عبد السلام: هو أشهر الأقاويل.
الباجي- وهو الظاهر من المذهب-: أنها تفيد في الرقيق فقط.
ووجهه: أنه قد يكره بعض السادات ويرغب في بعض، فيظهر من العيوب ما ليس فيه ويكتم ما فيه، تحيلاً منه على انتقال الملك.
وتصور الخامس ظاهر، وهو مقيد بما باعه السلطان لغيره، وأما كان لنفسه فهو كسائر الناس.
وتصور السادس ظاهر، وشبه الدين الوصية.
وقد أقيمت من المدونة الستة الأقوال.
وزاد عياض: سابعاً: [473/أ] لابن القاسم في الموازية: أنها لا تنفع في الحيوان والثياب إلا في الشيء اليسير التافه غير المضر، وأما ما هو مضر فيرد به، ونحوه في العتبية.
وثامناً: أنه لا يفيد إلا فيما طالت إقامته عند البائع واستغنى المصنف عن هذا بما سيذكره بقوله: فلو باع بحدثان ملكه، فالمشهور: لا يفيد.
وتاسعاً: أنها لا تنفع إلا من السلطان خاصة في البيع للدين، ونحوه في الرقيق خاصة، وهو نص الموازية وعاشراً لابن حبيب: إن كان البيع طوعاً فلا يفيد إلا في الرقيق خاصة، وأما ما باعه السلطان في فلس، أو موت، أو على الأصاغرة، فهو بيع براءة في الرقيق والحيوان والعروض وإن لم يشترط البراءة.
وقاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ وغيرهم.
وبهذا يظهر رجحان هذه الطريقة على الطريقة الثانية، لأن من حفظ مقدم.

الثانية: تفيد إن كان يسيراً، أو من السلطان، وفي غيره قولان هي لابن أبي زيد، وابن الكاتب، وابن محرز، قالوا: اتفق قول مالك على أن بيع السلطان بيع براءة، كان البيع يسيراً أو كثيراً، أو أن العيب اليسير تصح البراءة منه، كان البائع سلطاناً أو غيره.
ابن الكاتب: وإنما كان كذلك، لأنه حكم منه بالبيع.
وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء، لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به.
المازري: وفيه نظر، فإن السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ولا وفاق، ولا قصد فيه إلى حكم بإنفاذ بيع على البراءة لينفذ حكمه، وإنما فعل ذلك لما أوجبه الشرع عليه.
ونسب للمغيرة أن اليسير الثلث فدونه، لكن لم أر له أن بيع السلطان بيع براءة.
قوله: (وفي غيره) أي: وفي غير ما ذكر، وهو الكثير من غير قول السلطان قولان.
فأما فيما علم فلا تفيد أي: أن الأقوال المتقدمة في الطريقين إنما هي فيما لم يعلم البائع به، وأما ما علمه من العيوب فلا يفيد البراءة حينئذ اتفاقاً.
فلو باع بحدثان ملكه، فالمشهور: لا تفيد قال في المدونة في التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامته عندهم، قال: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلاً لا تنفعهم البراءة.
والشاذ لعبد الملك قياساً على السلطان.

وبيع السلطان على تفريع البراءة لا يحتاج إلى اشتراطها يعني: حيث فرعنا على أن بيع السلطان بيع براءة، فالحكم يقتضيها ولا يحتاج في إثباتها إلى شرط.
وظاهر كلامه: أن هذا مقصور على الحاكم، وحكى غيره هذا القول فزاد مع السلطان أهل الميراث، وزاد فيه أيضاً أن البراءة لا تنفع في غيرهما ولو اشترطت.
ولو ظن المشتري أنه غيره، فقولان: الخيار، واللزوم أي: وإذا فرعنا على أن بيع الحاكم بيع براءة، فظن المشتري أن البائع غير القاضي، ففي المدونة: له الخيار بين أن يرد أو يحبس بلا عهدة.
وقال ابن حبيب: يلزمه وإن لم يذكر متوليه أنه بيع ميراث أو فلس.
وكأنه رأى أن بيع ذلك لا يخفى، فلا يقبل دعواه الجهل.
وإذا تبرأ من عيب لم ينفعه حتى يعلم بموضعه، وجنسه، ومقداره، وما في الدبرة من نقل وغيره، وكذلك لو أجمل كسرقة العبد أو إباقة، فيوجد ينقب، أو قد أبق من مصر إلى المدينة .... لما تكلم على البراءة العامة في جميع العيوب أخذ يتكلم على البراءة من عيب معين، أو تقول: لما تكلم على البراءة مما لم يعلم تكلم فيما يعلم.
ثم لا يخلو إما أن يتفاوت العيب في نفسه بالقلة والكثرة أو لا، فبراءة الثاني تسميته كقطع اليد مثلاً والعور.
والأول لا ينفعه إلا بثلاثة شروط: أولها: أن يقول هو به.
ابن المواز: ولا ينفعه لو أفرده، فقال: أبيعك بالبراءة من كذا حتى يقول: إن ذلك به.
ورأى ابن يونس العيب يبرأ إذا أفرده بالذكر، سواء قال ذلك العيب به أو لا.
ثانيها: أن يطلعه على ما يعلم من حاله بشهادة، أو خبر يقوم مقامها.

ثالثها: أن لا يحملها مع غيره، ففي المدونة وغيرها: وإن تبرأ إليه من عيوب بعضها فيه وبعضها ليست فيه لم تنفعه البراءة، وللمبتاع الرد بما اطلع عليه مما سمى له ولم يره إياه.
وعلل ذلك بأنه لما ذكر له ما ليس فيه اعتقد المبتاع أن جميع ما ذكر كذلك، فكان بمنزلة من لم يتبرأ من عيب.
قوله: (حتى يعلم بموضعه) لأنه يغتفر بموضع دون آخر، (وجنسه) لأنه يختلف اختلافاً كثيراً، ولو لم يبينه كان العقد فاسداً، (ومقداره) لأن القدر يختلف.
واختلف إذ باع ولم يبين قدره، فقال ابن القاسم عن مالك: البيع ثابت، فإن ظهر على الفاحش من ذلك فله الرد.
وقال أشهب: يفسخ البيع، قاله في الدبرة، والكي، والقروح، والجراحات.
وقول ابن القاسم أحب إلي، لأن أشهب وافق في مسالة الإباق أن البيع ثابت وله الرد.
وقوله: (وما في الدبرة من نقل).
الجوهري: الدبرة بالتحريك واحدة الدبر والأدبار، مثل: شجرة وشجر وأشجار، يقول منه دبر بالكسر وأدبره القتب.
قال: وبرئ الجرح، وفيه شيء من نقل بالتحريك أي فساد.
وعطف مسألة الدبرة على ما تقدم، والعطف يقتضي المغايرة، وكان ينبغي أن يجعلها مثالاً لما تقدم، لأنها راجعة إلى بيان القدر.
وإذا فات المبيع حساً بتلف، أو حكماً بعتق، أو استيلاد، أو كتابةـ، أو تدبير فاطلع على العيب الأرش، فيقوم سالماً ومعيباً، ويأخذ من الثمن نسبة ما بين القيمتين .... [473/ب] هذا هو المانع الثاني، وتصوره واضح.
ومثال التقويم: لو كان العبد يساوي صحيحاً مائة ومعيباً ثمانين، فيرجع عليه بخمس الثمن، لأن نسبة العشرين إلى المائة الخمس.
فلو كان الثمن مائتين رجع عليه بأربعين، لأنه صار لكل عشرين من القيمة أربعون من الثمن.
والأرش، قال ابن قتيبة وغيره: مأخوذ من قول العرب أرشت بين

الرجلين تأريشاً، إذا أغريت أحدهما على الآخر وأوقعت بينهما الخصومة.
فسمى نقص السلعة أرشاً، لكونه سبباً للتأريش وهو الخصومة.
وإن كان بإجارة أو رهن، فقال ابن القاسم: إذا عاد إلى يده رده.
وقال أشهب: إن خلصه عاجلاً .... أي: فإن تعذر رد عين المبيع مع بقاء عين الملك فيه لتعلق حق آخر، كما لو أجرها أو رهنها ثم اطلع فيها على عيب وهي بيد المستأجر أو المرتهن، فقال ابن القاسم في المدونة: يبقى الأمر في العيب موقوفاً حتى يفتكها من الإجارة أو الرهن.
فإن خرجت من الإجارة والرهن وهي على حالها ردها، وإن فاتت أو تغيرت حكم فيها بحسب ما يقتضيه المذهب في ذلك من القلة، والكثرة، والتوسط.
وقال أشهب أيضاً في المدونة: إن افتكه حين علم بالعيب فله رده، وإلا كان فوتاً فيرجع بالأرش.
ووقع في أكثر النسخ- وهي: نسخة ابن راشد، وابن عبد السلام-: فقال ابن القاسم: إذا عاد في نحو الشهر رده.
واعترض ابن عبد السلام عليها من أجل أن ما ذكره عن ابن القاسم مخالف لما تقدم.
وذكر الباجي عن ابن القاسم الفرق بين اليسير والكثير كما ذكره المصنف، لكنه لم يقيد بالشهر، وإنما قيده ابن حبيب، فقال: إن كل أجل ذلك قريباً كالشهر ونحوه فليؤخر إلى انقضائه وهو على أمره، فإن بعد كالأشهر والسنة فهو كالفوت، ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفتكها معجلة.
أبو محمد: وهذا خلاف قولي ابن القاسم وأشهب.
فإن تعذر الرد لعقد آخر، فإن كان لغير معاوضة فالأرش أي: كالهبة والصدقة، وهذا هو المشهور.
وروى زياد عن مالك: أنه إذا تصدق به أو أعتقه أن ذلك فوت، ولا رجوع له بقيمة العيب، ولعله يقول مثل ذلك في الهبة.
وعلى

المشهور، فقال سحنون، وعيسى في العتبية: يكون الأرش للمتصدق لا للمتصدق عليه.
واختلف إذا وهبه لابن له صغير، فقال ابن حبيب: ذلك فوت.
وقال ابن الكاتب: ليس بفوت، إذ له الإعتصار.
فإن كان بمعاوضة مع البائع بمثل الثمن الأول، فلا كلا م له يعني: فإن اطلع المشتري على عيب في المبيع بعد أن أحدث فيه عقد معاوضة مع بائعه، فإن باعه بمثل الثمن الأول فلا كلام للمشتري على البائع، لأن ثمنه قد رجع إليه.
وإن كان بدونه استتم كما لو اشتراه بمائة ثم باعه للبائع بثمانين ثم اطلع على العيب، فله أن يرجع بعشرين تمام الثمن الأول.
وفي الرجوع إذا لم يكن البائع مدلساً نظر، لإمكان أن يقال: إن المشتري إما أن يعلم بالعيب حين البيع أو لا، فإن علم فقد رضي، وإن لم يعلم فالنقص ما كان لأجل العيب وإنما كان بحوالة الأسواق.
وهذه حجة ابن القاسم إذا باعه من أجنبي.
وعلى هذا فلا يبعد أن يخرج في هذه المسالة الأقوال الآتية في البيع من أجنبي.
والله أعلم.
وإن كان بأكثر، فإن كان مدلساً فلا كلام له، وإن كان غير مدلس رد ثم رد عليه .... أي: وإن كان المشتري قد باعه من بائعه بأكثر مما اشتراه به، فإن كان البائع أولاً مدلساً فلا كلام له لأنه رضي.
وإن كان غير مدلس رد علي المشتري، ثم للمشتري أن يتماسك أو يرد.
مثاله: لو اشتراه بعشرة ثم باعه البائع بخمسة عشرة، فله أن يرد ويأخذ خمسة عشر.

وإن كان مع غير البائع ونقص، فثلاثة في الموطأ: يرجع بقيمة العيب، وروي: يرجع بالأقل من النقص وقيمة العيب إن كان نقص، وفيها: لا كلام له ..... أي: وإن كان العقد بمعاوضة مع غير البائع ونقص الثمن في هذه المعاوضة عما كان اشتراه، فثلاثة أقوال: الأقوال: يرجع بقيمة العيب، قاله مالك في المختصر، واختاره محمد بن عبد الحكم وزعم أن هذا مذهب مالك في موطئه، لقوله فيه: إذا فات العبد بوجه من وجه الفوت فللمشتري الرجوع بقيمة العيب، قال محمد: والبيع فوت.
قال في التلقين: وهذا هو الصحيح.
الثاني: رواه أشهب عن مالك: أنه يرجع بأقل الأمرين من نقص الثمن أو قيمة العيب، لأنه إن كانت قيمة العيب أقل فأخذها فلا مقال له، كما لو كان سليماً.
وإن كان الذي نقصه أقل فأخذه فلا مقال له، لأنه لو لم ينقص ثمنه لم يرجع بشيء، وهو قول أشهب، واختاره ابن حبيب، وروي أيضاً عن مالك.
وقوله: (إن كان نقص) تكرار، لأن فرض المسألة مع النقص.
والقول الثالث في المدونة: لا يرجع بشيء إلا أن ترجع إليه السلعة فله ردها.
واحتج بأن المشتري إن كان عالماً بالعيب حال البيع فقد رضي، وإلا فالنقص إنما كان بحوالة السوق لا للعيب، واختاره ابن المواز، وقال: إلا أن يكون نقص من أجل العيب، مثل: أن يبيعه بالعيب وهو يظن أنه حدث عنده ولم يعلم أنه كان عند بائعه، أو يبيعه وكيل له ويظن [474/أ] ذلك فيرجع عليه بالأقل، كقول أشهب.
وظاهر كلام ابن يونس: أن قول محمد تقييد لقول ابن القاسم، وبذلك صرح غيره ولم يذكر ابن الجلاب ذلك على أنه تقييد، بل قال: ولو باعه ثم ظهر بعد البيع على عيب لم

يرجع على البائع بشيء.
وقيل: بيعه كموته وعتقه، ويرجع على البائع بأرشه.
وقد قيل: إن كان قد نقص من ثمنه لأجل عيب وظن أن العيب حدث عنده، ثم علم أنه كان قديماً عند بائعه، أن له أن يرجع بأرش العيب عليه.
وقيد المصنف المسألة بالنقص، لأن لو باع بمثل الثمن الأول فأكثر، فأحرى ألا مقال له على قول ابن القاسم، وكذلك لا مقال له على قول أشهب.
وأما على ما نسب للموطأ فله قيمة العيب، لأنه جعل خروج المبيع من يد مشتريه بالبيع كخروجه بالهبة وشبهها.
فإن عاد إليه بالرد بالعيب، أو بملك مستأنف من بيع، أو هبة، أو إرث فله الرد.
وقال أشهب في البيع: يخير في رده على البائع الأول أو رده على المشتري الثاني، فإن رده رده ..... أي: فإن عاد إلى البائع الثاني الذي هو مشتر أولاً، فإن رد عليه بعيب فله رده على البائع الأول، ولا يخالف أشهب في هذا الوجه.
وأما إن رجع إليه بغير الرد بالعيب، بل بملك مستأنف من بيع، أو هبة، أو ميراث، فقال ابن القاسم في المدونة: له الرد بالعيب على البائع الأول.
وقال أشهب: إن رجع إليه ببيع خير بين ما قاله ابن القاسم وبين أن يرده على الذي اشتراه منه آخراً، لأنه صار بائعاً، فإن رده على الأول أخذ منه الثمن الأول، وإن رده على المشتري الأخير أخذ منه الثمن، ثم يخير المشتري الأخير بين أن يتماسك به فيتم العمل، أو يرده على المشتري الأول، فإن رده عليه فله أن يرده على البائع الأول.
وهذا معنى قوله: (فإن رده رده) أي: فإن رده المشتري الأول على المشتري الثاني رده المشتري الثاني على المشتري الأول إن شاء، ثم يرده على البائع الأول إن شاء.
وظاهر قول ابن القاسم في المدونة: أنه يرد على البائع، سواء قام عليه بالعيب قبل أن يرجع إليه المعيب أم لا.

وقال ابن حبيب: إن كان قام عليه قبل أن يرجع فحكم له بعدم الرجوع لخروجه من يده بمثل الثمن فأكثر فلا قيام له.
أبو محمد: وهو بعيد من أصولهم.
ابن يونس: لأنه إنما منع من القيام عليه لعلة وقد ارتفعت.
والسكوت من غير عذر والفعل الدال على الرضا كالقول هذا هو المانع الثالث، وهو ظهور ما يدل على الرضا به من السكوت عن القيام به ولا مانع من خوف ونحوه، أو فعل دال على الرضا كما سيأتي.
وشبكه السكوت والفعل بالقول، لأنه أصرح منهما.
وهذا لأن الرد بالعيب على الفور، ويبطل بالتأخير من غير عذر، إذ الأصل في البيع اللزوم، فإذا تمكن من الرد وتراخى عنه لزمه.
قال في المدونة: إلا أن يكون كاليوم ونحوه بعد أن يحلف أنه ما كان منه رضا.
ابن عبد السلام: وما ذكره من أن السكوت يدل على الرضا هو ظاهر المذهب، وإن كان بعض الشيوخ يذكر اختلافاً في السكوت هل يتنزل منزلة النطق؟ والذي تدل عليه مسائل المذهب: أن: كل ما يدل على ما في نفس الإنسان من غير النطق، فإنه يقوم مقام النطق.
نعم يقع الخلاف في المذهب في فروع، هل حصل فيها دلالة أم لا؟ فإن كان البائع غائباً أشهد شاهدين، فإن عجز أعلم القاضي فتلوم ثم قضى عليه بعد أن يثبت العهدة .... أي: فإن كان البائع حاضراً معه في البلد رد عليه، وإن كان غائباً أشهد شاهدين أنه لم يعجز يرض بالعيب، ورد عليه إن أمكن بأن تكون غيبته قريبة أو له وكيل حاضر.
فإن عجز عن الرد لبعد الغيبة رفع إلى القاضي فيثبت عنده الشراء وصحته ملك البائع إلى حين البيع، وأنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته- أي: على حقه في العيب والاستحقاق- وليس مراده عهدة الثلاث أو السنة.

وهذا الشرط وقع في المدونة وقيده بما إذا لم يرد أن يحلف، لأن القول قول المشتري مع يمينه على في البراءة.
وفصل اللخمي، فقال: إن كانت العادة البيع على البراءة لم يحكم له بالرد إلا أن يثبت أنه ابتاع إلى العهدة، وإن كانت العادة العهدة أو لا عادة بواحد منهما، فهو على العهدة ويستظهر عليه باليمين.
ابن لبابة، وابن رشد وغيرهما: ويثبت يوم التبايع، لأن العيوب تقدم وتحدث.
وقوله: (فتلوم) أطلق في التلوم، وقيده في المدونة في كتاب العيوب بأن يكون بعيد الغيبة وطمع في قدومه.
ابن بطال: تلوماً يسيراً.
ولم يذكر في المدونة في باب التجارة لأرض الحرب وباب القسم تلوماً.
المتيطي: وحمل ذلك غير واحد من الشيوخ على الخلاف.
خليل: ولا يبعد على الوفاق، والذي اعتمد عليه أصحاب الوثائق التلوم.
قال في المدونة: ولا يعجل بالقضاء على قريب الغيبة.
واختلف الشيوخ إذ قالت البينة لا نعلم مكانه، هل يكون ذلك كشهادتهم ببعد الغيبة ويقضى عليه وهو قول ابن مالك القرطبي، أو ذلك بمنزلة الغيبة القريبة فلا يقضى عليه وهو قول ابن سهل؟ والأول أصوب، وهو الذي تدل عليه المدونة والمسائل، وساق مسائل تدل على ما ذكره [474/ب] من أن مجهول الغيبة بمنزلة بعيدها.
وما تقدم من أنه لابد من إثبات صحة الشراء كذلك هو في المدونة، وقيده بما إذا لم يرد أن يحلف.
فضل: لأن وجوب اليمين في العهدة أكد منها في هذا، لأن البينة إذا شهدت بصحة العقد يكون وقوع الفساد بعيداً بخلاف البراءة، لإمكان أن يكون أبرأه بعد.
ويثبت أيضاً أنه نقد الثمن، وأنه كذا وكذا إن أراد أخذه، قاله في المدونة.

ابن رشد وغيره: إلا أن يكون قد مضى من المدة ما لو أنكر البائع القبض كان القول قوله مع يمينه أنه قد دفعه إليه، وذلك العام والعامان على ما ذهب إليه ابن حبيب، والعشرون عاماً ونحوها على ما ذهب إليه ابن القاسم.
ويثبت وجود العيب الذي يوجب الرد، وأنه أقدم من أمد التبايع، قالوا: ويحلف على أنه بيع صحيح وأنه لم يبرأ منه، وأنه ما اطلع عليه بعد البيع ورضيه، ولا استخدام العبد بعد اطلاعه على العيب.
وتصرف المضطر- كالمسافر على الدابة- ليس برضا، خلافاً لأشهب لما قدم أن التصرفات الاختيارية تدل على الرضا تكلم على ما لا يدل على ذلك كالتصرف حال الاضطرار، ومثل ذلك بالمسافر يطلع على عيب في الدابة فيتمادى على ركوبها، وفي معناه الحمل عليها.
وقوله: (ليس برضا) هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في العتبية، وبه أخذ أصبغ وابن حبيب لأنه كالمكروه، قال في هذه الرواية: وليس عليه شيء في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكتري غيرها ويسوقها وليركب، فإن وصلت بحالها ردها، وإن عجفت ردها وما نقصها، أو يحبسها ويأخذ قيمة العيب.
قال في البيان: ولا يجب عليه الرجوع بها إلا أن يكون قريباً لا مؤنة عليه في الرجوع، ويستحب له أن يشهد أن ركوبه إياها ليس برضا منه بالعيب، فإن لم يفعل لم يضره ذلك، وقال أشهب في الموازية، ورواه عن مالك: أن حمله عليها رضا كالإقامة، وبه قال ابن عبد الحكم.
وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (خلافاً لأشهب).
ووقع في بعض النسخ بعد قوله: (ليس برضا)، (لأنه غلبة) وهو تعليل لا يحتاج إليه، لأن المضطر يغني عنه.
ونقل في البيان عن ابن كنانة: إذا وجد العيب بالدابة في سفر

فليشهد عليه ويردها ولا يركبهرا في ردها، إلا أن يكون بين قريتين فيبلغ عليها إلى القريبة ليشهد.
وعن ابن نافع: أنه لا يركبها ولا يحتمل عليها، إلا أن لا يجد من ركوبها والحمل عليها بداً في السفر، فليشهد على ذلك ويركب أو يحمل إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها.
يعني: حتى يجد حكماً وبينة تشهد له بذلك الموضع بما يستوجب ردها، قال: فاعرف أنها ثلاثة أقوال.
وعلى هذا فيتحصل فيها بقول أشهب أربعة أقوال.
وما لا ينقصه- كالدار- ليس برضا، لأنه غلة أي: إذا اشترى داراً فسكنها واطلع على عيب بها وبائعها غائب أو حاضر، فله التمادي على الكسنى من غير هدم.
المازري وغيره: ولا يلزمه إخلاؤها، بل يبقى على استعمالها وهو يخاصم، لأن ذلك غلة وخراج، والخراج بالضمان وضمانها منه.
اللخمي: والغلة له حتى يحكم بالفسخ.
وقوله: (لأنه غلة) جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلاً يقول: فإذا لم يكن سكناه دليلاً على الرضا وهو قد سكن عالماً بالعيب عازماً على الرد، فينبغي أن يرد الكراء.
فأجاب: أنها غلة والخراج بالضمان، وليس مراده تعليل تمادي السكنى بالغلة، لأن ذلك منقوض بالثوب والعبد ونحوهما.
ويحتمل أن تكون غلة موصوفاً حذفت صفته، والتقدير: أنه غلة غير منقصة، ودل على هذا المحذوف صدر المسألة وهو قوله: (وما لا ينقصه) وعلى هذا فتكون العلة في حصول الرضا الاستغلال المنقص.
بخلاف العبد والدابة على المشهور، فينزل عن الدابة ما لم يتعذر قودها أي: أن الحكم في العبد والدابة ونحو ذلك كالثياب مخالف للدار، لأن العبد والدابة يغيرهما الاستعمال.
ومراده في حق الحاضر، لجعله هذا قسيماً للمسافر.

والشاذ لابن حبيب: لا بأس أن يركب الدابة في مكانها بالمعروف إذا ألجأه البائع إلى الخصومة حتى يحكم له بردها، لأن عليه النفقة ومنه الضمان، وكذلك الجارية والعبد له أن يستخدمها بالمعروف.
واتفق على أنه إن لبس الثوب أو وطأ الجارية أن ذلك رضاً، لأن اللبس ليس غلة وهو ينقص الثوب، والوطء لا يحل في أمة لا يختار إمساكها.
وقوله: (فينزل عن الدابة) تفريع على المشهور، وتبع المصنف في هذا ابن شاس، وهو مخالف لظاهر قوله في العتبية.
وأما الحاضر فإن ركبها ركوب احتباس لها بعد أن علم بالعيب لزمه، وذلك رضاً.
وأما إن ركبها ليرده وشبه ذلك، فلا شيء عليه.
وفي البيان: وأما الحاضر فليس له أن يركبها بعد وجود العيب ها إلا في ردها.
وفيما ذكره المصنف حرج، إذ نزول ذي الهيئة عن الدابة وقودها عليه من أعظم الحرج، والظاهر: أن له ركوبها إلى منزله، ويمكن حمل كلام المصنف عليه بأن يقال، قوله: (ما لم يتعذر قودها) معناه: سواء كان تعذر القود من جهتها أو من جهة المشتري، لأن المشتري إذا كان من ذوي الهيئات يتعذر عليه قودها.
وإذا زال العيب منع الرد، إلا فيما له علقة كالطلاق، واحتمال عود البول هذا هو المانع الرابع، أي: إذا زال العيب قبل القيام به فلا رد له، لأن [475/أ] العلة في تخيير المشتري في الرد وجود العيب، فإذا زال العيب على وجه تؤمن معه العودة فيزول التخيير.
ثم استثنى ما له علقة كطلاق العبد، لبقاء التشوف بعد الطلاق للزوجة، وما لم تؤمن عودته كالبول في الفراش، وهكذا قال ابن القاسم.
وقال أشهب: إن انقطع انقطاعاً بيناً كالسنين الكثيرة فليس بعيب، وإن كان اليسيرة فهو عيب.
وحمل اللخمي قول أشهب على الخلاف، وقال ابن محرز: إذا تحقق الانقطاع فابن القاسم يوافق أشهب، ورأى أن الخلاف بين ابن القاسم إنما هو للاختلاف في

الصورة.
وقال الباجي: يحتمل أن يكون قول ابن القاسم وأشهب في ذلك واحداً إذا انقطع عنها العشرة أعوام ونحوها.
ولم يذكر المصنف في الطلاق خلافاً.
وذكر فيه ابن رشد وفي الموت ثلاثة أقوال: أحدها لمالك: أنه لا يذهب بذلك لاعتياده بالزوجة، وكذلك الأمة لاعتيادها بالزوج، والطلاق أشد لما يخشى من تعلق نفسه بها وتعلق نفسها به.
الثاني لابن حبيب، وأشهب: أن العيب يذهب بالموت دون الطلاق.
ابن حبيب: إلا أن تكون الأمة رائعة، يعني: في الموت.
ابن رشد: وهو أعدل الأقوال.
الثالث: أن العيب يذهب بالموت والطلاق، تأوله فضل على المدونة من قوله: إذا اشترى الأمة وهي في عدة من طلاق فلم يعلم بذلك حتى انقضت العدة، أنه لا رد له قال: وليس ببين، لاحتمال علمه بالزوجية دون العدة.
واختار التونسي أيضاً: أنه يرتفع بالموت والطلاق ليس من هذا الموضع، ولكن احتج عليه بأنه لو لم يكن كذلك لزم إذا وهبها لعبد يظأها ثم انتزعها أن عليه البيان.
ابن رشد: ولعمري إن بينهما لفرقاً، لحق الزوجة في الوطء دون الأمة.
ابن عبد السلام: وهذا الفرق ليس ببين، لأن علة كون الزوجية عيباً ليس هو وطء الزوج أو الزوجة، وإنما هو تأنس العبد والأمة بالوطء، وذلك لا يفترق فيه سيد من زوج.
وتغير المبيع اليسير كالعدم، والمخرج عن المقصد مفيت بالأرش، وما بينهما يخير المشتري في أخذ أرش القديم، وفي رده ودفع الحادث لما تلكم على ما يمنع الرد مطلقاً شرع فيما يمنعه على وجه، وحاصله: أن العيب الحادث عند المشتري ثلاثة أقسام: إن كان يسيراً، فلا أثر له ووجوده كعدمه، والحمل فيه على البائع أولى، لأنه إما مفرط بعدم بحثه عن المبيع فكان المدلس، وإما مدلس.

واختلف في اليسير، فقيل: ما أثر نقصاً يسيراً في الثمن- وإليه أشار في المدونة- وقيل: ما لا يؤثر فيه نقصاً أصلاً، وإليه ذهب الأبهري.
وإن كان كثيراً يخرج المبيع بسببه عن المقصود، فيمنع من الرد، لأن ذهاب المنافع المقصودة منه تصيره كالعدم.
وإن كان متوسطاً خير المشتري كما ذكر، لأن البائع أدخله في أمرين عليه في كل منهما مشقة، فعليه في التزام المبيع مع كونه معيباً تكرهه النفوس مشقة.
وكذلك في إلزامه قيمة العيب الحادث إذا رد المبيع، كما لو اشتراه بمائة ثم اطلع على عيب كان فيه وحدث به آخر، فيقوم صحيحاً بمائة، ومعيباً بالأول بثمانين وبالثاني بستين.
فإما أن يرد ويعطي عشرين، أو يتماسك ويأخذ عشرين، فلو كان اشتراه بمائتين، لكان إما أن يرد أربعين أو يأخذ أربعين.
وبالجملة فاجعل القيمة كالميزان، ولا فرق على المشهور في العيب بين أن يكون بسبب المشتري أو من الله تعالى.
وقال أبو الفرج: لا يرد لما حدث عنده إن كان حدث بأمر من الله تعالى، بخلاف ما حدث بسببه فيرد معه ما نقص.
عياض: وهو خلاف أهل المذهب.
ما لم يقبله البائع بالحادث فيتعين على الأصح يعني: أن تخيير المشتري بين ما ذكر مشروط بكون البائع أبا من قبول المبيع على حاله بلا أرش، فإن قبله البائع بالحادث من غير أرش ارتفع تخيير المشتري وتعين رد المعيب، إلا أن يتمسك به المشتري بغير أرش، هذا مذهب المدونة وهو الأصح، لأن العلة في تخيير المشتري إنما كانت لما يلزمه من الغرم للحادث، وقد ارتفع السبب وهو الغرم، فيرتفع مسببه وهو التخيير.

وقال ابن نافع، وعيسى بن دينار: التخيير باق للمشتري ولو ارتفع عنه الغرم عملاً بالاستصحاب، وهذا مقابل الأصح.
وقال ابن كنانة: إن كان البائع مدلساً فالتخير باق وإلا فلا.
عياض: وهو جيد في الفقه.
هذا أصل المذهب، والمختلف فيه لتحققها أي: ما ذكره من التقسيم هو الأصل في المذهب، وإن اختلف في شيء فإنما هو خلاف في تحقيق مناط، هل هو من هذا أو من هذا.
ففيها: الوعك، والرمد، والحمى من الأول.
وروى أشهب: من الثالث أي: من الأول.
يريد: ولا شيء عليه.
و (من الثالث) أي: يخير.
وليس في المدونة الوعك.
وتبع المصنف في نسبة الوعك للمدونة المازري وابن شاس، ولعلهما رأيا أنه في معنى الحمى.
وألحق فيها الكي، والدماميل، والصداع، وذهاب الظفر.
قال فيها: وأما زوال الأنملة ففي الوخش خاصة.
وحمل الباجي قول ابن القاسم في الحمى على الخفيفة دون ما أضعف ومنع التصرف.
واختار اللخمي أن يوقف في الرمد والحمى حتى ينظر مآل أمرهما، كقول ابن كنانة في مرض العبد الحادث عند المشتري: أنه يوقف حتى ينظر هل يصح أو يموت.
وقال ابن القاسم: يرده إلا أن يكون مرضاً مخوفاً.
ابن عبد السلام: ولم أقف على ذكر [475/ب] الرمد في رواية أشهب، وإنما نقل الباجي عنه الوعك والحمى ولم يذكر ذلك رواية، وإنما ذكره عن أشهب.

وفيها: العمى والشلل من الثالث.
وقال ابن مسلمة: من الثاني صرح المازري بمشهورية ما في المدونة، وقول ابن مسلمة أظهر، لأن العمى والشلل يبطلان المنفعة، وهذا هو تأويل الجمهور.
وتأول عياض المدونة على الوفاق لقول ابن مسلمة، وقال: لا شك أن العمى فوت، وإنما ذكره أول الباب في العيوب المفسدة.
خليل: وفيه بعد من جهة اللفظ، لكنه الظاهر من جهة المعنى.
وفيها: كبر الصغير من الثاني، وقيل: من الثالث تصوره واضح، فرأى في المدونة أن كبر الصغير يصير نوعاً آخر، والقول الآخر لمالك في الموازية.
وعجف الدابة مثله، وهرم الرقيق مثله، وقيل من الأول مقتضى كلامه أن المشهور في هرم الرقيق وعجف الدابة أنهما مفتيان، لأنه شبههما بكبر الصغير، وهو صحيح في الهرم، فإن المشهور- وهو مذهب المدونة- أنه فوت.
وكذلك ذكر في الجواهر أيضاً في عجف الدابة، فقال: اختلف في عجف الدابة هرم العبد والأمة.
فالمشهور: أن ذلك من الضرب الثالث، ورآهما ابن مسلمة من الضرب الأول.
والضرب الأول في كلامه هو الثاني في كلام المصنف، والأول في كلامه هو المفيت.
وكذلك نص اللخمي على إلحاقه بالهرم، لكنه شرط فيه أن لا يرجى ذهابه، وفيه شيء، فقد قال أصبغ: لم يختلف قول مالك أن عجف الدابة مما يخير فيه المشتري.
وزاد المصنف في الهرم قولاً ثالثاً: بأنه من الأول، أي: فيرد ولا شيء عليه إن تمسك ولا شيء له.
وهذا لم أقف عليه ولاحظ له في النظر.
وكذلك قال ابن راشد: إنه لم يقف عليه.

فرع: وما حد الهرم؟ ذرك أبو بكر الابهري عن مالك: أن ذلك إذا ضعف وذهبت قوته ومنفعته أو أكثرها.
وقال عبد الوهاب: إذ هرم هرماً لا منفعة فيه فإنه فوت.
الباجي: والصحيح عندي إذا ضعف عن منفعته المقصودة ولم يمكنه الإتيان بها، أن ذلك فوت ويرجع بقيمة العيب.
ووطء الثيب من الأول، وقيل: من الثاني.
وافتضاض البكر من الثالث القول بان وطء الثيب من القسم الأول هو المشهور عن مالك وأصحابه، قاله المازري.
والقول الثاني لابن وهب، وابن نافع، وأصبغ.
وأما وطء البكر: فهو عند مالك من الثالث.
وقيده الباجي بالعلي، وأما الوخش فذلك لا ينقصها بل يزيدها.
وهكذا نقل المازري عن بعض المتأخرين أنه قال: لا شيء عليه وطء الوخش.
وتزويج الأمة مشهورها من الثالث أي: أن من اشترى أمة فزوجها ثم اطلع على عيب قديم، ففيها ثلاثة أقوال: الأول: أنه من القسم الأول، فيرد ولا شيء عليه، أو يتمسك ولا شيء له.
نقله المازري عن بعض المتأخرين، وأخذه أيضاً من قول ابن القاسم في العتبية: أنه إذا اشترى جارية ثم اطلع فيها على عيب بعد أن تزوجها وولدت، أنه إن اختار ردها بالعيب لم يرد قيمة عيب النكاح الحادث عنده.
قال: إلا أن يقال: إنما قال ذلك لزيادة الولد، فيكون ولدها جبر عيب النكاح.
القول الثاني: أنه من المفيت.
وهذا أجراه اللخمي على قول ابن مسلمة، فقال: وعلى قول ابن مسلمة في العبد إذا عمي أو ذهبت يده النكاح فوتاً ويرجع بقيمة العيب

ولا يرد، لأن النكاح يبطل الغرض منها إن كانت من جواري الوطء، وإن كانت من الوخش فمن أجل تردد الزوج إليها أو ترددها إليه، وإن شرط الزوج أن يتبوأ بيتاً فأبين.
والقول الثالث، وهو المشهور: أنه من القسم الثالث.
وفي جبره بولد قولان يعني: إذا فرعنا على المشهور فولدت، فهل يجبر الولد عيب التزويج؟ قال ابن القاسم في المدونة: يجبره ويرد ولا شيء عليه.
وقال مالك، وأشهب: لا يجبره.
وأكثرهم يصوب قول مالك وأشهب، لأن قول ابن القاسم يشبه قول الشافعي: أو الود غلة.
ورد ذلك اللخمي: بأنه لم يحكم بذلك، لأنه لا خلاف أن ولد الحرة من العبد حر، وولد الأمة من الحر عبد، وولد المعتق بعضها بمنزلتها، وولد المدبرة مدبر.
ولو كان الولد غلة لبطل ذلك، وإنما رآه من باب: ((لا ضرر ولا ضرار))، لأن الأم إذا عادت بالولد على مثل القيمة الأولى لم يكن عليه ضرر.
وعلى الجبر، فالذي فهمه الأكثر وهو الصحيح: أنه إنما يجبر إذا كانت قيمة الولد تساوي قيمة عيب النكاح فأكثر، وأما إن كانت قيمة الولد أنقص، فلابد أن يرد مع الولد ما بقي.
وفهم ابن المواز أن ابن القاسم يقول: إن الولد يجبر وإن كانت قيمته أنقص، وجعل ذلك سبب رجحان قول أشهب.
وحادث بيع التدليس إن كان من التدليس- كقطع يده من السرقة، وقتله من حرابة، وموته من حمى، أو كان سماوياً، أو بتصرف معتاد في مثله، وهو من الثالث فيهما- فهدر، وإلا فتخييره يعني: أن من اشترى شيئاً رقيقاً أو غيره دلس له البائع بعيب فيه فحدث بسبب العيب في المبيع حادث، ومثله بثلاث صور، الأولى: أن يكون البائع دلس بعيب السرقة فسرق عند المشتري فقطعت يده.
الثانية: أن يدلس بعيب الحرابة فيقتل بها.
الثالثة: أن بالحمى فيموت بها.

قوله: (أو كان سماوياً) اسم كان عائد على الحادث، أي: لم يحدث بسبب عيب التدليس، كما لو دلس بالإباق [476/أ] فأبق فمات.
وهذا مقيد بأن يكون الحادث في زمان عيب التدليس كما مثلنا.
وما ذكره المصنف في السماوي: من أن المشتري يرجع بجميع الثمن، هو المشهور، لأن الإباق هو الذي حال بينه وبين منافعه.
وقال ابن دينار: يرج بأرش الإباق خاصة، بخلاف ما لو هلك بسبب الإباق، كما لو اقتحم نهراً فهلك، أو تردى فهلك، أو دخل موضعاً فنهشته حية.
ابن حبيب: وبالمشهور قال جميع أصحاب مالك.
قوله: (أو بتصرف معتاد) كما لو اشترى مقطعاً فقطعه قميصاً أو سراويلات، ولو قطعه قلانس لكان تصرفاً غير معتاد.
وأطلق في التصرف المعتاد وهو مقيد بألا ينتفع به، وأما لو انتفع به، مثل: أن يشتري ثوباً فيلبسه لبساً ينقصه، فإنه يرد مع الثوب قيمة اللبس، لأنه صون به ماله.
ولو اشترى أمة فافتضها، فالرواية أنها كاللبس.
وقال ابن الكاتب: لا يلزمه قيمة الافتضاض كقطع الثوب.
قوله: (وهو) عائد على الحادث.
وقوله: (فيهما) عائد على السماوي والتصرف المعتاد.
وقوله: (فهدر) جواب للشرط، والجملة الشرطية جواب عن قوله: (وحادث بيع التدليس).
والهدر: الذي لا شي فيه.
وحاصله: أن ما حصل بسبب التدليس لا يفصل فيه، وما حدث بسماوي أو بتصرف معتاد، فإن كان من الثالث فهدر، وإلا فكغير الحادث من التدليس، ويعمل فيه على ما تقدم.
وتبع المصنف في قوله: (وهو من الثالث) ابن شاس، وهو قيد ليس بظاهر، لأن السماوي سواء كان مفيتاً أو لا يرجع فيه بجميع الثمن على المشهور كما تقدم.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل