خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له، ثم قيل: ما في الموضعين خلاف، وقال أبو عمران: المراد بالكفيل في الشهادات الوكيل، بمعنى أنه يوكل من يلازمه ويحرسه؛ لأنه يطلق على الوكيل كفيل، وقال ابن يونس: في الحمالة؛ يعني عن ابن القاسم: إذا لم يكن المدعي عليه معروفاً مشهوراً فللطالب عليه كفيل بوجهه ليوقع البينة على عينه، وأما لو كان المدعي عليه معروفاً مشهوراً؛ فليس للطالب عليه كفيل بوجهه، لأنا نسمع عليه البينة في غيبته، [690/أ] وكذلك معنى قول ابن القاسم، والله أعلم.
وَإِذَا امْتَنَعَع الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَرَوَى أَشْهَبُ: يُحْبَسُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالنَّاكِلِ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بالْبَيِّنَةِ طُولِبَ بِهَا وَحُكِمَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخَيَّرُ فِي الثَّلاثَةِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَانَ عَلَى حُجَّتِهِ ...
يعني: إذا فرغ المدعي من دعواه كلف المدعي عليه بالجواب بأن يقر أو ينكر، فإن لم يفعل؛ فروى أشهب: يحبس حتى يقر أو ينكر واستصوبه محمد.
ابن راشد: وهو الظاهر؛ لأن الخصم لم يتوجه عليه غير ذلك.
ابن عبد السلام: وبه جرى العمل ويؤدب.
ابن سهل: وأفتى فقهاء قرطبة في مثل هذا بالضرب حتى يقر أو ينكر، فإن تمادى على إنكاره حلف عليه بغير يمين.
وقال أصبغ: لا يخلو الذي وقع التنازع فيه إما أن يثبت بالنكول واليمين أو لا؛ فالأول: يقول القاضي إما أن تجيب، وإما أن يحلف ويحكم له عليك.
وهذا بشرط أن تكون الدعوى مشبهة ولم يتعرض المصنف لهذا الشرط لكونه شرطاً في مطلق الدعوى، وسيأتي تنبيه المصنف.
والثاني: وهو أن تكون الدعوى مما لا يثبت إلا ببينة، فإنه يطلب خصمه، فإن تمادى هذا على ترك الكلام حكم عليه، وهذه الزيادة أيضاً لا تفهم من كلام المصنف، وقال محمد بن المواز: يحكم عليه ولا يحتاج إلى يمين المدعين وقال اللخمي: مخير في الثلاثة
المتقدمة؛ فإما أن يحبس له المدعى عليه فيجيب بالإقرار أو الإنكار، وإما أن يحلف ويأخذ ما وقع النزاع عليه ملكاً؛ لأن امتناع المدعى عليه من الجواب امتناع من اليمين في المعنى؛ لأن الجواب سابق على اليمين وشرط فيها، وإما أن يحكم له الآن دون يمين، فإن أجاب خصمه بعد ذلك بالإنكار سمع منه وتمم الحكم بينهما.
وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ السَّبَبِ، وَيُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ اليْمِينُ ...
يعني: أن المدعي إذا ادعى بألف درهم مثلاً؛ فللمدعي عليه أن يسأله من أي وجه يستحقها عليَّ، فإن بيَّن الطالب وجهه؛ وقف المطلوب عليه ولزمه أن يقر أو ينكر، وإن أبى ولم يدعِّ نسيانه لم يسأل المطلوب عن شيء، قاله أشهب في المجموعة، وهو في كتاب ابن سحنون أيضاً، ووجهه: أن المدعي إذا ذكر السبب يحتمل ان يكون فاسداً فلا يرتب على المدعي عليه غرامة.
وقوله: (وَيُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بغَيْرِ يَمِينٍ) وقال الباجي: القياس بيمين، هذا من تمام قول أشهب، وقول الباجي أظهر.
فرع:
وإن أنكر المطلوب المعاملة كلف الطالب البينة، نقله الباجي.
وَجَوابُ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ، وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السِّيِّدِ
لأنه إنما يكلف الجواب من يتوجه الحكم عليه، وفي معنى القصاص حدُّ القذف ونحوه.
وقوله: (وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السِّيِّدِ) يريد: إلا أن تقوم قرينة توجب إقرار العبد فيها بالمال، كما قال في كتاب الديات: في عبد على برذون مشى على أصبع صبي فقلعها فتعلق
به وهو يدمي، يقول: هذا فعل فيَّ، فصدقه العبد؛ أن الأرش يتعلق برقبة العبد، وأما على غير هذا من إقرار العبد فلا يقبل إلا بالبينة، وحيث قلنا إقرار العبد في القصاص يعفو عنه من يستحق القصاص على أن يأخذ العبد فليس له ذلك؛ لأن العبد يتهم على أن يكون أراد الفرار من سيده بإقراره على هذا الوجه، قاله في المدونة أيضاً.
وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هَوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ: يُزَادُ فِي رُبَُعِ دِينَارٍ، وَفِي الْقَسَامَةِ، وَاللِّعَانِ: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ....
ظاهره أنه لابد من الاسم المعظم ووصفه بالذي لا إله إلا هو.
المازري: والمعروف من المذهب المنصوص عند جميع المالكية أنه لا يكتفي بالله فقط، وكذلك نص عليه أشهب، وكذلك لو قال: وهو الذي لا إله إلا هو، ما أجزأه حتى يجمع بينهما، وقال اللخمي: الذي يقتضي قول مالك الإجزاء إذا اقتصر على أحدهما، واختاره واستدل له بلزوم الكفارة في أحدهما بغير خلاف.
المازري: وإنما تعلق ما نسبه لمالك بما وقع في المدونة في ذكره يمين اللعان في قوله: يقول بالله، وبما قاله في يمين اليهودي والنصراني أنه يقول بالله، وهذا ليس المقصود به عند مالك- رضي الله عنه- أنه اللفظ الذي يذكر هنا، وإنما أراد بيان ما وقع فيه الإشكال، وإثبات الزيادة واللعان، وإثبات ذكر الذي أنزل التوراة على موسى- عليه السلام- في حق اليهودي، وإثبات الذي أنزل الإنجيل على عيسى - عليه السلام- في حق النصراني.
وقوله: (وَرَوَى ابْنُ كِنَانَة ... إلخ) ظاهر التصور، وزيد في القسامة قول ثالث؛ أن يقول: أقسم الله الذي أحيا وأمات.
ويتحصل في فهم اللخمي في اللعان أقوال؛ الأول مذهب المدونة: بالله.
الثاني في الموازية: أشهد بعلم الله.
اللخمي: يريد أنه جائز لا أنه لا يجزئ غيره.
الثالث: القول الذي قدمه المصنف.
الرابع: القول الثاني من كلام المصنف.
الخامس: بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
ويتحصل فيه أقوال؛ أولها: بالله الذي لا إله إلا هو.
الثاني: أن يقول الذي أمات وأحيا.
الثالث: أن يقول لا إله [690/ب] إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
الرابع: وذكر ابن رشد أنه مضى به العمل عندهم: عالم الغيب والشهادة، ولم يذكر الرحمن الرحيم، وزاد فيه أن تكون الأيمان إثر صلاة العصر يوم الجمعة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ: الْذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ.
وَقِيلَ: يُزَادُ
الأول المشهور، والثاني رواه الواقدي عن مالك، ومعناه: يزاد على اليهودي؛ الذي أنزل التوراة على موسى، وعلى النصراني، الذي أنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام، وأطلق المصنف لعدم الإلباس، وإنما جمعها في القول الألو في سياق النفي.
قال في المدونة: ويحلفون في كنائسهم حيث يعظمون، وظاهر قول مالك: أن المجوسي يحلف كما يحلف المسلم بالله الذي لا إله إلا هو.
وقيل: لا يلزمه أن يقول إلا بالله، ومقتضى كلام المصنف أن الكتابي يقول في يمينه: والله الذي لا إله إلا هو.
وفي المدونة: ولا يحلف اليهودي والنصراني في قوله في لعان أو غيره إلا بالله.
عياض: فحمله بعض الشيوخ على ظاهره وأنهم لا يلزمهم تمام الشهادة؛ إذ لا يعتقدونها فلا يكلفون ما لا يدينون به وهو مذهب ابن شبلون، وفرق غيره بين اليهود فألزمهم ذلك لقولهم بالتوحيد وبين غيرهم.
وقال غيره: لنا يحلفون بالله فقط هنا، لما سأله عنه: أيزيدون الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والإنجيل على عيسى عليه السلام، فقال: أن يحلفوا بالله فقط لا يلزمون بما سألت عنه.
وذهب بعضهم إلى أن جميعهم يلزمه هذا اعتقده أم لا، رضيه أم كرهه، ولا يعد قولهم ذلك إسلاماً، وإنما هو حكم يجريه عليه الإسلام كما يلزمون فيما تحاكموا فيه مع المسلمين بحكم الإسلام، وإليه ذهب المتقدمون الأصحاب.
انتهى باختصار.
وَتُغَلَّظُ فِيمَا لَهُ بَالٌ بالْمَكَانِ.
وَقِيلَ: وَبِوَقْتِ الصَّلاةِ، وَتُغَلِظُ فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ بهِمَا ...
الذي له بال هو ربع دينار فصاعداً، (بالْمَكَانِ) أي: بالجامع.
وأما ما دون ذلك فيحلف حيث كان.
قوله: (وَقِيلَ: وَبوَقْتِ الصَّلاةِ) فهم منه شيئان؛ أولهما: أن الأول تغلظ بوقت الصلاة.
وثانيهما: أن القول الثاني وافق على التغليظ بالمكان أو لإثبات الدار.
وقوله: (بوَقْتِ الصَّلاةِ) أي: حين يحضر الناس في المساجد ويجتمعون للصلاة وتغلظ في الدماء وفي اللعان بهما؛ أي: بالزمان والمكان، وحاصله: أنه اتفق على التغليظ بهما في الدماء واللعان، واختلف في الأموال، ونزل قوله: (إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) [آل عمران:/ 77] فيمن حلف بعد العصر على يمين كاذبة.
فرع:
المازري: المعروف أنه لا ينوب مناب الجامع الأعظم آخر ولو كان مسجد جماعة وقبائل، وأخذ الباجي التحليف في سائر المساجد مما رواه ابن سحنون: في امرأتين ممن لا يخرجن فأمر أن يخرجا من الليل إلى الجامع، فسئل عن تحليفهما في أقرب المساجد ولا يكلفان إلى الجامع، فأجاب إلى ذلك، ورده المازري بكونه ذكر اختصاص من يُستحلف بمعنى يوجب تغير الحكم بكون امرأتين مخدرتين لا يتصرفان، فكما نقلهما من الحلف نهاراً إلى الليل ستراً عليهما كذلك ينقلهما إلى أقرب المساجد.
وَتَخْرُجُ الْمُخَدَّرَةُ مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْلاً، وَيُجْزِئُ فِي تَحْلِيفِهِمَا الوَاحِدُ، وَالاثْنَانِ أَوْلَى ...
أي: تخرج فيما له بال: لأن كلامه فيه، وظاهره أنه تخرج لربع دينار فصاعداً.
المازري: وهو المشهور وهو قول مطرف وابن الماجشون.
وفي الموازية عن ابن القاسم: أنها لاتخرج إلا في المال الكثير الذي له بال، وفسره اللخمي بالدينار فأكثر.
الجوهري: والخدر الستر، وجارية مخدرة: اللازمة الستر، وظاهر كلام المصنف: أنها تخرج ليلاً ولو كان لا تخرج جملة ولا تتصرف كنساء الملوك، وهكذا قال الأندلسيون، قالوا: وإن منعت من الخروج حكم عليها بحكم الملك.
عياض: وليس بصواب؛ لأنها مكرهة فكيف تؤخذ بذنب، وقال ابن كنانة وغيره، وهو الذي ذكره عبد الوهاب: إن مثل هذه تحلف في بيتها وهو ظاهر، والمدونة محتملة للقولين؛ لقوله: وإن كانت من لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً.
وفي بعض النسخ: (لا تخرج) ولم يذكر نهاراً، وهذا إنما هو فيما تطلب به المرأة من اليمين وجب عليها، فأما يمينها فيما تستحق به حقها فلتخرج إلى موضع اليمين، نص عليه ابن كنانة في المدونة وغيره ولم يذكر فيه خلافاً.
وقوله: (مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ) نحوه في الجواهر عن ابن عبد الحكم، والذي في المدونة: وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج، فخص ذلك بأم الولد، وقال بإثر ذلك: وأما العبد ومن فيه بقية رق فهو كالحر في اليمين.
ابن عبد السلام: وفي المدونة: وأما المكاتبة والمدبرة فهما كالحرة في اليمين.
خليل: لم أجد هذا في كل النسخ بل في بعضها، ولم يتكلم على هذه الزيادة أبو الحسن في التنبيهات في باب الأقضية.
وقوله- يعني في المدونة-: وأما ما سألت عنه من المكاتب والمدبر وأمهات الولد؛ فسننهم سنة الأحرار، إلا أني أرى أمهات الأولاد كالحرائر؛ منهن من تخرج ومنهن من لا تخرج.
حمل بعضهم الكلام الأول على الذكران دون الإناث، ولهذا استثنى أمهات
الأولاد، وعليه اختصر أبو محمد، وذهب آخرون إلى أن الكلام [691/أ] على الذكران والإناث وأنهم ما عدا أمهات الأولاد كالرجال في اليمين، وإنما استثنى أمهات الأولاد؛ لأن لهن حرمة ساداتهن وأبنائهن كحرمة الحرائر، ومن عداهن من المكاتبات والمدبرات والسراري كالذكران من الرجال، وإليه ذهب ابن محرز.
ووقع في كلام ابن القاسم في هذه المسألة في كتاب الشهادات: وأما ما سألت عنه من المدبرات والمكاتبة وأمهات الأولاد فسنتهم سنة الأحرار.
انتهى.
وهذايرجح سقوط التي ذكرها ابن عبد السلام، ثم قوله: (الحرة) يحتمل في نفس اليمين.
قوله: (وَيُجْزئءُ فِي تَحْلِيفِهِمَا الْوَاحِدُ، وَالاثْنَانِ أَوْلَى) وهو مذهب المدونة.
قال عياض: وهو أحد قوليه في هذا الأصل كالنظر في العيوب والترجمان، ونحو ذلك.
وَيَمِينُ الْمَسْجِدِ قَائِماً مُسْتَقْبِلاً.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ فِي لِعَانٍ أَوْ قَسَامَةٍ
أخذ من صريحه أن اليمين إذا كانت فيام له بال وأوقعت في المسجد يلزم فيها القيام والاستقبال، وفهم من كلامه أنه إذا لم تكن فيما له بال يحلفها كيف تيسر، وهذا قول مطرف وابن الماجشون، وهو خلاف مذهب المدونة؛ لأن فيها: وكل ما له بال فإنما يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه وليس عليه أن يستقبل القبلة، وروي عن مالك: أنه يحلف جالساً ولا يحلف قائماً.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ فِي لِعَانٍ أَوْ قَسَامَةٍ) أي: فيحلف فيهما قائماً مستقبلاً، وهو قول أشهب.
وَلاَ يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إِلا فِي الْمَدِينَةِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَاكَثَر، وَيَحْلِفُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ ...
نحوه في المدونة، وإنما اختص منبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا لأنه موضع مصلاه، وقد قال عليه السلام: "من حلف عند منبري آثماً إنما تبوأ مقعده من النار".
وظاهر المدونة ألا يحلف في سائر المساجد غير مسجده صلى الله عليه وسلم عند المنبر، وقد صرح ابن وهب في روايته بذلك، وقال مطرف وابن الماجشون: يستحلفون في ربع دينار في المدينة عند منبره صلى الله عليه وسلم، وفي غيرها في المسجد الأعظم حيث يعظمون منه عند غيرهم أو تلقاء قبلتهم، ولو اتفق أن يكون في بعض المساجد المنبر في وسط المسجد لكانت اليمين عند المحراب دون المنبر.
المازري: والمعروف أنه يحلف في المدينة عند منبره صلى الله عليه وسلم، وفي مكة عند الركن، وفي غيرهما من البلاد في الجامع الأعظم، وهل يختص في الجامع الأعظم بمكان المنبر؟ وقع في بعض الإطلاقات ما يشير إلى أنه لا يشترط اليمين عند المنبر إلا في منبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن حبيب عن بعض أصحاب مالك أن الاستحلاف عند المنبر وتلقاء القبلة، يشير بذلك إلى أن المحراب هو أعظم حرمة مما سواه في المسجد لكونه محل من يقتدى به.
المازري: والمعروف من المذهب أنه لا يستحلف في المسجد في أقل من ربع دينار، لكن ابن الجلاب قصر هذا الاحترام على مسجده صلى الله عليه وسلم، فقد شرط في الاستحلاف أن يبلغ الحق ربع دينار، واستحلف فيما سواه من البلدان في المسجد الأعظم في أقل من ربع دينار، وعلى هذا فقول المصنف: (وَيَحْلِفُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ) خلاف المعروف.
قَالَ: وَمَنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَهُ كَانَ نَاكِلاً
أي: قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر كان ناكلاً.
وَشَرْطُ الْيَمِنِ أَنْ يُطَابِقَ الإِنْكَارَ
اليمين إذا توجهت على المدعى عليه لإنكاره فشرطها أن تكون مطابقة لإنكاره، ما لو ادعى عليه أنه اشترى منه فأنكره، فيحلف أنه اشترى نمه كذا.
قال في المدونة: ولو أراد أن يحلف أنه لا حق لك قبلي، فليس له ذلك؛ لأن هذا يريد أن يوري.
ابن القاسم: يعني يلقن.
وشرحه التونسي: بأنه يريد أن يتحيل على أن يكون القول قوله في القضاء بقوله: ما له عندي.
واشترط ابن الماجشون المطابقة وأجاز أن يحلف أنه لا حق لك قبلي، يريد لا قليلاً ولا كثراً، هكذا ذكر المازري عنه وهو ظاهر؛ لأن اليمين على نية المستحلف.
المازري: واختار ابن حبيب الاستظهار بقرائن الحال، فإذا كان المدعى عليه من أهل الصلاح والفضل والمدعي من أهل التهم ومن يظن به أنه ادعى الباطل؛ قنع في اليمين بما قاله ابن الماجشون، فيقول: ما لك عندي حق قليل ولا كثير، وقال: وهذا قاله ابن الماجشون.
(لا قليل ولا كثير) إشارة إلى إحدى الطريقتين ي المسألة التي أشرنا إلى اختلاف العلماء فيها إذا ادعى رجل بعشرة، فقال: مالك عندي عشرة، أنه يضيف إلى هذا ولا أقل منه.
وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى وَفْقِ الشِّهَادَةِ بِأَنَّه أَقَرَّ، وَلا يَلْزَمُهُ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا
لما تكلم على اليمين في جانب المدعي عليه تكلم فيما إذا كانت في جانب المدعي، وهي على قسمين؛ أحدهما: أن يقوم له شاهد بالحق.
والثاني: أن يردها عليه، لكن المصنف ترك بيان هذا القسم الثاني استغناء ببيان يمين المدعى عليه، فإن من ردت عليه يمين فإنما يحلفها إثباتاً ونفياً على مناقضة من ردها عليه، كما استغنى أيضاً عن باين يمين المدعى عليه إذا ردها المدعي إذا قام له شاهد للوجه الذي قلناه، ومعنى كلامه هنا: أنه إذا شهد شاهد له أن فلاناً أقر له بمائة، فإنما يحلف على [691/ب] وفق الشاهد لا على وفق دعواه.
ابن عبد الحكم: وليس للطالب أن يحلف أن له عليه مائة أو غصبه مائة، ولهذا لو قال المصنف عوض قوله: (وَلا يَلْزَمُهُ) (ولا يقبل منه أن عليه كذا) كان أحسن، ثم يظهر ما قاله ابن عبد الحكم إذا قلنا أن اليمين كشاهد ثانٍ، وأما على قول من يرى أن الحق إنما هو مستند للشاهد واليمين إنما هي استظهار؛ فينبغي ألا يشترط المطابقة.
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَائِبٍ زَادَ: وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ
قد تقدم في كلام المصنف في آخر باب الأقضية في هذه المسألة خلاف، لكن إذا حلف أنه باقٍ عليه إلى الآن استلزم الفصول كلها.
ويَحْلِفُ مَنْ بَلَغَ مِنْ وَرَثَتِهِ كَذَلِكَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ
يعني: إذا ادعى من عليه الحق من الورثة أنهم علموا بالقضاء فيحلف من كان منهم بالغاً يوم الموت؛ لأنه يظن به أنه علم بذلك، وأما من كان صغيراً فلا.
وقوله: (عَلَى نَفْي الْعِلْمِ) فيقول: ما علمت أنه قبض منك شيئاً، ولا يكلف البَتَّ.
قال في الجواهر: وإذا حلف البالغ قضي لجميعهم، واختلف: هل لا يحلف الوارث إلا بشرط أن يدعي المطلوب عليه العلم او لا يشترط ذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنه لا يحلف كل من بلغ، والمذهب أنه لا يحلفها من البالغين إلا من يظن به منهم العلم؛ كقريب القرابة المخالط، وأما من بَعُد كابن العم والأخ الذي لا يخالط أخاه فلا يحلف كالصغير.
وَيَحْلِفُ فِي الرَّدِيءِ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ، وَفِي النَّقْصِ عَلَى الْبَتِّ
أي: في الدرهم الجيد والردئ، فحذف الموصوف، فيقول: ما أعطيته إلا جياداً في علمي، وظاهره أن هذا في حق الصيرفي وغيره وهو قول ابن القاسم، وقيل: بل يحلف على البت، وفصل ابن كنانة وابن حبيب فقالا: يحلف الصيرفي على البت وغيره على العلم؛ لأن الصيرفي لا تشكل عليه الدراهم بخلاف غيره.
قال في الجواهر، ولو قال: ما أعرف الجيد من الردئ، فقال بعض الأصحاب: يحلف ما أعطيته رديئاً في علمي، وحلف في النقص على البت؛ لأن النقص يمكن فيه حصول القطع ولا يتعذر الجزم به أو بعدمه بخلاف الجودة والرداءة.
وَمَا يُحْلَفُ فِيهِ بَتًّا يُكْتَفَى فِيهِ بظَنٍّ قَوِيًّ، أَوْ خَطِّ أَبيهِ، أَوْ قَرِينَةٍ مِنْ خَصْمِهِ وَشِبْهِهِ.
وَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ التَّغْييرُ ...
لما ذكر أولاً أن اليمين إن كانت على نفي العلم اكتفى بالظن، وإن كانت على البت فقولان؛ أولهما: الاكتفاء بالظن كالأول.
والثاني: لابد من العلم.
والقولان لمالك، والأول في كتاب ابن سحنون، واستقرأ من المدونة من كتاب الشهادات وكتاب الوديعة وكتاب الديات، والثاني في الموازية، واحتج للأول: بأنه لو أقام الصغير شاهدين بدين لأبيه لساغ له أخذ هذا المال والتصرف فيه مع أنه لا يقطع بصدق الشاهدين، فلما أبيح له الاعتماد على الظن أبيح له أن يحلف عليه بأن استباحة الأموال ورد الشرع بالتعويل فيها على الظاهر، ولو طلب فيها اليقين لأدى إلى ضرر عظيم لعسر تحصيل اليقين في كل وقت يحتاج الإنسان فيه قوته وغير ذلك من مهماته، ويلزم ألا يشتري شيئاً من السوق حتى يعلم صحة ملك البائع له، والبائع من البائع، بخلاف اليمين فنه لا مانع في طلب اليقين فيها، بل مقتضى تعظيم حق الله ألا يحلف به إلا مع تيقن الصدق، ومن هنا تعلم أن قول المصنف في باب الأيمان: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنِّ كَذَلِكَ) مبني على القول الثاني لا على الأول.
وَالْيَمِينُ عَلَى نِيِّةِ الْحَاكِمِ فَلا تُفِيدُ تَوْرِيَةٌ الاسْتِثْنَاءَ
أي: التي يحلفها المدعي عليه هي على نية القاضي واعتقاده لا على نية الطالب، وقد تقدمت هذه المسألة في باب الأيمان، ووقع في بعض النسخ أن ما تقدم على المشهور؛ وهي زيادة تصح على طريق بعض الشيوخ كما تقدم.
وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ: مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا وَلاَ شَيْءَ مِنْهُ، لاَ مُطْلَقاً
كما لو ادعى عليه عشرة وأنكرها فإنه يحلف: ما له عندي عشرة ولا شيء منها.
المازري: واختلف العلماء هل يكتفي بقوله: مالك عندي عشرة، لكونه مطابقاً لما سئل عنه أو لابد أن يقول: ولا شيء منها.
قال: والتحقيق عندي يقتضي ألا يكلف زيادة على العشرة إلا حين يدعي سؤالاً بآخر، ويقول: فهل لي عندك بعض العشرة، ويسمي جزءاً؛ فيلزم حينئذٍ المجاوبة.
فَإِنْ ذَكَرَ السَّبَبَ نَفَاهُ مَعَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يُكْتَفَى بذِكْرِ السَّبَبِ.
وَعَنْ مَالِكٍ: يُقْبَلُ: مَا لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ، ثُمَّ رَجَعَ ...
أي: إن ذكر سبب العشرة، كما لو قال: أسلته عشرة مثلاً، وفهم من هذا أن الكلام الأول إذا لم يذكر السبب، وقوله: (نَفَاهُ) أي: السبب معه.
ابن عبد السلام: أي مع العدد ويحتمل أن يقدر بعكس هذا التقدير، فيقول المدعي عليه في يمينه: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي عشرة من سلف ولا من غيره، هكذا نص عليه أشهب وسحنون.
وقال الباجي: القياس أن يكتفى بقوله: ما له عندي عشرة من سلف؛ لأن اليمين مطابقة للجواب، والجواب مطابق كنفي الدعوى، والطالب لم يطلبه [692/أ] بغير ذلك، وفي أخذ زيادة قوله: ولا من غيره من كلام المصنف نظر، وهي زيادة لابد منها، ونص أشهب على أنه لو لم يزدها أن اليمين لا تجزئه.
وعن مالك يقبل: ما له علي حق، ثم رجع، هذا هو الشاذ المقابل للمشهور وهو مذهب ابن الماجشون.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ، قُلْتُ لابْنِ عُبْدُوسٍ: فَيُضْطَرُّ إِلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَوْ غُرْمِ مَا لاَ يَجِبُ، فَقَال: يَنْوِي شَيْئاً يَجِبُ رَدُّهُ، وَيَبْرَأُ مِنَ الإِثْمِ ...
نسبة السؤال إلى ابن دينار وهم؛ لأنه إما محمد بن دينار وهو من أصحاب مالك، وإما عيسى بن دينار وهو من أصحاب ابن القاسم، وكلاهما أقدم من ابن عبدوس لأنه من أصحاب سحنون، والصواب ما ذكره ابن شاس، قال ابن حارث، قال محمد بن زياد لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس: إذا أسلف الرجل الرجلَ مالاً فقضاه إياه بعد ذلك بغير
بينة وجحد القابض، فإن أراد أن يحلفه أنه ما أسلفه، فإن باطن أمره أنه قد قضى- أعني في ضميره- سلفاً يجب علي رده إليك في هذا الوقت، وبرئ من الإثم في ذلك، وانظر هذا مع قولهم أن اليمين على نية الحاكم، ووقع في بعض النسخ، قال ابن زياد: وعليها يندفع الاعتراض، ثم إن ما ذكره ابن عبدوس إنما هو مبني على القول الذي رجع إليه مالك، وأما على المرجوع عنه؛ فيكفي: ماله عندي شيء.
وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: هُوَ وَقْفٌ، أَوْ لِوَلَدِي، أَوْ لَيْسَ لِي، لَمْ يُمْنَعِ الْمُدَّعِي مِنَ الْبَيِّنَةِ
إذا كان المدعي فيه معيناً وكان بيد رجل فأجاب الذي هو بيده أنه وقف، أو قال: لولدي سواء كان صغيراً أو كبيراً، أو قال: ليس لي ولم يزد، قيل للمدعي: أقم البينة بأن هذا لا ينازعك فيه، وتكون المخاصمة بين المدعي وبين الناظر في الوقف، وبينه وبين الولد إن كان كبيراً، وبينه وبين أبيه إن كان صغيراً.
وَلَوْ قَالَ: لِفُلانٍ الْحَاضِرِ، فَلْيَدَّعِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، فَإنْ نَكَلَ حَلَفَ وَغَرِمَ قِيمَةَ مَا فَوَّتَهُ ...
هذا تفريع على قوله: (أَوْ لَيْسَ لِي) فلابد من استفساره إذا سماه، فإما أن يكون حاضراً أو غائباً، وتكلم المصنف أولاً على الحاضر وذكر أن الدعوى تنقل إليه إذا وافق على أنه له، ثم المدعي إما أن يقيم بينة وإما أن يحلف المقر له، فإن أقام بينة فواضح، وإن حلف فللمدعي أن يحلف المقر أنه ما أقر إلا بالحق، وإن نكل -أي: المقر-حلف-أي: المدعي- وغرم له المقر قيمة ما أتلف عليه بإقراره، أو مثله إن كان مثليًّا، وهذا ظاهر إذا حلف المقر له أولاً.
وأما إن كان المقر له نكل فانتقلت اليمين على المدعي فنكل عنها، فلا ينبغي أن يحلف المقر له؛ لأن من حجة المقر أن يقول: هب أني نكلت فلا يتعلق لك الحق بنكولي خاصة،
ولابد من اليمين معه، وقد توجهت هذه اليمين عليك بنكول المقر له فنكلت عنها، ومن نكل عن يمين فلا يعود فيها.
المازري: بعد أن ذكر ما ذكره المصنف: إن للمدعي بعد تحليف المقر له أن يحلف المقر أيضاً، قال: وعلى قول من ذهب من الناس إلى أن متلف الشيء بإقراره لغير مستحقه لا يطلب بالغرامة، لا يمين هنا على المقر؛ لأنه لم يباشر الإتلاف، وإنما قال قولاً حكم الشرع فيه بإخراج ما أقر به من يده وكان سبباً في إتلافه، فلهذا لا يمكن من تحليفه؛ لأنه إذا لم يلزمه بالإقرار حكم ولا غرامة فلا يلزمه يمين، وأشار المازري إلى أن من الناس من رأى أنه لا غرامة على المقر إذا نكل بعد القول بتوجيه اليمين عليه.
ابن عبد السلام: وفيه نظر.
وَإِنْ كَانَ غَائِباً لَزِمَهُ الْيَمِينُ أَوِ الْبَيِّنَةُ وَانْتَقَلَتِ الْحُكُومَةُ إِلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنْ جَاءَ الءمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ ...
فإن كان المقر له غائباً غيبة بعيدة لا يلزم الإعذار إليه فيها، فلا خلاف أنه لا يسلم لمدعيه بمجرد دعواه، ولا خلاف أيضاً أنه لا يقبل قول المدعي مجرداً عن يمين وبينة ثم أقام بينة على أنه للغائب؛ كانت الدعوى بين هذا المدعي والغائب، وإن لم يقر وطلب المدعي يمين المقر؛ فقال أشهب: ما حكاه لمصنف تلزمه اليمين أو البينة.
وقال المازري: يسأل المدعي عن غرضه في تحليفه، فإن كان لينكل فيحلف المدعي ويغرم المقر قيمة الثوب، جرى على الخلاف في التغريم إذا أتلفه بالإقرار، وإن كان لينكل فيحلف المدعي ويستحق على المتنازع فيه ويبطل حق الغائب فيه الآن؛ ففيه خلاف.
وذكر ابن سحنون فيمن ادعى في دار في يده، فقال: هي لفلان الغائب، أنه إن حلف بقيت في يده، وإن نكل سلمها للمدعي من غير حلف حتى يقدم الغائب فيأخذها بإقرار من كانت في يده، قال: واختار بعض أشياخي سقوط اليمين عنه إذا لم يقل المدعي أنه أودعه هذه الدار ورهنه إياها؛ لكونه لا يلزمه أن يحلف لإثبات ملك غيره، فإن ادعى
عليه هذا الطالب أنه أودعه إياها أو رهنها عنده توجهت عليه اليمين لينفي عن نفسه غرامة قيمتها الواجبة عليه بإقراره بها لغيره، قال: ومن الناس من ذهب إلى أنه إذا نكل وحلف المدعي؛ أخذ المدعي فيه حتى يقدم الائب فيخاصمه، ورأى أن هذا صيانة لقاعدة [692/ب] الشرع؛ لأنا لو صرفنا المدعي عن اخذ الثوب وعن تحليف المدعي عليه، لكان كل أحد يمكنه أن يصرف خصمه بإضافة المدعي فيه لغائب فتفسد قاعدة الشرع، لا سيما إذا قلنا: إن النكول مع يمين المدعي كالشهادة على هذا القول، وهو أن القاضي يحكم للمدعي باخذ ما ادعاه ويمين المقر، فهل يكون ذلك حكماً على الغائب المقر له يستوفي له حجته كما تقدم في الحكم على الغائب، أو يكون حكماً على الحاضر فلايفتقر إلى ذلك؛ لأن الغائب لم يتحقق ملكه لجواز أن يقدم فيرد الإقرار؟
المازري: والأولى عندي أن يستظهر باليمين الواجبة في القضاء على الغائب، ولو أقام المدعي بينة أن الدار مثلاً له ولم يكن للمدعي عليه حجة، فإنها تسلم إليه ويبقى الغائب على حقه إذا قدم، ولو أراد من بيده الدار ان يقيم بينة بملك الغائب يعارض بها بينة المدعي ولم يثبت له وكالة تبيح المدافعة؛ ففي تمكينه من ذلك للعلماء خلاف، فإن زعم المدعي عليه أن هذه الدار رهن في يديه؛ فالتحقيق يقتضي أن يمكن من إقامة البينة التي للغائب حينئذٍ.
وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ) أي: المقر عن اليمين؛ أخذ المدعي المدعي فيه بغير يمين إذا جاء المقر له وصدق المقر أخذه المقر له، وهو الذي تقدم لابن سحنون في مسألة الدار، فأما إن حضر وكذب الإقرار سقط حقه ويبقى النظر هل يستحقه بيت مال المسلمين ويكون كمالٍ لا مالك له.
المازري: وهو ظاهر الروايات عندنا، أو يقال يسلم لمدعيه لكونه لا منازع له، وبيت المال حتى يدافع الإمام عنه كما قيل: يما أخذه السلابة فأخذ منهم فإنه يقضي به لمدعيه بعد الاستيناء
والإياس ممن طلبه، والتحليف على ذلك كما أشار إليه بعض العلماء في هذه المسألة، وأشار بعضهم إلى أن الإمام يضرب عن ذلك صفحاً ويبقى الثوب بيد من هو بيده.
النُكُولُ: وَيَجْرِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ
أي: نكول المدعى عليه عن اليمين المتوجهة عليه أولاً لأجل نكول يعني: يدخل نكول المدعى عليه اليمين لنكول المدعي وغير ذلك من أنواع النكول لقوله:
وَلاَ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِمُجَرَّدِهِ، بَلْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي
المازري: أشار أصحابنا إلى إجماع الصحابة على ذلك، وروى الدارقطني: أنه عليه الصلاة والسلام رد اليمين على طالب الحق.
إلا أن في إسناده إسحاق بن الفرات وهو ضعيف، ويقيد كلام المصنف بما عدا يمين التهمة، فإن الحق يثبت فيها بمجرد النكول على المشهور، وصرح به ابن رشد.
وَيَتِمُّ بِقَوْلِهِ: لا أَحْلِفُ وَشِبْهِهَا، وَيَتَمَادَى عَلَى الامْتِنَاعِ
شِبْهُ (لا أَحْلِفُ) (أنا ناكل) ويقول للمدعي: احلف أنت، ويتم أيضاً بتمادي المدعى عليه على الامتناع من الجواب، وهكذا قال ابن شاس زاد: ويحكم عليه بغير يمين، وهو يأتي على أحد الأقوال المتقدمة، وسئل ابن عتاب عمن وجبت عليه يمين فردها على الطالب بحضرته فسكت الذي ردت عليه حينئذٍ ومضى زمان ثم أراد أن يحلف، فقال له الراد: لا أريد أن أحلفك لأني مكنتك من اليمين حينئذٍ ولم تحلف وأنا أحلف، فقال: يحلف من ردت عليه اليمين طال الزمان أم قصر، وهو قول مالك وأصحابه.
وَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ بَيَانُ حُكْمِ النُّكُولِ
يعني: يقال للمدعي عليه إذا توجهت عليه اليمين: إن نكلت عن اليمين حلف المدعي واستحق ما ادعاه، وظاهر قوله وقول ابن شاس: (ينبغي) أنه مستحب، ووقع لمالك في كتاب ابن سحنون الأمر بذلك، فقال: وإذا جهل المطلوب فليذكره له القاضي.
وَإِذَا تَمَّ نُكُولُهُ، فَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ
أي: تم نكول المدعى عليه ثم بدا له، فقال: أنا أحلف، لم يمكن من ذلك، رواه عيسى عن ابن القاسم؛ لأنه تعلق لخصمه حق بنكوله، فلا يمكن من إبطال ما تعلق به، ومثاله ما في المدونة فيمن قام له شاهد بحق فرد اليمين على المدعى عليه أنه لا رجوع له في ذلك.
أبو عمران: وهو متفق عليه، قال: وأما المدعى عليه يلزم اليمين ثم أراد الرجوع عنه إلى إحلاف المدعي فذلك له؛ لأن التزامه لا يكون أشد من التزام الله سبحانه وتعالى، قال: وقد خالفه في ذلك ابن الكاتب ورأى أن ذلك يلزمه وليس له رد اليمين، والصواب ما قدمناه.
فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي كَانَ كَيَمِينِ الْمَطْلُوبِ
أي: إن نكل المدعي عن اليمين التي ردها المطلوب عليه، فإن نكول المدعي كيمين المدعى عليه في سقوط الحق عنه.
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَاهُ، ثُمَّ نَكَلَ بَعْدَ نُكُولِهِ لَزِمَهُ
يعني: ومثل ما قلناه في نكول المدعي بعد رد اليمين عليه أن يدعي المطلوب بالذي قضاه وينكل الطالب بتوجه اليمين على الطالب؛ لأن المطلوب مدَّعٍ، فإن حلف الطالب استحق، وإن نكل انقلبت على المطلوب، فإن حلف سقط عنه الحق، وإن نكل غرم الحق للطالب.
فقوله: (ادَّعَى أَنَّهُ) الضميران عائدان على المطلوب.
وقوله: (قَضَاهُ) عائد على المطلوب أو الطالب.
وقوله: (ثُمَّ نَكَلَ) أي: المطلوب (بَعْدَ نُكُولِهِ) أي: الطالب (لَزِمَهُ) أي: الغرم.
وَالْمُسْتَمْهِلُ لِحِسَابٍ وَنَحْوِهِ أُمْهِلَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ بكَفِيلٍ بوَجْهِهِ، وَقِيلَ: مَا يَرَى الْحَاكِمُ ...
إذا طلب المطلوب من القاضي أن يمهله ليتحقق ما يجيب به من إقرار أو إنكار، فقال ابن شعبان: يمهل اليومين والثلاثة لا أكثر.
ابن شعبان: ويحكم عليه بإقامة زعيم بوجهه، ولا يبعد أن يكون هذا الكفيل [693/أ]؛ لأن المطلوب الآن شارك في وجوب الجل عليه، وفي المذهب خلاف إذا شك المطلوب: هل يقضي عليه دون يمين يلزم الطالب، أو لابد من يمينه؟ وعلى التقديرين فالحق قد توجه على المطلوب، أو هو في معنى المتوجه.
وقوله: (وَقِيلَ: مَا يَرَى الْحَاكِمُ) من الاستمهال، وهذا لابن عبد الحكم وهو الظاهر.
الدَّعْوَى ثَلاثَةٌ: مُشْبِهَةٌ عُرْفاً: كَالدَّعَاوِي عَلَى الصُّنَّاعِ، وَالْمُنْتَصِبينَ لِلتِّجَارَةِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُسَافِرِ فِي الرُّفْقَةِ، وَالْمُدَّعِي لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا فَلا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ خُلْطَةٍ ...
يعني: أن الدعوى متنوعة على ثلاثة: لائقة بالمدعي والمدعى عليه وهو مراده بالمشبهة، وبعيدة لا تشبه حال كل واحد منهما، ومتوسطة.
وتتوجه اليمين في المشبهة دون إثبات خلطة، ولما كان الأصل عندنا عدم توجه الدعوى إلا بالخلطة كانت المشبهة خارجة للأصل، فمن الأصحاب من ضبط المشبهة بضابط كلي، ومنهم من عدد المسائل، وارتكب المصنف الطريق الأولى لأنها الأحسن؛ إذ فيه إعطاء الحكم بسببه وإلى هذا ذهب عبد الوهاب، فإنه قال: إذا كانت الدعوى تشبه أن يُدعى بها على مثل المدعى عليه، وقال بعضهم: أن يشبه أن يعامل المدعي المدعى عليه به.
المازري: وهما متقاربان، أحدهما راعى الشبهة من جنس المدعى فيه، والآخر راعاها من جهة المدعي والمدعي عليه، وذكر المصنف لهذه المسألة خمس صور:
الأولى: الدعاوي على الصناع، ونص عليه يحيى بن عمر، فقال: والصناع يتوجه عليهم الدعوى لمن ادعى عليهم في صناعتهم دون إثبات خلطة؛ لأنهم نصبوا أنفسهم للناس.
الثانية: الدعوى على التجار، وهذا ألزمه الباجي وغيره ليحيى بن عمر، وكلامه السابق، أعني: إذا ادعى عيهم غريب أو بدعي وكانوا قد نصبوا أنفسهم للبيع والشراء، وأما دعوى أهل السوق بعضهم على بعض، فقال المغيرة وسحنون: لا تكون الخلطة حتى يقع البيع بينهما.
سحنون: وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والدرس والحديث، فلا يثبت بينهم خلطة في ذلك.
الثالثة: دعوى الودائع على أهلها، ونعني بالأهل أن يكون المدعى عليه الوديعة ممن يودع مثله لها، وقيده أصبغ وغيره بأن يكون المودع غريباً، وقيد اللخمي المسألة بثلاثة قيود؛ أولها: أن يكو المدعي يتملك مثل ذلك في جنسه وقدره، وأن يكون الودع ممن يودع مثل ذلك، وأن يكون هناك ما يوجب الإيداع، وفسر ابن عبد السلام قول المصنف: (على أهلها) بذلك؛ لأنه فسر الأهل بأن يكون المودِع والمودَع معاً ممن يليق بهما ما ذكر.
الرابعة: المسافر يدعي أنه دفع مالاً لبعض الرفقة، نص أصبغ عليها، ووجهها: أن المسافر قد يخاف في سفره لأمر فيحتاج إلى إيداع غيره.
الخَامِسَةُ: الْمُدَّعِي سِلْعَةٍ بعَيْنِهَا
يعني: وإنما يحتاج إلى الخلطة فيما هو في الذمم، وهذا القول لابن شاس وغير واحد من القرويين، واستدلوا بمسائل المدونة بقوله في كتاب الشفعة: إذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع أنهما يتحالفان، وفي السرقة إذا ادعى السارق شراء المسروق، قال: يحلف
ربه.
وفي القذف: إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها من ربها، قال: يحلف السيد، ولم يذكر في ذلك خلطة، ورده المازري: بأن المقصود بيان ما يتعلق به الحكم من ذلك المحل، ولا يلزم الفقيه تفصيل كل ما يستند إليه الحكم؛ لأنه قد يكتفي بتفصيل ذلك في موضعه، وقال بعض الأشياخ لا تتعلق اليمين في بياعات المعينات إلا بإثبات الخلطة؛ لأن التعليل بحسم تعرض السلعة للأفاضل يقتضي ذلك، وذكر ابن يونس قولاً آخر عن بعض مشايخه أن اليمين لا تجب إلا بالخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، إلا في مثل أن تعرض للرجل سلعة في السوق للبيع فيأتي رجل فيقول: قد بعتها مني، فمثل هذا تجب له يمينه بغير خلطة عرضها لما ادعى عليه فيه، وزاد أصبغ مسألة سادسة وهي المتهم بالسرقة، وسابعة وهي دعوى الرجل عند موته أن له عند فلان كذا، وزيد أيضاً: إذا باع الأذون متاعاً واقتضى الثمن هو وسيده فادعى المبتاعون أنهم دفعوا إلى السيد بعض الثمن، وقال مالك: عليه اليمين، ولعل المصنف لم ينص على هذه المسائل؛ لأنه رأى أن ما ذكره يتناولها.
وَغَيْرُ مُشْبِهَةٍ عُرْفاً: كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةَ طَوِيلَةً وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلاَ قَرَابَةٍ وَلاَ مُصَاهَرَةٍ وَشِبْهِهِ فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ...
إنما لم تنك مشبهة عرفاً؛ لأن العرف يكذب مدعيها، واقتصر المصنف على المتفق عليه من مسائل الحيازة وترك ما عداه، والكلام فيه متسع؛ إذ هنا ثلاثة أركان:
أولها: المحوزات، وهي ثلاثة أنواع: عقار، وعروض، وحيوان.
ثانيها: الحائز، وهو أيضاً ثلاثة أنواع: أجانب شركاء، وأجانب غير شركاء، ومن له حرمة من قرابة أو صهر وولاء أعلى أو أسفل.
ثالثها: صفة الحوز، وهي أيضاً ثلاثة أنواع، وهو إما أن يؤثر تغييراً في العين [693/ب] كالهدم والبنيان والغرس، وإما أن يؤثر تغييراً في الملك كالبيع والعتق والتدبير والهبة والصدقة ونحوها، وإما أن يؤثر في ملك المنافع كالاغتلال وسكنى الدار وحرث الأرضين وركوب الدابة ولباس الثياب، وتكلم المصنف على الدار، فقال: (كَدَعْوَى دَارٍ ... إلخ).
وقوله: (بيَدِ حَائِزٍ) يعم الشريك وغيره، ولا يريد القريب؛ لأنه سيذكر القرابة في الموانع والحكم في الشريك وغيره مختلف، لأن الشركاء لا حيازة بينهم في العشرة الأعوام إذا لم يكن هدم ولا بناء، ويكون في العشرة مع الهدم والبناء، ولا يختلف فيه قول ابن القاسم، وقيل: يختلف، وأما غير الشركاء ففي البيان في باب الاستحقاق: المشهور أن الحيازة تكون بينهم في عشرة أعوام وإن لم يكن هدم ولا بنيان.
وروي عن ابن القاسم: لاتكون حيازة إلا مع الهدم والبنيان، ووقع في الواضحة أن الثمانية الأعوام في حكم العشرة في هذا، ولا خلاف في الحيازة بينهم مع الهدم والبنيان.
ثم تكلم على صفة الحوز بقوله: (يَتَصَرَّفُ بالْهَدْمِ وَالْعِمَارَةِ)، وهو مقيد بما إذا لم يهدم ما يخشى سقوطه، فإن ذلك لا ينقل الملك، قيل: وكذلك الإصلاح اليسير؛ لأن رب الدار يأمر المكتري به، وسكت المصنف عن نوعين؛ أحدهما: أعلى وهو ما يؤثر في تغيير الملك، فإنه لايحتاج إلى مدة طويلة كإتلاف الشيء، وكوطء الأمة ونحوه، فإنه إذا علم الدعي بذلك ولم ينكر بحدثان وقوعه فإنه تبطل دعواه لما جبلت عليه طباع البشر بأنهم لا يسكتون عن الإنكار على متلف أموالهم.
النوع الثاني: ما يؤثر في ملك المنافع بالاغتلال، وقد تقدم الآن حكمه في الشريك وغيره.
وقوله: (وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ) احترازاً من الغائب، فإن له القيام وإن طال، ولا إشكال في بعد الغيبة كالسبعة الأيام، وأما إن كانت قريبة كأربعة أيام ونحوها وثبت
عذره-من عجز ونحوه- عن القدوم أو التوكيل وعلم بذلك فلا حجة عليه، وإن أشكل أمره، فظاهر المذهب أنه على قولين؛ الأول، قال ابن القاسم: لا يسقط حقه لأنه قد يضعف عن القدوم، فقيل له: فإن لم يتبين له عجزه عن ذلك، فقال: قد يكون معذوراً ممن لا يتبين عذره، وذكر ابن حبيب أنه يسقط حقه إذا كان على مسافة قريبة إلا أن يثبت عذره.
واحترز بقوله: (سَاكِتٌ) مما لو تكلم، واشترط في الحاضر أن يعلم أنها ملكه، قال في الوثائق المجموعة: وإذا كان وارثاً وادعى أنه لم يعلم قضى له.
قوله: (وَلا مَانِعَ) قيد في السكوت، ثم فسر المانع بوجوه؛ الأول: الخوف؛ أي: خوف المدعي ممن هي بيده لكونه ذا سلطان.
والثاني: القرابة، وأطلق فيها فإن كان الابن مع أبيه أو العكس، ففي البيان: لا خلاف أن الحيازة لا تكون بينهما بالسكنى والازدراع، ولاخلاف أنها تكون بالتفويت من الهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء، واختلف في الهدم والبنيان والغرس، والمشهور: أنها لا تكون حوزاً أقام أحدهما على الآخر في حياته أو بعد موته، قال: يريد- والله أعلم- إلا أن يطول الأمر جدِّا إلى ماتهلك فيه البينة وينقطع فيه العلم، والشاذ أنه يحوز عليه بذلك؛ قام عليه في حياته أو على سائر ورثته بعد وفاته، وهو قول ابن دينار ومطرف.
وأما حيازة الأقارب الشركاء بالميراث وغيره، فلا تكون بالسكنى والازدراع اتفاقاً إلا على ما تأوله بعضهم.
وقوله في المدونة: أرأيت لو أن داراً بيدي ورثتها عن أبي، فأقام ابن عمي البينة أنها دار جدي وطلب مورثه، فقال: هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك، لأنه لم يرق فيها بين الأقارب والأجنبيين وهو بعيد.
خليل: نقل في النوادر عن مطرف أنه قال: لا حيازة بين الورثة والشركاء فيما يزدرع أو يسكن بغير عمارة طال الزمان أو قصر في بعض ذلك كله حضروا أو غابوا، إلا أن يطول
الزمان جدّاً الخمسين سنة أو أكثر، ثم قال ابن رشد: وتكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والوطء وإن لم تطل المدة، واختلف قول ابن القاسم في الحيازة بين هؤلاء بالهدم والبنيان، فمرة قال: العشر سنين في ذلك حيازة، ومرة قال: إنها لا تكون حيازة إلا أن يطول المد أربعين سنة.
ابن رشد: ولا فرق في حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض، وإنما يفترق ذلك في الأجنبي، فقال أصبغ: السنة والسنتان في الدواب حيازة إذا كانت تركب، وفي الإماء إذا كُنَّ يستخدمن، وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ شيء من ذلك بين الأجنبيين عشرة أعوام كما في الأصول.
أصبغ: وما أحدث الأجنبي فيما عدا الأصول من بيع أوعتق أو تدبير أو كتابة أو صدقة أو وطء فلم ينكر ذلك حتى يبلغه استحقه الحائز، وأما القرابة غير الشركاء والموالي والأصهار الشركاء، فاختلف إذا حصل الحوز بالهدم والبناء على ثلاثة أقوال؛ الأول: أنهم كالأجانب.
والثاني: أن ذلك ليس حيازة، يريد إلا أن يطول.
الثالث: الفرق ولم يبينه هنا، لكن ذكره أول كلامه؛ وهو أنه لا يكون حيازة في الأقارب ويكون حيازة في المصاهر، وسكت في هذا القسم عن الحيازة بالسكنى والازدراع، ولعله عنده ليس حيازة.
وأما الموالي والأصهار غير الشركاء، فاختلف [694/أ] فيها على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الحيازة لا تكون بينهم في العشرة أعوام بالسكنى والازدراع.
الثاني: أنه لا تكون الحيازة بينهم في العشرة الأعوام إلا مع الهدم والبناء.
والثالث: أنه لا تكون الحيازة بينهم بالهدم والبنيان إلا أن يطول الزمان جدّاً.
وقوله: (وَشِبْهِهِ) أي: الموالي كما ذكرنا.
وقوله: (فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ) ظاهره: ولا يمين عليه، وهو ظاهر ما نقله ابن يونس، وإذا أقام سنين ثم أقام البينة أن ذلك له صار مدعياً لغير العرف فلا يقبل قوله ولا ينظر إلى
بينته، والقول قول الحائز أنه صار إليه ذلك ببيع أو هبة أو صدقة، واختلف في الهبة والصدقة، الصواب لا فرق، ولكن صرح ابن رشد بأنه لابد من اليمين.
فرع:
وهل يطالب الحائز ببيان وجه ملكه، قال ابن أبي زمنين: لا يطالب به.
وقال غيره: يطالب.
وقال: إن لم يثبت أصل الملك للمدعي لم تسمع دعواه ولا يسأل الحائز عن أصل ملكه، وإن ثبت الأصل للمدعي ببينة أو بإقرار الحائز سئل عن سبب ذلك، وقال ابن عتاب وابن العطار: لا يطالب إلا أن يكون الحائز معروفاً بالغصب والاستطالة والقدرة على ذلك.
وَلاَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إِلا بِإسْكَانٍ، أَوْ إِعْمَارٍ، أَوْ مُسَاقَاةٍ وَشِبْهِهِ
أي: لا تسمع بينة المدعي على الحائز إلا أن تشهد البينة للمدعي بأنه أسكن الحائز أو أعمره أو ساقاه أو زارعه وشبه ذلك، فإذا أقام البينة على ذلك حلف على رد دعوى الحائز وقضى له، هذا إن ادعى الحائز أن المالك إنما باعه أو نحوذ لك، وأما إن لم يدع نقل الملك وإنما تمسك بمجرد الحيازة؛ فلا يحتاج إلى يمين.
وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي مِثْلِهِ؛ كَالنَّقْدِ، وَالْحَمُولَةِ، وَالسَّيْرِ، وَالأَبْنِيَةِ، وَمَعَاقِدِ الْقُمُطِ، وَوَضْعِ الْجُذُوعِ ...
هذا الاستدلال بالقياس على أن القول قول الحائز بشهادة العرف له كما اعتبرت هذه الشهادة فيا لنقد إذا اختلفا في النقد، فإن القول قول من ادعى عرف البلد، وكذلك الحمولة في الدابة إذا اختلف في قدرها أو صفتها، وكذلك السير، وكذلك الأبنية، وكلامه ظاهر.
وَالْمُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، قِيلَ: مَا يُعَدُّ طُولاً فِي مِثْلِهِ.
وَقِيلَ: عَشْرٌ.
وَقِيلَ: سَبْعٌ
الأول ظاهر المذهب، ابن القاسم في المدونة: ولم يحدَّ لي مالك في الحيازة والرباع عشر سنين ولا غير ذلك، وهو مقتضى النظر؛ لأن الرجوع في هذا إلى ما دارت عليه العوائد، والقول بالعشر لربيعة في المدونة، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، ودليله: ما رواه أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من احتاز شيئاً عشر سنين فهو له".
ذكر في المدونة من رواية ابن المسيب أيضاً، ولابن القاسم في الموازية: والسبع والثاني وما قارب العشرة مثل العشرة، وهو التحديد في حق الأجانب في العقار، وقد تقدم الكلام على الأقارب والعروض والحيوان.
ابن عبد السلام: وقيل في السكنى بمجردها لا تكون دالة وإن طال السكوت فيها.
وقيل أيضاً في الحيازة بين الشركاء ومن ألحق بهم: لاتكون دالة إلا إذا كان كالخمسين سنة ونحوها، وذكر مطرف في الشركاء أن حاز منهم مقدار سهمه أو أكثر فإنه يدل ذلك على الملك، ولو زعم بعد ذلك أن حقه فيما بقي على الشياع لم يقبل منه، وإن ادعى ما حازه صار إليه وحده عن معاوضة، ولم أقف على القول الثاني في كلام المصنف.
وَمُتَوسِّطَةٌ: كَدَعْوَى دَيْنٍ فَيُسْمَعُ وَيُمَكَّنُ مِنَ الْبَيِّنَةِ وَلا يَسْتَحْلِفُ إِلا بإِثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ...
هذا هو النوع الثالث من أنواع الدعاوي، واحترز بالدين من دعوى المعينات؛ فإنها لاتحتاج إلى خلطة كما تقدم، ومعنى كلامه أن هذه الدعوى تسمع ويمكن من إقامة البينة، فإن لم تقم للمدعي بينة على صحة دعواه وطلب يمين المدعى عليه؛ فلا يمكن من ذلك، إلا أن يثبت المدعي خلطة بينه وبين المدعى عليه، وهذا هو المعروف من المذهب، وقال ابن نافع باستحلافه من غير خلطة كمذهب أبي حنيفة والشافعي، ثم استدل المصنف على ما قاله بإجماع أهل المدينة، وعطف عليه المصنف الفقهاء السبعة من عطف
الخاص على العام، وقد نقل أيضاً في الموطأ على ما ذكره المصنف بـ (العمل) واستدل من قال بقول ابن نافع بالحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
وخصه أصحابنا بالقياس لما يلزم عليه من التعرض لأداء أهل الفضل، ولما رواه سحنون عن نافع عن حسن بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة".
وهذا نص في تصحيح المذهب، وزيادة الدول مقبولة لرجحانه بعمل المدينة.
فرع:
وما هي الخلطة؟ قال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، وغيره: الخلطة أن يبايع إنسان إنساناً بالدين مرة، أو يبايعه بالنقد مراراً، وبه قال أصبغ، وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء.
الباجي: فخالف ابن القاسم في المسالفة.
وقال الأبهري: الخلطة أن يثبت الدعوى، أن يدعي بمثلها على المدعى عليه، وقال ابن القصار: ينظر إلى التداعي؛ فإن كان للمدعى عليه بينة [694/ب] أن يعامل الدعي أحلف، وهل كل من أثبت خلطة وإن كانت سلفاً، أو لا تكون خلطة حتى يكون مبايعة؟ وتعلقوا بقول ابن القاسم لَّما سئل عن الخلطة أهي مسالفة أم مبايعة مراراً، أو يقول بقول سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالمبايعة.
المازري: ومنهم من أشار إلى إنكار الخلاف في هذا ورأى أن معنى قول ابن القاسم سالفه يحتمل أن يريد به السلف الذي بمعنى السلم لا الذي بمعنى القرض، والأظهر أن المداينة تثبت بها الخلطة على أصل هؤلاء قرضاً كانت أو بيعاً.
انتهى.
وفي سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن يأتي قوماً فيذكر حقًّا كتبه على نفسه لرجل غائب فأشهد بما فيه: لا أرى أن يكتب فيه؛ لأني أخاف أن يكتب الغائب ليستوجب ذلك
مخالطة فيحلفه إن ادعى عليه.
بعض الشيوخ: فظاهره المرة الواحدة مخالطة، وقال غيره: إنها تفسير لرواية أصبغ المتقدمة، فيكون معناها أنها تضاف إلى معاملة قبلها.
وقيل: رواية أصبغ في المعاملة المنتجزة فاشترط تكررها.
وقال أصبغ: إنما الخلاف إذا بايعه بالنقد ولم يقع النقد.
ففي شهادات المدونة: ليست بخلطة.
وفي الموازية: أنها خلطة.
وَفَي اسْتِحْلافِ الْمُتَّّهَمِ قَوْلانِ
القول بثبوتها بشاهد وامرأة من غير يمين لابن كنانة، وقاله ابن القاسم من رواية عيسى، والقول بأنها لا تثبت إلا بشاهدين مع يمين لابن المواز، والأول أظهر؛ لأن القصد إنما هو اللطخ، واعلم أن المرأة لا تعتبر شهادتها بانفرادها إلا هنا على أحد القولين، واختلف على من فسر المخالطة بالسلف والمبايعة إذا انقضت، هل يبقى حكمها أم لا؟ واختلف إذا أقام المدعي بينته فردها المدعى عليه بعداوة أو جرحة، هل تتوجه اليمين بهذه الدعوى أم لا؟ المازري: والمشهور الجرحة كالعدم.
وكُلُّ دَعْوَى لا تَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ، فَلا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلاَ تُرَدُّ؛ كَقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلاءِ، وَالرَّجْعَةِ ...
إذ لا فائدة في توجه اليمين، فإن فائدتها إنما هي إذا نكل المدعى عليه يحلف المدعي ويستحق ذلك، ولا يمكن هنا؛ لأنه إما يفيد اليمين في النكول في الأموال، وما في معناها ممن يكون فيه الشاهد واليمين.
فرع:
توجهها، وإذا لم تتوجه لم ترد.
قيل: ولو سكت عن قوله: (لاَ تُرَدُّ) ليستفيد من كلامه إلا أنها لا تتوجه، ولا يفهم من كلامه إذا وجهت مع شاهد فنكل عنها، فبين المصنف أنها لا ترد مطلقاً، واختلف في توجه دعوى الجرح من غير بيان لسبب، فقيل: يحلف المدعى عليه، وقيل: لا يحلف، وإن بين المدعي لذلك سبباً، فقيل: يحلف المدعى
عليه.
وقيل: يضرب، فإن أبى أن يحلف على القول بذلك، فقيل: يسجن.
وقيل: إن طال سجنه أدب إلا أن يكون مبرزاً.
المازري: وقاعدة المذهب أن كل دعوى لو أقر بها المدعى عليه لانتفع المدعي بإقراره، فإنه إذا لم يقر وأنكر تعلقت به اليمين على الجملة، يخرج بذلك أصلاً من قواعد الشرع كطلب المحكوم عليه القاضي باليمين أنه لم يشر عليه أو يطلب الشهود بأنهم لم يكذبوا في شهادتهم، فلا يختلف في سقوط هذه الدعوى، وأنه لا يلتفت إليها.
وَلَوِ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضَرَةٌ يَعْلَمُهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تُسْمَعُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: تُسْمَعُ ..
شرط في قول ابن القاسم في المدونة أني كون تاركاً لبينته، ولم يثبت هذا الشرط في كل الروايات، واختلف في معنى الترك، فقال عياض: عن أكثرهم أنه لا فرق في الترك بين التصريح والإعراض عنها، وقال آخرون: لا يكون تاركاً إلا بتصريحه بترك القيام بها.
وقول أشهب هو ظاهر قول عمر رضي الله عنه: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة.
ولهذا صححه ابن القاسم وغيره.
واحترز بقوله: (حَاضِرَةٌ) من الغائبة، يريد: إذا كانت الغيبة قريبة، قال في المدونة: وإن كانت على مثل اليومين والثلاثة لم يحلف إلا على إسقاطها، وفصل في موضع آخر منها: الجمعة في حد القرب.
واحترز بقوله: (يَعْلَمُهَا) مما لم يعلم بها فإن له القيام.
سحنون: والقول قوله في نفي العلم مع يمينه.
قال في النكت: ولو أحلف لم يرفعه إلى السلطان وله بينة بعيدة الغيبة فله القيام ببينته إذا قدمت؛ لأنه لو رفع الأمر إلى الحاكم لكان هذا الذي يفعل، وذلك بخلاف لو صالحه المطلوب على شيء لبعد غيبته؛ لأنه قد رضي بما أخذ فلا قيام له بالبينة.
مُوجَبَاتُ الْجِرَاحِ خَمْسَةٌ: الْقِصَاصُ، وَالدِّيَةُ، وَالكَفَّارَةُ، وَالتَّعْزِيرُ، وَالْقِيمَةُ
الجيم من (مُوجَبَاتُ الْجِرَاحِ) مفتوحة؛ أي: الأمور التي توجبها الجراح، والجراح بالكسر جمع جراحة، فيقال: جره جرحاً، والاسم: الجرح بالضم، والجمع جروح، فلم يقولوا: أجراح، إلا ما جاء في الشعر، قاله الجوهري وصاحب المحكم، وجرحه يجرحه جرحاً إثر هذا بالسلاح، وعلى هذا فالجرح اللغوي يشمل القتل وما دونه، وعلى هذا مشى المصنف؛ لكونه جعل الكفارة من