التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 403-442
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِي وُصُولِ مَا يَنْمَاعُ مِنَ الْعَيْنِ وَالإِحْلِيلِ وَالْحُقْنَةِ – ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَقْضِي فِي الْحُقَنَةِ وَفِي الْعَيْنِ إِنْ وَصَلَ ... ذكر في العين والإحليل والحقنة ثلاثة أقوال: القضاء في الجميع، ونفيه في الجميع، والتفصيل.
أما الحقنة ففي الجلاب عدم وجوب القضاء فيها، وأما العين فمذهب أبي مصعب نفي القضاء وإن تحقق.
والمشهور مذهب المدونة يجب القضاء في الحقنةوفي العين بشرط الوصول، ولا يجب في الإحليل.
خليل: وظاهر كلامه وجوب الخلاف في الإحليل وهو مما انفرد به، ولم يحك غيره فيه إلا نفي القضاء.
عياض: والإحليل بكسر الهمزة ثقب الذكر من حيث يخرج البول.
واحترز بقوله: (ما ينماع).
مما لو احتقن بفتائل.
عياض وابن بشير: فلا يختلف في سقوط حكمه، وكذلك الاكتحال بما لا يتحلل ولا يصل.
وأما ما يتحلل فهل يوجب الاكتحال به القضاء؟ قولان، وهما خلاف في شهادة.
ثم قال: وإذا قلنا بإسقاط القضاء فهل يجوز له ذلك [156/أ] ابتداءً أم لا؟ في المذهب قولان، فمن أجاز شهر بعدم الوصول ومن منع.
فلعله راعى الخلاف.
وقوله: (إِنْ وَصَلَ) - مع فرضه الوصول – حشوٌ.
وقوله: (وَفِي وُصُولِ) يدل على أنه لو تحقق عدم الوصول لم يقض اتفاقاً.
فرع: قال في تهذيب الطالب عن السليمانية فينم تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان في حلقه، قال: يقضي يوماً بمنزلة من اكتحل أو دهن رأسه فيجد طعم ذلك في حلقه فيقضي.
وقال أبو محمد: أخبرني بعض أصحابنا عن ابن لبابة أنه قال: من استنشق بخوراً لم يفطر، وأكره له ذلك.

فائدة: قال ابن حبيب في كتاب له في الطبِّ: كان علي وابن عباس ومجاهد والشعبي والزهري وعطاء والنخعي والحكم بن عيينة وربيعة وابن هرمز يكرهون الحقنة إلا من ضرورة غالبة، وكانوا يقولون: لا تعرفها العرب، وهي من فعل العجم وهي ضرب من عمل قوم لوط، قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك أنه كان يكرهها وذكر أن عمر بن الخطاب كرهها وقال: هي شعبة من عمل قوم لوط.
قال عبد الملك: وسمعت ابن الماجشون يكرهها ويقول: كان علماؤنا يكرهونها.
قال ابن حبيب: وكان من مضى من السلف وأهل العلم يكرهون التعالج بالحقن إلا من ضرورة غالبة، لا يوجد عن التعالج بها مندوحة انتهى.
وسئل مالك في مختصر ابن عبد الحكم عن الحقنة؛ فقال: ليس بها بأس.
قال الأبهري: وإنما قال ذلك لأنها ضرب من الدواء، وفيها منفعة للناس، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم التداوي وأذن فيه فقال: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً علمه من علمه وجهله من جهله، فتداووا عباد الله".انتهى.
خليل: وظاهره معارضة القول الأول ويمكن تأويله على حالة الاضطرار إليها فيتفق القولان.
وَالْجَائِفَةُ كَالْحُقْنَةِ مقتضى كلامه أن المشهور فيها القضاء، وليس كذلك، بل لا نعلم من قال فيها بالقضاء.
قال في الرواية: لا قضاء عليه ولا كفارة، لأن ذلك لا يصل إلى موضع الطعام والشراب ولو وصل إليه لمات من ساعته.
وَغُبَارُ الطَّرِيقِ، وَنَحْوُ الذُّبَابِ يَدْخُلُ غَلَبَةً مَعْفُوٌّ عنه عفى عن هذه للمشقة، ونقل الباجي عن ابن الماجشون في الذباب القضاء، قال: ولا أعلم أحداً أوجب في الغبار القضاء.
ونقل التلمساني فيه الاتفاق أيضاً.

والـ (غَلَبَةً) بالغين المعجمة وفتح اللام والباء الموحدة.
وقول ابن عبد السلام: الضمير المجرور بعلى يرجع إلى الحلق، أي يدخل على حلقه يدل على أنه قرأها بالعين المهملة والياء المثناة من أسفل، ولعله تصحيف.
بِخِلافِ دَهْنِ الرَّاسِ، وَقَيِلَ إِلا أَنْ يَسْتَطْعِمَهُ تصوره واضح، وهو يقتضي أن المشهور سقوط القضاء ولو استطعمه.
وكلام ابن راشد في مذهبه قريب منه.
ونسب القول بالقضاء إذا استطعمه للسليمانية، ولم أر ما قدمه المصنف.
واقتصر ابن شاس على الثاني.
وَفِي غُبَارِ الدَّقِيقِ قَوْلانِ أطلق المصنف الخلاف، وفيه تقييدان أولهما: أن الخلاف إنما هو في صنّاعه نقل ذلك التلمساني وغيره بناء على أن الضرورة الخاصة هل هي كالضرورة العامة أم لا؟ ثانيهما: ظاهر إطلاقه يتناول الواجب والتطوع، والقضاء فيه إنما يعلم لأشهب، وهو إنما قال بالقضاء في الواجب سواء كان في رمضان أو غيره، ولا يقضي في التطوع.
نقله عنه الباجي وغيره.
قال الشيخ أبو محمد: ينبغي أن لا شيء عليه في غبار كيل القمح، ولابد للناس من هذا.
انتهى.
والفرق بينه وبين غبار الدقيق، أن غبار الدقيق يغذي، بخلاف غبار القمح، فإنه كغبار الطريق.
وَغُبَارُ الْجَبَّاسِينَ دُونَهُ يريد: وهو مع ذلك مختلف فيه، صرح في الجواهر بهذا، وكونه دونه ظاهر.
والْمَشْهُورُ أَلا قَضَاءَ فِي فَلْقَةٍ مِنَ الطَّعَامِ بَيْنَ الأسنان تُبْلَعُ المشهور مذهب المدونة.
ولفظها: وإن ابتلع فلقة حب بين أسنانه مع ريقه أو دخل حلقه ذباباً أو ذرعه القيء في رمضان فلا شيء عليه، وإطلاق القول بالقضاء لأشهب.

نقله عنه ابن عبد الحكم، ونقل عنه ابن حبيب أنه قال: أحب إلي، وليس بالبين.
فظاهره أنه ثالث، وقيد الشيخ أبو محمد قول أشهب بوجوب القضاء بأن يمكنه طرحها، وأما لو ابتلعها غلبة، فلا شيء عليه.
وكذلك قال اللخمي: لا يفطر إذا كان مغلوباً، واختلف في غير المغلوب إذا كان ساهياً أو جاهلاً أو عالماً، فقال في كتاب أبي مصعب: إن كان ساهياً فعليه القضاء، وإن كان متعمداً فعليه القضاء والكفارة.
وأجراه على حكم الكثير من الطعام.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كان جاهلاً فلا شيء عليه قال: وقد أساء.
قال ابن حبيب: إن كانت بين أسنانه فال شيء عليه ساهياً أو عامداً أو جاهلاً وإن تناولها من الأرض كانت كسائر الطعام، عليه في السهو القضاء وفي [156/ب] الجهل والعمد القضاء والكفارة.
قال: من قبل استخفاف بصومه، لا من قبل أنه غذاء.
انتهى.
قال ابن حبيب بإثر ما نقله اللخمي عنه: كذلك فسر من لقيته من أصحاب مالك.
خليل: ولا ينبغي أن يختلف إذا أخذها من الأرض.
وكلام المصنف يدل عليه لقوله: (بَيْنَ الأسنان).
فأخرج ما إذا لم تكن بين الأسنان.
لكن ظاهر كلام اللخمي أنه ليس تقييداً، بل حكاه على أنه قول ثالث.
واستشكل ابن يونس قول بن حبيب وقال: لا معنى للتفرقة بين أن تكون في فمه أو يأخذها من الأرض؛ لأنها لم تكن في فمه إلا برفعها من الأرض فلا يغير الحكم طول إقامتها فيه كما لو كانت لقمة.
وَالْمَضْمَضَةُ لِوُضُوءٍ أَوْ عَطَشٍ جَائِزٌ فَإِنْ غَلَبَهُ إِلَى حَلْقِهِ فَالْقَضَاءُ إِلا أَنْ يَتَعَمَّدَ فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .... هكذا وقع في كثير من النسخ، (جَائِزٌ).
وهو على حذف مضاف، أي وفعل المضمضة.

ويقع في بعضها جائزة، ولا إشكال عليها.
وأجاز أهل المذهب المضمضة للعطش مع كراهتهم للصائم ذوق الطعام ومجه.
فلعل ذلك لشدة الضرورة للمضمضة.
الباجي: ومعنى ما وقع لمالك من إجازة التمضمض وللعطشان أن يزول عنه طعم الماء ويخلص طعم ريقه.
قال أشهب: ويباح للصائم مداواة الحفر بالمضمضة في النهار إن خاف الضرر بتأخيره إلى الليل.
الباجي: فإن أفطر مغلوباً بأن وصل بغير اختياره فعليه القضاء، وإن تعمد ذلك فعليه القضاء والكفارة، وإن سلم فلا شيء عليه إلا ما قاله ابن حبيب في مداواة الحر: يقضي لأن الدواء يصل إلى حلقه.
الباجي: والذي عندي أنه إن سلم فلا شيء عليه، وأطلق في المدونة كراهة مداواة الحفر ويمكن حمله على ما إذا لم يضطر، فيتفق كلامه مع أشهب.
وَالسِّواكُ مُبَاحٌ كُلَّ النَّهَارِ بِمَا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكُرِهَ بِالرَّطْبِ لِمَا يَتَحَلَّلُ، فَإِنْ تَحَلَّلَ وَوَصَلَ إِلَى حَلَقِهِ فَكَالْمَضْمَضَةِ .... نبه رحمه الله على خلاف الشافعي في إجازة ذلك قبل الزوال فقط.
ابن عبد السلام: وحكى عن البرقي مثل قول الشافعي.
انتهى.
والمشهور أظهر لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك".
رواه البخاري ومسلم.
وليس فيما رواه مالك والترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم:"لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك"، دليل على الكراهة؛ لأن الخلوف إنما هو ما يحدث من خلو المعدة وذلك لا يذهبه السواك، وقوله: (وَكُرِهَ بِالرَّطْبِ) قال ابن حبيب: يكره بالرطب للجاهل الذي لا يحسن أن يمج ما يجتمع منه.

الباجي: والذي يقتضيه مذهب مالك وأصحابه أنه يكره للجاهل والعالم لما فيه من التغرير.
وقوله: (فَإِنْ تَحَلَّلَ وَوَصَلَ إِلَى حَلَقِهِ فَكَالْمَضْمَضَةِ).
أي إن غلبه كنا عليه القضاء، وإن تعمد ذلك كان عليه القضاء والكفارة، وهذا مقتضى التشبيه.
قال ابن حبيب: من جهل أن يمج ما اجتمع في فيه من السواك الرطب فلا شيء عليه.
الباجي: وفيه نظر؛ لأنه يغير الريق، وما كان بهذه الصفة، ففي عمده الكفارة، وفي التأويل والنسيان القضاء فقط.
انتهى.
وحُكي عن ابن لبابة أنه إن استاك بالجوز في النهار، لزمه القضاء والكفارة، وإن استاك به ليلاً فأصبح على فيه فعليه القضاء فقط.
وَشَرْطُهُ: الإِمْسَاكُ عَنْ إِخْرَاجِ مَنِيٍّ أَوْ قَيْءٍ أما شرطية الإمساك عن إخراج المني فظاهر وأما القيء؛ فلما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذرع الصائم القيء فلا إفطار عليه، وإن استقاء فعليه القضاء".
وقال المصنف: (عَنْ إِخْرَاجِ) ولم يقل عن خروج ليسقط بذلك حكم الاحتلام والقيء الغالب فإنهما لا حكم لهما.
وَفِي الْمَذْيِ وَالإِنْعَاظِ قَوْلانِ المشهور في المذي وجوب القضاء، وخالف ابن الجلاب فيه وفي الحقنة وفي القيء المستدعي فجعل القضاء في الجميع مستحباً والمشهور في الثلاثة الوجوب، ومنهم من فرَّق في المذي بين أن يكون عن لمس أو قبله أو مباشرة فيجب وبين أن يكون عن نظر فلا يجب؛ وهو قول ابن حبيب.

قال في التنبيهات بعد حكاية هذه الأقوال الثلاثة والمغيرة: لا يرى منه القضاء وإن كان من قبلة، والقول بالقضاء في الإتعاظ رواه ابن القاسم عن مالك في الحمديسية.
ابن عبد السلام: وهو الأظهر، وبعدم القضاء رواه ابن وهب عن مالك، قال في التنبيهات: إنما الخلاف عد بعضهم إذا حصل عن ملاعبة أو مباشرة، وأما إن كان عن نظر أو لمس فلا شيء فيه.
وأطلق في البيان الخلاف، ولفظه: وإن أنعظ ولم يمذ، ففي ذلك ثلاثة أقوال.
فذكر القولين السابقين، قال: والثالث الفرق بين المباشرة وما دونها من قبلة أو لمس، فإن انعظ عن مباشرة فعليه القضاء، وإن أنعظ بما دونها فلا شيء [157/أ] عليه وهو قول ابن القاسم.
وَالْمَبَادِئُ كَالْْفِكَرِ وَالنَّظَرِ وَالْقُبَلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلاَعَبَةِ إِنْ عُلِمَتِ السَّلامَةُ – لَمْ تَحْرُمْ، وَإِنْ عُلِمَ نَفْيُهَا حَرُمَتْ، وَإِنَّ شَكَّ فَالظَّاهِرُ التَّحْرِيمُ يعني: أن الحكم يختلف في مبادئ الجماع على أقسام ثلاثة:

  • فإن كان يعلم من نفسه السلامة من المني والمذي لم يحرم؛ ونفيه لا يقتضي الكراهة ولا الإباحة، وقد كرهوا ذلك في المشهور وجعلوا مراتب الكراهة تتفاوت بالأشدية على نحو ما رتب المصنف بالماذي؛ فأخفها الفكر المستلزم وأشدها الملاعبة، ثم إن ابن القاسم قال: شدد مالك في القبلة في الفرض والتطوع، ورأى ابن حبيب أنه شدد فيها في الفرض وأرخص فيها في التطوع في رواية ابن حبيب، وروي عن مالك التفرقة بين الشيخ والشاب، ولا شك أن من لا يُكرِّه القبلة، لا يُكرِّه ما قبلها، وقد يكرِّه ما بعدها.
    -وإن كان يعلم من نفسه عدم السلامة من المني والمذي: اللخمي: أو كان يسلم مرة ولا يسلم أخرى حرمت.
    -وإن شك في السلامة فقولان، الظاهر منهما التحريم احتياطاً للعبادة.
    وقيل: لا تحرم لأن الإباحة هي الأصل.

تنبيه: ما ذكره المصنف صحيح بالنسبة إلى القبلة والمباشرة والملاعبة، ولم يذكر اللخمي وابن بشير التفصيل الذي ذكره المصنف إلا في هذه الثلاثة، وأما بالنسبة إلى النظر والفكر فليس بحسن؛ أما أولاً: فلأن كلام المصنف في النظر والفكر يغني عما ذكره فيهما، وأما ثانياً: فلأن ابن بشير، نص على أن النظر والفكر إذا لم يستداما لا يحرمان بالاتفاق.
وقد يجاب عن الأول بأن المصنف تكلم عن النظر والفكر باعتبارين: الأول: جواز الإقدام عليه، والثاني: فساد الصوم.
وعلى الثاني فإن كلام ابن بشير محمول على ما إذا علم من نفسه السلامة وإلا فبعيد أن يقال بالجواز مع كونه يعلم أنه يمني أو يمذي.
فَإِنْ فَكَّرَ أَوْ نَظَرَ فَلَمْ يُسْتَدِمْ فَلا قَضَاءَ أنْعَظَ أَوْ أَمْذَى لِلْمَشَقَّةِ تصوره ظاهر، وتقييده هنا بعدم الاستدامة يقتضي أن الخلاف الذي قدمه في المذي والإنعاظ مع الاستدامة.
فإن قلت: هل يمكن حمل كلامه الأول على ما إذا حصل عن ملاعبة أو مباشرة، والثاني على ما إذا كان عن نظر؟ ويكون كلامه مبنياً على الطريقة التي ذكرها عياض؛ قيل: لأن المصنف لَّما قيد كلامه هنا بنفي الاستدامة دل ذلك على أنه لو استدام لكان الحكم على خلاف ذلك.
وتلك الطريقة ليس فيها تفصيل.
ابن راشد: وما ذكره المصنف من أنه أمذى من غير استدامة لا قضاء عليه مخالف للمدونة.
قال فيها: وإن نظر إليها في رمضان وتابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابع النظر فأمذى أو أمنى فليقض فقط.
ونحوه في العتبية، نعم يوافق ما ذكره المصنف ما ف مختصر الواضحة: من نظر إلى زوجته أو أمته وأدام ذلك حتى أمذى فعليه القضاء،

وإن أمنى فعليه القضاء والكفارة.
قال: ولو أنه نظر إليها على غير تعمد ثم صرف بصره عنها، فغلبته اللذة حتى أمذى فلا قضاء عليه.
ولو أنه غلبه المني كان عليه القضاء، فلا كفارة إلا أن يديم نظره إليها كما فسرت لك.
قال فضل: وكان ابن القاسم وابن وهب يرويان عن مالك في الذي نظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد فيمذي أنه عليه القضاء.
وروى ابن القاسم عن مالك فيمن تذكر امرأته في رمضان فأمذى، فقال: إن لم يتبع نفسه ذكرها فأراه خفيفاً.
قال فضل: كأنه لا يرى عليه قضاء، وهذا خلاف ما روي عنه في النظر.
انتهى.
فَإِنْ أَمْنَى اِبْتِدَاءً قَضَى إِلا أَنْ يُكْثِرَ أي: فإن أمنى مع أول الفكر أو أول النظر من غير استدامة فعليه القضاء، بلا كفارة إلا أن يكثر ذلك فيسقط القضاء أيضاً للمشقة، وهذا مذهب المدونة.
قال ابن القابسي: إذا نظر نظرة واحدة متعمداً فأنزل كفَّر.
واختلف في قوله هل هو موافق لما في المدونة أو يحمل ما في المدونة على ما إذا لم يتعمد النظر؟ وإليه ذهب صاحب النكت، وقال ابن يونس: يظهر لي أنه خلاف.
الباجي: وقول القابسي هو الصحيح.
فَإِنِ اِسْتَدَامَ قَضَى وَكَفَّرَ إِلا أَنْ يَكُونَ بِخِلافِ عَادَتِهِ فَفِي التَّفْكِيرِ قَوْلانِ أي: فإن استدام النظر أو الفكر حتى أمنى فعليه القضاء والكفارة إذا كانت تلك عادته، لأنه حينئذ مختار أي في استجلاب المني.
وأما إن كانت عادته بخلاف ذلك فقال اللخمي وابن عبد السلام: الأظهر السقوط لانتفاء الانتهاك في حقه الموجب للكفارة.
وحكى في البيان فيما إذا نظر أو تفكر قاصداً اللذة أو لمس أو قبل أو باشر فأنزل ثلاثة أقوال:

الأول: أن عليه القضاء والكفارة وهو قول مالك في المدونة في القبلة والمباشرة، والنظر والتفكر [157/ب] محمولان على ذلك.
الثاني: أن عليه القضاء دون الكفارة، وهو قول أشهب وهو أصح الأقوال؛ لأن الكفارة إنما تجب مع قصد الانتهاك، وهذا لم يقصد إليه ولم يفعل إلا ما يسوغ له فغلبه الإنزال.
الثالث: الفرق بين اللمس والقبلة والمباشرة، وبني النظر والتذكر فإن لمس أو قبل أو باشر فأنزل فالقضاء والكفارة وإن لم يتابع ذلك، وإن نظر أو تذكر فأنزل فعليه القضاء ولا كفارة عليه إلا أن يتابع ذلك حتى ينزل.
وهذا القول هو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
انتهى.
وَالْقُبْلَةُ مُطْلَقاً وَلَوْ واحِدَةً كَالْْفِكْرِ الْمُسْتَدَامِ قوله: (مُطْلَقاً) أي سواء كانت في الفم أو غيره في الزوجة أو الأمة، كان من عادته الإنعاظ أم لا، قصد الالتذاذ أم لا، ولا يريد بالإطلاق ما إذا كانت القبلة لوداع أو نحوه؛ فإن ذلك لا أثر له.
وقوله: (كَالْفِكْرِ الْمُسْتَدَامِ) يعني إن لم ينشأ عنه مذي ولا إنعاظ فلا شيء عليه وإن أنعظ فقولان، وإن أمذى فعليه القضاء.
ويدخل في قوله: (كَالْفِكْرِ الْمُسْتَدَامِ).
إذا أمنى فيلزمه القضاء والكفارة، وقد صرح ابن بشير فقال: إن قبل والتذ بقبلته فلا شيء عليه إذ لا حكم للذة بانفرادها، وإن أنعظ فالقولان، وهما خلاف في حال هل ينكسر الإنعاظ من غير مذي؟ وإن أمذى أمر بالقضاء، وهل يجب؟ قولان، وإن أمنى وجب القضاء.
وهل تجب الكفارة؟ أما إن استدام فهي واجبة لأنه قاصد لفعل يوجد معه المني غالباً.
وإن لم يستدم فقولان.
انتهى.
والقول بعدم الكفارة مع عدم الاستدامة لأشهب، وبالكفارة لابن القاسم في المدونة وهما فبما إذا قبل أو باشر أو لامس مرة واحدة، وفي العتبية عن ابن القاسم والواضحة

عن مالك: لا شيء عليه في التقبيل وإن انتشر وأنعظ ما لم يمذ؟ فإن أمذى مضى على صيامه وقضاه؛ زاد في الواضحة: وإن أمنى قضى وكفَّر.
وذكر ابن يونس أن ابن القاسم روى عن مالك في التعبية في القبلة أنه يقضي إذا أنعظ وإن لم يمذ وأنكره سحنون، وظاهر هذه الرواية وجوب القضاء، وقد قررها ابن رشد على ذلك، ونقل ابن عبد السلام هذه الرواية بالاستحباب ليس بظاهر.
وَالْمُلاَعِبَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ مِثْلُهَا إِلا أَنَّ فِي الْمَنِىِّ الْكَفَّارَةَ من بِغَيْرِ تَفْصِيلَ خِلاَفاً لأَشْهَبَ كَالْْمَنِىِّ بِمُجَامَعَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ .... أي: أن الملاعبة والمباشرة مثل القبلة، فإن أنعظ أو أمذى فقولان، إلا أن في المني الناشئ عنهما تجب فيه الكفارة من غير التفات إلى عادة المباشر خلافاً لأشهب فإنه فصل في ذلك.
وقد نقل الباجي قول أشهب ولفظه: فإن قبل واحدة أو باشر أو لامس مرة واحدة فأنزل، فقال أشهب: لا كفارة عليه حتى يكرر.
وقال ابن القاسم: عليه الكفارة في ذلك كله، إلا في النظر فلا كفارة عليه.
انتهى.
وقوله: (كَالْْمَنِىِّ بِمُجَامَعَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ) هو تشبيه بالمشهور فقط، وقول ابن راشد أنه استدلال على قول أشهب لس بظاهر.
وَمَاءُ الْمَرْأَةِ كَمَنِيِّ الرَّجُلِ أي في جميع ما تقدم.
وَالْقَيْءُ الضَّرُورِيُّ كَالْْعَدَمِ، وَفِي الْخَارِجَ مِنْهُ مِنْ الْحَلْقِ يُسْتَرَدُّ قَوْلانِ كَالْبَلْغَمِ للحديث المتقدم، قال بعض الأصحاب: ولا فرق بين أني كون من علة أو من امتلاء، ولا بين أن يتغير أو يكون على هيئة الطعام.

وقوله: (وَفِي الْخَارِجِ مِنْهُ) أي القيء الضروري، فـ (مِن) الأولى للبيان والثانية لابتداء الغاية، أي أن ما جاوز الحلق فلا شيء فيه وإن رجع لكونه لا يمكنه طرحه.
ابن حبيب: وما رجع من القيء إلى الجوف أو من اللهوات إلى الحلق قبل أن يستيقن وصوله إلى الفم فلا قضاء فيه.
وقوله: (قَوْلانِ) قال اللخمي: اختلف فيمن ذرعه القيء إذا رجع إلى حلقه بعد انفصاله مغلوباً أو غير مغلوب وهو ناس.
فروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط: عليه القضاء إذا رجع شيء وإن لم يزدرده، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه إذا كان ناسياً.
وهذا اختلاف قول، فعلى قوله في المغلوب أنه يقضي يكون الناسي أولى بالقضاء، وعلى قوله في الناسي: لا شيء عليه، يسقط القضاء عن المغلوب.
والصواب أن ينظر، فإن خرج إلى لسانه بحيث يقدر على طرحه ثم ابتلعه بعد ذلك فعليه القضاء، وإن لم يبلغ موضعاً يقدر على طرحه فلا شيء عليه.
انتهى.
ومقتضى كلامه أن العمد مبطل اتفاقاً.
وقوله: (كَالْبَلْغَمِ) أي أن في البلغم إذا خرج من الحلق ثم رد قولين.
والقول بأنه لا شيء فيه ولو وصل إلى طرف اللسان لابن حبيب، قال: وقد أساء.
وهو بخلاف القلس لأنه طعام وشراب.
وفي جهله وعمده القضاء.
والكفارة في البلغم لسحنون، قال: إذا خرج من صدر الصائم أو من رأسه فصار إلى طرف لسانه وأمكنه طرحه فابتلعه ساهياً فعليه القضاء.
والشك في [158/أ] الكفارة في عمده، وقال: أرأيت لو أخذها من الأرض متعمداً ألا يكفر؟ وفي المدونة عن مالك لا قضاء عليه في رمضان إذا ازدرد القلس بعد وصوله إلى فيه.

قال ابن القاسم: ثم رجع مالك فقال: إن خرج إلى موضع لو شاء طرحه ثم رده فعليه القضاء.
واقتصر عليه في الجلاب.
وَأَمَّا الْمُسْتَدْعَى فَالْمَشْهُورُ الْقَضَاءُ مقابل المشهور لابن الجلاب جعلُ القضاء فيه مستحب وقال: لأنه لو كان مفسداً للصوم لاستوى مختاره وغالبه كالأكل والشرب إذا قصده أو أكره عليه، والحديث المتقدم حجة للمشهور.
وفي المسألة قول ثالث بسقوط القضاء في النفل ووجوبه في الفرض، وإنما فرق بين المستدعي وغيره؛ لأن المعدة تجتذب ما يخرج منها بالاستدعاء بخلاف غيره.
فإِنِ اسْتُدْعِيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ – فَفِي الْكَفَّارَة قَوْلانِ المشهور السقوط، والوجوب لابن الماجشون وسحنون، ولعل منشأ الخلاف هل استدعاء القيء انتهاك أم لا؟ فإن كان أول القيء ضرورياً وبقيت منه بقية أوجبت عليه غثياناً فاستقاء فنص مالك في المجموعة على وجوب القضاء وإليه أشار بقوله: لغير عذر.
فإن مفهومه أنه وإن استقاء لضرورة لا تجب عليه الكفارة اتفاقاً.
وَتُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلْتَغْرِيرِ، وَذَوْقُ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ وَالْعَلَكِ ثُمَّ يَمُجُّهُ لما روى: "أكتتم تكرهون الحجامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا، إلا خيفة التغرير – أو كما قال– وهل هي مكروهة في حق الضعيف والقوي، وهي رواية ابن نافع ع مالك، ورواية عيسى عن ابن القاسم؟ التلمساني: وفي الموطأ: لا تكره إلا خيفة أن يضعف، ولولا ذلك لم تكره، وعلى هذا فلا تكره للقوي، وهو الصحيح.
انتهى.

الباجي: وإن احتجم أحد على تغرير فسلم ثم احتاج إلى الفطر فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يتعمد الفطر.
والكراهة أيضاً في ذوق الملح وما عطف عليه أيضاً للتغرير.
وَزَمانُهُ مِنَ الْفَجْرِ الْمُسْتَطِيرِ لا الْمُسْتَطِيلِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ هذا ظاهر.
فَمِنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ نَاظِراً دَلِيلَهُ – فَثَلاثَةٌ: التَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالإِبَاحَةُ قال في المدونة: كان مالك يكره للرجل أن يأكل إذا شك في الفجر.
وحمل اللخمي الكراهة على بابها.
وحملها أبو عمران على التحريم، وهو مقتضى فهم البرادعي؛ لأنه اختصرها على النهي فقال: ومن شك في الفجر فلا يأكل.
ونحوه في الرسالة والجواز لابن حبيب.
قال: والقياس الجواز.
واستحب الكفّ.
ولا يؤخذ استحباب الكف من كلام المصنف.
ابن عطاء الله: وهذه المسألة كمسألة من تيقن الطهارة وشك في الحدث، وعليها خرجها اللخمي.
واختار اللخمي التحريم مع الغيم والإباحة مع عدمه.
فَإِنْ أَكَلَ فَعَلِمَ بِطُلُوعِهِ فَالْقَضَاءُ مُطْلَقاً يعني: بالإطلاق سواء كان حين الأكل معتقداً أنه لم يطلع أو شاكاً.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ أي: إذا أكل وهو شاك، وبقي على شكه فعلى ما تقدم، أي فعلى تحريم الأكل يجب القضاء، وعلى الكراهة يتسحب، وعلى الإباحة لا يجب ولا يستحب.
وَلَوْ طَرَأَ الشَّكُّ فَالْمَشْهُورَ الْقَضَاءُ وهذا كما قال في المدونة: ومن أكل في رمضان ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء.

ابن يونس: إذ لا يرتفع فرض بغير يقين، وهذا مما يرجح أن يكون المذهب وجوب الإمساك والقضاء في الأول؛ لأنه إذا كان يقضي إذا طرأ الشك مع كونه أكل معتقداً أن الفجر لم يطلع فلا يجب فيما إذا أكل شاكاً من بابٍ أولى.
ولهذا يقع في بعض النسخ: فالمشهور القضاء (أيضاً) فإن زيادة أيضاً تقتضي أن المشهور في الفرع السابق وجوب القضاء.
فَإِنَّ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَهُوَ آكِلٌ أَوْ شَارِبٌ أَلْقَى وَلا قَضَاءَ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَقَدْ خُرِّجَ الْقَضَاءُ عَلَى إِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَفِيهِ قَوْلانِ ... أي: فإن كان الآكل يعتقد بقاء الليل، أو شك فطلع الفجر عليه والطعام في فيه فإنه يلقيه ولا قضاء على المنصوص.
ومقابل المنصوص مخرج على القول بوجوب إمساك جزء من الليل، وفيه قولان كما ذكر المصنف.
وأشار ابن بشير إلى ضعف هذا التخريج لاحتمال أن يكون هذا القائل يرى وجوبه لغيره أي للاحتياط، فلم يقم الدليل إلا على وجوبه لا على سائر أحكام ذلك الواجب، وإلا لزمت فيه الكفارة.
وَإِنْ طَلَعَ وَهُوَ يُجَامِعُ نَزَعَ وَلا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي الْقَضَاءِ قَوْلانِ أما وجوب النزع فبين، ولو تمادى وجب القضاء والكفارة إجماعاً.
قاله ابن عطاء الله.
وهل تلزمه أيضاً إذا نزع الكفارة؟ ذكر المصنف تبعاً لابن بشير وغيره أن المشهور سقوطها.
والقول بوجوبها لابن القصار، هكذا قيل.
خليل: وقول ابن القصار على ما نقله عبد الحق وابن يونس ليس صريحاً في المخالفة لأنهما قالا: وقال ابن القصار: إذا طلع عليه الفجر وهو يولج فلبث قليلاً متعمداً ثم أخرجه أن الكفارة تلزمه مع القضاء.

ابن عطاء الله: وكذلك لو ابتدأ الإيلاج [158/ب] حال طلوع الفجر، الخلاف فيه واحد، فمن لم يوجب الكفارة قال: لم يطرأ الجماع على صوم ليفسده، إذ لم يدخل في الصوم قبله وإنما منع انعقاد الصوم.
انتهى.
ومنشأ الخلاف، هل النزع وطء أم لا؟ وإذا فرع على إسقاط الكفارة، فأسقط ابن القاسم القضاء أيضاً وأوجبه ابن الماجشون.
فَإِنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ الأَكْلُ اتِّفَاقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]؛ ولأن الأصل الاستصحاب.
فَإِنْ أَكَلَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فَالْقَضَاءُ أي: فإن أكل مع شكه في الغروب وبقى على شكه فالقضاء واجب؛ لأن الأكل كان محرماً عليه.
فرع: قال في المدونة: ومن ظن أن الشمس قد غربت فأكل في رمضان ثم طلعت فليقض.
قال في التنبيهات: والظن هنا بمعنى اليقين ولو كان على الشك لكفّر على ما ذكره أبو عبيد في مختصره، ولم يكفّر على ما ذكره الشك لكفر على ما ذكره أبو عبيد في مختصره.
ولم يكفر على ما ذكره البغداديون كما لو أكل في الفجر شاكاً فلا كفارة عليه باتفاق.
واختلف المشايخ في ترجيح القولين فمنهم من رجح مذهب البغداديين، وقد يستظهر هؤلاء بظاهر لفظه في المدونة، وإن كانت درجة الظن أرفع من درجة الشك، ويأتي بمعنى اليقين لكن تأوله بعضهم بمعنى الشك، ومنهم من رجح قول أبي عبيد، وفرق بين الوقتين؛ لأن أول النهار الأكل مباح فلا يحرم عليه إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن

تحريمه عليه.
وآخر النهار إنما هو في حكم الصوم والفطر عليه حرام إلا بتيقن انتهاء النهار فهو منتهك إن لم يتيقن انقضاء النهار.
وأراد بعض الشيوخ أن يجمع بني القولين، فقال: لعل البغداديين أرادوا بالشك هنا غلبة الظن فيستوي الفطر في الوقتين، وهذا يبعد؛ لأن الشك شيء وغلبة الظن شيء آخر غيره، وأحكامها مختلفة كأسمائهما وحدودهما.
انتهى.
وقال الشيخ أبو إبراهيم: من الناس من حمل ما في المدونة على المساواة بين الطلوع والغروب في إسقاط الكفارة.
وإليه ذهب القاضي وابن القصار وغيرهما؛ لأنه غير منتهك لحرمة الشهر.
ابن يونس: وهو الصواب انتهى.
وانظر قول القاضي: اُتفق على سقوط الكفارة إذا شك في الفجر مع قول ابن عبد السلام: الأصح سقوطها.
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَاظِرٍ فَلَهُ الاقْتِدَاءُ بِالْمُسْتَدِلِّ وَإِلا أَخَذَ بِالأَحْوَطِ هذا قسيم قوله: (ناظراً دليله).
وحاصله أن الشك قسمان: ناظر وغير ناظر، فالناظر تقدم، وغير الناظر له الاقتداء.
ابن عبد السلام: وظاهره ولو كان قادراً على الاستدلال خلاف ما قالوه في القبلة.
ابن حبيب: ويجوز تقليد المؤذن العارف العدل، ويمكن أن يتأول كلامهم على أن من لا علم عنده، ولا فيه أهلية الاستدلال يجوز له أن يقتدي بمن فيه الأهلية.
انتهى.
ابن وهب عن مالك: فإن قال له واحد: تسحرت بعد الفجر، وقال آخر: قبله، فأرى أن يقضي.
وقوله: (وَإِلا) أي: وإن لم تكن فيه أهلية ولم يجد من يقلده (أَخَذَ بالأَحْوَطِ) أي: فيترك الأكل.

وَيَجِبُ قَضَاءُ رَمَضانَ، وَالْوَاجِبُ بِالْفِطْرِ عَمْداً - وَاجِباً، وَمُبَاحاً، وَحَرَاماً، أَوْ نِسْيَانَاً، أَوْ غَلَطاً فِي التَّقْدِيرِ فَيَجِبُ عَلَى الْحائِضِ وَالْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِمَا .... عطفه الواجب على رمضان من عطف العام على الخاص.
وقوله: (وَاجِباً، وَمُبَاحاً، وَحَرَاماً) تقسيم لقوله: (عَمْداً) أي: أن الفطر عمداً تارة يكون واجباً كفطر المريض والخاشي الهلاك والحائض، وتارة يكون مباحاً كالفطر في السفر، وقد يكون مندوباً كمن ظن من نفسه وهو مجاهد للعدو إن أفطر تحدث له قوة.
وأضرب عن هذا القسم استغناءً بذكر الواجب والمباح.
وقد يكون الفطر حراماً وهو واضح.
وقوله: (أَوْ نِسْيَاناً، أَوْ غَلَطاً) قسيمان لقوله: (عَمْداً) والغلط في التقدير هو ما تقدم في لوع الفجر وغروب الشمس، أو غلط في الحساب أول الشهر أو آخره.
وأُورد على المصنف أن ذكره الواجب ليس بجيد؛ لأن النذر المعين لا يقضي بالفطر الواجب عمداً كامرأة نذرت صوم شهر بعينه فحاضت فيه أو مرضت فإنها لا تقضي على المشهور.
وَلَوْ ذَكَرَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ قَضَاهُ، فَلْيُتِمَّ – أَشْهَبُ: إِنْ قَطَعَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ أي: إذا ظن أن عليه يوماً فأصبح صائماً ليقضيه ثم تبين له أنه كان قضاه، فقال ابن القاسم يجب عليه إتمامه.
ابن شلبون وابن أبي زيد: يريد: فإن أفطر فعليه قضاؤه، ويؤخذ الوجوب من كلام المصنف من وجهين: من الأمر، ومن مقابلته بقول أِهب: لا شيء عليه إن قطع.
واعترض عبد الحق على حمل ابن شلبون وأبي محمد فقال: يظهر لي أن ما قالاه لا يصح على قول املك.
وقد رأيت في المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك فيمن جعل على نفسه صيام يوم الخميس فصام يوم الأربعاء يظنه الخميس، فقال: أحب إليّ أن يتم صومه، ثم يصوم يوم

الخميس، وإن أفطر يوم الأربعاء فأراه من ذلك في سعة.
وهذا من قول مالك يشهد لقول أِهب؛ لأن ذلك اليوم إنما التزمه على الظن أنه عليه ولم [159/أ] يقصد صومه لنفسه، وإنما يستحب له أن يتمادى، فأما كونه أن يقضيه إن أفطر فبعيد.
انتهى.
وشبه أشهب ذلك بمن ذكر العصر فصلى منها ركعة ثم ذكر أنه صلاها فليشفعها بأخرى.
وليس كمن قصد التنفل بعد العصر، وإن قطع فلا شيء عليه، وأُجيب بوجهين: أحدهما: لعل ابن القاسم لا يسلم الحكم في الفرع المشبه به.
ثانيهما: أنه في الصوم لم يعتبر فعله؛ وإنما المعتبر عقده بخلاف الصلاة، فإن المعتبر فيها العقد والفعل، وفيه نظر.
خليل: وأحسن من هذا أن يقال: لو أبطل الصوم لزمه إبطال العمل بالكلية، بخلاف الصلاة فإن إذا خرج عن نافلة لا يبطل العمل بالكلية.
ولعلهم إنما قالوا: إذا قطع فلا شيء عليه لكونه لا يتنفل بعد العصر.
وَفِي الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ بِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ- ثَالِثُهَا: يَقْضِي فِي النِّسْيَانِ، وَرَابِعُهَا: يَقْضِي إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَوْمِ فَضِيلَةٌ، وَالْمَشْهُورُ لا يَقْضِي.
أي: وفي قضاء (الْوَاجِبِ الْمُعَيِّنِ)، يريد: غير رمضان إذا كان الفطر لعذر كمرض أو نسيان أو حيض أربعة أقوال: الأول لمالك في المبسوط: وجوب القضاء إذا مرض، وقيس عليه الناسي.
الثاني: سقوط القضاء، لأن الملتزم شيء معين وقد فات، وهو المشهور.
الثالث لابن القاسم، يقضي في النسيان دون ما عداه؛ لأنه في النسيان كالمفطر.
الرابع لابن الماجشون الفرق بين الأيام التي يقصد فضلها كعرفة وعاشوراء فلا يجب؛ لأن المراد عينها، وبين غيرها فيجب، أما لو أفطر لسفر لوجب عليه القضاء اتفاقاً، نقله ابن هارون.

وَيَجِبُ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحرَامِ خَاصَّةً تقدمت نظائر هذه المسألة في الصلاة.
فرع: ومن الواضحة قال ابن حبيب: لا ينبغي للصائم أن يفطر لعزيمة أو غيرها.
وقد سئل عن ذلك ابن عمر فقال: ذلك الذي يلعب بصيامه.
وسئل عن ذلك مالك فشدد القول فيه، ولقد قال لي مطرّف في الصائم في غير رمضان يحل بالرجل في منزله فيعزم عليه أن يفطر عنده، قال: لا يقبل ذلك، وليعزم على نفسه ألا يفعل، وإن حلف عليه بالطلاق أو بالمشيء أو بعتق رقبة حنثه ولم يفطر، إلا أن يكون لذلك وجه.
وكذلك لو حلف عليه بالله حنثه ولم يفطر وكفّر الحانث عن يمينه؛ لأن الصائم نفسه لو حلف بالله أن يفطر لرأيت ان لا يفطر وأن يكفر، إلا الوالد والوالدة فإني أحب له أن يطيعهما وإن لم يحلفا عليه، إذا كان ذلك على وجه الرأفة منها عليه لإدامة الصوم وما أشبه ذلك.
وقال لي مطرف: وسمعت مالكاً يقوله فيمن يكثر الصوم أو يسرده وأمرته أمه بالفطر.
قال مالك: وقد أخبرت عن رجال من أهل العلم أمرتهم أمهاتهم بالفطر ففعلوا ذلك وافطروا.
انتهى.
ابن غلاب: وحرمة شيخه كحرمة الوالدين لعقده على نفسه ألا يخالفه، وأن لا يفعل شيئاً إلا بأمره، فصارت طاعته فرضاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 91] انتهى.
فإن قيل: لما لم تجيزوا للمتطوع الفطر ابتداءً؟ وما جوابكم عن حديث أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بشراب ثم ناولها فشربت فقالت يا رسول الله: أما إني كنت صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أمين على نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".

قيل: إنما لم يجز له ذلك لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1ٍ] ولقوله عز وجل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]، ولما في الموطأ وغيره، أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدى لهما طعام فأفطرتا عليه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة يا رسول الله: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه.
فقال: "اقضيا مكانه يوماً آخر".
ولو كان الفطر جائزاً لم يلزمهما القضاء؛ ولأن العمل على ما قلناه، ألا ترى أن قول ابن عمر: ذلك الذي يلعب بصيامه؟ وأما الجواب عن الحديث فقد قال الترمذي: إن في سنده مقالاً.
ولو صح فهو مرجوح بما ذكرناه.
وَفِي قَضَاءِ الْقَضَاءِ مَعَهُ قَوْلانِ أي: أي من لزمه قضاء يوم فأفطر في القضاء فهل يجب عليه قضاء يومين؟ لأنه أفسدهما؛ ولأنه لما دخل في القضاء وجب عليه إتمامه، ألا ترى أنه لو تبين ألا قضاء عليه لزمه التمادي عند ابن القاسم كما تقدم؟ أو إنما يجب عليه قضاء اليوم الأول لأنه الواجب في الأصل والقضاء ليس مقصوداً لذاته؟ وظاهر كلام المصنف أن هذا الفرع مخصوص بالتطوع؛ لأن ما قبله وما بعده إنما هو فيه، لكن القولين جاريين في الفرض والنفل نقلهما صاحب تهذيب الطالب وابن يونس.
والعجب من قول ابن عبد السلام بعد كلام ابن يونس: وفيه نظر؛ لأن ما نقله في هذه المسألة إنما هو في النوادر، وليس فيها إلا الخلاف في النفل؛ لأن حاصله توهيم ابن يونس وليس بجيد، فإنه الثابت عند جماعة من الشيوخ، وقد عزا [159/ب] القولين ووجههما وقد حكاهما في البيان.
وصاحب النوادر وإن لم يذكر في كتاب الصوم القولين في قضاء قضاء الواجب، فقد ذكرهما في كتاب الحج الثاني.

وقد عين المصنف المشهور في هذه المسألة في كتاب الحج فقال: المشهور ألا قضاء في قضاء رمضان.
وَلَوْ أَكَلَ نَاسِياً حَرُمَ عَلَيْهِ الأَكْلُ ثَانِياً، وَفِي الْعَمْدَ قَوْلانِ أي: أن المتطوع إذا أفطر ناسياً لم يفسد صومه فذلك يحرم عليه الفطر، وأما إن أفطر في تطوعه عامداً فاختلف هل يجوز له التمادي؛ لأن الصوم قد فسد؟ ولا حرمة للزمان كرمضان.
أو يمنع معاملةٌ له بنقيض مقصوده؟ فرع: وكالنسيان في سقوط القضاء المرض والإكراه وشدة الجوع والعطش والحر الذي يخاف منه تجدد مرض أو زيادته.
وفي السفر روايتان: أحدهما، أنه عذر يسقط القضاء، رواها ابن حبيب.
والثانية مذهب المدونة أنه ليس بعذر، ومن أفطر فالقضاء، ولذلك أوجب فيها القضاء على من تطوع بالصوم في السفر ثم أفطر، وفي الجلاب رواية أخرى بسقوطه.
والله أعلم.
وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْفَوْرِ اتِّفَاقاً، فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى رَمَضَانَ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ عُذُرِ فَالْفِدْيَةُ اتِّفَاقاً ....... لا خلاف في عدم الوجوب قاله ابن عبد السلام، لكن المستحب التقديم، قاله أشهب.
واختلف في المؤكد من نافلة الصيام كعاشوراء، هل المستحب أن يقضي فيه رمضان ويكره أن يصومه تطوعاً؟ وهو قوله في العتبية، أو المستحب أن يصومه تطوعاً؟ وهو قوله في سماع ابن وهب، أو هو مخير؟ ثلاثة أقوال، حكاها في البيان.
أما ما دون ذلك من تطوع الصيام فالمنصوص كراهة فعله قبل القضاء.
ابن عطاء الله: والفرق بين قضاء رمضان وبين الصلاة المؤقتة؛ فإنه لا يكره له قبل الفريضة إذا كان وقتها متسعاً.
ويكره أن يتطوع بالحج قبل الفريضة، وبالصيام قبل القضاء؛ أن

الحج على الفور.
وأن القضاء قد ترتب في الذمة، والصلاة لا قائل بأنها على الفور ولم تترتب في الذمة بعد.
ألا ترى أنه لو مات قبل أن يصلي لا يعصي.
واستحب مالك في المدونة تتابع القضاء، وبقية كلامه ظاهر.
فَلَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ عِنْدَ تَعْيِينِ الْقَضَاءِ فَفِي الْفِدْيَةِ قَوْلانِ أي: لو لم يبق لمرضان.
إلا قدر ما عليه فمرض أو سافر حينئذ وهو مراده بقوله: (تَعْيِينِ الْقَضَاءِ).
والقولان مبنيان على أنه هل يعد هذا تفريطاً أم لا؟ قال في التنبيهات: واختلف في صفة المفرط الذي تلزمه الفدية على مذهب الكتاب، فذهب أكثر الشارحين إلى أنه إنما تلزمه إذا أمكنه ذلك في شعبان قبل دخول رمضان، فلم يفعله، فمتى سافر فيه أو مرضه أو بعضه فلا تلزمه فدية فيما سافر فيه أو مرضه، ولو كان فيما قبل من الشهور صحيحاً مقيماً، وهو مذهب البغداديين وأكثر القرويين في تأويل الكتاب.
وهو معنى ما قال مالك في المبسوط.
وهذب بعضهم إلى مراعاة ذلك في شهر شوال بعد رمضان الذي أفطره، فمتى مضت عليه أيام عدد ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصم حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية، ولو كان في بقية العام لا يقدر على الصوم.
وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب لقوله في المسألة: إذا صحَّ شهراً [أو أقام في أهله شهراً] أو أوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مبدأ، ولا يبدأ إلا الواجبات، وبدأه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب، فجعله أوجب منه، فلولا أنه يجب بخروج شوال لكان قد أوصى بما لا يجب عليه وكان كسائر الوصايا التي لا تبدأ.
انتهى.
وعلى هذا فكان الأولى أن يقول: فلو مرض أو سافر بعد مضي أيام يمكنه فيها القضاء، والله أعلم.

وَفِيهَا: وَلَوْ تَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ أَوِ السَّفْرُ فَلا إِطْعَامَ هذا ظاهر لا خلاف فيه، وهو قسيم قوله أولاً: فإن أخره إلى رمضان ثان من غير عذر.
فرع: قال سند: إذا أمكنه القضاء فلم يقضيه حتى مات، فالمذهب أنه لا إطعام عليه في ذلك، وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي: عليه الإطعام.
ابن راشد: وانظر قوله: والمذهب أن لا إطعام، فهو موافق لما حكامه العراقيون.
وفي التبصرة: إذا صح شهراً قبل شعبان أو أقامه عند قدومه فلم يصمه حتى مات كان عليه الإطعام عند مالك.
فهو خلاف ما قاله سند.
وهِيَ: مُدٌّ بِمُدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه هو الذي عليه جمهور أصحابنا وقال أشهب: يطعم في غير المدينة ومكة مداً ونصفاً، هو قدر شبع أهل مصر.
الباجي: وإنما ذلك منه على جهة الاستحباب.
ابن عطاء الله: ويحمل أن يكون منه على جهة الوجوب.
وَلا يُجْزِئُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ لِمِسْكِينٍ أي: أنه لا يجوز لمن على كفارات أيام، دفع أكثر من مد لمسكين واحد، ولا خلاف ي المذهب في ذلك، وخالف الشافعي في ذلك.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر.
قال: وهو الظاهر إذا فرعنا على مذهبنا جواز إعطاء مسكين مدّين [160/أ] من عامين أو مدّين متغايري النسبة، وإن كان سببهما يوماً واحداً كالحامل مثلاً إذا أفطرت يوماً من رمضان ولم تقضه حتى دخل رمضان ثان، وكالمفطر متعمداً وترك قضائه إلى دخول رمضان ثان.

خليل: وقد يقال: بل الظاهر أنه مكروه قياساً على ما قاله في المدونة، ونقله المصنف في باب الظهار.
وهو قوله: وإذ كفر عن يمين ثانية ولم يجد إلا مساكين الأولى، ففيها لا يعجبني أنه يطعمهم كانت مثلها أو مخالفتها كالظاهر واليمين بالله إلا أن تحدث الثانية بعد التكفير.
وَفِي وَقْتِهَا قَوْلانِ، عِنْدَ الْقَضَاءِ، الثَّانِي، أَوْ بَعْدَهُ وَعِنْدَ التَّعَذُّرِ أي: اختلف في الوقت الذي تجب فيه الكفارة على قولين: أحدهما أنه عندما يأخذ في القضاء أو بعده وهو مذهب الكتاب ليتفق الجابر النسكي والمالي.
ابن حبيب: والمستحب فيه كلما صام يوماً أطعم مسكيناً، ومن قدّم الإطعام أو آخّره.
أو فرّقه أو جمعه أجزاه.
ووسع في المدونة في الإطعام إذا أخذ في القضاء في أوله أو أخره، وظاهره التخيير؛ وانظر هل هو موافق لقول ابن حبيب أم لا؟ ومعنى قوله: (الْقَضَاءِ، الثَّانِي) أي زمان القضاء الثاني؛ وذلك لأنه أضاف القضاء في الزمان الذي يقضي فيه إلى رمضان ثان، وترتبت بسبب ذلك الفدية فالزمان يقضي فيه بعد رمضان الثاني، هـ ومراده بقوله: (الثَّانِي) فالثاني صفة لمحذوف لا القضاء؛ إذ ليس ثم قضاء أول حتى يكون قضاء ثان، والقول الثاني لأشهب تعذر القضاء، فإذا مضى له يوم من شعبان أطعم عنه مداً.
تنبيه: قال أشهب في المجموعة: ومن عجّل كفارة التفريط قبل دخول رمضان الثاني ثم لم يصم حتى دخل الثاني لم يجزه ما كفّر قبل وجوبه، فإن كان عليه عشرون يوماً فلمّا بقى لرمضان الثاني عشرة أيام كفر عن عشرين يوماً لم يجزه منها إلا عشرة، وشبهه اشهب بالمتمتع يصوم قبل الإحرام بالحج.

ابن عطاء الله: وهو بيّن؛ لأنه إخراج الشيء قبل وجوبه وقبل جريان سبب وجوبه.
انتهى.
وفي الجلاب: إذا قدّمه قبل القضاء أو أخره أجزأه، والاختيار أن يطعم مع القضاء.
فرع: إذا مات، فإن أوصى بالفدية كانت في الثلث مقدمة على سائر الوصايا التي تبرع بها عتقاً أو غيره، وإن لم يوص لم يلزم الورثة، وذكر أبو الفرج في حاويه رواية بأنه يكفر عنه في الثلث، وإن لم يوص، قال في النوادر: وهي مخالفة لأصل مالك.
وَلَوِ اِجْتَمَعَ نَحْوَ صَوْمِ التَّمَتُّعِ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ بُدِئَ بِالتَّمَتُّعِ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: لو وجب عليه قضاء صيام رمضان مع صيام الهدي، وهو مراده بنحو صوم التمتع ولم يقرب رمضان الثاني حتى يضيق ما بقي من الأيام عن عدد الهدي وأيام القضاء، وهو مراده بقوله: (وَلَمْ يَتَعَيَّنْ)، فإن المشهور أنه يبدأ بأيام الهدي.
قال بعضهم: لأنه لما صام ثلاثة أيام في الحج فلو أتى بصيام القضاء قبل صوم التمتع وقعت التفرقة في صوم التمتع من غير ضرورة؛ وهذا أبين إذا صام الثلاثة في الحج، ومنهم من علل بعلة عامة تدل على قوة علم مالك بالأصول وهي أنه لما كان قضاء رمضان واجباً موسعاً، وصوم الهدي في قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) [البقرة: 196] واجباً مضيقاً، فإذا تعارض الموسع والمضيق كان تقديم المضيق أولى.
ومقابل المشهور من كلامه يحتمل أن يردي به التخيير.
ونقله اللخمي عن أشهب، ويحتمل أن يريد به تقديم القضاء لنهي دل على ما هو آكد منه، وقد ذكره ابن بشير.
بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَعَيَّنَ أي: فإنه يبدأ بالقضاء اتفاقاً؛ لأن تأخير القضاء يوجب الفدية، وتأخير صيام التمتع لا يوجب شيئاً.

وَكُلُّ زَمَنٍ يُخَيِّرُ فِي صُوْمِهِ وَفُطْرَهِ وَلَيْسَ بِرَمَضَانَ فَمَحَلٌّ لِلْقَضَاءِ مراده بالتخيير صحة الصوم والفطر شرعاً لا التخيير الذي يقتضي التساوي؛ لأن التطوع مندوب.
واحترز بقوله: (وَلَيْسَ برَمَضَانَ).
من المسافر في رمضان، فإنه زمان يخير في صومه وفطره بالنسبة إليه، لكن لا يصح أن يقضي فيه؛ لأن رمضان لا يقبل غيره.
بِخِلافِ الْعِيدَيْنِ أي: أنه لا يصح صومهما، فلا يقضي فيهما وهو زيادة إيضاح.
وَأَمَّا الأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: فَثَالِثُهَا: يُصَامُ الثَّالِثُ دُونَهُمَا أي: اختلف هل يقضي رمضان في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر؟ فقيل: يقضي فيها.
وقيل: لا، وهو المشهور، وقيل: يقضي في الثالث دون الأولين.
ومقتضى كلامه أن الأقوال الثلاثة فيا لجواز ابتداء.
واللخمي إنما نقلها في الأجزاء، وهو مقتضى تعليل ابن عطاء الله، فإنه قال: منشأ الخلاف النهي الوارد عن صيامها هل هو التحريم أو على الكراهة؟ أو يفرق؟ لأن الثالث لما كان للحاج أن يتعجل فيه صار كأنه من غير أيام التشريق.
وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَهَا تَعْيِيناً أَوْ تَبَعاً أي: أن هذه الأقوال موجودة في ناذر صوم أيام التشريق، سواء نذرها تعيناً بأن يقول: لله علي أن أصوم أيام التشريق.
أو تبعاً بأن ينذر سنة أو شهر ذي الحجة.
وحكى المصنف الخلاف مطلقاً.
ابن راشد: قال بعضهم: لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز صوم اليومين الأولين عن نذر معين أو غير معين، وحكى الباجي وابن عطاء الله أن أبا الفرج قال في الحاوي: ومن نذر اعتكاف أيام التشريق اعتكفها وصامها.
وهذا يصحح طريقة

المصنف، وللباجي طريقة ثالثة؛ لأنه قال: وأما آخر أيام التشريق فيصومه من نذره بلا خلاف، وأما من نذر صوم ذي الحجة، فقال ابن القاسم: يصومه.
وقال ابن الماجشون: أحبُّ إلي أن يفطر ويقضيه، ولا أوجبه.
وأما من نذر صوم عام معين، ففي المختصر لمالك لا يصوم الرابع.
وفي المدونة ما يدل على أنه يصومه.
انتهى.
وانظر: لمّ ألزم هنا بالنذر في الأيام الثلاثة على أحد الأقوال مع أن القاعدة: أن النذر لا يلزم في المكروه؟ وهذا السؤال وارد على المشهور الذي ألزمه اليوم الثالث بالنذر مع أن صيامه مكروه.
ويمكن أن يجاب عن المشهور بأن في صوم هذا اليوم جهتين: إحداهما أنه يوم ليس هو يوم عيد ولا يوم نحر عند مالك ولا يرمي المتعجل فيه الجمار.
وهذا الجهة تضعف أن يكون من أيام التشريق التي ورد النهي عن صيامها.
والثانية: أنه يوم ذبح عند بعضهم، ويطلق عليه اسم أيام التشريق، ويرمي فيه من لم يتعجل.
وهو من هذه الجهة، يشمله عموم النهي عن صيام أيام التشريق فغلبنا الجهة الأولى لما أن اقتضى النذر وجوب صيامه إما تعيناً أو تبعاً لأن الوجوب مرجح على شائبة الكراهة احتياطاً لبراءة الذمة، ولما لم يعارض الكراهة ما هو أقوى منها غلبنا عليه الشائبة الأخرى، فقلنا: لا يصام تطوعاً.
ولا يقال: إن اعتبار الجهتين من أصله باطل؛ لأن حديث زمعة دليل واضح على صحة القول به.
وَلَوْ نَوَى الْقَضَاءَ بِرَمَضَانِ عَنْ رَمَضَانَ – فَثَالِثُهَا: لا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالأَوَّلانِ تَحْتَمِلُهُمَا الْمُدَوَّنَةَ لأَنَّ فِيهَا: وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الآخرِ؛ فَجَاءَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِهَا .... تصور المسألة واضح والثلاثة الأقوال كلها لابن القاسم، والأولان لمالك.
فوجه القول بأنه يجزيه عن القضاء ما رواه البخاري ومسلم: من قول صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات وإنما للكل امرئ ما نوى".
ووجه عكسه كون رمضان لا يقبل غيره.
وأما

عدم إجزائه عن الأداء فلكونه لم ينوه.
ابن الجلاب: وهو الصحيح.
قال ابن رشد: وهو الصواب عند أهل النظر كلهم.
قوله: (وَالأَوَّلانِ تَحْتَمِلُهُمَا الْمُدَوَّنَةُ).
الاحتمال على رواية الفتح فقط.
وأما على رواية الكسر فلا تحتمل إلا الإجزاء عن رمضان الخارج.
ورجّح ابن رشد رواية الكسر؛ لأن المسألة وقعت صريحة في اختصار المبسوط عليها.
فروع: الأول: إذا بنينا على المختار عند الأكثر من عدم الإجزاء لهما فقال ابن المواز.
يكفّر عن الأول مُدَاً لكل يوم ويكفر عن الثاني بكفارة العمد في كل يوم.
أبو محمد: يريد: إلا أن يعذر يجهل أو تأويل؛ وقال أشهب: لا كفارة عليه؛ لأنه قد صامه ولم يفطره.
أبو محمد: وهو الصواب.
الثاني: لو نوى بصومه رمضان الداخل والخارج؛ فقال ابن حبيب: يجزئه عن الداخل، ولا يفسد صومه ما زاد فيها مما لا يجوز له من نية القضاء.
وروى أشهب أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
قال في البيان: وهو بعيد.
خليل: وقد يقال: هو الظاهر؛ لأنه قصد أن يكون بعض اليوم أداء وبعضه قضاء، ومثله غير واقع.
الثالث: إذ كان في سفر في رمضان فنوى برمضان قضاء رمضان آخر فقال ابن القاسم: لا يجزئه.
وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه، وهو أخفّ من الحضر لجواز الفطر له.
فَلَوْ صَامَ رَمَضَانَ عَنْ نذره وفريضته فَالْمَنْصُوصُ لا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وخَرَّجَهُمَا اللَّخْمِيُّ عَلَى الأُولَى .... أي: لو كان عليه نذر فصام رمضان أو بعضه عن نذره لم يجزه ذلك لا عن نذره ولا عن رمضان عن المنصوص، وخرّج اللخمي فيها القولين الأولين، ابن بشير: لعل ذلك لا يجزئ لبعد ما بين [الوجهين] بخلاف ما إذا قصد ما هو من جنس واحد.

وَفِيهَا: وَمَنْ نَوَى نَذْرَهُ وَحَجَّةُ الْفَرِيضَةِ أُجْزَأَهُ لِنَذْرِهِ فَقَطْ وهذه المسألة ذكرها المصنف في النذور، وذكر فيها أربعة أقوال: ولعله أتى بها ها هنا إشارة إلى طلب الفرق بينها وبين التي قبلها.
ويمكن أن يفرق بينهما بأن رمضان لا يقبل غيره.
فلذلك لا يجزئ عن القضاء الذي نواه، بخلاف الحج، فإن الزمان لا يتعين لحجة والفريضة.
وَلا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ كلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ هذا ظاهر، ونص مالك وابن القاسم [161/أ] وأشهب على الاستحباب.
قال أشهب: كل ما لم يذكر الله سبحانه التتابع فيه، فإن فرقه أجزأه وبئس ماصنع.
وَيَجِبُ الْعَدَدُ، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَصُومَ شَهْراً مُتَتَابِعاً، وَيَكُونُ أَكْمَلَ، فَيَجِبُ إِكْمَالُهُ يعني: أن المشهور وجوب قضاء ما أفطر مطلقاً صام في أول الشهر أو أثنائه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وروى ابن وهب إن صام بغير الهلال فكذلك، وإن صام بالهلال أجزأه ذلك الشهر سواء اتفقت أيامهما أو كان عدد القضاء أكمل أو أنقص.
هكذا نقل صاحب النوادر وغيره.
وكلام المصنف يقتضي أنه إذا كان رمضان تسعة وعشرين فصام شهراً فكان ثلاثين، وجب عليه إتمامه، وهو لا يدل على العكس، لاحتمال أن يقال: إذا كان رمضان أكمل يجب أن يكون القضاء كذلك، ويفرق بالاحتياط والنقل كما تقدم.
وَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أي: أن الكفارة من خصائص رمضان؛ إما لأن القياس لا يدخل باب الكفارات أو يدخله ولكن حرمة رمضان زائدة على حرمة غيره فلا يتحقق الجامع، هذا هو المشهور،

وقال ابن حبيب: إذا نذر صوم الدهر ثم أكل متعمداً فعليه كفارة من أكل في رمضان.
قال: لأنه لا يجد له يوماً يقضيه إلا وصومه عليه واجب، كما لا يجد المفطر في رمضان يوماً فارغاً.
وكذلك قال ابن الماجشون.
قال فضل: ذكر ابن الماجشون في ديوانه الكفارة مجملة ولم ينص فيه على ما نص ابن حبيب من كفارة المفطر في رمضان، والذي يعرف لابن كنانة وغيره من أصحابنا أنه يكفر بمد عن اليوم الذي أفطر فيه.
انتهى.
وقال الشيخ الحافظ أبي الحسن بن المفضل بن علي المقدسي المالكي في كتاب بيان أحكام التطوع بالصيام في الشهور والأعوام من تأليفه فيما إذا نذر صوم الدهر ثم أفطر يوماً متعمداً قال: كافة الناس لا شيء عليه، وليستغفر الله.
وقال ابن نافع وعبد الملك: عليه الكفارة.
قال: هذا ما ذكره ابن العربي عنهما، وأما ابن الماجشون فقد نقل عنه غير واحد أنه قال: عليه كفارة المفطر في رمضان.
وأما ابن نافع فلم أجد عنه في ذلك نقلاً، وأما سحنون فإنه قال: عليه إطعام مسكين.
وَتَجِبُ بإِيلاجِ الْحَشَفَةِ، وَبِالْْمَنِيِّ، وَبِمَا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ مِنْ الْفَمِ خَاصَّةً، وبالإصْبَاحِ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ، وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَهُ عَلَى الأَصَحِّ .... أي: وتجب الكفارة بإيلاج الحشفة وإن لم يكن إنزال، يريد وكذلك مثلها من مقطوعها، وبالمني ولو بالقبلة وما في معناها، وبما يصل إلى الحلق من الفم.
واحترز بقوله: (خَاصَّةً) من قول أبي مصعب، وسيأتي.
وقوله: (وَبالإِصْبَاحِ بنِيَّةِ الْفِطْرِ)، وهو مذهب المدونة، وهو الصحيح، وروى أبو الفرج عن مالك: لا كفارة على من بيت الفطر ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، قال بعض الشيوخ: وهذا الخلاف يجب أن يكون إذا نوى في أثناء الشهر، وأما لو نوى الفطر

في أول ليلة لوجب أن يكفر باتفاق؛ لأنه لم ينو الصيام ولم يزل عنه حكم الكفارة على المذهب نية الصوم بعد ذلك.
ولو قال: على الصحيح، لكان أولى من قوله: (عَلَى الأَصَحَّ)، ومفهوم كلام المصنف: ولو نوى الصوم بعده؛ أنه لو لم ينو وجبت الكفارة من غير إشكال، وهو كذلك؛ لكنه ليس متفقاً عليه، فإن أبا الفرج نقل فيه رواية بالسقوط، وبه قال أِهب على ما فهمه بعض الشيوخ من كلامه في المدونة.
ولنذكر ذلك ليتبين لك ذلك، قال فيها: قال مالك: ومن أصبح ينوي الفطر في رمضان فلم يأكل ولم يشرب حتى غابت الشمس أو مضى أكثر النهار فعليه القضاء والكفارة، قيل لابن القاسم: فإن نوى الفطر في رمضان إلا أنه لم يأكل ولم يشرب؟ قال: لا أدري هل أوجب مالك عليه مع القضاء الكفارة أم لا؟ وأحب إلي أن يكفر مع القضاء، ولو أصبح ينوي الفطر في رمضان ولم يأكل ولم يشرب ثم نوى الصيام قبل طلوع الشمس وترك الأكل وأتم صومه لم يجزه صوم ذلك اليوم.
وبلغني عن مالك أن عليه القضاء والكفارة وهو رأيي.
قال أِهب: عليه القضاء ولا كفارة عليه.
انتهى.
واختلف الشيوخ هل خلاف شهبٍ خاصٍ بالأخيرة أو هو عائد على الثلاث.
وَبِرَفْعِ النِّيَّةِ نَهَاراً عَلَى الأَصَحِّ بناء على أن الصوم يرتفع.
وهذه المسألة هي المسألة الثانية من مسائل المدونة المتقدمة آنفاً.
ذَاكِراً مُنْتَهِكاً حُرْمَةَ رَمَضانِ فَلا كَفَّارَةَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَالإِكْرَاهِ، وَالْغَلَبَةِ، وَقِيِلَ: إِلا فِي نِسْيَانِهِ الْجِمَاعَ وَإِكْرَاهِهِ .. ليس قوله: (ذَاكِراً مُنْتَهِكاً).
مختصاً برفع النية، بل هو راجع إليه وإلى ما تقدم، وأخرج بالذاكر، الناسي.
وبالمنتهك، المتأول والمكره.

ولما كان قوله: (فَلا كَفَّارَةَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَالإِكْرَاهِ) نتيجة الكلام الأول، عطفه بالفاء الدالة على [161/ب] السببية.
ومراد المصنف بالغلبة: من يغلب على الصيام ولا يقدر عليه بمرض أو نحوه.
ويحتمل أن يريد بالغلبة ما يدخل عليه غلبة كالذباب والمضمضة ونحوهما.
ويحتمل أن يريدهما معاً.
وقوله: (وَقِيلَ) ... إلى آخره، يعني أن المشهور سقوطا لكفارة عن الناسي في رمضان لعدم انتهاكه، والقول الثاني لابن الماجشون وهو مروي عن مالك وجوبهما لترك الاستفصال في قضية المجامع لقوله: واقعت أهلي في رمضان.
وأجيب: بأن قرينة الحال من ضرب الصدور ونتف الشعر يبين كون الوقاع عمداً.
فإن قلت: ما حكاه المصنف من الخلاف في الإكراه، إما أن يريد به المرأة المكرهة أو الرجل المكره لها.
فإن أراد الأول ففيه نظر.
فإنا لا نعلم من قال بالوجوب في حقّها مع يسر الزوج.
وإن أراد الثاني فسيقول: والمشهور وجوبها على المكره؛ فيصير تشهيره هنا مخالفاً لما سيشهره.
فالجواب أنه لا يريد لا هذا ولا هذا، بل يريد أن الرجل المكره لا تجب عليه الكفارة على المشهور، قال في التنبيهات: واختلف في الرجل المكره على الوطء، فقيل: عليه الكفارة، وهو قول عبد الملك.
وأكثر أصحابنا، أنه لا كفارة عليه، ولا خلاف أن عليه القضاء، والخلاف في حده، والأكثر إيجاب الحد عليه.
وَفِي نَحْوِ التُّرَابِ وَفَلْقَةِ الطَّعَامِ عَلَى تَفْرِيعِ الإِفْطَارِ قَوْلانِ قد تقدم هذا بما فيه كفاية.
فائدة: قال اللخمي: الجاهل كالمتأول في إسقاط الكفارة على المعروف من المذهب؛ لأنه لم يقصد انتهاك حرمة الصوم.
قال: وجعله ابن حبيب كالعالم.

وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُهَا عَلَى الْمُكْرِهِ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ عَنِ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرَهِمَا إِذَا أَكْرَهَهُنَّ ..... لا خلاف في وجوب الكفارة على المكره المذكور عن نفسه، والمشهور أنه تجب عليه أخرى عن المكرهة، وقال ابن عبد الحكم وسحنون ورواه ابن نافع عن مالك لا يلزمه عنها شيء وصحح؛ لأن وجوبها عليه فرع وجوبها عليها، وهي لا تجب عليها، وعلى المشهور فهل هي واجبة عليه بالأصالة؛ لأنه أفسد صومين؟ أو بالنيابة؟ المشهور، الثاني؛ فلذلك لا يكفر إلا بما يجزيها في التفكير، فلو كانت أمة لم يصح له التكفير بالعتق، إذ لا ولاء لها، نص عليه صاحب النكت وغيره.
ولا يكفر عنها بصوم؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة.
ابن عطاء الله: وعليه يخرج قول المغيرة.
وفي المجموعة: أنه إذا أكره زوجته ثم كفر عنها بعتق أن الولاء يكون لها وعليه، فإن أعسر كفرت عن نفسها، فإذا أيسر رجعت عليه إلا أن تكفر بالصوم.
عبد الحق عن بعض شيوخه: وترجع بالأقل من مكيلة الطعام أو الثمن الذي اشترته به، أو قيمة الرقبة، أي ذلك أقل رجعت به.
وعلى القول بالأصالة يجوز له أن يكفر بالعتق، ويكون الا لولاء له.
وعورضت هذه المسألة بمن أكره شخصاً وصبّ في حلقه ماء فإنه نص في المدونة على أنه لا تجب عليه كفارة.
نعم أوجبها ابن حبيب، وقد يفرق بينهما بأن المكره لزوجته أو أمته حصلت له لذة فناسب أن تجب عليه عنهما، وأما من صب في حلق إنسان ماء فلم يحصل له شيء.
ويؤيده أنه لو أكره غيره على أن يجامع لم تكن عليه كفارة عند الأكثر كما تقدم.
وفي مسائل القاضي إسماعيل عن مالك في قوله: لا غسل على المكرهة إلا أن تلتذ ولا عن النائمة.
ابن القصار: فتبين بهذا أنها لا تكون مفطرة.
يريد لا قضاء عليها، وهو خلاف المعروف عندنا.
ونقل ابن راشد عن ابن حبيب أنه قال: إذا جامع زوجته نائمة عليها الكفارة.
واختلف في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا، فقال ابن القابسي وابن شبلون: يكفر عن نفسه فقط، وعليهما القضاء.

وقال الشيخ أبو محمد وحمديس: يكفر عنها.
وكل أول المدونة على ما ذهب إليه، ورجح مذهب ابن أبي زيد، لأن الانتهاك من الرجل حاصل فيهما.
ومفهوم قوله: (إِذَا أَكْرَهَهُنَّ) أن الأمة يتصور في حقها الطوع والإكراه كالحرة.
والذي في النوادر: قال بعض أصحابنا: إن وطئ أمته كفَّر عنها وإن طاوعته، لأن طوعها كالإكراه للرق؛ ولذلك لا تحد المستحقة، وإن كانت تعلم أن واطئها غير المالك.
ابن يونس: إلا أن تطلبه هي بذلك، فتلزمها الكفارة، وتحد المستحقة إن لمتعذر بجهل.
انتهى.
وينبغي أن يلحق بالسؤال ما إذا تزينت، ولم أر في كتب الأصحاب خلاف ما نقله الشيخ أبو محمد.
فرع: ويكفر العبد والأمة بالصيام إلا أن يضر ذلك بالسيد، فيبقى ديناً عليهما، إلا أن يأذن لهما السيد في الإطعام، وإن أكره العبد زوجته فقال ابن شعبان: هي جناية إن شاء السيد أسلمه أو افتكه بأقل القيمتين من الرقبة أو الإطعام، وليس لها أن تأخذ ذلك وتكفر بالصيام؛ إذ لا ثمن له.
ابن محرز: ومعنى قول ابن شعبان: من الرقبة أي التي يكفر [162/أ] بها، لا رقبة العبد الجاني وهو خلاف ما حكاه أبو محمد في نوادره، وهو أِبه بالأصول مما حكاه أبو محمد.
ويحتمل عندي أن يفديه السيد بالأكثر من الأمرين؛ لأن المرأة مخيرة فيما تكفر به.
وهذا الوجه أقوى عندي من الأول؛ لأنه لاحظ ي الأول كون المكفر إنما يكفر بأخف الكفارات لا بأثقلها.
انتهى معناه.
خليل: وقوله خلاف ما حكاه أبو محمد إلى آخره، يريد لأن في عبارة الشيخ أبي محمد: يفديه بالأقل من ذلك أو من رقبته؛ فهذا يقضي قيمة العبد وليس حكم الجناية المتعلقة برقبة العبد هكذا بل يفتكه بأرش الجناية أو يسلمه، وعلى هذا ففي نقل أبي محمد نظر فاعلمه.

وَفِي مُكْرَهِ جِمَاعِ الرَّجُلِ قَوْلانِ يعني: اختلف في المكره غيره على أن يجامع، هل تجب على فاعل الإكراه كفارة أم لا؟ والأقرب السقوط؛ لأنه متسبب والمكره مباشر.
وَلا كَفَّارَةَ فِيمَا يَصِلُ مِنْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ حُقْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ فِي الأَنْفِ وَالأُذُن بَعِيدٌ .... هذا كما قال ابن بشير وغيره: أنه لا خلاف في سقوط الكفارة فيما يصل إلى المعدة من غير الفم إلى ما قاله أبو مصعب فيما يصل من منفذ واسع واستبعد قوله بأن الكفارة معللة بالانتهاك، الذي هو أخص من العمد وهذا لا تتشوف النفوس إليه، وكأن أبا مصعب يراها معللة بالعمد ويرى هذا انتهاكاً.
اللخمي: وقول أبي مصعب في السعوط وتقطير الدهن في الأذن والحشفة إن وصل شيء من ذلك إلى الجوف فعليه القضاء والكفارة، وإن وصل من العين فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ يريد لأنها منفذ لطيف.
فَإِنَّ تَأَوَّلَ بِوَجْهٍ قَرِيبٍ كَمَنْ نَسِيَ فَظَنَّ الْبُطْلانِ فَأَفْطَرَ ثَانِياً، وَكَمَنْ لَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَتْ فَظَنَّتْ الْبُطْلانَ فَأَفْطَرَتْ، وَكَمَنْ قَدِمَ لَيْلاً فَطَنَّ الْبُطْلانَ فَأَصْبَحَ مُفْطِراً، وكَالْرَّاعِي عَلَى أَمْيَالٍ فَيُفْطِرُ بِظَنِّ السَّفَرِ، قَالَ اِبْنُ الْقَاسِمِ: كُلَّ مَا رَأَّيْتُهُ يسْأَلُ عَنْهُ وَلَهُ تَاوِيلُهُ، قَالَ: فَلا كَفَّارَةَ، إِلا الْمُفْطِرَةَ عَلَى أَنَّهَا تَحِيضُ فَتُفْطِرُ ثُمَّ تَحِيضُ، وَالْمُفْطِرَ عَلَى أَنَّهُ يَوْمَ الْحِمَى فَيُفْطِرُ يَحَمُّ، وَفِيهَا: وَفِي الْوَجْهِ الْبَعِيدِ مِثْلُهُمَا: قَوْلانِ – كَمَنْ رَآهُ وَلَمْ يُقْبَلْ.
أي: فإن تأول المفطر فلا يخلو إما أن يكون تأويله قريباً أو لا؟ فإن كان قريباً أي مستنداً ولسبب موجود، لم تلزم الكفارة لما تقدم أنها معللة بالانتهاك وهو معدوم هنا.

وإن كان بعيداً أي لم يستند إلى سبب موجود لم تسقط الكفارة.
ومثل القريب بأربع مسائل.
والبعيد بثلاث، وكلها في المدونة.
كما ذكر المسألة الأولى من الأربع، من أفطر ناسياً ثم أفطر بعد ذلك متعمداً معتقداً أن التمادي لا يجب عليه.
ولم يذكر فيها خلافاً.
وفيها ثلاثة أقوال، المشهور منها ما ذكره، وبه قال أشهب، والثاني لعبد الملك وجوبها.
والثالث: الفرق لابن حبيب بين أن يفطر ثانياً بأكل أو شرب فتسقط، وبين أن يكون بجماع فتجب.
أما إن أفطر مع علمه بأن الفطر لا يجوز له، فعليه الكفارة.
قال سند وابن عطاء الله: اتفاقاً، إلا عند عبد الوهاب قال: لأن أكله الثاني لم يصادف صوماً.
وصرح ابن الجلاب بأنه إذا قصد هتك الصيام والجرأة عليه، أن عليه الكفارة.
المسألة الثانية: من انقطع حيضها قبل الفجر ولم تغتسل حتى طلع الفجر، فظنت بطلان صومها فأفطرت، قال أِهب في المجموعة: وكذلك من أصبح جنباً فظن أن صومه فسد فأفطر لا كفارة عليه.
المسألة الثالثة: من قدم ليلاً من سفره مفطراً فظن أنه لا ينعقد له صوم في صبيحة تلك الليلة وتوهم أن من صحة انعقاد الصوم أن يقدم قبل غروب الشمس فأفطر.
المسألة الرابعة: الراعي يخرج لرعي ماشيته على أميال فظن أن مثل ذلك سفر مبيح للفطر.
وألحق ابن القاسم بهذه الأربعة من رأي هلال شوال نصف النهار فافطر، فأسقط عنه الكفارة لتأويله، ومن احتجم فظن الحجامة تفطر الصائم فأفطر.
وقال أصبغ: هو تأويل بعيد.
وألزم ابن حبيب فيه وفي المغتاب يفطر بعد ذلك الكفارة، وجعل في العتبية من القريب من تسحر قرب الفجر فظن أن ذلك اليوم لا يجزيه فأكل متأولاً فقال: لا كفارة عليه.

والاستثناء في قول ابن القاسم: إلا المفطرة، استثناء منقطع؛ لأن تأويلها وتأويل من ذكر المصنف بعد هذا لا يرفع الكفارة لبعده.
ومعنى المسألة: أن المرأة إذا جرت لهاعادة الحيض في يوم معين فتصبح فيه مفطرة قبل ظهور الحيض ثم تحيض باقي ذلك النهار.
وقوله: (وَالْمُفْطِرَ).
عطف على (الْمُفْطِرَةَ).أي من به حمَّي الربع فيصبح يوم حماه مفطراً، ثم يحم، وجعل ابن عبد الحكم تأويل الحائض وصاحب الحمى تأويلاً قريباً.
الصورة الثالثة مما مثل به المصنف، البعيد: من رأى هلال رمضان فأصبح مفطراً لكونه لم تقبل شهادته ظاناً أن حكم رمضان لا يتبعض في حق المكلفين.
[162/ب] وقد تقدم هذا الفرع وما فيه.
لكن في قوله: (وفي الْوَجْهِ الْبَعِيدِ)، نظر؛ لان مقتضاه أن القولين اتفقا على أنه بعيد، واختلف في وجوب الكفارة وليس كذلك بل من أسقط الكفارة رآه تأويلاً قريباً.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا إِطْعَامُ سِتَّيْنَ مِسْكِيناً مُدّاً مُدّاً كَإِطْعَامِ الظّهَارِ دُونَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَقِيلَ: عَلَى الأَوْلَى، وَقيِلَ: عَلَى التَّخْيِيرِ وَقِيلَ: عَلَى التَّرْتِيبِ كَالظِّهَارِ، وَقِيلَ: الْعِتْقُ أَوِ الصِّيَامُ لِلْجِمَاعِ والإِطْعَامُ لِغَيْرِهِ، وَفِيهَا: لا يَعْرِفُ مَالِكٌ إلا الإِطعَامِ لا عِتْقاً ولا صَوْماً ..... يعني: أنه اختلف في الكفارة الكبرى في رمضان هل هي مقصورة على الإطعام؟ أو هي على التخيير في الثلاثة، أو هي على الترتيب كالظهار، أو تتنوع؟ ومقتضى كلامه أن المشهور الحصر في الإطعام بدليل جعله الإطعام على سبيل الأولى مقابلاً له، وفيه نظر، فإن ذلك نص عليه غير واحد أن المعروف والمشهور من مذهبنا أنها على التخيير.
ولفظ ابن عطاء الله: المعروف من مذهبنا أنها على التخيير لكن الأولى الإطعام؛ لأنه أعم نفعاً.
ومنهم من علل استحباب الإطعام لكونه هو الوارد في الحديث.

واستحب مالك في كتاب ابن مزين البداية بالصوم ثم بالعتق، واستحب المغيرة البداية بالعتق، وقال ابن حبيب: العتق أحب إلي فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام هكذا نقل اللخمي، ونقل عياض عنه أنها عنده على الترتيب.
ونقل الباجي عن المتأخرين من الأصحاب أنهم يراعون في الفضل الأوقات والبلاد؛ فإن كانت أوقات شدة فالإطعام أفضل، وإن كانت أوقات خصب ورخاء فالعتق أفضل.
وقد أفتى الفقيه أبو إبراهيم من استفتاه في ذلك من أهل الغنى الواسع بالصيام لما علم من حاله أنه أشق عليه من العتق والإطعام، وأنه أردع له عن انتهاك حرمة رمضان.
وتبع المصنف في القول الأول ابن بشير، وليس بجيد.
والقول بأنها تتنوع لأبي مصعب، وهو ضعيف؛ لأن الحديث الذي هو أصل هذه الكفارات إنما كان في الجماع ووقع التكفير فيه بالإطعام.
وقوله: (كَإِطْعَامِ الظِّهَارِ) كجنس ما يطعم في الظهار، ويحتمل أن يريد بالتشبيه أنه لا يجزئ أقل من المد، وقد نصَّ صاحب اللباب عليه، وذكر أنه قول مالك والشافعي، وليس التشبيه في القدر، فإن هذه بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك بمد هشام على المشهور.
واحتج من قال بالترتيب بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت؛ فقال: ما لك؟ قال: واقعت أهلي وأنا صائم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ " قال: لا، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق من تمر فقال: "تصدق به" الحديث.

واحتج القائل بالتخيير بما في الموطأ قال: أمره النبي – صلى الله عليه وسلم – بعتق رقبة أو بصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً، مع أنه أقرب إلى البراءة الأصلية.
وعلى كل منهما اعتراض، أما على الأول فلأن قوله صلى الله عليه وسلم: (هل تجد)، وهل تجد لا تدل على الترتيب.
وأما على الثاني فلاحتمال أن تكون أو للتفصيل.
دلت الرواية الأخرى على أن المراد الترتيب، والأصح المشهور، فإن قوله: هل تستطيع؟ ليس فيه دليل على الترتيب، لا بالنص ولا بالظاهر، وقاله عياض.
وحمل مطرف وابن الماجشون وابن حبيب وصاحب النكت وغيرهم.
قوله في الكتاب: (لا يَعْرِفُ مَالِكٌ إلا الإطعَامِ) على معنى لا يعرف المستحب.
وأخذوا من ذلك أن التصدق بالطعام أفضل من العتق، ومنهم من حمله على ظاهره، وخصص الإجزاء بالإطعام، ولعل المصنف وابن بشير ممن اعتمد على هذا.
عياض: ولا يحل تأويله على مالك، لأنه خرق للإجماع.
فائدة: أشار اللخمي إلى أن أصل المذهب أن من أتى مستفتياً صدق فيما يدعيه ولم يلزم بالكفارة، وإن ظهر عليه، نظر فيما يدعيه، فإن كنا مما يرى أن مثله يجهله، صدق، وإن كان أتى بما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة.
وهذا فائدة قولهم: إن هذا ينوّي ولا ينوّي الآخر، أنه يجبر على الكفارة.
ولو كان إخراج الكفارة إليه إذا ادعى ما لا يشبه، لم يكن للتفرقة وجه، وهذا القول هو الأصل في الحقوق التي لله سبحانه في الأموال؛ كما قيل بالجبر على الزكاة.
وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأَيَّامِ، وَلا تَتَعَدَّدُ عَنِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، قِيلَ: التَّكْفِيرُ، وَفِي تَعَدُّدِهَا بَعْدَهُ قَوْلانِ ...... أما تعددها بتعدد الأيام فظاهر، وأما اليوم الواحد إذا كرر الإفطار قبل إخراج الكفارة فلا تتعدد اتفاقاً وأما بعد التكفير، فقال ابن عطاء الله: المعروف من مذهبنا أنه لا

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل