التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 233-272
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لو كان هذا المعنى صحيحاً لوجب مثله في المائتين إذا كان حولهما واحداً وليس كذلك، على أن اللخمي حكى قولاً بأنه يزكي المائتين وإن كان حولهما واحداً، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها الفرق، فإن كان حولهما واحداً زكى مائة، وإلا زكى مائتين.
وفي قوله: (زكى مائة) نظر؛ لعدم نصه على أن المراد المائة الأولى، ومراده ما قدمناه.
وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ [125/ أ] لثَلاثِ سِنِينَ بسِتِّينَ دِينَاراً فَقَبَضَهَا بَعْدَ حَوْلٍ، فَرَابعُهَا: يُزَكَّى الْجَمِيعَ ... فرض المسألة في نفسه؛ لأنه لو فرضها في عبده ودابته لكان له شيء يجعله في دينه كله أو بعضه.
واستغنى بذكره الرابع عن بقية الأقوال للحصر فيها.
فيكون الأول: لا زكاة عليه في الجميع؛ لأن العشرين في السنة الماضية لم يتحقق ملكه لها إلى الآن، والأربعون إلى الآن دين عليه.
قال في البيان: وهو الذي يأتي على مذهب مالك في المدونة في الذي وهب له الدين بعد حلول الحول على المال الذي بيده، أو أفاد مالاً، أنه يستقبل.
والقول الثاني: عليه زكاة العشرين؛ لأنها تخص العام الأول.
قال في المقدمات: وهو الذي يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم، وعلى قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في هبة الدين.
ابن رشد: والقول الثالث لابن المواز: يزكي مع هذه العشرين تسعة عشر ونصف؛ لأنه إذا أخرج من عشرين نصف دينار بقي معه تسعة وخمسون ونصف، عليه منها أربعون، فتفضل له تسعة عشر ونصف، فيزكيها لسلامتها من الدين.
وفي أخذ هذا من كلامه نظر.
والله أعلم.
قال ابن يونس: والصواب زكاة الجميع.

تنبيه: ما ذكرناه من أنه يزكي على القول الثاني عشرين، وعلى الثالث تسعة وثلاثين ونصف، كذلك قاله جماعة.
خليل: وينبغي أن يقول يزكي أكثر من عشرين للسنة الأولى؛ لقرب سلامتها من العقد.
كما قالوا: إذا اشترى عروضاً وسمى لكل عرض شيئاً ثم استحق بعضها، فإنهم قالوا: يقوم العروض وتسقط القيمة؛ لاحتمال أن يكون اغتفر بعضها لبعض.
والله أعلم.
وَلَوْ آجَرَ دَارَهُ كَذَلِكَ، فَخَامِسُهَا: تُقَوَّمُ سَالِمَةً.
وَسَادِسُهَا: تُقَوَّمُ مَهْدُومَةً قوله: (كَذَلِكَ) أي: آجرها ثلاث سنين وقبضها ومر حول.
وقرر الشراح الثلاثة هذه المسألة هكذا، ولابن بشير نحوه.
وقال شيخنا- رحمه الله-: فيه نظر.
ولا يمكن أن يأتي في هذه المسألة ستة أقوال؛ إذ الدار لا شك أنها عرض، وقد نص المصنف على ذلك أول كلامه في قوله: (كداره) وحينئذ إما أن يقول بجعل الدين في الدار، أو لا يجعله إلا في العين.
فإن قلنا بالأول، فإنما يختلف هل يجعله في قيمتها سالمة أو مهدومة بناء على مراعاة الطوارئ، وإن قلنا بالثاني، فلا يأتي في المسألة إلا الأربعة الأقوال المتقدمة؛ إذ الدار عند هذا القائل كالعدم، فيكون كمن آجر نفسه.
والقول بأنها تقوم مهدومة لابن القاسم.
والقول بأنها تقوم سالمة لسحنون.
قال عبد الحق في تهذيبه: يحتمل أن يكون موضع الخلاف في دار يخشى سقوطها في المدة، وأما إن لم يخشَ، فيتفق على تقويمها سالمة، ويحتمل أن يقيد قول ابن القاسم بما إذا خشي هدمها.
وقول سحنون بما إذا لم يخشَ، ولا يكون بينهما خلاف.
انتهى بمعناه.
وَغَيْرُ الْحَوْلِيِّ وَإِنْ زُكَّيَ كَالْعَرْضِ (غَيْرُ الْحَوْلِيِّ) الحبوب والثمار.
يعني: أن الحبوب والثمار إذا زكيت، فهي كالعرضو يجعل الدين فيها على المشهور.
وقوله: (وَإِنْ زُكَّيَ) مبالغة تقتضي أن يجعل الدين فيه مع

عدم الزكاة من باب أولى، وهو كذلك إذا كان دون النصاب.
واختلف إذا كانت نصاباً، فقال ابن القاسم: يزكي عينها ويجعل دينه فيها، وهو المشهور.
وقيل: لا يجعل دينه فيها؛ لتعلق الزكاة بعينها.
فإن قيل: كلامه قاصر؛ لأن كلامه لا يتناول الماشية، إذ هي حولية وهي مساوية لما ذكر في جعل الدين فيها.
قيل: الجواب: المراد بالحول ما كان مرور الحول مع الملك التام كافياً في وجوب الزكاة فيه، والماشية وإن كان فيه الحول إلا أنه لا بد مع ذلك من قدوم الساعي، فصار مرور الحول غير كافٍ، فيدخل بهذا الاعتبار في غير الحولي، ولا يقال هذا غير تام؛ لأن هذا إنما يأتي إذا كان ثَم سعاة، وأما إذا عدموا فلا؛ لأنا نقول هذا الكلام خرج مخرج الغالب، فإن الغالب السعاة.
وَالْمَعْدِنُ اتَّفَاقاً (الْمَعْدِنُ) مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: المعدن يجعل فيه الدين اتفاقاً، فهو من باب عطف الجمل، ولا يختلف فيه كما اختلف فيما قبله، وكذلك صرح ابن بشير وابن رشد بأنه غير مختلف فيه.
وعلى هذا فقول ابن عبد السلام: وبقي في كلام المصنف إشكال من جهة أنه عطف المعدن على العرض الذي شبه به غير الحولي، والمعدن غير حولي.
فيكون تشبيه الشيء بنفسه ليس بشيء، ولعله لم يثبت في نسخته اتفاقاً، وهي ثابتة في النسخ.
ومراده بـ (المعدن): معدن العين، وإلا فغير العين عرض.
وَالْمُكَاتَبُ كَالْعَرَضِ.
وَفِي كَيْفِيَّة جَعْلِهِ، ثَلاثَة ُلابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، وَأَصْبَغَ فِي قِيمَةِ كِتَابَتِهِ أَوْ مُكَاتِبٍ أَوْ [125/ ب] عَبْدٍ ... يعني: أنه اختلف في المكاتب بالعرض؛ أي: فيجعل الدين فيه على المشهور.
وعلى الجعل، فقال ابن القاسم: يجعل الدين في قيمة كتابته إن كانت بعرض قومت بالعين، وإن كانت بالعين قومت بعرض ثم قوم بالعين.
وقال أشهب: في قيمته مكاتباً.
وقال أصبغ: في قيمته عبداً.

وفرق المصنف بين القائلين وأقوالهم؛ لأنه أقرب إلى الاختصار من جميع ذلك، ورد الأول من الأقوال إلى الأول من القائلين، ثم كذلك إلى آخرها، وأظهرها قول ابن القاسم؛ لأنه إنما يملك الكتابة والرقبة ليس بقادر على التصرف فيها، وكذلك كونه مكاتباً.
وَفِي الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الدَّيْنِ قَوْلانِ هذا الكلام يحتمل معنيين: أحدهما: أن يجعل الدين فيه أولاً كالعرض ويكون كقوله: (والمكاتب كالعرض) - وأعاده ليرتب عليه ما بعده- وعلى هذا مشاه ابن عبد السلام.
والثاني: أن يريد بأن القائلين بأن العرض يجعل فيه الدين.
اختلفوا في المدبر على قولين: فمنهم من قال: هو كالعرض، ومنهم من قال: لا، ويكون على هذا الوجه خلافاً مركباً.
وعلى هذا حمله شيخنا- رحمه الله- ويؤيده التفرقة بينه وبين المكاتب في قوله: (والمكاتب كالعرض وفي المدبر قولان).
وأيضاً فلأن القول بأن الدين لا يجعل إلا في العين منقول عن ابن عبد الحكم.
وهذا القول- أعني: أن المدبر لا يجعل فيه؛ أي: لا في رقبته ولا في خدمته- منقول عن سحنون.
كذا نقله صاحب النوادر، واللخمي، وابن شاس وغيرهم.
فاختلاف القائل دليل على ما قلناه.
ويؤيد هذا قول ابن بشير في توجيه هذا القول، وهذا نظراً إلى أن بيعه لا يمكن من غير التفات إلى إمكان رجوعه إلى الرق.
واحترز بقوله: (قَبْلَ الدَّيْنِ) من المدبر بعد الدين، فإنه لا يختلف في أنه يجعل الدين في رقبته؛ إذ التدبير باطل لسبق الدين عليه.
وَعَلَى جَعْلِهِ، فَفِي كَوْنِهِ فِي قِيمَةِ رَقَبَتِهِ أَوْ فِي خِدْمَتِهِ قوَلْانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فابن القاسم يقول: يجعل في قيمة رقبته.
وأشهب يقول: يجعل في قيمة خدمته.
قال ابن الجلاب: وبه أقول.
وهو الجاري على قول ابن القاسم في المكاتب؛ لأنه إنما يملك

الخدمة، فكأنه راعى في المشهور قول من قال: يجوز بيعه.
وعورض قول ابن القاسم هنا بقوله فيمن حنث باليمين بصدقة ثلث ماله، لا شيء عليه في المدبر وهلاً احتاط في ذلك كما احتاط في الزكاة.
وفِي الْمُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ قَوْلانِ، وَعَلَى جَعْلِهِ فَفِي قِيمَةِ خِدْمَته القول بالجعل أظهر، والاحتمال في القولين هنا كما في المدبر.
وَالْمُخْدَمُ: الْمَنْصُوصُ جَعْلُ دَيْنِ مَالِكِهِ فِي مَرْجِعِ رَقَبَتِهِ، وَدَيْنُ مَخْدَمِهِ فِي خِدْمَتِهِ إذا كان لشخص عبد فأخدمه لآخر- أي: أعطى خدمته له- فإن معطي الرقبة يجعل دينه في مرجع رقبته، هذا هو المنصوص.
ابن بشير: وقد يختلف في ذلك؛ لترقب موته قبل الرجوع؛ يعني: لن الخدمة لا شيء له فيها، والرقبة لا يقدر على التصرف فيها؛ لأن رجوعها إليه محتمل لاحتمال موت العبد قبل ذلك، فيكون ملكه لها أضعف من رقبة المدبر، وقد تقدم فيه خلاف.
وقوله: (وَدَيْنُ مَخْدَمِهِ فِي خِدْمَتِهِ) يعني: ويجعل الذي أخذ الخدمة دينه في قيمة الخدمة.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه يقتضي أن في آخذ الخدمة خلافاً كما في معطيها.
انتهى.
وهو مبني على أن قوله: (ودين).
معطوف على المضاف إليه في قوله: (جعل دين).
ويمكن أن يكون مستأنفاً وهو الظاهر؛ ليكون موافقاً لابن شاس، فإنه قال: ويجعل المخدم دينه في مرجع رقبة العبد على المنصوص، ويجعل المخدم دينه في الخدمة، ومقتضى كلامه أن التخريج إنما هو في معطي الرقبة.
وأيضاً فلا يظهر التخريج في جانب المخدم، إذ هو مالك للخدمة.
وقد يقال: بل المنصوص عائد عليهما، ويعتمد في ذلك على ما قاله اللخمي.
قال: وقال محمد: لو أخدم رجل رجلاً عبده سنين، أو أُخدم هو عبداً لغيره سنين أو حياته، لحسب في دينه ما يساوي تلك الخدمة أو مرجع ذلك العبد.

قال اللخمي: قوله: (يجعل في الخدمة) إذا كانت حياته ليس بحسن؛ لأن ذلك مما لا يجوز بيعه بنقد ولا بغيره، وأظنه قاس ذلك على المدبر، وليس مثله؛ لأن الجواز في المدبر مراعاة للخلاف في جواز بيعه في الحياة، ولا خلاف أنه لا يجوز للمخدَم أن يبيع تلك الخدمة حياته.
وكذلك المرجع لا يجوز أن يجعل فيه الدين؛ لأن بيعه لا يجوز، وأما إن كانت الخدمة سنين معلومة، فيحسن أن يجعل الدين في قيمتها؛ لأنه يجوز بيعها، ويختلف فيه بعد ذلك؛ لأن حقه متعلق بحياة العبد.
انتهى.
وَفِي الآبقِ الْمَرْجُوِّ قَوْلانِ، وَعَلَى جَعْلِهِ فَعَلَى غَرَرِهِ أي: إن كان غير مرجو لم يجعل دينه فيه اتفاقاً.
وأما المرجو، ففي المدونة: لا يجعل فيه، وعلله بعدم جواز بيعه؛ لأنه لا يعلم موضعه، أو يعلم ولكن [126/ أ] لا يقدر عليه، أو يقدر عليه بمشقة، وهو في هذه الوجوه كالعدم.
وقال أشهب: يجعل في قيمة رقبته على غررها.
وعارض التونسي قوله في المدونة في هذه المسألة بقوله في المدبر، فإنه قال: يجعل الدين فيه مع أنه لا يجوز بيعه.
ولعل الفرق بينهما مراعاة الخلاف في بيع المدبر.
وأقام بعض الشيوخ من تعليله في الآبق أنه لا يجعل الدين في الطعام الذي له من سلم لعدم جواز بيعه، وكذلك هنا ما لا يجوز بيعه كجلود الضحايا.
وقال التونسي: ينبغي أن يجعل الدين في رأس مال السلم؛ لأنه قادر على توليته ولا يقدر على بيعه.
وَالدِّيْنُ لَهُ كَالْعَرْضِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ جَعْلِهِ ثَلاثَةً، أَصَحُّهَا إِنْ كَانَ حَالاًّ مَرْجُوّاً فَبالْعَدَدِ، وَإِلا فَبِالْقَيمةَ ... يعني: أنه اختلف هل يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له أم لا كالعرض.
وإذا فرعنا على المشهور من أنه يجعل، فحكى المصنف تابعاً لابن بشير ثلاثة أقوال: أحدها: أنه

يراعى قيمة دينه.
والثاني: عدده.
والثالث: إن كان حالاًّ وكان على مليء روعي عدده.
وإن كان مؤجلاً أو على غير مليء روعيت قيمته.
ابن بشير: وهذا هو الأصل، ويمكن أن يكون تفسيراً للقولين.
خليل: ولا أظن أحداً يوافقهما، إذ مقتضى كلامهما أن في المسألة قولاً باعتبار العدد مطلقاً، وينظر.
ويعز وجوده في المذهب، ولم أره بعد البحث عليه، والذي رأيته إن كان الدين على معدم فهو كالعدم على المشهور.
ولابن القاسم في العتبية: أنه يحسب قيمته.
وإن كان على مليء، فقال ابن القاسم، وأشهب في المجموعة على ما نقله صاحب النوادر، والباجي: يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له ويزكي ما بيده في الدين الذي يرتجى قضاؤه يحسب عدده.
وقال سحنون: بل يجعل قيمة الدين الذي له في عدد الدين الذي عليه.
أبو محمد: وما قال ابن القاسم في العتبية: أنه إذا كان الدين على غير مليء يحسب قيمته، يدل على أنه لو كان على مليء حسب عدده.
قال: يريد إذا كان حالاًّ، وإن كان إلى أجل فينبغي أن تحسب قيمته؛ لأنه لو فلس بيع بقيمته.
انتهى.
وقال اللخمي والتلمساني: وإذا كان دينه على موسر، فلا يخلو إما أن يكون دينه والدين الذي عليه حالين أو مؤجلين، أو أحدهما حالاًّ والآخر مؤجلاً، وفي كل هذه الوجوه لا يختلف الجواب في الدين الذي عليه أنه يحسب عدده.
وإنما يفترق الجواب في الدين الذي له؛ فإن كانا حالين جعل العدد في العدد، وإن كان دينه مؤجلاً جعل ما عليه في قيمته.
وإن كان الدينان مؤجلين، فإما أن يحل دينه قبل الذي عليه، أو يحل الذي عليه قبل، فإن حل الدين الذي له قبل الذي عليه جعل العدد في العدد، وإن حل الدين الذي عليه قبل دينه جعل عدد ما عليه في قيمة دينه.
والله أعلم.

وَالْقِرَاضُ غَيْرُ الْمُدَارِ مُوَافِقاً لِحَالِ رَبِّهِ لا يُزَكَّى قَبْلَ الانْفِصَالِ وَلَوْ طَالَ وَلَوْ نَضَّ، وَأَلْزَمَ اللَّخْمِيُّ كَوْنَهُ إِنْ نَضَّ كَالْمُدَارِ، وَأُجِيبَ بأَنَّهُ كَالدَّيْنِ ... يعني: أن مال القراض إذا كان العامل محتكراً فيه وكان رب المال محتكراً في بقيته- وهو مراده بالموافق لحال ربه- فلا يزكى ولو طال مقامه بيد العامل أحوالاً كثيرة، ولو نض المال كله.
قوله: (وَأَلْزَمَ ...) إلى آخره.
يعني: ألزم اللخمي من قال في المدار الموافق لرب المال بالتقويم كل عام، أن يقول في المحتكر إذا نض ماله أن يزكي قبل المفاصلة، بجامع أن العين في حق المحتكر كالعرض في حق المدير، ألا ترى أن المحتكر يزكي العين عند الحول كما يقوم المدير عروضه، بل تعلقها بالعين هو الأصل، وتعلقها بالعرض على خلاف الأصل؛ ولأن رب المال لو شاء المفاصلة لمكن من ذلك.
وأجاب ابن بشير: بأن المال بيد العامل شبيه بالدين على الغريم؛ لتعلق حق العامل به، وفي الجواب نظر.
فإنه لو كان صحيحاً للزم مثله في المدير؛ لتعلق حق الغير، ولأنه لا يصح قياسه على الدين؛ لأن الدين ضمانه من المديان، والقراض ضمانه من رب المال، والقراض محبوس للتنمية بخلاف الدين.
وَفِي وُجُوبِهِ بَعْدَهُ لِسَنَةٍ أَوْ لِمَا مَضَى قَوْلانِ الضمير في (وُجُوبِهِ) عائد على الإخراج المفهوم من السياق.
ولو قال: وجوبها ليعود إلى الزكاة لكان أحسن.
والضمير في (بَعْدَهُ) عائد على الانفصال، والقولان لمالك.
ابن راشد: والصحيح وجوبها لماضي السنين.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب؛ لأن العامل نائب عن رب المال في التجر، لكن ظاهر المذهب- الذي اقتصر عليه صاحب المقدمات وغيره- قصر الزكاة على عام واحد.

وَعَلَى مَا مَضَى يُرَاعَى مَا فِي يَدِهِ لِسَنَةٍ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ قَبْلَهُ، وَيُعْتَبَرُ النَّاقِصُ كَذَلِكَ ... يعني: إذا فرعنا على القول بأنه يزكي لماضي السنين، فيزكي ما حصل في السنة الأخيرة.
وهذا معنى قوله: (يُرَاعَى مَا فِي يَدِهِ لِسَنَةٍ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ قَبْلَهُ) أي: ولا تعتبر الزيادة التي حصلت قبل الانفصال، كما لو كان في العام الأول [126/ ب] أربعمائة، وفي الثاني ثلاثمائة، وفي الثالث مائتين وخمسين، فإنه يزكي لعام الانفصال مائتين وخمسين، ثم يزكي ذلك للسنتين الأوليين إلا ما نقصه جزء الزكاة، وإلغاء الزائد لكونه لم يصل إلى رب المال ولم ينتفع به.
وقوله: (وَيُعْتَبَرُ النَّاقِصُ كَذَلِكَ) أي: كما تلغى الزيادة التي قبل الانفصال كذلك يعتبر النقص قبله.
أي: قبل الانفصال.
مثاله: لو كان في العام الأول مائتان، وفي الثاني ثلاثمائة، وفي الثالث أربعمائة، فإنه يزكي لكل عام ما حصل فيه.
وضابط هذا أن يقول: إما أن يتساوى الحاصل في سنة الانفصال مع ما قبله أو لا، فإن استوى زكى الجميع كسنة الانفصال، إلا ما نقصه الزكاة.
وأما إن لم يستو، فإما أن يكون الحاصل قبل سنة الانفصال في جميع السنين أكثر منه في سنة الانفصال أو أقل، أو كان الحاصل في بعضها أقل، وفي بعضها أكثر.
فإن كان الحاصل قبلها أكثر زكى لجميع السنين كسنة الانفصال، وإن كان في غير سنة الانفصال أقل زكى لكل سنة ما حصل فيها.
وقد تقدم تمثيلها.
وإن كان الحاصل في غير سنة الانفصال أقل أو أكثر، زكى الناقصة وما قبلها على حكمها، وزكى الزائدة على حكمها.
مثاله: أن يكون في العام الأول خمسمائة، وفي الثاني مائتين، وفي الثالث أربعمائة، فإنه يزكي لعام الانفصال أربعمائة ثم مائتين للعامين الأولين.

وَفِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ بِرِبْحِ الْعَامِلِ قَوْلانِ التكميل لأشهب، وعدمه لابن القاسم بناء على أنه أجير أو شريك.
ومثاله: لو أعطاه مائة وخمسين فصار مائتين.
وَالْمُدَارُ مُوَافِقاً لِحَالِ رَبِّهِ، وَفِي تَزْكِيَتِهِ كُلَّ حَوْلٍ أَوْ جَعْلِهِ كَغَيْرِ الْمُدَارِ قَوْلانِ يعني: إذا كان العامل يدير في المال وكان رب المال يدير في بقية ماله، ففي تزكية كل حول قولان.
أي: هل يقوم عروضه على حكم الإدارة ولا ينتظر المفاصلة- كما لو لم يكن قراضاً، وهو ظاهر المذهب- أو ينتظر المفاصلة؟ وعليه فحكى ابن بشير، وابن شاس في قصر الزكاة على سنة واحدة وإيجابها لما تقدم من السنين قولين، سببهما تشبيه بالدين، أو التفرقة بأن الدين لا نماء فيه وهذا ينمو لربه، وهذا أولى من قول ابن عبد السلام: أنه أراد بقوله: (أَوْ جَعْلِهِ كَغَيْرِ الْمُدَارِ) القول بوجوب الزكاة بعد المفاصلة لماضي الأعوام فقط.
تنبيه: ما ذكرناه من الخلاف إنما هو إذا كان العامل حاضراً مع رب المال، وأما إن كان غائباً، فلا خلاف أنه لا يزكي حتى يرجع، مديراً كان أو غير مدير، قاله ابن رشد.
وَعَلَى تَزْكِيَتِهِ، فَفِي كَوْنِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلانِ أي: وإذا قلنا بأنه يزكي كل عام ولا ينتظر المفاصلة، فاختلف من أين يؤدي الزكاة، هل من مال القراض أو من عند رب المال؟ ونسب اللخمي الثاني لابن حبيب، قال: وهو ظاهر قول مالك.
لكن اللخمي إنما نقل ذلك في العرض، وأجرى في العين خلافاً.
ولهذا قال ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن الخلاف منصوص، واللخمي إنما ذكره تخريجاً على الخلاف المعلوم في ماشية القراض وعبيد القراض في زكاة الفطر، وتبعه على ذلك ابن بشير.
انتهى.

وَالْمُخَالِفُ مِنْهُمَا يَجْرِي عَلَى الْمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا مُدَارٌ يعني: فإن اختلف حال العامل ورب المال، فكان أحدهما مديراً والآخر محتكراً، فإن الحكم يجري على الخلاف فيما إذا كان لواحد مالان، أحدهما مدار والآخرة محتكر.
وهي التي تقدمت.
إن تساويا فعلى حكمهما، وإلا فثالثها: يتبع الأقل الأكثر إن كان أحوط.
وأصل هذا الإجزاء لابن محرز، وسلمه ابن بشير على القول بأن العامل تابع لرب المال كالأجير، وكأنه أشار إلى أنه إذا قلنا أنه كالشريك لا يحسن.
ابن عبد السلام: وليس كذلك، فإن رب المال لم يقل أحد أنه تابع للعامل، وإذا كان كذلك لم يكن بد من اعتبار ماله بيد العامل؛ إما لأنه كله ملكه، وإما لأنه له فيه شريك.
وانظر إذا كان للعامل مال وهو فيه مخالف لما هو فيه عامل.
والظاهر أنه لا يعتبر ما هو فيه عامل إلا على القول بأنه شريك.
انتهى.
وَأَمَّا رِبْحُ الْعَامِلِ، فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهَا وَهُوَ نِصَابٌ، فَالْمَشْهُورُ عَلَى الْعَامِلِ أخذ- رحمه الله- يتكلم على زكاة ربح العامل، وجعل الأقسام ثلاثة: الأول: أن يكون العامل ورب المال من أهل الزكاة.
أي: مسلمين، حرين، لا دين عليهما.
فإن ناب العامل نصاباً، فالمشهور على العامل زكاته.
والشاذ لمحمد: أن زكاة الجميع على رب المال، بناء على أنه شريك أو أجير، والتمثيل سهل.
والخلاف هكذا منقول.
ودعوى ابن عبد السلام أن الخلاف لفظي ليس بظاهر.
وقد نقل غير واحد من الشيوخ القولين في أنه شريك أو أجير.
ابن يونس: ولا تجب الزكاة على العامل عند ابن القاسم إلا باجتماع خمسة شروط: أن يكونا حرين، مسلمين، لا دين عليهما، وأن يكون في المال وحصة ربه من الربح ما فيه الزكاة، سواء ناب العامل نصاب أو دونه.
ولابن القاسم في الموازية: أن [127/ أ] العامل لا يزكي حتى يكون عنده من الربح عشرون ديناراً.
أبو إسحاق: وهذا ليس بالمشهور.
والخامس: أن يعمل بالمال حولاً.
انتهى بمعناه.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَوْ تَفَاصَلا قَبْلَ حَوْلٍ مِنَ الْعَمَلِ، فَلا زَكَاةَ فِي رِبْحِ الْعَامِلِ كَفَائِدَةٍ إذا تفاصلا قبل مرور الحول، فقال ابن القاسم: يستقبل بالربح حولاً، وجعله المصنف مفرعاً على المشهور، وفيه نظر.
بل قياس المشهور أن يبني العامل على ما مضى من الحول، قاله ابن رشد وابن عبد السلام.
وبقول ابن القاسم احتج اللخمي للقول بأن الزكاة في الفرع الذي قبل هذا على رب المال، وهو يقوي كلاًّ منهما.
ونص كلام ابن القاسم في المدونة: وإذا عمل المقارض بالمال أقل من حول، ثم اقتسما فزكى رب المال لتمام حوله، فلا يزكي العامل ربحه حتى يحول عليه الحول من يوم اقتسما، وفيما نابه فيه الزكاة.
ونص أشهب في هذه المسألة على أنه يزكي لحول من يوم العمل.
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ، فَالْمَشْهُورُ الوُجُوبُ أي: وإن كان نصيب العامل أقل من النصاب والمسألة بحالها، فالمشهور الوجوب أيضاً على العامل بقدر حصته.
والمشهور مذهب المدونة، ففيها: وإن عملا بالمال سنة ثم اقتسما فناب رب المال بربحه ما فيه الزكاة، فالزكاة عليهما، كان في حظ العامل ما فيه الزكاة أم لا، والمشهور مبني على أنه أجير.
ورأى في الشاذ- وهو في الموازية- أنه شريك.
وهذا الفصل مضطرب؛ إذ يتحرون تارة ما يأتي على أنه شريك، وتارة ما يأتي على أنه أجير، والظاهر أنه أجير؛ لعدم تحقق الشركة.
ولهذا قيل في حد القراض: إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه، وهو قول الأكثر.
ابن عبد السلام: وهو الأشبه، وهو الذي تشهد له المساقاة.

وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ فَقَطْ، فَلا زَكَاةَ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: وإن كان رب المال من أهل الزكاة دون العامل، لم يزك رب المال عن نصيب العامل وتسقط زكاته على المشهور، بناء على أنه كالشريك.
والشاذ: أن رب المال يزكي نصيب العامل، بناء على أنه كالأجير.
وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ فَقَطْ، فَلا زَكَاةَ عَلَى الْمَنْصُوصِ أي: وإن كان العامل من أهل الزكاة دون رب المال، فلا زكاة في نصيب العامل، بناء على أنه كالأجير.
ونقل ابن محرز في ذلك الاتفاق.
وخرج ابن بشير وجوب الزكاة على أنه شريك.
وَمَاشِيَةُ الْقِرَاضِ تُزَكَّى مُعَجَّلاً اتِّفَاقاً، ثُمَّ فِيهِ بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ ثَلاثَةُ، مَشْهُورُهَا عَلَى رَبِّهِ وتُلْغَى كَالْخَسَارَةِ، وَعَلَى الْعَامِلِ رِبْحُهُ .. أي: أن الماشية ليست كالعين، بل تزكى قبل المفاصلة باتفاق؛ لأن الزكاة متعلقة بعينها، وكذلك النخل إذا أثمرت.
ثم اختلف في الوجوب بعد المفاصلة على ثلاثة أقوال: مذهب المدونة: أنه على رب المال بناء على أن العامل كالأجير.
والقول الثاني لابن عبد الحكم وأشهب: أنها تلغى كالخسارة.
والقول الثالث: على العامل ربحه؛ أي قدر ربحه.
وفي بعض النسخ: وعلى العامل بقدر ربحه.
ويتضح الفرق بينهما بالمثال: لو كان رأس المال أربعين ديناراً فاشترى بها أربعين شاة وأخذ الساعي منها شاة تساوي ديناراً، ثم باع الباقي بستين ديناراً، فعلى المشهور تكون الشاة كلها على رب المال، ويكون رأس المال تسعة وثلاثين ويقتسمان إحدى وعشرين على ما اتفقا عليه، وعلى إلغائها كالخسارة ييقدر كما لو ماتت ويكون

رأس المال أربعين؛ لأن المال يجبر بالربح ويقسمان عشرين ولا شيء على العالم.
وعلى الثالث يكون رأس المال تسعة وثلاثين، ويقتسمان الباقي ثم يأخذ رب المال من العامل ما ينوبه ويقسم الدينار على ستين جزءاً، يكون على العامل عشرة ونصف.
وهذا القول ليس بمنصوص، بل خرجه اللخمي ولفظه- بعد أن ذكر القولين الأولين-: ويجري فيها قول أنها متى بيعت بربح فضت الزكاة، وكان على العامل منها بقدر ربحه- أي: مما تقدم في مال القراض العين- لأنه إذا ثبت أن الزكاة هناك عليهما فكذلك هنا.
فرع: وأما عبيد القراض، فيخرج زكاة فطرهم.
ابن حبيب: وهي كالنفقة ملغاة، ورأس المال العدد الأول.
قال: وأما الغنم فمجتمع عليه في الرواية عن مالك من المدنيين والمصريين أن زكاتها على رب المال من هذه الغنم لا من غيرها، فتطرح فيه الشاة المأخوذة من أصل المال ويكون ما بقي رأس المال.
قال: وهي تفارق زكاة الفطر؛ لأن هذه تزكى من رقابها والفطرة مأخوذة من غير العبيد.
ابن يونس: واختلف أصحابنا في قول ابن حبيب هذا، فقال أكثرهم: هو وفاق للمدونة.
وظهر لي أنه خلاف، والدليل على ذلك أن الإمام أبا محمد سوى بين ماشية القراض وعبيده في المختصر والنوادر.
انتهى.
فرع: إعطاء المال للتجر ثلاثة أقسام: قسم يعطيه قراضاً، وهو الذي ذكره المصنف.
وقسم يعطيه لمن يتجر فيه بأجر، فهذا كالوكيل، فيكون حكمه حكم شرائه بنفسه.
وقسم يدفعه على أن يكون الربح كله للعامل ولا ضمان عليه فيه، فهو عند ابن القاسم كالدين يزكيه لعام واحد.
وقال ابن شعبان: يزكيه لماضي [127/ ب] الأعوام ولا شيء على العامل.

وَلا زَكاَةَ فِي الْعَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَفِي زَكَاتِهِ لِعَامٍ كَالدَّيْنِ قَوْلانِ أي: لا زكاة على رب العين المغصوبة قبل رجوعها إليه اتفاقاً؛ للعجز عن التنمية، ثم إذا قبضه ففي المقدمات: يزكيه لعام واحد على المشهور كالدين.
وقيل: لا زكاة عليه وهو كالفائدة.
والأول أصح.
وفي الموطأ: أن عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- أمر بزكاته لماضي السنين، ثم رجع فأمر بزكاته لعام واحد.
وفرق في الشاذ بينه وبين الدين؛ لأن الدين إما مع النماء كما في سلع التجارة، وإما لأنه ترك النماء فيه اختياراً.
وحكى ابن بشير الاتفاق على أنها لا تزكى لماضي الأعوام، وفيه نظر.
فإن صاحب المقدمات حكى قولاً بوجوب الزكاة لماضي الأعوام.
بِخِلافِ النَّعَمِ الْمَغْصُوبَةِ تَرْجِعُ بأَعْيَانِهَا عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَفِي تَزْكِيَتِهَا لِمَا تَقَدَّم أَوْ لِعَامٍ قَوْلانِ ... قوله: (بِخِلافِ) أي: أن المعروف أنها تزكى ولا يستقبل بها حولاً.
والفرق بين الماشية والعين أن الماشية تنمو بنفسها.
واحترز بأعيانها مما لو رد بدلها، وسيأتي.
ومقابل المعروف مخرج على قول السيوري: أن الولد غلة.
ومن القول بأن الغاصب لا يرد الغلة لمساواتها إذ ذاك للعين في عدم النماء.
والمشهور أن الولد ليس بغلة، والمشهور أن الغاصب يرد الغلات، فهو مركب من شاذ على شاذ، على أنه لو كان على قولين مشهورين لم يتم؛ لجواز تعدد القائل، والأولى أن يقول على المنصوص.
وقوله: (وَفِي تَزْكِيَتِهَا ..) إلخ.
القولان لابن القاسم.
وقال أشهب بأحدهما وهو الزكاة لعام.
ابن عبد السلام: والصحيح زكاتها لماضي الأعوام؛ لأن زكاتها مردودة معها.
والمشهور أيضاً أن غلتها مردودة فصارت كأنها لم تخرج من يد المالك.

وَثَمَرُ الشَّجَرِ الْمَغْصُوبِ يُزَكَّيهِ مَنْ حُكَّمَ لَهُ بِهِ لا شك أن الثمرة غلة، والمشهور أن الغاصب يردها؛ وعليه فالزكاة على رب الشجر.
وأبهم المصنف بقوله: (مَنْ حُكَّمَ لَهُ بِهِ) لاحتمال أن يرفع الأمر لحاكم يرى أن الغلات للغاصب، ثم لا إشكال في وجوب الزكاة على رب الشجر؛ أي: إن حكم له بالغلة؛ لكونها نشأت عن ملكه، وإن حكم بها للغاصب، ففي وجوب الزكاة عليه نظر؛ لأنه لا تحل له الغلات حتى يرد الأصول، وإذا كان كذلك فلم يتحقق ملكه لها إلا بعد رد الأصول، فتكون فائدة فيستقبل به حولاً.
غاية ما يقال: الحكم بها للغاصب كاشف لحصول الملك من أول الحول، وذلك لا يوجب الاتفاق على ذلك.
ثم إذا حكم بها للمغصوب منه، فإن علم قدرها في كل سنة زكاها على حسب ما فيها، وإن جهل قدرها في كل سنة، فقيل: يقسم على عدد السنين بالسوية، فإن كان لكل سنة نصاب زكى الجميع، وإن كان لكل سنة دون النصاب فلا زكاة عليه، وإن كان لكل سنة نصاب إلا أن الغاصب أتلف بعض الغلاَّت فلم يبقَ ما يخص كل سنة إلا دون النصاب، وكان مجموع المردود على المغصوب منه أكثر من نصاب- كما لو أثمر الشجر في أربع سنين عشرين وسقاً ولم يوجد عند الغاصب إلا عشرة- فقال أبو حفص العطار فيما قيد عنه: إن القياس سقوط الزكاة، والاستحسان وجوب زكاة ما قبض، وذكره عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
وذكر عن ابن الكاتب: أنه يزكي مما قبض نصاباً، فإن فضل شيء نظر فيه، فإن كان أقل من النصاب فلا زكاة عليه حتى يكمل نصاباً، ثم هكذا.
وَلا زَكَاةَ فِي الْعَيْنِ الْمَوْرُوثِ يُقِيمُ أَعْوَاماً لا يْعَلَمُ بِهِ، وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الْمَنْصُوصِ أي: إذا ورث شخص مالاً ولم يعلم به ولا وقفه له الحاكم، وهو مراده بقوله: (وَلَمْ يُوقَفْ) فالمنصوص سقوط الزكاة.
ويتخرج فيها قول آخر بوجوبها.
ولعله من مسألة المغصوب والمدفون، بل هو المنصوص، كما سيأتي من كلام صاحب البيان.

فَإِنْ عَلِمَ بِهِ، فَقَوْلانِ أي: علم به ولم يوقف، بناء على أن علمه به يصيره بمنزلة المقبوض أم لا.
قال في الجواهر: وإذا قلنا بالوجوب، فهل يزكيه لما تقدم، أو لعام؟ قولان.
وذكر في البيان في هذه المسألة أربعة أقوال: الأول: أن على الورثة زكاة ما ورثوه من الناض من حين ورثوه، وإن لم يقبضوه ولا علموا به، صغاراً كانوا أو كباراً.
الثاني لابن القاسم: لا زكاة عليهم فيه حتى يقبضوه ويستقبلوا به حولاً من يوم قبضوه وإن علموا به، صغاراً كانوا أو كباراً.
الثالث لمطرف: إن لم يعلموا استقبلوا به حولاً بعد القبض، وإن علموا ولم يقدروا على التخلص ألبتة زكوه لعام واحد، وإن قدروا على التخلص إليه زكوه لماضي الأعوام.
الرابع: أنهم إن لم يعلموا به زكوه لسنة واحدة، وإن علموا زكوه لماضي الأعوام، وهو مروي عن مالك.
فَإِنْ وُقِفَ، فَثَالِثُهَا: كَالدَّيْنِ.
وَالْمَشْهُورُ: لا زَكَاةَ إِلا بَعْدَ حَوْلٍ بَعْدَ قِسْمَتهِ وَقَبْضِهِ إِنْ كَانَ بَعِيداً.
قال في التهذيب: وإذا باع القاضي داراً لقوم ورثوها وأوقف ثمنها حتى يقسم بينهم، ثم قبضوه بعد سنين، فليستقبل به حولاً بعد قبضه، [128/ أ] وإن بعث في طلبه رسولاً بأجر أو بغير أجر، فليحسب له حولاً من يقوم قبضه رسوله وإن لم يصل إليه بعد.
انتهى.
والقول بالزكاة لماضي السنين حكاه ابن يونس عن مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ وإن لم يعلم وصوبه؛ لأن يد المودع كيده، وسواء علم أو لم يعلم.
والقول بعدم الزكاة هو مذهب المدونة كما ذكرنا.
والثالث للمغيرة: يزكيه لعام كالدين، كذا نقل ابن يونس.

وانظر هذا النقل مع ما نقله ابن رشد عنه، فإنه قال: إذا قال بالزكاة لما مضى من الأعوام وإن لم يعلم به، فكيف إذا وقف، ولعل له قولين.
قوله: (وَالْمَشْهُورُ: لا زَكَاةَ إِلا بَعْدَ حَوْلٍ بَعْدَ قِسْمَتهِ وَقَبْضِهِ) يستفاد منه شيئاً: أحدهما: تعيين المشهور في المسألة المتقدمة.
وثانيهما: إفادة فرع آخر، وهو أنه لو كان له شريك، فهل يُنَّزل وقفه لهما كوقفه لأحدهما؟ المشهور: لا.
فقوله: (المشهور لا زكاة إلا بعد حول بعد قسمته) إشارة لمسألة الشريك، وقوله: (وقبضه) إشارة إلى تعميم الحكم في الاستقبال هنا وفي وجوب المسألة المتقدمة.
وقوله: (إِنْ كَانَ بَعِيداً) هو كقوله في المدونة وكذلك من ورث مالاً بمكان بعيد والله أعلم.
وعلى هذا فقوله: (وَالْمَشْهُور) ليس خاصاً بمسألة الوقف، نعم هو أحد الأقوال الثلاثة المذكورة فيها.
وَتُزَكَّى الْمَاشِيَةُ وَالْحَرْثُ مُطْلَقاً يعني: أن الماشية الموروثة، والحرث المورث قبل بدو صلاحه يزكيان من غير قيود الإيقاف والعلم؛ لأن النماء حاصل فيهما من غير كبير محاولة ففارق العين.
وَفِي الضَّائِعِ يُلْتَقَطُ ثُمَّ يَعُودُ، ثَالِثُهَا: كَالدَّيْنِ يعني: أنه اختلف في العين الملتقطة ترجع إلى ربها بعد أعوام.
فقيل: يزكى لكل عام؛ لأن الملتقط حافظ لها لربها كالوكيل، وهو لمالك في العتبية، والمغيرة، وسحنون.
وقيل: لا زكاة عليه ويستقبل به حولاً؛ للعجز عن تنميته، وهو لابن حبيب.
وقيل: يزكيه لعام واحد كالدين، وهو أيضاً لمالك.
ورواه ابن القاسم، وابن وهب، وعلي بن زياد، وابن نافع.
قال في العتبية: وإن كان الملتقط تسلفها لنفسه حتى تصير في ضمانه، فحكمها حكم الدين يزكيه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
قال: قلت لأشهب: هل يقبل قول الملتقط

أو المستودع أنه تسلفها؟ قال: نعم يسأل عن ذلك، فما قال قُبِلَ قولُه وكان في أمانته.
وأما ما يلتقطه فلا زكاة عليه إن لم ينو إمساكه لنفسه، وإن نوى ذلك ولم يتصرف، ففي ضمانه له قولان: القول بعدم ضمانه لابن القاسم في المجموعة، فإن تصرف فيه ضمنه بلا خلاف.
قال في البيان: فإذا دخلت في ضمانه بحبسه إياها لنفسه أو بتحريكها على الاختلاف المذكور، سقطت عن ربها الزكاة فيها اتفاقاً.
وَفِي الْمَدْفُونِ، ثَالِثُهَا: إِنْ دَفَنَهُ فِي صَحْرَاءَ زَكَّاهُ، وَإِلا فَكَالدَّيْنِ.
وَرَابعُهَا: عَكْسُهُ القول بزكاته لماضي السنين لمالك في الموازية.
والقول بوجوبها لعام لمالك في المجموعة.
ابن رشد: وهو أصح الأقوال.
والقول الثالث: إن دفنه في صحراء زكاه للماضي؛ لتعريضه إياه للضياع، وإن دفنه في بيته زكاه لعام، لابن حبيب.
والرابع عكس الثالث.
ابن المواز: إن دفنه في بيته فطلبه فلم يجده، ثم وجده حيث دفنه، فعليه زكاته لماضي السنين.
وإن دفنه في صحراء ثم غاب عنه موضعه، فليس عليه فيه إلا زكاة واحدة.
ابن رشد: وله وجه؛ لأنه إذا دفنه في البيت فهو قادر عليه باجتهاده في الكشف عنه.
وأجرى بعض المتأخرين قولاً بالاستقبال، قياساً على ما رواه ابن نافع عن مالك في الوديعة: أنه يستقبل بها حولاً بعد قبضها.
وقال في البيان: وهو إغراق، إلا أن يكون معنى ذلك أن المودع غائب عنه فيكون لذلك وجه.
وَالْمُخْرَجُ مِنَ النَّقْدَيْنِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَمَا زاَدَ فَبِحِسَابِهِ مَا أَمْكَنَ لا خلاف أن الواجب في النقدين ربع العشر.
ومذهبنا ومذهب الجمهور، كالشافعي، وأحمد، وغيرهما: وجوب الزكاة فيما زاد على النصاب وإن قل، ولا يشترط بلوغه في الفضة أربعين درهماً وفي الذهب أربعة دنانير، خلافاً لأبي حنيفة.
ووقع لبعضهم اختلاف عبارات، فقال بعضهم كالمصنف، وقال ابن أبي زيد في الرسالة: وما زاد

فبحساب ذلك وإن قل.
ورأى بعض أشياخ ابن عبد السلام: أن ذلك اختلاف حقيقة وأن الإمكان في الأول هو أن الزائد يمكن قسمته إلى جزء الزكاة.
وفي الثاني: لا يشترط ذلك، بل إن لم تمكن قسمته اشترى به طعاماً أو غيره مما تمكن قسمته على أربعين جزءاً.
والظاهر أنهما بمعنى واحد.
والله أعلم.
وَفِي إِخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآخَرِ، ثَالِثُهَا: يُخْرَجُ الْوَرِقُ عَنِ الذَّهَبِ، بِخِلافِ الْعَرَضِ وَالطَّعَامِ ..... يعني: أنه اختلف هل يخرج عن الورق ذهباً أو بالعكس على ثلاثة أقوال، وتصورها ظاهر.
وظاهر كلامه [128/ ب] أن الخلاف في الجواز والمنع، وكذلك نقل ابن بشير، وبنى الأولين على أنه هل هو من باب إخراج القيمة فيمنع، أو لا فيجوز.
ورأى في الثالث أن الورق أيسر على الفقير بخلاف العكس.
ومذهب المدونة- وهو المشهور-: الجواز.
ابن راشد: والمنع مطلقاً لم أقف عليه في المذهب.
والذي حكاه الباجي وغيره: أن الجواوز لمالك، والتفصيل لسحنون، وابن لبابة.
قال سحنون: إخراج الورق عن الذهب أجوز من العكس.
وقال ابن محرز: لم يختلف علماؤنا في إخراج الدراهم عن الدنانير، ولم يروه من شراء الصدقة.
واختلف في إخراج الذهب عن الورق، فأجازه مالك.
وذكر عن ابن مزين، وابن كنانة أنهما كرها ذلك.
انتهى.
وعلى هذا فالخلاف إنما هو في الكراهة، ألا ترى قول سحنون: إخراج الورق عن الذهب أجوز، فحكم بالاشتراك في الجواز.
وقوله: (بِخِلافِ الْعَرَضِ وَالطَّعَامِ) أي: فلا يجوز إخراج أحدهما عن الورق ولا عن الذهب؛ لأنه من باب إخراج القيمة، ولا يجوز إخراجهما ابتداء، كما سيأتي.

فرع: فإن أخرج عرضاً أو طعاماً رجع على الفقير به ودفع له ما وجب عليه، فإن فات في يد الفقير لم يكن له عليه شيء؛ لأنه سلطه على ذلك، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته، وإن لم يعلمه لم يرجع مطلقاً؛ لأنه متطوع، قاله مالك.
وَعَلَى الإِخْرَاجِ مَشْهُورُهَا: يُعْتَبَرُ صَرْفُ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنِ الصَّرْفِ الأَوَّلِ أي: وإذا فرعنا على أنه يخرج أحدهما عن الآخر، فاختلف: هل يعتبر صرف الوقت أو الصرف الأول- وهو كل دينار بعشرة- أو صرف الوقت على ما لم ينقص عن الصرف الأول، وهو قول ابن حبيب.
والمشهور: اعتبار صرف الوقت مطلقاً، لا كما قال المصنف.
وَإِذَا وَجَبَ جُزْءٌ عَنِ الْمَسْكُوكِ وَلا يُوجَدُ مَسْكُوكٌ وَأَخْرَجَ مَكْسُوراً، فَقِيمَةُ السَّكَّةِ عَلَى الأَصَحِّ.
كَمَا لَوْ أَخْرَجَ وَرِقاً ... أي: إذا وجب في الزكاة جزء دينار مسكوك، فإن وجد ذلك الجزء مسكوكاً تعين إخراجه، وإلا فلا يخلو أن يريد إخراج الورق أو الذهب، فإن أراد الورق أخرج قيمة ما وجب عليه مسكوكاً اتفاقاً، حكاه ابن راشد.
واختلف إذا أراد إخراج الذهب، هل يلزمه إخراج قيمة السكة.
قال ابن حبيب: لا يلزمه ذلك؛ لأن الزكاة إنما تعلقت بالعين لا بالسكة، وأوجبه ابن القاسم.
قال المصنف: وهو الأصح؛ لأنه لما ثبت للفقراء حق في السكة إذا أخرج ورقاً وجب أن يثبت مثل ذلك في الذهب.
وأشار ابن عبد السلام هنا إلى أنه لا يحمل على المصنف أنه ذكر الخلاف في الورق لتشبيهه، قال: لأنه إنما يشبه بالخلاف حيث يذكره مجرداً عن الترجيح، مثل ما تقدم في الدم المسفوح، وأما إذا رجح بعض الأقوال كما حكم هنا بالأصحِّيَة فإنما يريد بالتشبيه بيان الوجه الذي من أجله كان ما اختاره راجحاً.
والله أعلم.

وَلا يُكْسَرُ الْكَامِلُ اتِّفَاقاً، وَفِي كَسْرِ الرُّبَاعِيُّ وَشِبْهِهِ قَوْلانِ لأن في القطع فساد السكة على المسلمين، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48] أنهم كانوا يقطعون السكة.
واختار ابن رشد، وابن عبد السلام عدم كسر الرباعي وشبهه؛ لأن العلة كونه مسكوكاً لا كاملاً.
وَإذَا وَجَبَ مَسْكُوكٌ فَأَخْرَجَ أَدْنَى أَوْ أَعْلَى بِالْقَيمَةِ، فَقَوْلانِ يعني: إذا وجب مسكوك طيب، فأخرج عنه أردأ منه وهو أكثر وزناً بقيمة الطيب أو بالعكس.
وحكى ابن بشير القولين عن المتأخرين.
ونص ابن المواز في مسألة ما إذا أخرج أقل وزناً وأجود على عدم الإجزاء، ورأى أنه يخر القدر الواجب، وإن نظر إلى الفضل دخله دوران الفضل من الجهتين، هكذا نقله عنه ابن عبد السلام.
ونقل ابن راشد عنه في الصورة الأخرى أنه قال: إذا أخرج أكثر وزناً وأردأ، فينبغي أن يجوز؛ لأنه يخرج من الرديء أكثر مما يخرج من الجيد، ولا ينبغي أن يقتصر في فرض المسألة على المسكوك كما فعله المصنف، قاله ابن عبد السلام.
وَأَمَّا الْمَصُوغُ، فَيُخْرِجُ عَنْهُ الْمَكْسُوَر بِالْوَزْنِ لا بِالْقَيمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ إِذْ لَهُ كَسْرُهُ يعني: إذا كان عنده مصوغ وزنه مائة دينار مثلاً وبصياغته يساوي مائة وعشرة، فالمشهور: أنه يخرج عن المائة لا عن المائة والعشرة.
ونقله اللخمي، فقال: وإذا كان الحلي للتجارة وهو غير مدين، فقيل: يخرج قيمة ما وجب عليه من ذلك مصوغاً، وقيل: يخرج الذهب دون الصياغة، فيخرج زنة ذلك الجزء ومثله في الجودة على أنه غير مصوغ.
وقوله: (إِذْ لَهُ كَسْرُهُ) جواب عن سؤال مقدر توجيهه أن يقال: ما الفرق على المشهور بين هذه وبين ما إذا وجب جزء من المسكوك، والجامع أن كلاًّ منهما زيادة في

المعنى؟ أجاب بأن المصوغ لصاحبه كسره وإعطاء الجزء الواجب بعد الكسر فلم يكن للفقير [129/ أ] حق في الصياغة، بخلاف السكة؛ إذ ليس له كسرها فلم يأخذ الفقير مثل ما فاته بل دونه.
فَإِنْ أَخْرَجَ وَرِقاً عَنْ مَصُوغٍ جَازَ، وَقُلْنَا: إِنَّهَا مُلْغَاةٌ، فَفِي اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا قَوْلانِ لابْنِ الْكَاتِبِ وَأَبِي عِمْرَانَ، وَأَلَّفَ الْقَبِيلانِ فَيهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَرِقَ كَالطَّعَامِ فِي جَزَاءٍ الصَّيْدِ، أَوْ لا حَقَّ لِلْمَسَاكِينِ فِي الصِّيَاغَةِ .... يعني: إذا فرعنا على المشهور من إلغاء الصياغة فيما إذا أخرج ذهباً مكسوراً عن مصوغ وأراد أن يخرج ورقاً، فهل لا بد حينئذ من إخراج قيمة الصياغة، وإليه ذهب ابن الكاتب.
أو إنما له أن يخرج قيمة الجزء الواجب عليه غير مصوغ، كما له أن يخرجه مكسوراً، وإليه ذهب أبو عمران.
ومنشأهما ما ذكره المصنف بقوله: (بنَاءً ..) إلخ.
أي: أن ابن الكاتب ومن قال بقوله قاسوا المسألة على حكم جزاء الصيد؛ إذ المكلف مخير فيه بين أن يخرج المثل من النعم أو الطعام، فإذا اختار المثل أخرجه، وإن اختار إخراج الطعام فإنه يقوم الأصل لا المثل، فكذلك هذا يخير بين أن يخرج قطعة ذهب أو القيمة دراهم، فإن أخرج قطعة ذهب أجزأه، وإن أخرج القيمة رجع إلى الأصل وأخرج قيمة المصوغ.
ورأى أبو عمران ومن قال بقوله: أنه لما ثبت أنه لا حق للفقراء في الصياغة بدليل إخراج ذلك الجزء غير المصوغ، وجب ألا تراعى قيمتها.
قال ابن بشير: وهو أقيس.
ورد القياس المذكور بالفرق، فإن الطعام والمثل من النعم بدلان عن الصيد فخير فيهما، فلا يقوم أحدهما بصاحبه، بل بالصيد الذي هما بدل عنه، بخلاف الفضة مع الذهب، فإن الذهب إذا خرج عن الذهب صار المخرج كأنه عين الواجب، إذ قد ثبت أنه لا حق للفقراء في الصياغة، فإذا أخرجت القيمة وجب أن يقوم غير المصوغ.

ورد بعضهم أيضاً القياس بوجه آخر: بأن هذا إلحاق باب له خصوصيات بباب له خصوصيات وهو غير جائز، وإلا لزم أن تجب قراءة الفاتحة بالوقوف بعرفة قياساً على الصلاة بجامع الفريضة.
وقوله: (وَأَلَّف الْقَبِيلانِ) تنبيه على أن لكل من القائلين أتباعاً في هذه المسألة، فصار بأتباعه كالقبيل، وأن كل قبيل ألف تأليفاً في هذه المسألة.
وقوله: (فَيهِمَا) أي: في القولين، وفي بعض النسخ: (فيها) فيعود على المسألة.
وما ذكره المنصف من ذكر خلاف ابن الكاتب وأبي عمران في المصوغ الجائز تبع فيه ابن بشير.
وإنما نقل ابن يونس كلامهما في المصوغ المحرم، فقال: واختلف ابن الكاتب وأبو عمران في زكاة آنية الفضة، ثم ذكر ما ذكرناه، ولم ينقل عنهما في المصوغ الجائز شيئاً، وإنما نقل فيه أن الشيخين- الشيخ أبا محمد، والشيخ أبا الحسن- سئلا عن الحلي الجائز إذا كان وزنه عشرين ديناراً، هل يخرج ربع عشره على أنه مصوغ، أو أنه إنما يلزمه ربع عشره تبراً، أو قيمة ربع عشره من الفضة على أنه مصوغ؟ فأجابا: بأنه يخرج ربع عشر قيمته على أنه مصوغ؛ لأن الفقراء شركاؤه بربع العشر فيأخذون قيمة ذلك، قَلَّتْ أو كثرت.
ابن يونس: يريد فضة، وهو قول جيد.
ولكن ظاهر الكتاب خلافه.
وقول ابن عبد السلام: إن ابن بشير ذكر هنا خلافاً عن المتأخرين أن الصياغة هل هي كالعرض، فيسلك بها مسلكه في الإدارة والاحتكار، أم لا؟ ولعل المصنف يريد بقوله: (إِنَّهَا مُلْغَاةُ) هذا، لا ما قلناه من أنه بناه على المشهور في الفرع السابق، فإن كلام المصنف لا يمكن حمله على هذا؛ لأنه بعيد من كلامه.
ثم لا ينبغي عزو هذا الكلام لابن بشير، فإن المصنف قد نقله أول الزكاة بقوله: (وفي الصياغة الجائزة قولان) وعلى الاعتبار المنصوص كالعرض.

الْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ.
فَأَمَّا الْمَعْدِنُ: فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ فَحُكْمُهُ لِلإِمَامِ اتِّفَاقاً .... (الْمَعْدِنُ) أصله الإقامة، يقال: عدن بالمكان؛ أي: أقام.
ومنه جنات عدن؛ أي: جنات إقامة.
و (الرِّكَازُ) مأخوذ من قولهم: ركزت الشيء؛ أي: دفنته.
قال صاحب العين: الركاز يقال لما وضع في الأرض، ولما يخرج من المعدن من قطع الذهب أو الورق.
ولا خفاء في الإتيان بالمعدن هنا؛ إذ المأخوذ منه زكاة.
وأما الركاز: فلما قدمناه في أول الزكاة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهما معاً في الحديث الذي هو أصل لهما.
ثم تكلم المصنف على المعدن بقوله: (فَأَمَّا الْمَعْدِنُ ..) إلخ.
أي: أن المعدن إذا وجد في أرض غير مملوكة لأحد كالفيافي وما انجلى عنه أهله، فيكون حكمه للإمام اتفاقاً، أي: النظر فيه إما بالإقطاع، وإما أن يوكل من يعمل فيه للمسلمين.
فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيِّنٍ، فَقَوْلانِ: للإِمَامِ وَلِلْجَيْشِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ، أَوْ لِلْمُصَالِحِينَ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ، وَالْمَشْهُورُ: لِلإِمَامِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةْ، وَلِلْمُصَالِحِينَ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ يعني: أنه اختلف في المعدن الموجود في أرض مملوكة لكن مالكها غير معين على ثلاثة أقوال: [129/ ب] الأول: أنه للإمام في أرض العنوة والصلح، حكاه ابن حبيب عمن لقي من أصحاب مالك، هكذا حكاه الباجي وغيره.
وقال ابن زرقون: انظر ما حكاه عن ابن حبيب في أرض الصلح، وإنما ذكر ابن حبيب هذا في فيافي أرض الصلح لا في أرضهم المتملكة، ولا خلاف أعلمه في معادن أرض الصلح المتملكة أنها لأهل الصلح.
انتهى.

القول الثاني: أنه للمالكين وهم إما مسلمون؛ أي: الجيش الذين افتتحوا الأرض إن كانوا موجودين، أو لورثتهم إن ماتوا.
وإما غير مسلمين، وهم المصالحون عن أرضهم أو ورثتهم.
والقول الثالث: وهو المشهور أن النظر للإمام في أرض العنوة، وأن النظر في أرض الصالحين.
وقوله: (لِلإِمَامِ) هو القول الأول.
وقوله: (وَلِلْجَيْشِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ، أَوْ لِلْمُصَالِحِينَ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ) هو القول الثاني.
وقوله: (وَالْمَشْهُورُ) هو القول الثالث.
ومنشأ الخلاف بين الأولين هو ما علم، هل مالك ظاهر الأرض لا يملك باطنها أو يملك؟ وما شهره المصنف هو قول ابن القاسم في المدونة.
خليل: ويناقش المصنف في حكاية الخلاف في أرض العنوة؛ إذ لا خلاف أن النظر فيها للإمام يقطعها لمن رآه.
حكى الاتفاق ابن يونس وغيره.
وكذلك حكى ابن يونس الاتفاق على ما ظهر من المعادن في أرض الحرب أن النظر فيه للإمام.
وعلى هذا فحاصل المسألة: أن ما حكاه المصنف من الخلاف في أرض الصلح صحيح على كلام الباجي ولا يصح على كلام ابن زرقون، وأما ما حكاه من الخلاف في أرض العنوة فغير صحيح، وإن كان ابن رشد قرره على ظاهره.
وحكى في المقدمات- بعد أن قرر أن الموجود في أرض الصلح لأهل الصلح- قولين: أحدهما: أن أهل الصلح إذا أسلموا رجع النظر في ذلك للإمام، قال: وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يبقى لهم ولا يرجع للإمام، وهو مذهب سحنون.
فإن قلت: ما معنى قولكم: إن المالك غير معين مع الحكم لورثتهم، والوارث لابد أن يكون موروثه معيناً؟ فالجواب: أن المراد بعدم التعيين كونه ليس لشخص ولا لأشخاص قليلين، بل لجماعة

كثيرة كأهل الصلح والجيش، وحيئنذ فلا منافاة بين عدم تعيينهم وبين الحكم لورثتهم بالمعدن.
وانظر إذا قلنا لورثتهم هل معناه على سبيل الإرفاق فيستوي فيه الذكر والأنثى، أو كالفرائض.
والأول أظهر.
وَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَيْناً فَلِلإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلِلْمَالِكِ تصور هذه الأقوال واضح، والقولان الأولان لمالك.
والذي أخذ به ابن القاسم أن النظر فيه للإمام، قاله في المقدمات، وهو مذهب المدونة.
والقول بأنه لمالك الأرض لمالك في الموازية.
والثالث لسحنون وبكلامه هنا تعلم منه أن كلامه فيما تقدم شامل للعين وغيره.
وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ دُونَ الْحَوْلِ كَالْحَرْثِ اختلف العلماء في المعدن، فقال أبو حنيفة: إنما يجب فيه الخمس، وقال مالك والشافعي: تجب فيه الزكاة.
لكن مالكاً- رحمه الله- لم يشترط فيه الحول واشترطه الشافعي، واستدل في المدونة بحديث معادن القبلية وهو في الموطأ، وفيه: "فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة".
قال ابن نافع في كتاب ابن سحنون: والقبلية لم تكن لأحد وإنما كانت بفلاة.
ولا خفاء في دلالته على أخذ الزكاة لا الخمس، فإن قلت: لا دلالة فيه على عدم اشتراط الحول، وإذا لم تكن فيه دلالة فلابد من اشتراطه كما قاله الشافعي؛ عملاً بما رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي من قوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
فجوابك: أن حديث المعادن خاص بالنسبة إلى حديث الحول.
وقوله: "لا يؤخذ منها إلا الزكاة" يقتضي ظاهره عدم اشتراط الحول؛ لأن بمرور الحول لا تبقى بإضافة العين إلى المعدن فائدة، ولاسيما إن كان تجر فيها.
ألا ترى أنك لا تقول: لا تجب في العين الموروثة والمتصدق بها أو نحو ذلك إلا الزكاة؛ لاشتراطك الحول في ذلك والله أعلم.

فرع: قال الباجي: يتعلق وجوب الزكاة في المعدن بنفس خروجه، ويتوقف الإخراج على التصفية.
وقال غيره: إنما يتعلق به بالتصفية.
وفائدة هذا الخلاف فيما إذا أنفق شيئاً بعد الإخراج وقبل التصفية.
وَفِي ضَمِّ النَّاقِصِ إِلَى عَيْنٍ حَالَ حَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ نَاقِصاً قَوْلانِ مثاله: لو أخرج من معدنه عشرة وعنده مال حال حوله، نصاباً كان أو غيره، كما لو كان عنده عشرة.
والقول بالضم لعبد الوهاب، والقول بعدمه خرجه اللخمي من قول سحنون.
وضعف ابن يونس الضم، فإنه قال: وقول عبد الوهاب خلاف للمدونة؛ لأنه يلزم عليه لو أخرج من المعدن عشرة دنانير، ثم انقطع ذلك النيل وابتدأ آخر، فخرجت له عشرة أخرى منه والعشرة الأولى بيده أنه يضيف ذلك ويزكي؛ لأنه يقول: لو [130/ أ] كانت له عشرة دنانير حال حولها لأضافها إلى هذه العشرة التي حال حولها وزكى، فإضافتها إلى هذه المعدنية أولى، وهذا خلاف لقول مالك.
انتهى.
ومقتضى كلامه في المقدمات: أن هذه الصورة التي ألزمها ابن يونس لعبد الوهاب يتفق فيها على الزكاة، فإنه قال: إذا انقطع النيل بتمام العرق، ثم وجد عرقاً آخر في المعدن نفسه، فإنه يستأنف مراعاة النصاب.
وفي هذا الوصف تفصيل، إذ لا يخلو ما نض له من النيل الأول أن يتلف من يده قبل أن يبتدئ النيل الثاني، أو أن يبقي بيده إلى أن يكمل عليه من النيل الثاني نصاب.
فإن تلف من يده قبل أن يبدأ النيل الثاني، فلا خلاف أنه لا زكاة عليه؛ لأنه بمنزلة فائدة حال حولها وتلفت ثم أفاد ما يكمل به النصاب.

وأما إن تلفت بعد أن بدأ النيل الثاني وقبل أن يكمل النيل الأول، أنه لا زكاة عليه؛ لأنه في التمثيل كمن أفاد عشرة دنانير ثم أفاد بعد ستة أشهر عشرة دنانير أخرى، فحال الحول على العشرة الثانية وقد تلفت العشرة الأولى بعد حلول الحول عليها، فتجب عليه الزكاة عند أشهب، ولا تجب عند ابن القاسم.
انتهى.
فمقتضاه أنه لو بقي النيل الأول إلى أن كمل النصاب، لزكى بالاتفاق كما في الفوائد.
وَالْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ يُضَمُّ، وَلِذَلِكَ يُزَكَّى مَا اتَّصَلَ بَعْدَ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ انْقَطَعَ النَيْلُ ثُمَّ عَادَ لَمْ يُضَمَّ اتِّفَاقاً .... هذه المسألة على ثلاثة أوجه: إن اتصل النيل والعمل، ضم بعضه إلى بعض حتى يجتمع منه نصاب فيزكيه، ثم يزكي ما يخرج بعد ذلك وإن قل اتفاقاً.
وقوله: (ولذلك) أي: ولأجل أن العمل المتصل، وكلامه واضح.
الثاني: أن ينقطع النيل- أي: ما ينال منه- والعمل ثم يبتدئ الآخر، فلا يضم أحدهما إلى الآخر اتفاقاً.
الثالث: أن يتصل العمل وينقطع النيل، فالمذهب عدم الضم، ولابن مسلمة أنه يضم، نقله عنه التلمساني.
وعلى هذا فيحمل كلامه على ما إذا انقطع النيل والعمل ليصح الاتفاق، وليس من صور المسألة العكس أن ينقطع العمل ويتصل النيل، وحد الانقطاع: هو ما نقله صاحب النوادر، ولفظه من الواضحة: وإذا انقطع عرق المعدن قبل بلوغ ما فيه الزكاة وظهر له عرق آخر، فليبتدئ الحكم فيه، قاله مالك، وقاله ابن الماجشون.
انتهى.
وفي الموطأ نحوه.
وظاهره: أنه لو انقطع العرق ثم وجد في تلك الساعة عرقاً آخر، أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر.

وَفِي تَكْمِيلِ مَعْدِنٍ بِمَعْدِنٍ فِي وَقْتِهِ قَوْلانِ القول بالضم نسبه ابن يونس، وابن راشد لابن القاسم، ونسبه صاحب النوادر، والباجي، واللخمي، والتونسي، وصاحب المقدمات لابن مسلمة.
قال ابن رشد: وهو عندي تفسير لما في المدونة؛ لأن المعادن بمنزلة الأرضين فكما يضيف زرع أرض الي أرض له أخرى فكذلك المعادن.
قال ابن يونس: وهو أقيس.
وعدم الضم لسحنون.
وقوله: (فِي وَقْتِهِ) احترازاً مما إذا كانا في وقتين، فإنهما لا يضمان اتفاقاً.
وقوله: (في وقته) هو كقول اللخمي.
وأما المعدنان: فاختلف إذا ابتدأ في أحدهما فلم ينقطع نيله حتى عمل في الآخر وأدرك نيلاً، فذكر قولين.
وكذلك قال في المقدمات.
وَفِي ضَمِّ الذَّهَبِ إِلَى الْفِضَّةِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْدِنُ وَاحِداً قَوْلانِ قال في الجلاب: ومن كان له معدنان ذهب وورق، ضم ما يخرج من أحدهما إلى الآخر وزكاه.
قال الباجي: وهو الجاري على قول ابن مسلمة، وأما على قول سحنون فلا.
ويبعد أن يوجدا في معدن واحد، وكذلك قال التلمساني.
وَيُعْتَبَرُ الإِسْلامُ وَالْحُرِّيَّةُ بِخِلافِ الرِّكَازِ لقوله عليه الصلاة والسلام: "وفي الركاز الخمس" وأطلق.
وَلَوْ أَذِنَ لِجَمَاعَةٍ، فَفِي ضَمِّ الْجَمِيعِ قَوْلانِ، وَعَلَيْهِمَا لَوْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَفِي وُجُوبِهَا قَوْلانِ ..... أي: إذا أعطى المعدن لجماعة يعملون على أن ما يخرج منه لهم.
فقال سحنون: كالشركاء لا تجب إلا على حر مسلم.
وقال ابن الماجشون: يضم الجميع ويزكيه رب المال، قال: والعبد كالحر، والكافر كالمسلم، وقاله المغيرة.
وقد اتضع لك معنى قوله: (وَعَلَيْهِمَا لَوْ كَانُوا ...) إلخ.

وحاصل الخلاف: هل يعتبر كل واحد من العاملين، أو لا عبرة بهم وإنما العبرة برب المعدن، والظاهر أنهم كالشركاء.
وَفِي دَفْعِهِ لِعَامِلٍ بِجُزْءٍ كَالْقِرَاضِ قَوْلانِ الجواز لمالك في كتاب ابن سحنون.
وقد ذكر ابن رشد في مقدماته القولين، ونسب القول بالجواز لابن القاسم، قال: وهو اختيار فضل بن مسلمة، قال: لأن المعادن [130/ ب] لما لم يجز بيعها جازت المعاملة فيها على الجزء كالمساقاة والقراض.
والقول الآخر: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه غرر، وهو قول أصبغ في العتبية، واختيار ابن المواز، وقول أكثر أصحاب مالك.
فرع: وهل يجوز أن يدفع المعدن ربه للعامل بشيء معلوم ويكون ما يخرج منه للعامل بمنزلة من أكرى أرضه بشيء معلوم؟ قال ابن زرقون: روى ابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون جوازه، ومنعه سحنون، وروي عن سحنون أيضاً الجواز.
وعلى هذا لا يجوز أن يكري بذهب أو فضة، كما لا تكرى الأرض بطعام، ولا بما يخرج منها في المشهور.
قال: ولا خلاف في الجواز إذا استؤجر العامل بأجرة معلومة وما يخرج منه لربه، وتكون زكاته حينئذ معتبرة على ملك ربه.
انتهى.
وَالْمُخْرَجُ مِنَ الْعَيْنِ خَاصَّةً رُبُعُ الْعُشْرِ لا إشكال في وجوب ربع العشر؛ لكون المأخوذ زكاة.
وقوله: (خَاصَّةً) راجع إلى العين لا إلى ربع العشر؛ أي: إنما يخرج من العين خاصة.
قال في المدونة: ولا زكاة في معادن الرصاص، والنحاس، والحديد، والزرنيخ وشبهه.

وَفِي النَّدْرَةِ الْمَشْهُورُ: الْخُمُسُ، وَثَالِثُهَا: إِنْ كَثُرَتْ (النَّدْرَةِ) ما يوجد في المعدن مجتمعاً.
أبو عمران: الندرة: التراب الكثير الذهب السهل التصفية، مأخوذ من الندور.
قال في التنبيهات: وهو بفتح النون وسكون الدال.
المشهور فيها- كما ذكر- وجوب الخمس، نص عليه في المدونة والموازية.
قال في المدونة: فأما الندرة من ذهب أو فضة، أو الذهب الثابت يوجد بغير عمل أو بعمل يسير ففيه كالركاز.
وما نيل من ذلك بتكليف أو مؤنة، ففيه الزكاة.
ولفظ الموازية قريب منه.
قال ابن يونس: فظاهر هذا القول أنه يؤخذ منه الخمس وإن كانت أقل من عشرين ديناراً كالركاز.
قال: ولو قال قائل: لا تكون ندرة ولا يؤخذ منها الخمس حتى تكون نصاباً لم أعبه؛ لأنه مال معدني.
انتهى.
والقول الثاني: وجوب الزكاة، رواة ابن نافع.
وتفرقة الثالث ظاهرة.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يرجع في تفريق القليل من الكثير إلى العرف، ولا ينظر فيه إلى ما قاله ابن الجلاب رحمه الله.
انتهى.
خليل: وفيه نظر؛ لأن العرف إنما يرجع إليه في الأمور المعتادة التي جرى فيها عرف واستقر، وهذه نادية.
ولم يذكر ابن الجلاب ما نسبه إليه في الندرة، وإنما ذكره في قليل الركاز، وسيأتي.
فرع: إذا قلنا برواية ابن القاسم، فإن العمل المعتبر في تمييز الندرة من غيرها هو التصفية للذهب والتخليص لها دون الحفر والطلب، فإذا كانت القطعة خالصة لا تحتاج إلى تخليص، فهي القطعة المشبهة بالركاز وفيها الخمس، وأما إن كانت ممازجة للتراب وتحتاج إلى تخليص فهي المعدن، وتجب فيها الزكاة، حكاه الباجي عن الشيخ أبي الحسن.

وَمَصَرِفُهُ كَالزَّكَاةِ أي: لأنه زكاة، وإذا فرعنا على المشهور في الندرة، فمصرفها مصرف الخمس.
وَأَمَّا الرِّكَازُ، فَعُلَمَاءُ الْمَدِينَة عَلَى أَنَّهُ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ يُوجَدُ بغَيرِ نَفَقَةٍ وَلا كَبِيرِ عَمَلٍ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا، فَالزَّكَاةُ .. معناه: في الموطأ.
قال في الواضحة: والركاز: دفن الجاهلية خاصة.
والكنز يقع على دفن الجاهلية ودفن الإسلام.
وليس المراد بالنفقة وكبير العمل ما يتعلق بالإخراج، بل هو محمول عندهم على نفقة الحفر والتصفية.
ابن عبد السلام: والضمير في (أَحَدُهُمَا) عائد على النفقة وكبير العمل، وليسا بمتلازمين؛ إذ قد يعمل مدة طويلة هو وعبيده ولا ينفق نفقة كثيرة.
وَفِي غَيْرِ الْعَيْنِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهِ قَوْلانِ، وَرَجَعَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ قال في المدونة: وما أصيب من دفن الجاهلية من الجوهر، والحديد، والنحاس وشبهه، فقال مالك مرة: فيه الخمس.
ثم قال: لا خمس فيه.
ثم قال: فيه الخمس.
قال ابن القاسم: وبه أقول.
انتهى.
وما اختاره ابن القاسم هو اختيار مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وصوبه اللخمي وهو الظاهر؛ لأنه يسمى ركازاً بحسب الاشتقاق، لكن دفن غير العين نادر، فيكون منشأ الخلاف دخول الصور النادرة تحت اللفظ العام.
وقوله: (وَرَجَعَ عَنْهُ) أي: رجع عن الخمس، وهو ظاهر.
فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَيْشِ، وَلا لِلْمُصَالِحِينَ، مَمْلُوكَةً أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَلِوَاجِدِهِ الْمَالِكِ اتِّفَاقاً، وَفِي غَيْرِ الْمَالِكِ الْمَشْهُورُ: لَهُمْ ... الأراضي ثلاثة: أرض عنوة، وأرض صلح، وأرض للمسلمين وهي قسمان: مملوكة لمعين، وغير مملوكة له.
وتكلم هنا على القسم الثالث؛ يعني: إن كانت الأرض التي وجد

فيها الركاز غير مملوكة للجيش ولا للمصالحين، سواء كانت مملوكة لمعين أو لا، فإن وجده المالك للأرض [131/ أ] كان له اتفاقاً، وإن وجده غير المالك، فالمشهور أنه للمالك بناء على أن من ملك ظاهر الأرض يملك باطنها، وإليه أشار بقوله: (الْمَشْهُورُ: لَهُمْ) ومهما قال في هذا الفصل لهم، فالمراد المالك.
وقيل: للواجد، بناء على عدم ملك باطنها.
وقد أجروا جميع ما في هذا الباب على هذه القاعدة، وصحح بعضهم أن من ملك ظاهر الأرض يملك باطنها؛ لقوله عليه السلام: "من غصب قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين".
وفهم من قوله: أنه إذا وجد في أرض غير مملوكة أنه يكون للواجد اتفاقاً؛ لأنه إذا كان للواجد على أحد القولين مع معارضة الملك، فلأن يكون للواجد مع عدم المعارضة من باب أولى، وكذا حكى الباجي عن مالك أنه للواجد في الأرض غير المملوكة.
قال: ولا أعلم فيه خلافاً.
ابن عبد السلام: هكذا يوجد في بعض النسخ وفيه قصور؛ لأن ظاهر قوله: (وَفِي غَيْرِ الْمَالِكِ) يقتضي أن التقسيم في المملوكة إما أن يجده المالك أو غيره، وتبقى غير المملوكة مسكوتاً عنها، ويوجد في بعض النسخ: (وإن كان في موات فلواجده، وفي ملك غير موات فلمالكه الواجد اتفاقاً، وفي غير المالك قولان) وهذا أحسن من الأول.
انتهى.
ويمكن أن يقال: ليس في كلامه قصور؛ لأنه يؤخذ منه حكم الواجد في أرض الموات كما ذكرنا، مع ما في هذا من تعيين المشهور، فهي أحسن.
فَإِنْ كَانَتْ عُنْوَةً أَوْ صُلْحاً، فَالْمَشْهُورُ: لَهُمْ، وَقِيلَ: لِلْوَاجِدِ يعني: فإن كانت الأرض التي وجد فيها الركاز عنوة أو صلحاً، فالمشهور: لهم؛ أي: للجيش في العنوة، ولأهل الصلح في أرض الصلح.
فإن لم يوجدوا وانقطع نسلهم كان

كمال جهل أصحابه.
وقال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع: للواجد، وفي كلامه إطلاق يقيده ما في التهذيب، قال فيه: وإن وجد بأرض الصلح، فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس، وإن وجد في دار أحدهم فهو لجميعهم، إلا أن يجده رب الدار فيكون له خاصة، إلا أن يكون رب الدار ليس من أهل الصلح، فيكون ذلك لأهل الصلح دونه.
وقال في الجلاب: وما وجد في أرض الصلح ففيه الخمس ولا شيء لواجده فيه.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون واجده من أهل الصلح فيكون ذلك له.
وقال غيره: بل هو لأهل الصلح.
فرع: فإن لم يوجد أحد ممن افتتحها ولا من ورثتهم، فيكون لجماعة المسلمين ما كان لهم وهو أربعة أخماسه، ويوضع خمسه موضع الخمس، قاله ابن القاسم في الموازية.
قال اللخمي، وقال سحنون في العتبية: إذا لم يبق من الذين افتتحوها أحد، ولا من أولادهم، ولا من نسائهم، جعل مثل اللقطة وتصدق به على المساكين.
انتهى.
فرع: وحيث حكمنا به لأهل الصلح، فقال في الجلاب: يخمس.
وقال في المدونة: لا يخمس.
فرع: ولو وجد الركاز في موضع جهل حكمه، فقال سحنون في العتبية: هو لمن أصابه أي: ويخمس.
فَإِنْ كَانَ مِنْ دِفْنِ الْمُصَالِحِينَ، فَلِمَالِكِهِ إِنْ عُلِمَ وَإِلا فَلَهُمْ ووقع في بعض النسخ هنا ما هذا لفظه: (فإن كان ملكاً عنهما، ففي المالك قولان، وفي غيره ثالثها: للواجد) ومعناها: فإن كان الموضع الذي وجد فيه الزكار ملكاً عنهما؛

أي: عن أهل العنوة أو الصلح بشراء منهم أو هبة، ووجده المشتري فهو له، وقيل: لمن انتقلت عنه، وهذا القدر كافٍ هنا.
والله أعلم.
وَإِنْ كَانَ مِنْ دَفْنِ الإِسْلامِ، فَلُقَطَةُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيِّ أي: وإن كان من دفن أهل الإسلام، ومراده ما كان محترماً بأهل الإسلام؛ ليعم دفن المسلم والذمي؛ لأن حرمة ماله تابعة لحرمة المسلمين.
وقوله: (فَلُقَطَةُ لِمُسْلِمٍ) أي: فيعرف؛ لأن أحاديث اللقطة خاصة بالنسبة إلى أحاديث الركاز.
ابن عبد السلام: قالوا وما لم تظهر عليه أمارة الإسلام أو الكفر حمل على أنه من دفن الكفر؛ لأن الغالب أن الدفن والكنز من شأنهم؛ أي: فيكون لواجده وعليه الخمس.
وقال ابن رشد: إن لم توجد علامة الإسلام أو الكفر، أو كانت عليه وطمست، فقال سند: إنه يكون لمن وجده، قياساً على قول سحنون المتقدم، فيما إذا وجد في أرض مجهولة بجامع، أنه لا يعرف المالك.
قال سند: وقال بعض أصحابنا: هو لقطة إذا وجد بأرض الإسلام تغليباً للدار.
قال: والأول هو المشهور، وقد اتفقوا على أنه يخمس، ولو كان لقطه ما خمس.
قال: وهذا إذا وجد بالفيافي في بلاد الإسلام، وأما إذا وجد في ملك أحد، فإنه له عندهم اتفاقاً، ولو كان لقطة لاختلف حكمه، وحكاه في البيان.
انتهى كلام ابن راشد.
خليل: وانظر كيف ذكر سند أولاً أن كونه للواجد مخرج على قول سحنون، ثم إنه قال: إنه المشهور.
وَالْمُخْرَجُ: الْخُمُسُ لِمَصْرِفِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وِلا يُعْتَبَرُ الإِسْلامُ وَلا الْحُرِّيَّةُ ... المشهور لمالك في المدونة، قال فيها: يجب فيه الخمس قليلاً كان أو كثيراً وإن نقص عن مائتي درهم.
والشاذ في كتاب ابن سحنون، ورواه [131/ ب] ابن نافع عن مالك،

ولم أر تحديد القليل بدون النصاب في الشاذ، ولهذا قال ابن الجلاب- لما ذكر الروايتين-: ويشبه أن يكون القليل ما دون النصاب، والشاذ مشكل.
وَفِيهَا: كَرِهَ مَالِكٌ حَفْرَ قُبُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالطَّلَبَ فِيهَا، وَلَسْتُ أَرَاهُ حَرَاماً هذه وقعت هنا في بعض النسخ، وهذا الكلام في المدونة.
وضمير (لَسْتُ) عائد على ابن القاسم، واختلف في العلة، فقيل: خمشية أن يصادف قبر نبي.
وقيل: للنهي الوارد عن دخول قبور الكفار بغير اتعاظ، وطلب الكنوز من أمر الدنيا وهو ينافي الاتعاظ.
وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، فَلِوَاجِدِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ، وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ يعني: أن ما ألقاه البحر ولم يتقدم عليه ملك، فهو لمن وجده من غير تخميس.
فلو رآه أولاً ثم سبق إليه آخر كان للسابق.
وقوله: (وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ) من باب عطف الخاص على العام، وخصصهما لنفاستهما وللتنبيه على الخلاف فيهما.
فقد حكي عن أبي يوسف: أنه أوجب في العنبر وكل حلية تخرج من البحر الخمس حين خروجها.
قال ابن عبد البر: وقاله عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- وبه كان يكتب إلى عماله.
فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكاً، فَقَوْلانِ، وَكَذَلِكَ مَا تُرِكَ بِمَضْيَعَةٍ عَجْزاً، وَإِنْ كَانَ لِحَرْبِيِّ فِيهِمَا فَلِوَاجِدِهِ بِغَيْرِ تَخْمِيسٍ ... أي: إذا لفظ البحر مالاً، وكان مملوكاً، فقيل: هو لواجده؛ لأنه مستهلك.
وقيل: لمالكه؛ لأنه لم يتركه اختياراً.
قوله: (وَكَذَلِكَ مَا تُرِكَ) أي: وكذلك يجري القولان فيما ترك بمضيعة عجزاً، ومن في البحر وعجز عنه ربه ومر تاركاً له.
قال القاضي أبو بكر: إذا ترك الحيوان أهله بمضيعة عجزاً فقام عليه إنسان حتى أحياه، ففيه روايتان: إحداهما: أنه له، قال: وهو الصحيح؛ لأنه لو تركه لغيره بقوله فقبضه كان له، وكذلك إذا تركه بفعله، قال: وأما لو كان تركه بغير اختياره كعطب البحر، فهو لصاحبه وعليه لجالبه كراؤه ومؤنته.
انتهى.
يريد: أو يدعه لجالبه كما في نظائرها.

وقال في البيان في باب اللقطة: والصواب في الحيوان إذا تركه صاحبه بمضيعة هو على ثلاثة أوجه: الأول: أن يتركه على أن له الرجوع فيه إن أخذه آخذ.
والثاني: أن يتركه على أنه لمن وجده.
والثالث: أن يتركه ولا نية له.
فأما إن تركه على أن له الرجوع فيه إن أخذه أحد وعاش عنده ولم يشهد على ذلك، فقيل: إنه يصدق في ذلك.
وقيل: لا يصدق، إلا أن يكون إرساله إياه في أمن وماء وكلأ.
واختلف إذا صدق في ذلك، هل بيمين أو بغير يمين على اختلافهم في يمين التهمة؟ قال: ولا خلاف أنه إذا أرسله في أمن وماء وكلأ أن له الرجوع فيه على ما ذكرناه.
وأما إن تركه على أنه لمن أخذه، فلا سبيل له إلى أخذه ممن أخذه.
وأما إن تركه ولا نية له، فقيل: كالأول.
وقيل: كالثانية.
قال في العتبية: ولا أجر للقائم على الدابة.
قال في البيان: يريد إذا قام عليها لنفسه لا لصاحبها، ولو أشهد أنه إنما يقوم عليها لصاحبها؛ إن شاء أن يأخذها ويؤدي له أجر قيامه لكان له ذلك، ولو لم يشهد في ذلك وادعاه لصدق، وهل بيمين أو بغير يمين؟ يجري على الخلاف في توجيه يمين التهمة.
قال: وأما النفقة فلا شك في رجوعه بها.
انتهى.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ لِحَرْبِيِّ فِيهِمَا) أي: في الملفوظ وفيما ترك بمضيعة عجزاً وقوله: (بغير تخميس) أي: لأنه لم يوجَف عليه بخيل ولا ركاب.
فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ بِقِتَالٍ هُوَ السَّبَبُ فَفِيهِ الْخُمُسُ وَإِلا فَفَيْءٌ أي: أن أخذ مال الحربي على ثلاثة أقسام: الأول: إن أخذه بقتال هو السبب؛ أي: في أخذه، كما لو كان الحربي بحيث لا تؤمن منه الغلبة.
والباء في (بِقِتَالٍ) للمصاحبة؛ أي: أخذه مصاحباً لقتال.
الثاني: أن يأخذه بغير قتال.

الثالث: أن يأخذه بقتال ليس هو السبب، كما إذا تركوه وقاتلوا للدفع عن أنفسهم، وإلى حكم هاتين الصورتين الأخيرتين أشار بقوله: (وَإِلا فَفَيْءُ) النَّعَمُ شَرْطُهَا كَالْعَيْنِ، وَمَجِيءُ السَّاعِي إَنْ كَانَ، وَهِيَ: الإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ استعمل لفظة (النَّعَمُ) في الأنواع الثلاثة؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 94] وقال الجوهري: والنعم واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل.
قال الفراء: هو مذكر لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد يجمع على نعمان، مثل جمل وجملان.
والأنعام تذكر وتؤنث.
انتهى.
وقوله: (شَرْطُهَا كَالْعَيْنِ) أي: أن يكون نصاباً مملوكاً حولاً كاملاً ملكاً كاملاً، ولا يتأتى هاهنا اشتراط عدم العجز كما تقدم في العين؛ إذ الماشية تنمو بنفسها، فهو من باب صرف الكلام لما يصلح له.
وَالْمَعْلُوفَةُ وَالْعَوَامِلُ كَغَيْرِهِا أي: المعلوفة في وجوب الزكاة كالسائمة، والعوامل كالهوامل في إجاب الزكاة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "في سائمة الغنم الزكاة" خرج مخرج [132/ أ] الغالب، ولا مفهوم له.
وَفِي الْمُتَوَلِّدِ مِنْهَا وَمِنَ الْوَحْشِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَتْ الأُمَّهَاتُ مِنَ النَّعَمِ وَجَبَتْ صرح ابن شاس بالسقوط، وصححه ابن عبد السلام؛ لعدم دخول هذا النوع تحت الأنعام، ونسبه اللخمي لمحمد بن عبد الحكم، والتفصيل لابن القصار، ووجهه أن الولد في الحيوان غير العاقل تابع لأمه.
وقال اللخمي: لا أعلمهم يختلفون في عدم تعلق الزكاة إذا كانت الأم وحشية.
وقطع بعضهم بعدم الخلاف.
وتبع المصنف في حكايته الثلاثة ابن بشير.
وقد يقال: إن كلامه وكلام المصنف أولى؛ لأن المثبت أولى من المنفي.

وصورتها: أن تضرب فحول الظباء في إناث المعز أو العكس، وكذلك البقر.
قال ابن بشير: وهذه المسألة اجتمع فيها موجب ومسقط.
والضمير في (منها) عائد على النعم.
الِإبِلُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ فَبِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتاً وَثَلاثِينَ فَبِنْتُ لَبُون، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتّاً وَأَرْبَعِينَ فَحِقَّةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ إَحْدَى وَسِتِّينَ فَجَذَعَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتاً وَسَبْعِينَ فَبِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَحِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمَائِةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةُ، إَلا أَنَّ فِيمَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلاثِينَ رِوَايَتَيْنِ: تَخْبِيرُ السَّاعِي، وِحِقَّتَانِ.
وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ ثَلاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ ... هذا ظاهر، وليس فيه إلا الاتباع.
وظاهر قوله: (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةُ) أن الزائد على الخمس معفو لا شيء فيه، وهو خلاف ما رجع إليه مالك من أن الشاة مأخوذة عن الخمس مع ما زاد، ويظهر أثر ذلك في الخلطة.
وقوله: (إَلا أَنَّ فِيمَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ ..) إلخ.
يعني: أنه لا خلاف أن في مائة وعشرين حقتين؛ لنص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا خلاف أن في مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون.
واختلف فيما بين العشرين والثلاثين؛ أي: من إحدى وعشرين إلى تمام تسعة وعشرين على ثلاثة أقوال، وتصورها من كلامه ظاهر.
قال في المقدمات: والمشهور عن مالك تخيير الساعي بين أن يأخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
ومنشأ الخلاف قوله صلى الله عليه وسلم بعد حكمه بأن في المائة وعشرين حقتين، فما زاد ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، هل يحمل على زيادة العشرات، فيستمر فرض الحقتين إلى مائة وثلاثين، أو على مطلق الزيادة، فيؤخذ ثلاث بنات لبون؟ قال ابن بشير: واختلف المتأخرون في توجيه القول بالتخيير، فمنهم من رآه على الشك والتردد لاحتمال الحديث، ومنهم من رآه مبنياً على أنه مقتضى الحديث.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل