التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 35-74
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وإن كان خوفاً يمنع من تكرار الإقبال عليها والانفراد لها جمع بينهما في وقتهما المختار.
والله أعلم.
السَّفَرُ: يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلا كَرَاهَةَ عَلَى الْمشْهُورِ المشهور أظهر لما في الموطأ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في سفره إلى تبوك".
ومقابل المشهور: الكراهة، رواه ابن القاسم عن مالك في العتبية، وحمله الباجي على إتيان الأفضل لئلا يتساهل فيه من لا يشق عليه.
وقال مال في مختصر ابن شعبان: يكره الجمع في السفر للرجال، ويرخص فيه للنساء.
وَفِيهَا: وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ عِنْدَ الرَّحِيلِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَقَالَ سُحْنُونٌ: الْحُكْمُ مُتَسَاوٍ.
فَقِيلَ: تَفْسِيرٌ.
وِقِيلَ: خِلافٌ ... ليس معنى المدونة أنه لم يذكر الجمع بين المغرب والعشاء مطلقاً، وإنما المعنى لم يذكر ذلك إذا ارتحل بعد المغرب خاصة؛ ولذلك قال المصنف: (عِنْدَ الرَّحِيلِ).
ونص سحنون على أن الحكم متساوٍ.
اختلف الشيوخ في قوله، قال ابن بشير: فحمله بعض المتأخرين على التفسير، وإنه إنما ترك المغرب والعشاء إحالة على ما ذكره في الظهر والعصر.
وحمله الباجي على الاختلاف، وعلل ما في المدونة بأن ذلك الوقت ليس بزمان رحيل.
ابن راشد: والأول أصح للحديث.
وَلا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ أي: ولا يختص الجمع بالسفر الطويل كالقصر؛ لما في الموطأ: عن علي بن حسين أنه كان يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر، وإذا أراد أن يسير ليلته جمع بين المغرب والعشاء".

فرع: قال في النكت: قال بعض شيوخنا: لا يجمع المسافر في البحر؛ لأنا إنما نبيح للمسافر في البر الجمع من أجل جد السير، وخوف فوات أمر، وهذا غير موجود في المسافر بالريح في البحر.
وَشَرْطُهُ الْجِدُّ فِي السَّيْرِ، وَزَادَ أَشْهَبُ: الْخَوْفُ لِفَوَاتِ أَمْرٍ، أَوْ لإِدْرَاكِ مُهِمًّ قال الباجي: ونحوه لابن شاس.
وحد الإسراع الذي يجوز معه الجمع هو مبادرة ما يخاف فواته أو إسراع إلى ما يهم، قاله أشهب في المجموعة.
وقال ابن حبيب: يجوز للمسافر الجمع إذا جدَّ في السير لقطع سفره خاصة لا لغير ذلك، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ.
انتهى.
خليل: والأولى مذهب المدونة لقوله فيها: ولا يجمع المسافر إلا أن يجدَّ به السير، ويخاف فوات أمر فيجمع.
وعلى هذا فما قدمه المصنف فهو قول ابن حبيب.
ونقل في البيان عن ابن حبيب إجازة الجمع وإن لم يجدَّ به السير.
وذكر في المقدمات أن المشهور إجازة الجمع مطلقاً، ولفظه: يجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر للمسافر يرتحل من المنهل بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقياساً على الجمع بعرفة، هذا هو المشهور في المذهب.
وقد قيل: إنه لا يجمع إلا أن يجدَّ به السير.
وقيل: إنه لا يجمع وإن جدَّ به السير.
انتهى.
وقال في النكت عن بعض شيوخه أنه أرخص في الجمع للمرأة وإن لم يجدَّ بها السير.
فَإِنْ زَالَتْ وَنِيَّتُهُ النُّزُولُ بَعْدَ الاصْفِرَارِ جَمَعَ مَكَانَهُ، وَقَبْلَ الاصْفِرَارِ صَلْى الظُّهْرَ وَأَخَّرَ الْعَصْرَ، فَإِنْ نَوَى الاصْفِرَارَ فَقَالُوا: مُخَيِّرٍ ... يعني: إذا أبحنا الجمع فللمسافر حالتان: تارة يرتحل بعد الزوال، وتارة قبله.
فالأولى له ثلاثة أحوال: فالأولى إما أن ينوي أن ينزل بعد الاصفرار، أو قبله، أو عند الاصفرار.

فإن نوى بعد الاصفرار جمعهما مكانه، فتقع الظهر في وقتها المختار، والعصر في وقتها الضروري.
قاله المازري، وهذا هو المشهور.
وقيل: بل يؤخر العصر؛ لأنه معذور بالسفر، وأصحاب الضرورة لا إثم عليهم في التأخير إلى وقت الضرورة؛ وهو مذهب ابن مسلمة، ورأى أن تأخيرها أخف من تقديمها.
وإن نوى قبل الاصفرار آخر العصر لتمكنه من إيقاع كل صلاة في وقتها، وإن نوى الاصفرار فقال اللخمي: جاز ألا يجمع ويصلي الظهر وحدها.
وإلى هذا -والله أعلم- أشار بقوله: (قَالُوا: مُخَيَّرٌ) أي: فإن شاء جمعهما في المنهل وإن شاء أخر العصر فقط، لكن على هذا في قوله: (قَالُوا) نظر؛ لأن ذلك يوهم تواطؤ جماعة على ذلك، وهذا إنما هو معلوم للخمي، ولهذا قال في الجواهر: أشار بعض المتأخرين إلى تخييره؛ فإن شاء جمع بينهما في المنهل، وإن شاء جمع بينهما بعد الاصفرار.
وزاد: لأن في كلتا الحالتين إخراج إحدى الصلاتين عن وقتها.
انتهى.
فلم ينسبه إلا لبعض المتأخرين، لكن في كلامه نظر؛ لأن قوله: وإن شاء جمع بينهما بعد الاصفرار.
لم ينقله اللخمي، ولا وجه لتأخير الظهر في هذا الفرض، ويلزم من تأخيره إخراج كل صلاة عن وقتها المختار، وهكذا قال ابن عبد السلام.
ويقوي هذا الإشكال بأن اللخمي وابن شاس إنما فرضا هذه المسألة على أنه ينزل بعد الاصفرار بما نقله، وهذا هو الموجب الذي أراد المصنف بقوله: (قَالُوا).
فَإِنْ رَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنِيَّتُهُ بَعْدَ الاصْفِرَارِ جَمْعُهُمَا آخِرَ وَقْتِ الأُولَى.
فَإِنْ نَوَى قَبْلَ الاصْفِرَارِ أَخَّرَهُمَا إِلَيْهِ، فَإِنْ نَوَى الاصْفِرَارِ فَقَالُوا: يُؤَخِّرُهُمَا إِلَيْه.
هذه الحالة الثانية؛ وهي أن تزول عليه الشمس وهو راكب، ثم له ثلاثة أحوال، وتصور كلامه لا يخفي عليك.
وفي قوله هنا: (قَالُوا) فيه مثل ما تقدم؛ لأن هذا إنما نقله اللخمي وصاحب الجواهر عن ابن مسلمة، وهو مشكل لا سيما على ما فرض اللخمي

وابن شاس المسألة من أنه ينزل بعد الاصفرار.
والقياس ما نقله أبو الحسن الصغير عن ابن رشدك أنه يجمع بينهما في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر.
وجعل المصنف جمعهما آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية من قبيل ما لا ترخص فيه للمسافر إلا أن يجدَّ به السير.
المازري: وهو قوله في المدونة لقوله فيها: لا يجمع المسافر إلا أن يجدَّ به السير ويخاف فوات أمر.
قال: وهذا الوجه ليس من الرخص؛ لأنه لم يختلف فقهاء الأمصار في جواز الجمع الصوري بأن يصلي الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها، فيكون المصلي جمع بينهما فعلاً ولم ينقل إحداهما إلى وقت الأخرى.
قال: ويمكن عندي أن يكون مالك لا رأى أن وقت الاختيار أفضله أوله ومؤخر الظهر إلى آخر وقتها مخل لتحصيل هذا الفضل ألحق التأخير لأجل عذر السفر بباب الرخص، وصير فوت الفضل كفوت جملة وقت الاختيار.
انتهى.
وهذا كله إذا كان له وقت يرتحل فيه ووقت ينزل فيه، وأما إن لم ينضبط له ذلك وتساوت أوقاته، فإنه يجمع بين الصلاتين جمعاً صوريّاً.
ذكره ابن بشير.
فرعان: الأول: قال التلمساني: لو جمع أول الوقت وهو في المنهل فلم يرتحل فلمالك في المجموعة: يعيد الأخيرة في الوقت.
انتهى.
ثم قال: فرع: فلو جمع في أول الوقت لشدة السير، ثم بدا له فأقام مكانه، أو أتاه أمر ترك لأجله السير فقال ابن كنانة في المجموعة: لا إعادة عليه.
قال سند: وهو بيِّن؛ لأن الصلاة وقعت في حال الضرورة، كما لو جمع] 87/ب [للمطر ثم زال وكما لو أمن بعد صلاة الخوف في المسابقة.
انتهى كلام التلمساني.
خليل: انظر كيف جعل التلمساني قول ابن كنانة في فرع وقول مالك في فرع آخر- والظاهر أنهما سواء- فإنه إنما يجمع في المنهل أول الوقت لشدة السير، ولم يذكر ابن عطاء الله إلا قول ابن كنانة.
ثم قال: وقد قال مالك فيما يشبه هذا: إنه يعيد في الوقت.
قال فيمن خاف أن ينزل عن دابته سباعاً ولصوصاً أنه يصلي على دابته، وإن أمن فأحبُّ إليَّ أن يعيد في الوقت، وكذلك في ناسي الماء في رَحله.

الثاني: لو ارتحل قبل الزوال فنزل عند الزوال، وجمع بينهما، فروى عن مالك: يعيد العصر ما دام في الوقت.
الباجي: ووجه ذلك أنه خالف سنة الجمع، فاستحب له الإتيان بهما على الوجه المستحب، وهذا حكم من جمع بين الصلاتين إذا لم يجدَّ به السير عند من شرط ذلك.
ولم أرَ فيه نصّاً لأصحابنا.
انتهى.
وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ عَلَى الْقَوْلِ يِجَمْعِهِمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِيمَا ذُكِرَ والغروب كالزوال، وثلث الليل كالاصفرار، والله أعلم.
الْمَطَرُ: الْمَشْهُورُ عُمُومُهُ.
وَقِيلََ: يَخْتَصُّ بمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أي: عمومه في كل مسجد، وفي كل بلد.
وقوله: (وَقِيلََ: يَخْتَصُّ بمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) ظاهره أنه لا يوقع في المدينة ولا غيرها إلا في مسجد المدينة، وهو صحيح، وقد نقله ابن عبد البر في كافيه ولفظه: والجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر رخصة وتوسعة، وصلاة كل واحدة لوقتها أحب إلي لمن لم يكن مسافراً إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه رواية أهل المدينة عن مالك، ورواها أيضاً زياد عنه، ولكن تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابنا إباحة الجمع بين الصلاتين ليلة المطر في كل بلد في المدينة وغيرها.
وقد قال: لا يجمع في المدينة ولا غيرها إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
انتهى.
وكذلك قال المازري: سائر المساجد في ذلك سواء.
وروى ابن شعبان عن مالك أنه لا يجمع إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
انتهى.
وإذا ثبت هذا فقول سند أن الخلاف إنما هو في مساجد المدينة؛ أي: هل يجمع فيها، أم لا يجمع بالمدينة إلا بمسجدها؟ وأما سائر البلدان فيجمع فيها باتفاق؛ لأنه في النوادر إنما نقل الخلاف كذلك ليس بجيد.

وَالْمَنْصُوصُ اخْتِصَاصُهُ بالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَاسْتَقْرَأَ الْبَاجِيُّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مِنَ الْمُوَطَّأِ: أَرَى ذَلِكَ فِي الْمَطَرِ .... يعني: المنقول أنه يجمع بسبب المطر بين المغرب والعشاء، لا بين الظهر والعصر لعدم المشقة فيهما غالباً، وهذا إنما في تقديم العصر إلى الظهر، وأما لو جمع بينهما جمعاً صوريّاً لجاز ذلك من غير مطر باتفاق.
نقله المازري وغيره.
واستقرأ ابن الكاتب والباجي من قول مالك في الموطأ بعد حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر: أراه في المطر جوازَ الجمع بين الظهر والعصر، وهو أخذ حسن.
ولا يقال: الإمام إنما فسر الحديث ولا يلزمه الأخذ به؛ إذ الأصل عدم المعارض لا سيما والتفسير هنا مخالف لظاهر اللفظ، فعدول المفسر إليه دليل على أنه المعمول به عنده.
لكن استشكل تفسير الإمام؛ لأن الحديث في مسلم: "من غير خوف، ولا سفر، ولا مطر" وحمله بعضهم على الجمع الصوري، وبعضهم على أنه لمرض، ولعل هذه الزيادة لم تصح عند الإمام، أو لم تبلغه.
وَالْمَشْهُورُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغرِبَ قَلِيلاً، وَقِيلَ: تُقَدِّمُ، وَقِيلَ: آخِرُ وَقْتِهَا اعلم أنه يؤذَّن للمغرب على المنار في أول وقتها، قاله مالك في الواضحة، ثم يؤخَّر المغرب قليلاً، ثم يصليها في وسط الوقت، ثم يؤذَّن للعشاء في صحن المسجد أذاناً ليس بالعالي، قاله ابن حبيب.
وروى عن علي: يؤذن للعشاء في مقدم المسجد.
وقيل: إنما يؤذَّن خارجه مع خفض الصوت؛ لأن المشروع في الأذان ألا يكون داخل المسجد، ثم يصلون العشاء وينصرفون قبل مغيب الشفق، هذا هو المشهور.
وضعف لأن فيه إخراج كل صلاة عن وقتها المختار.
وقيل: تقدم المغرب أول وقتها المختار ويصلي العشاء.
وهو قول

ابن عبد الحكم وابن وهب.
وقيل: تؤخر ويجمع بينهما جمعاً صوريّاً.
وهو قول أشهب، وضعف لأنه لا فائدة حينئذٍ في الجمع لأنهم ينصرفون في الظلمة.
وَلَوِ انْقَطَعَ الْمَطَرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ جَازَ التَّمَادِي يعني: أن السبب إنما يطلب ابتداء لا دواماً؛ ولأن عودته لا تؤمن؛ فلذلك لو انقطع المطر في المغرب والعشاء جاز الجمع، وإليه أشار بقوله: (وَلَوِ انْقَطَعَ ... الخ).
قال المازري: والأولى عدم الجمع إذا ظهر عدم عودته.
وَيَجْمَعُ المُعْتَكِفُ فِي الَمْسجِدِ تبعاً للجماعة، ولأنه لو لم يجمع معهم بقي فيه طعن على الإمام، ثم يفوته فضل الجماعة، وإن جمع ثانياً لزم تكرار الجماعة، ولأجل التبعية استحب بعضهم للإمام المعتكف أن يستخلف من يصلي بالناس.
وظاهر كلام صاحب تهذيب الطالب: وجوب استخلافه.
وَاخْتُلِفَ فِي الضَّعِيفِ والْمَرْأَةِ] 88/أ [فِي بَيْتِهِمَا يَجْتَمِعَانِ بِالسَّمْعِ تصوره ظاهر، والقولان للمتأخرين، والمنع لأبي عمران.
قال المازري: وخالفه غيره من الأشياخ.
عبد الحق: والأول أصوب.
سؤال: وهو أن يقال إيقاع الصلاة في وقتها واجب، والجماعة سنة، فكيف جاز ترك الواجب، وتقديم الصلاة عن وقتها لتحصيل سنة وهي الجماعة؟ ومقتضى الشرع أن يصلوا المغرب في جماعة، ثم ينصرفوا، ويوقعوا العشاء في بيوتهم.
وأجاب القرافي رحمه الله بما حاصله أن الشرع قد يقدم المندوب على الواجب، إذا كانت مصلحة المندوب زائدة على مصلحة الواجب.
ومثل ذلك بانتظار المعسر فإنه واجب والإبراء مندوب وهو مقدم، وبصلاة الجماعة فإنها وصفت بأنها أفضل من صلاة الفذ، وبالصلاة في الحرمين، وبما روى: "صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بلا سواك".

خليل: وفي نظر.
وليس في هذه الأمثلة شيء يقتضي ما قاله، وإنما هي من باب الواجبين اللذين لأحدهما مزية.
وهو ظاهر.
والذي ينبغي أن يقال: لا نسلم أنَّا إذا تركنا واجباً لأجل المندوب.
ويتحقق ذلك بكلام المازري، فإنه قال: وقع لابن القاسم ما يقتضي عدم جواز الجمع للمطر، فإنه قال في المجموعة: من جمع بين المغرب والعشاء في الحضر لغير مرض أعاد العشاء أبداً.
قال: والمسألة مبنية على القول بالاشتراك في الوقت، فمن منعه منع الجمع، ومن أثبته تقابل عنده فضيلتان: إحداهما: وقت الاختيار، والثانية: الجماعة.
فمن رجح الجماعة على الوقت فذاً جمع، ومن رجح الوقت لم يجمع.
ورأى أن صلاة العشاء فذاً بعد مغيب الشفق أولى منها جماعة قبله.
انتهى.
خليل: وعلى هذا فالاشتراك عندنا على ضربين: اشتراك اختيار؛ وهو ما تقدم في باب الأوقات؛ أعني هل المشاركة بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر، أو في أول وقت العصر.
واشتراك ضروري؛ وهو المذكور هنا في باب جمع المسافر، وهو يدخل بعد مضي أربع ركعات بعد الزوال، والله أعلم.
ويُقَدِّمُ خَائِفُ الإِغْمَاءِ عَلَى الأَصَحِّ لا غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحِّ اختلف أولاً هل يجوز الجمع لأجل خوف الإغماء أم لا؟ فأجازه مالك.
ومنعه ابن نافع وقال: يصلي كل صلاة لوقتها، فما أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يكن عليه قضاؤه.
واستشكل الأول؛ لأنه على تقدير الإغماء لا تجب الصلاة، فلا يجمع ما لا يجب، بل يحرم التقرب بصلاة من الخمس لم تجب.
قاله القرافي.
وعلى تقدير عدم وقوعه لا ضرورة تدعو للجمع، وكما لو خافت أن تحيض في وقت الثانية أو تموت.
ثم إذا فرعنا على المشهور، فقال مالك: إذا خاف الغلبة على عقله جمع بين الظهر والعصر إذا زالت تدعو للجمع، وكما لو خافت أن تحيض في وقت الثانية أو تموت.
ثم إذا فرعنا على المشهور، فقال مالك: إذا خاف الغلبة على عقله جمع بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس، وبين المغرب والعشاء إذا غربت الشمس.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم:

يؤخر كالذي يشق عليه الوضوء.
وبه قال سحنون.
وصحح المصنف الأول لأن الإغماء سبب فيبيح الجمع، ووجوب التقديم لخوف الفوات أصله الجد في السير.
والظاهر هنا ما قاله سند؛ لأنه لا معنى لنقل الخلاف في هذه المسألة، فإنه إذا كان يخاف زوال عقله عند العصر، فهذا إن أخر الظهر إلى ذلك الوقت غرر بها، بل غرر بالظهر والعصر جميعاً.
وكيف يقال يؤخر الظهر إلى الوقت الذي يخاف فيه على عقله وإن خاف من غشاوة تعتريه إن هو تحرك أول الوقت، فهذا يؤخر.
ولا يأبي هذا مالك فلا وجه لاختلاف الوقت في ذلك إلا بحسب اختلاف الحال.
فرع: وألحق في العتبية بخائف الإغماء الذي يأخذه النابض، وجوز له الجمع عند الزوال، ولذلك أجاز مالك في المبسوط لمنيخاف الميد إذا أنزل في المركز أن يجمع إذا زالت الشمس.
قال: وجمعه عند الزوال أحب إلي من أن يصليها في وقتها قاعداً.
وقوله: (لا غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحِّ) أي: لا غير خائف الإغماء؛ يريد صاحب البطن المنخرق ونحوه ممن يشق عليه تكرار الحركة، فإنه لا يقدم على الأصح.
قال في المدونة: وإن كان الجمع أرفق به لشدة مرض به، أو بطن منخرق، ولم يخف على عقله، جمع بين الظهر والعصر في وسط وقت الظهر، وبين العشاءين عند غيبوبة الشفق لا قبل ذلك.
انتهى.
قال في التنبيهات: كذلك ألحقنا به لفظة وسط من كتاب ابن عتاب وغيره، وعليه اختصرها ابن أبي زمنين.
قال ابن وضاح: أمر سحنون بطرح وسط، وبإسقاطها يوافق الجواب في المغرب والعشاء، وبإثباتها يخالف.
واختلف في وسط الوقت، فقال ابن حبيب: إذا فاء ظل القائم ربعه.
وقال ابن أخي هشام: نصفه.
وقال ابن سفيان المقروي: بل ثلثه لبطء حركة الشمس أولاً.
وحمل سحنون، وأبو عمران، وغيرهما الكتاب على أن المراد بالجمع وسط الوقت الجمع الصوري، وأن المارد بالوقت الوقت كله، ووسطه آخر القامة، وهو ظاهر؛ لأنه لا ضرورة تدعو إلى تقديم الصلاة الثانية قبل وقتها، والضرورة إنما هي من أجل

تكرار ما في] 88/ب [الحركة، وليوافق ظاهر قوله في المغرب والعشاء عند غيبوبة الشفق.
وإنما قلنا يوافق ظاهر ولم نجزم بذلك لاحتمال أن يدعيا أن معنى قوله: عند غيبوبة الشفق، إذا فر منها غاب الشفق، كما قاله بعضهم، ومقابل الأصح لابن شعبان؛ أنه يجمع عند الزوال وعند الغروب كالمغلوب.
فرع: إذا جمع أول الوقت لأجل الخوف على عقله ثم لم يذهب عقله.
فقال عيسى بن دينار: يعيد الأخيرة.
قال سند: يريد في الوقت.
وعند ابن شعبان: لا يعيد.
ويَنْوِي الْجَمْعَ أَوَّلَ الأُولَى فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى الثَّانِيةِ فَقَوْلانِ هذا الخلاف ذكره ابن بشير، وابن شاس، وابن عطاء الله، ولم يعزه واحد منهم، ولولا أنهم بنوا الفرعين اللذين يليان هذا الكلام على هذا الخلاف لأمكن أن يقال لعلهم أخذوا هذا الخلاف من الخلاف في الفرضين، لكن لما صرحوا ببناء الفرعين على هذا الخلاف كما فعل المصنف لم يمكن ذلك.
ولفظ ابن شاس، وابن عطاء الله: وصفة الجمع الذي فيه تغيير إحدى الصلاتين أنه إذا قدم الأولى منهما ينويه لا هما، ولا يجزئه أن ينوي في أولا لثانية.
وقيل: يجزئه.
ويَنْبَنِي عَلَيْهِمَا جَوَازِ الْجَمْعِ لِمَنْ حَدَثَ لَهُ السَّبَبُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الأُولَى، ولِمَنْ صَلَّى الأُولَى وَحْدَهُ ثُمََّ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ .... فأما من حدث له السبب فحكى: ففي النوادر: قال ابن القاسم من رواية أصبغ في قوم صلوا المغرب وهم ينتفلون، إذا وقع المطر أنهم لا يصلوا العشاء إذا فرغوا من المغرب قبل نزول المطر.
قال عنه ابن أبي زمنين: وإن فعلوا فلا بأس بذلك.
قال أبو محمد: وأعرف فيها قولاً آخراً لا أعرف قائله قال ابن يونس: ينبغي على قياس قول ابن عبد الحكم الذي يرى الجمع قبل أول الوقت أن يجمعوا.
ورد بجواز أن يكون ابن عبد الحكم

يشترط نية الجمع في الأولى.
وأما من أتى بعد أن صلى المغرب، فوجدهم في العشاء.
فقال ابن القاسم في المدونة: يجوز أن يصليها معهم.
وقال في المبسوط والمختصر: لا يصليها معهم.
قال الباجي: فإن صلاها معهم على هذا القول، فقال أصبغ وابن عبد الحكم: لا يعيدها.
ووجه ذلك أن هذا عندهم على الاستحباب لأن الوقت مشترك.
قال الباجي وابن يونس: إن وجدهم قد فرغوا.
فقال مالك: لا يصلي العشاء حتى يغيب الشفق، إلا أن يكون في مسجد مكة، أو المدينة فيصليها بعد الجماعة قبل الشفق؛ لأن إدراك الصلاة في هذه المساجد أعظم من إدراك فضيلة الجماعة.
انتهى.
ويُوَالِي إِلا قَدْرَ إِقَامَةٍ، وقِيلَ: أَذَانٌ وإقَامَةٌ.
وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لا بأس أَنْ يَنْتَفِلَ يعني: أن من سنة الصلاة الثانية أن تكون متصلة بالأولى.
قال مالك: لا يتنفل بين المغرب والعشاء.
قال المازري: وكل صلاتين يجمع بينهما فحكمهما هكذا.
وقال ابن حبيبك له أن يتنفل بينهما ما دام يؤذن للعشاء.
هكذا نقله ابن يونس وغيره، قال المازري: وكأنه رأى أن يتنفل من في المسجد ما دام المؤذن يؤذن للعشاء، لا يخل بمعنى الجمع.
وقوله: (إِلا قَدْرَ إِقَامَةٍ) هو مستثنى من قوله: (ويُوَالِي).
وقوله (وقِيلَ: أَذَانٌ وإقَامَةٌ) هو المشهور.
وقد بينه في فضل الأذان حيث قال: في الأذان في الجمع ثلاثة مشهورها يؤذن لكل منهما.
ولا يُوتِرُ إِلا بَعْدَ الشَّفَقِ هذا ظاهر؛ لأنه من جملة النوافل التي إيقاعها في البيوت أفضل.
وإِذَا نَوَى الإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إِحْدَاهُمَا عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطَلَ الْجَمْعُ، وإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فَلا يَبْطُلُ ... نحو هذا في الجواهر؛ يعني أن من جمع في السفر وكان حكمه تقديم الثانية إلى الأولى فنوى الإقامة في أثناء إحدى الصلاتين، إما الأولى، وإما الثانية فقد بطل الجمع، وبطلان

الجمع لا يستلزم بطلان الصلاة، فلهذا إذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أو بعد الفراغ منها، وقيل التلبس بالثانية صحت الأولى فيؤخر الثانية إلى أن يدخل وقتها، وإن نوى الإقامة في أثناء الثانية صحت الأولى أيضاً، وقطع الثانية، أو أتمها نافلة، والإتمام أولى.
وقوله: (وإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فَلا يَبْطُلُ) لوقوع الصلاتين صحيحتين، فكان كالمصلي بالتيمم ثم يجد الماء.
ولو قيل بالإعادة قياساً على خائف الإغماء إذا لم يغمَ عليه على أحد القولين، وقياساً على استحبابه في المدونة، والإعادة في حق من نوى الإقامة بعد الصلاة ما بعد، والله أعلم.
الْجُمُعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ، وشُرُوطُ وُجُوبِهَا: الذُّكُورِيَّةُ، والْحُرِّيَّةُ، والإِقَامَةُ، والْقُرْبُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ عَلَى الأَصَحِّ، وهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ الرَّفِيعُ، والْمُعْتَبَرُ طَرَفُ الْبَلَدِ، وقِيل: الْمَنَارُ، وَقِيلَ: عَلى سِتَّةٍ، وقِيلَ: بَرِيدٌ لا خلاف في المذهب أنها فرض عين، ولم يصح غيره.
وذكر لوجوبها أربعة شروط: فلا تجب على أنثى، ولا على عبد، ولا مسافر، ولا مقيم ليس بقريب منها.
وزاد التونسي في الشروط الصحة؛ لكونها لا تجب على مريض.
ولا إشكال في عدم وجوبها على المرأة، وتجب على المسافر إذا نوى إقامة] 89/أ [أربعة أيام.
قاله في المدونة.
وكونها لا تجب على العبد هو المعروف من المذهب.
وأضاف اللخمي للمذهب قولاً بالوجوب، وتعلق بقول ابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر: المشهور من المذهب سقوطها عن العبد.
قال: وقال مالك: من قدر من العبيد على إتيان الجمعة فليأتها، ويلزمون ذلك، ويقامون من حوانيت ساداتهم؛ لأنهم إذا لحقوا بها كانوا من أهلها.
المازري: وقد أخل في النقل بقوله: لأنهم إذا لحقوا بها كانوا من أهلها.
وهذه الزيادة تشير إلى أنها غير واجبة في الأصل عليهم.
ونقل المازري عن ابن القصار أنه نقل خلافاً بين أصحابنا في الوجوب، إذا أسقط السيد حقه.
واستحب مالك للمكاتب حضورها،

وكذلك العبد إذ أذن له سيده، والصبي يستحب له الحضور، وهل يستحب للمسافر حضورها؟ قال بعضهم: لم أجد فيه نصاً.
وينبغي أن يفصل، فإن كان لا مضرة عليه في الحضور ولا يشغله عن حوائجه فيستحب الحضور، وإلا فهو مخير.
وكل من حضرها ممن لا تجب عليه نابت له عن ظهره، ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا في المسافر، فلابن الماجشون في الثمانية: لا تجزئه ولو كان مأموماً.
قال: ولو كانت صلاته ركعتين لأنه صلاها بنية الجمعة.
وذكر في حد القرب ثلاثة أقوال: المشهور: ثلاثة أميال.
وقيل: ستة.
وقيل: بريد.
ابن راشد: ولم أقف على هذين القولين بعد البحث عنهما.
انتهى.
وإنما حكاهما الباجي والمازري فيمن كان بقرية قريبة.
وإن ابن حبيب قال: لا يتخذ بها جامع حتى تكون على مسافة بريد فأكثر.
وقال يحيى بن عمر: لا يجمعوا حتى يكونوا على ستة أميال.
وقال زيد بن بشير: يتخذون جامعاً إن كانوا على أكثر من فرسخ.
الباجي: وهو الصحيح عندي؛ لأن كل موضع لا يلزمهم الجمعة، وكملت فيهم الشروط لزمتهم إقامتها.
وكذلك قال ابن هارون أن الخلاف الذي ذكره المصنف إنما هو فيمن ذكرناه لا فيما ذكره المصنف.
ولعل المصنف بنى على أحد القولين في أن لازم القول قول؛ لأنه يلزم من الخلاف الذي ذكرناه الخلاف الذي ذكره، والله أعلم.
وقوله: (وهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ الرَّفِيعُ) أي: إذا كانت الأرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والمؤذن صيت.
وفي مسلم: أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد.
وسأله أن يرخص له في الصلاة في بيته، فرخص له.
فلما ولى الرجل قال: "أتسمع النداء؟ " قال: نعم.
قال: "أجب".
وفي أبي داود أنه عليه الصلاة والسلامة قال: "الجمعة على من يسمع النداء".
وليس المراد من الحديثين أن الوجوب متعلق بنفس السماع، وإلا لسقطت على الأصح، ومن هو في مكان منخفض، وإنما هو متعلق بمحل السماع، والله أعلم.
وقوله:

(والْمُعْتَبَرُ طَرَفُ الْبَلَدِ) أي: إذا قلنا بالتحديد بثلاثة فهل يعتبر مبدأها من طرف البلد أو المنار؟ ومقتضى كلامه أن الأول هو المذهب، وإنما هو منقول عن ابن عبد الحكم.
والثاني هو الذي قاله عبد الوهاب وغيره، وهو مقتضى قول مالك في المجموعة لقوله: عزيمة الجمعة على من كان بموضع يسمع منه النداء، وذلك ثلاثة أميال.
وعلى هذا فهمه اللخمي وغيره، وصدر به صاحب العمدة، ثم عطف الأول في كلام المصنف عليه، فقيل: وهو الظاهر؛ لأن التحديد للثلاث بالسماع، والسماع إنما هو من المنار.
وقوله: (طَرَفُ الْبَلَدِ) أي: من المكان الذي تقصر منه الصلاة.
هكذا نقل اللخمي، والمازري، وصاحب البيان هذا القول وهو الصواب، لا ما قاله ابن بشير.
اختلف هل يعتبر هذا المقدار من المنار أو سور البلد.
وهذا الخلاف إنما هو في حق الخارج عن البلد، وأما من فيها فيجب عليه ولو كان من المسجد على ستة أميال.
رواه علي بن مالك، قال في المقدمات: وهو تفسير للمذهب.
وهل الثلاثة تحديد؛ فلا تجب على من زاد عليها الشيء اليسير؟ أو تقريب؟ وهو مذهب المدونة فتجب قولان.
واعلم أن لمن وجبت عليه الجمعة حالتين: إما أن يكون قريباً، وإما أن يكون بعيداً.
فالبعيد يجب عليه السعي قبل النداء بمقدار ما يدرك، وهو متفق عليه.
وأما القريب فقال الباجي وصاحب المقدمات: اختلف متى يتعين إقباله إليها؟ فقيل: إذا زالت الشمس.
وقيل: إذا أذن المؤذن.
ولا اختلاف في هذا إنما هو على اختلافهم في وجوب شهود الخطبة.
فمن أوجب شهودها على الأعيان أوجب على الرجل الإتيان من أول الزمان ليدركها، ومن لم يوجب شهودها على الأعيان لم يوجب على الرجل الإتيان إلا بالأذان؛ لأنه معلوم أنه إذا لم يأت حتى أذن المؤذن أنه تفوته الخطبة أو بعضها.
وكذلك أيضاً يختلف في البعيد، هل يجب عليه السعي ليدرك الصلاة أو الخطبة على هذا الاختلاف.
الباجي: ورأيت للشيخ أبي إسحاق نحوه.

فرع: ] 89/ب [فإن كان منزله أبعد من ثلاثة أميال فكان في وقت السعي في ثلاثة أميال، فإن كان مجتازاً لم يجب عليه السعي، وإن كان مقيماً فله حكم المنزل.
قاله الباجي.
وشُرُوطُ أَدَائِهَا: إِمَامٌ، وجَمَاعَةٌ، وجَامِعٌ، وخُطْبَةٌ، وتَجِبُ إِقَامَتُهَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ أي: أن شروط الأداء ما يطلب من المكلف، فلا تؤدي إلا بهذا الأربعة الشروط لفعله عليه الصلاة والسلام.
والفرق بين شروط الوجوب وشرط الأداء أن كل ما لا يطلب من المكلف كالذكورية والحرية يسمى شرط وجوب، وما يطلب منه كالخطبة والجماعة يسمى شرط أداء.
هكذا قال ابن عبد السلام.
وقوله: (وتَجِبُ ... إلخ) أي: من تمكن من جميع هذه الشروط الأخيرة وجبت عليه إقامتها.
والباء في (بِالتَّمَكُّنِ) للسببية.
ولا يُشْتَرَطُ إِذْنُ السُّلْطَانِ عَلَى الأَصَحِّ الأصح عبر عنه ابن راشد بالمشهور، لكنه يستحب إذنه.
والقول بأن إذنه من شروط الأداء نقله يحيى بن عمر، فقال: الذي أجمع عليه مالك وأصحابه أن الجمعة لا تقام إلا بثلاثة شروط: المصر، والجماعة، والإمام الذي تخاف مخالفته، فمتى عُدم شيء من هذه لم تكن جمعة.
وقال ابن مسلمة في المبسوط: لا يصليها إلا السلطان، أو مأمور، أو رجل مجمع عليه، ولا ينبغي أن يصليها إلا أحد هؤلاء.
ابن عبد السلام: ولا يريد من عده شرطاً أنه يحتاج إلى إذن في كل جمعة، بل تكفي أول مرة.
فرع: إذا عطل الإمام الجمعة أو نهاهم عنها فقال مالك وابن القاسم: إذا قدروا على إقامتها فعلوا.
هكذا نقل اللخمي.
ونقل غيره أن مالكاً قال في المجموعة: إن أمنوا أقاموها، وإن كان على غير ذلك فصلى رجل الجمع بغير إذن الإمام لم تجزئهم.
يريد: لأن مخالفة الإمام لا تحل.
وما لا يحل فعله لا يجزئ عن الواجب.

وفِي كوْنِ الإِمَامِ مُقِيماً، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ مُسْتَخْلَفاً صَحَّتْ.
وفِيهَا: إِذَا مَرَّ الإِمَامُ الْمُسَافِرُ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ فَلْيَجْمَعْ بِهِمْ القول بالصحة مطلقاً لأشهب وسحنون؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها.
ومقابله هو المشهور؛ لأنها لما لم تجب عليه صار كالمتنفل.
والتفرقة نقلها المازري عن مطرف وابن الماجشون، ووجهها ظاهر، وما ذكره عن المدونة قال: هو غير مختلف فيه؛ لأن نائبه يصلي بهم، فمن له الصلاة بطريق الأصالة أولى.
قال الباجي: والمستحب أن يصلي بهم الإمام دون الولي، فإن صلى الولي جازت الصلاة.
فرع: وإذا قلنا أن الإمام يجمع فهل ذلك واجب عيه، وقد لزمته الجمعة، أم جائز مستحب؟ قال في التنبيهات: ظاهر المدونة والموطأ أنه ليس بواجب عليه.
وأطلق الباجي وجوب ذلك عليه، وعلله بأن الجمعة تجب على واليها لأنه مستوطن، وإذا وجبت على واليها فتجب على مستنيبه.
عياض: ورد غيره هذا من قوله.
ولا تُجْزِئُ الأَرْبَعَةُ ونَحْوُهَا، ولابُدَّ مِمَّنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ مِنَ الذُّكُورِ الأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ الثُّوَاءُ فِيهِ مِنْ بِنَاءٍ مُتَّصِلٍ أَوْ أَخْصَاصٍ مُسْتَوْطِنِينَ عَلَى الأَصَحِّ ... لما ذكر أن الجماعة شرط بيَّن أن الجماعة هنا أخص من الجماعة في غيره.
والمعروف لا حد لها بل ضابطها ما ذكره المصنف أن يكونوا بحيث تتقرى بهم قرية؛ أي: مستغنين عن غيرهم آمنين.
وروى عن مالك في الواضحة: إذا كانوا ثلاثين رجلاً وما قاربهم جمعوا، وإن كانوا أقل من ثلاثين لم تجزئهم.
القابسي: وما علمت أن أحداً ذكر عن مالك في ذلك حداً إلا هذا.
وفي مختصر ما ليس في المختصر: إذا كانت قرية وفيها خمسون رجلاً ومسجد يجمعون فيه الصلاة فلا بأس أن يصلوا صلاة الكسوف.

اللخمي وغيره: وعلى هذا لا يصلون الجمعة إلا أن يكونوا هذا القدر؛ لأن الجمعة أولى أن يطلب لها ذلك.
وذكر في اللمع عن بعض الأصحاب اعتبار عشرة، وذكر غيره قولاً باثنى عشر.
ابن عبد السلام: الذي يبين أن العدد المشترط إنما شرط في ابتداء إقامة الجمعة، لا في كل جمعة كما جاء في حديث العير أنه: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً.
وقوله: (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ التُّوَاءُ) أي: صيفاً وشتاء.
والثواء بالثاء المثلثة: الإقامة، وأما المثناة فهو: الهلاك.
وقوله: (أَوْ أَخْصَاصٍ مُسْتَوْطِنِينَ) عطف على قوله: (مِنْ بِنَاءٍ مُتَّصِلٍ).
وانتصب (مُسْتَوْطِنِينَ) على الحال من (الذُّكُورِ الأَحْرَارِ)، وعلى الأصح راجع إلى قوله: (مُسْتَوْطِنِينَ).
وعبر ابن شاس عن الأصح بالمعروف، ومقابله لا يشترط الاستيطان ويكتفي بالإقامة.
فإن قلت: هل يصح أن يكون قوله: (عَلَى الأَصَحِّ) راجعاً إلى قوله: (أَوْ أَخْصَاصٍ)، ويكون مقابله ما تقدم من كلام يحيى بن عمر أنها لا تجب إلا بالمصر، فإن الأصح عدم اشتراط ذلك.
قيل: لا؛ لأن قوله بعد هذا: (وعَلَيْهِمَا ... إلخ) يرفعه ويعين الوجه الأول.
وعَلَيْهِمَا الْخِلافُ فِي جَمَاعَةٍ مَرُّوا بِقَرْيَةٍ خَالِيَةٍ، فَنَوَوُا الإِقَامَةَ بِهَا شَهْراً أي: فإن اشترطنا الاستيطان لم تجب عليهم] 90/أ [جمعة، ولو نووا أكثر من ذلك؛ لأن الاستيطان على ما قاله الباجي: المقام بنية التأبيد.
ولو اكتفينا بمطلق الإقامة وجبت.
وذكره الشهر من باب التمثيل، وإلا فالإقامة عند من يكتفي بها تحصل بأربعة أيام.
وفِي اعْتِبَارِ مَنْ لا تَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعَهُمْ كَالْمُسَافِرِينَ والْعَبِيدِ قَوْلانِ أي: إذا كن من تجب عليهم لا تنعقد بهم الجمعة، فانضم إليهم من لا تجب عليهم فهل تنعقد أم لا؟ بناء على أن الإتباع، هل تعطي حكم متبوعها أو تستقل؟ ومثل ابن بشير وابن شاس بالصبيان، والعبيد، والمسافرين.

ابن هارون: وهو وهم.
أعني جريان الخلاف في الصبيان، إذ لا اختلاف في اشتراط الإسلام والبلوغ والعقل فيمن تنعقد بهم الجمعة، وإنما الخلاف في العبيد، والنساء والمسافرين.
ومذهب سحنون أنها لا تنعقد بهم.
حكاه ابن عات، فعلى هذا من لا تجب عليهم الجمعة ثلاثة أصناف: صنف لا تجب عليهم، وإن حضروها وجبت عليهم وعلى غيرهم بسببهم وهم ذوو الأعذار.
وصنف لا تجب عليهم، وإن حضروها لم تنعقد بهم وهم الصبيان.
وصنف لا تجب عليهم، واختلف هل تنعقد بهم؟ وهم النساء والعبيد والمسافرون.
انتهى.
ويُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُمْ إِلَى تَمَامِهَا.
وفِيهَا: إِنْ لَمْ يَاتُوا بَعْدَ انْتِظَارِهِ صَلَّى ظُهْراً.
وقَالَ أَشْهَبُ: لَوْ تَفَرَّقُوا بَعْدَ عَقْدِ رَكْعَةٍ أَتَمَّهَا جُمُعَةً أي: يشترط بقاء الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة إلى تمام الصلاة، وما صدر به المصنف صرح في الجواهر بمشهوريته، ونص سحنون في المجموعة على عدم الصحة، ولو تفرقوا في التشهد.
وقاسه أشهب على المسبوق أو الراعف.
ابن راشد: جوابه أن المسبوق أو الراعف أتى بركعة قد تقدمت له شروطها بخلاف التفرق.
وحكى في الكافي عن مالك أنه يتمها جمعة إذا لم يبق معه إلا اثنان سواه.
وقوله: (بعد انتظاره) قال التونسي: مذهب ابن القاسم في الإمام إذا هرب عنه الناس، أو تأخر الإمام أن الإمام والناس ينتظرون، إلا أن يخافوا دخول وقت العصر، فإن خافوا دخول وقت العصر صلوا ظهراً أربعاً، ثم لا جمعة عليهم بعد ذلك.
انتهى.
وفي كتاب ابن سحنون في تخلف الإمام أنهم ينتظرونه ما لم تصفر.
وأنكره سحنون، وقال: بل ينتظرونه، وإن لم يدركوا من العصر قبل الغروب إلا بعضها.
قال: وربما تبين لي أنهم يبقون أربع ركعات للعصر.
أبو محمد: يريد سحنون إذا رجوا إتيانه، فأما إن أيقنوا بعدم إتيانه فلا يؤخروا الظهر.
وكذا قال سحنون: إذا هرب الناس عن الإمام وأيس من رجوعهم أنه لا يؤخر ولو كان قد

أحرم، أو عقد ركعة كمل ظهراً على إحرامه.
ولو لم ييأس جعل ما هو فيه نافلة، وانتظرهم حتى لا يبقى من النهار إلا قدر ما تصلي فيه الجمعة.
أبو محمد: يريد: ويخطب.
فرع: لو تفرق الناس عنه ولم يبق معه إلا عبيد أو نساء، فقال أشهب: يصلي بهم الجمعة.
وكذلك على أصله المسافرون.
وقال سحنون: لا يجمع إلا أن تبقى معه جماعة من الذكور الأحرار البالغين.
المازري: وأشار بعض المتأخرين إلى احتمال في قول أشهب، وأرى أنه يمكن كونه تكلم في هروبهم عنه بعد إحرامه، وحمل غيره من الأشياخ الرواية على ظاهرها ورأى أنها تنعقد بهم عنده على كل حال.
قَالَ الْبَاجِيُّ: والْجَامِعُ شَرْطٌ بِاتّفَاقٍ، واسْتِقْرَاءُ الصَّالِحِيِّ غَلَطٌ، وهُوَ الْمَسْجِدُ الْمُتَفَّقُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ.
والْبَرَاحُ أَوْ ذُو بُنْيَانٍ خَفِيفٍ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ .... الجامع أخص من المسجد.
قال الباجي في منتقاه: ولا خلاف أن الجامع شرط الإخلاف من لا يعتد بخلافه مما نقله القزويني عن أبي بكر الصالحي، وتأوله على المدونة، من قوله أن الجمعة تقام في القرية المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، وترك مرة ذكر الأسواق.
قال الصالحي: لو كان من صفة القرية أن يكون الجامع فيها شرطاً لذكره.
وهذا عندي غير صحيح؛ لأنه إنما ذكر ما يختص بالقرية دون أن يذكر ما هو شرط منفرد عنها.
قال: وليس القزويني ولا الصالحي بالموثوق بهما في النقل والتأويل، والصالحي مجهول.
انتهى.
وأنكر في التنبيهات قول الباجي أنهما مجهولان؛ لأن القزويني إمام مشهور في مذهب مالك، وأما الصالحي فهو أبو بكر بن صالح إمام تلك الطبقة.
قال: وقد ذكر ابن محرز مسألة لأصحابنا موافقة لما أشار إليه القزويني، وتأوله الصالحي؛ وهي لو اجتمع جماعة أساري في بلاد العدو وبمثلهم تجب الجمعة، وخلي العدو بينهم وبين إقامة دينهم أنهم

يقيمون الجمعة والعيدين، كانوا في سجن أو غيره، ومعلوم أن سجن الكفار لا يمكن اتخاذ المسجد فيه.
قال في التنبيهات: وظاهر المدونة وقول عامة أصحابنا أن الجامع شرط، وإنما اختلفوا هل هو شرط في الوجوب والصحة أو في الصحة فقط؟] 90/ب [وكذلك نقل صاحب المقدمات: أما المسجد فقيل: من شرائط الوجوب والصحة جميعاً.
وهذا على قول من يرى أنه لا يكون مسجداً إلا ما كان له سقف؛ لأنه قد يعدم المسجد على هذه الصفة، وقد يوجد.
فإذا عدم كان من شرائط الوجوب، وإذا وجد كان من شرائط الصحة.
وعلى قياس هذا القول أفتى الباجي في أهل قرية انهدم مسجدهم وبقى لا سقف له فحضره الجمعة قبل أن يبنوه، أنهم لا يصح لهم أن تجمع الجمعة فيه، ويصلون ظهراً أربعاً، وهو بعيد؛ لأن المسجد إذا حصل مسجداً لا يعود غير مسجد إذا انهدم، بل يبقى على ما كان عليه من التسمية والحكم، وإن كان لا يصح أن يسمى الموضع الذي يتخذ لبناء المسجد مسجداً قبل أن يبني وهو فضاء.
وقد قيل فيه –أعني المسجد –أنه من شروط الصحة دون الوجوب.
فعلى هذا قول من يقول أن المكان من الفضاء يكون مسجداً بتعيينه وتحبيسه للصلاة فيه، واعتقاد اتخاذه مسجداً إذ لا يعدم موضع يصح أن يتخذ مسجداً، فلما كان لا يعدم ولا يقدر عليه في كل حال صار في شرائط الصحة كالخطبة، وكسائر فرائض الصلاة.
فهذا وجه هذا القول، ولا يصح أن يقول أحد في المسجد أنه ليس من شرائط الصحة، إذ لا اختلاف في أنه لا يصح أن تقام الجمعة في غير مسجد.
انتهى.
وهل يشترط في الجامع العزم على إيقاعها على التأبيد فيه؟ فذهب الباجي إلى الاشتراط، وأنهم لو أصابهم ما يمنعهم من الجامع لعذر لم تصح لهم الجمعة في غيره، إلا أن يحكم له بحكم الجامع وينقل الجمعة إليه.
ووافقه ابن رشد في مسائله المجموعة عليه، وخالفه في

مقدماته قال: وقد أقيمت الجمعة بقرطبة في مسجد أبي عثمان دون أن تنقل الجمعة إليه على التأبيد، والعلماء متوافرون، ولو نقل الإمام الجمعة في جمعة من الجمع من المسجد الجامع إلى مسجد من المساجد من غير عذر لكانت الصلاة مجزئة.
انتهى.
وقوله: (وهُوَ الْمَسْجِدُ الْمُتَفَّقُ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ لأن المسجد قد يثبت له هذا الحكم بتعيين الإمام إياه للجمعة، ولا يلزم فيه حصول الاتفاق.
ولم يقل الباجي أن من شرط الجامع أن يكون متفقاً عليه، وإنما قال: وإنما يوصف بأنه جامع لاجتماع الناس كلهم فيه لصلاة الجمعة.
وشرط ابن بشير في الجامع كونه مما يجمع فيه، قال: وأما المساجد التي لا يجمع فيها فلا تقام الجمعة فيها.
وصَلاةُ الْمُقْتَدِينَ فِي رِحَابِهِ والطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ إِذَا ضَاقَ وإِنْ لَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ، وإِذَا اتَّصَلَتْ وإِنْ لَمْ يَضِقْ صَحِيحَةٌ عَلَى الأَصَحِّ .... لهذه المسألة أربعة أقسام: إن ضاق المسجد واتصلت الصفوف صحت اتفاقاً.
وعكسه إذا لم يضق ولم تتصل فظاهر المذهب عدم الصحة.
وحكى المازري عن ابن شعبان فيمن صلى وبينه وبين الحوانيت عرض الطريق، ولم تتصل الصفوف من غير ضيق المسجد أن صلاته تجزئه.
القسم الثالث: إذا ضاق ولم تتصل فهي صحيحة.
ولا نعلم فيه خلافاً.
الرابع: إذا اتصلت ولم يضق.
حكى ابن بشير وابن راشد فيها قولين، وعبر ابن بشير عما عبر عنه المصنف بالأصح بالمشهور.
وعلى هذا فقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) راجع إلى المسألة الثانية؛ لأن الخلاف إنما هو فيها.
وعلى هذا يكون خبر قوله (وصَلاةُ) محذوفاً؛ أي: وصلاة المقتدين في رحابه والطريق المتصلة به إذا ضاق وإن لم تتصل الصفوف صحيحة.
فأُخذ من هنا صورتان: الأولى: إذا ضاق واتصلت.
والثانية: إذا ضاق ولم تتصل.
وإنما أُخذتا من المبالغة بإن في قوله: (وإِنْ لَمْ تَتَّصِلِ)، ولو أسقط إن من قوله: (وإِنْ لَمْ تَتَّصِلِ) لكان أولى؛ لأن قوله: (وإِنْ لَمْ يَضِقْ) يقتضي دخول صورتين:

الأولى: إذا اتصلت مع الضيق.
والثانية: إذا اتصلت لا مع الضيق.
وقد بينا أن الأولى من هاتين الصورتين لا خلاف فيها، وأنها داخلة في كلام المصنف أولاً، فلم يبق إلا أن يريد الصورة الثانية وهي: إذا ما اتصلت ولم يضق.
وليس في كلامه تعرض لما إذا لم تتصل الصفوف ولم يضق؛ لأنه إنما تكلم إذا حصل أحد أمرين: إما الضيق، وإما الاتصال.
وعلى هذا فلا يؤخذ منه عدم الصحة باتفاق إذا لم يضق ولم تتصل كما قال ابن عبد السلام.
والرحاب فسرها بعضهم بصحن المسجد.
ابن راشد: ورأيت من يحكي عن سند أنها البناء من خارج، وهو عندي أنسب؛ لأنه صحن المسجد من المسجد.
انتهى.
وفِي سُطُوحِه، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمُؤّذِّنُ صَحَّتْ القول بالصحة مطلقاً لمالك، وأشهب، ومطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، قالوا: وإنما تكره ابتداء.
والقول بعدم الصحة لابن القاسم في المدونة: ويعيد أبداً.
ابن شاس: وهو المشهور.
والتفصيل لابن الماجشون أيضاً.
ابن يونس: وقال حمديس: إذا ضاق المسجد جازت الصلاة على ظهره.
وأَمَّا الدُّورُ] 91/أ [والْحَوَانِيتُ الْمَحْجُورَةُ بِالْمِلْكِ فَلا تَصِحُّ فِيهَا عَلَى الأَصَحِّ وإِنْ أَذِنُوا، فَإِنِ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ إِلَيْهَا فَقَوْلانِ ... إنما لم تصح بالدور لبعد شبهها بالمسجد لأجل الحجر.
والأصح مذهب المدونة، قال فيها: وإن أذن أهلها.
قال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: فإن فعل فعليه الإعادة وإن ذهب الوقت.
اللخمي: وقال ابن نافع: يكره أن يتعمد ذلك إذا لم تتصل الصفوف، وإن امتلأ المسجد والأفنية فذلك جائز.
انتهى.
وهذا القول هو مقابل الأصح، وأحد القولين في قوله: (فَإِنِ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ إِلَيْهَا فَقَوْلانِ).
وقوله: يكره إذا لم تتصل هو مقابل الأصح.
وقوله: (وإن امتلأ المسجد) جاز، وهو أحد القولين اللذين ذكرهما المصنف: إذا

اتصلت الصفوف.
وفي كلام المصنف نظر؛ لأن ظاهره أن القولين في الصحة، وظاهر كلام غيره أنهما في الجواز.
ففي الجواهر: وأما الدور والحوانيت المحجورة فلا تجوز صلاة الجمعة فيها وإن أذن أهلها.
وقال ابن مسلمة في المبسوط: وإنما قال مالك في هذه الدور التي لا تدخل إلا بإذن: لا يصلي فيها إذا كانت الصفوف غير متصلة إليها، وأما لو امتلأ المسجد ورحابه حتى تتصل إليها الصفوف فلا بأس، وتصير الدور بمنزلة حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إذا قلنا بالمنع على الإطلاق في هذه المواضع التي لا تدخل إلا بإذن، أو بالمنع بشرط ألا تتصل الصفوف على ما أشار إليه ابن مسلمة، فلو خالف المصلي وركب النهي، فهل تصح صلاته أم لا؟ ذكر ابن مزين عن ابن القاسم أنه يعيد أبداً كما تقدم.
وذكر اللخمي عن ابن نافع أنه قال: أكره تعمد ذلك، وأرجو أن تجزئه صلاته.
انتهى.
وفِي تَعَدُّدِهَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ ذَا نَهْرٍ أَوْ مَعْنَاهُ مِمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ جَازَ، وعَلَى الْمَنْع لَوْ أُقِيمَتْ جُمُعَتَانِ، فَالْجُمُعَةُ لِلْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ ... المشهور: المنع؛ رعاية لفعل الأولين، وطلباً لجمع الكلمة.
والجواز ليحيى بن عمر، والتفصيل لابن القصار، قال: إذا كانت المدينة ذات جانبين كبغداد، فيشبه على المذهب أن يجمعوا.
ورأى أنها تصير بذلك كالبلدين.
خليل: ولا أظنهم يختلفون في الجواز في مثل مصر وبغداد.
وقوله: (أَوْ مَعْنَاهُ) أي: مما يعد حائلاً كسور ونحوه.
وقوله: (فَالْجُمُعَةُ لِلْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ) قال علماؤنا: ولو سبق في الفعل ولو كان الإمام في الجديد.
وعَلَيْهِ لَوْ أُقِيمَتْ بِقَرْيَةٍ أُخْرَى اعْتُبِرَتْ ثَلاثَة أَمْيَالٍ، وقِيلَ: سِتَّةٌ.
وَقِيلَ: بَرِيدٌ أي: وعلى المنع.
وتصوره ظاهر.

والْخُطْبَةُ وَاجِبَةٌ خِلافاً لابْنِ الْمَاجِشُونِ شَرْطٌ عَلَى الأَصَحِّ أي: الأصح وجوب الخطبة.
ومقابله قول ابن الماجشون بالسنية.
هكذا نقله اللخمي وغيره.
قوله: (عَلَى الأَصَحِّ) راجع إلى قوله: (وَاجِبَةٌ)، ولا يعود إلى قوله: (شَرْطٌ) لأن من قال بالوجوب قال بالشرطية.
ولم أر في كلام أصحابنا قولاً بالوجوب دون الشرطية.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وأَقَلُّهُ مَا يُسَمَّى خُطْبَةً عِنْدَ الْعَرَبِ، وقِيلَ: أَقَلُّهَا حَمْدُ اللهِ عَزَ وجَلَّ والصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَحْذِيرٌ وتَبْشِيرٌ وقُرْآنٌ.
القول الثاني نسبه في الجواهر لابن العربي، وهو أخص من الأول؛ لأن الكلام الموصوف بالصفة المذكورة لا خطبة عند العرب، وليس كل ما يسمى خطبة عند العرب مشتملاً على ما ذكر.
قاله ابن عبد السلام.
ابن بزيزة: والمشهور هو قول ابن القاسم.
ونص ابن بشير على أنه لا خلاف في الصحة إذا فعل ما قاله في القول الثاني.
وروى عن مالك أنه إن سبح أو هلل أعاد ما لم يصلِّ، فإن صلى أجزأه.
المازري: وفي الثمانية عن مطرف: فإن تكلم بما قل أو كثر صحت جمعته.
وفِي وُجُوبِ الثَّانِيَةِ قَوْلانِ القول بوجوبها عزاه اللخمي لابن القاسم.
ابن الفاكهاني في شرح العمدة: وهو المشهور.
والثاني لمالك في الواضحة، وقال: من السنة أن يخطب خطبتين، فإن نسي الثانية أو تركها أجزأتهم.
وأنكر ابن بشير هذا الخلاف.
وقوله: لا يوجد في المذهب نص على اشتراط الخطبتين ليس بقوي.
والثانية كالأولى، إلا أنه يستحب أن يقرأ في الأولى، واستحبوا سورة كاملة من قصار المفصل.
وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ مرة ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾، ومرة ﴿وَالْعَصْرِ﴾.
وذكر ابن حبيب أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يدع أن

يقرأ في خطبته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾.
واستحب مالك أن يختم الثانية بأن يغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين.
وإن قال: اذكروا الله يذكركم أجزأ، والأول أصوب.
وفِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ قَوْلانِ] 91/ب [ثُمَّ فِي شَرْطِيَّتِهَا قَوْلانِ قال في المدونة: إذا أحدث الإمام في الخطبة فلا يتم بهم بقيتها، واستخلف من يتم بهم.
سند: أما النهي عن التمادي فيها مُحدثًا فمتفق عليه.
واختلف إذا تمادى فيها محدثاً، فقال عبد الوهاب: إذا خطب محدثاً كره له ذلك وأجزأته.
وقال مالك في المختصر: من خطب غير متوضئ ثم ذكر فتوضأ وصلى أجزأه.
وقاله ابن الجلاب.
سند وابن راشد: وهو المعروف.
ابن الفاكهاني: وهو المشهور.
وقد أساؤوا القول بالشرطية.
الأبهري: وهو قول سحنون في كتاب ابنه: لقوله إذا خطب جنباً أعاد الصلاة أبداً.
وقيده ابن أبي زيد فقال: يريد وهو ذاكر.
فإن قلت: كيف شهر عدم وجوب الطهارة، وظاهر ما حكيته عن المذهب خلافه؛ لأن أمره بالاستخلاف دليل على أنها لا تصح بلا طهارة؟ فالجواب أنه أمره بالاستخلاف لئلا تفوته الصلاة إذا لم يستخلف إلا بعد تمام الخطبة.
أشار إلى ذلك عياض، وغيره.
لكن رده عياض بأن هذا لا يلزم إذ لا يلزمه لو أحدث بعد تمامها الاستخلافُ، بل يتطهر ويصلي بهم إذ ليس مقدار طهارته مما يوجب إعادة الخطبة.
والقول بالوجوب لم أره معزواً، بل قال ابن هارون: من قال بالوجوب قال بالشرطية.
قال: وما ذكره المصنف من أنه اختلف على القول بالوجوب مما انفرد به المصنف.
وفِي وُجُوبِ الْجِلْسَتَيْنِ والْقِيَامِ لَهُمَا قَوْلانِ الأولى: وقت الأذان.
والثانية: بين الخطبتين، ومقدارها عند علمائنا قدر الجلوس بين السجدتين.
وقاله ابن القاسم.
(والْقِيَامِ) أي: للخطبتين.
قال القاضي أبو بكر: الجلستان

والقيام لهما واجبان.
وهو مقتضى القول، فحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام على الوجوب.
وقال المازري: الخطبة من شرطها القيام، والجلوس بين الخطبتين.
وأجازها أبو حنيفة جالساً.
وقدر عياض كلامه في القيام، وذكر أن المذهب وجوبه بلا اشتراط، ثم قال: اختلف في الجلوس، والذي عليه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وجمهور العلماء أنه سنة.
ثم قال: وقال الشافعي: هي فرض شرط.
الطحاوي: ولم يقل به أحد غيره.
انتهى باختصار.
قال عبد الوهاب: السنة أن يخطب قائماً، فإن خطب جالساً فقد أساء، ولا تبطل خطبته خلافاً للشافعي لنا أنه ذكر فلم يشترط فيه القيام كالأذان.
فظاهره أنه المذهب عنده.
وكذلك نص ابن حبيب وابن القصار على أن القيام سنة فقط.
وذكر ابن عبد البر في الجلوس الأول قولين: قولاً بالسنة.
وقولاً بالاستحباب.
ابن هارون: والمشهور أن الجلوس الأول ليس بشرط في صحة الخطبة؛ لأنه إنما كان للأذان.
وشهر الباجي سنية الثاني أيضاً.
وفِي حُضُور الْجَمَاعَةِ لَهَا قَوْلانِ.
وفِيهَا: ولا تُجْمَعُ إِلا بِالْجَمَاعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ أي: وفي وجوب حضور الجماعة للخطبة قولان.
ابن القصار: وليس لمالك في ذلك نص، وأصل مذهبه عندي أنها لا تصح إلا بحضور الجماعة.
وكذلك قال القاضي أبو محمد: هو الجاري على المذهب.
وهو اختيار ابن محرز.
عياض: وهو ظاهر المدونة.
وكذلك قال ابن العربي: الصحيح عندي أنها لا تجزئ إلا بحضور الجماعة؛ لأن الخطبة بغير جماعة لا معنى لها.
وأخذ الباجي ذلك من قوله في المدونة: لا تجمع إلا بالجماعة، والإمام يخطب.
ولذلك ساقه المصنف استشهاداً للوجوب، وعلى هذا فتكون الواو للحال، وهو الظاهر.
ورد المازري وابن بشير هذا الأخذ لإمكان أن يكون إنما أراد التعرض لعد الشروط على الجملة، لا سيما وهذا الكلام إنما

أورده في المدونة عقيب مسألة: الإمام الذي يخطب فيهرب الناس عنه ولا يبقى معه إلا الواحد أو الاثنان أنهم إن لم يرجعوا إليه ليصلي بهم الجمعة صلى ظهراً أربعاً.
قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بالجماعة والإمام يخطب.
وهذا يدل على أن الجماعة شرط في الصلاة لا في الخطبة.
ابن بشير: على أنا لا ننازعه أن اللفظ محتمل لما قال.
وهذه المسألة لم أجدها في التهذيب، وحملها بعضهم على معنى أن غير الإمام لا يخطب، وفيه تكلف.
والقول بعدم وجوب الحضور قال صاحب الإكمال: هو ظاهر قول جماعة من أصحابنا.
وأشار عياض إلى المنازعة في اللفظ الذي أورده الباجي فقال: والذي في كتب أشياخنا وسائر الأصول، وعليه اختصر المختصرون، إلا بالجماعات والإمام بالخطبة.
خليل: والذي رأيته في المنتقى إنما هو والإمام في الخطبة، فانظره.
ويَتَوَكَّأُ عَلَى عَصا أَوْ قَوْسٍ لما في أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قام متوكئاً على عصا أو قوس.
ورجح بعضهم العصا ليطمئن، ورأى بعضهم مع ذلك أو السيف.
وشرع التوكؤ لاطمئنان النفس.
وقيل: لمنع اليدين من العبث وإمساك اللحية وغير ذلك.
ومِنْ شَرْطِهَا أَلا يُصَلَّيَ غَيْرُهُ إِلا لِعُذْرٍ، فَإِنْ عَرَضَ بَيْنَهُمَا ويَزُولُ عَنْ قُرْبٍ فَفِي اسْتِخْلافِهِ] 92/أ [قَوْلانِ ... قوله: (ومِنْ شَرْطِهَا أَلا يُصَلَّيَ غَيْرُهُ) أي: غير الخاطب؛ لأنه خلاف فعله عليه الصلاة والسلام وفعل الخلفاء بعده وغيرهم إلى هلم جراً.
قوله: (إِلا لِعُذْرٍ) كما لو طرأ عليه مرض أو جنون، فإن عرض بينهما أي عذر بين الخطبة والصلاة، وكان يزول عن قرب فقولان: أظهرهما عدم الاستخلاف.
ابن هارون: والقولان في وجوب الانتظار له.
والوجوب لابن كنانة وابن أبي حازم.

فَلَوْ قُدِّمَ وَالٍ، وقَدْ شَرَعَ فَقِيلَ: يَبْتَدِئُهَا الْقَادِمُ أَوْ يَبْتَدِئُ الآنَ بِإذْنِهِ، وقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَا لَمْ يُصَلِّ رَكْعَةً.
وقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِخُطْبَةِ الأَوَّلِ، وقَدْ قُدِّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَفَعَلَ ذَلِكَ ... أي: إذا وجده في الخطبة أو في أثناء الصلاة، فقال مالك في المدونة: إن خطب الأول، ثم قدم وال سواه لم يصلِّ بهم بخطبة الأول، وليبتدئ هذا القادم الخطبة.
قال ابن القاسم في العتبية: فإذا أذن له في الصلاة فأرى أن يبتدئ خطبة ثانية.
وهذا هو القول الذي ابتدأ به المصنف.
قال سحنون: فإن صلى القادم بخطبة الأول أعادوا أبداً.
وقال ابن المواز: يبتدئها القادم كالقول الأول، إلا إذا أتم ركعة فإن الأول يتمها، ثم يعيدها القادم، ويعيد الخطبة.
وقال أشهب: له أن يصلي بخطبة الأول.
أي: وإن ابتدأ الخطبة فحسن.
وبه قال مطرف وابن الماجشون، وبنوا الخلاف في هذا على الخلاف في النسخ، هل هو من حين النزول أو البلاغ؟ وما حكاه المصنف عن أبي عبيدة فهو معنى ما حكاه ابن حبيب، وكذلك حكاه في البيان.
قال في البيان: ولا حجة فيه؛ لأنه إنما خطب خالد بإذن أبي عبيدة، وحينئذ يكون كالمستخلف.
انتهى.
وقال بعضهم: إنما جاءت الولاية لأبي عبيدة والصفوف مسوَّاة للقتال، فلم يظهر أبو عبيدة ذلك لئلا يقع- والحالة هذه- فشل مع كفاية خالد؛ لا أن ذلك في الجمعة.
فرع: فلو قدم الثاني بعد الصلاة وفي الوقت سعة قال اللخمي: لا خلاف في نفي الإعادة هنا.
وقاله ابن راشد.
وحكي في النكت عن بعض أشياخه أنهم يعيدون الجمعة؛ لأن وقتها قائم، بخلاف ما فات وقته من جمع صلاها.

ويَجِبُ الإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وإِنْ لَمْ تَسْمَعْ تصور كلامه ظاهر، ولا أعلم فيه خلافاً.
وهل يجب على من هو خارج المسجد؟ حكي في البيان عن مطرف وابن الماجشون أنه لا يجب الإنصات حتى يدخل المسجد.
قال: قيل: يجب عليه منذ يدخل رحاب المسجد التي تصلي فيها الجمعة.
المازري: وروى ابن المواز عن مالك أنه قال: ينصت من هو في المسجد، ومن هو خارج عنه.
والكلام عندنا يحرم بكلام الإمام لا قبل ذلك كما في الموطأ عن ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
قال في المدونة: وإذا قام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلا، واستقباله والإنصات إليه لا قبل ذلك.
ويجوز الكلام بعد فراغه من الخطبة وقبل الصلاة، ومن أقبل على الذكر شيئاً يسيراً في نفسه والإمام يخطب فلا بأس، وأحب إلى أن ينصت، ويستمع.
ثم قال: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، ولا يتكلم أحد في جلوس الإمام بين خطبتيه.
انتهى.
فرع: واختلف في الإمام إذا لغى فلمالك في المجموعة: إذا شتم الناس وألغى فعليهم الإنصات ولا يتكلمون.
أشهب: ولا يقطع ذلك خطبته.
ولمالك في العتبية، وابن حبيب: إذا خرج الإمام من خطبته إلى اللغو واشتغل بما لا يعني من قراءة كتاب فليس على الناس الإنصات إليه، والإقبال إليه.
ولا يُسَلِّمُ ولا يَرُدُّ ولا يُشَمِّتُ أي: الداخل والإمام يخطب لا يسلم، وإن سلم لم يرد عليه.
قاله مالك في المدونة.
ومن عطس والإمام يخطب حمد الله تعالى سراً في نفسه، ولا يشمته غيره.
ونقل ابن هارون عن مالك جواز رد السلام بالإشارة على المسلم في حال الخطبة، كالمسلم على

المصلي، ولم أر ما ذكره في كتب الأصحاب.
قال مالك في العتبية: ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور على الناس يسقيهم حينئذ.
فرع: وأما الإمام فيسلم إذا خرج على الناس اتفاقاً.
والمشهور: لا يسلم إذا رقى المنبر.
ابن يونس: لأنه لم يرد ذلك في شيء من الروايات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن حبيب: إذا دخل فرقى المنبر سلم عن يمينه وشماله ركع أو لم يركع، وإن كان مع الناس فلا يسلم إذا جلس للخطبة.
هكذا نقله الباجي.
ولا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ عَلَى الأَصَحِّ أي: لا يبتدئ الداخل التحية بعد خروج الإمام على الأصح، وأما لو ابتدأها قبل خروجه لم يقطعها وخففها.
قال المازري: قال مالك في المجموعة: وإن دخل الإمام وقد بقي على الرجل آية في آخر ركعة فواسع أن يتمها.
وعنه في العتبية: وإن كان في تشهد النافلة فليسلم ولا يتربص يدعو لقيام الإمام.] 92/ب [وقال ابن حبيب: لا بأس أن يطيل في دعائه ما أحب.
وقال في مختصر ابن شعبان: إذا جلس الإمام على المنبر بعد أن دخل في النافلة فليتم ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بأم القرآن وحدها، ومن خرج عليه الإمام وهو قائم في آخر ركعة من نافلة فواسع أن يتم ذلك، وإن كان يتشهد فليسلم، ولا يمكث حتى يفرغ من دعائه.
انتهى.
ومقابل الأصح للسيوري أن الركوع أولى، وهو مذهب الشافعي، لحديث سليك الغطفاني وفيه: أنه أمره صلى الله عليه وسلم بالركوع لما دخل وهو يخطب ورواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم أنه قال له عليه السلام لما جلس: "إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين خفيفتين، ثم ليجلس".
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" معناه: فقد أثمت.
واللغو: الإثم، نص عليه جماعة من أهل المذهب.
وإذا

كان يأثم بمجرد قوله: أنصت.
وهو أمر بمعروف لاشتغاله عن سماع الخطبة فالصلاة أولى.
وما خرجه أبو داود والنسائي: أن رجلاً تخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: "اجلس فقد آذيت" فأمره صلى الله عليه وسلم بالجلوس دون الركوع.
قال ابن العربي: وحديثنا أولى؛ لاتصاله بعمل أهل المدينة.
وتأول حديثهم على أن سليكاً كان مملوكا ودخل ليطلب شيئاً، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي ليتفطن له، فيتصدق عليه.
ومن جهة القياس أن الإسماع واجب، والتحية ليست بواجبة، فالاشتغال بالواجب أولى.
فرع: إذا ثبت أن الداخل والإمام جالس لا يركع، فأحرم جاهلاً أو غافلاً، فإنه يتمادى ولا يقطع على قول سحنون.
ورواية ابن وهب عن مالك: وإن لم يفرغ حتى قام إلى الخطبة.
وقال ابن شعبان في كتابه: يقطع.
وكذلك لو دخل المسجد والإمام يخطب وأحرم لتادى على الأول دون الثاني.
قال في البيان: إذ لا فرق بين أن يحرم والإمام يخطب، أو هو جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون؛ لقول ابن شهاب: وذلك لا يكون من قائله رأياً.
قال: وهذا عندي في الذي يدخل المسجد تلك الساعة فيحرم، وأما من أحرم تلك الساعة من كان جالساً في المسجد لوجب أن يقطع قولاً واحداً، إذ لم يقل أحد بجواز التنفل له بخلاف الداخل، فإن بعض العلماء أجاز له التنفل لحديث سليك.
والتَّعَوُّذُ، والصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
والتَّامِينُ عِنْدَ أَسْبَابِهَا جَائِزٌ، وفِي الْجَهْرِيَّة قَوْلانِ ... إنما جازت هذه الأشياء؛ لأنها كالمجاوبة للخطيب، ألا ترى أنه لو كلم الخطيب أحداً لأجابه، ولم يعد لاغياً.
نص عليه ابن القاسم.
وقوله: (عِنْدَ أَسْبَابِهَا جَائِزٌ) أي: يتعوذ عند ذكر النار، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ويؤمن إذا دعى.

ونقل الباجي الاتفاق على إجازة ذلك، قال: وإنما اختلفوا في صفة النطق به هل يؤمن سراً أو جهراً.
وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف.
والقول بإسرار ذلك لمالك، وصححه بعضهم.
والقول بإجازة الجهر لابن حبيب، قال: ويجهر به جهراً ليس بالعالي.
اللخمي: وسئل مالك عن التفات الرجل يوم الجمعة والإمام يخطب، فقال: لا بأس به.
ولم ير على من كان في الصف الأول أن يستقبل الإمام.
وَيحْرُمُ الاِشْتِغَالُ عَنِ السَّعْيِ عِنْدَ أَذَانِ جُلُوسِ الْخُطْبَةِ وهُوَ الْمَعْهُودُ.
قِيلَ: مَرَّةً وَقِيلَ: مَرَّتََيْنِ.
وَقيل ثَلَاثاً.
فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وكَثُرُوا أََمَرَ بِِأَذَانٍ قَبْلَهُ عَلَى الزَّوْرَاء ثُمَّ نَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَجعَلَ الأَخِيرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَرَّةً ... قد تقدم ما يتعلق بوجوب السعي عند الأذان، وذكرنا الاختلاف هل يجب بالأذان أو بالزوال، وذكرنا أن ذلك خاص بالقريب، وأما البعيد فيجب عليه أن يسعى بقدر ما يلحق ذلك.
وقوله: (الاِشْتِغَالُ) أي: بالبيع وغيره.
فإن باع ففي فسخه خلاف.
سيأتي ذلك في البيوع إن شاء الله تعالى.
قال ابن بشير: قال الأشياخ: ومما ينخرط في سلك البيع الشرب من السقاء بعد النداء إذا كان بثمن، وإن لم يدفع إليه الثمن في الحال.
قال: وهذا الذي قالوه ظاهر ما لم تدعُ إلى الشرب ضرورة.
فرع: قال في النكت: وإذا انتقض وضوء الرجل يوم الجمعة وقت النداء عند منع البيع فلم يجد ما يتوضأ به إلا بثمن، فحكى ابن أبي زيد أنه يجوز شراؤه ليتوضأ به، ولا يفسخ شراؤه.
انتهى.
ونقله ابن يونس أيضاً.
وقوله: (وهُوَ الْمَعْهُودُ) أي: في زمانه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في زمانه صلى الله عليه وسلم يؤذن على المنار وبين يديه كما يفعل اليوم.
واختلف النقل، هل كان يؤذن بين يديه عليه السلام، أو على المنار؟ والذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار.
نقله ابن القاسم عن مالك في المجموعة، ونقله في النوادر، وذكر في

هذه الرواية أن المؤذن] 93/أ [واحد.
ونقل في النوادر عن ابن حبيب أنه كان المؤذنون ثلاثة، يؤذن واحد بعد واحد.
نقله ابن يونس وابن شاس، وكذلك نقل صاحب المعونة، وكذلك نقل ابن عبد البر في كافيه، ولفظه: قال مالك: الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم.
وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة.
وكذلك نقل صاحب تهذيب الطالب، والمازري.
وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف؛ لقوله: (وَجعَلَ الأَخيرَ بَيْنَ يَدَيْهِ).
ففي الاستذكار أن هذا اشتبه على قول بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام، كان في زمانه عليه السلام، وأبي بكر، وعمر، وأن ذلك حدث في زمان هشام.
قال: وهو قول من قل علمه.
ثم حكي حديث السائب الذي سيأتي.
قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة، وأبي بكر، وعمر.
انتهى.
ابن عبد السلام: إن الصحيح أنه كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: وهو الذي ركن إليه بعض أهل المذهب.
قوله: (قيل: مَرَّةً ... إلخ) أي أنه اختلف في الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: كان مؤذن واحد.
وقيل: اثنان.
وقيل: ثلاثة.
وفي البخاري، والترمذي، وصححه عن السائب بن يزيد: كان النداء أولاً يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهده صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلما تولى عثمان زاد الأذان الثالث، فأذن له على الزوراء فثبت الأمر على ذلك.
فقوله: الثالث؛ يقتضي أنهم كانوا ثلاثة.
وفي طريق آخر الثاني بدل الثالث، وهو يقتضي أنهما اثنان.
زاد البخاري: ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد.
والعمل الآن ببلاد المغرب على الثلاثة.
والزوراء هو: مكان على السوق، وأمر عثمان بالأذان هناك ليأتي الناس من السوق.
وما حكاه المصنف عن هشام لا يعترض عليه بأن سكنى هشام إنما كان بالشام؛ لجواز أن يكون أخره أو قدم المدينة وفعل ذلك.
قوله: (ثُمَّ نَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي: نقل الذي كان على الزوراء إلى المسجد.

فرع: قال ابن حبيب: وينبغي للإمام أن يوكل وقت النداء من ينهي الناس عن البيع والشراء حينئذ، وأن يقيمهم من الأسواق من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه للذريعة.
وَتسْقُطُ بِمَرَضٍ أَوْ تَمْرِيضٍ قَرِيبٍ أَوْ لِكَوْنِهِ مُشْرِفاً أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ أََوْ لِجِنَازَةِ أَخٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولِغُسْلِ مَيِّتٍ عِنْدَهُ، فَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ .... قوله: (بِمَرَضٍ) أي: يتعذر معه الإتيان، أو لا يقدر إلا بمشقة شديدة.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: وإن قدر على مركوب بما لا يحجب به فينبغي أن يلزمه كالحج.
قوله: (أَوْ تَمْرِيضٍ قَرِيبٍ) قيد المصنف التمريض بالقريب كابن شاس، قال: وفي معناه الزوجة والمملوك.
ونحوه لابن بشير.
والذي حكاه الباجي بغير تقييد، ولفظه: قال مالك، أو مريض يخاف عليه الموت.
وهو ظاهر، إذا لم يكن له أحد وتكفل به، وقد صرح اللخمي بذلك.
قوله: (أَوْ لِكَوْنِهِ مُشْرِفاً) أي: على الموت.
والضمير في (كَوْنِهِ) عائد على القريب، وهذا ليس لأجل التمريض بل لما علم مما يوهم القرابة من شدة المصيبة.
على أن كلامه في العتبية يقتضي أن هذا الحكم لا يختص بالقرابة؛ لأنه لما سئل مالك عن الرجل يكون معه صاحبه فيمرض مرضاً شديداً، أيدع الجمعة؟ قال: لا، إلا أن يكون على الموت.
وقوله: (أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ) ابن عبد السلام: أي عن القريب.
وقال شيخنا: بل عن المكلف كخوف ظالم يؤذيه في ماله أو نفسه، وهو أولى ويلزم.
ابن عبد السلام: التكرار لأن ما ذكره داخل في التمريض.
قوله: (أََوْ لِجِنَازَةِ أٍَخ) لا يريد من القرابة فقط، بل وأخوة الصداقة.
ففي العتبية قال مالك في الرجل يهلك يوم الجمعة، فيختلف عليه الرجل من إخوانه: ينظر فيه أمره مما يكون من شأن الميت.
قال مالك: لا أرى بذلك بأساً أن يتخلف في أموره، ورآه سهلاً.
قال في البيان والمقدمات: ومعناه: إذا لم يكن له ما يكفيه أمره، وخاف عليه التغيير.

انتهى.
ونص سحنون على أنه يحضر الجمعة إذا لم يخف تغيراً، وهل يسقط الدين حضور الجمعة؟ فلمالك في العتبية: لا أحب أن يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءه.
قال في البيان: معناه عندي: إذا خشي إن ظفروا به أن يبيعوا عليه ماله بالغاً ما بلغ وينتصفوا منه، ولا يؤذوه، وهو يريد بتغييبه أن يتسع في ماله إلى القدر الذي يجوز تأخيره إليه عند بعض العلماء.
وأما إن خشي من أن يسجنه غرماؤه وهو عديم.
فقال سحنون: لا عذر له في التخلف.
وفيه نظر، وقد تعقبه بعض الشيوخ.
وأما إن خشي أن يتعدي عليه الحاكم فيسجنه في غير موضع سجن، أو يضربه، أو يخشى بأن يقتل فله أن يصلي في بيته ظهراً أربعاً ولا يخرج.
فرع: قال ابن وهب في المبسوط: الذي يأكل الثوم يوم الجمعة- وهو ممن تجب عليه الجمعة- لا أرى أن يشهد] 93/ب [الجمعة في المسجد، ولا في رحابه.
نقله الباجي.
وقوله: (فَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ) أي: فإن حضرها من ذكر سقوطها عنهم وجبت عليهم؛ لأن هذه الأوصاف كانت مانعة من الحضور، فإذا حصل الحضور لم يبق مانع، ولا تسقط عن العروس على المشهور، على أن عبد الحق تأول الشاذ، ورأى أنه إنما هو في صلاة الجماعة لا الجمعة، وأنها متفق على وجوبها عليه.
وفي الأعمى الذي لا يجد قائداً قولان، أما الواجد فتلزمه اتفاقاً.
وفي سقوطها بالمطر الشديد روايتان.
قال في المقدمات: وعندي أن ذلك ليس باختلاف قول، وإنما هو على قدر حال المطر.
انتهى.
واختلف في الأجذم، فقال سحنون: تسقط.
وقال ابن حبيب: لا تسقط.
والتحقيق: الفرق بين ما تضر رائحته فتسقط وبين ما لا تضر فلا تسقط.
واختلف في الخوف على المال.
النظر: التفرقة بين ما يجحف وغيره.

وَالسَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ لا يُسْقِطُ، وفِي جَوَازِهِ وكَرَاهَتِهِ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَهُ قَوْلاَنِ حاصله أن السفر على ثلاثة أقسام: يحرم، ولا تسقط الجمعة به، وذلك بعد الزوال لمخاطبته بها، وهذا هو المعروف.
وحكى اللخمي قولاً بالكراهة فقط، وأنكره عليه ابن بشير.
وانظر على الأول من كان في بلاد الفتن، وحصلت له رفقة في ذلك الوقت، ولا يمكنه السفر دونهم، وانتظار أخرى لا يدري متى يمرون به مما يشق.
خليل: والظاهر الإباحة.
ومباح وهو السفر قبل الفجر، ولا خلاف في إباحته، وتختلف فيه بالإباحة والكراهة، وهو ما بين الفجر وبين الزوال، فقيل يباح لعدم الخطاب، وقيل يكره إذ لا ضرورة في تحصيل هذا الخير العظيم.
والإباحة لمالك في الواضحة، والكراهة رواية ابن القاسم، وابن وهب، وهو ظاهر المدونة، واختيار ابن الجلاب، وجماعة من أصحابنا، وروى عن ابن عمر.
وَيلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِذَا أَدْرَكَهُ النِّدَاءُ قَبْلَ انْقِضَاءِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أي: إذا فرعنا على الجواز والكراهة.
وما ذكره قال الباجي: هو ظاهر المذهب.
ابن بشير: وفيه نظر.
لأنه قد رفض الإقامة وحصل له حكم السفر نية وفعلاً.
انتهى.
وينبغي أن يقيد الرجوع بأن يدرك ركعة منها فأكثر، وإلا مضى لعدم الفائدة حينئذ في رجوعه.
والْمُسَافِرُ يَقْدَمُ مُقِيماً كَالْحَاضِرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى الظُّهْرَ فَثَالِثُهَا لِسَحْنُونٍ: إِنْ صَلاهَا وَقدْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَأَقَلُّ لََزِِمَتْهُ ... قوله: (يَقْدَمُ مُقِيماً) أي: يدخل وطنه أو غيره ناوياً إقامة أربعة أيام كالحاضر، فتلزمه الجمعة.
وإن كان قد صلى الظهر، فثلاثة أقوال: تلزمه لتبين استعجاله؛ وهو قول مالك في الموازية.
الثاني: لا تلزمه؛ لأنه فعل ما خوطب به ويؤمر أن يأتي الجمعة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وعزاه في البيان لابن نافع.
والثالث لسحنون، وهو ظاهر المناسبة.

الباجي: وقال أشهب: إن كان قد صلى الظهر في جماعة فالأولى فرضه، وينبغي له أن لا يأتي الجمعة، وإن كان قد صلى الأولى فذاً فله أن يعيدها جماعة، ثم الله أعلم بصلاته.
انتهى.
واعلم أنه إذا علم أنه يدرك الجمعة ببلده فإنه يؤخر الصلاة اتفاقاً، وإنما هذا الخلاف إذا عجل، والله أعلم.
وغَيْرُ الْمَعْذُورِ إِنْ صَلَّى الظُّهْرَ مُدْرِكاً لِرَكْعَةٍ لَمْ تُجْزِهِ عَلَى الأَصَحِّ لم تجزه الظهر؛ لأن الواجب عليه الجمعة ولم يأت بها.
والأصح لابن القاسم وأشهب.
وقال عبد الملك: زاد أشهب: وسواء صلاها وهو مجمع على ألا يصلي الجمعة أم لا.
ومقابله لابن نافع، قال: وكيف يعيد أربعاً، وقد صلى أربعاً.
ولأنه قد أتى بالأصل، وهو الظاهر.
ومفهوم كلام المصنف أنه لو صلى الظهر وكان لا يدرك منها ركعة لم يعدها، وهو كذلك.
قال أشهب: وسواء صلاها والإمام فيها، أو قبل أن يحرم.
ولِلْمَعْذُورِ غَيْرِ الرَّاجِي التَّعْجِيلُ، فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ وَجَبَتْ عَلَى الأَصَحِّ، وَمِثلهُ الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ وَقدْ صَلَّى الظُّهْرَ .... أي: ولمن لم يرج زوال عذره قبل صلاة الناس الجمعة تعجيل الظهر كالمريض والمحبوس والآيس من الماء.
ومفهوم كلامه أن الراجي ليس له ذلك، فإن كان على الاستحباب فهو المنصوص، وإن كان على الوجوب فهو خلاف المنصوص.
ابن هارون: ويمكن إجراؤه على الخلاف في راجي الماء يجب عليه التأخير أو يستحب؟ وأشار إليه ابن عبد السلام.
وقوله: (فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ) يعني: كالعبد يصلي أول الوقت والمريض، ثم يعتق العبد ويصح المريض قبل صلاة الجمعة، وجبت على الأصح لإسفار العاقبة أنه من أهلها.
ورأى مقابله أنه أدى ما عليه.
(وَمِثلهُ الصَّبِيُّ) أي: في الخلاف.
ولا ينبغي أن يختلف في وجوبها في حقه؛ لأن ما أوقعه أولاً نفل، فإذا بلغخوطب ولم يقع منه أداء الواجب بخلاف غيره، فإن أوقع واجباً.

وَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ جمَاعَةً إِلا أَصْحَابُ الْعُذْرِ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قيل: لا يجوز الجمع مطلقاً.
وروى عن ابن القاسم؛ لأنه قال: لا يجوز للمرضى والمحبوسين.
قال في البيان:] 94/أ [وهو غير معروف من قوله، وإن جمعوه على هذه الرواية فلا إعادة عليهم.
والجواز مطلقاً لابن كنانة، ورواه أشهب عن مالك.
والثالث وهو المشهور: إن حصل العذر جمعوا وإلا فلا؛ لئلا يتخلف أهل البدع ثم يجمعون.
واختلف إذا جمع من لا عذر له، أو له عذر غير غالب، هل يعيدون أم لا؟ والأظهر عدم الإعادة.
قاله في البيان.
وَيُسْتَحبُّ الْغُسْلُ مُتَّصِلاً بِالرَّوَاحِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَغيْرُ مَوْصُولٍ.
ولا يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِخِلافِ الْعِيدَيْنِ .... المشهور أنه سنة.
وقيل: مستحب.
وحكى اللخمي ثالثاً بالوجوب.
ورده ابن بشير بأنه ليس في المذهب، قال: وإنما عول اللخمي على إطلاقات وقعت.
وفي كلام المصنف نظر؛ لأنه إن كان الاستحباب راجعاً إلى نفس الغسل فهو خلاف المشهور، وإن كان راجعاً إلى وصله فكذلك؛ لأنهم نصوا على أن من فرق بين الغسل والمضي تفريقاً كثيراً كالغداء أنه بمنزلة من لم يغتسل.
ابن يونس: ولعل قول ابن وهب بالإجزاء إذا اغتسل في الفجر محمول على أنه راح حينئذ.
وقد اختلف هل يجزئه غسله وإن راح حينئذ أو لا يجزئه ويعيده.
انتهى.
الباجي: ويلزم الغسل من تلزمه الجمعة، وكذلك من لا تجب عليه من مسافر، أو عبد، أو امرأة إذا نوى الجمعة.
هذا هو المشهور.
وفي المختصر عن مالك في ذلك تفصيل؛ لأنه قال: إنما يلزم الغسل من يأتيها لفض الجمعة كالمرأة والعبد والمقيم وكذلك المسافر يأتيها للفضل، فإن لم يأتها المسافر للفضل وإنما شهدها للصلاة أو لغير ذلك فلا غسل عليه، والأول أبين.

ويَتَجَمَّلُ بِالثِّيَابِ والطِّيِبِ لما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته".
وفي حديث آخر: "من كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه".
ابن حبيب: ويستحب له أن يتفقد فطرة جسده من قص شاربه، وأظفاره، ونتف إبطه، وسواكه، واستحداده إن احتيج إليه.
الباجي: لأن ذلك كله من التجمل المشروع.
وَيسْتَحَبُّ فِي الأُولَى الْجُمُعَةِ وَفِي الثََّانِيَةِ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ أَوْ سَبِّحْ أَوِ المُنَافِقُونَ .... ولم يتردد مالك في استحباب الجمعة في الأولى لمواظبته عليه الصلاة والسلام عليها في الغالب.
وفي الصحيح أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قرأ بسبح، وهل أتاك حديث الغاشية.
وقيل لمالك: أقراءة سورة الجمعة سة؟ قال: لا أدري ما سنة، لكن من أدركنا كان يقرأ بها، وكذلك من فاتته الأولى يقرأ بها.
وظاهر قوله: (هَلْ أَتََاكَ، أَوْ سَبِّحْ) للتخيير.
وكذلك قال من يوثق به في النقل كابن عبد البر وغيره.
ولفظ ابن عبد البر في كافيه: ويقرأ في الثانية بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، أو إذا جاءك المنافقون كل ذلك مستحب حسن.
انتهى.
وقال الباجي: لا خلاف أن الركعة الثانية لا تختص بسبح ولا بهل أتاك.
قال: ولا تختص عندنا بالمنافقين خلافاً للشافعي.
قال المازري: قال مالك في المجموعة: كان من أدركنا يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالأعلى- وفي رواية أشهب بالغاشية- وذلك أحب إليهم، وهم يقرؤون اليوم بالتي تلي سورة الجمعة.
وفي مختصر ابن شعبان: رأيت الأئمة عندنا يقرؤون بسبح مع سورة الجمعة.
وقال أبو مصعب عنه: يقرأ بها.
فهذه ثلاث روايات يشير بها إلى سورة معينة في الثانية.
والذي حكي بعض أصحابنا أنها تختص بإحدى السورتين المشار إليهما بسبح والغاشية، ولا بغيرهما من السور.
انتهى.

وَأوَّلُ وَقْتِهَا كَالظُّهْرِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا آخِرُهُ الْمُخْتَارُ.
وَقِيلَ: مَا لَمْ تَصْفَرَّ.
وَقِيلَ: الضَّرُورِيُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وقِيلَ: مَا لَمْ تَغْرُبْ، وَذَلِكَ بَعْدَ قَدْرِ الْخُطْبَةِ ... نبه بقوله: (وَأوَّلُ وَقْتِهَا كَالظُّهْرِ) على خلاف أحمد في إجازتها قبل الزوال.
ولا يجوز عندنا أن يخطب قبل الزوال ويصلي بعده، وإن فعل فهو كمن لم يصل.
ونقل بعض من صنف في الخلاف عن مالك إجازة ذلك، ووهمه المازري.
وما صدر به المصنف من أن آخر وقتها آخر وقت الظهر المختار معزو في البيان والتنبيهات للأبهري.
وكذلك ذكر صاحب الإشراف عنه أنه قال: إن صلى ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر أتمها جمعة، وإن صلى دون ذلك بنى وأتمها ظهراً.
ونقل عنه قولاً ثانياً أنه يصليها ما لم يخرج وقت الظهر الضروري، فيبقى قدر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، فإن بقي من النهار قدر ما يخطب فيه ثم يصلي ركعتين ثم تبقى أربع ركعات للعصر أقيمت الجمعة.
وحكى ابن شاس عنه: يراعي ثلاث ركعات قبل الغروب،] 94/ب [ركعتان للجمعة وركعة يدرك بها العصر.
قال بعض المتقدمين: يريد بعد قدر الخطبة.
والقول بأن وقتها ما لم تصفر لأصبغ، ولا وجه له، وقد أنكره سحنون.
وقوله: (عَلَى الْقَوْلَيْنِ) ابن عبد السلام: أي: هل يختص العصر بقدرها من آخر الوقت فيشترط في إدراك الجمعة بقاء ست ركعات، أو لا يختص؟ فيدرك بإبقاء ثلاث ركعات.
وفيه بعد؛ لأن المصنف لم يقدم في الاختصاص قولين صريحين، لكنه هو الموافق لكلام اللخمي؛ فإنه قال: وقال سحنون: يصلي الجمعة ما لم يبق للغروب بعد الجمعة إلا أربع ركعات للعصر.
وقال ابن القاسم في المدونة: يصليها ما لم تغرب الشمس إذا أدرك من العصر ركعة قبل الغروب.
انتهى.
خليل: وانظر قوله في المدونة، فإنه إنما يأتي على أن العصر لا تختص من آخر الوقت بمقدار فعلها، والمعروف من المذهب خلافه.
وقال ابن راشد: يعني القولين المتقدمين في

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل