وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ مُغْتَفَرٌ بِخِلافِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ
أي: والذهول عن النية- بعد الاقتران- مغتفر للمشقة.
وكان سحنون يُعيدها، ولعله على الورع.
وعن ابن العربي: إن عزب بأمر خطر في الصلاة، أو بسبب عارض في الصلاة لم يضر، وإن كان بأسباب متقدمة دنيوية قَوِيَ تركُ الاعتداد.
خليل: وقوله: (بِخِلافِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ) أي: الرَّفْضِ، فإنها تبطل على الْمَشْهُورِ كالصوم، بخلاف الحج والوضوء، فإن الْمَشْهُورِ فيهما عدم الرفض، وقد تقدم هذا.
فإن قيل: فما الفرق على الْمَشْهُورِ؟ قلتُ: لأنه لما كان الوضوء معقول المعنى- بدليل أن الحنفية لم توجب فيه النية- والحج محتوٍ على أعمال مالية وبدنية لم يتأكد طلب النية فيهما، فرفضُ النية فيهما رفضٌ لما هو غير متأكد، وذلك مناسب لعدم اعتبار الرفض، ولأن الحج لما كان عبادة شاقة، ويُتمادى في فاسدِه- ناسَبَ أن يال بعدمِ الرفضِ رفعاً للمشقة الحاصلة على تقدير رفضه، والله تعالى أعلم.
وما ذكرناه هو الذي كان شيخنا رحمه الله يُمَشِّيه عليه، وهو الذي يؤخذ من الجواهر، وهو أحسن ممن حمل كلامه على عدم اغتفار عزوب النية عند الخروج من الصلاة، وأنه لابد من استصحابها عند الخروج بالسلام، لأن هذه المسألة سيذكرها المصنف، ويذكر فيها قولين.
فَلَوْ أَتَمَّهَا بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ سَهْواً أَوْ عَمْداً فقَوْلانِ
في هذه المسألة ثلاثة أقوال، يُفرق في الثالث بين العامد فتبطل، وبين الساهي فلا تبطل.
ثم هذه المسألة لها صور: إن سلم من اثنتين، ثم قام وأتى بركعتين بنية النافلة فالمعروف عدم الإجزاء، وإن لم يسلم فصورتان: الأولى: إن ظن أنه قد سلم من فريضته فقام إلى نافلة، فإن ذكر بالقُرب رجع إلى فريضته وسجد بعد السلام، وإن لم يذكر إلا بعد ركوعه في نافلته أو طول قراءته فالْمَشْهُورِ بطلان فريضته.
الصورة الثانية: أن يظن أنه في نافلة من غير أن يعتقد السلام، فالْمَشْهُورِ هنا الإجزاء، وقيل: لا يجزئ.
وصححه ابن الجلاب.
والفرق على الْمَشْهُورِ: أنه في الأولى لما ظن أنه سلم من الفريضة قَصد أنه في نافلة، وفي هذه لم يقصد أنه خرج من الفرض البتة، ولم يوجد منه قصد ذلك.
وَلَفْظُهُ: اللهُ أَكْبَرُ مُعَيَّناً وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيّاً، ولا يُجْزِئُ الأَكْبَرُ وَلا غَيْرُهُ، وَالْعَاجِزُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ، وَقِيلَ يَدْخُلُ لِلصَّلاةِ بِلِسَانِهِ .....
لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يرو أنه دخل الصلاة بغير هذه اللفظة، والمحل محل تعبد.
ولا يجزئ أكبار بإشباع فتحة الباء لتغيير المعنى، نص عليه سند.
قال في الذخيرة: وأما قول العامة: الله وكبر فله مدخل في الجواز، لأن الهمزة إذا وليتْ ضمةً جاز أن تقلب واواً.
(وَالْعَاجِزُ) أي: لجهلِه باللغة، فقال الأبهري: تكفيه النية.
المازري: وهو صحيح على أصلنا؛ لأن لفظ التكبير متعين عندنا.
واستعمال القياس فيه بالأبداًل لا يصح، ولم يأت الشرع ببدل منه عند العجز، كما أتى بالبدل في غيره من العبادات، والأصل براءة الذمة فلا يجب شيء إلا بدليل.
انتهى.
وقال أبو الفرج: يدخل بالحرف الذي دخل به الإسلام.
وذكر عبد الوهاب عن بعض شيوخه: أنه يدخل الصلاة بمرادف التكبير في لغته، ولا خلاف أنه لا يعوض القراءة في لغته؛ لأن الإعجاز في النظم العربي، والعاجز الجاهل باللغة هو محل الخلاف، وأما العاجز عن الكلام جملة فتكفيه النية اتفاقاً.
وَيَنْتَظِرُ الإِمَامُ بِهِ قَدْرَ مَا تَسْتَوِي الصُّفُوفُ
قوله: (وَيَنْتَظِرُ) روى ابن حبيب عن مالك أن ذلك لازمٌ، يريد على طريق الاستحباب، والضمير المجرور عائد على الإحرام، لأنه [53/أ] إن كبر بإثْرِ الإقامة؛
فالمأمومون إن تشاغلوا بتسوية الصفوف فاتهم جزء من الصلاة، ومن فاتته الفاتحة فقد فاته خير كثير، وإن لم يسووا صفوفهم فاتتهم فضيلة تسوية الصفوف، ولما في أبي داود عنه عليه الصلاة والسلام، أنه كان يسوي الصفوف فإذا استوت كبر.
ولما في الموطأ: أن عمر وعثمان– رضي الله عنهما– كانا يوكلان رجلين بتسوية الصفوف، فلا يكبران حتى يخبراهما أن قد استوت.
وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ.
وَقِيلَ: إِلَى الصَّدْرِ.
فَقِيلَ: قَائِمَتَيْنِ.
وَقِيلَ: بُطُونُهُمَا إِلَى الأَرْضِ.
وَقِيلَ: يُحَاذِي برُؤُوسِهِمَا الأُذُنَيْنِ ....
قوله: (وَيُسْتَحَبُّ) ظاهره أنه فضيلة، وكذلك نص ابن يونس.
وقال ابن أبي زيد وابن رشد: هو سنة.
ووقت الرفع عند الأخذ في التكبير، نص عليه ابن شاس.
وفي الرفع خمسة أقوال: المشهور أنه يرفع في تكبيرة الإحرام فقط، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا يرفع في شيء.
وروى ابن عبد الحكم: يرفع عند الإحرام والرفع من الركوع.
وروى ابن وهب: وعند الركوع.
وقال ابن وهب: وفي القيام من اثنتين.
ورفعهما إلى المنكبين هو المشهور، وإلى الصدر رواه أشهب، وإليه مال سحنون، والقول بأن بطونهما إلى الأرض لسحنون.
ومنشأ الخلاف: اختلاف الآثار والأحاديث.
والظاهر رفعهما قائمتين لعدم التكليف، وأنه يرفع عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من اثنتين لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، والله أعلم.
وَفِي سَدْلِ يَدَيْهِ أَوْ قَبْضِ الْيُمْنَى عَلَى الْكُوعِ تَحْتَ صَدْرِهِ ثَالِثُهَا، فِيهَا: لا بَاسَ فِي النَّافِلَةِ.
وَكَرِهَهُ فِي الْفَرِيضَةِ.
وَرَابعُهَا: تَاوِيلُهُ بالاعْتِمَادِ.
وَخَامِسُهَا: رَوَى أَشْهَبُ إِبَاحَتَهُمَا
الجواز فيهما في العتبية.
ابن راشد: والمنع فيهما رواه العراقيون، والتفصيل هو مذهب المدونة، قال فيها: ولا يضع يمناه على يسراه في فريضة، وذلك جائز في النوافل لطول القيام.
قال صاحب البيان: ظاهره أن الكراهة في الفرض والنفل، إلا إن أطال في النافلة فيجوز حينئذ.
وذهب غيره إلى أن مذهبه الجواز في النافلة مطلقاً؛ لجواز الاعتماد فيها من غير ضرورة.
وقوله: (وَرَابعُهَا: تَاوِيلُهُ بالاعْتِمَادِ) أي: تأويل الثالث، وهو تأويل عبد الوهاب.
وقال بعضهم: إنما كرهه مخافة أن يعتقد وجوبه، وإلا فهو مستحب.
وقال عياض: مخافة أن يُظهر من الخشوع ما لا يكون في الباطن.
وتفرقته في المدونة بين الفريضة والنافلة يرده ويرد الذي قبله.
وقوله: (وَخَامِسُهَا) إلى آخره؛ أي: روى أشهب إباحة السدل والقبض في الفرض والنفل، والتحقيق أنه لا يعد خلافًا إلا ما كان راجعًا إلى التصديق، أما ما كان راجعًا إلى التصور – كالقول الرابع – فلا.
وفي المذهب قول آخر باستحبابه في الفرض والنفل، قاله مالك في الواضحة، وهو اختيار اللخمي وابن رشد.
الْفَاتِحَةُ إِثْرُ التَّكْبيرِ، وَلا يَتَرَبَّصُ، وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَلا يَتَعَوَّذُ وَلا يُبَسْمِلُ، وَلَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُ وَيُبَسْمِلُ فِي النَّافِلةِ، وَلَمْ يَزَلِ الْقُرَّاءُ يَتَعَوَّذُونَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ....
(الْفَاتِحَةُ) خبر ابتداء مضمر، أي: الفرض الثاني – الفاتحة، و (إِثْرُ التَّكْبيرِ) خبر أيضاً، أي: محلها إثر التكبير.
وكونها فرضًا في الجملة هو المنصوص، ولابن زياد فيمن صلى ولم يقرأ: لا إعادة عليه.
رواه الواقدي عن مالك، وكذلك نقل المازري
عن ابن شبلون أنه قال بسقوط فريضة الفاتحة مطلقاً؛ قال: لحمل الإمام لها، والإمام لا يحمل فرضًا.
(وَلا يَتَرَبَّصُ) أي: بعد التكبير وقبل القراءة، لأنه إذا كره الدعاء– على المشهور– فلا معنى للتربص مع السكوت، ومقابل الْمَشْهُورِ إجازة قول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي ... إلى آخره))، ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرف، ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)).
روي ذلك عن مالك، وروي عنه أيضاً استحسان ذلك.
وقال ابن حبيب: يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام.
قال في البيان: وذلك حسن.
وقوله: (وَلا يَتَعَوَّذُ) هو الصحيح، أي: في الصلاة لعد إثباته، ولا يقال إن عموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98] متناول له؛ لأنه نقل فعله عليه السلام، ولم ينقل فيه استعاذة، فيكون ذلك مخصصًا للآية.
ابن هارون: وفي البسملة في الفريضة أربعة أقوال: الكراهة للمدونة، والإباحة لمالك في المبسوط، والندب لابن مسلمة، والوجوب لابن نافع.
انتهى.
وقوله: (وَلَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُ) أي: ولو جهرًا، وكره مالك في العتبية الجهر في الاستعاذة.
وقوله: (وَيُبَسْمِلُ) حكى في البيان في قراءتها في النافلة قبل الفاتحة روايتين، وثلاثة أقوال في قرءاتها في أول كل سورة: فالأول: أنه يقرأها في أول كل سورة، والثاني: لا يقرأ في شيء منها إلا أن يكون رجلاً يقرأ القرآن عرضًا، يريد بذلك، عرضه في صلاته، وهي رواية أشهب.
الثالث: أنه مخير، إن شاء قرأ وإن شاء ترك، وهو قوله في المدونة.
فَيَجِبُ تَعَلُّمِهَا فَإِنْ لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ ائْتَمَّ عَلَى الأَصَحَّ
أي: فبسبب وجوبها وجب تعليمها، وهذا إذا كان في الوقت سعة، وكان قابلاً للتعليم، فإن لم يسع الوقت للتعليم، وجب عليه الائتمام بمن [53/ ب] يحسنها على الأصح، ومقابل الأصح أن صلاته تصح من غير ائتمام، وصحح المصنف الأول؛ لأن القرءاة واجبة، ولا يتوصل إلى الواجب حينئذ إلا به.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَقِيلَ: تَسْقُطُ.
وَقِيلَ: فَرْضُهُ ذِكْرٌ
أي: فإن لم يجد من يأتم به – وفي معناه لا يجد من يعلمه – فقيل: تسقط.
ويُختلف: هل يجب القيام بقدرها أو لا؟ قال المازري: أوجبه بعض أهل العلم.
وفي المبسوط: ينبغي له أن يقف قدر قرءاة أم القرآن وسورة، ويذكر الله تعالى.
قال المازري: وإليه ذهب القاضي أبو محمد.
لكن القاضي لم يعتبر قدر القراءة كما في المبسوط، وإنما استحب الفصل بين الإحرام والركوع بوقوف ما يكون فاصلاً بين الركعتين.
وقال سحنون: فرضه ذكر.
دليله ما رواه الدارقطني: ((أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أحسن القراءة، فقال له: قل: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)).
فرع:
قال أشهب في المجموعة: من قرأ في صلاته شيئًا من التوراه والإنجيل والزبور، وهو يحسن القراءة، أو لا يحسنها، فقد أفسد صلاته، وهو كالكلام، وكذلك لو قرأ شعرًا فيه تسبيح أو تحميد لم يُجزِئه، وأعاد.
وَلا تَجِبُ عَلَى الْمَامُومِ وَتُسْتَحَبُّ فِي السِّرِّيَّةِ لا الْجَهْرِيَّةِ.
وَقِيلَ: وَلا السِّرِّيَّةِ
أي: لا تجب الفاتحة على المأموم، وإذا لم تجب الفاتحة فأولى غيرها.
وقوله: (وَتُسْتَحَبُّ فِي السِّرِّيَّةِ) ظاهره أن هذا خاص بالفاتحة؛ لأنه إنما يتكلم فيها، ولو قال: وتستحب القراءة ليعم الفاتحة وغيرها كان أولى؛ لأن الخلاف في الجميع، ولعل المصنف اقتصر على الفاتحة؛ لأن ذكره الخلاف فيها يقتضي الخلاف في غيرها، والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة، وهذا إذا كان يصل الإمام قراءته بالتكبير، فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكته ففي المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن، وإن كان قبل قراءته.
قال الباجي: ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث النفس إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويتدبر معناها.
انتهى.
خليل: وعلى هذا فإن كان الإمام ممن يسكت بعد الفاتحة كما تفعل الشافعية فيقرأها المأموم، والله أعلم.
واختار ابن العربي وجوب قراءة الفاتحة على المأموم إلا في الجهر إذا كان يسمع قراءة الإمام.
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِيلَ: فِي الأَكْثَرِ.
وَإِلَيْهِ رَجَعَ.
وقِيلَ: فِي رَكْعَةٍ.
وَقَالَ: تُجْزِئُ سَجْدَتَا السَّهْوِ، وَما هُوَ بِالبَيِّنِ.
وَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ: تُلْغَى الرَّكْعَةُ.
وَفيهَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ ثَانِيَةُ الْجُمُعَةِ فَقَامَ يَقْضِي فَنَسِيَهَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلامِ وَيُعيد ظُهْراً ....
اختلف في الفاتحة هل تججب في كل ركعة أو إنما تجب في الأكثر؟ والقولان لمالك في المدونة.
أو إنما تجب في ركعة؟ وإليه ذهب المغيرة، وما صححه المؤلف.
قال ابن شاس: هي الرواية الْمَشْهُورِة.
ومنشأ الخلاف ما خرجه مسلم والنسائي من قوله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) ثلاثًا، أي: غير تمام.
هل المراد ظاهر اللفظ فيكتفي بها في ركعة أو المراد بالصلاة كل ركعة؟ لأن ذلك يظهر من السياق؛ لأن محل أم
القرآن من الصلاة كل قيام، كما لو قيل: كل صلاة لم يركع فيها ولم يسجد.
وكذلك لم خرجه البخاري ومسلم وأبو داود الترمذي والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))، ومنهم من زاد فيه: ((فصاعدًا))، وروى هذه الزيادة ابن حبان في صحيحه، وهي تقتضي وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة.
وأما القول بوجوبها في الأكثر فضعيف؛ لأنه لم يأخذ هذين المحملين، ووجهه – على ضعفه – أن الحكم للأكثر في الغالب.
قال المازري: واختلف في الأقل على هذا المذهب، ما هو؟ فقيل: هو الأقل على الإطلاق.
وقيل: هو الأقل بالإضافة.
ومعنى الأقل مطلقاً العفو عنها في ركعة واحدة، وإن كانت صبحًا أو جمعة أو ظهرًا لمسافر.
ومعنى الأقل بالإضافة: أن تكون الركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، والله أعلم.
وأما حديث جابر: ((كل ركعة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج))، فالصحيح وقفه على جابر، قاله الدارقطني.
قال ابن عبد البر: ورفعه غلط خطأ.
تفريع:
إن بنينا على قول المغيرة، فقرأها في ركعة من أي صلاة صحت صلاته.
قال بعض الشيوخ: وظاهر قول المغيرة أنها سنة فيما عدا الواحدة، وإن بنينا على قول غيره فإما أن يترك القراءة في نصف صلاته أو في أقلها، فإن تركها في نصفها كركعة من الثنائية أو ركعتين من الرباعية فقولان، قال ابن عطاء الله: أشهرها أنه يتمادى، ويسجد قبل السلام، ويُعيد، وهو مذهب المدونة.
والثاني قول أصبغ وابن عبد الحكم: يغلي ما ترك فيه القراءة، ويأتي بمثله، ويسجد بعد السلام.
وإن تركها في الأقل، فقال ابن راشد: فإن تركها في ركعة من الرباعية، فإما أن يذكر ذلك بعد فراغه من الصلاة أو في الصلاة، فإن ذكر بعد فراغه فلا يخلو إما أن يذكر
بالقرب أو لا، فإن ذكر بالقرب من سلامه ولم يحدث ما يمنعه من البناء [54/ أ] ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسجد وتجزئه صلاته، وهذا على قوله: أرجو أن تجزئه سجدتا السهو قبل السلام.
وثانيها: أنه يسجد ويُعيد الصلاة.
وثالثها: أنه يلغي تلك الركعة ويأتي بركعة ويسجد بعد السلام، وإن ذكر بعد أن طال أعاد على القولين الأخيرين.
وعلى القول الأول: يسجد وتجزئه سجدتا السهو.
وأما إن ذكر وهو في الصلاة، فإما أن يذكر ذلك في الركعة الأولى أو غيرها، فإن ذكر ذلك في الركعة الأولى فلا يخلو: إما أن يذكر ذلك قبل الركوع، أو وهو راكع، أو بعد تمام الركعة، فإن ذكر قبل الركوع فلا خلاف أنه يقرأها.
والمشهور: أنه يُعيد السورة وفاقاً لأشهب وسحنون، ولمالك في المجموعة: أنه لا يُعيدها.
واتفقوا في المستنكح على عدم الإعادة.
وهل يسجد لإعادة السورة بعد السلام؟ وإليه ذهب سحنون، أو لا يسجد؟ وإليه ذهب ابن حبيب، قولان، وقول ابن حبيب أصح؛ لأن زيادة القراءة لا يسجد لها، بدليل لو قرأ سورتين.
تنبيه:
قال مالك فيمن ترك تكبير صلاة العيدين فلم يذكر حتى قرأ: إنه يكبر ثم يُعيد القراءة ويسجد بعد السلام.
قال عبد الحق: فعلى هذا يسجد من قدم السورة على الفاتحة، والفرق أن قراءة السورة سنة، وإلغاؤها كإلغاء تكبيرة وشبه ذلك فلا سجود عليه.
والذي كبر بعدما قرأ الفاتحة إذا ألغى القراءة فقد ألغى ركنًا، فكان له تأثير كما لو انخرم عليه ركوع أو سجود فألغاه، وإن ذكر وهو راكع ففي المذهب أربعة أقوال: روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة: أنه يرجع إلى القيام فيقرأ ثم يركع ويسجد بعد السلام.
وقال سحنون: يرجع إلى القراءة ويُعيد الصلاة احتياطًا.
وقال ابن القاسم في الموازية: يقطع بسلام ثم يبتدئ؛ لأنها ركعة لم تنعقد، فالقطع فيها أخف من تماديه عليها؛ لأنه إن
بنى عليها فقد لا تجزئه، وإن ألغاها صارت صلاته خمسًا لما في ذلك من الاختلاف، فكان إتيانه بصلاةٍ متفق عليها أولى.
وقال ابن القاسم وأصبغ وغيرهما: يتمادى ويجزئه سجود السهو قبل السلام.
وإن ذكر بعد الرفع أو بعد أن سجد فقال ابن القاسم في الموازية: يقطع ويبتدئ.
وتجري فيها الأقوال الثلاثة التي قبلها.
وإن ذكر بعد أن أتمها بسجدتيها ففيها أيضاً أربعة أقوال: يتمادى ويسجد قبل السلام وتجزئه، ويتمادى ويسجد ويُعيدها، والقول الثالث ويلغي تلك الركعة، ويجعل الثانية أولى صلاته ثم يسجد بعد السلام، والرباع: أن يضيف إليها ركعة ويسجد قبل السلام ثم يسلم ويبتدئ، قاله ابن القاسم في الموازية.
وأما إن ذكر ذلك في غير الأولى، مثل أن يذكر وهو في الركعة الثانية أنه نسى الفاتحة منها، فإن ذكر وهو قائم أعاد قراءة الفاتحة، واختلف في إعادة السورة، وفي السجود كما تقدم.
وإن ذكر وهو راكع فقال ابن القاسم هنا: لا يقطع.
وتقدم قوله في الموازية أنه يقطع إذا ذكر ذلك في ركوع الأولى، لأنه في الأولى لم يبق له إلا تكبيرة الإحرام، وقد يتصل بها ذلك، فكان القطع أولى.
وهاهنا وقعت له ركعة على الصحة فاستحب له أن يشفعها ويجعلها نافلة.
وكذلك يقول إذا ذكر وهو في سجودها أو بعد قيامه إلى الثالثة، فإنه يرجع إلى الجلوس ويجعلها نافلة، وإن لم يذكر حتى ركع الثالثة– وقلنا بإلغاء الركعة– فهل تكون هذه ثالثة، أو يفرق فيقرأ فيها بأم القرآن خاصة، أو ثانية يضيف إليها سورة؟ خلاف.
تنبيه:
ما تقدم من الخلاف في تركها من الأولى جارٍ هنا، وإن ذكر ذلك وهو راكع في الثالثة ولم يعلم الركعة التي نسيها منها، هل هي الأولى أو الثانية ففي المذهب خمسة أقوال:
أحدها: أنه يلغي الأولى ويتم سجود التي هو فيها ثم يجلس لأنها ثانية، ثم يسجد قبل السلام لأنه ترك من ثانيته السورة.
وثانيها: أنه يتمادى ويجزئه سجود السهو قبل
السلام.
وثالثها: أنه يفعل ذلك ويُعيد.
ورابعها: أنه يتمادى ويجعل هذه ثالثة ثم يقوم إلى الرابعة ثم يقضي الركعة بأم القرآن وسورة، ثم يسجد بعد السلام.
وخامسها: أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد ويسلم ويجعلها نافلة.
قاله ابن القاسم في الموازية.
ولو ذكر ذلك بعد فراغه من الثالثة فقال ابن القاسم: يتم صلاته ويسجد قبل السلام، وأحب إلى أن يُعيد، فيكون في هذه أربعة أقوال أيضاً.
وكذلك إذا ذكر في الرابعة أو في التشهد أنه ترك أم القرآن من الأولى أو الثانية – ففيه أربعة أقوال أيضاً: أحدها: أنه يسجد قبل السلام وتجزئه.
وثانيها: أنه يسجد ثم يُعيد، وهو ظاهر المذهب عند أصحابنا.
قال ابن المواز: وهو الذي استحب ابن القاسم.
وثالثها: أنه يأتي بركعة بأم القرآن فقط، ويسجد قبل السلام ورابعها: أنه يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويسجد بعد السلام.
انتهى كلام ابن راشد.
تنبيه:
قوله: (وَقِيلَ: فِي الأَكْثَرِ.
وَإِلَيْهِ رَجَعَ) ليس هذا الرجوع كسائر الرجوعات في الجزم بما رجع إليه؛ لأن مالكًا هنا قال: وما هوبالبين.
فقول الإمام وما هو بالبين فيه إيماء إلى ترجيح القول بالوجوب في الجميع، والله أعلم.
فرع:
قال عبد الحق: لو أسقط الإمام آية من الفاتحة لانبغي أن يلقن، وإن لم يقف لقول من قال أنه كتارك جملة أم القرآن وذلك يبطل صلاته.
وحكى الشيخ أبو عمران عن القاضي إسماعيل [54/ ب] أنه قال: يجب على المذهب أن يسجد قبل السلام.
وفيها قول آخر: أنه لا يسجد، والله أعلم.
وَلَيْسَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، فَلا تَجِبُ لِلأَحَادِيثِ وَالْعَمَلِ
أي: عمل المدينة، والأحاديث: حديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ...)) رواه مالك، وحديث أبي بن كعب: ((كيف تفتتح الصلاة)) رواه مالك، وحديث أنس:
((صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكلهم كانوا لا يقرؤون – بسم الله الرحمن الرحيم-)) خرجه مالك والبخاري ومسلم.
وأيضاً فإنا نقطع أن القرآن ينقل متواترًا، فما لم تنقل متواترًا يحصل لنا القطع بأنه ليس قرآنًا.
وَلا تُجْزِئُ بِالشَّاذِّ وَيُعيد أبداً
أي: بالقراءة الشاذة، وعن مالك إجازة القراءة بالشاذ ابتداء، ذكره ابن عبد البر في تمهيده.
والإمام إنما نص على الإعادة أبداً في شاذ خاص، وهو قراءة ابن مسعود، ولعل ذلك إنما هو لما يقال أنه كان يفسر فيخلط القراءة بالتفسير، بخلاف غيرها من الشاذ.
ولقائل أن يقول: هذا إنما هو في الفاتحة، وأما غيرها فالقارئ وإن خرج عن التلاوة فإنما خرج إلى ذكر، وهو مشروع في الصلاة فلا يبطل، وفيه نظر؛ لأن الشاذ لما لم يكن قرآنًا، ونقله قرانًا خطأ على ما نقله أهل الأصول صار كالمتكلم في صلاته عامدًا، والله أعلم.
وَيُسْتَحَبُّ التَّامِينُ قَصْراً أَوْ مَدّاً
(التَّامِينُ) قول آمين عند الفراغ من الفاتحة.
وقوله: (قَصْراً أَوْ مَدّاً) أي: فيه لغتان: بمد الهمزة وهي الأفصح، وقصرها وهي ثانية.
وروي تشديد الميم مع المد، وأنكرت.
ومعناها اللهم استجب، وقيل: اسم من أسماء الله، فكأنه قال: يا الله اغفر لي.
وَيُؤَمِّنُ الإِمَامُ إِذَا أَسَرَّ اتِّفَاقاً، فَإِذَاَ جَهَر فَرَوَى الْمِصْرِيُّونَ: لا يُؤَمِّنُ.
وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ: يُؤَمِّنُ .....
الْمَشْهُورِ رواية المصريين، ودليلنا ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قال الإمام: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه".
ووجه رواية المدنيين ما رواه مالك والبخاري ومسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إذا أمن الإمام فأمنوا)) وهو أظهر؛ لأن حمله على بلوغ الإمام محل التأمين مجاز، والأصل عدمه.
وفي المسألة قول ثالث لابن بكير بالخيار بين التأمين والترك.
وَيُسِرُّ كَالْمَامُومِ وَالْمُنْفَرِدِ.
وَقِيلَ: يَجْهَرُ فِي الْجَهْرِ
هذا من الاختصار الحسن لإعطائه الحكم في الثلاثة.
وقوله: (وَقِيلَ: يَجْهَرُ) أي: الإمام في الجهرية، لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أمن الإمام فأمنوا)).
فرع:
وهل يؤمن المأموم على قراءة إمامه في صلاة الجهر إذا لم يسمع قراءة الإمام؟ روى ابن نافع عن مالك في العتبية: ليس عليه ذلك.
قال في البيان: قوله ليس عليه ذلك يدل على أن له أن يقول بأن يتحرى الوقت كما يتحرى المريض الوقت الذي يرمي فيه الجمار عنه فيكبر.
وذهب ابن عبدوس إلى أن ذلك عليه، وذهب يحيى بن عمر إلى أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك.
فهي ثلاثة أقوال، أظهرها قول يحيى؛ لأن المصلي ممنوع من الكلام، والتأمين كلام أبيح له أن يقول في موضعه، وإذا تحرى فقد يضعه في غير موضعه.
انتهى.
وقد يصادف آية عذاب، والله أعلم.
وَالسُّورَةُ بَعْدَهَا فِي الأُولَيَيْنِ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ وَالْجُمُعَةُ وَفِي كُلِّ تَطَوُّعٍ، وَفِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَوْلانِ .....
فَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ فَمَا زَادَ مَا لَمْ يُخْشَى الإِسْفَارُ، وَالظُّهْرُ تَلِيهَا، وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ تُخَفِّفَانِ، وَالْعِشَاءُ
مُتَوَسِّطَةٌ، وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ ....
تقدم في كون السورة سنة بحث.
وقوله: (فِي الأُولَيَيْنِ) يدل على أن الصلاة أكثر من ركعتين، ولذلك ذكر بعد هذا الكلام الصبح والجمعة، يريد: وصلاة السفر.
وقوله: (فِي الأُولَيَيْنِ) يدل على أنه لا يقرأ في غيرهما بسورة، وهو المذهب.
وقال محمد بن عبد الحكم: من قرأها في الأخريين فقد أحسن.
وأخذ اللخمي وجوب السورة من قول
عيسى: من ترك السورة عامدًا أو جاهلاً أعاد أبدً.
وأخذ استحبابها من قول مالك وأشهب: إذا ترك السورة فلا سجود عليه.
ورد المازري الأول بأن الجاهل كالعامد، فلعل الإعادة أبداً مبنية على قول من رآها في ترك السنن.
وقوله: (وَفِي كُلِّ تَطَوُّعٍ) أي: السورة سنة في كل تطوع، فإن أراد أنها مشروعة فظاهر، وإن أراد أنه يسجد لها كما في الفرائض فلا؛ لأن المنصوص أنه إذا ترك السورة في النافلة أو الوتر لا شيء عليه.
وقد صرح في البيان: بأن قراءة ما زاد على الفاتحة في الوتر مستحب لا سنة.
فائدة:
هذه المسألة إحدى خمس مسائل مستثناة من قولهم: السهو في النافلة كالسهو في الفريضة.
الثانية: الجهر فيما يجهر فيه.
الثالثة: السر فيما يسر فيه.
الرابعة: إذا عقد ثالثة في النفل أتمها رابعة بخلاف الفريضة.
الخامسة: إذا نسي ركنًا من النافلة وطال فلا شيء عليه، بخلاف الفريضة فإنه يُعيدها.
وقوله: (وَفِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَوْلانِ) أي: وفي الاقتصار على الفاتحة في ركعتي الفجر قولان، الْمَشْهُورِ الاقتصار، وسيأتي.
فرع:
تجوز قراءة سورتين مع الفاتحة فأكثر، والأفضل واحدة، قاله المازري.
وأما المأموم يقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، فيفرغ من السورة قبل أن يركع الإمام فقال ابن القاسم في العتبية: يقرأ غيرها ولا يقيم ساكتًا.
قال في البيان: بعد ذلك هو بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سكت.
انتهى.
وهو خلاف ظاهر قول ابن القاسم، والله أعلم.
وكره مالك في العتبية تكرير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] [55/ أ] في ركعة واحدة، وقال: هذا من محدثات الأمور.
ومقتضى كلامه في البيان أن هذه الكراهة خاصة بحفظ القرآن، وأما
غيره فلا؛ لأنه قال: كره مالك للذي يحفظ القرآن أن يكرر (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في ركعة واحدة؛ لئلا يعتقد أن أجر من قرأ القرآن كله هو أجر من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثلاث مرات، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم: أنها تعدل ثلث القرآن، وليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، ولو كان ذلك معناه عندهم لاقتصرنا على (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الصلاة بدلاً من السور الطوال، ثم ذكر معنى الحديث، فانظره فيه.
فَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ فَمَا زَادَ مَا لَمْ يُخْشَى الإِسْفَارُ، وَالظُّهْرُ تَلِيهَا، واَلْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ تُخَفَّفَانِ، وَالْعِشَاءُ مُتَوَسِّطَة، وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ ....
واختلف في المفصل، فقيل: من الشورى.
وقيل: من الجاثية.
وقيل: من الحجرات.
وقيل: من قاف.
وقيل: من النجم.
وقيل: من الرحمن.
وقوله: (وَالظُّهْرُ تَلِيهَا) ظاهره أنها أقصر، وهو قول مالك ويحيى بن عمر، وقال أشهب: هي كالصبح.
وقوله: (وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ) أي: والركعة الثانية أقصر، ونص بعضه معلى كراهة كون الثانية أطول: هي كالصبح.
وقوله: (واَلْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ تُخَفَّفَانِ) قال في البيان: اختلف في العصر فقيل: إنها والمغرب سيان في قدر القراءة، وإليه ذهب ابن حبيب.
وقيل: إنها والعشاء الآخرة سيان.
وهذا مع الاختيار، وأما مع الضرورة – كالسفر – فله التخفيف بحسب الإمكان.
وقد أجاز مالك القراءة في الصبح في السفر بسبح والضحى.
وَيُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ سِرّاً فِي ثَانِيَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ الرُّكُوعِ كَفِعْلِ مَالِكٍ، أَوْ بَعْدَهُ، وَلا يُكَبِّرُ لَهُ، وَفِيهَا: اخِتَيارُ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُك إِلى آخِرِهِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ، أَوْ يَدْعُو بِمَا شَاءْ، وَفِيهَا: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ ....
والْمَشْهُورِ: أن القنوات في الفجر فضيلة، وقيل: يُسجد له فهو سنة.
وقال يحيى بن يحيى: إنه غير مشروع.
ومسجده بقرطبة – إلى حين أخذها الكفار – على الترك.
وقال
علي بن زياد: من تركه متعمدًا فسدت صلاته.
وهذا يحتمل أن يكون على أحد القولين في تارك السنن متعمدًا، ويحتمل أن يكون على الوجوب.
فإن قيل: تخصيصه بالعامد لا يقتضي الوجوب.
قلت: راعى الخلاف في الناسي.
وقال أشهب: من سجد له أفسد على نفسه.
وقوله: سرًا هذا هو الْمَشْهُورِ، كما سيأتي.
والأفضل فيه قبل الركوع؛ رفقًا بالمسبوق، ولما فيه من عدم الفصل بين الركوع والسجود.
واختار ابن حبيب والشافعي: بعده.
وقاله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقوله: (نَسْتَعِينُك) إلخ، أي: نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق.
ومعناه: نستعينك على طاعتك، ونستغفرك من التقصير عن خدمتك.
ونؤمن بك، ونصدق بما ظهر من آياتك، ونتذلل لعظمتك.
ونخلع الأديان كلها لوحدانيتك.
ونترك من يكفرك؛ أي: من يجحد نعمتك.
اللهم إياك نعبد؛ أي: لا نعبد إلا إياك.
ولا نسجد إلا لك، ونبه على السجود؛ لأنه أشرف أحوال الصلاة، إذ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وقال غيره: نرجو رحمتك؛ لأن أعمالنا لا تفي بشكر نعمتك، فما لنا ملجأ إلا رجاء رحمتك، ونخاف عذابك.
الجد؛ أي: الثابت، وهو بكسر الجيم، هو ضد الهزل.
وملحق روى بكسر الحاء، أي: لاحق، وبالفتح: اسم مفعول، والفاعل هو الله والملائكة.
و (يَدْعُو بِمَا شَاءْ) أي: من أمر دينه ودنياه في القنوت.
وَيَجْهَرُ فِي أُولَيَيْنِ غَيْرَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَما فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلاً، وَالْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَقَطْ كَالتَّلْبِيَةِ .......
في كلامه قصور؛ لأنه إنما يتناول ما زاد على الركعتين دون الصبح والجمعة وصلاة السفر.
وقوله: (وَما فَوْقَ ذَلِكَ) أي: ومن يليه، هو أدنى مراتب الجهر.
وجهر المرأة كسرها، فتسمع نفسها فقط.
وَلا يُجْزِئُ الإِسْرَارُ مِنْ غَيْر تَحْرِيكِ لِسَانٍ، وَيَجُوزُ الإِسْرَارُ فِي النَّوَافِلِ ليْلاً، وَفِي الْجَهْرِ فِيهَا نَهَاراً قَوْلانِ .....
لأنه إذا لم يحرك لسانه لم يقرأ، وإنما فكر.
وانظر: هل يجوز للجنب ذلك حينئذ؟ قال ابن القاسم: ويجزئ إذا حرك لسانه، وأن يسمع نفسه أحب إلى.
(وَيَجُوزُ الإِسْرَارُ فِي النَّوَافِلِ ليْلاً) أي: والأفضل الجهر.
(وَفِي الْجَهْرِ فِيهَا نَهَاراً قَوْلانِ).
ووقع في بعض النسخ: (وفي كراهة الجهر فيها نهارًا قولان).
وظاهر المذهب أن الجهر خلاف الأولى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة النهار عجماء)).
الْقِيَامُ إِنْ كَانَ يَثْبُتُ بَزَوَالِ الْعِمَادِ كُرِهَ
أي: الفرض الثالث القيام.
واعلم أن مراتب الصلاة سبع: أربع على الوجوب، وثلاث على الاستحباب.
فالأربع: أن يقوم مستقلاً، ثم مستندًا، ثم يجلس مستقلاً، ثم مستندًا، فمتى قدر على واحدة وانتقل إلى التي تليها بطلت صلاته.
والثلاث: أن يستلقي على جنبه الأيمن، ثم على ظهره مستلقيًا، ثم على الأيسر.
وفي بعض النسخ بعد قوله: إن كان يثبت بزوال العماد كره، وإن كان يسقط بطلت؛ لأنه إذا سقط [55/ ب] بزوال العماد صار في معنى المضطجع، وهذا صحيح على أصل المذهب، وصرح بذلك ابن شاس.
فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَهَا أَوْ فِيهَا تَوَكَّأ ثُمَّ جَلَسَ
ظاهرٌ مما تقدم.
وَلا بَاسَ بهِ فِي النَّافِلَةِ لِلْقَادِرِ
أي: بالجلوس في النافلة مع القدرة على القيام.
ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى غَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ، فإن استند إلى أحدهما أعاد في الوقت
هذه المرتبة الرابعة.
وقوله: (إِلَى غَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ) المازري: على سبيل الأولى.
اللخمي والمازري: ويتخرج جواز ذلك على قول ابن مسلمة بجواز الاستناد إلى الحائض والجنب، ونقل عن بعض القرويين أنه لم يحمل قول أشهب على الخلاف، بل حمله على ما إذا تيقنت طهارة ثيابهما، وقول ابن القاسم على ما إذا لم تتحقق الطهارة، قال: والقول بحمل قوليهما على الخلاف أظهر.
انتهى.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن استند إلى جنب أو حائض أعاد في الوقت.
قال في التنبيهات: ذهب أكثر شيوخنا إلى أن علة الإعادة كون المصلي باشر نجاسة في أثوابهما، فكان كالمصلي عليها.
وقال بعضهم: بل حكم المستند إليه حكم المصلي؛ لأنه كالمعاون له بإمساكه، فيجب أن يكون على أكمل الحالات، ورد بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون الممسك متوضئًا، وهذا لا يقوله أحد.
انتهى بالمعنى.
وما ذكره الباجي عن بعض القرويين من أن قول ابن القاسم ليس مخالفًا لقول أشهب نحوه لابن أبي زيد، فإنه رأى أن العلة في كراهة ابن القاسم الاستناد إليهما كون ثيابهما لا تخلو من النجاسة غالبًا، ونقل ابن يونس عنه إذا تحققت الطهارة الجواز.
قال ابن بشير: إنما العلة في ذلك بعدهما عن الصلاة بخلاف غيرهما.
وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَيُكْرَهُ رَفْعُ شَيْءٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ
اشتراط عدم القدرة في الفرض متفق عليه، واشترطه ابن القاسم في النافلة أيضاً، ولم يشترطه ابن حبيب، وأجاز له إذا صلى جالسًا أن يؤمئ بالسجود من غير علة.
وإذا أومأ بالسجود إلى الأرض وهو جالس، فهل يضع يديه على الأرض؟ وهو قول اللخمي، أو لا؟ وهو قول أبي عمران، لأن اليدين إنما يسجدان مع الوجه.
واعلم أنه لا يسقط عندنا ركن للعجز عن آخر، فالعاجز عن السجود إن قدر على القيام والركوع قام وركع وأومأ للسجدة الأولى، ثم يجلس ويؤمئ للسجدة الثانية، فإن عجز عن السجود والجلوس وقدر على الركوع ركع وأومأ للسجدتين من قيام، والله أعلم.
وقوله: (وَيُكْرَهُ رَفْعُ شَيْءٍ) حكى اللخمي في ذلك الاتفاق.
قال: واختلف إن فعل، ففي المدونة وإن فعل أو جهل ذلك لم يعد.
وقال أشهب: لا يجزئه، ويُعيد أبداً إلا أن يومئ برأسه.
انتهى.
قيل: وقول أشهب تفسير لقول مالك.
ثُمَّ عَلَى الأَيْمَنِ كَالْمُلْحَدِ، ثُمْ مُسْتَلْقِياً وَرِجْلاهُ إِلَى الْقِبْلَة، أَوْ عَلَى الأَيْسَرِ.
وَثَالِثُهَا: هُمَا سَوَاءٌ.
وَقِيلَ: الاسْتِلْقَاءُ قَبْلَ الأَيْمَنِ، وَيُومِئُ فِيهِمَا
القول بتقديم الاستلقاء لابن القاسم، والقول بتقديم الأيسر لابن المواز وابن الماجشون ومطرف وأصبغ، والتسوية ظاهر المدونة لقوله: يصلي على جنبه أو هره لكن تؤول على أنه أراد تقدمة الأيسر، بل صرح اللخمي بأنه في متن المدونة، ولم أر من صرح بهذا القول، غير أنه مقتضى كلام التونسي، ولفظه: ومن لم يقدر على الجلوس صلى على جنبه أو ظهره ثم ذكر قول ابن المواز.
وقوله: (وَيُومِئُ فِيهِمَا) أي: في حالتي الجنب يمينًا وشمالاً، والاستلقاء.
وقال ابن راشد: في حالتي الركوع والسجود.
والقول بأن الاستلقاء قبل الأيمن لابن القاسم في الواضحة.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سِوَى نِيَّتِهِ فَلا نَصَّ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ إِيجَابُ الْقَصْدِ، وعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ سُقُوطُهَا .......
أي: فإن عجز عن جميع أفعال الصلاة، ولم يقدر على شيء إلا النية فلا نص في مذهبنا.
وعن الشافعي إيجاب القصد، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
وعن أبي حنيفة: سقوطها؛ لأن النية وسيلة لتمييز غيرها، وقد تعذر الفعل المميز، فلا يخاطب بالنية، كما في حق العاجز عن الصيام وغير ذلك.
ويمكن أن يكون سبب الخلاف بين الحنفي والشافعي: هل النية شرط فلا تجب، كسقوط الوضوء عند سقوط الصلاة، أو ركن فتجب؟
وقوله: (فَلا نَصَّ) أي: صريحًا.
وأما الظواهمر فلا؛ لأن في الجلاب والكافي: ولا تسقط الصلاة عنه، ومعه شيء من عقله.
وفي الرسالة نحوه.
وللمصنف أن يمنع أن تكون هذه صلاة.
ابن بشير: وقد طال بحثي عن مقتضى المذهب في هذه المسألة، والذي ترجح مذهب الشافعي.
وقال المازري: إذا لم يستطع المريض أن يؤمئ برأسه للركوع والسجود، فهل يؤمئ بطرفيه وحاجبيه ويكون مصليًا بهذا مع النية؟ مقتضى المذهب – فيما يظهر لي – أمره بذلك، ويكون مصليًا بذلك، وبه قال الشافعية.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي في هذه الحالة وتسقط الصلاة.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا لم يقدر على القراءة والتكبير لم يجزئه أن ينوي ذلك بغير حركة اللسان بقدر ما يطيق.
وهذا وإن كان فيه إشارة إلى أن النية لا تنفع، فإن المراد أن يأتي بحركة اللسان إذا لم يعجز عنها.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن ظاهر قول ابن القاسم أنه عاجز عن حركة اللسان، [56/ أ] وعلى كلام المازري،
فقول المصنف: (عَجَزَ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سِوَى نِيَّتِهِ) ليس بجيد؛ لأنه يقتضي أنه لو قدر على تحريك عينيه للزمته الصلاة بلا إشكال، وهو محل عدم النص على ما قاله المازري.
وَعَجْزُهُ لِمَشَقَّةٍ أَوْ خَوْفِ عِلَّةٍ أَوْ لا يَمْلِكُ خُرُوجَ الْحَدَثِ إِذَا قَامَ
لم يذكر في هذا الباب خلافًا كالتيمم، والظاهر أنه لا فرق بينهما، ونص ابن عبد الحكم على أن من لا يملك الريح إذا قام على سقوط القيام عنه، واستشكله سند بأن هذا سلس فلا يترك الركن له، ولو خاف من القيام انقطاع العروق ودوام العلة صلى إيماءً، قاله مطرف وعبد الملك.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ غَيْر الْقِيَامِ قَامَ وَأَوْمَأ، وَفِي إِيمَائِهِ وُسْعَهُ قَوْلانِ
قوله: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ غَيْر الْقِيَامِ) أي: لا يقدر على الركوع والسجود فإنه يصلي قائما إيماءً، والأقرب في الإيماء أن يكون إلى الوسع؛ لأنه أقرب إلى الأصل، وهو ظاهر مختصر ابن شعبان.
وأخذ اللخمي والمازري من قوله في المدونة في المصلي قائمًا: يكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه من الركوع أنه ليس عليه نهاية طاقته.
ورده ابن بشير بأنه قال ذلك للفرق، لا لأنه لا يومئ وسعه.
ومنشأ الخلاف هل الحركة إلى الركن مقصودة أم لا؟
فرع:
قال المازري: فإن زاد على ما أمر به، مثل من بجبهته قروح تمنعه من السجود عليها فإنه مأمور بأن يومئ ولا يسجد على أنفه.
قال ابن القاسم في المدونة، فإن لم يفعل وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه؛ لأنه زاد على الإيماء.
واختلف المتأخرون في مقتضى قول ابن القاسم هل الإجزاء– كما قال أشهب– أم لا؟ فقال بعضهم– وحكاه عن ابن القصار– هو خلاف قول أشهب؛ لأن فرض هذا المصلي الإيماء، فإذا سجد على أنفه فقد ترك فرضه، فصار كمن سجد لركعته فلا يعتد بذلك، وإن كان زاد على مبلغ الركعة.
وقال
غيره من الأشياخ: بل هو موافق للمذهب؛ لأن الإيماء لا يحصر بحدَّ ينتهي إليه، ولو قارب المومُئ الأرضَ أجزاه باتفاقٍ، فزيادةُ مساس الأرض بالأنف لا تؤثر، مع أن الإيماء رخصة وتخفيف، ومن ترك الرخصة وارتكب المشقة فإنه يعتد بما فعل، كمتيممٍ أبيح له التيمم لعذرٍ، فتحمل المشقة واغتسل بالماء فإنه يجزئه.
انتهى.
فإن قيل: قد تقدم في حق من كان فرضه التيمم واغتسل الإجزاء، وكذلك من كان فرضه الفطر وصام، ولم يذكروا خلافًا، فهل يمكن أن يخرج فيه الخلاف من هذه المسألة؟
قيل: لا؛ لأن هذا لما سجد على أنفه، فقد يقال: إنه لم يأت بالأصل، وهو السجود، ولا ببدله، وهو الإيماء، وإنما نظير المسألتين المذكورتين– أن لو سجد على جبهته، والله أعلم.
فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْجَمِيعِ لَكِنْ إِنْ سَجَدَ لا يَنْهَضُ قَائِماً فَقِيلَ: يُصَلِّي الأُولَى قَائِماً وَيُتِمُّ قَاعِداً.
وَقِيلَ: يُصَلِّي قَائِماً إِيمَاءً، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فِي الأَخِيرَةِ.
أي: أن هذا المريض يستطيع القيام والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس، لكن إذا جلس لا يستطيع النهوض إلى القيام، فقيل: يصلي الأولى قائمًا بكمالها ويتم بقية الصلاة جالسًا، وإليه مال التونسي واللخمي وابن يونس.
وقال بعض المتأخرين: يصلي الثلاث الأول إيماءً؛ أي: يؤمئ بركوعها وسجودها وهو قائم، ثم يركع ويسجد في الرابعة، ويلزم على الأول الإخلال بالركوع من ثلاث ركعات، وعلى الثاني الإخلال بالسجود ثلاث ركعات، ورجح الأول بأن المكلف مطلوب أولاً بفعل ما قدر عليه حتى يتحقق عجزه، وتركه شيئًا مع القدرة عليه لما يأتي به بعد من باب تقديم المظنون على المقطوع.
وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْفَاتِحَةِ قَائِماً فَالْمَشْهُورِ الْجُلُوسُ
أي: إذا عجز عن جميعها حال القيام، ولم يعجز عنها حال الجلوس لدوخةٍ أو غيرها فالمشهور الجلوس؛ لأن القيام إنما وجب لها، فإذا لم يقدر أن يقف لها سقط.
وقوله
(فَالْمَشْهُورِ) يقتضي أنه نصٌّ.
وفي ابن بشير: وإن عجز عن القيام لكمال الفاتحة فهاهنا مقتضى الروايات أنه ينتقل إلى الجلوس، وهذا ظاهر على القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة، وأما على القول بأنها فرض في ركعةٍ فينبغي أن يقوم مقدار ما يمكنه إلا في ركعة واحدة، فيجلس ويأتي بأم القرآن.
انتهى.
خليل: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا قام ولم يقدر بعد ذلك على الجلوس، وأما لو قدر على الجلوس فينبغي أن يقوم قدر ما يطيق، فإذا عجز جلس وكمل الفاتحة من غير خلاف.
وَيُسْتَحَبُّ التَّرَبُّعُ، وَقِيلَ: كَالتَّشَهُّدِ
أي: حيث قلنا يصلي جالسًا فالمستحب مِن الهيئةِ – على المشهور– التربُّعُ؛ لأنه بدلٌ مِن القيام وقيل: كجلوسِ الشتهد.
واختاره المتأخرون.
قال اللخمي: وهي التي اختارها اللهُ لعبادهِ، وهي جِلسة الأدنى بين يَدي الأعلى، والتربعُ جِلسة الأَكْفاء.
وَيُكْرَهُ الإِقْعَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ.
أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى اَلْيَتَيْهِ نَاصِباً قَدَمَيْهِ.
وَقِيلَ: نَاصِباً فَخِذَيْهِ ....
كُره لقولِ مالك: ما أدركت أحدًا من أهل العلم إلا وهو ينهى عنه.
وما صدر به نَسبه الجوهريُّ في صحاحه إلى الفقهاء، ولفظه: والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين.
وهذا [56/ ب] تفسير الفقهاء، وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض ويتسانَدَ إلى ظهره.
انتهى.
قال بعضهم: مثل إقعاء الكلب والأسد.
زاد ابن يونس عن أبي عبيدة: ويضع يديه بالأرض.
وقوله: (وَقِيلَ: نَاصِباً فَخِذَيْهِ) لم أر هذا القول ولم أتحقق معناه.
وَلا حَدَّ فِي تَفْرِيِقِ الأَصَابِعِ وَضَمِّهَا فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، وَجُلُوسُ التَّشَهُّدِ كَغَيْرِهِ، وَيُكَبِّرُ لِلدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ .......
أي: لا حد في تفرقة الأصابع، بل يفعل ما تيسر عليه.
ونص مالك على أن الفعل الخاص من البدع.
واستحب ابن شعبان ضمها في السجود؛ لاستقبال القبلة بسائر أصابع اليد بخلاف تفرقتها.
وقوله: (وَجُلُوسُ التَّشَهُّدِ) أي في حق الجالس كغيره من الجلوس بين السجدتين.
والضمير في (وَيُكَبِّرُ لِلدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ) عائد على المصلي جالسًا، فيكَبِّرُ إذا تَمَّ تشهدُه، ويتربع على المشهور.
وَالرَّمِدُ يَتَضَرَّرُ بِالْقِيَامِ، وَغَيْرُهُ كَغَيْرِهِ
(وَغَيْرُهُ) أي: من الركوع والسجود.
(كَغَيْرِهِ) أي: من ذوي العذر.
وَفِيهَا فِي قَادِحِ الْمَاءِ: يُعيد أبداً، وَعُلَّلَ بِتَرَدُّدِ النُّجحِ فِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: مَعْذُورٌ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ .......
لما ذكر أن الرَّمِدَ كغيرِه خشي أن ينقض عليه بهذه المسألة؛ فذكرها ليبين أنه اختار خلاف مذهب المدونة، وقد اعترض الشيوخ مذهب المدونة بأن التداوي مباح؛ فينبغي أن لا يُعيد، وعلل مذهب المدونة بتردد النجح كما ذكر المصنف، وأجيب بأن الظن عند الأطباء حاصل بالنجح، ولم يكلفوا اليقين.
وقوله: (يُعيد أبداً) زاد في سماع موسى: يقوم ويصلي وإن ذهبت عيناه.
وقول أشهب رواية أيضاً عن مالك، رواها ابن وهب، واختارها التونسي وابن محرز، وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب في اليوم ونحوه، وكرهه فيما كثر من الأيام.
والخلاف مقيد بما إذا أدى ذلك إلى الاضطجاع، وأما إن أدى إلى ترك القيام للجلوس فإنه يصلي جالسًا، ويجوز له ذلك، قاله المازري، ولم يَحْكِ فيه خلافًا.
ثُمَّ حَيْثُ خَفَّ الْمَعْذُورُ انْتَقَلَ إِلَى الأَعْلَى
(خَفَّ) أي: وجد في نفسه القوة انتقل إلى الأعلى، فإن كان جالسًا قام، وإن كان يومئ ركع وسجد كذلك، وهو ظاهر.
وَلا يَتَنَفَّلُ قَادِرٌ عَلَى الْقُعُودِ مُضْطَجِعاً عَلَى الأَصَحِّ
قوله: (قَادِرٌ عَلَى الْقُعُودِ) ظاهره سواءٌ كان مريضًا أو صحيحًا، وحكى اللخمي في المسألة ثلاثة أقوال: أجاز ذلك ابن الجلاب للمريض خاصة، وهو ظاهر المدونة، وفي النوادر المنع وإن كان مريضًا، وأجازه الأبهري للصحيح، ومنشأ الخلاف القياسُ على الرُّخَصِ.
فَلَوِ افْتَتَحَهَا قَائِماً ثُمَّ شَاءَ الْجُلُوسَ فَقَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِخِلافِ الْعَكْسِ
تصور هذا الكلام ظاهرٌ بناءً على أن التخيير في الجملة يقتضي التخيير في الأبعاضِ أم لا؟ كخصال الكفارة، وقسم اللخمي المسألة على ثلاثة أقسام: إن التزم القيام لم يجلس، وإن نوى الجلوس جلس، فإن نوى القيام ولم يلتزمه فقولان.
الرُّكُوعُ: وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ
أي: الفرض الرابع: الركوعُ، وأقله أن ينحني بحيث تقرب راحتاه من ركبتيه، والراحتان الكفان، ثم بين أكملَه، فقال:
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ وَلا يُنَكِّسَ رَاسَهُ إِلى الأَرْضِ ......
(يَنْصِبَ) أي: يقيم ركبتيه معتدلتين، والأفعال منصوبة عطفًا على (يَنْصِبَ)، فهي على الاستحباب.
(وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ) أي: تجنيحًا وَسَطًا، وهو خاصٌّ بالرَّجُلِ، وأما المرأةُ فيطلب في حقها الانضمامُ، ولا ينكس رأسه بل يكون ظهره مستويًا، وقد ورد النهي عن الإفراط في الركوع.
الْخَامِسُ: الرَّفْعُ: فإِنْ أَخَلَّ بِهِ وَجَبَتِ الإِعَادَةُ عَلَى الأَشْهَرِ، فَلَوْ لَمْ يَعْتَدِلْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَجْزَأَهُ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لا يُجْزِئُهُ.
وَقِيلَ: إِنْ قَارَبَ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى وُجُوبِ الاعْتِدَالِ، ففِي وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فيهِ وَفِي غَيْرِه قَوْلانِ، وَفِيهَا: وَلا أَعْرِفُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي رَفْعٍ وَلا خَفْضٍ، وَرَوَى أَشْهَبُ: يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا
أي: الفرض الخامس: الرفعُ من الركوع.
وقوله: (فإِنْ أَخَلَّ بِهِ) أي تَرَكَه جملةً، والأشهر هو الصحيحُ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "صَلِّ فإنك لم تُصَلِّ" فقال: علمني يا رسول الله.
فأمره بالتكبير والقراءة ثم قال له: "اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها" أخرجه البخاري ومسلم.
ومقابل الأشهرِ رواية عن مالك يَرى أن الرفعَ سُنة، ووجهُه التمسكُ بظاهر القرآن في الأمر بالركوع والسجود، ولم يَذكر الرفع، وهو بعيد.
ولو قال المصنف: على الْمَشْهُورِ لكان أولى، لأن مقابل الأشهر لا حظ له هنا في الشُّهرة.
وقوله: (فَلَوْ لَمْ يَعْتَدِلْ .... إلخ) أي: إذا فرَّعنا على وجوب الرفع فاختلف، هل يجب الاعتدال؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سنة، ونقل عن ابن القاسم، الثاني: أنه واجب، وهو قول أشهب وابن القصار وابن الجلاب وابن عبد البر، الثالث: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب، حكاه ابن القصار أيضاً.
وظاهر المذهب وجوبُ الطمأنينة، [57/ أ] والواجب منها أدنى لبثٍ، واختلف في الزائد هل ينسحب عليه حكم الوجوب أو هو فضيلة؟ قولان، لكن قول المصنف: (وَعَلَى وُجُوبِ الاعْتِدَالِ، ففِي وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فيهِ) يقتضي أن الخلاف في الطمأنينة مرتب على القول بالوجوب فقط، وليس بجيد، بل الخلاف في الطمأنينة مطلقاً، ولو اكتفى بالخلاف الذي قدمه في الطمأنينة لكان أحسن، وقد تقدم ما يتعلق برفع اليدين.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الرَّفْعِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلِلإِمَامِ الأَوَّلُ.
وَقِيلَ: مِثلُهُ وَلِلْمَامُومِ الثَّانِي، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: ولَك.
وَابْنُ وَهْبٍ: لك ......
قد تقدم أن قوله: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) سنة، فالاستحباب إنما هو راجع إلى الجميع، والْمَشْهُورِ: أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد".
(وَقِيلَ: مِثلُهُ) أي: مثل المنفرد في الجمع، وهو قول عيسى بن دينار وابن نافع، وقاله مالك أيضاً، واختاره عياض وغيره، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله.
والأظهر إثبات الواو لأن الكلام –عليه– جملتان، تقديره: يا ربنا استجب لنا ولك الحمد، بخلاف ما إذا أسقطه، فإن الكلام يبقى جملة واحدة، والإطناب في الدعاء مطلوبٌ، وقد صحت الروايتان عنه صلى الله عليه وسلم.
السُّجُودُ: وَهُوَ تَمْكِينُ الْجَبْهَةِ وَالأَنْفِ مِنَ الأَرْضِ، وَفِي أَحَدِهمَا ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورِ إِنْ كَانَتِ الْجَبْهَةُ أَجْزَأَ ....
أي: الفرض السادس السجود.
والقول بالإجزاء – مع الاقتصار على أحدهما – حكاه أبو الفرح في الحاوي عن ابن القاسم، وقال: يُعيد في الوقت.
والقول بنفي الإجزاء متى لم يسجد عليهما لابن حبيب، واختاره ابن العربي؛ لأنه صفة سجوده صلى الله عليه وسلم، فيكون مُبَيِّنًا لإطلاق الآية.
والثالث: المشهور، ووَجْهُه أن معظم السجود على الجبهة، فإذا سجد عليها حصل المطلوب.
قال عبد الوهاب: ويُعيد في الوقت لترك الأنف.
وَتَقْدِيمُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ أَحْسَنُ، وَتَاخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ
أي: الأحسن تقديم اليدين قبل الركبتين في الهُوِيِّ إلى السجود، وفي أبي داود والنسائي عنه صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه قبل
ركبتيه"، وفي رواية قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته كما يبرك الجمل"، لكن في أبي داود: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض من الصلاة" وفي أبي داود والترمذي والنسائي قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه ققبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".
وروى ابن عبد الحكم عن مالك – التخيير.
وقوله: (وَتَاخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ) حكى فيه في البيان ثلاث روايات: الأولى: إجازة ترك الاعتماد وفعله، ورأى ذلك سواء، وهو مذهبه في المدونة، ومرة استحب الاعتماد وضعف تركه، ومرة استحب تركه، قال: وهو أولى الأقوال باصواب؛ لأنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه قبل ركبتيه)) فإذا أَمَرَه بوضعِ اليدين أوَّلاً في سجوده –حتى لا يشبه البعير في بروكه– وجب أن يضع يديه في القيام حتى لا يشبه البعير في قيامه.
انتهى.
وَأَمَّا الْيَدَانِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ بَيْنَهُمَا فَقَوْلانِ
أي: يتخرج في وجوب السجود على اليدين قولان من القولين اللذين ذكرهما سحنون في بطلان صلاة من لم يرفعهما من الأرض، فعلى البطلان يكون السجو عليهما واجبًا، وإلا فلا.
وَأَمَّا الرُّكْبَتَانِ وَأَطْرَافُ الْقَدَمَيْنِ فَسُنُّةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ
كون السجود عليهما سنة ليس بالصريح في المذهب، قال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أنه سنة في المذهب.
وإليه أشار بقوله: (فِيمَا يَظْهَرُ) أي من المذهب، لأنه اختيارٌ منه مخالف للمنقول.
ووجه القول بالوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء)).
وقوله: (وَأَطْرَافُ الْقَدَمَيْنِ) احترازًا من أن يسجد على ظهور قدميه.
وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ كَالطَّاقَتَيْنِ أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ صَحَّ
كَور العمامة –بفتح الكاف– مجمع طاقتها.
وأطلق مالكٌ الإجزاء في الكَوْرِ، وقيده ابن حبيب بما ذكره المصنف، وحمله المصنف وغيره على الوفاق، وحملَه بعضُهم على الخلاف.
المازري بعد كلام مالك وابن حبيب: وهذا فيما شُدَّ على الجبهة، لا فيما بَرَزَ عنها حتى منع لصوقها بالأرض.
أي: فإن ذلك لا يجزئ اتفاقًا، وكذلك قال ابن عات: ولا شك في صحة صلاة من صلى على طرف ثوبه أو كمه على المذهب، وأما حكمه ابتداء فالكراهة إلا لضرورةٍ كاتقاءِ حرِّ الأرض أو بردها.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَبَيْنَ مِرْفَقَيْهِ وَجَنْبَيْهِ، وَبيْنَ بَطْنِهِ وَفَخِذَيْهِ- بخِلافِ الْمَرْأَةِ- وَلَهُ تَرْكُهُ فِي النَّافِلَةِ إِذَا طَوَّلَ
هذا ظاهر، وفي المرأة قولٌ أنها كالرجل.
وَتُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الأَرْضِ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَفِي غَيْرِهِمَا مُخَيَّرٌ، فَإِنْ عَسُرَ لِحَرَّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ سَجَدَ عَلَى [57/ب] مَا لا تَرَفُّهَ فِيهِ كالخُمْرَةِ وَالْحَصِيرِ وَمَا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ، بِخِلافِ ثِيَابِ الصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ، وَالأَوْلَى وَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى مَا يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ
استُحِبَّت المباشرة؛ لأنَّ ذلك مِن التواضع، ولذلك لم يتخذ في مسجدي الحرمين حصير.
وحكى أبو طالب في القوت: أن تحصير المساجد من البدعِ المحدّثة.
والْمَشْهُورِ كراهة ثياب القطن والكتان، وأباح ذلك ابن مسلمة.
والخُمْرُة: فرضٌ صغيرٌ.
قال ابن بشير: قال المحققون، إذا كان الأصلُ الرفاهيةَ، فكل ما فيه رفاهيةٌ– ولو كان مما تنبته الأرض كالحصر السامان – فإنه يكره، وكلُّ ما لا تَرَفُّهَ فيه فإنه لا يكره، ولو كان مما لا تنبته الأرض كالصوف الذي لا يقصد به الترفه.
وهذا إنما يكره في الوجه والكفين، وأما غيرهما من الأعضاء فيجوز أن توضع على كلِّ طاهرٍ، والفرقُ: تعلقُ
الخضوعِ بهما؛ ووجهُ استحباب وضع اليدين على ما يضع عليه الوجه أنهما يُرفعان مع الوجه ويُوضعان مع الوجه، فوجب أن يكون حكمُهما في ذلك حكمَه.
وفي قول المصنف: (فَإِنْ عَسُرَ) نظرٌ؛ لأنه يقتضي أنه إنما يجوز ما تنبته الأرض مع العسر، والمذهبُ جوازُ ذلك اختيارًا.
الرَّفْعُ مِنْهُ: وَالاعْتِدَالُ فِيهِ وَالطُّمَانِينَةُ كَالرُّكُوعِ
اعتُرِض على المصنف بأنه شبَّه الرفعَ من السجود– وهو متفق على وجوبه– بالرفع من الركوع، وهو مختلفٌ فيه.
وأُجيب بأن التشبيه في الطلبِ فقط، لا في الخلاف.
وقاعدةُ المصنف أنه إنما يشبه بالخلاف إذا ذكر المشبه به بإثر المشبه، كما قال: والدمُ المسفوحُ نجسٌ، وغيرُه طاهرٌ، وقيل: قولان، كأكله.
وأما مع البُعْدِ فإنما يُشبه في القول الراجح فقط.
واتُفق على وجوب الرفع من السجود، بخلاف الرفع من الركوع؛ لاختلاف شكل الركوع والسجود؛ لأن الركوع انحناء الظهر، والسجود إلصاق الوجه بالأرض، والفرق بينهما حاصل إذا ركع ولم يرفعْ رأسَه، والسجدةُ الواحدة– وإن طالت– لا تُتصور سجدتين، فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى يكونا اثنتين لا واحدة، قاله المازري.
نعم، اختُلف في الاعتدال في الرفع منه كالركوع.
وَلا بَاسَ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ، بِخِلافِ الرُّكُوعِ، وَلَكِنْ يُسَبِّحُ، وَأَنْكَرَ التَّحْدِيدَ فِي الْجَمِيعِ بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ .....
مقضتى كلمه أن الدعاء في السجود ليس مستحبًا، وكذلك قال ابن أبي زيد؛ لأنه قال: وتدعو في السجود إن شئت.
وينبغي أن يكون مستحبًا للآثار في ذلك، وأنكرَ مالكٌ التحديدَ في عدد التسبيحات أو في تعيين لفظها؛ لاختلاف الآثارِ في ذلك.
فائدة:
يكره الدعاء في خمسة مواضع باتفاق:
أولها: في أثناء الفاتحة، ذَكره صاحب البيان والتقريب؛ لأنها رُكنٌ فلا يُقطع لغيرِه، ولأنها ثناءٌ ودعاء فدعاؤها أَوْلَى.
وثانيها: بَعْدَ الفاتحة وقَبْلَ السورةِ، ذكره بعضُهم؛ لأن السورةَ سُنَّةٌ فلا يُشتغل عنها بما ليس بسنة.
وثالثها: في أثناء السورة، ذكره ابنُ عطاء.
قال: لأنها سنةٌ، والدعاءُ ليس بسنةٍ.
قال عنه ابن نافع في المجموعة: وإن كان في نافلة فيَمُرُّ بآيةِ استغفارِ فليستغفِرِ اللهَ، ويقول ما شاء الله، فلا بأسَ.
وعلل ذلك بأن السورةَ في النافلةِ ليست مؤكدةً كما في الفريضة.
ورابعها: بَعْدَ الجلوسِ، وقَبْلَ التشهدِ، ذكرَه عبدُ الحق في نكته، وابنُ يونس، وصاحبُ البيان.
وخامسها: بَعْدَ سلام الإمام وقَبْلَ سلام المأموم، ذكره ابن الطلاع.
واختلف في أربعة مواضع:
بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والْمَشْهُورِ– كما تقدم– الكراهةُ.
وفي الركوع، والمعروف من المذهب الكراهة، قال المازري: ووقفت لأبي مصعب على جواز الدعاء في الركوع.
انتهى.
ودليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب))، فإن قيل: الدعاء لا ينافي التعظيم.
قيل: فَهِمَ العلماءُ منه الأمرَ بقولِ: سبحان ربي العظيم وبحمده فقط.
وفي التشهد الأول، وذكر الباجي فيه قولين، والظاهرُ الكراهةُ؛ لأن السنةَ فيه التقصيرُ، والدعاءُ يُطوِّله.
والرابع: بين السجدتين، والصحيح الجواز، وهو الذي اقتصر عليه المؤلفُ وابنُ الجلاب وجماعةٌ.
وما عدا هذه المواضع فيجوز الدعاء فيه اتفاقًا كالسجود، وبعد القراءة، وقبل الركوع، والرفع من الركوع، والتشهد الأخير، والله أعلم.
وَلا يَقْرَأ فِي شَيْءٍ مِنْهَا
أي: في الركوع والسجود والرفع، وجاء في الصحيح النهيُ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وأما الرفعُ فلا أعلم فيه حديثًا.
ثُمَّ يَقُومُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ وَيَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ لِلْقِيَامِ أَوْ يَتْرُكُ
نبه بقوله: (يَقُومُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ) على خلاف الشافعية في استحبابهم جلسة الاستراحة.
فرع:
وإن جلس عامدًا فلا شيء عليه، وإن كان ساهيًا ففي العتبية عن مالك: يسجد للسهو.
قال في البيان: ولم يراع في ذلك قول من رأى ذلك سُنةً؛ لضَعْفِ الخلاف عنده.
انتهى.
وروى ابن وهب وابن أبي أويس: لا سجود عليه إلا أن يجلس قدر ما يتشهد.
وأشار مالك في العتبية إلى أن السجود إنما يجب على مَن جلس مُجْمِعًا على الجلوس، لا على الشاكِّ الذي يريد أن ينظر [58/ أ] ما يصنع الناس.
وكذلك نص بعضهم على أن الشاكَّ لا شيءَ عليه.
وقوله: (وَيَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ لِلْقِيَامِ أَوْ يَتْرُكُ) ظاهرهُ التسويةُ، وقد تقدم من كلام صاحب البيان في هذه المسألة ثلاثة أقوال.
وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا
أي: والركعةُ الثانيةُ مِثلُ الأولى، إلا أنَّ الثانية أقصرُ كما تقدَّم.
فرع:
وهل الأفضل في الثانيةِ أن يقرأ سورةً بعدَ السورةِ التي قرأ بها في الأُولَى، أو لا فرق بين ذلك والتي قبلها؟
عن مالك في ذلك روايتان، والذي اختاره ابن حبيب وابن عبد الحكم وابن رشد، واقتصر عليه في الجلاب أن ذلك أفضل، والله أعلم.
وَالسُّنَّةُ التَّكْبِيرُ حِينَ الشُّرُوعِ إِلا فِي قِيَامِ الْجُلُوسِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِلَّ قَائِماً لِلْعَمَلِ إِذْ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ رُكْنٍ ....
يعني: أن التكبير يكون للأركان في حال الحركة إليها إلا في قيام الجلوس من الثانية، فإنه بعد أن يستقل في الثالثة لوجهين:
الأول: العمل، وكَفَى به.
ورُوي أن عمر بن عبد العزيز كَتب إلى عُمَّاله فأمَرهم بذلك، فلم يُنكر ذلك عليه أحدٌ.
الثاني: أن التكبير على قسمين: إمَّا مفتَتَحٌ به رُكْنٌ، كتكبيرة الإحرام.
وإمَّا في حالِ الحركة إذا انتقل عن ركنٍ، كالتكبير للركوعِ وغيرهِ، والجلوسُ الأول ليس بركنٍ، فأخر التكبير ليُفتتح به ركنٌ وهو القيام، كتكبيرة الإحرام.
وقيل: إنها مشبهة بابتداء صلاة، لما جاء أن الصلاة فرضت ركعتين فأُقِرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن المشروع أنه لا يكبر في الثالثة إلا بعد الاستقلال هو المشهور.
وقيل: إن التكبير في القيام إلى الثالثة كالتكبير في القيام إلى الثانية، وعلى المشهور فذلك مطلوب في حق المصلي مطلقاً إمامًا كان أو مأمومًا أو مفردًا، لكن المأموم يزيدُ بأنه لا يَقوم حتى
ينتصبَ إمامُه ويكبِّر، فإذا انتصب وكبَّر قام حينئذ، ولم يكبر إلا بعد استقلاله.
نص على ذلك في الرسالة.
جُلُوسُ التَّسْلِيمِ، وَيُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْجُلُوسِ جَعْلُ الْوَرِكِ الأَيْسَرِ عَلَى الأَرْضِ وَرِجْلاهُ مِنَ الأَيْمَنِ نَاصِباً قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَبَاطِنُ إِبْهَامِهَا إِلَى الأَرْضِ وَكَفَّاهُ مَفْرُوجَتَانِ عَلَى فَخِذَيْهِ ....
في صفة الجلوس ثلاثة مذاهب:
أحدها لأبي حنيفة: ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى.
والثاني للشافعي: الجلوسُ الأول كأبي حنيفة، والثاني كمالك.
والثالث لمالك: وهو ما ذكره المصنف.
وقوله: (وَبَاطِنُ إِبْهَامِهَا إِلَى الأَرْضِ) قال ابن أبي زيد بعد ذلك: وإن شئت أحنيت اليُمنى في انتِصابِها، فجعلتَ جَنْبَ بَهْمِها إلى الأرض فواسعٌ.
وَيَعْقِدُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ بالْيُمْنَى شِبْهَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَجَانِبُ السَّبَّابَةِ يَلِي وَجْهَهُ، وَيُشِيرُ بِهَا عِنْدَ التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: دَائِماً.
وَقِيلَ: لا يُحَرِّكُهَا ......
أي: يقبض الخنصر، والبنصر، والوسطى، ويُقيم السبابة ويَضم الإبهام إليها، قاله ابن شاس.
ابن عبد السلام: فما فعله في السبابة والإبهام هو العشرون، وما فعله في الثلاثة الأخر هو التسعة، وما ذكره مخالف لما ذكره غيره، فإن ابن بشير قال: شبه ثلاث وثلاثين.
وقال الباجي: شبه ثلاث وخمسين.
وهذا يعرف عند أهله.
وحاصل ما ذكره المصنف في التحريك ثلاثة أقوال، وتصورها واضح، غير أن كلامه يقتضي أن الْمَشْهُورِ التحريك عند الشهادة فقط، وهذا القول إنما نقله الباجي.
والمازري عن يحيى بن عمر، ونقلاً عن مالك: أنه كان يحركها من تحت البُرْنُس، فلما قال المازري: وعندي أن ابن عمر إنما حركها عند الشهادة؛ لأنها حركة تستعمل في تقرير الأمر وثبوته.
ألا ترى أن الإنسان إذا حدَّث صاحبه حَرَّك أصبعه كالمقرر بها مُلِحًّا بها، فلما افتتح المصلي الشهادتين رأى ابن عمر أن ذلك مما يحتاج إلى التقرير، فكأنه قرر على نفسه وحقق عندها صحة ما أخذ فيه.
انتهى.
واختلف في معنى ذلك، فقيل: إن ذلك مقمعة للشيطان.
وقيل: إشارة للتوحيد.
وقيل: يشتغل به عن السهو.
قال ابن رشد: وحكم هذه الإشارة السُّنَّيَّةُ، وقال غيرُه: الاستحباب.
وَفِيهَا: اخْتِيَارُ التَّحِياتُ لِلّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهُ دُونَ الأَوَّلِ .....
اختار مالك هذا؛ لأنه هو الذي كان عمر يعلمه للناس على المنبر.
ولم ينكره عليه من حضرة من الصحابة، ومعناه مشهور.
ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وكأنه سكت عنه اكتفاء بما قدمه؛ إذ محلها الجلوس الثاني.
التَّسْلِيمُ: وَيَتَعَيَّنُ السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ نَكِّرَ فَالْمَشْهُورِ كَغَيْرِهِ.
وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ بِهِ قَوْلانِ .....
أي: الفرضُ التاسعُ التسليمُ.
(فَلَوْ نَكِّرَ) أي: قال: سلام عليكم، فالْمَشْهُورِ كغيرِ السلام عليكم فلا يجزئ.
ومقابل المشهور لابن شبلون.
قال ابن الفاكهاني: والمشهور عدمُ اشتراطِ نيةِ الخروجِ بالسلامِ.
وقال سند: ظاهر المذهب افتقارُه إلى نية.
وكذلك قال الشيخ [58/ ب] عبد الحميد في استلحاقه، واقتصر صاحب الإشراف على الاشتراط، وحكَى في الجواهر القولين عن المتأخرين.
وما ذكره المصنف– من اشتراط السلام– هو المعروف.
وحكى الباجي عن ابن القاسم أنه قال: من سبقه الحدث وهو في آخر صلاته أجزأته.
وأُنكر معنىً ونقلاً.
أما معنىً: فإن الأمة على قولين: مذهبُ الجمهور اشتراطُ السلام.
والثاني– وهو مذهب أبي حنيفة– أن كل مُنافٍ يَقوم مقاهه بشرطِ نيةِ الخروجِ.
وأمَّا نقلاً: فلأنَّ الموجود لابن القاسم إنما هو في قوم صلوا خلف إمامٍ، فأَحْدَثَ في آخر صلاته وسلموا، فقال: لا إعادة عليهم.
فقوله: لا إعادة عليهم.
يريد المأمومين دون الإمام.
وَيَتَيَامَنُ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ قَلِيلاً مَرَّةٌ وَاحِدَةً، وَرُوِيَ مَرَّتَيْنِ
(يَتَيَامَنُ) كما قال ابن أبي زيد: يسلم واحدة قبالةَ وجهِه، ويتيامنُ برأسه قليلاً.
ابن عبد السلام: يريد– والله أعلم– بقدر ما يرى صفحة وجهه.
قال في التنبيهات: ظاهر المدونة أن سلام الإمام والفذ في الهيئة سواء، وسلام المأموم بخلاف ذلك، لأنه قال في الإمام: قبالة وجهه ويتيامن.
وقال في المنفرد: يسلم واحدة ويتيامن قليلاً.
ولم يقل قباله وجهه، وهو ظاهر.
وقال في المأموم: يسلم عن يمينه، ثم يَرُدُّ على الإمام.
وكذلك وصف سلام مالك خلف الإمام في العتبية، والمجموعة.
واختلف الشيوخ في هذا، فذهب بعضهم إلى هذا الظاهر.
وحكى ابن أبي زيد مثلَه، وإن كان الذي له في رسالته خلاف هذا، فإنه قال: ويسلم تسليمة واحدة يتيامن برأسه قليلاً، هكذا يفعل الإمام والرجل وحده.
وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلاً.
فهو وإن لم يذكر
قبالة وجهه– كما ذكر في الفذ والإمام– فضمنه أنه قُبالة وجهه؛ لأنه لا يتيامن إلا مِنَ استقبالٍ.
وإلى استواءِ سلام الثلاثة ذهب ابن سعدون.
وإلى افتراق المأموم أشار عبد الحق والباجي وغيرهما، وهو ظاهر الكتاب.
انتهى.
وقوله: (وَرُوِيَ مَرَّتَيْنِ) هي رواية ابن وهب، وسببُ الخلافِ اختلافُ الأحاديث، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم واحدة أو اثنتين؟ وقد روى الترمذي: ((أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم واحدة)).
قال الباجي وغيرُه: وأحاديث التسليمة الواحدة غيرُ ثابتة، وأحاديثُ التسليمتين لم يُخَرِّج منها البخاري شيئًا، وخرَّجَ مسلمٌ في ذلك حديثين: عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين)).
وقال سعد: ((يسلم عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خديه)).
الباجي: وهي أخبار تحتمل التأويل، والقياس يقتضي إفراد السلام الذي يُتحلل به من الصلاة، وما زاد على ذلك فإنما هو للرد، وليس ذلك في الإمام والفذ.
انتهى بمعناه.
وذكر مالك أن على التسليمة الواحدة العملَ، ولفظُه على نَقْلِ ابنِ يونس: وقد سلم النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، وكذلك أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وغيرهم.
قال مالك في غير المدونة: فكما يدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة فكذلك يخرج منها بتسليمة واحدة.
وعلى ذلك كان الأمر في الأئمة وغيرهم، وإنما حدثت التسليمتان منذ كان بنو هاشم.
وَالْمَامُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَيُضِيفُ اثْنَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَمَامَهُ ثُمَّ يَسَارَهُ إِنْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ، وَقِيلَ: يَسَارَهُ ثُمَّ أَمَامَهُ ....
مقابل الْمَشْهُورِ يسلم اثنتين فقط، الأولى عن يمينه، والثانية على الإمام، نقله ابن شاس وغيره، يريد هذا القائل، ويقصد بالثانية أيضاً الرد على المأموم.
وعلى المشهورِ فالمشهورُ أنه يبدأ بالأمامِ قبل اليسار، وروى أشهب عن مالكٍ العكسَ.
وحكى عبد الوهاب ثالثاً بأنه مُخَيَّرٌ.
والردُّ على اليسارِ مشروطٌ بأن يكون على اليسار أحد.
مالك: ويجهر الإمام بتسليمة التحليل جهرًا، يُسمع نفسه ومَن يليه، ويُخفِي تسليمةَ الرد على مَن كان على يسارِه.
المازري: قيل: لئلا يُقتدى به في ذلك، وقال بعضهم: التسليمة الأولى تستدعي الرد، واستدعاؤه يفتقر إلى الجهر، وتسليمةُ الرد لا يَستدعي بها ردًا؛ فلم تفتقر إلى الجهر.
فرع:
ولو قدم المأمومُ السلام على يساره، وتكلم قبل أن يسلم على يمينه فقال ابن القُرْطِيُّ: تبطل صلاته.
وقال مطرف: صلاته تامة، عامدًا كان أو ناسيًا، فذَّاً كان أو إمامًا.
ابن أبي زيد: ولا وجه لفسادها؛ لأنه إنما ترك التيامن.
وفَصَّلَ اللخميُّ فقال: إِن تَعمد الخروج بها لم تبطل صلاته، وإن سلم للفَضْلِ، ثم يَعودُ ويُسلم ويَخرج مِن الصلاة، ثم نسي وانصرف– وطال الأمر– أبطل صلاته.
وجعل ابن بشير قول اللخمي جمعًا بين القولين، لا خلافًا.
وَفِي الْمَسْبُوقِ رِوَايَتَانِ
أي: هل يرد على الإمام أو على من يساره إذا فَرغ، كغير المسبوق، أو لا يَرُدُّ لفواتِ المحلِّ؟ روايتان.
واختار ابن القاسم أنه يَرُدُّ على مَن سلم عليه، انصرف أم لا.
المازري: وعلل بعض المتأخرين ثبوته بأنَّ حكمَ الإمامِ باقٍ عليه في قضائه، فكأنَّ الإمام لم يفرغ بَعْدُ مِن [59/ أ] صلاتِه.
وعلَّل نفيَه بأنَّ مِن سُنة الردِّ الاتصالُ بسلامِ الابتداء، فإذا عدم الاتصال لم يَثبت الرد.
وهذا التعليل يقتضي تصور الخلاف في الرد، وإن كان من يرد عليه حاضرًا لم يذهب.
وأشار بعض أشياخي إلى أن الخلاف لا يتصور مع حضور من يرد عليه وإنما يتصور مع غيبته.
انتهى.
وَكُرِهَ الدُّعَاءُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَالْيَمِينُ بِهَا.
وَنَهَى عُمَرُ عَنْ رِطَانَةِ الأَعَاجِمِ، وَقَالَ: إِنهَا خِبٌّ
أي: في الصلاة.
وقال في موضع آخر في المدونة: ولا بأس أن يدعو بها في غير الصلاة.
وقال في الذي يحلف بالعجمية: وما يدريه أن الذي قال هو كما قال.
اللخمي: فعلى هذا إن علم أن ذلك اسم الله جاز أن يحلف بها ويدعو بها.
ثم إن النهي المذكور إنما هو في حق القادر على النطق بالعربية؛ ففي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن العجمي يدعو في صلاته بلسانه، وهو لا يُفصح بالعربية، فقال –رضي الله عنه-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وكأنه خَفَّفَه.
واختُلف في سبب الكراهةِ، فقيل: لأنه لا يعلم أنه اسم الله تعالى فيدعو به، وعلى هذا فيُكره في غيرِ الصلاة ويجوز فيها إذا علم ذلك.
وهو قريب مما تقدم.
اللخمي: وقيل: لكونه لم يَرِدْ عن السلف.
والرطانة: بفتح الراء وكسرها.
والخِبُّ: بكسر الخاء، المكر والخديعة.
وقيل: إنما نهى عمر عن ذلك إذا كان بحضرةِ مَن لا يَفهمه مِن بابِ كراهةِ تَناجي اثنين دونَ واحدٍ.
نقله ابن يونس.
وعلى طرد هذا لو كان عربيان في جماعة عظيمة من الأعاجم لا يحسنون العربية، والعربيان يحسنان لسانها – لكان الأولى في حق العربيين التكلم بالعجمية.
وقيل: إنما الكراهة في المساجد مطلقاً؛ لأن مالكًا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم، وإليه ذهب ابن يونس.
وَالتَّرْتِيبُ فِي قَضَاءِ يَسِيرِ الْفَوَائِتِ- وَهِيَ الْخَمْسُ فَمَا دُونَهَا أصْلاً أَوْ بَقَاءً، وَقِيلَ: الأَرْبَعُ- وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ ....
(وَالتَّرْتِيبُ) مبتدأ، وخبره (وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ).
وقوله: (أصْلاً) أي: هي جميع ما فات.
وقوله: (أَوْ بَقَاءً) أي: بقيت فوائت.
وشهر المازري أن اليسير خمسٌ.
ومقتضى
الرسالة أن الخمسَ في حيِّزِ الكثيرِ، واليسيرَ أربعةٌ، لقوله: وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم بدأ بهن.
وتؤول القولان على المدونة.
قال في البيان: وقيل: الكثيرُ أربعُ صلواتٍ على ظاهرِ المدونةِ.
وقال ابن يونس: إن ذكر صلوات إن بدأ بهن فات وقت الحاضرة، فإن كانت أربع صلوات فأقل فلا خلافَ بين أصحابنا أنه يَبدأ بهن وإِنْ فاتَ وقتُ الحاضرة.
فإن كانت ستَّ صلواتٍ فأكثر بدأ بالحاضرة، واختلف إِنْ كانت خمس صلوات، فقيل: يبدأُ بهن.
وقيل: يبدأ بالحاضرة.
قال ابن حبيب: وإن كان الوقت متسعًا.
انتهى.
وَيُقّدَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْتِيَّةِ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي سُقُوطِ قَضَاءِ الْوَقْتِيَّةِ حِينَئِذٍ عَنْ نَاسِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الأَعْذَارِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إِنْ ضَاقَ فَالْوَقْتِيَّةُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: مُخَيَّرٌ
أي: ويقدم يسير من الفوائت على الحاضرة الوقتية– وإن ضاق الوقت عن إدراك الحاضرة – على الْمَشْهُورِ.
ومقابلُه قولُ ابنِ وهب وأشهبَ.
وقولُ ابن وهب ظاهرٌ؛ لأنه إذا قدم الفوائت– مع الضيق– تصير جميع الصلوات قضاء.
والترتيب بين الفوائت والحاضرة واجبٌ على الْمَشْهُورِ، وقيل: مندوبٌ.
وكلام المصنف يحتمل وجهين:
أولهما: أن يكون إنما تكلم على ترتيب الفوائت مع الحاضرة، وعلى ذلك حمله ابن راشد.
والثاني: وهو ظاهر لفظه، أنه إنما تكلم أوَّلاً على ترتيبِ الفوائتِ في أنفسِها، ثم على ترتيبها مع الحاضرة.
لكن اعترضه ابن عبد السلام بأن هذا شيء لا يعلم لغيره، بل الذي ذكره غيره أن الترتيب فيما بين الفوائت أنفسها لا يتحقق فيه في المذهب نص للمتقدمين، واختار بعض الشيوخ سقوطه فيما بين المتماثلات كظهرين، بخلاف ظهر مع عصرٍ.
قال: لكن مسائلهم تقتضي عندي أنه مطلوب وجوباً مع الذِّكر وغيرِه، في يسيرِ الفوائتِ وغيرِها.
قال: وأما ما ذكره المصنف في قوة كلامه أنه واجب في اليسير دون الكثير فلا أعلمه لغيرِه.