واستغنى المصنف عن ذكر الصورتين اللتين شبهه بهما عبد الحق بقوله: (كَالرَّافِعِ قَبْلَ إِمَامِهِ غَلَطاً)؛ لأن قوله: (الرَّافِعِ قَبْلَ إِمَامِهِ غَلَطاً) يشملهما.
واعلم أن في التشبيه بالصورة الأولى نظر؛ لأنهم في مسألة الاستخلاف اقتدوا بمن عزل عن الإمامة، وذلك أشد ممن رفع قبل الإمام غلطاً.
ولا يقال في التشبيه بالصورة الثانية أيضاً نظر، فإن المنصوص فيمن صلى برجل يظنه منفرداً فتبين أنه مؤتم أن صلاته فاسدة، لأنَّا نقول إنما فسدت فيمن اقتدى برجل ثم تبين له أنه مأموم؛ لكونه دخل الصلاة بنية فاسدة، لكونه نوى الاقتداء بمن لا يصح الاقتداء به، بخلاف من رفع برفع بعض المأمومين، يظن هذا الرافع أنه الإمام، فإن نيته التي دخل بها الصلاة صحيحة، وإنما رفعوا قبل إمامهم غلطاً كما قررناه.
ومقابل الأصح ليس بمنصوص، وإنما خرجه ابن بشير على القول بأن الحركة إلى الأركان مقصودة، والله أعلم.
فَإِنْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ صَحَّتْ عَلَى الْمَنْصُوصِ
يعني: فإن تقدم غير من استخلفه [79/ب] الإمام صحت صلاتهم على المنصوص؛ وهذا رواه ابن سحنون عن أبيه.
قال الباجي: ووجهه أن المستخلف لا يكون إماماً إلا بعد أخذه في الإمامة.
ومقابل المنصوص حكاه صاحب النكت عن بعض شيوخه أن بنفس الاستخلاف يصير المستخلف إماماً، وإن لم يعمل بهم عملاً حتى لو أحدث عامداً لأبطل عليهم.
قال: وليس كالذي يستخلف سكراناً، أو مجنوناً هذا لا يبطل عليهم حتى يعمل عملاً يتبعونه فيه؛ لأن هذا ليس ممن يؤتم به، فلا يضرهم استخلافه حتى يعمل عملاً يُأتم به.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفِ اسْتَخْلَفُوا أَوْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ فَإِنْ أَتَمُّوا وُحْدَاناً، فَإِنْ كَانَتْ جُمُعَةً بَطَلَتْ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ بَعْدَ عَقْدِ رَكْعَةٍ.
وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ جُمُعَةٍ صَحَّتَا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَمَّ بَعْضُهُمْ وُحْدَاناً.
وَاسْتَقْرَأَ الْبَاجِيُّ وَالَّخْمِيُّ بُطْلانَهَا مِنَ الْمُؤْتَمِّ يَنْفَرِدُ ...........
أي: وإن لم يستخلف الإمام أحداً قدموا رجلاً وصحت.
وكذلك إن لم يقدموا، ولكن تقدم أحدهم وائتموا به فإن قدمت طائفة رجلاً وقدمت أخرى آخر، فإن كان في غير الجمعة أجزأتهم صلاتهم.
قاله سحنون في العتبية.
قال أشهب: وقد أساءت الطائفة الثانية، بمنزلة جماعة وجدوا جماعة يصلون في المسجد بإمام، فقدموا رجلاً منهم وصلوا.
قال الباجي: قالوا ولو قدموا رجلاً منهم إلا واحداً منهم صلى فذاً أساء وتجزئه صلاته، بمنزلة رجل وجد جماعة تصلى بإمام فصلى وحده فذاً.
انتهى.
وهذا معنى قول المصنف: (وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَمَّ بَعْضُهُمْ وُحْدَاناً)، وإن أتموا وحداناً فإن كانت الجمعة لم تصحَّ على المنصوص؛ لأن من شرطها الإمام والجماعة، وقد فُقِدَا.
وروي في القول الثاني أن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة وقياساً على المسبوق، والفرق للمشهور أن المسبوق يقضي ركعة تقدمت بشرطها بخلاف هذا.
وإن كانت غير جمعة فقال ابن القاسم: صلاتهم مجزئة.
وقال ابن عبد الحكم: كل من ابتدأ الصلاة منفرداً فأتمها بإمام أعاد، وكل من ابتدأها بإمام فأتمها منفرداً أعاد.
وأخذ الباجي واللخمي من هذا يعيدون.
وفيه نظر لاحتمال أن يحمل كلام ابن عبد الحكم على ما إذا كان الإمام باقياً على الإمامة.
ويكون مراد ابن عبد الحكم بهذا الكلام التنبيه على خلاف الشافعية في قولهم أن للمأمومِ الخروجَ عن الاقتداء، وإلى هذا أشار ابن بشير.
فرع:
فلو أن الإمام حين خرج أشار إليهم أن امكثوا، هل يمتنع عليهم أن يقدموا أحداً؟ قال ابن عطاء الله: ظاهر المذهب أنهم يقدمون.
وفي الاستذكار عن ابن نافع قال: إذا
انصرف الإمام ولم يقدم وأشار إليهم أن امكثوا كان حقاً عليهم ألا يقدموا أحداً حتى يرجع فيتم بهم.
وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ إِدْرَاكُ جُزْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ قَبْلَ الْعُذْرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَهُ الرُّكُوع بَطَلَتْ صَلاتُهُمْ؛ لأَنَّهُمْ كَمُتَنَفَّلٍ بِمُفْتَرِضٍ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ لِوُجُوبِهِ بِدُخُولِهِ
مراده بالجزء المعتد به أن يكون أدركه في الركوع فما قبل، وأما إن لم يدركه إلا بعد الرفع من الركوع فلا يصح استخلافه؛ لأن ما يفعله إنما هو موافقة للإمام وليس بواجب عليه في الأصل.
فلو أجيز الاستخلاف في هذه الصورة لزم ائتمام المفترض بشبه المتنفل.
ابن المواز: وقيل تجزئهم؛ لأنه إنما يأتي بذلك نيابة عن الإمام، وهو فرض عليه بدخوله فيه؛ وهذا معنى قوله: (لِوُجُوبِهِ بِدُخُولِهِ).
ولقائل أن يقول: وإن وجب بدخوله فلا يجزئ؛ لأن جهة الفرضية مختلفة كالظهر مع العصر.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعُذْرِ فَكَأَجْنَبِيِّ
يعني: فإن لم يدرك المستخلَف شيئاً، وإنما أحرم بعد حصول العذر فلا يصح استخلافه اتفاقاً، وتبطل صلاة من ائتم به بمنزلة قوم أحموا قبل إمامهم.
قاله ابن القاسم في المدونة.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن استخلف من لم يدرك الركعة فليُقدِّم المقدَّم مَن أدركها ويتأخر هو.
وَأَمَّا صَلاتُهُ فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَوْ بَنَى فِي الأُولَى وَالثَّالِثَةِ صَحَّتْ، وَقِيلَ: إِنْ بَنَى فِي الثَّالِثَةِ بَطَلَتْ .....
يعني: وأما صلاة المحرم بعد العذر، فإن صلى لنفسه فلا إشكال في الصحة، وإن بني على صلاة الإمام فإن كان في أول ركعة فكذلك، وإن كان في ثالثة فأشار ابن عبدوس إلى أنها تجري على القولين في ترك قراءة السورة متعمداً، ولما كان المشهور الصحة قدمها.
والبطلان لابن حبيب، قال: إن قدمه أول ركعة صحت، وإن قدمه بعد ركعة فأكثر وعمل على صلاة الإمام بطلت.
المازري: وتفسد إن استخلفه على ركعة أو ثلاث لجلوسه في غير موضع الجلوس.
وَيَقْرَأُ الْمُسْتَخْلَفُ مِنْ حَيْثُ قَطَعَ، وَيَبْتَدِئُ فِي السِّرِّيِّةِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ
كذلك قال في العتبية والسلمانية.
وَيَسْتَخْلِفُ الْمُسَافِرُ مِثْلَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ أَوْ جَهِلَ فَلْيُسَلِّمِ الْمُسَافِرُونَ إِذَا أَتَمُّوا، وَقِيلَ: يَسْتَخْلِفُونَ مُسَلِّماً [80/أ] مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: يَنْتَظِرُونَهُ، وَيُتِمُّ الْمُقِيمُونَ أَفْذَاَذاً.
وَقِيلَ: بَعْدَ سَلامِهِ ...
يعني: إذا كان خلف الإمام مقيمون ومسافرون، فالأولى للإمام المسافر أن يستخلف هو مسافراً مثله؛ لأنه يصير إماماً، وإمامة المسافر للمسافر أحسن من إمامة الحضري للمسافر؛ لما يلزم عليه من تغيير السنة في الثاني، فإن تعذر المسافر بأن لم يكن خلفه أو جهل، فاستخلف مقيماً، فاختلف في المسافرين إذا أتموا صلاتهم على ثلاثة أقوال:
الأول: إذا قام المستخلَف لإكمال الصلاة سلموا؛ لأن صلاتهم قد انقضت.
ورواه ابن حبيب عن مالك؛ ووجهه أن هذا المستخلَف دخل على ألا يقتدي بالأول في السلام.
وقال ابن كنانة: وهو أحد قولي ابن القاسم: يستخلفون رجلاً ليسلم بهم.
واستشكل هذا القول من جهة اقتدائهم بإمامين.
وقال ابن القاسم في الموازية، وأشهب: ينتظرونه حتى يسلم فيسلموا بسلامه، طلباً لمتابعته ما أمكن؛ ولأنه لما قبل صار كالملتزم للإتمام بهم، ومن جملته السلام.
وقوله: (وَيُتِمُّ الْمُقِيمُونَ أَفْذَاَذاً)؛ لأنهم دخلوا على عدم السلام مع الإمام؛ وهذا القول لمالك في الواضحة، وهو قول ابن كنانة.
وقيل: بعد سلامه.
ولعله مبني على القول بانتظار المسافرين في الفرع السابق؛ وحكي هذا القول عن جماعة من الأصحاب.
فَإِنْ كَانَ مَسْبُوقاً جَلَسُوا إِلَى سَلامِهِ.
وَقِيلَ: يَسْتَخْلِفُ مُسَلِّماً
يعني: فإن كان المستخلف من حيث الجملة مسبوقاً، فاختلف إذا كمل صلاة الإمام.
وما قدمه المصنف هو مذهب المدونة.
ابن بشير: وهو المشهور.
وحكى المازري القولين وذكر أن الجمهور يرون: أنه يشير إليهم كالآمر لهم بالجلوس، ثم ينهض للقضاء.
فإذا فرغ سلم بهم؛ لأن السلام من بقية صلاة الأول، وقد حل محله في الإمامة فيه فلا يخرج عنه بغير معنى يقتضيه، وانتظار القوم لفراغه من القضاء أخف من الخروج من إمامته.
وقيل: بل يستخلف من يسلم بهم؛ لأن السلام من بقية صلاة الأول- كما قدمنا- فلا ينبغي له القضاء قبل فراغ الصلاة.
وسبب الخلاف أن الضرورة داعية للمصلي إلى الخروج عن الأصل على المذهبين.
والنظر في أي الخروجين أخف.
انتهى.
وانظر ما الفرق على المشهور هنا بين الانتظار، وما قدمه المصنف في المسافرين إذا استخلف عليهم مقيم أنهم يسلمون، ولعل ذلك لأن المسبوق هنا لم يقم إلى شيء لم يدخل عليه المأموم فناسب أن ينتظروه؛ لأن السلام من بقية الصلاة بخلاف المستخلف المقيم، فإنه قام لما لم يدخل عليه كالمسافر، فإن المسافر لما دخل على السلام من ركعتين ناسب أن يسلم ولا ينتظره، والله أعلم.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَسْبُوقٌ مِثْلُهُ قَضَى بَعْدَ سَلامِهِ، وَقِيلَ: يَقُومُ لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ بِسَلامِهِ، فَإِنِ ائْتَمَّ بِهِ بَطَلَتْ عَلَى الأَصَحِّ .....
قوله: (مِثْلُهُ) أي: في مقدار ما سُبق به ليصح.
القول الثاني أنه يسلم بسلامه؛ إذ لو كان مقدار ما فاتها مختلفا تعذر غالباً سلامه بسلامه، ويمكن أن يكون مراده بالمثلية كونه مسبوقاً في الجملة لا في القدر.
وهذا الوجه هو الموافق لمنقول؛ لأن المسألة أعم.
ويكون في القول الثاني تكلم على أحد أفراد المسألة.
ولفظ ابن شاس يعضد الأول، فإنه قال: ولو
ساوى هذا المستخلف طائفة من القوم في فوات ما فاته.
فقال سحنون: من أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء ثم يسلم ثم يقضون بعده.
ومنهم من يقول: إذا قام يقضي قام كل واحد يقضي لنفسه، ثم يسلمون بسلامه.
فإن ائتموا به أبطلوا على أنفسهم، وصلاة المستخلف تامة.
وذكر ابن سحنون عن أبيه أنه قال: تجزئهم.
ثم رجع فقال: يعيدون أحب إليَّ.
وفي كتاب ابن المواز: ومن اتبعه فيها منهم أو من غيرهم فصلاتهم باطلة.
انتهى.
والظاهر أن القول بأنهم يقضون بعد سلامه جارٍ على الانتظار، والقول بعدم الانتظار جارٍ على استخلافه مسلماً.
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى الإِمَامُ أَشَارَ فَأَشَارُوا وَإِلا أَفْهَمُوهُ بِالتَّسْبِيحِ وَإِلا تَكَلَّمَ
يعني: فإن استُخلف مسبوق فلم يدرِ ما صلى الإمام قبله أشار إلى المأمومين فأفهموه بالإشارة، فإن لم يفهم أو كانوا في ليل مظلم أفهموه بالتسبيح، فقدمت الإشارة لأنها أخف، وكذلك التسبيح على الكلام، وما ذكره في الكلام نحوه في الجواهر.
وفي كل منهما نظر لما قدمناه في الكلام لإصلاحها فانظره.
ولسحنون في المجموعة: ينبغي أن يُقدَّم من يعلم ما صلى، فإن قُدِّم من لا يعلم صلى بهم ركعة ورجع ثم يتزحزح للقيام، فإن سبحوا به علم أنه في آخر الصلاة، فأشار إليهم أن اجلسوا ثم يقوم للقضاء.
وَلَوْ عَادَ الإِمَامُ فَأَتَمَّ بِهِمْ فَفِيُ بُطْلانِ الصَّلاةِ قَوْلانِ
لا يريد المصنف أن للإمام أن يفعل ذلك ابتداء، [80/ب] وإنما يريد لو فعل.
والقول بالصحة لابن القاسم.
الباجي: استدل بفعل أبي بكر حيث تأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول بالبطلان ليحيى بن عمر.
الباجي: وهو الأظهر عندي؛ لأن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن المانع له من أن يثبت مكانه إذ أمره بذلك: ما كان لابن أبي
قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأظهر العلة التي تأخر لها.
وهذا حكم خاص به عليه السلام.
انتهى.
وكذلك قال غيره.
ويُقوي الإشكالَ ما وقع في الرواية أن الإمام أحدث فخرج وقدَّم رجلاً، فتوضأ فجاء فأخرج الإمام حتى قال في البيان: إنما أجاز ابن القاسم صلاتهم إذا صلى بهم بقيتها؛ لأنه ابتدأها بهم، فراعى مذهب أهل العراق في إجازة البناء في الحدث.
وأما لو لم يبتدئ بهم الصلاة فجاء وهم يصلون فأخرج الإمام، وصلى بهم بقية الصلاة أبطلت صلاتهم أجمعين؛ من أجل أنهم أحرموا قبل إمامهم، وهذا قد ابتدأ صلاته من وسطها.
فالصحيح على المذهب أن صلاتهم باطلة؛ لأنه بالحدث يخرج عن الصلاة، فإذا عاد يصير المأمومون محرمين قبل الإمام، ولو تأوَّل متأوِّل أنه لما انعزل أحرم خلف الإمام الذي كان قد قدمه ثم أخرجه بعد ذلك لصح قول ابن القاسم، وإن كان تأويلاً بعيداً عن لفظه.
انتهى.
وَلَوْ قَالَ الإِمَامُ لِلْمَسْبُوقِ أَسْقَطْتُ رُكُوعاً عَمِلَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلافَهُ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلامِ بَعْدَ كَمَالِ صَلاةِ إِمَامِهِ.
وَقِيلَ: بَعْدَ كَمَالِ صَلاتِهِ كَسَهْوِهِ
قوله: (رُكُوعاً) يريد: أو سجوداً، ونحوه مما يوجب إبطال الركعة.
قوله: (مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلافَهُ) يدخل في ذلك من يعلم صحة مقالته أو ظنها أو شك فيها أو ظن خلافها من المأمومين، ويدخل في ذلك المستخلف إذ لا علم عنده، ولا يعمل على قول الإمام من يعلم صحة صلاة الإمام وصلاة نفسه، وفي لزوم إتباع من تيقن صحة صلاة نفسه وشك في صلاة الإمام قولان نقلهما ابن راشد.
وقوله: (وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلامِ) أي: لأن الأُولى إذا بطلت صارت الثانية أُولى، والثالثة ثانية، وعليه فالركعة المأتي بها بناء يقرأ فيها بأم القرآن فقط.
وعلى القول بأن الثانية لا تصير أُولى يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويسجد بعد السلام.
واعلم أن السجود قبل السلام على القول الأول ليس عامّاً في كل الصور، وإنما هو فيما إذا صارت الثالثة ثانية
لنقصه حينئذٍ السورة من الثانية، ونقصه الجلوس من محله، وأما إن استخلفه في الثانية قبل الركوع ويقول له: أسقطت ركوعاً، فتتمحض الزيادة، ولذلك لو أخبره في الجلوس الأخير أن النقص في الثالثة وكان المستخلف أدرك الرابعة فقط أتى بركعة بأم القرآن وحدها فلا خلاف، ثم قضى ما فاته ويسجد بعد السلام.
وقوله: (وَيَسْجُدُ .... بَعْدَ كَمَالِ صَلاةِ إِمَامِهِ) لأنه موضع سجود إمامه.
وقيل: بعد كمال صلاة نفسه تغليباً لحكم صلاة نفسه.
فإن قيل: فهل في اتفاقهم على أن المسبوق يسجد مع الإمام ولا يؤخر إلى كمال صلاته ترجيح للقول الأول؟ قيل: لا؛ لأن المانع للمسبوق غير المستخلف من تأخير السجود إلى آخر صلاته إنما هو مخالفة الإمام، وهو مفقود ههنا، وقد يقال أن الإمام وإن لم يوجد حسّاً فهو موجود حكماً.
وَلَوْ صَلَّى جُنُباً نَاسِياً أَعَادَ هُوَ وَمَنْ كَانَ عَالِماً بِهَا، وَفِي غَيْرِهِمْ ثَالِثُهَا: تَبْطُلُ خَلْفَ الْعَامِدِ دُونَ غَيْرِهِ .......
أما إعادته فمتفق عليها كان عامداً أو ناسياً.
وكذلك إعادة من كان عالماً بجنابته.
وفي غير الإمام والعالم بجنابته ثلاثة أقوال، وتصورها ظاهر البطلان مطلقاً جارٍ على أصل المذهب من ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، والمشهور هو التفصيل.
...
انتهى المجلد الأول
من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد الثاني وأوله
وَيُؤْمَرُ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ بِسُتْرَةٍ وَلَوْ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ
وَيُؤْمَرُ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ بسُتْرَةٍ وَلَوْ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ إِنْ خَشِيَ مُرُوراً.
وَقِيلَ: مُطْلَقاً
الأمر أمر ندب، قاله الباجي وغيره.
التونسي: وسئل مالك عن موعظة الذي يصلي إلى غير سترة أواجب؟ قال: لا أدري، ولكنه حسن، والعلماء مختلفون فمنهم من يقوى على أن يعظ النساء، ومنهم من لا يقوى على ذلك.
ابن مسلمة: ومن ترك السترة فقد أخطأ ولا شيء عليه.
وقال ابن حبيب: السنة الصلاة إلى السترة، وأن ذلك من هيئات الصلاة.
التونسي: وانظر قوله: من هيئة الصلاة ومن سنتها، فافهم ذلك ورتبه على الحكم في تارك السنن.
انتهى.
والإجماع على الأمر بالسترة نقله ابن بشير.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحرية فتوضع بين يديه فيصلي إليها، والناس من ورائه، وكان يفعل ذلك في السفر.
وفي الموطأ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لو يعلم المارُّ بين يدَيْ المصلي ماذا عليه لكان أن [81/أ] يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه".
قال أبو النضر: لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو سنة.
ورواه البزار مفسراً بأربعين خريفاً.
ورواه ابن أبي شيبة: "لكان أن يقف مائة عام".
وقوله: (الإمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ) خصصهما؛ لأن المأموم لا يؤمر بها بلا خلاف.
قاله ابن بشير، قال: واختلفت ألفاظ أهل المذهب في علة سقوط السترة عن المأموم، فقال بعضهم: لأن سترة الإمام سترة لهم.
وقال بعضهم: لأن الإمام سترة لهم.
واختلف المتأخرون هل العبارتان بمعنى واحد، أو يختلف معناهما؟ فيكون معنى الأولى: أن السترة التي جعلها الإمام بين يديه هي السترة للمأموم، وإذا سقطت صار حينئذٍ مصلياً إلى غير سترة.
ومعنى الثانية: أن الإمام هو الساتر، فإذا سقطت سترته كان المأموم باقياً على حكم الاستتار وإذا ذهبت سترة الإمام.
وينشأ عن ذلك مسألة؛ وإن قلنا سترة الإمام
سترة لمن خلفه جاز المرور بين يدي الإمام والصف الذي يليه، كما أجاز ذلك مالك في الثالث والرابع، وإن قلنا أن الإمام سترة لهم لم يجز.
وفي المدونة: ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضاً، والإمام سترة لهم.
واستشكلت هذه العلة بأنه إذا كان الإمام سترة لهم فكيف يمر هذا بينهم وبين سترتهم؟ والصواب ما قاله ابن الجلاب وعبد الوهاب أن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
وتأول أبو إبراهيم في حواشيه قوله في المدونة: لأن الإمام سترة لهم.
على حذف مضاف؛ أي: لأن سترة الإمام سترة لهم.
وجعل المدونة والجلاب متفقين.
قال: وظاهر الكتاب أنه لا يمر بين الصف والإمام.
انتهى.
ومن ثمرة هذا الخلاف أيضاً: لو صلى الإمام لغير سترة فعلى القول بأن سترة الإمام سترة لمن خلفه يستوي الإمام والمأمومون.
وعلى القول الآخر تكون صلاة المأمومين أكمل؛ لأن الإمام لهم سترة، كما قالوا: إذا ترك الإمام السجود يسجد المأموم وتكون صلاتهم أكمل.
وقوله: (وَلَوْ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ) لما في مسلم: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سُئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: "مثل مؤخرة الرحل".
وللسترة خمسة شروط: أن تكون طاهرة، ثابتة، في غلظ الرمح، وطول الذراع، مما لا يشغل، فاحترزنا بالطهارة من الأشياء الخبيثة فلا يستتر بها كقصبة المرحاض ونحوها، وبالثابت مما لا يثبت فلا يستتر بمجنون مطبق ولا صغير لا يثبت.
قاله ابن القاسم.
واشترطنا أن تكون في غلظ الرمح لحديث الحربة المتقدم.
ولهذا قال مالك في المدونة: السوط ليس بسترة.
قال ابن حبيب: لا بأس أن تكون السترة دون مؤخرة الرحل في الطول، ودون الرمح في الغلظ، وإنما يكره ما كان رقيقاً جدّاً، وقد كانت العَنَزَة التي كانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم دون الرمح في الغلظ.
قال: ولا يكون السوط سترة
لرقته، إلا ألا يوجد غيره.
واحترزنا بما لا يشغل من المرأة، والمأبون، والكافر فإنه لا يستتر بذلك ولا ما في معناه.
قال ابن القاسم: وإن صلى وهم أمامه لم أرَ عليه إعادة ناسياً كان أو عامداً، وهو بمنزلة الذي يصلي وأمامه جدار مرحاض.
قال مالك: ولا يصلي إلى النائم؛ لأنه قد يحدث منه شيء يشوش على المصلي.
وفي مسند ابن سحنون قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إني نُهيتُ أن أصلي إلى النائم والمتحدثين".
وتجوز الصلاة إلى ظهر الرجل إذا رضي أن يثبت له حتى تنقضي صلاته، ولا يصلي إلى وجهه لأن ذلك يشغله.
وفي الاستتار بجنبه روايتان: منعه مرة، وخففه في رواية ابن نافع.
وفي الجلاب: لا يصلي إلى حِلَقِ المتكلمين في الفقه وغيره لما فيه من شغل البال.
وفي اللخمي والمازري: واختلف في الصلاة إلى الحلقة، فأجيز لأن الذي يليه ظهر أحدهم، وكره لأن وجه الآخر يقابله.
المازري: ولو صلى رجل إلى سترة وراءها رجل جالس يستقبل المصلي بوجهه، لاختلف فيه على التعليل في الحلقة.
وخفف مالك الصلاة للطائفين ورآهم في معنى من هو في الصلاة؛ ولأنه لو منعت الصلاة إليهم مع عدم خلو الكعبة من طائف لزم ترك التنفل غالباً.
قال في العتيبة: ولا يصلي إلى الخيل والحمير لأن أبوالها نجسة، بخلاف الإبل والبقر والغنم لأن أبوالها طاهرة.
قال ابن القاسم: كأنه لا يرى بأساً في السترة بالبقرة والشاة.
قاله في المدونة.
وأكره أن يصلي للحجر الواحد، وأما أحجار كثيرة فجائز، ولا يصلي إلى ظهر امرأة ليست محرماً وإن كانت امرأته، وهل يستتر بامرأة من ذوات محارمه؟ ففي الجلاب وغيره الجواز، وفي المجموعة: لا يستتر بامرأة وإن كانت أمه أو أخته.
قال في المدونة: والخط باطل.
قال مالك: وإذا استتر برمح فسقط فليقمه إن كان ذلك خفيفاً، وإن أشغله فليدعه.
قال مالك: ولا بأس أن ينحاز [81/ب] الذي يصلي يقضي بعد الإمام إلى ما قرب منه من الأساطين، عن يمينه أو عن يساره وإلى خلفه يقهقر قليلاً ليستتر إذا كان ذلك قريباً، فإن
لم يجد ما يقرب منه صلى مكانه، ودرأ من يمر ما استطاع، وكالمرور مناولة الشيء بين يديه.
قاله في المدونة.
وكذلك كره مالك من رواية ابن القاسم في المجموعة لمن على يمينه أن يجذب من على يساره، ولا يجعل السترة أمام وجهه بل إما على يمينه أو يساره ويدنو منها.
وقوله: (إِنْ خَشِيَ مُرُوراً) هو المشهور.
والقول الثاني لابن حبيب، ومنشأ الخلاف: هل شرعت السترة حذاراً من مرور مار يشتغل به، أو حريماً للصلاة حتى يقف عندها نظره.
وَيَاثَمُ الْمَارُّ وَلَهُ مَنْدُوحَةٌ، وَالْمُصَلِّي إِنْ تَعَرَّضَ، فَتَجِيءُ أَرْبَعُ صُوَرٍ
يأثم لحديث: "لو يعلم المار".
وصح أنه عليه الصلاة والسلام أمر بدفع من يمر بين يدي المصلي، وقال: "إن أَبَى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
واختلف في معنى المقاتلة، فقيل: المراد بها أوائلها.
وقيل: الدفع بعنف ما لم يؤدِّ إلى العمل الكثير في الصلاة.
وقيل: معناها اللعنة كقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمْ اللَّهُ﴾ [التوبة: 30]؛ أي: لعنهم الله.
الباجي والمازري: ويحتمل أن يريد: فليؤاخذه على ذلك بعد تمام الصلاة وليوبخه على فعله.
قالا: ويعدل عن ظاهر المقاتلة بإجماع، والمذهب أنه يدفعه دفعاً خفيفاً لا يشغله عن الصلاة.
قال أشهب: إذا مر بين يديه شيء بعيد منه رده بالإشارة ولا يمشي إليه، فإن فعل وإلا تركه، وإن قرب منه فلم يفعل فلا ينازعه؛ فإن ذلك والمشي أشد من مره، فإن مشى إليه أو نازعه لم تفسد صلاته.
وهذا بخلاف ما قاله ابن العربي أنه ليس للمصلي حريم إلا ثلاثة أذرع.
وقوله: (وَيَاثَمُ الْمَارُّوَلَهُ مَنْدُوحَةً) أي: أمكنه ألا يمر بين يديه.
وظاهر كلامه أنه إذا لم يجد مندوحة يسقط عنه الإثم، كأن يمكنه الصبر أو لا، وهذا القول حكاه المازري عن بعض المتأخرين.
قال: وقال بعضهم: إن لم يكن للمار مندوحة عن المسير بين يديه، وكان صبره إلى أن يفرغ المصلي يشق عليه لم يكن على المار إثم.
قوله: (وَالْمُصَلَّي إِنْ تَعَرَّضَ) أي: يأثم بشرط التعرض.
(فَتَجِيءُ أَرْبَعُ صُوَرٍ) يعني: لأن معك مارّاً ومصلياً، ولكل واحد منهما صورتان، ولا خفاء في تصورهما.
فإن قلت:
كون المصلي يأثم منافٍ لما قدمت أن السترة مندوب إليها؛ إذ لا يأثم إلا بترك واجب.
قيل: ما يتعلق به الإثم غير ما هو مندوب؛ إذ الندب متعلق بفعل السترة، والإثم متعلق بتعرضه، وهما متغايران، والله أعلم.
وَلا يَبْصُقُ فِي الْمَسْجِدِ إِلا أَنْ يَكُونَ مُحَصَّباً وَيَدْفِنُهُ أَوْ تَحْتَ حَصيرٍ
لما في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي: "البُصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".
وفي رواية: "النُّخامة في المسجد" وفي رواية: التَّفل".
وظاهر قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مُحَصَّباً) الجواز.
ومقتضى الحديث أنه لا يفعل؛ لأنه جعله خطيئة وجعل الدفن كفارة، ولا ينبغي لأحد أن يخطئ فيكفر.
قوله: (أَوْ تَحْتَ حَصيرٍ) لعله محمول على البصقة الواحدة، وأما لو كثر لم يجز لما في ذلك من الاستقذار، وجمع الدواب، وتقطع الحصير قريباً لا سيما إن كان ثمنها من الوقف.
قال في المدونة: ولا بأس أن يبصق عن يمينه أو يساره أو أمامه.
قال في التنبيهات: ليس هو على التخيير، وإنما هو كله عند الاضطرار لأحد هذه الوجوه، وإلا فترتيبها أولاً عن يساره أو تحت قدمه؛ لما جاء في الحديث الصحيح، إلا أن يكون عن يساره أحد ولا يتأتى له تحت قدمه فحينئذٍ يتفل إلى جهة يمينه لتنزيه اليمنى وجهتها عن الأقذار.
ثم أمامه إن لم يكن ذلك إ لا هنالك لتنزيه القبلة عن ذلك إلا لضرورة، ثم يدفنه.
قال: وتأوله بعض شيوخنا على ظاهره من التخيير، ونحوه لابن نافع.
وما قدمناه أصح إن شاء الله، وأقرب لمعنى حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم: "لا يتنخم قِيَل وجهه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولكن تحت قدمه اليسرى".
انتهى.
وأما البصاق في النعل فقد سُئل عنه مالك فقال: إن كان يصل إلى حصير يتنخم تحتها فإني أستقبحه، ولا أرى لأحد أن يتنخم في نعله، وإن كان لا يصل إلى حصير يتنخم تحتها فلا أرى بالتنخم فيه بأساً.
قاله في العتيبة.
وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْبُرْغُوثِ وَنَحْوِهِ بِمَا فِيهِ وَيَخْرُجُ فَيَطْرَحُهَا
مراده بـ (وَنَحْوِهِ) القملة؛ لقوله: (فَيَطْرَحُهَا) وأجاز في المدونة طرح القملة حية خارج المسجد، ولم يزل الشيوخ يستشكلونها لأنه تعذيب، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
وقوله: (وَيَخْرُجُ فَيَطْرَحُهَا) ابتداء مسألة، وهي خبر بمعنى الأمر، ولا يصح أن يكون مراده بالكراهة مجموع قتل البراغيث ونحوه في المسجد مع خروجه للطرح؛ لأن المسألة إنما هي في كتب أصحابنا على الوجه الأول، ولأن الخروج لا مدخل له في الكراهة بل هو مطلوب.
ومن ابن يونس: قال في المدونة: وأكره قتل البرغوث والقملة في المسجد، فإن أصاب قملة في الصلاة فلا يلقيها في المسجد ولا يقتلها فيه، وإن كان في غير الصلاة فلا يقتلها فيه.
ابن نافع: وليصرها في ثوبه، ولا بأس أن يطرحها إن كان في غير المسجد.
ابن حبيب: قتل البرغوث في المسجد أخف من القملة.
وأجاز قتلها في الصلاة في غير المسجد مطرف وابن الماجشون.
انتهى.
وعن مالك: أكره قتل ما كثر من القمل والبراغيث في المسجد، [82/ أ] واستخف ما قل من ذلك.
اللخمي: ويجوز قتل العقرب والفأرة لإذابتهما، ولأنه يجوز للمحرم قتلهما في الحرم في المسجد الحرام.
وَإِحْضَارُ الصَّبِيَّ لا يَعْبَثُ وَيَكُفُّ إِذَا نُهِيَ جَائِزٌ، بخِلافِ غَيْرِهِ
نحو هذه العبارة في المدونة وغيرها.
وقوله: (بِخِلافِ غَيْرِهِ) أي: إذا كان يعبث ولا يكف إذا نُهي، فلا يجوز إحضاره لما في الحديث: "جنِّبوا مساجدَكم مجانينكم وصبيانكم".
القَصْرُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَمُبَاحٌ، وَفَرْضٌ
المشهور: أنه سنة، وتردد المازري في ثبوت القول بالإباحة، وأما القول بالفرضية فذكر ابن الجهم أن أشهب رواه عن مالك، قال في المقدمات: ويلزم عليه إيجاب الإعادة أبداً على من أتم صلاته في السفر ولا يوجد ذلك لمالك ولا لأحد من أصحابه، والذي رأيت لمالك في رواية أشهب: فرض المسافر ركعتان.
وذلك خلاف ما حكاه ابن الجهم عنه إذا تدبرته.
انتهى.
أي: إذا قلنا القصر فرض حرمت الزيادة وأبطلت الصلاة، وإذا قلنا فرض المسافر ركعتان لم يلزم ذلك لاحتمال أن يكون فرضه ذلك والأربع على التخيير كما صرح به في الجلاب، فقال: وفرض المسافر التخيير بين القصر والإتمام، وفي كلام ابن رشد نظر؛ لأن حاصله شهادة على نفي.
وقد نقله اللخمي عن القاضي إسماعيل وابن سحنون، وكذلك نقله أبو الفرج عن بعض أصحاب مالك، ونقله ابن يونس، وكذلك نقله الباجي ولفظه: وروى عنه أشهب أنه فرض.
وكذلك ذكره التونسي، وذكر عن ابن سحنون فيمن أتم صلاته في السفر أنه قال: القياس أن يعيد أبداً.
قال: وقد ذكره بعض البغداديين عن مالك في مسافر صلى خلف مقيم، أن المسافر يعيد أبداً، وهو الذي كان يستحسن بعض شيوخنا ويقول القصر فرض.
انتهى.
فَإِنْ قُلْنَا: سُنَّةٌ فَثَلاثُ صُوَرٍ: نَاوٍ للإِتِمَامِ، أَوْ نَاوٍ لِلْقَصْرِ، أَوْ تَارِكٌ سَاهِياً أَوْ مُضْرِباً
فرَّع على السنة لكونه هو المشهور، وذكر أن الصور ثلاث: الأولى، أن ينوي الإتمام.
والثانية: أن ينوي القصر.
والثالثة: أن يترك النيتين إما ساهياً أو مضرباً؛ أي: متعمداً، والمضرب المعرض.
وفي بعض النسخ عوض (مُضْرِباً) (متعمداً).
الأُولَى: إِنْ أَتَمَّ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَأَرْبَعاً إِنْ حَضَرَ فِيهِ
أي: الصورة الأولى أن ينوي الإتمام فيتم، بهذا يعيد الصلاة في السفر ركعتين ما دام في الوقت، وكذلك إن حضر فيه؛ أي: في الوقت يعيدها أربعاً.
وحاصله أن الإعادة في الوقت لا تسقط بحضوره؛ لأنه إذا أوقعها في السفر أربعاً حصل فيه خلل، فكان كالمصلي في السفر ركعتين بثوب نجس ناسياً ثم حضر في الوقت.
قال أبو محمد: والوقت في ذلك النهار كله.
وقال الإبياني: الوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة.
ابن يونس: والأول أصوب.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ عَلَى أَرْبَعٍ سَاهِياً وَأَتَمُّهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْجُدُ وَلا يُعِيدُ.
ثُمَّ رَجَعَ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ .....
المسألة المفروغ منها كما قدمنا: دخل ناوياً للإتمام مع العلم.
وهذه: دخل الصلاة ناوياً للإتمام مع السهو عن كونه مسافراً.
قال في النوادر: أو مع السهو عن التقصير.
وذكر المصنف في هذه قولين لابن القاسم: كان أولاً يقول: يسجد بعد السلام ولا يعيد.
ثم رجع إلى الإعادة.
وكلا القولين مرويان عن مالك، وإنما قيل بالسجود في هذه دون تلك؛ لأن إتمامه هنا في معنى الزيادة سهواً بخلاف تلك، وألزم على هذا أن يؤمر بالإعادة لكثرة السهو لكنه لما لم تكن زيادة مجمعاً عليها لم يأمره بالإعادة.
ابن يونس: قال سحنون في كتاب ابنه ومحمد في كتابه: وسواء أتم جهلاً أو عامداً أو ناسياً فإنه يعيد في الوقت ولا سجود عليه.
ولو كان ذلك عليه لكان عليه في عمده أن يعيد أبداً.
فَإِنْ أَتَمَّ أَعَادَ هُوَ وَمَنِ تَبِعَهُ مِنْ مُسَافرٍ وَمُقِيمٍ فِي الْوَقْتِ، وَأَعَادَ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ أَبَداً عَلَى الأَصَحِّ .....
أي: فإن أَمَّ في المسألتين معاً حيث يعيد في الوقت سرى النقص إلى صلاة المأموم التابع له مطلقاً، مقيماً أو مسافراً، أما إعادة المسافر فظاهر لمخالفته سنة، وأما إعادة المقيم
فينبغي أن يختلف فيها كما اختلف في حق المأموم إذا ذكر الإمام صلاة بعد أن فرغ، أو ذكر أنه صلى بثوب نجس، فإنه اختلف هل يعيد كإمامه أم لا؟
واختلف في صحة صلاة من لم يتبعه.
والأصح البطلان لمخالفة الإمام، وهذا الأصح نقل ابن يونس عن سحنون أنه فسر به قول ابن القاسم.
والقول الثاني: الصحة؛ لأن الإمام أخطأ لمخالفة سنته بخلاف المقيم.
فَإِنْ قَصَرَ عَمْداً بَطَلَتْ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمَّ فَوَاضِحٌ
أي: فإن قصر عمداً بعد دخوله على الإتمام بطلت؛ لأنه يصير كالمقيم إذا قصر؛ وهذا القول لمالك، وإليه رجع ابن القاسم، وكان أولاً يقول: يعيد في الوقت؛ لأنه رجع إلى السنة في حقه.
وقوله: (فَإِنْ أَمَّ فَوَاضِحٌ) أي: فإن أَمَّ فصلاة المأموم تابعة لصلاة الإمام.
فَإنْ قَصَرَ سَهْواً فَعَلَى أَحْكَامِ السَّهْوِ، فَإِنْ جَبَرَهَا فَكَمُتِمٍّ
أي: فإن قصر من نوى الإتمام كان كمقيم سليم من اثنتين ساهياً، وقد تقدم في باب السهو.
(فَإِنْ جَبَرَهَا) أي: أتمها في الموضع الذي يصح له ذلك صار كمسافر أتم.
فَإِنْ أَمَّ سَبَّحُوا بهِ وَفَعَلُوا كَمُؤْتَمِّينَ بِحَاضِرٍ، ثُمَّ يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ كَمُؤْتَمِّينْ بِمُسَافِرٍ أَتَمَّ ....
أي: فإن أمَّ هذا الذي افتتح [82: ب] بنية الإتمام وسلم من اثنتين ساهياً، سبحوا به ليرجع.
كما لو كانوا كلهم مقيمين سلم إمامهم المقيم من اثنتين، ثم إذا أتم يعيدون كلهم الصلاة في الوقت؛ لأنهم مؤتمون بمسافر أتم، ولعل التشبيه الواقع في هذا الفرع وفي الذي قبله من باب تشبيه الشيء بنفسه.
الثَّانِيَةُ: إِنْ قَصَرَ فَوَاضِحٌ
أي: الصورة الثانية؛ وهي أن يدخل ناوياً للقصر، إن قصر فواضح إذا نوى السنة في حقها وفعلها.
فَإِنْ أَمَّ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ أَفْذَاذاً وَلا إِعَادَةَ باتَّفَاقٍ، فَإِنْ ائْتَمُّوا فَفِي إِجْزَاء صَلاةِ المُؤْتَمِّينَ لا مَنْ أَمَّهُمْ قَوْلانِ.
كَمَا لَوْ أَحْدَثَ فَأَتَمَّ بِهمْ مُقِيمٌ .....
أي: فإن أم الناوي للقصر فالمأموم المسافر يسلم معه من غير إشكال، وأما المقيمون فإنهم يتمون صلاتهم أفذاذاً، ولا إعادة عليهم باتفاق؛ لأنهم صلوا خلف من أتى بالأفضل في حقه، ودليله ما رواه الترمذي وصححه من حديث عمران بن حصين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقام بمكة ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة، ويقول: "يا أهلَ مكةَ أَتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سفرٌ".
وقوله: (فَإِنْ ائْتَمُّوا) أي: فإن لم يتم المقيمون صلاتهم أفذاذاً، وأتموا خلف إمام قدموه لأنفسهم، فأما الإمام فصلاته تامة؛ لأن المطلوب في حقه ألا يقتدي وقد فعل، وأما المقتدون به ففي صحة صلاتهم قولان: قال بعضهم: والأظهر البطلان لكونهم قد ائتموا بإمامين.
وهو قول ابن القاسم من رواية موسى.
والقول بعدم الإعادة أيضاً له في العتبية.
قال في هذا القول: وإن أعادوا فحسن.
وقوله: (كَمَا لَوْ أَحْدَثَ فَأَتَمَّ بِهمْ مُقِيمٌ) أي: كما لو أحدث هذا المسافر، واستخلف عليهم مقيماً فائتموا به ففيه القولان، وهو ظاهر.
فَإِنْ أَتَمَّ عَمْداً بَطَلَتْ عَلَى الأَصَحِّ كَعَكْسِهَا
أي: فإن أتم من نوى القصر عمداً بطلت- كما تقدم فيمن نوى الإتمام فقصر- وهو معنى قوله: (كَعَكْسِهَا).
وقوله: (كَعَكْسِهَا) إشارة إلى وجه الأصح؛ لأنه في كلا المسألتين خالف ما دخل عليه أولاً.
والقول بالصحة عزاه ابن العربي لابن القاسم في العتبية، وحكاه اللخمي ولم يعزه، وزاد أنه يعيد في الوقت، وهو استحسان.
فَإِنْ أَمَّ فَوَاضِحَّ
يعني: فعلى الأصح تبطل على المأمومين، وعلى مقابله يعيد هو وهم في الوقت.
فَإِنْ أَتَمَّ سَهْواً فَفِيهَا مَا فِي مَنْ أَحْرَمَ عَلَى أَرْبَعٍ سَاهِياً وَأَتَمَّهَا.
وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَوَّازِ، فَقَالَ: هُنَا يَسْجُدُ وَلا يُعِيدُ ....
يعني: فإن أحرم على ركعتين ثم أتم ساهياً، ففي هذه المسألة من الخلاف ما في من أحرم على أربع ساهياً، وقد تقدم.
وفرق ابن المواز فقال: هنا يسجد ولا يعيد بخلاف تلك؛ لأنه لما أحرم بركعتين تمحضت الركعتان للزيادة فلذلك أمره بالسجود، وأما من أحرم على أربع فلم تتمحض الركعتان للزيادة فافترقا.
وحكى في اللباب فيمن دخل على القصر فأتم ثلاثة أقوال: الإعادة في الوقت، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
والإعادة أبداً سواء أتمها عمداً أو سهواً لكثرة السهو، وهو قول سحنون.
وقال ابن المواز: إن أتمها عمداً أعاد أبداً، وإن أتمها سهواً سجد لسهوه.
وكلام المصنف يؤخذ منه أن قول محمد بالسجود خاص بالسهو؛ لأن فرض المسألة فيه.
فرع:
فإن نوى القصر فأتم جهلاً فقال ابن بشير: قد يظن هنا أنه يجري على الخلاف في الجاهل: هل حكمه حكم العامد، أو حكم الناسي؟ وليس كذلك؛ لأن الجهل هنا يعذر فيه، فلا يختلف أن حكمه حكم الناسي.
فَإِنْ أَمَّ فَقَالَ مَالِكٌ: يُسَبِّحُونَ بِهِ وَلا يَتَّبِعُونَهُ وَيُسَلِّمُونَ بِسَلامِهِ وَيُعِيدُ وَحْدَهُ فِي الْوَقْتِ، أَمَّا الْمُقِيمُونَ فَيُتِمُّونَ بَعْدَ سَلامِهِ أَفْذَاذاً ...
أي: إذا أحرم على القصر، وصلى إماماً ثم قام من اثنتين سهواً، فقال مالك: يسبح المأمومون به ولا يتبعونه، فإن رجع سجد لسهوه وصحت صلاته، وإن تمادى فلا يتبعونه، كمن قام إلى خامسة.
قاله في المدونة.
قال فيها: ويعيد هو وحده في الوقت، يريد لأن من خلفه لم يتبعوه في سهوه.
وهذا الأصل مختلف فيه كما لو ذكر الإمام صلاة بعد فراغ الصلاة، فإنه يعيد المفعول في الوقت، وهل يعيد المأموم أم لا؟ قولان لمالك في المدونة.
والذي رجع إليه عدم الإعادة.
قال ابن رشد: وعلى القول بأنه يعيد أبداً لكثرة السهو يعيدون أبداً.
تنبيه:
قوله: (وَيُسَلِّمُونَ بِسَلامِهِ) هو كذلك في المدونة، قال فيها: وإذا صلى المسافر بالمسافرين فقام من اثنتين، فسبحوا به فتمادى وجهل فلا يتبعونه، ويقعدون ويتشهدون حتى يسلم، ويسلمون بسلامه، ويعيد وحده في الوقت.
ونقل المازري عن مالك قولين آخرين: أحدهما: أنهم يسلمون وينصرفون.
والآخر: أنهم يسلمون معه ويعيدون.
وبما ذكرناه عن المدونة يسقط اعتراض ابن راشد على المصنف: لم أرَ لمالك ما ذكر من أنهم يسلمون بسلامه، وإنما رأيت أنه إن لم يرجع إليهم سلموا أو قدموا من يسلم بهم.
الثَّالِثَةُ: إِنْ أَتَمَّ أَوْ قَصَرَ فَفِي الصِّحَّةِ قَوْلانِ، كَمَا لَوْ جَهِلَ الْمُسَافِرُ أَمْرَ إِمَامِهِ أَوِ اعْتَقَدَ حَالَةً فَظَهَرَ خِلافُهَا، بنَاءً عَلَى أَنَّ نِيَّةَ عَدَدٍ الرَّكَعَاتِ مُعْتَبَرَةٌ أَمْ لا ....
أي: الصورة الثالثة وهي أن يترك نية القصر ونية الإتمام سهواً أو متعمداً، والقولان اللذان ذكر لم أقف [83/ أ] عليهما.
وكأنه اعتمد في ذلك على الخلاف في
عدد الركعات.
وقال اللخمي: يصح أن يدخل في الصلاة على أنه بالخيار بين أن يتمادى لأربع أو يقتصر على ركعتين.
المازري: وكأنه رأى أن عدد الركعات لا يلزم المصلي أن يعتقده في نيته.
قال: ولا شك أن المصلي إذا لم يلزمه التعرض للركعات أنه يباح له الدخول في الصلاة على الخيار.
وفي اللباب: إذا أحرم بصلاة الظهر مطلقاً، ولم ينوِ قصراً ولا إتماماً يتم صلاته.
وهو قول الشافعي أيضاً.
قال المازري: قالت الشافعية: لا يجوز القصر حتى ينويه عند الإحرام.
فيمكن أن يكونوا قالوا بذلك بناء على اعتبار الركعات، أو بناء على أن الأصل الأربع، والسفر طارئ.
فإذا لم يقصد الطارئ خوطب بما هو الأصل المستقر، وهذا الثاني هو الذي عللوا به.
انتهى.
وقد يعكس ما قاله الشافعية أن سنة المسافر القصر فلا يعدل عنها.
وعلى هذا فالأقرب في مسألة من دخل ساهياً إلحاقها بناوي القصر.
وقوله: (كَمَا لَوْ جَهِلَ الْمُسَافِرُ أَمْرَ إِمَامِهِ) أي: هل هو مسافر أو مقيم؟ قال سحنون: تجزئه صلاته.
وقيل: لا تجزئه.
وأما إذا اعتقد حالة وظهر خلافها؛ مثل أن يدخل خلف إمام يظنه مسافراً فيجده مقيماً أو بالعكس، فحكى المصنف في ذلك قولين، وتصورهما ظاهر.
ولنذكر كلام مالك في العتبية، وكلام صاحب البيان عليه فإنه هنا حسن، وذلك لأنه قال: قال مالك في العتبية: فيمن مر بقوم فصلى معهم ركعتين فسلم إمامهم، فتبين له أنهم مقيمون وسبقوه بركعتين، وكان يظن أنهم قوم سفر، قال: يعيد أحب إليه.
قال سحنون: وذلك إذا كان الداخل مسافراً.
قال ابن رشد: وقول سحنون مفسر لقول مالك؛ لأنه لو كان مقيماً لأتم صلاته ولم يضره وجود القوم على خلاف ما حسبهم عليه من القصر أو الإتمام؛ لأن الإتمام واجب عليه في الوجهين، فلا تأثير لمخالفة نيته لنية إمامه.
وقول مالك: يعيد أحب إلي؛ يريد في الوقت وبعده، أتم صلاته بعد صلاة
الإمام أو سلم معه على ما اختاره ابن المواز.
وقاله ابن القاسم في سماع عيسى.
وقال ابن حبيب: إنه يتم صلاته ويعيد في الوقت.
وقيل: لا إعادة عليه، وهو قول أشهب.
ووجه قول مالك في الإعادة أبداً مخالفة نيته لنية إمامه؛ لأنه إن سلم معه في الركعتين فقد خالفه في النية والفعل، وإن أتم صلاته فقد خالفه في النية وأتم صلاته على خلاف ما أحرم.
وأما إذا دخل المسافر فرفع مع القوم فظن أنهم حضريون فألفاهم مسافرين فسلموا من ركعتين، فقال مالك في العتبية: صلاته مجزئة وذلك خلاف أصله في هذه المسألة في مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه، وخلاف مذهبه في المدونة؛ لأن فيها: في المسافر إذا أحرم بنية أربع ركعات ثم بدا له فسلم من ركعتين أنها لا تجزئه.
وقال ابن حبيب أشهب أن صلاته جائزة؛ لأنهما لا يعتبران مخالفة نيته لنية إمامه وإتمامه على خلاف ما أحرم به.
ولابن القاسم في الموازية أن صلاته لا تجزئه، وهو اختيار ابن المواز أن صلاته لا تجزئه في الوجهين لمخالفة نيته لنية إمامه.
وقال سحنون: يعيد في الوقت، ولو دخل المسافر خلف القوم يظنهم مقيمين، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم، فلم يدرِ هل كانوا مقيمين أو مسافرين لأتم صلاته أربعاً، ثم أعاد صلاة مسافر.
قاله ابن القاسم.
ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهو لا يعلم أكانوا مقيمين أو مسافرين لأجزأته صلاته قولاً واحداً، والحجة في ذلك إهلال علي وأبي موسى بما أهل به عليه الصلاة والسلام، وصوب عليه الصلاة والسلام فعليهما.
انتهى باختصار.
وبنى المصنف الخلاف على الخلاف في تعيين عدد الركعات، وهو ظاهر إلا في مسألة ما إذا جهل أمر إمامه، فإنه في هذه المسألة نوى ما نوى إمامه، فقام ذلك مقام نية عدد الركعات، فتأمله.
وأيضاً فحكايته فيها الخلاف مخالفة لما تقدم من كلام صاحب البيان.
فَإِنْ أَمَّ فَعَلَيْهِمَا وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ
يعني: فتصح لهم على القول بالصحة، وتبطل على الآخر.
وقوله: (وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ) يعني: إذا قلنا بالصحة فقصر أو أتم فأجر حكم المأمومين فيما يصنعونه على ما تقدم.
فإن قصر أتم المقيمون أفذاذاً بعد سلامه، وإن أتم أعاد هو ومن اتبعه من مسافر ومقيم في الوقت.
وأعاد من لم يتبعه أبداً على الأصح.
وَرَوى ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَقْتَدِي بمُقِيمٍ، فَإِنِ اقْتَدَى أَتَمَّ وَصَحَّتْ.
وَقَالَ: وَلا يُعِيدُ.
وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِثلَهُ، وَقَالَ: وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إلا فِي الْمَسَاجِدِ الكِبَارِ بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحٍ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْقَصْرِ أَوِ الْعَكْسِ.
معناه: لا ينبغي أن يأتم المسافر بالمقيم؛ لأنه يلزمه اتباعه على ظاهر المذهب، فتذهب في حقه السنة.
وعلى قول أشهب بالجلوس حتى يسلم الإمام فيسلم بسلامه يكره له أيضاً [83/ ب] لمخالفة الإمام، وما ذكره المصنف أنه رواية ابن القاسم هو المشهور.
قال في الجواهر: ورواه أيضاً ابن الماجشون.
وروى ابن شعبان: لا بأس بصلاة المسافر خلف المقيم لفضله وسنه وفهمه.
ومنشأ الخلاف النظر إلى الترجيح بين فضيلتي الجماعة والقصر.
انتهى.
ولم يحكِ في الجواهر إلا هذين القولين.
وقال اللخمي: اختلف في صلاة المسافر على القول بالسنية: هل الأفضل القصر أو الجماعة إتماماً؟ لأن الجماعة أيضاً سنة ويتضاعف الأجر فيها بسبعة وعشرين ضعفاً.
وكان ابن عمر يقدم الجماعة، فإذا قدم مكة صلى مأموماً، وهو الظاهر من قول مالك.
ثم حكى الروايتين اللتين حكاهما في الجواهر.
وقوله: (وَقَالَ: لا يُعِيدُ ... إلخ) قال في الجواهر: أعاد عند ابن الماجشون في الوقت، ولم يعد عند ابن القاسم.
وكذلك روى مطرف أن الإعادة عليه.
وروى ابن الماجشون وأشهب أنه يعيد في الوقت، إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين، ومساجد الأمصار الكبار.
انتهى.
تنبيه:
إذا تأملت كلامه في الجواهر وجدته مخالفاً لكلام المصنف؛ لأنه في الجواهر جعل لابن الماجشون قولاً ورواية؛ فالقول بالإعادة بالوقت، والرواية بالإعادة إلا أن يكون في أحد المساجد الكبار.
ومقتضى كلام المصنف أن ابن الماجشون هو القائل بالإعادة إلا أن يكون في المساجد الكبار.
ولأن ابن شاس إنما جعل منشأ الخلاف الذي ذكره المصنف بين رواية ابن القاسم وابن شعبان.
والمصنف لم يذكر رواية ابن شعبان، وجعل المنشأ المذكور راجعاً إلى الإعادة؛ أي: إذا قلنا أن القصر أفضل أعاد لتحصيل الأفضل وإلا فلا.
وحكى بعضهم في اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه ثلاثة أقوال: الكراهة فيهما، والجواز فيهما، وجواز اقتداء المقيم بالمسافر وكراهة العكس.
ابن راشد: والمعروف الأول.
ونص ابن حبيب وغيره على أن اقتداء المقيم بالمسافر أقل كراهة؛ لما يلزم عليه من تغيير السنة في اقتداء المسافر بالمقيم بخلاف العكس.
وقال ابن حبيب: أجمع رواة مالك على أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون أنه يصلي بالمقيمين مقيم وبالمسافرين مسافر إلا في المساجد الكبار التي يصلي فيها الأئمة.
قال المازري: يعني الأمراء، فإن الإمام يصلي بصلاته، فإن كان مقيماً أتم معه المسافر وإن كان مسافراً أتم مَن خلفَه من المقيمين.
فَإِنْ قُلْنَا: الْقَصْرُ فَرْضٌ فَالْقيّاسُ بُطْلانُهَا إِنْ أَتَمَّ، فَإِنِ ائْتَمَّ بِمقُِيمٍ فَقِيلَ: تَبْطُلُ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ وَيَنْتَقِلُ كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ.
وَقِيلَ: وَلا يَنْتَقِلُ وَيَنْتَظِرُهُ.
وَقِيلَ: وَيُسَلَّمُ ....
يعني: القياس على الفريضة بطلانها إذا أتم، إن اقتدى بمقيم فقال عبد الوهاب وبعض المتأخرين: تبطل الصلاة.
وقال بعضهم: لا يمتنع أن يكون القصر فرضه.
فإن ائتم بمقيم انتقل فرضه لفرض المقيم كالمرأة والعبد في الجمعة.
وقال بعضهم: يُقتدى به في الركعتين خاصة.
ثم اختلفوا هل يسلم ويتركه أو ينتظره فيسلم معه.
وانفضل الأبهري عن تشبيه من يشبه بالجمعة؛ لأن المرأة والعبد دخلا في الخطاب في الجمعة، وعذرا في
التخلف لشغلهما بخدمة السيد والزوج وكون المرأة عورة، فصار كالمريض والمسافر المخاطبين في الأصل المعذورين بما طرأ عليهما.
تنبيهان:
الأول: بنى المصنف القول بالانتظار والقول بالسلام على الفريضة تبعاً لابن شاس، وحكاهما ابن رشد وغيره مطلقاً ولم يقيدوه في الفرض ولا بالسنية.
الثاني: لا شك على القول بالتخيير، أو بأن القصر أفضل مع التخيير بينه وبين الإتمام أن المسافر يقتدي بالمقيم؛ لأن الجماعة سنة فهي آكد.
سَبَبُهُ: سَفَرٌ طَوِيلٌ بَشَرْطِ الْعَزْمِ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَالشُّرُوعُ فِيهِ، وَإبَاحَتُهُ ....
إنما شرط العزم في أوله؛ لأنه إذا لم يكن العزم في أوله فهو في المعنى سفران أو أكثر.
وسيأتي ما احترز منه بهذه القيود.
وقوله: (وَالشُّرُوعُ فِيهِ، وَإبَاحَتُهُ) يحتمل أن يرفعا وأن يخفضا؛ فعلى الأول يكون سبب القصر مركباً من ثلاثة أجزاء: الطول، والشروع فيه، والإباحة.
وعلى الثاني يكون السبب واحداً وما بعده شروط له.
وَالطَّوِيلُ: أَرْبَعَةُ بُرُدٍ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَارَبَعُونَ مِيلاً، وَمَا رُويَ مِنْ يَوْمَيْنِ، وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُحَقَّقِينَ، وَرُوِيَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلاً.
وَقِيلَ: اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِذَا قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ مِيلاً أَجْزَأَهُ.
وَأَنْكَرَ فَقِيلَ: يُعِيدُ أَبَداً.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: فِي الْوَقْتِ ..........
يعني: أن ما روي عن مالك من يومين ويوم وليلة فهو راجع إلى التحقيق إلى ثمانية وأربعين ميلاً.
وروى جماعة أن هذا اختلاف قول، وليس هؤلاء عند المصنف بمحققين، وفيه شيء؛ لأن عياضاً نقل أن الأكثر حملوا ذلك على الخلاف.
وروي عن مالك في
العتبية أنه يقصر في خمسة وأربعين ميلاً.
وروى أبو قرة أنه يقصر في ثلاثة بُرُد ونصف؛ وتُعد اثنين وأربعين ميلاً.
وقال ابن الماجشون: يقصر في أربعين ميلاً.
وقال ابن حبيب في الواضحة: [84/ أ] وقال يحيى بن عمر: قول ابن الماجشون يجزئه إذا قصر في ستة وثلاثين ميلاً.
لا أعرفه لأصحابنا ويعيد فاعل ذلك أبداً.
وقال ابن عبد الحكم: في الوقت.
وقول المصنف: (فَقِيلَ: يُعِيدُ أَبَداً) فيه نظر؛ لأنه هو المذهب؛ إذ المسافة ثمانية وأربعون ميلاً، فكيف يعبر عنه؟ فقيل: ولو أسقطه لعلم.
ووقع في بعض النسخ عوض (أَجْزَأَهُ) (جاز) وليس بشيء؛ لأن الإقدام على ذلك لا يجوز.
وقال ابن بشير: لا أجد من أهل المذهب من يقول بقصر في أقل من أربعين ميلاً.
ابن رشد وغيره: ولا خلاف في المذهب في أن من قصر في أقل من ستة وثلاثين ميلاً أنه يعيد أبداً.
والبريد: أربعة فراسخ.
والفرسخ: ثلاثة أميال.
والميل: قال ابن عبد البر: أصح ما قيل فيه أنه فيه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع.
انتهى.
ووقع في بعض النسخ: والميل ألفاً ذراع على المشهور.
وفي البيان: الميل ألفا ذراع؛ وهي ألف باع.
قيل: بباع الفرس.
وقيل: بباع الجمل.
قال ابن القصار: ويقال أن الفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، وكل خطوة ثلاثة أقدام بعضها عقب بعض.
فرع:
ويراعى في البحر أربعة برد أيضاً على المشهور.
وقال في المبسوط: يقصر إذا سافر اليوم التام.
قال بعضهم: يريد اليوم والليلة.
وقال بعضهم: إن سافر مع الساحل فالبريد، وإن سافر في اللجة فبالزمان.
هكذا حكى هذا الثالث صاحب العمدة عن بعضهم.
وجعله ابن بشير تفسيراً لقول عبد الملك في المجموعة: وإن توجه إلى سفر فيه بر وبحر فإن كان في أقصاه فاتصل البر مع البحر ما تقصر فيه قصر إذا برز.
قال ابن المواز: إذا كان ليس بينه وبين البحر ما يقصر فيه فانظر فإن كان المركب لا يخرج إلا بالريح فلا يقصر
حتى يركب ويبرز عن موضع نزوله.
ابن يونس: ينظر إذا كان في سفره من ذلك الموضع ما يقصر فيه.
قال ابن المواز: وإن كان يخرج بالريح وبالمقدف فليقصر حين يبرز من قريته.
وحمل الباجي قول عبد الملك وابن المواز على الخلاف.
وَلا يُلَفَّقُ الرُّجُوعُ مَعَهُ بَلْ يُعْتَبَرُ أَيْضاً وَحْدَهُ، وَلِذَلِكَ يُتِمُّ الرَّاجِعُ لا لِشَيْءٍ إِلَى مَا دُونَ الطَّوِيلِ، فَإِنْ رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ فِي وََطَنِهِ فَقَوْلانِ
يعني: هذا هو الذي يعني أهل المذهب بقولهم: يشترط أن يكون السفر وجهاً واحداً، ولا يعنون بذلك أن تكون طريقة مستقيمة، وإنما يعنون أن تكون الجهة التي يقصدها أربعة بُرُد، فقد قال مالك في المدونة في الذي يدور في القرى، وفي دورانه أربعة بُرُد أنه يقصر.
ابن القاسم: وكذلك السعاة.
وقوله: (وَلِذَلِكَ ... إلخ) أي: ولأجل الحكم على الرجوع أنه سفر ثانٍ ينظر في الراجع لا لشيء نسيه، فإن كان في رجوعه مسافةُ قَصْرِ قَصَرَ وإلا فلا.
واختلف إذا رجع لشيء نسيه وإن لم يكن في ذلك مسافة القصر، فقال مالك وابن القاسم: لا يقصر؛ لأن رجوعه سفر مبتدأ.
ابن عبد السلام وابن هارون: وهو المشهور.
وقال ابن الماجشون: يقصر؛ لأن المانع من قصره نية الإقامة وهي مفقودة.
وحكى في الموازية القولين عن مالك.
ولا شك على القولين أنه إذا دخل وطنه يتم.
وَيَقْصُرُ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ وَلَيْسَ بطَوِيلٍ
أي: وإنما يقصر للسنة.
وقوله: (وَغَيْرُهُ) يحتمل من دخل مكة وليس من أهلها، ويحتمل من أهل منى ونحوها.
وَلا يَقْصُرُ مَنْ عَدَلَ عَنِ الْقَصْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ
أي: إذا كان للموضع الذي يقصده طريقان إحداهما فيها مسافة القصر والأخرى قصيرة، فإذا ترك السير من القصيرة وعدل إلى البعيدة فإن كان ذلك لعذر كخوف أو
وعر فيها قَصَر، وإن كان لغير عذر فلا يقصر.
وكذلك إذا سافر في غير طريق الناس، فكان في سفره أربعة بُرُد، وطريق الناس ليس فيها ذلك.
وهذا مبني على أن اللاهي بصيده وشبهه لا يقصر.
وأما على القول بأنه يقصر فلا شك في تقصير هذا، والله أعلم، وهنا انتهى كلام المصنف على ما يتعلق بقوله: (سفر طويل).
وَلا يَقْصُرُ طَالِبُ الآبقِ إِلا أَنْ يَعْلَمَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ دُونَهُ وَكذَلِكَ الْهَائِمُ
هذا راجع إلى قوله: (بشرط العزم من أوله على قدره)، فلهذا لا يقصر طالب الآبق ونحوه؛ لأنه لا يعزم على المسافة في أوله، بل لو وجده بعد بريد رجع.
قوله: (إِلا أَنْ يَعْلَمَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ دُونَهُ) بل وإليه أشار ابن يونس.
واختلف أصحابنا المتأخرون إذا كان لما بلغ هذا الذي خرج في طلب الآبق على رأس أربعة بُرُد فأراد الرجوع فقيل له: إن حاجتك في موضع كذا على بريدين من بين يديك، أو عن يمينك، أو عن شمالك.
فقال: أنا أبلغ ذلك الموضع، ثم أتمادى منه إلى داري على كل حال وجدته أم لا.
فذهب بعض أصحابنا أنه لا يقصر حتى يرجع من الموضع الذي ذكر له أن العبد فيه؛ لأنه لا يضاف مسير إلى رجوع.
وظهر لي ولغيري من أصحابنا أنه يقصر؛ لأنه قد نوى الرجوع [84/ ب] انتهى.
وفسر ابن عبد السلام وابن هارون الهائم بالتائه عن طريق القصد إذا لم يكن يبعد عن مبدأ سفره في طريق القصد المسافة المذكورة.
واعترض ابن هارون عليه بأن إطلاقه المنع لا يصح؛ إذ لو تاه بعد مسافة القصر وكان منتهى بعد لقصر.
وفسره ابن راشد وشيخنا بالذي لا يعزم على مسافة معلومة.
قال شيخنا: كالفقراء المجردين، فإنهم يخرجون على غير موضع معلوم، وحيث طابت لهم بلدة أقاموا بها.
وتفسير شيخنا أولى.
وقد نص مالك في المجموعة على نظيره، فقال في الرعاة الذين يتبعون الكلأ بمواشيهم أنهم يتمون.
نقله اللخمي.
ويحتاج تفسير ابن عبد السلام إلى نقل يعضده.
وَفِيمَنْ عَزَمَ وَانْفَصَلَ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً مُتَرَدِّداً إِنْ لَمْ يَسِيرُوا قَوْلانِ
هذا راجع إلى قوله: (من غير تردد).
وحاصله أنه إن لم يسر إلا بسيرهم أتم، وإن كان إن لم يسيروا سار قصر، واختلف إذا كان يتردد في السفر وعدمه، إذا لم يسيروا على قولين، وهذه طريقة جماعة والأقرب عليها عدم القصر؛ إذ الأصل الإتمام ولم يتحقق المبيح.
ومقتضى كلام ابن يونس أن الخلاف جارٍ ولو كان يسير على كل حال، فإنه قال: قال مالك في العتبية في الأمير يخرج من المدينة على ثلاثة أميال حتى يتكامل أقرباؤه وحشمه قال: لا يقصر حتى يُجمِع على المسير.
يريد فيقصر إذا برز من الموضع الذي تكامل فيه الجيش، وقال فيمن خرج من الفسطاط إلى بئر عميرة، وهو يقيم ثَمَّ اليومَ واليومين كما تصنع الأكرياء حتى تجتمع الناء: أنه يقصر.
قال أبو محمد: قال يحيى: ولم يرَ ذلك في الأمير يخرج على الميلين حتى يجتمع ثَقَلُه.
وقال: ويتم.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: أحب إليَّ أن يتم إذا كان الأكرياء يحبسون الناس.
ابن يونس: الأمير وغيرهم سواء، وإنما ذلك اختلاف من قوله.
وقيل: الفرق أن الأمير السير إليه وهو القاصد للإقامة، والخارج إلى بئر عميرة ليست الإقامة إليه، بل خرج على النفاد.
ابن يونس: ولو عكس هذا لكان أصوب؛ لأن الأمير إليه السير وعادته الخروج عازماً على السفر، والآخر ليس إليه السير وإنما سيره لسير الأكرياء، فهو كمن واعد قوماً للسفر وهو لا يسير إلا بسيرهم.
انتهى.
وروى في البيان أن ذلك يتفق عليه.
وحمل مسألة الأمير على أنه عزم ألا يسير إلا بعد أربعة أيام.
قال: ولو خرج على أن يقيم اليوم واليومين حتى يجتمع إليه جيشه وخدمه
لوجب أن يقصر كما في بئر عميرة.
وقد كان بعض الشيوخ يفرق بينهما بأن الأمير لما كان لا يمكنه السفر إلا مع حشمه- وقد لا يجمع- وجب أن يتم، بخلاف الخارج إلى بئر عميرة.
قال: ومنهم من حمل ذلك على التعارض ويقول: الأمير أحق بالقصر؛ لأنه قادر على أن يجبر حشمه.
وَيُشْتَرَطُ فِي الشُّرُوعِ مُجَاوَزَةُ بِنَاءٍ خَارِجَ الْبَلَدِ وَبَسَاتِينِهِ الَّتِي فِي حُكْمِهِ، وَفِي الْعَمُودِيِّ بُيُوتُ الْحِلَّةِ، وَفِي غَيْرِهِ الانفِصَالُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَقْصُرُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُمُعَةٍ ....
هذا راجع إلى قوله أولاً: (الشُّرُوعِ) لأن الأصل الإتمام والقاعدة أن النية لا تخرج عن الأصل إلا إذا قارنها الفعل.
وقسم المصنف المحل المنفصل عنه؛ فإن كان بلداً فقولان: المشهور اشتراط مجاوزة بناء خارج البلد وبساتينه التي في حكمه التي لا تنقطع عمارتها، ولا اعتبار بالمزارع.
وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه إن كان من المدن التي يُجمَع فيها فمبدؤه إذا جاوز بيوت القرية بثلاثة أميال، وإن خرج من قرية لا يُجمَع فيها فكالأول.
هكذا نقل الباجي والمازري هذا القول، وفي نقل المصنف له نقص وإيهام أنهما قالا بذلك ولم يروياه، وهو ظاهر لأن حقيقة السفر في هذا الباب وفي باب الجمعة واحدة، فكما أن الجمعة لا تسقط عمن دون ثلاثة أميال؛ لأنه في معنى الحاضر، كذلك لا يقصر حتى يجاوزها، وحمل الباجي وغيره رواية ابن الماجشون على الخلاف.
وصرح الباجي بمشهورية الأول وهو ظاهر كلام اللخمي وغيره، وحملها ابن رشد على التفسير.
والضمير في (بَسَاتِينِهِ) عائد على البلد، والضمير في (حُكْمِهِ) يحتمل عوده على البلد، أو على لفظة (بناء خارجه).
قوله: (وَفِي الْعَمُودِيِّ بُيُوتُ الْحِلَّةِ) يعني: والبدوي لا يقصر حتى يجاوز بيوت الحِلَّة.
قوله: (وَفِي غَيْرِهِ الانفِصَالُ) أي: عن منزله كالساكن بجبل.
فرع:
من أدركه الوقت في الحضر، فقال ابن حبيب: إن شاء خرج وقصرها، وإن شاء صلاها حضرية ثم سافر.
وَالْقَصْرُ إِلَيْهِ كَالْقَصْرِ مِنْهُ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ: حَتَّى يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ
يعني: منتهى القصر في الدخول هو مبدأ القصر في الخروج.
ووجه ما في المجموعة أنا شرطنا أولاً: مجاوزة البلد لأنها مظنة العوائق، بخلاف الرجوع.
وما ذكره المصنف مخالف لظاهر الرسالة؛ إذ فيها،: ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس [85/ أ] بين يديه ولا بحذائه منها شيء.
ثم قال: ولا يزال يقصر حتى يدخل بيوت القرية أو يقاربها.
وكذلك قال في المدونة، وظاهرهما أن مبدأ القصر خلاف منتهاه.
وَلا يَتَرَخَّصُ للعَّاصِي بسَفَرِهِ كَالآبقِ وَالْعَاقِّ بِالسَّفَرِ عَلَى الأَصَحِّ مَا لَمْ يَتُبْ إِلا فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ عَلَى الأَصَحِّ ....
ما عبر عنه المصنف بـ (الأَصَحِّ) عبر عنه المازري وغيره بالمشهور، ومقابله لمالك.
وأسقط لفظ السفر من الآبق؛ لأنه لا يكون في الغالب إلا مع سفر.
وقاس مقابل المشهور- جواز قصره- على العاصي في سفره فإنه يقصر، وعنه احترز المصنف بقوله: (للعَّاصِي بِسَفَرِه).
وإنما كان الأصح في أكل الميتة الجواز حفظاً للنفوس، بل ترك الأكل معصية.
وقوله: (مَا لَمْ يَتُبْ) ظاهر.
ومقابل الأصح في الميتة لابن حبيب.
وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ كَصَيْدِ اللهْوِ
أي: وكذلك لا يقصر في السفر المكروه كصيد اللهو.
وعلى قول ابن عبد الحكم بإباحة الصيد للهو يقصر.
وكذلك قال ابن شعبان: وإن قصر لم يُعد للاختلاف فيه.
وَتَقْطَعُهُ نِيَّةُ إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي خِلالِهِ عَلَى الأَصَحِّ.
ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسُحْنُونٌ: عِشْرُونَ صَلاةً ....
أي: وتقطع القصر نية إقامة أربعة أيام لا إقامتها، فإنه لو أقام ولو شهوراً من غير نية الإقامة، بل كان لحاجة وهو يرجو قضاءها كل يوم قصر.
فالقاطع نية الإقامة لا الإقامة.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ فِي خِلالِهِ عَلَى الأَصَحِّ) أشار إلى فرع؛ وهو إذا خرج لسفر طويل ناوياً أن يسير ما لا تقصر فيه الصلاة، ويقيم أربعة أيام ثم يسير ما بقي من المسافة فلا شك في إتمامه في مقامه، وهل يقصر في سفره، ويلفق بعضها إلى بعض أو لا؟ فيه قولان ذكرهما صاحب النوادر واللخمي وابن يونس.
وصحح المصنف الإتمام لأنه قول ابن القاسم في العتبية، وهو قول ابن المواز، والقول بالقصر لسحنون وابن الماجشون.
قال في البيان: فابن القاسم ينظر إلى ما بقي من سفره بعد الإقامة؛ فإن بقي مسافة القصر قصر وإلا فلا، وسحنون ينظر إلى نيته في ابتداء سفره، فإن كان ذلك تقصر فيه الصلاة قصر في مسيره ذلك وإن تخللته إقامة أربعة أيام، نوى الإقامة من أول سفره أو لم ينوها.
انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (وَإِنْ كَانَتْ فِي خِلالِهِ) أي: الإقامة سواء كانت في أول السفر منوية أو لا، كما نقله صاحب البيان.
ومنشأ الخلاف: هل الإقامة تصير ما قبلها وما بعدها أسفار مستقلة أم لا؟ وهو سفر واحد، وهذا التقدير هنا هو الظاهر، وجوز فيه ابن عبد السلام وجهاً آخر؛ وهو أن يكون قولهم: (عَلَى الأَصَحِّ) راجعاً إلى صدر المسألة؛ وهو قوله: (وَتَقْطَعُهُ نِيَّةُ إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ).
ويكون قول ابن الماجشون بياناً لمقابل الأصح.
وإنما قلنا الأول أظهر؛ لأنه يستفاد منه فائدة زائدة.
واعلم أن الأربعة الأيام تستلزم عشرين صلاة، بخلاف العكس؛ إذ لو دخل قبل العصر ولم يكن صلى الظهر ونوى أن يصلي الصبح في اليوم الرابع ثم يخرج فقد نوى عشرين صلاة، ولم يكن معه إلا ثلاثة أيام.
وَعَلَى الأَيَّامِ لا يُعْتَدُّ بيَوْمِ الدُّخُولِ إِلا أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلَهُ.
ابْنُ نَافِعٍ: يُعْتَدُّ بِهِ إِلَى مِثْلِ وَقْتِهِ .....
قوله: (أَوَّلَهُ) يريد: قبل الفجر، ولهذه المسألة نظائر قد نظمت فقيل:
تلفق أيام يخالف بعضها لبعض على مر الليالي يرفع
فحلف وسفر واعتداد وعهدة خيار كراء والعقيقة سابع
قيل: ومذهب ابن القاسم في السبعة الإلغاء.
فرع:
لو عزم بعد الأربعة على السفر فقال سحنون: لا يقصر حتى يظعن كابتدء السفر.
وقال ابن حبيب: يقصر دفعاً للنية بالنية.
وَمُرُورُهُ بِوَطَنِهِ أَوْ مَا فِي حُكْمِ وَطَنِهِ كَنِيَّةِ إِقَامَتِهِ
أي: مرور المسافر بوطنه، أو ما في حكمه؛ أي: من البساتين المسكونة كنية إقامته وإن لم يعزم على الإقامة؛ لأن مروره بوطنه مظنة تَعوُّقه فيه بأن يطرأ له ما يقتضي إقامته.
وَالْعِلْمُ بِهِمَا بِالْعَادَةِ مِثْلُهُمَا وَإِلا قَصَرَ أَبَداً وَلَوْ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ
ابن عبد السلام وابن هارون: أي: والعلم بمروره بالوطن أو ما في حكم الوطن كمروره بهما.
وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول: الضمير في (بِهِمَا) عائد على الوطن والإقامة.
ويرجح هذا على الأول بأن حكم الوطن ليس ثابتاً في كل النسخ.
ومثال العلم بالإقامة ما علم بالعادة أنه لا بد من إقامة الحاج في العقبة أو في مكة أربعة أيام.
ولم يقع في نسخة ابن راشد إلا: والعلم بها بالعادة مثلها.
وقال: يعني أن العلم بإقامة أربعة أيام بالعادة كنية الإقامة.
واعلم أن المرور بالوطن لا يقطع القصر إلا بالوصول،
وأما العلم [85/ب] بالمرور فيقطع السفر، ويغير حكمه قبل الوصول، فإن لم تكن نيته المرور بوطنه فلا يقطع قصره إلا مروره بالوطن، أو ما في حكمه.
ومن علم بالمرور بالوطن نظر ما بين مبدأ سفره ووطنه، فإن كان أربعة بُرُد فأكثر قصر، وإلا أتم.
واعترض كلام المصنف بأن نية الإقامة في تلك المدة مؤثرة في القصر مطلقاً، والمرور بالوطن إنما يمنع إذا لم يكن في المسافة التي قبله والتي بعده مسافة القصر، وأما إذا كان ذلك فلا يضره المرور بوطنه إلا أنه يتم إذا دخله حتى يبرز عنه، ولو كان فيما قبله مسافة القصر دون ما بعده قصر قبله لا بعده، وبالعكس فتجيء أربع صور نص عليها في المقدمات وبأن ظاهره أن مطلق المرور بالوطن مانع من القصر، وليس كذلك، وإنما يمنع بشرط دخوله أو نية دخوله لا إن اجتاز فقط.
أشار إلى هذا صاحب المقدمات وغيره، قال: وإن نوى من ليس قبل وطنه مسافة القصر ولا بعده دخول قريته، فلما سار بعض الطريق انصرفت نيته عن ذلك فنوى ألا يدخلها نظر إلى ما بقي من سفره؛ فإن كان ما تقصر فيه الصلاة قصر وإلا فلا، وإن نوى عدم دخولها فقصر، فلما سار بعض الطريق انصرفت نيته عن ذلك فنوى دخولها، فقال سحنون: يتمادى على القصر حتى يدخلها.
ووجهه أن بدء القصر قد وجب عليه فلا ينتقل عنه إلى الإتمام إلا بنية المقام أو بحلول موضعه.
وقال غيره: يتم بمنزلة ما لو نوى دخولها من أول سفره؛ إذ ليس فيما بينه وبينها أربعة برد.
انتهى بمعناه.
وقد يجاب عن الأول بأنه إذا سلَّم أنه إذا دخل الوطن يتم فهو المراد، وليس مراد المصنف غيره، ويصدق عليه حينئذٍ أنه كنية الإقامة في قطعة القصر.
وعن الثاني بأن المراد بالمرور بالوطن الدخول فيه.
وقوله: (وَإِلا قَصَرَ أَبَداً) ولو في منتهى سفره؛ أي: فإن لم يمر بوطنه ولم يعلم بالإقامة قصر أبداً ولو في آخر سفره، كما لو سافر إلى الإسكندرية ودخلها ولم ينو بها إقامة أربعة أيام فإنه يقصر بها.
وَالْوَطَنُ هُنَا مَا فِيهِ زَوْجةٌ مَدْخُولٌ بهَا أَوْ سُرِّيَّةٌ بِخِلافِ وَلَدِهِ وَخَدَمِهِ إِلا أَنْ يَسْتَوْطِنَهُ
قيد الزوجة بالدخول؛ لأنها لو كانت غير مدخول بها لم يكن ما هي فيه وطن، وبذلك صرح ابن المواز.
وما ذكره من إلحاق السُّرِّية بالزوجة في ذلك نص عليه ابن حبيب.
ابن راشد: وقوله: (إِلا أَنْ يَسْتَوْطِنَهُ) أي: إلا أن يستوطن موضع الأولاد والخدم، وكذلك أيضاً إذا استوطن مكاناً ولم يكن له به خدم ولا ولد.
وحاصله: إن استوطن محلاًّ فهو وطن سواء كان عازباً أو غيره، وإن لم يستوطنه فإن كان فيه زوجة مدخول بها فوطن وإلا فلا.
ابن عبد السلام: وإنما جرت عادة الفقهاء يذكرون كلام المصنف تفسيراً لما في حكم الوطن، وإلا فالوطن معروف لاشتراك جميع الناس فيه، وتفسير المصنف الوطن ليس بجامع، وإلا لزم أن الأعزب لا يكون مستوطناً.
انتهى.
وقد يجاب عنه بأن قوله: (إِلا أَنْ يَسْتَوْطِنَهُ) يقتضي أن الاستيطان متى حصل في محل كان وطناً.
فَإِنْ تَقَدَّمَ اسْتِيطَانٌ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مِنَ الطْوِيلِ غَيْرَ نَاوٍ إِقَامَةً كَمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَأَوْطَنَهَا ثُمَّ نَوَى أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ الْجُحْفةِ، ثُمَّ يُقِيمَ بِمَكَّةَ يَوْمَيْنِ وَيَخْرُجَ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى الْقَصْرِ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَاخْتَارُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ....
يعني: فإن تقدم للمسافر استيطان بمحل، ثم سافر من موضع استيطانه ناوياً العودة إليه لقضاء حاجته في يومين، فلا شك أنه يقصر في مسيره ورجوعه.
واختلف قول مالك في اليومين اللذين يقيم فيهما، والذي رجع إليه واختاره ابن القاسم القصر؛ لأنه قد رفض الاستيطان، وعودة من غير نية الاستيطان لا توجب الإتمام.
والضمير في (رجع من الطويل) عائد على المسافر، وفي (رَجَعَ إِلَى الْقَصْرِ) عائد إلى مالك.
وعادة المصنف
إطلاق الضمائر حيث لا لبس.
ابن يونس: ولو كان اعتماره من الْجِعْرَانة أو التنعيم، أو ما لا تقصر فيه الصلاة، ثم رجح إلى مكة، ونوى أن يقيم بها اليوم واليومين لأتم في ذلك بلا خلاف من قوله؛ لأنه في ذلك على نيته الأولى في الإتمام، فلا يزايلها إلا خروجه إلى سفر القصر.
انتهى.
وعن هذا احترز المصنف بقوله: (مِنَ الطْوِيلِ).
أَمَّا لَوْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ إِلَى مِثْلِهِ أَتَمَّ اتِّفَاقاً
الضمير في (مِثْلِهِ) عائد على الوطن، والمراد به ما في حكم الوطن.
وفي بعض النسخ: (أما لو ردته الريح إلى وطنه) هو كلام ظاهر.
ولو ردته الريح إلى موضع استيطانه، فأجراه ابن يونس على القولين المتقدمين فيمن أقام بمكة بضعة عشر يوماً.
وقال اللخمي: اختلف فيمن خرج مسافراً في البحر فسار أميالاً ثم ردته الريح، فقال مالك: يتم الصلاة.
يريد في رجوعه إلى البلد الذي أقلع منه وإن لم يكن [86/أ] له وطناً، إذا كان يتم فيه؛ لأنه لم يصح رفضه.
وقال سحنون: يقصر إذا لم يكن له مسكن.
يريد: لما لم يكن رجوعه باختياره فكان كالمكره، ولو رده غاصب لكان على القصر في رجوعه وفي إقامته إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام.
انتهى.
انظر ما الفرق بين الغاصب والريح.
وَإِذَا نَوَى الإِقَامَةَ بَعْدَ صَلاةٍ لَمْ يُعِدْ عَلَى الأَصَحِّ
الأصح ومقابله لمالك، والأصح واضح، ومقابله هو مذهب المدونة.
قال فيها: وإن نوى الإقامة بعد تمامها فلا إعادة عليه إلا استحباباً.
ابن عبد السلام: ويكاد يكون لا وجه له إلا أن يقال: إن نية الإقامة على العادة لا بد لها من تروٍّ، فإذا جزم بالإقامة بعد الصلاة فلعل مبدأ نيته كان في الصلاة فاحتيط لذلك بالإعادة في الوقت.
وَأَمَّا فِي أَثَنَائِهَا فَفِي إِجْزَائِهَا حَضَرِيَّةً قَوْلانِ، وَعَلَى النَّفْي فَفِي إِجْزَائِهَا سَفَرِيَّةً قَوْلانِ، وعَلَى النَّفْيِ فَفِي قَطْعِهَا أَوْ جَعْلِهَا نَافِلَةً قَوْلانِ، وَعَلَيْهِ ففِي بُطْلانِ صَلاةِ الْمُؤْتَمِّينَ قَوْلانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُصَلِّيهَا حَضَرِيَّةً وَرَاءَ الْمُستَخْلَفِ بَعْدَ الْقَطْعِ ...
قوله: (وَأَمَّا فِي أَثَنَائِهَا فَفِي إِجْزَائِهَا حَضَرِيَّةً قَوْلانِ) أي: في أثناء الصلاة.
والقولان حكاهما ابن بشير وبناهما على الخلاف في عدد الركعات.
والقول بأنه يصليها حضرية نقله أبو الحسن الصغير عن أشهب، لكنه إنما نقله إذا عقد ركعة.
لكن إذا قاله بعد العقد فلأن يقوله قبل العقد أولى.
وفصل ابن الماجشون فقال: إن لم يعقد ركعة أتمها أربعاً إن كان منفرداً، وإن كان إماماً يستخلف.
اللخمي: يتم هو علة إحرامه أربعاً، وإن عقد ركعة لزمه إتماها سفرية؛ لأنه لما عقد ركعة على السفر لزمه حكم السفر.
ومذهب المدونة أنها لا تجزئ حضرية بل ولا سفرية.
وإلى الكلام على إجزائها سفرية أشار بقوله: (وَعَلَى النَّفْي فَفِي إِجْزَائِهَا سَفَرِيَّةً قَوْلانِ).
والقول بأنه لا تجزئة سفرية نقله ابنبشير، وظاهر كلامه أنه لا فرق عليه بين أن يعقد ركعة أم لا.
قال في البيان: واختلف في المسافر ينوي الإقامة في صلاته على ثلاثة أقوال:
أولها: مذهب المدونة أن ذلك مفسد لصلاته، فهو كمن ذكر صلاة في صلاة، يخرج عن نافلة أو يقطع– على اختلاف في ذلك– ويصلي صلاة مقيم، وعلى هذا لا يستخلف الإمام.
وقال في العتبية: يستخلف من يتم بهم على أحد قولين في الإمام يذكر صلاة وهو في صلاة.
وقال عيسى في العتبية: أحب إليَّ أن ينقض عليهم في مسألة من نوى الإقامة بخلاف اختياره في الإمام يذكر صلاة في صلاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك خلافاً من قوله.
والأظهر أنه فرق بين المسألتين لقوة الاختلاف في الناوي للإقامة، فيكون الإمام على قول
من قال يتمادى على صلاته وتجزئه صلاته قد أفسد صلاته بالقطع متعمداً، فوجب أن تفسد عليهم.
والقول الثاني: وهو اختيار بعض المتأخرين أنه لا تأثير لتحول النية في إفساد صلاته فيتمادى عليها وتجزئه؛ كالمتيمم يدخل في الصلاة ثم يطلع عليه رجل معه ماء أنها يتمادى ولا يقطع.
ثم ذكر الثالث وهو قول ابن الماجشون المتقدم.
انتهى.
وقوله: (وَعَلَى النَّفْي فَفِي إِجْزَائِهَا سَفَرِيَّةً قَوْلانِ)، ونحوه في ابن بشير أيضاً قال: وسبب الخلاف أنه لابد هنا من القطع إما في الفعل أو النية، فأيهما يرجح.
انتهى.
انظر هل يتفق هنا على عدم القطع إذا عقد ركعة كمن ذكر صلاة في صلاة.
وقوله: (وَعَلَيْهِ ففِي بُطْلانِ صَلاةِ الْمُؤْتَمِّينَ قَوْلانِ) هما القولان اللذان تقدما من كلامه في البيان.
والضمير في (عليه) عائد على البطلان.
وقوله: (يُصَلَّيهَا حَضَرِيَّةً وَرَاءَ الْمُستَخْلَفِ) كذا قال ابن القاسم في العتبية أنه يصليها حضرية وراء المستخلف بعد أن يقطع الأولى.
زاد ابن بشير على ما قاله المصنف هنا: وإذا قلنا يتمها أربعاً فهل يجتزئ بها أو يعيد في الوقت قولان، والإعادة مراعاة للخلاف.
انتهى.
وَمَحِلُّهُ الرُّباعِيَّةُ الَّتِي أَدْرَكَ وَقْتَهَا فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَحْضُرْ قَبْلَ فِعْلهَا وَخُرُوجِهِ
هذا بيان لمحل القصر؛ يعني أنه لا يقصر من الصلاة إلا الرباعية التي أدرك وقتها في السفر بشرط ألا يحضر قبل فعلها؛ يريد: أو لا ينوي الإقامة، فإن حضر أو نوى الإقامة قبل أن يفعلها وقبل خروج وقتها وجبت حضرية.
فَيَقْصُرُ قَضَاءَ السَّفَرِيَّةِ حَضَراً وسَفَراً كَمَا يُتِمُّ الْحَضَرِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ فِيهِمَا
قوله: (فَيَقْصُرُ قَضَاءَ السَّفَرِيَّةِ) أي: التي ترتبت في ذمته وخرج وقتها في السفر، سواء قضاها فيه أو في الحضر.
(كَمَا يُتِمُّ الْحَضَرِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ) أي: التي ترتبت في ذمته وخرج وقتها.
(فيهما) أي: في الحضر والسفر.
الْجَمْعُ: أَسْبَابُهُ السَّفَرُ واَلْمَطَرُ وَاِجْتِمَاعُ الطِّينِ وَالْوَحْلِ [86/ ب] وَالظُّلْمَةِ.
وَفِي الطِّينِِ وَحْدَهُ قَوْلانِ.
وَالْمَرِيضُ إذاَ خَشِيَ الإِغْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَخْشْ فَقَوْلانِ، وَفِي الْخَوْفِ لابْنِ الْقَاسم ِقَوْلانِ ...
الجمع يقع في الشريعة في ستة مواضع: عرفة، والمزدلفة، والسفر، والمطر، والوحل مع الظلمة، والمرض، واختلف في الخوف.
وترك المصنف الكلام هنا على الأولين لباب الحج.
واعلم أنه إذا اجتمع المطر والطين والظلمة أو اثنان منهما جاز الجمع اتفاقاً، وإن انفرد واحد فإن كانت الظلمة لم يجز الجمع اتفاقاً، وإلا أدى إلى الجمع في أكث الليالي.
فإن انفرد الطين والمطر فقال صاحب العمدة: المشهور جواز الجمع لوجود المشقة.
وقال في الذخيرة: المشهور في الطين عدمه.
وهو الأظهر لأن المازري وسنداً وابن عطاء الله وغيرهم قالوا: ظاهر المذهب عدم الجواز في انفراد الطين لقوله في المدونة: ويجمع في الحضر بين المغرب والعشاء في المطر، وفي الطين والظلمة.
فاشترط الظلمة مع الطين.
وقوله: (وَالمرِيضُ إذاَ خَشِيَ الإِغْمَاءَ) هو المشهور، وسيأتي.
(وَإِنْ لَمْ يَخْشْ فَقَوْلانِ): ابن عبد السلام: وفيه نظر؛ لأنه لا يُعلم خلاف في جواز الجمع لصاحب البطن المنخرق ونحوه، وإنما الخلاف في وقت الجمع، وجعل نقل المصنف معكوساً؛ لأن الخلاف إنما هو في خائف الإغماء لا في ذي البطن المنخرق
ونحوه.
وقد نقل ابن بشير الاتفاق على جواز الجمع للمريض سواء خاف على عقله، أو كان الجمع أرفق به، وليس كذلك، فقد نقل ابن يونس والمازري وغيرهما عن ابن نافع أن خائف الإغماء لا يجمع، وأنه يصلي كل صلاة لوقتها فما أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يكن عليه قضاؤه.
وحكي ابن راشد قول ابن نافع في ذي البطن المنخرق، ولعله وهم وجعل خائف الإغماء يجمع بالاتفاق كابن بشير، ولعل السبب في ذلك الوقوف مع ظاهر كلام المصنف.
تنبيه:
حكي الباجي وصاحب المقدمات عن أشهب إجازة الجمع لغير سبب؛ لحديث ابن عباس: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف، ولا سفر، ولا مطر".
وعلى هذا فيمكن أن يريد المصنف بقوله: (وَفِي الْخَوْفِ لابْنِ الْقَاسم ِقَوْلانِ) قول أشهب.
والمذهب عدم جواز الجمع لغير سبب خلافاً لأشهب، وحينئذ يسقط عن المصنف اعتراض ابن عبد السلام المتقدم.
فإن قلت: أشهب لم يخصص بالمريض والمصنف إنما تكلم فيه؟ فالجواب أن أشهب إذا أجاز ذلك مطلقاً فلأن يجيزه في المريض من باب أولى.
فإن قلت: لعل مراد أشهب الجمع الصوري؟ فالجواب أن الباجي وابن رشد وغيرهما من الأئمة لم ينقلوه على ذلك، ولو كان كذلك لم يكن لنسبته لأشهب معنى، والله أعلم.
وقوله: (وَفِي الْخَوْفِ لابْنِ الْقَاسم ِقَوْلانِ) القولان هما في العتبية، والذي رجع إليه الجواز.
الباجي: ووجهه أن مشقته أكبر من مشقة السفر والمرض والمطر.
قال: وإذا قلنا بالجمع فإنه على ضربين كالمرض؛ إن كان خوفاً يتوقع مع تأخير الصلاة جمعهما في أول الوقت،