التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 394-433
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ابن بشير: وإذا أخرجت الأيمان على قصد المبالغة والتفتا إلى المقاصد لم يقع حنث وإن لم يحصل جميع ما يتناوله اللفظ، وإن التفتنا إلى الألفاظ وجب الحنث، واستدل من التفت إلى المقاصد بقوله: صلى الله عليه وسلم في أبي جهم "لا يضع عصاه عن عاتقه" ومن هذا أن يحلف أن هذا الطير لا يسكت وإنما يريد كثرة صياحه.
انتهى.
وعلى هذا فيكون قوله: (كَالْجَائِزِ) أي فيجري فيه قولان، ولم يحك ابن بشير في هذه المسألة خلافاً بل قال: وإن شرطه بصفة ممتنعة عادة أو شرعاً كقوله: لو جئت أمس لأدخلنك، يريد في الأرض أو لأقتلنك، فإن أراد حقيقة الفعل حنث، وإن أراد المبالغة لم يحنث.
وقال ابن عبد السلام: يعني ما لم يقصد في كل واحد من القسمين السابقين، أو في أحدهما المبالغة فيعبر مثلاً عن القصاص الذي وجب لأخيه على هذا المحلوف عليه بالقتل أو بالدخول في الأرض وما أشبه ذلك، وهو مراده بقوله: (في جائز منكراً) احترازاً من أن يعبر بذلك عن ممتنع شرعاً أيضاً أو عادة كضربه ألف سوط مثلاً، فإذا عبر بذلك عن جائز شرعاً أو عادة وهو الذي يلي هذا الكلام.
قال ابن عبد السلام: وعلى هذا فاستعمال المصنف الجائز في القدر المشترك بين الجائز في الثلاثة وقد اجتمعت الثلاثة في قوله: وَإِنْ كَانَ جَائِزاً مِثْلَ: لَوْ جِئْت أَمْس لأَقْضِيَنَّكِ حَقِّكِ حَنِثَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لما شبه بالجائز أراد أن يبين حكمه، فإن قيل: لا نسلم أن هذا جائز شرعاً بل واجب، قيل: المسألة أعم من الوجوب والجواز، لاحتمال أن يكون الدين لم يجب قضاؤه وحينئذ إما لأن الأجل لم يحل أو لغير ذلك.
وفي قوله: (عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ) إشارة أنه لا يحنث عند غيره، وهو كذلك فإن عبد المالك قال: لا يحنث، ورأى ابن القاسم أنه لما احتمل أن يقضيه وحصل الشك فتطلق

عليه إذ لا يقدم على فرج مشكوك فيه.
ورأى عبد الملك أن الشك لا عبرة به استصحاباً للعصمة المحقق وجودها.
وقوله: (لأَقْضِيَنَّكِ) هو كقوله: (لأقتلنَّك).
وإِذَا عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ- فَإِنْ كَانَ مُمْتَنَعاً مِثْلَ أَنْتِ طَالِقُ إِنْ لَمَسَتِ السَّمَاءَ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الأَصَحِّ، وكَذَلِكَ إِنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ أَوِ الْمَيِّتُ أَوْ زَيْدُ فَمَاتَ .. لم يحنث على الأصح لأنه علق الطلاق بشرط لا يوجد والمشروط لا وجود له بدون شرطه، وحنث في مقابل الأصح إما لهزله وإما لأنه لما طلق ندم فعلقه بلمس السماء ونحوه، والأصح قول ابن القاسم في المدونة، ومقابله لسحنون، وروى مثله عن ابن القاسم.
ومثل: (إن لمست السماء)، إن ولجت في سم الخياط.
قوله: (أو الحجر) الأصح فيه مذهب المدونة، ومقابله لسحنون، [360/ ب] وذكر عبد الوهاب في ذلك روايتين وقال: اللزوم أصح.
وقال المازري: المشهور لزوم الطلاق وفيهما نظر لمخالفة المدونة والله أعلم.
وقوله: (أَوْ زَيْدُ فَمَاتَ) يريد ولم يشأ ففي المدونة: وإن مات فلان قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم أو كان ميتاً فلا حنث عليه.
ونص اللخمي على أنه إن مات فلان قبل أن يقضي أو يعلم هل قضى بشيء أم لا؟ لأنه لا شيء على الحالف.
وفي الكافي: إن علق المشيئة بآدمي، لم تطلق حتى يعلم أنه شاء، فإن لم يعلم مشيئته لم تطلق عليه.
ابن عبد السلام: والأقرب أنه إن علم أن فلاناً نظر في اليمين ولم يعلم هل شاء الطلاق أم لا؟ أن يجري على الشك في الحنث كما سيأتي.
فَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقاً ويُشْبِهُ بُلُوغُهُمَا عَادَةً مِثْلَ: إِنْ مَضَتْ سَنَةُ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ إِذَا مَاتَ فُلانُ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ حَنِثَ نَاجِزاً ثُمَّ لا يَحْنَثُ فِيهِ بَعْد لأَنَّهُ عَجَّلَ حِنْثَهُ أي: فإن كان الشرط المستقبل المعلق عليه الطلاق محقق الوقوع وهو مع ذلك يشبه حال الزوجين مع البلوغ في العادة مثل: أنت طالق (إِنْ مَضَتْ سَنَةُ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ) أو (قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ حَنِثَ نَاجِزاً) أي حين التعليق لأنه شبيه بنكاح المتعة في توقيت الحل، وخالف في ذلك جماعة من أهل العلم ورأوا عدم اللزوم لأن الطلاق معلق على شرط غير محقق الوقوع لاحتمال ألا يبلغ كل من الزوجين أو أحدهما الأجل المذكور، وتقدير هذا في المثال الثالث وهو إذا مات فلان أظهر، إذ من الممكن حياته بعد كل منهما لاسيما إذا كان أصغر.
وأيضاً فالفرق بين هذا ونكاح المتعة أن توقيت الحل في نكاح المتعة واقع في العقد بخلاف هذا والمفسد إنما هو ما وقع في العقد لا ما تأخر عنه وخالف أشهب في المثال الآخر غير أنه ذكره فيما إذا قال: قبل موتك بشهر على ما نقله اللخمي وغيره لكن لا فرق بين أن يكون قبل موتي أو موتك على ما نص عليه في المجموعة.
وقوله: (لا يَحْنَثُ فِيهِ بَعْد) أي إذا عجلنا عليه الطلاق ثم جاء الأجل فلا يحنث به أيضاً لأنه لما عجلناه لم يبق شيء حتى يقع عند الأجل.
وَمِثْلُهُ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ، وشِبْهِهِ أي: (وَمِثْلُهُ) في التنجيز، والتنجيز هنا واضح في المثال السابق يحتمل أن يموت كل من الزوجين قبل بلوغ الأجل فكان من الطلاق بالشك، وأما هنا فالطلاق واقع وإنما يرفعه حصول شرط لا يمكن أن يقع ولهذا اتفق هنا على وقوع الطلاق، حكى ذلك ابن بشير.
وشبه (إِنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ) أنت طالق إن لم أشرب البحر أو أحمل الجبل.
وَفِي مِثْلِ: إِنْ أَكَلْت، أَوْ شَرِبْت، أَوْ قُمْت أَوْ قَعَدْت، مِمَّا لا صَبْرَ عَنْهُ- ثَالِثُهَا: إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَمِثْلُ إِنْ مَاتَ، وإِلا فَمِثْلُ إِنْ دَخَلْت .. يعني: أنه اختلف إذا قال: (إن أكلت) أنا (أو شربت) أو أكل فلان أو شرب أو نحو ذلك من الأفعال التي لا صبر عنها فأنت طالق فتأول اللخمي وابن يونس وغيرهما على

المدونة أنها تطلق عليه في الحال.
وذهب ابن محرز وغيره إلى أن ظاهر المدونة خلاف هذا ولا تطلق عليه حتى يفعل ما حلف عليه لقوله فيها: إذا قال لها: إن أكلت أو شربت أو لبست فأنت طالق.
أنها أيمان.
وحملها الأولون على ما إذا قيد يمينه بزمن يمكن الصبر فيه على المحلوف به.
وهذان القولان الأولان من كلام المصنف وقد تقدم أن مثل هذا لا ينبغي عده خلافاً.
خليل: وفي قول من حمل المدونة على عدم التنجيز بعد لأنه إذا كان المشهور فيها إذا علقه على الحيض أو الطهر، التنجيز كما سيأتي فلأن ينجز هنا من باب الأولى وما يفرق به بينهما بأن الفعل هنا داخل تحت المشيئة بخلاف الحيض والطهر ليس بظاهر.
وثالثها إن أسندها إلى غيره كانت طالق إن قام فلان أو أكل فمثل (إن مات) فينجز لأن الغير لا يصبر لحلفه (وإلا) أي وإن علقه بفعله فمثل إن دخلت فلا يتنجز لاحتمال اختياره الصبر عن ذلك الفعل ولو أداه إلى الموت.
اللخمي: وهذا إذا لم يضرب أجلاً أو ضرب أجلاً لا يمكنه الصبر إليه وإن كان مما يمكن الصبر إليه لم يحنث.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُشْبِهُ بُلُوغُهُ لَمْ يَحْنَثُ عَلَى الأَصَحِّ هذا قسيم قوله: (وإن متحققاً ويشبه بلوغهما عادة).
وفي الجلاب: وإن طلقها إلى أجل لا يبلغه عمره مثل قوله: أنت طالق بعد الف سنة وما ِأشبه ذلك من الزمان البعيد فإنها يتخرج على روايتين إحداهما: أنها تطلق عليه في الحال.
والأخرى: أنها لا تطلق عليه بحال.
وبعدم الحنث قال ابن القاسم في العتبية وابن الماجشون وعيسى: قال في الكافي: هو القياس، قال في البيان: وعليه فالمعتبر الأعمار التي يعمر إليها المفقود على الاختلاف بينهم في ذلك.

واللزوم مبني على أن قوله: بعد ألف سنة؛ كالندم والاستدراك.
فإن قيل: إذا كان هذا قسيماً لقوله: (يشبه بلوغهما) فلم ثنى الضمير أولاً وأفرده ثانياً؟ قيل: لأنه لو ثناه ثانياً لتوجه النفي على مجموع الجزئين لا على كل واحد منهما، والمراد إنما هو [361/ أ] لا يبلغه أحدهما فأفرد الضمير وخص الرجل دفعاً لذلك، ولأنه لزم أن يكون الحكم كذلك في المرأة لأنه إذا لم يلزم الطلاق لعدم بلوغ عمر الرجل لذلك الأجل المضروب لعدم المطلق فكذلك لا يلزم لعدم بلوغ عمر المرأة لعدم وجود محل الطلاق على أنه يمكن أن يكون الضمير في بلوغه عائد على أحد الزوجين لا بعينه، ويمكن أن يكون الضمير في بلوغه عائداً إلى الأجل، ويقرا على هذا بلوغه بفتح الغين، ويكون التقدير وإن كان مما لا يشبه حالة الزوجين بلوغ الأجل لم يحنث، وهذا أظهر والله أعلم.
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنْ إِذَا مِتُّ مِثْلُ إِنْ مِتُّ فِي أَنَّهُ لا يَحْنَثُ، بِخِلافِ يَوْمَ أَمُوتُ حاصله أن للتعليق على موته ثلاث صور، إن قال: إن مت فأنت طالق، لم تطلق عليه لأنه علق الطلاق بموته ولا يطلق على ميت.
اللخمي وغيره: إلا أن يريد أنه لا يموت ويعاند في ذلك فيحنث.
وإن قال: يوم أموت حنث ناجزاً لتعليقه على أجل لابد منه قال في المدونة، وقال أشهب: لا شيء عليه في مسألة يوم أموت.
واختلف قول مالك في إذا مت، هل ذلك بمنزلة إن أو يوم؟ لأن إذا ظرفوشرط فإن غلبنا الظرفية كانت كـ (يوم) وإن غلبنا الشرطية كانت كـ: (إن).
اللخمي: ويلزم مثل هذا الخلاف إذا قال: إن مت وقد اختلف في من قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، ولزوجته: وإن خالعتك فأنت طالق البتة؛ فباع أو خالع فقيل: يحنث فيهما، فيعتق العبد ويرد ما أخذ في الخلع والعتق، والحنث سبق البيع والخلع.
وقيل: لا شيء عليه لأن العتق والبيع قبل الحنث وهو أحسن.

وإِنْ كَانَ مُحْتَمَلاً غَالِباً مِثْلَ: إِذَا حِضْتِ أَوْ طَهُرْتِ تَنَجَّزَ عَلَى الْمَشْهُورِ كَالْمُحَقَّقِ، وقَالَ أَشْهَبُ: لا يَتَنَجَّزُ، وقَالَ أَصْبَغُ: إِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ تَنَجَّزَ، وعَلَى الْحِنْثِ فِي افْتِقَارِهِ إِلَى حُكْمِ قَوْلانِ .. هذا قسيم قوله أولاً: (فإن كان متحققاً) أي وإن لم يكن متحققاً بل (كَانَ مُحْتَمَلاً غَالِباً) فالمشهور أنه يتنجز.
وقال أشهب: لا يطلق عليه وينتظر ما علق عليه من حيض أو طهر وبه قال عبد الملك والمخزومي وابن وهب وابن عبد الحكم.
وكلا القولين مروي عن مالك.
ومنشأ الخلاف هل الغالب كالمحقق أو كالمحتمل غير الغالب؟ فيتوقف على الشرط كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وفرق أصبغ فقال كالمشهور إن كانت يمينه على حنث وكقول أشهب إن كانت يمينه على بر.
ابن عبد السلام: والمثال الذي ذكره المصنف يعني إذا حضت أو طهرت مما يعسر تصور القول الثالث فيه.
خليل: وليس بعسير ومثاله: إن لم تحيضي فأنت طالق؛ فإنه علق الطلاق على الطهر، أو: إن لم تطهري؛ فإنه علقه على الحيض، وإن أراد بالحنث والبر خلاف المصطلح عليه في كلام الفقهاء فيحتاج إلى ثبوته أولاً ليتكلم عليه ثانياً.
وسلم جماعة قول أشهب في: إذا حضت، واستشكلوا قوله في: إذا طهرت؛ لأنه محقق.
وعلى هذا ففي تمثيل المصنف للغالب بالطهر نظر؛ لأنه محقق إلا أن يقال: إنما ذكره ليبين أن أشهب قائل بعدم التخيير في الطهر والحيض لا لأنه من صورة المسألة وأجاب التونسي عن أشهب بأن الطهر ليس بمحقق لأن الموت قد يتأتى قبل انقضاء الحيض وهو ضعيف فإن احتمال الموت ملغى إذا قال: بعد شهر.
إلا أن يقال إن الجواب جار على قول أشهب فيما إذا قال: قبل موتي بشهر، فإنا قدمنا عند اللزوم في ذلك.

قوله: (وعَلَى الْحِنْثِ .. إلى آخره) أي إذا فرعنا على المشهور من التخيير يريد وعلى أحد شقي قول أصبغ فاختلف فقال مالك وابن القاسم يلزمه الطلاق مكانه حين تكلم بذلك ولا يفتقر إلى حكم اللخمي وقيل في هذا الأصل لا يقع عليه الحنث بنفس اللفظ بل يفتقر إلى الحكم وهو أحسن لأنه أمر مختلف فيه والحكم يرفع الخلاف.
تنبيه: هذا الخلاف إنما هو إذا كانت المرأة ممن تحيض.
اللخمي: وأما إن كانت يائسة أو شابة وهي ممن لا ترى حيضها لم يعجل بالطلاق بحال.
وَلا يَحْنَثُ فِي مِثْلِ: إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ إِلا إِذَا وَطِئَهَا لأَنَّهُ بِيَدِهِ، وفِيهَا: ويُمْكِنُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَّةً، ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ .. يعني: إذا قال: إن حملت فأنت طالق؛ فإنه لا يحنث (إِلا إِذَا وَطِئَهَا) لأن الحمل موقوف على سبب والسبب بيد الحالف إن شاء أوقعه وإن شاء لم يوقعه وهو الوطء والضمير في قوله (لأَنَّهُ) يحتمل عوده على الحمل وإن لم يكن حقيقة بيد الحالف لكن سببه وهو الوطء بيده وأتى المصنف بهذا المثال في الغالب لأن الغالب على النساء الحمل ثم بين وجه المخالفة بينه وبين ما تقدم بقوله (لأَنَّهُ بِيَدِهِ) أي بخلاف الحيض والطهر في المثال السابق فلذلك عجلنا عليه الحنث هنالك ولم نعجله هنا.
وقوله: (وفِيهَا: ويُمْكِنُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَّةً) لا خلاف في ذلك قاله ابن عبد السلام.
عياض: وقوله لا يمنع من وطئها مرة معناه إن لم يمكن وطؤها في ذلك الطهر ولو وطئها فيه طلقت عليه عند ابن القاسم وروايته: واختلف بعد الوطء فقال في المدونة: يعجل عليه الطلاق بإثر الوطء [361/ ب] وقال ابن الماجشون: لا يعجل وينتظر ثم يطأها في كل طهر مرة، كقوله في المدونة في العتق، وقال أشهب: لا شيءعليه حتى يكون ما شرط ابن يونس فوجه قول ابن القاسم إذا وطئها صار حملها مشكوكاً فيه فيعجل الطلاق لأن

من شك هل حنث أم لا فهو حانث، ووجه قول أشهب أن من أصله أن لا يطلق إلا على من علق إلى أجل آت لابد منه فكان هذا عنده بمنزلة من قال: إذا أتى فلان فأنت طالق، ووجه قول ابن الماجشون أنه لا يحصل الحمل من كل وطء فوجب أن لا تطلق عليه حتى يختبر أمر هذا الوطء، ويمسك عن وطئها إذ لا يدري هل حملت منه أم لا؟ قياساً على الأمة، إذ قال لها: إذا حملت فأنت حرة.
والفرق عند ابن القاسم بين الأمة والحرة أنهم أجمعوا أنه لا يجوز الطلاق إلى أجل ويجوز العتق إلى أجل.
وقوله: (ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ) يعني إذا قال لها: إن حملت فأنت طالق، لا يحنث إذا كانت حاملاً وإنما يحنث في المستقبل كما ذكر وهذا تأويل الأكثر على المدونة، وتأولها بعضهم على أنه يحنث بحمل هي عليه.
ولا يؤخذ من كلام المصنف أن قوله: (ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ) أن ذلك في المدونة.
ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن هذا في المدونة وليس هو في التهذيب ليس بظاهر.
وَفِيهَا: إِذَا حَمَلْتِ ووَضَعْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ إِنْ كَانَ وَطِئَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ مَرَّةً حَنِثَ مَكَانَهُ ولا يُنْتَظَرُ أَنْ تَضَعَ، فَقِيلَ: اخْتِلافُ، والصَّحِيحُ: إِنْ كَانَ وَطِئَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ، وقِيلَ: الْقَصْدُ هُنَا الْوَضْعُ .. أتى بهذه المسألة لمخالفتها الأولى أو لأنها تحتمل ذلك وكذلك أتى بها في المدونة بإثر الأولى.
وقوله: (فَقِيلَ: اخْتِلافُ) هو مذهب اللخمي فإنه قال: واختلف في من قال: إذا حملت فأنت طالق؛ وهي غير ظاهرة الحمل، فظهر بها حمل بعد ذلك، فقال ابن القاسم: لا يمنع من وطئها وإذا وطئها مرة وقع عليه الطلاق، وقال أيضاً: في من قال: إذا حملت ووضعت فأنت طالق إن كان وطئها في ذلك الطهر فهي طالق مكانها لحنثه لما تقدم من

الوطء قال المصنف: (والصَّحِيحُ) في فهم المدونة أنها ليست خلافاً للأولى وأن في كلامه في هذه إضمار تقديره: إن كان وطئها في ذلك الطهر مرة بعد اليمين حنث، وفيما زعم أن المصنف أنه الصحيح بعد من جهة اللفظ.
وقال ابن شبلون: إنما المعلق عليه هنا الوضع وذلك لأن الطلاق مغيا بغايتين وقد علم في أصول الفقه أن الحكم المغيا بغايتين أن المعتبر منهما الأخيرة، وأن تسمية الأولى منهما غاية إنما هو لقربها من الأخيرة كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] فالغاية الحقيقة هي التطهير، ويسمى الطهر غاية إما لقربه من التطهير وإما لكونه سبباً فيه فكأنه قال: هذا إذا وضعت وقد وجدت مظنة الحمل المسبب عنه الوضع بوطئها قبل اليمين فنجز لذلك وليس كذلك الأولى.
خليل: وعلى ما تقدم من نقل عياض أنه لو وطئ في المسألة السابقة قبل اليمين طلقت عليه في قول ابن القاسم، وروايته تدفع المعارضة بالكلية لأن الأولى حينئذ توافق الثانية في الحنث بالوطء قبل اليمين.
وَعَلَى الْحِنْثِ، لَوْ قَالَ: كُلَّمَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَنَجَّزُ الثلاث، وقَالَ سَحْنُونُ: اثْنَتانِ .. هذا الفرع مبني على المشهور، أي إذا علق الطلاق على غالب وبنينا على المشهور من التنجيز فلو قال لها: كلما حضت فأنت طالق، وأتى بما يقتضي التكرار، فقال ابن القاسم: تطلق ثلاثاً، ورأى أن الطلقة الثالثة تقع مع الحيضة الثالثة.
ورأى سحنون وقوعها بعد بينونتها بدخولها فيها فلا يقع وهو قول ابن الماجشون، ووجه قولهما أنه يعجل ما لو حصل زمناً كانت فيه زوجة، وعلى هذا فسحنون موافق على التعجيل.

ونقل اللخمي عن مالك في الموازية أنه لا يعجل عليه وإنما تطلق في الحيضة الأولى طلقة، وفي الثانية طلقة فقط.
وقيد ابن يونس قول سحنون بما إذا كانت طاهراً، فقال: وقال سحنون: إذا قال لها ذلك- أي كلما حضت- وهي طاهر لزمه طلقتان، قال: ووجهه كأنه قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت الثانية فأنت طالق، وإذا حضت الثالثة فأنت طالق، وهي إذا حاضت فقد بانت منه فكأنه أوقع الثالثة بعد أن بانت منه، فلا يلزمه ونحو هذا التعليل لسحنون، والله أعلم.
وفيها: إنَّ (مَتَى مَا) مِثْلُ (إِنْ) إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا مَعْنَى (كُلَّمَا) تقدم الكلام على هذا في باب الأيمان.
وإِنْ كَانَ مُحْتَمَلاً غَيْرَ غَالِبٍ يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ- فَإِنْ كَانَ مُثْبَتاً انتُظِرَ ولَمْ يَتَنَجَّزْ إلا أَنْ يَكُونَ وَاجِباً، مِثْلَ: إِنْ صَلَّيْتِ فَيَتَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ التَّنْجِيزِ.
لما قدم الكلام على المحقق والغالب تكلم على المحتمل غير الغالب بشرط أن يمكن الإطلاع عليه، ويعلم وقوعه ثم قسمه إلى قسمين أحدهما أن يكون مثبتاً كقوله: إن دخلت الدار أو جاء زيد فامرأته طالق، فهذا ينتظر بلا خلاف، ثم استثنى من هذا القسم ما كان واجباً، فقال: (إلا أَنْ يَكُونَ وَاجِباً، مِثْلَ: إِنْ صَلَّيْتِ فَيَتَنَجَّز) لأنه وجوبه يمنع من تركه فيصير كالمحقق، وهكذا قال ابن سحنون [362 /أ] عن أبيه أنه لو قال: أنت طالق إذا صليت أنت أو إذا صليت أنا فهو سواء وتطلق الساعة لأنه أجل آت ولابد من الصلاة.
خليل: وينبغي أن يجري على الخلاف فيما لا يمكنه تركه وهو قوله: (إن أكلت أو شربت) وهو مقتضى كلامه في المقدمات، وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يختلف فيه من الخلاف

في الغالب الوقوع، وقال ابن راشد في قول المصنف إلا أن يكون واجباً مثل إن صليت فيتنجز نظر لأن مذهبه في المدونة أن التنجيز لا يفتقر إلى حكم ويقع بنفس الحلف وها هنا قال أنه إن لم يصل لم يتنجز، والقياس أنه لا فرق بينه وبين إن دخلت لأن كليهما يفعله باختياره وليس وجوبه مما يضره غالباً فتأمله.
قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُؤَجَّلُ) مثاله لو قال: إن صليت اليوم فأنت طالق فمضى اليوم ولم يصل.
فَإِنْ قَالَ: بَعْدَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرِ طُلِّقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ لأن التعليق في هذه المسالة على قدوم زيد وهو من المحتمل غير الغالب، فلذلك انتظر وحكم بالتنجيز عند قدومه لأن الشهر أجل لابد منه.
وَإِنْ كَانَ نَفْياً يُمْكِنُهُ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ لفِعْلٍ لَهُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ أَوْ لِغَيْرِهِ مُطْلَقاً غَيْرِ مُؤَجَّلٍ مُنِعَ مِنْهَا حَتَّى يَقَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وقِيلَ: إِلا فِي مِثْلِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ ولَيْسَ وَقْتَ سَفَرٍ، أَوْ لأَخْرُجَنَّ إِلَى بَلَدِ كَذَا وكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفاً فَيُتْرَكُ حَتَّى يُمْكِنَهُ.
هذا قسيم قوله: (فإن كان مثبتا انتظر) ومراده بالنفي أن تكون الصيغة على حنث، كقوله: إن لم أفعل، ومعناه لأفعلن، ولهذا لم يقل المصنف منفياً، وإن كان مقابل قوله: (مثبتاً)، وقابل اسم المفعول بالمصدر لكونه ليس منفياً في الحقيقة، واحترز بتمكن دعوى تحقيقه من نحو: إن لم تمطر السماء غداً، فإنه (يتنجز).
وبغير محرم من مثل: إن لم أشرب الخمر فامرأتي طالق، فإنه يتنجز عليه لمنعه مما حلف عليه أو لغيره مطلقاً أي محرماً كان أم لا، فعلى هذا لا فرق بين إن لم يخل زيد الدار أو لم يشرب الخمر فامرأته طالق في عدم التنجيز.
وما ذكره ليس بظاهر.
والظاهر أنه لا فرق في التنجيز في المحرم بينه وبين غيره لمنعهما معاً من ذلك، بل ينبغي أن يكون الأمر في الأجنبي أشد، لأن الزوج قد يفعل

المحرم لرغبته في الزوجة وأن المشهور إنما يضرب أجل الإيلاء له إذا حلف على فعل نفسه وأما على غيره فلا، ويتلوم له القاضي ثم يطلق عليه، ولم يحك القرويون غيره.
وحكى صاحب المقدمات الخلاف فقال: وحلف الإنسان بالطلاق على فعل غيره على وجهين: الأول: أن يحلف عليه ألا يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال: أحدهما أنه كالحالف على فعل نفسه ليفعلن فيمنع من الوطء ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه يتلوم على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، واختلف هل يطأ في هذا التلوم؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب أجلاً.
لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء.
والثالث: الفرق بين أن يحلف على غائب أو حاضر، وهو الذي يأتي على ما في سماع عيسى.
قوله: (غَيْرِ مُؤَجَّلٍ) احترازاً من المؤجل كما لو قال: إن لم أدخل الدار بعد شهر فأنت طالق، فإنه لا يمنع من الوطء قبل الشهر لأن القاعدة: أن من ضرب أجلاً فهو على بر إليه.
وقوله: (مُنِعَ مِنْهَا) هو جواب الشرط.
وقوله: (إِلا فِي مِثْلِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ ... إلى آخره)، يعني أن المشهور منعه مطلقاً وهو قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء، والشاذ وهو قول غيره فيها أنه يمنع من الوطء إلا في مثل قوله: إن لم أحج في هذا العام وذلك الوقت ليس وقت سفر لأنه في معنى المؤجل، ولأن الأيمان إنما تحمل على المقاصد ولا يقصد أحد أن يسافر إلى الحج إلا في وقته المعتاد.

ابن عبد السلام: والأظهر عندي أنه تقييد وإن كان شراح المدونة اختلفوا هل هو تقييد أو خلاف؟ وفي المقدمات: إن كان الفعل لا يمكنه فعله في الحال مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدهما: أنه يمنع من الوطء من الآن وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من المدونة ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من العتبية.
والثاني: لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك.
والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل.
والرابع: أنه لا يمنع حتى يفوته فعل ذلك الفعل.
فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَكَالْمُولي مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ ظاهره سواء حلف على نفسه أو فعل غيره، وقد تقدم أن المشهور المعروف خلافه، وقوله: (مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ) لأن ترك الوطء إنما جاء بطريق اللازم، وما كان كذلك فالأجل فيه من يوم الرفع بخلاف ما لو كانت يمينه على ترك الوطء صريحاً كقوله: والله لا أطأك فإن أجله من يوم اليمين، وقيل في الأول: أن الأجل أيضاً من يوم [362/ ب] اليمين، وقيل: بل من حين يتبين ضرره لا من حين المرافعة.
وإن حَبَسَهُ عُذْرُ فِي الْمَنْفِيِّ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلانِ هذان القولان ذكرهما في البيان في باب الأيمان فقال: ومن حلف أن لا يفعل فعلاً فأكره على فعله فلا يحنث بلا اختلاف، وإنما اختلف إذا حلف ليفعلن فعلاً فمنع وحيل بينه وبينه، فالمشهور أنه حانث إلا أن ينوي إلا أن يغلب.
وقال ابن كنانة: لا حنث عليه، فلو قال: فلو حبسه عذر في النفي لكان أحسن ليكون موافقاً لقوله: أولاً: (وَإِنْ كَانَ نَفْياً).

تنبيه: يستثنى من هذه القاعدة، ما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها، فإنه لا يمنع من وطئها.
قال في المقدمات: وله أن يطأها أبداً حتى يحبلها، لأن بره في إحبالها وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك، له أن يطأها لأن بره في وطئها، وإن وقف عن وطئها كان مؤلياً عند مالك والليث فيما يروى عنهما.
وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب.
وإنما في مِثْلِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ مُطْلَقاً أَوْ إِلَى أَجَلٍ إِذْ لا برَّ لَهُ إِلا بِالطَّلاقِ، وقِيلَ: يُمْنَعُ فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَفِي ضَرْبِ الأَجَلِ أَوِ التَّعْجِيلِ: قَوْلانِ لما قدم أنه إذا كانت يمينه على نفي يمكن دعوى تحقيقه يمنع منها ولا ينجز الطلاق خشي أن ينقض عليه بمثل هذه الصورة فذكرها، وذكر الوجه الذي خالف لأجله تلك القاعدة، وهو أنه لا بر له هنا إلا بالطلاق فلم يكن للإيقاف فائدة.
وقوله: (مُطْلَقاً) أي من غير ضرب أجل كما لو قال: إن لم أطلقك بعد شهر فأنت طالق، وهذا هو المشهور ومذهب المدونة.
وحكى اللخمي قولاً آخر: أنه لا يلزمه طلاق حتى ترفعه ويوقعه السلطان، وإليه أشار بقوله: (وقِيلَ: يُمْنَعُ) قيل: وهو أقيس لأن المرأة قد تصبر.
ثم فرع المصنف على الشاذ بقوله: (فَإِنْ رَفَعَتْهُ ... إلى آخره).
يعني اختلف إذا رفعت هل يطلق عليه بالحضرة، إذا لا فائدة في الصبر أو بعد ضرب أجل المولي رجاء أن ينحل عزمها عن القيام بالطلاق، وهذان القولان ذكرهما اللخمي وغيره وكذا صرح ابن بشير وابن شاس بأن هذين القولين مبنيان على الشاذ وأما على المشهور فلا يأتي هذا لأنه يقع عليه الطلاق بمجرد كلامه كما صرح به في المدونة.

ولا إشكال أنه على القولين بضرب الأجل وعدمه أنه لا يمكن من الوطء لأنه على حنث في يمينه.
عياض: فإن اجترأ ووطء سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له، ولا يلزمه استبراء من هذا الوطء متى جاز له تطليقها ومراجعتها للاختلاف في منعه من الوطء في يمين الحنث.
وَكَذَلِكَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقُ أَلْبَتَّةَ، وقَالَ مُحَمَّدُ: لَهُ أَنْ يُصَالِحَ قَبْلَ الشَّهْرِ فَلا يَلْزَمُه إِلا طَلْقَةُ .. (وَكَذَلِكَ) أي التنجيز على المشهور لو قال: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقُ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فإنها تطلق عليه أَلْبَتَّةَ لأن إحدى البنتين لابد منها لأنه إن طلقها أَلْبَتَّةَ فواضح، وإلا وقعت أَلْبَتَّةَ المعلقة فكان بمنزلة من قال: أنت طالق رأس الشهر أَلْبَتَّةَ، وقد تقدم أن ما علق الطلاق على مثل هذا يعجل عليه، ورأى محمد أن له أن يصالح أي يخالع قبل الشهر فتبين منه، ثم يراجعها بعد الشهر على ما بقي له من الطلاق.
وقول محمد إنما يتحقق على عدم التنجيز وإذا تأملته وجدته منتزعاً من قول المؤلف في المسألة التي قيست هذه المسألة عليها، وإنما نجز في مثل: إن لم أطلقك فأنت طالق، إذ لابد له منه، وأما هذه فله الخروج منها عن عقدة اليمين بطلاق غير الطلاق الذي حلف به.
فإن قيل: قول محمد مشكل، لأنه لم يقل فيما إذا قال لزوجته ابتداءً: أنت طالق رأس الشهر البتة إن لم يخالع، وهذه المسألة راجعة إلى هذا المعنى كما قررته، قيل: قد يقال في هذه المسألة الحلف أن للحالف أن يطلب ما حلف على فعله رأس الشهر فيؤخر لطلب ذلك، وإذا صح له التأخير صحت له المخالعة.
وأما من قال ابتداءً من غير حلف: أنت طالق ألبتة رأس الشهر؛ فلا معنى للانتظار، وفيه نظر.

فإن قيل: لم قررتم الكلام على أن معناه إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة وما المانع من أن يكون المراد إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة؟ قيل: لأنه لو كان المراد هذا لما لزم الحالف شيء بوجه لأنه إذا حلف على إيقاع البتة رأس الشهر بوقوع البتة الآن فله طلب تحصيل المحلوف عليه وهو إيقاع البتة عند رأس الشهر، فإذا جاء رأس الشهر فله ترك ذلك الطلب واختيار الحنث كما لكل حالف، فإاذ اختاره لم يكن له وقوع الحنث عليه لانعدام زمان البتة المحلوف بها هكذا قال ابن عبد السلام.
خليل: وما قاله من عدم وقوع الطلاق لمضي زمانه، يأتي على ما قاله ابن عبد الحكم في من قال لزوجته: أنت طالق اليوم إن كلمت فلاناً غداً؛ أنه إن كلمه غداً فلا شيء عليه لأن الغد الآن مضى وهي زوجة وقد انقضى وقت وقوع الطلاق.
ومثله لابن القاسم في الموازية في من قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق غداً؛ فتزوجها بعد غد: لا شيء عليه، وإن تزوجها قبل غد طلقت عليه، لكن قال أبو محمد: قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك والطلاق يلزمه إذا كلمه وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه.
وفي العتبية: في أنت طالق اليوم إن دخل [363/ أ] فلان الحمام غداً لم تكن طالقاً إلا أن يدخل فلان الحمام غداً وله وطؤها.
نقل ذلك كله عياض في باب الظهار، وعلى هذا تلزمه ألبتة ولو مضى زمانها، وأيضاً فالمسألة التي ذكرها المصنف بإثر هذه مما يرد ما قاله ابن عبد السلام، لأنه لو كان ما قاله صحيحاً لزم فيما إذا قال: إن لم أطلقك واحدة بعد ذشهر فأنت طالق الآن البتة لا يلزمه شيء لما ذكره ولا كان يحسن الخلاف في تعجيل الواحدة فانظره.

وإذا قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلَّقْكِ وَاحِدَةً بَعْدَ شَهْرٍ فَأَنْتِ طَالِقُ الآنَ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْوَاحِدَةِ قَبْلَ الأَجَلِ، فَوَقَفَ فِيهَا مَالِكُ، وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُجْزِئُهُ، وقَالَ مُحَمَّدُ: إِنْ كَانَ الْقَصْدُ غمَّهَا بِهِ أَجْزَأَهُ ... إذا أراد تعجيل الواحدة قبل الشهر فقال ابن بشير وابن شاس كالمصنف وقف مالك في ذلك.
وقال أصبغ: لا يجزئه لأن المشروط لا يتقدم على شرطه.
أصبغ: فإن طلق ثم جاء رأس الشهر فلم يطلق واحدة لزمته البتة.
ونظر محمد إلى المقاصد ونص قوله عند اللخمي: وقال محمد إذا سألته أو سأله أهلها أن يطلقها في غير هذا الحين فحلف لهم، ثم عجل الطلقة لم ينفعه وإن كان ذلك ابتداءً ليغمها أجزأه.
اللخمي: ولو حلف عند سؤالهم أنه لا يؤخر الطلاق عن رأس الهلال لجاز له أن يعجلها، وهذا إن كانت يمينه ليطلقها رأس الشهر، وأما إن قال: إلى رأس الشهر فليس له أن يعجل الطلقة لأن إلى غاية يثبت ألا يوقع الطلاق إلى رأس الشهر فإن أوقعه قبل ذلك وقع الطلاق ولم يبره المعجل.
انتهى.
ولم يتعرض المصنف لحكم هذه المسألة ابتداءً وإنما تكلم على أنه هل له تعجيل الطلقة المحلوف على إيقاعها بعد شهر وذكر فيها قولين، هذا إن لم يعد التوقف قولاً وهو الظاهر، لأن الوقف ليس فيه حكم، وإن عددناه قولاً كان في المسألة ثلاثة أقوال: واعترضه ابن عبد السلام فقال في قوله (ووقف مالك)، تغيير ونقص: أما التغيير فنسبته الوقوف لمالك والواقف هو ابن القاسم، وهكذا ذكره الشيخ أبو محمد عن الموازية ونص ما ذكره: ومن قال: أنت طالق البتة لا طلقتك في الهلال واحدة ثم أراد تعجيل الحنث

بالواحدة فوقف فيها ابن القاسم، وقال: لا أرى أن تجزئه ولو جاء الهلال ولم يطلقها طلقت البتة، ولم يحك عن مالك في هذا الفصل شيئاً.
وتأمل قوله: ولا أرى أن تجزئه فإن كان بأثر الوقف فيكون توقيفه، كلا توقف، وإنما تردد في أول نظره ثم جزم، وإن كان تردده استمر ثم في زمان آخر جزم صح الوقف.
وأما النقص فهو أنه لم يذكر عن ابن القاسم قوله: ولا أرى أن تجزئه.
انتهى.
وهذا فيه تعسف والأحسن في مثل هذا تحسين الظن بالمصنف، وحاصل كلامه كشهادة على نفي، وقد ذكر اللخمي أن ابن القاسم روى عن مالك التوقف كما قال المصنف، وقد ذكر صاحب البيان حكم المسألة ابتداءً فقال: اختلف في قول القائل: امرأتي طالق ثلاثاً إن لم أطلقها عند رأس الهلال على ثلاثة أقوال: أولها: لابن القاسم إن عجل الطلقة التي عند رأس الشهر لم يلزمه غيرها، وإن أبى – وقف، وقيل له: إما عجلت التطلقة الآن وإلا بانت منك بثلاث، وهذا يأتي على مذهبه في المدونة في الذي يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها، أنه يعجل عليه بالطلاق.
والثاني: أنه إن عجل التطليقة التي عند رأس الشهر لم يلزمه غيرها، وإن أبى أن يعجلها، ترك ولم يوقف على الإطلاق، فإن لم يطلق حتى يحل الشهر بانت منه بالثلاث وهو قول أصبغ وسحنون.
والثالث: أنه يوقف حتى يأتي الشهر فيبر بالطلاق عنده أو يحنث، وإن عجل التطليقة قبل أن يأتي الشهر ولم يخرجه ذلك عن يمينه، ولم يكن له بد من أن يطلق عند رأس الهلال وإلا حنث وهو قول المغيرة.

وإذا قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَفِي لُزُومِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ: قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى إِلْغَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ اعْتِبَارِهِ ... لأنه لما طلقها واحدة طلقت عليه أخرى بالتعليق، واختلف هل تلزمه ثلاثة؛ ينبني على أن فاعل السبب هل هو فاعل المسبب أم لا؟ فإن قلنا إنه فاعله طلقت عليه ثلاثاً، لأنه فعل الأولى وهي سبباً للثانية وإلا لم يلزمه، وهذا معنى قوله: (بِنَاءً عَلَى إِلْغَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ اعْتِبَارِهِ) والقولان في مسألة المصنف لسحنون، والذي رجع إليه واختاره ولده لزوم الثلاث.
وألحق سحنون بـ (كلما) في ما ذكرناه: (إذا ما)، و (متى ما).
أَمَّا لَوْ قَالَ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلاقِي فَأَنْتِ طَالِقُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ لأنه لم يشترط في الطلقة التي هي سبب أن تكون من فعله فتقع الثانية لوقوع الأولى عليها والثالثة لوقوع الثانية ولا خلاف في هذه.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ فِي الْخُلْعِ فَقَالَ سَحْنُونُ: تَقَعُ وَاحِدَةُ عَلَى أَصْلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنْ الْمَشْرُوطَ مُقَدَّرُ بَعْدَ الشَّرْطِ أَمْ لا ... يعني: فإن قال لامرأته كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم أوقع عليهخا طلقة قبل البناء، أو أوقع عليها طلقة بعوض، فقال سحنون: لا يلزمه فيها إلا واحدة بناءً على أن المشترط يقع بعد شرطه، ويأتي على أصل غيره لزوم الثلاث، بناءً على أن الشرط والمشروط يقعان معاً.
ونظير هذه المسألة ما إذا قال: [363/ ب] إن خالعتك فأنت طالق البتة أو قال لعبده: إن قاطعتك فأنت حر، ثم خالعها أو قاطعه فقال ابن القاسم: يرد ما أخذ فيهما.
قال في البيان: وحكى البرقي عن أشهب أنه لا يرد فيهما شيئاً.
وكان عبيد يعجب بها ويقول: إنما رضي بالحنث لما أخذ.

ابن رشد: وكذلك أقول أنه الصحيح في القياس لأن المشروط إنما يقع بعد شرطه، وكذلك قال الصحيح في: إن بعتك فأنت حر، أنه لا يلزم البائع عتق.
وَلَوْ قَالَ: مَتَى طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ قَبْلَهُ ثَلاثاً فَقَبْلَهُ لَغْوُ هذه المسألة تلقب بالسريجية نسبة لابن سريج الشافعي؛ لقوله هو وجماعة من أصحاب الشافعي: لا يلزمه شيء.
وما ذكره المصنف نحوه في ابن شاس، وقوله: (فَقَبْلَهُ لَغْوُ) أي فيكون بمنزلة ما لو لم ينطق بـ (قبله)، فإذا طلقها طلقت ثلاثاً، وعلى هذا فترجع إلى المسألة التي قبلها، ويفرق بين قبل البناء وبعده، وهذا مذهب أبي حنيفة.
الطرطوشي في تعليقه: وهو الذي يختاره فيقع عليه المباشر وتمام الثلاث من المعلق، لأنه طلاق من مالك صادق ملكه فوجب أن يقع أصله إذا لم يسبق منه هذا الشرط، واحتج ابن سريج وغيره بأن إثبات الطلاق مؤد إلى رفعه وكل ما أدى إثباته إلى نفيه فهو منتف من أصله وذلك لأنها لو طلقت لطلقت قبله ثلاثاً ولو طلقت قبله ثلاثاً لم ينفسخ.
ويشهد لهذا مسائل منها: إذا كانت لرجل أمة فزوجها وقبض صداقها وتصرف فيه ثم أعتقها وكان الزوج لم يدخل بها فلا خيار لها، لأن ثبوت الخيار يرفعه إذ لو اختارت لسقط الصداق، ولو سقط الصداق لبطل عتقها لصيرورة السيد مديناً، وإذا بطل عتقها بطل خيارها.
ومنها: من زوج عبده من حرة بصداق ضمنه لها، ثم باعها العبد بالصداق قبل الدخول لا يصح البيع لأنه لو صح لملكت زوجها، ولو ملكته فسخ النكاح.
ولو فسخ لسقط مهرها، وإذا سقط المهر بطل البيع.
ومنها ما وقع لمالك في من أعتق عبديه فادعاهما غيره فشهد له العبد أنه قال: لا تقبل شهادتهما، لأنا لو قبلناها لصارا رقيقاً وبالرق تبطل الشهادة، فلو صحت لبطلت فتبطل.

خليل: ومذهبنا هو الصحيح؛ لأن ما قاله ابن سريج وغيره مؤد إلى اتخاذ آيات الله هزواً؛ إذ يلزم عليه أن كل شخص فعل مثل ذلك لا يمكنه الطلاق في البتة ويبقى يطلق ولا يلزمه وهو خلاف ما شرعه الله تعالى من الطلاق في حق كل زوج.
والله أعلم.
فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمْنَعْ لما قال أولاً: (فإن كان نفياً يمكن دعوى تحقيقه لفعل له غير محرم ... إلى آخره) وكان مشتملاً على قيود أخذ يتكلم عليها.
يعني: فإن كان الفعل المنفي مؤجلاً كقوله: إن لم أدخل الدار إلى شهر فأنت طالق لم يمنع منها لأنه على بر؛ لأن القاعدة: أن كل من ضرب أجلاً فعلى بر إليه، وهذا هو المشهور، وحكى اللخمي قولاً آخر بالمنع.
والقولان هنا كالقولين الذين لمالك في كتاب العتق الأول من المدونة في القائل: أمتي حرة إن لم أفعل كذا إلى أجل سماه هل يمنع من وطئها في ذلك الأجل أم لا؟ وإِنْ كَانَ مُحَرَّماً، مِثْلَ: إِنْ لَمْ أَقْتُلْ زَيْداً تَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ قَبْلَ التَّنْجِيزِ عَلَى الْمَشْهُورِ .. هذا مقابل قوله أولاً: (غير محرم) أي وإن كان الفعل محرماً كقوله: إن لم أقتل زيدا اليوم فأنت طالق فإنه يتنجز عليه الطلاق، لأنه لا يمكن من قتل زيد إلا أن يوقع الحالف الفعل المحرم قبل تعجيل الطلاق فقد أثم ولا يلزمه الطلاق وهذا معنى قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ ... إلى آخره) والمشهور منصوص في المدونة وغيرها، وكلامه في المقدمات يدل على نفي الخلاف في هذا، وكذلك قال ابن عبد السلام: لست أحفظ الشاذ.
خليل: ويمكن تخريجه مما تقدم في باب الأيمان فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضاً هل يبر أم لا؟ بناء على المعدوم شرعاً هل هو كالمعدوم حساً أم لا؟

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ، مِثْلَ: إِنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غَداً طَلُقَتْ نَاجِزاً عَلَى الْمَشْهُورِ لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ بِخِلافِ مَا تَقَدَّمَ إِذْ يَدَّعِي مَعْرِفَتَهُ والْقُدْرَةَ عَلَيْهِ .. هذا مقابل قوله أولاً: (يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ) أي وإن لم يمكن دعوى تحقيقه، مثل: إن لم تمطر السماء غداً، أو إلى شهر، أو إن لم تمطر في الشهر الفلاني طلقت ناجزاً على المشهور.
اللخمي: وقيل لا يحنث حتى ينظر ما يكون غداً، ولابن القاسم في الواضحة قول ثالث في كل من حلف بطلاق على شيءلا يدري أحق هو أم باطل؛ مثل أن يقول: إن لم تكن مطرت الليلة بالإسكندرية وهو بالفسطاط، أو: إن لم تمطر غداً؛ فإنه إن رفع إلى السلطان طلق عليه ولا يؤخره، وإن لم يرفع حتى وجد ذلك الشيء حقاً لم يكن عليه في يمينه شيئ.
وقال أصبغ: إن قال: إن مطرت السماء غداً؛ فلا شيء عليه الآن حتى تمطر، قال: وهو بمنزلة من قال: إن قدم فلان غداً فأنت طالق.
اللخمي: يريد لأنه عنده على بر وعلى أصله إن قال: إن لم تمطر غداً؛ تطلق عليه لأنه على حنث، وهذا موافق للمشهور وليس هو رابع لأن المشهور يوافق في البر على عدم التنجيز كذلك بين في الواضحة في إذا مطرت أو إن ولدت جارية، وكذلك ساق عياض ما في الواضحة تقييداً ثم إن هذا الخلاف إنما هو إذا قيده بأجل قريب كما ذكرنا، وأما إن قال: إن لم تمطر ولم يقيد فلا شيء عليه.
اللخمي: [364/ أ] وسواء عمم أو سمى بلداً لأنه لابد أن تمطر في زمن ما، وكذلك إذا ضرب أجل عشر سنين أو خمس سنين، وقيد بعض الشيوخ وقوع الطلاق على من قال به بما إذا لم يكن يحلف لعادة وأما إن حلف على ذلك لعادة له وعلامات عرفها واعتاد بها ليس من جهة الحرز وتأثير النجوم عند من زعمها لم يقع الحنث حتى يكون ما حلف عليه ويحتج عليه بقوله عليه السلام: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمتفتلك عين غديقة".

وقوله: (لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ ... إلى آخره) جواب عن سؤال تقديره: ما الفرق بين هذا على المشهور من أنه ينجز الطلاق وبين ما تقدم في أنه لا يتنجز الطلاق؟ وتقرير الجواب أن هذا حالف على الغيب فأمره دائر بين الشك والهزل، وكل منهما موجب للحنث على المذهب بخلاف ما تقدم، لأنه يمكن معرفته بمقتضى العادة وهو قادر على فعله.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ، مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ- طُلِّقَتْ، وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ .. وهذا أيضاً مقابل قوله: (لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ) يعني وإن لم يمكن الإطلاع مثل: أنت طالق إن شاء الله، طلقت ناجزاً لما تقدم في باب الأيمان أن الاستثناء بالمشئة لا يفيد في غير اليمين بالله لا طلاق ولا عتاق.
قوله: (وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ) ولعل الخلاف بين الأصح ومقابله مبني على الخلاف في الشك.
وقوله: (بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ) أي فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد ذلك.
وانظر هل ذلك من باب التمليك فيزول من يد من جعل بيده بانقضاء المجلس أم لا؟ فَإِنْ قَالَ: إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ فَمِثْلُ إِنْ شَاءَ عَلَى الْمَشْهُور يعني: إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فهو بمنزلة ما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد على المشهور، فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد لأن الطلاق موقوف على مشيئته، ورأى في الشاذ لزوم الطلاق، والفرق أن الكلام في صورة الثانية اقتضى وقوع الطلاق إلا أن يشاء زيد رفعه بعد وقوعه، والطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بخلاف الصورة الأولى، فإن وقع الطلاق فيها مشروط بالمشيئة، ومن هذه المسالة ما وقع لأصبغ في من قال: أنت طالق إلا أن يمنعني أبي، فيمنعه فلا شيء عليه.
واستشكله بعضهم لأن الطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بإرادة أبيه، إلا أن يريد التعليق.

بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي عَلَى الأَشْهَرِ يعني: فإنه إذا قال: أنت طالق إلا أن يبدو لي، يقع عليه الطلاق على الأشهر.
ورأي مقابل الأشهر عدم اللزوم كالمشهور في إلا أن يشاء زيد، والفرق للأشهر قوة التهمة في: إلا أن يبدو لي، بخلاف إلا أن يشاء زيد، فإنه لا يتهم على ذلك.
وقول ابن عبد السلام: في الفرق؛ لأن (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) يمكن رده إلى الشرط (بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) ليس بظاهر، لأنه كما يرد إلا أن يشاء زيد كذلك يمكن رد إلا أن يبدو لي إلى إن بدا لي.
ابن راشد: ولم أقف على القول بعدم اللزوم في: إلا أن يبدو لي، وهو بعيد في النظر.
انتهى.
وصرح في البيان بنفي الخلاف في هذا، وكذلك صرح بنفيه في أنه ينفعه إذا قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يبدو لي أو غير ذلك.
كَالنّذرِ والْعِتْقِ فِيهِمَا أي في: (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) و (إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) فإذا قال على هذي: إلا أن يشاء زيد توقف اللزوم على مشيئته على المشهور وإذا قال: على هذا أو عتق عبدي فلان إلا أن يبدو لي لزمه على الأشهر.
ويحتمل أن يريد بقوله: (فِيهِمَا) مشيئة الله تعالى ومن لا تعلم مشيئته كالملائكة.
وَفُرِّقَ بَيْنَ الطَّلاقِ والْيَمِينِ بِاللهِ تَعالى بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ حُكْماً قَدْ شَاءَهُ اللهُ فَلا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهَا لِتَحَقُّقِهَا فَلا يَرْتَفِعُ، بِخِلافِ لَفْظِ الْيَمِينِ، والثاني: أنه متحقق فكان كاليمين على الماضي .. لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في الطلاق وقد تقدم له أن ذلك يفيد في اليمين بالله تعالى، وكان للأصحاب في الفرق بين ذلك طريقان أراد أن يذكرهما:

الطريق الأول: أن لفظ الطلاق جعله الله سبباً لحل العصمة فحيث ما وجد ذلك السبب ترتب عليه مسببه فلا يقبل التعليق لأن المتعلق على الشيء ينعدم عند عدم الشيء، وذلك الشيء هنا لا يقبل العدم لأنه حكم شرعي وجد سببه، بخلاف لفظ اليمين فإنه لا يوجب فعل ما حلف عليه بل خيره في وفي تركه، والإتيان بالكفارة تارة ومنعه تارة.
والطريق الثاني: للبغداديين أن الطلاق لما كان موجباً لحل العصمة لزم أن يقع الطلاق إذا تلفظ بلفظه، وإذا وقع فلا يصح فيه الاستثناء لأنه بمنزلة من حلف بالله تعالى على ما مضى.
وهذا إذا تأملته هو في الحقيقة راجع إلى الأول، ويرد عليه أنه لو كان كما قالوه من تحقيق وقوع الطلاق بالتلفظ بالصيغة لزما لطلاق فيما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد، وهذا خلاف الاتفاق، وإذا قبل الطلاق والتعليق بمشيئة زيد ونحوها وجب أن يقبله في مشيئة الله تعالى.
وأيضاً فإن قوله: (أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ .. إلى آخره) إن أراد بقوله: (قَدْ شَاءَهُ اللهُ) أي حكم به فصحيح، ولكن لما قلتم إنه لا يقبل التعليق؟ فإن هذا لم ينص الشرع [364/ ب] عليه وإلا أومئ إليه، وإن أراد أن كل ما حكم الله قد شاءه فليس بصحيح وهو خلاف مذهب أهل السنة لأن الأمر عندهم لا يستلزم الإرادة، لا يقال إنما قلنا يقبل التعليق في مشيئة زيد ونحوها لإمكان الإطلاع على مشيئته، بخلاف مشيئة الله تعالى فإنا لا نطلع عليها، فلذلك أوقعنا الطلاق، لأنا نقول: لو عكس هذا لكان أولى لأن مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ فلذلك كل معدوم وجد نعلم أن الله تعالى أراده، وكل ما لم يوجد نعلم أن الله تعالى لم يرده.
وأن مشيئة غيره فلا تعلم لأن غايته أن يخبرنا وخبره إنما يفيد الظن، وفرق ابن المنير على ما نقله ابن راشد عنه بين الطلاق وغيره بأن الأصل في اليمين بالله تعالى والطلاق اللزوم، وإن كان واحد منهما لا ينحل بالاستثناء بالمشيئة خالفنا الأصل في اليمين بالله للحديث الوارد فيه، فيبقى الطلاق على أصل اللزوم.

المازري: وتحقيق قوله إن شاء الله؛ إن أراد بذلك إن شاء الله إيقاع هذا اللفظ مني لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد إن شاء الله لزوم الطلاق للحالف به فيلزم قولاً واحداً، وإن أراد إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق الآن، فيجري على الخلاف في تعليق الطلاق في المشكوك في وقوعه.
وإليه أشار مالك رضي الله عنه بقوله: علق الطلاق بمشيئة من لا يعلم مشيئته.
وإن قصد بقوله: إن شاء الله إلزام الطلاق مع الاستثناء فهو من أشكل الوجوه والحق فيه أن يرجع إلى خلاف الأصوليين، هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب ونحن غير عالمين به فيرجع إلى القول الثالث، وهو تعليق اليمين بالمغيبات أو ليس له حكم؟ بل كل مجتهد مصيب؛ فيكون الحق في المسألة معلقاً باجتهاد المفتي.
فَإِنْ صَرَفَ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ لأَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أو إن دخلت الدار إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يُفِدْ عَلَى الأَصَحِّ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وأَصْبَغُ: يُفِيدُ .. لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد إذا ادعاه على الطلاق تكلم على ما ادعاه على الفعل الذي علق عليه الطلاق، وذكر أن الأصح لا يفيده، وهو قول ابن القاسم.
ابن عبد السلام: وهو المشهور ويلزمه الطلاق إن لم يدخل إذا كانت يمينه على حنث بانعدام الدار مثلاً، أو إن دخلها إن كانت يمينه على بر.
واختار جماعة قول ابن الماجشون حتى زعم ابن رشد أنه هو الجاري على مذهب أهل السنة، وأن المشهور إنما يجري على مذهب القدرية، لأن معنى قوله: أنت طالق لأدخلن الدار إن شاء الله، إذا صرف المشيئة إلى الدخول هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله فلا شيء عليه.

وكذلك قوله: امرأتي طالق إن دخلت الدار إن شاء اللهن هو إن شاء الله دخولي الدار، فلا شيء عليه، وقد علم من مذهب أهل السنة أن كل واقع في الوجود هو بمشيئة الله تعالى، فامتناع إذا من الدخول أو عدمه هو بمشيئة الله فلا يلزمه طلاق لأن ذلك هو الذي التزمه.
أما من قال بلزوم الطلاق فمقتضى قوله: أن بالفعل المعلق عليه الطلاق قد فعله والله تعالى لا يشاء أن يفعله.
قال في المقدمات: وذلك مستحيل إلا على مذهب القدرية، فعلى قول ابن القاسم في قوله أن الاستثناء لا ينفعه وأن صرفه إلى الفعل درك عظيم.
وأشار صاحب الذخيرة إلى أنه لا ينبغي أن يختلف في صحة كلام ابن الماجشون، وذلك بعد أن قرر قاعدة وهي: أن الأسباب منها ما لم يكله الله إلى خلقه كالزوال.
ومنها ما وكله إلى خلقه فإن شاءوا جعلوه سبباً وإلا فلا، وهو التعليقات كلها فدخول الدار ليس سبباً لطلاق امرأة، ولا لعتق عبد في أصل الشرع إلا أن يريد المكلف ذلك فيجعله سبباً للتعليق.
وكل ما وكل للمكلف سببيته لا يكون سبباً إلا بجزمه، وإذا تقرر هذا فإذا عاد الاستثناء إلى الفعل المعلق عليه كان معناه أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سبباً للطلاق، بل فوضت سببيته إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء جعله سبباً وإلا فلا وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سبباً ولا يلزمه شيء إجماعاً ولا يمكن أن يخالف ابن القاسم في هذا، ولكن ساق صاحب المقدمات قول ابن الماجشون على أنه خلاف.
وقرر ابن عبد السلام مذهب ابن القاسم بأن قال: يمكن أن يقال إن دخول الدار وعدمه المعلق عليهما لما كان لا يخرجان على المشيئة ولا واحد منهما فذكر المشيئة لا يعيد لأنه لم يقصد التبرك كما في اليمين ولا في حل اليمين لأن الطلاق لا ينحل بها كما مر، ولا إخراج بعض المعلق عليه لأن جمعيه داخل تحت المشيئة كما هو مذهب أهل السنة، فلم

يبق إذاً في ذكرها هنا فائدة فيكون الحكم مع ذكرها كالحكم مع عدم ذكرها، فوجب ترتب الطلاق على عدم الدخول في قوله: لأدخلن، وعلى الدخول في قوله: لا دخلت.
خليل: وفي كلام القرافي ما هو جواب عن هذا وهو أن يقال إنما معنى ذكر المشيئة هنا أن الفعل المعلق عليه لم أجزم بكونه سبباً بل فوضت سببيته إلى الله تعالى.
أَمَّا لَوْ قَالَ فِي مُعَلَّقٍ عَلَيهِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي [365/ أ] فَذَلِكَ لَهُ.
كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن لم أدخل الدار إلا أن يبدو لي، لن معناه حينئذ إن لم أصمم على جعل الدخول أو عدمه سبباً، بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل فلهذا نفعه، لأن كل سبب وكل إلى إرادته لا يكون سبباً إلا بتضمينه على جعله سبباً.
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى حَالٍ وَاضِحَةٍ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ فِيهَا هَازِلاً، مِثْلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الإِنْسَانُ إِنْسَاناً وهَذَا الْحَجَرُ حَجَراً حَنِثَ لِهَزْلِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ هكذا وقع في بعض التي رأيتها، وعلل المصنف الحنث بهزله وهو ظاهر، ولا يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه فإن المعلق عليه هنا الطلاق هو نفي الإنسانية ونفي إنسانية الإنسان عنه لا يمكن، فلو كان الوقوع للتحقق لم يقع طلاق وقول ابن عبد السلام: يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه ليس بظاهر ولعل الواقع في نسخته: (إن كان هذا الإنسان إنساناً) بإسقاط حرف النفي، ولهذا قال: وإذا اقترن بالكلام ما يدل على أن المراد وهو تمام الأوصاف الإنسية كالكرم والشجاعة وغير ذلك، وكون الحجر صلباً بحيث لا يتأتى للحديد، فعلق المتكلم على وجود هذه الأوصاف أو عدمها فلا يحصل الطلاق إلا بحصول الشرط.

وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ) أي فيلزم، وهذا أيضاً متردد بين الهزل والإخبار، لأن ما يقع الآن يستحيل أمس، فيكون هذا الاعتبار هازلاً، ويحتمل أن يريد به الإخبار أي أخبر أنه طلق أمس فيلزم أيضاً الطلاق.
فَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ حَالاً ومآلاً طُلِّقَتْ أي: فإن كانت الصفة المعلق عليها الطلاق (لا تَعْلَمُ حَالاً ومآلاً طُلِّقَتْ) كما لو قال: إن لم يكن خلف جبل قاف كيت وكيت.
أو إن لم يكن في وسط البحر المالح كيت وكيت.
فأنت طالق.
وكما لو حلف أن فلاناً من أهل الجنة أو النار فأنت طالق، أعني في غير الذين ثبت لهم ذلك.
ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف في قوله: أنت طالق إن شاءت الملائكة أو الجن.
وَإِنْ أَمْكَنَ حَالاً وادَّعاه دُيِّنْ كما لو قال ليلة تسع وعشرين والسماء مغيمة: علي الطلاق إن لم أكن رأيت الهلال وقوله: (دُيِّنْ) أي وكل إلى دائنه وحلف إن رفع إلى حاكم.
وتفسير ابن عبد السلام: قوله: (دُيِّنْ) فيحلف ليس بظاهر لأن النظر في الأيمان تختص بالأحكام.
وكَذِلِكَ لَوْ حَلَفَ اثْنَانِ عَلَى النَّقِيضِ فِيهِمَا، مِثْلَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَاباً وإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً طُلِّقَت عَلَى الأَصَحِّ .. يعني: لو حلف شخصان (عَلَى النَّقِيضِ) أي حلف كل منهما على نقيض ما حلف عليه صاحبه (فِيهِمَا) أي فيما لا يعلم حالاً ومآلاً، أو ما يعلم حالاً، ومثل المصنف بمثال واحد إما لأنه رآه صالحاً للصورتين فإنه إذا حلف أحدهما بالطلاق أنه غراب، والآخر

ليس بغراب، فإن كان الطائر لا يعرف لبعده حنثا، وإن كان قريباً بحيث يمكن كل منهما أن يدعي يقين ما حلف عليه الآخر صدقا، وهكذا قال ابن راشد، وإما لأنه مثل ما يمكن حالاً، وسكت عن تمثيل الذي لا يمكن حالاً ومآلاً، فيكون مثاله كما لو حلف شخص بالطلاق أن فلاناً من أهل الجنة وحلف غيره أنه من أهل النار.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً).
ابن راشد: أي وإن لم يدع كل واحد منهما أنه حلف على يقينه وإنما حلف على ما يظن أو يشك، حنث على الأصح، والقول بعدم اللزوم مشكل.
ابن راشد: ولا يبعد ما نقله المصنف عن أصول المذهب، وعكس بعضهم النقل فأتى بما ظاهره العكس، أعني أنه جعل القولين فيما إذا جزم كل واحد من الحالفين بصحة ما حلف عليه، وإن لم يجزما لزمهما الطلاق، وأجمل بعضهم النقل وأتى بما يدل على أن المسألة مختلف فيها من حيث الجملة، وكأن المصنف اختصر المدونة ونصها: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت كذا، وقال الآخر: امرأته طالق إن كنت قلته؛ فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً.
واختلف قول مالك خارج المدونة هل يحلفان أم لا؟ وبني ذلك على الخلاف في توجيه يمين التهمة، قيل: ومحل الخلاف إذا رفع الأمر إلى الحاكم، وأما لو جاءا مستفتيين فلا وجه لليمين، ونظير هذه المسألة في العتق من المدونة في العبد بين الشريكين فقال أحدهما: هو حر إن كان دخل المسجد، وقال الآخر: هو حر إن كان لم يدخل، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً فإن شكا عتق عليهما بغير قضاء.
وقال غيره بالقضاء فإن قيل: كيف جرى الخلاف هنا في الشك، وقد تقدم في باب الصيد والذبائح أنه متى شك هل مات من الزكاة أو غيرها لم يؤكل بالاتفاق، وإنما الخلاف في الظن قيل: لأن الأصل هنا استمرار النكاح بخلاف ما ذكرت.

أما لو كان لرجل امرأتان فرأى طائراً فقال: إن كان هذا غراباً فزينب طالق وإن لم يكن غراباً فعزة طالق؛ والتبس عليه الأمر وتعذر التحقيق طلقتا عليه، وكان ذلك كاختلاط الميتة مع الذكية قاله بعضهم.
وَفِيهَا: إِنْ قَالَ: فَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ كَاذِباً صُدِّقَ بِيَمِينِ [365/ ب] مثاله لو قال لزوجته: تزوجت أو اشترين جارية ثم حلف لامرأته إن كنت فعلت ذلك فأنت طالق، ثم قال: كنت كاذباً في قولي أولاً، لم يلزمه الطلاق لأن كلامه أولاً لا مدخل له في الطلاق.
قوله: (صُدِّقَ بِيَمِينِ) أي يحلف أنه كان كاذباً وإنما حلف لأن كلامه أولاً يوجب التهمة.
بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْيَمِينِ: فَعَلْتُهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ كما لو حلف بالطلاق لا يدخل الدار ثم قال: دخلتها؛ لزمه الطلاق وقضى عليه به؛ لأنه أقر بانعقاد اليمين، وأقر بعد ذلك بالحنث، قالوا: ولو شهد عليه شهود بأنه فعل كذا فحلف بالطلاق لقد كذبوا في ذلك، لم يلزمه الطلاق لأنه حلف على رد قولهم، وفيه نظر، قالوا: ولو شهد عليه غيرهما، أنه فعل ذلك الفعل فإنه يحنث، وقالوا لو شهدت بينة أنه وجد منه ريح الخمر فحلف بالطلاق ما شربها لم يحنث.
وَلا يَسَعُ زَوْجَتَهُ- إِنْ عَلِمَتْ إِقْرَارَهُ- الْمُقَامُ إِلا كُرْهاً إِنْ بَانَتْ كَمَنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا طُلِّقَتْ ثَلاثاً ولا بَيِّنَةَ لَهَا إِذْ لا يَنْفَعُهَا مُرَافَعَتُهُ .. المسألة متصلة بالتي قبلها في المدونة كما هنا، ففيها: فإن كان علم أنه كاذب في إقراره عندهم بعد يمينه حل له المقام فيما بينه وما بين الله تعالى ولم يسع امرأته المقام معه إن سمعت إقراره هذا إن لم تجد بينة ولا سلطاناً فهي كمن طلقت ثلاثاً ولا بينة لها فلا تتزين

له ولا يرى لها شعراً ولا وجهاً إن قدرت، ولا يأتيها إلا كارهة ولا تنفعها مرافعته ولا يمين عليه إلا بشاهد.
وقوله: (إِلا كُرْهاً) معناه مكرهة وهو أحسن من قوله في المدونة: كارهة؛ إذ لا ينفعها كراهة إتيانه فيما بينها وبين الله تعالى، وإنما ينفعها أن تكون مكرهة ولتبعد منه بما قدرت عليه، وإن قدرت على ضربه إذا أرادها فلتفعل، وهو كالعادي والمحارب.
وقال سحنون: لا تقتله ولا تقتل نفسها، واختاره بعض الشيوخ، واعترض قياس ابن المواز بأن شرط القياس أن يثبت في الفرع مثل حكم الأصل، والمثلية هنا غير حاصلة، لأن الحكم في الحرابة التخيير بين ممانعة المحارب أو تسليم المال له، والحكم هنا متحتم الممانعة، ولأن قتله إما أن يكون قبل الوطء وهو لا يجوز لعدم حصول موجب الحد أو بعده وذلك لا يجوز لها أيضاً، لأن الواجب عليه الحد وذلك للأئمة، وأجيب عن الأول بأن مراد محمد الاستدلال الذي هو محاولة الدليل عن القواعد الشرعية لا حقيقة القياس، وذلك لأن حرمة الفروج أقوى من حرمة المال، وإذا جازت المدافعة في الأضعف ففي الأقوى أولى.
وعن الثاني باختيار أن لها القتل قبل الوطء إذا لم يمكنها دفعه إلا بذلك، كما لو أراد قطع عضو منها.
ابن عبد السلام: وأجاب بعضهم عن كلام ابن المواز أيضاً بأنه مبني على أحد القولين في تقييد المنكر بالقتل، وفيه نظر.
والله أعلم.
فَإِنْ أَمْكَنَ مَآلاً مِثْلَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً.
أو: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقُ، فَقَالَ مَالِكُ: هِيَ طَالِقُ، لأَنَّهُ لا يَدْرِي أَحَامِلُ هِيَ أَم لا؟ وقِيلَ: إِنْ أَنْزَلَ وُقِفَتْ فِيهِمَا، وإِلا خُلِّيَ فِي الأُولَى، وطُلِّقَتْ فِي الثَّانِيَةِ .. يعني: وإن طلق الطلاق على صفة يمكن الإطلاع عليها في المآل وذكر اللخمي في هذه المسألة أربعة أقوال فقال: إن قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق وإن لم تكوني حاملاً

فأنت طالق، فإن كانت في طهر لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة، فإن قال: إن كنت حاملاً لم تطلق.
وإن قال: إن لم تكوني حاملاً طلقت.
وكذلك إن كان يعزل لأن الحمل نادر.
واختلف إذا أنزل ولم يعزل على أربعة أقولا، قال مالك في المدونة: هي طالق مكانها لأنه في شك من حملها، وسواء قال: إن كنت حاملاً، أو: إن لم تكوني حاملاً.
وفي الواضحة: لا يقع عليها طلاق إلا أن يوقعه الحاكم.
وقال أشهب: لا شيء عليه الآن ويؤخر أمرهما حتى تنظر هل هي حامل أم لا، وفرق أصبغ بين أن يكون على بر أو حنث، وقال إن كنت حاملاً لم يقع الطلاق لأنه على بر حتى يعلم أنها حامل، وإن قال: إن لم تكوني حاملاً عجل الطلاق لأنه على حنث.
واختار اللخمي قول أشهب، والقول الثاني من كلام المصنف هو قول أصبغ إلا أنه زاد: إن أنزل وقفت فيهما، أي في الصورتين، لكن في كلام المصنف مخالفة للخمي؛ لأن المصنف إنما ذكر القول الثاني إذا لم ينزل، واللخمي ذكره إذا أنزل.
والله أعلم.
وَإِذَا وَقَفَتْ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَثَالِثُهُا: تَرِثُهُ لا يَرِثُهُا يعني: إذا فرعنا على مذهب المدونة من التخيير فلا ميراث، وإن فرعنا على القول بالوقوف أو على افتقاره إلى حكم حاكم، فمات أحدهما، فقيل يتوارثان.
ابن عبد السلام: وهو الأصح استصحاباً لحال الزوجية؛ لأن الطلاق لم يقع إلى الآن بل وقوعه متعذراً لأجل الموت.
والقول الثاني: أنهما يتوارثان لحصول الشك في العصمة.
والثالث لسحنون: ترثه ولا يرثها لأنه مرسل العصمة من يده بسبب يمينه.
وفيه نظر؛ لأن الشك إن نهض مانعاً منع الجانبين وإلا لم يمنع منهما.
وقيد اللخمي قول

سحنون بما إذا تبين له أنه كان باراً، قال: وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت [366/ أ] يمينه بالثلاث، ولو كانت اليمين بطلقة توارثا بالاتفاق لأنه وإن كان حانثا فهو طلاق رجعي.
وَمِثْلُهُ: إِنْ كَانَ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِكِ غُلامُ- فِي التَّنْجيز والْوُقُوفِ أي: فيأتي الخلاف المتقدم، قوله: (والْوُقُوفِ) يعني: وعلى الوقوف تأتي الأقوال في الميراث كما تقدم وسكت عن ذلك للعلم به.
وقول ابن عبد السلام: إنما أراد التشبيه في التنجيز والوقوف ولو أراد الإرث لقال: والإرث ليس بظاهر، وهكذا كان شيخنا رحمه الله يقول.
فرع: إذا قال: إن ولدت ولداً فأنت طالق اثنتين فولدت ولدين، طلقت بالأول وانقضت عدتها بالثاني، ولو قال: كلما ولدت ولداً فكذلك.
ابن سحنون عن أبيه: وإن قال: إن كان حملك جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان غلاماً فأنت طالق اثنتين، فولدت غلاماً وجارية، فإن ولدت الغلام أولاً طلقت اثنتين وتنقضي العدة بوضع الجارية ولا يلزمه بوضعها، وإن ولدت أولاً الجارية لا يلزمه إلا طلقة.
وفِي مِثْلِ: إِنْ كُنْتِ تُجِيِّبنِي أَوْ: إِنْ كُنْتِ تُبْغِضِينِي؛ يُؤْمَرُ بِفِرَاقِهَا، وثَالِثُهَا: إِنْ أَجَابَتْهُ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ حَنِثَ، ورَابعُهَا إِنْ أَجَابَتْهُ وصَدَّقَهَا اعلم أنه لا خلاف في أمره بالفراق صرح بذلك ابن بشير وابن شاس، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، وإنما اختلف هل الأمر مع الجبر أم لا على أربعة أقوال وتصورها من كلامه ظاهر.
واختلف هل مذهب المدونة عدم الجبر مطلقاً أو التفصيل بين أن تجيبه بما يقتضي الحنث فيجبر، وبين ما لا يقتضيه فلا يجبر؟ وما ذكره المصنف من تعميم الخلاف هي

طريقة بعضهم، وجعل بعضهم الثالث تفسيراً للأولين، ورأى بعضهم أنه لا يختلف في الجبر إذا أجابته بما يقتضي الحنث، وإنما اختلف إذا أجابته بخلافه.
قال عبد الحميد: إن قصد لفظها فلا طلاق عليه إن جاوبته بما لا يقتضيه، وإن قصد ما في قلبها فهو من باب وقوع الطلاق بالشك فيأتي الخلاف.
خليل: وينبغي إن ظاهر من قرائن أحوالها بغضه أو محبته أن يعمل عليه، وإن لم يظهر شيء فيكون محل الخلاف.
وَإِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى أَصْلٍ لَمْ يُؤْمَرْ فهم من قوله: (لَمْ يُؤْمَرْ) عدم الجبر من باب الأولى، وحكى صاحب البيان وعياض الاتفاق على عدم الجبر هنا، وحكى التونسي في حنثه قولين، وخرج اللخمي الحنث على القول بوجوب الوضوء في حق من تيقن الطهارة وشك في الحدث، قال: وعلى القول بأن الوضوء مستحب يؤمر هنا بالفراق استحباباً، وفرق غيره بين الشك في الطلاق والحدث بفرقين: أولهما: عظم المشقة الناشئة عن الطلاق لو أمر به، ويسارتها في الوضوء.
ثانيهما: أن المشكوك فيه يجب طرحهن فالشك في الوضوء شك في المشروط، وذلك يمنع من الدخول في الصلاة.
والشك في الطلاق شك في حصول المانع من استصحاب العصمة فيطرح المانع.
فَإِنْ اسْتَنَدَ كَمَنْ حَلَفَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: أن الشك إذا استند إلى سبب أقوى منه لأنه إذا لم يستند جرى مجرى الوسوسة، ومثل المستند بمن حلف ثم شك.

ابن عبد السلام: وفي مثاله نظر، وليس مراد العلماء بالسبب هذا المعنى، لأنه لا يلزم من وجود اليمين حصول الشك لأن من حلف بالطلاق لا يدخل زيد داره ثم شك هل دخل زيد داره أم لا؟ فهذا من الشك الذي لا يؤمر فيه بطلاق، وإن رأى إنساناً دخل تلك الدار وشبهه بزيد ثم غاب ذلك الإنسان بحيث يتعذر تحققه، هل هو المحلوف على الدخول أم لا؟ ففيه الخلاف، والمشهور عند أبي عمران وجماعة من الشيوخ كما ذكر المصنف، والمشهور عند الشيخ أبي محمد الأمر من غير جبر.
اللخمي: وهو المعروف وهو الذي في الخلاف، ونقله في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم.
واحترز بقوله: (وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ) مما لو كان ذا وسوسة فإنه لا شيء عليه، قاله في المدونة.
قال في البيان في باب طلاق السنة: الشك في الطلاق على خمسة أوجه: وجه لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به اتفاقاً، ووجه لا يجبر عليه، ويؤمر به اتفاقاً، ووجه لا يجبر فيه، واختلف هل يؤمر به أم لا؟ ووجه اختلف فيه، هل يجبر أم لا؟ ووجه يجبر عليه باتفاق.
فأما الذي لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به فهو أن يحلف على رجل لا تفعل كذا ثم شك هل فعل أم لا؟ لغير سبب قام عنده.
وأما الوجه الذي لا يجبر فيه على الطلاق ويؤمر به باتفاق فهو أن يحلف ألا يفعل فعلاً ثم شك هل فعل أم لا؟ لسبب قام عنده.
وأما الوجه الذي لا يجبر على الطلاق واختلف هل يؤمر به أم لا؟ فهو أن يشك هل طلق أم لا؟ وهل حلف وحنث أو لم يحلف؟ فقال ابن القاسم: لا يؤمر بالطلاق.
وقال أصبغ: يؤمر به.

وأما الوجه الذي اختلف فيه هل يجبر على الطلاق أم لا؟ فهو أن يشك في عدد الطلاق، ومن هذا إذا قال لزوجته: أنت طالق إن كانت فلانه حائضاً، فقالت فلانة: ما أنا حائض، أو حلف لصدقته، فقالت له: صدقتك، أو قال لها: إن كنت تبغضيني فقالت: لا أبغضك.
وأما الوجه الذي يجبر فيه على [366/ ب] الطلاق باتفاق، فهو أن يقول: إن كان أمس كذا فأنت طالق لفعل يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون وقد عمي خبره، وكذلك إذا طلق إحدى نسائه ولم يعينها، أو قال: عينتها ونسيتها انتهى.
فالوجه الثاني من كلامه الذي حكى فيه الاتفاق على أنه يؤمر ولا يجبر هو الذي ذكر المصنف أن المشهور فيه الحنث وعلى هذا فيتحصل في المذهب في هذا الوجه ثلاثة طرق: طريقة أبي عمران وهي طريقة المصنف أن المشهور الحنث، وطريقة الشيخ أبي محمد واللخمي أن المشهور عدم الحنث، وطريق صاحب البيان.
وَفِيهَا: وكُلُّ يَمِينٍ بِالطَّلاقِ لا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ فِيهَا بَارُّ فَهُوَ حَانِثُ يَعْنِي يَشُكُّ هذا استشهاد منه رحمه الله تعالى على أن مذهب المدونة موافق لما شهر، وبهذا اللفظ تمسك أبو عمران.
وقوله: (يَعْنِي يَشُكُّ) هذا تفسير منه للمدونة، ولعل المصنف اعتمد في هذا التفسير على ما قاله ابن المواز: كل من حلف ثم شك في بره وحنثه فهو حانث ما لم تكن يمينه بالله تعالى.
وأخرج المصنف بقوله: (يَشُكُّ) الظن والاعتقاد.
خليل: وانظر هل لا يؤمر بشيء إذا ظن البر كما يفهم من تفسير المصنف، أو يكون أخف؟ فعلى القول بالجبر مع الشك يؤمر هنا بغير جبر، وعلى القول بالأمر مع الشك لا يؤمر هنا.

وَلو قَالَ: إِنْ كَتَمْتِنِي أَوْ كَذَبْتِنِي فَتُخْبِرُهُ ولا يَدْرِي أَكَتَمَتْهُ أَمْ كَذَبَتْهُ أَمْ لا؟ أمر بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وفِيهَا: ولَوْ حَلَفَ بِطَلاقٍ فَلَمْ يَدْرِ أَحَنِثَ أَمْ لا أُمِرَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ذكر أيضاً هاتين المسألتين حجة للقول بعدم الحنث، وينبغي أن يجري في مسألة (إن كذبتني) الأقوال التي تقدمت في: إن كنت تحبيني أو تبغضيني.
فَإِنْ شَكَّ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمِ اثْنَيْنِ أَمْ ثَلاثاً فَفِيهَا: قَالَ مَالِكُ: لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ كَانَ أَمْلَكَ بِهَا، ويُصَدَّقُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ- بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ التَّحْرِيمُ، وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ، أَوْ تَحَقَّقَ مِلْك الثَّلاثُ، وسُقُوطُ اثْنَيْنِ مَشْكُوكُ ... يعني: إذا تحقق وقوع الطلاق وشك عدده، فقال مالك في المدونة: تطلق عليه ثلاثاً بمعنى إيقاع ما زاد على الواحدة لم يقع على معنى التحقيق بل على طريق الاحتياط كما سيأتي، واختلف هل على هذا القول يحكم عليه بالثلاث؟ وهو الذي فهمه أكثر الشيوخ من المدونة كعبد الحق واللخمي، ومنهم من فهمها على الأمر بذلك فقط.
قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ) نحوه في المدونة، ولا إشكال فيه على الأمر بالثلاث من غير جبر، وأما على الحكم بالثلاث فلا يكون أحق، قاله بعض القرويين، وصدق لأنه شيء ما علم إلا من جهته.
ابن عبد السلام: ولا يمين عليه، قال في المدونة: وإن ذكر ذلك بعد العدة كان خاطباً ويصدق في ذلك.
وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ) نحوه في الجواهر.
ابن عبد السلام: وتبع المصنف في هذا القول بعض المتأخرين، وأنكر غيرهما من حفاظ الشيوخ وجوده في المذهب، وأصول المذهب تشهد لوجوده.

وقوله: (بنَاءً .. إلى آخره) يعني ومنشأ الخلاف أن المشهور نظر إلى أن بالطلاق حصل التحريم، والتحريم لا يرفعه إلا الرجعة إن كانت الزوجة مدخولاً بها، أو تجديد العقد إن كانت غير مدخول بها فتلك الرجعة، وذلك العقد يشترط في صحتهما بقاء بعض أهل العصمة الأولى وبقاء البعض مشكوك فيه، فحصل الشك في صحة الرجعة والعقد فيبقى على الأصل المتيقن قبلهما وهو التحريم، ورأى في الشاهد أن ملك الثلاث متيقن وقد وقع الشك فيما زاد عليها، والأصل انتفاء ما لم يتيقن وقوعه، والواحدة هي المتبقية فلا يقع غيرها.
وفهم من قوله: (وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ) أن الرجعة محرمة وهو المذهب كما سيأتي، وفهم أيضاً أن هذا الخلاف إنما هو في المدخول بها لأنها التي فيها الرجعة، وأما غيرها فالواحدة تحرمها وقد تحقق ذلك.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ وطَلَّقَهَا وَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلا بَعْدَ زَوْجٍ أَبَداً لِدَوَرَانِ الشَّكِّ مَا لَمْ يَبُتَّ، ورَوَى أَشْهَبُ زَوَالَهُ بَعْدَ ثَلاثِةِ أَزْوَاجٍ وتَطْلِيَقَتَيْنِ .. يعني: وإذا فرعنا على المشهور من إيقاع الثلاث ثم زوجها بعد زوج، ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك في زوج ثالث ورابع، قال في المدونة: ومائة زوج، لأنه إذا تزوجها ثانياً وطلقها واحدة، قلنا يحتمل أن يكون طلقت اثنتين، فتكون هذه الطلقة مكملة الثلاث.
فإذا تزوجها ثالثاً بعد زوج ثان فكذلك، لأنه يحتمل أن يكون المشكوك في عدده أولاً واحدة، وكذلك يفعل فيما بعد ذلك.
عياض: ويجرى على هذا ولو بعد ألف زوج، ولهذا تلقب هذه المسألة بالدولابية لدورانها هكذا، وكذلك إذا طلقها اثنتين، ولا يحصل الدوران مع الاختلاف وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك إذا طلقها طلقتين في الثاني وفي الثالث طلقة وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثاً فهذه الأخيرة هي أول عصمة مستأنفة، فإن فرض اثنتين فتكون ثانية، وذلك إن فرض واحدة فاعلمه.

وقوله: (مَا لَمْ يَبُتَّ) أي ما لم يطلق ثلاثاً فيزول الشك حينئذ، وإذا تزوجها بعد زوج ترجع عنده على عصمة مستأنفة.
خليل: ويمكن أن يزيل [367/ أ] الشك أولاً بأن يقول: إن لم يكن طلاقي ثلاثاً فقد أوقعت عليه تكملة الثلاث، لأنه بين أحد أمرين إما أن طلقها ثلاثاً فلا شك، وإن طلقها دون ثلاث فهي في عصمته فيقع بقية الثلاث، اللهم إلا أن تنقضي العدة أو تكون غير مدخول بها، وإلى هذا أشار عبد الحميد.
والله أعلم.
وروى أشهب أن الشك يرتفع بعد ثلاثة أزواج.
ابن يونس: ووجهه أنه لا يخلو أن يكون الطلاق الأول طلقة أو اثنتين أو ثلاثاً، فإن كان ثلاثاً فقد تزوجها بعد زوج، وإن كان اثنتين فقد طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج فصارت ثلاثاً، ثم تزوجها بعد زوج، وإن كان واحدة فقط طلقها بعد الزوج الأول واحدة، وبعد الثاني ثانية، وطلقة الشك الأولى ثالثة فوجب أن يزول الشك بعد ثلاثة أزواج.
قال في البيان: وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب وقال يحيى بن عمرو: قد تدبرته فوجدته خطأ وقال ذلك فضل أيضاً، وهو كما قالا لأنه لا يرتفع الشك.
ونقل ابن يونس في المسألة قولاً ثالثاً عن ابن وهب أنه إذا طلقها ثلاثاً وإن كن متفرقات فإنها ترجع على ملك مبتدأ.
وأشار عياض إلى أنه وهم في ذلك وأنه راجع إلى القول الثاني وليس بثالث، لأنه إن طلق ثلاثاً مجتمعة في كلمة واحدة فلا خلاف، وأما المفترقات فمعناها من الأزواج وهو قول أشهب.
فَإِنْ شَكَّ أَهِنْدُ هِيَ أَم غَيْرُهَا طُلِّقَنْ كُلُّهُنَّ بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ يعني: فإن طلق واحدة معينة من نسائه ونسي عينها، أو حلف بطلاقها فحنث فإن نسائه الجميع يطلقن عليه.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل