إنما هو الذكر.
ابن سيده: وأما الأنثى فلقيطة.
وكلامه ظاهر.
والمنبوذ مرادف للقيط على مقتضى كلام الجوهري والمتقدمين من أصحابنا.
عياض في المشارق: وقيل المنبوذ ما طرح صغيراً أول ما ولد، واللقيط ما التقط صغيراً، والشرائد في الخلاء وشبه ذلك.
وقيل: اللقيط إذا أُخذ، والمنبوذ ما طرح- مطروحاً- ولا يسمى لقيطاً إلا بعد أخذه.
وَالالْتِقَاطُ فَرْضُ كِفَايَةٍ
لأن حفظ النفوس واجب، وكان على الكفاية لأن المعنى المقصود يحصل بواحد، وذلك فرض الكفاية.
وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ
أي: ظاهره الاستحباب.
وقال ابن عبد السلام: ظاهره الوجوب خوف الاستغراق.
انتهى.
وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ
هكذا لمالك في المدونة؛ لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه كالنافلة.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: يَعْنِي إِنْ كَانَ مَوْضِعاً مَطْرُوقاً وَيُوقِنُ أَنَّ غَيْرَهُ يَاخُذُهُ
يعني: وقال أشهب: ليس له رده إلا أن يكون أخذه ليرفعه للحاكم ولم يقصد تربيته، ولم يقبله الإمام لأنه لم يلزم تربيته.
وتقييد الباجي ظاهر لأنه إذا لم يكن الموضع مطروقاً فلا يرده لأنه يعرض للتلف غالباً.
وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ الالْتِقَاطُ إِلا بِإذْنِ السَّيِّدِ
لأنه يشتغل بتربيته ونفقته عن سيده، ومراده بالعبد الغني ومن فيه شائبة من الرق.
وإنما نص على المكاتب لأنه قد يتوهم لما أحرز نفسه وماله أن له ذلك، ووُجِّه أنه ليس له ذلك فإن اللقيط يحتاج إلى حضانة والحضانة تبرع وليس من أهله.
وَوَلاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ
قال مالك في الموطأ: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر وولاؤه لجميع المسلمين يرثونه ويعقلون عنه، لكن في الموطأ عن عمر رضي الله عنه أن قال للملتقط طفلاً: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته.
وَيُنْزَعُ اللَّقِيطُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلامِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ
خشية أن يربيه على دينه أو يطول الزمان فيسترقه، قاله مطرف وأصبغ.
ولو لم يفطن إلى ذلك حتى كبر الصبي أو الصبية على دين ملتقطه [651/أ] لم يلتفت غلى ذلك وحكم بإسلامه وإلا فهو مرتد.
هذا ظاهر كلامهم.
انتهى.
لأنه قد سئل سحنون عن نصرانية التقطت صبية فربتها حتى بلغت على دينها، قال: إن ثبت أنها لقطة فتردها إلى الإسلام وهي حرة.
واحترز بقوله المحكوم بإسلامه مما لا يحكم بإسلامه، وسيأتي تفصيل ذلك.
وَإِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ فَالسَّابِقُ ثُمَّ الأَوْلَى وَإِلا فَالْقُرْعَةُ
أي: وإن كان الآخر أولى فالسابق أحق لسيقيته، وهو مقيد بما إذا لم يؤد إلى ضياعه عند الأول.
أشهب: إن كانا سواء أو متقاربين فالأول أحق به، فإن خيف أن يضيع عند الأول فالثاني أحق به إلا أن يكون طال مكثه عند الأول وليس اللقط من ضرر فالأول أحق به.
وقوله: (ثُمَّ الأَوْلَى) يعني: إن تساويا في السبقية فالأقوى في الحضانة أحق به، وإن تساويا في الكفالة فالقرعة.
وَعَلَى الْمُلْتَقِطِ حَضَانَتُهُ
لأنه التزمها بالتقاطه.
وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَمِنْ مَا لَهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ شَيْءٍ كَانَ تَحْتَهُ أَوْ مَلْفُوفاً مِمَّا يَظْهَرُ أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَإِلا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يَسْتَغْنِيَ ...
قوله: (فَمِنْ مَا لَهُ) هو بفتح اللام.
وقوله: (مِنْ وَقْفٍ .. إلخ) بيان ذلك.
وقوله: (أَوْ شَيْءٍ .. إلخ) سواء كان فرشاً أو دراهم أو دنانير.
وهو ظاهر.
ابن شاس: وأما المدفون في الأرض تحته فليس هو معه إلا أن توجد معه رقعة مكتوبة أنه له.
ابن شعبان: وما وجد قريباً منه من مال أو دابة فهي ضالة أو لقطة، فإن لم يكن له شيء مما ذكر ولم يتبرع أحد بإنفاق عليه أعطي له من بيت المال شيء، وهو معنى قوله: (وَإِلا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ) لأنه فقير من فقراء المسلمين.
قوله: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) فلمالك في الموازية: نفقته على ملتقطه حتى يبلغ ويستغني.
هكذا نقل الباجي وغيره هذه الرواية بالواو خلاف قول المصنف ويستغني.
ووجبت النفقة على الملتقط؛ إما لأن العادة التزامها، أو لأنه أولى الناس به.
فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَباً بِالْبَيِّنَةِ طَرَحَهُ عَمْداً لَزِمَتْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً فَلا رُجُوعَ، فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ ....
قوله: (ثَبَتَ أَنَّ لَهُ) أي: اللقيط، (بِالْبَيِّنَةِ) لا مفهوم له؛ لأنه لو أقر أنه ولده كان كذلك، وإنما تشترط البينة أو ما يقوم مقامها في التصديق في الاستلحاق كما سيأتي.
وقوله: (طَرَحَهُ عَمْداً) هكذا في تضمين الصناع من المدونة لأنه قال: إن تعمد طرحه وهو ملي رجع عليه بما أنفق، وإن لم يطرحه فلا شيء عليه.
ووجهه أنه إذا لم يطرحه الأب فالنفقة حينئذ ساقطة لأنه لا يمكنه توصيله إلى الولد.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً) هو استثناء من قوله: (لَزِمَتْهُ) أي: ألا تلزمه النفقة إلا أن يكون الملتقط أنفق حسبة؛ أي تطوعاً لله تعالى.
وروى أشهب أنه لا شيء على الأب بحال لأنه أنفق تطوعاً.
وقوله: (فَإِنْ أَشْكَلَ) أي: لم يقم دليل على أنه أنفق عليه حسبة أو على الرجوع (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ) أي: الملتقط- مع يمينه أنه ما أنفق إلا ليرجع.
قاله ابن شاس.
وَيُحْكَمُ بِإِسْلامِ اللَّقِيطِ مِنْ قُرَى الْمُسْلِمِينَ وَمَوَاضِعِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قُرَى المُشْرِكِينَ فَمُشْرِكٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ ...
الأول مذهب المدونة ونص عليه في تضمين الصناع، ووجهه أن المعتبر الدار إذ يغلب على الظن أن من وجد بموضع أنه من أهله، والحكم للغالب.
وروى أشهب أنه مسلم إذا التقطه مسلم تغليباً لحكم الإسلام لأنه يعلو ولا يعلى عليه.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ بَيْتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَمُشْرِكٌ إِلا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُحْكَمُ بِإِسْلامِهِ كَحُرِّيَّتِهِ لِلاحْتِمَالِ ....
لما تكلم على ما إذا كانت القرية كلها للمسلمين أو مشركين تكلم على ما إذا كانت القرية كلها للمسلمين مشتركة والأغلب الشرك ويعمهم من تعيين المصنف هذه الصورة
بالخلاف أنه لو كان المسلمون مساوين أو أكثر أو قريباً من التساوي أن يحمل اللقيط على الإسلام ولو التقطه مشرك، لأنه لما احتمل الإسلام انبغى أن يغلب ولا عبرة بملتقطه، كما لو التقطه عبد فإنه يجعل حراً تغليباً لشرف الحرية ولا عبرة للعبد الملتقط، وهذا معنى قوله: (كَحُرِّيَّتِهِ لِلاحْتِمَالِ).
فإن قلت: في الأصل معنى ليس في الفرع وهو كثرة الأحرار بل الفرع بالعكس، لأن المشركين أكثر.
قيل: وصف الأكثرية ملغى باتفاق الضمير بدليل أنه لو التقطه مسلم عند ابن القاسم لكان مسلماً.
وَفِي اسْتِلْحَاقِ الْمُلْتَقِطِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَوْلانِ
أي: صحة الاستلحاق.
وقوله: (بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) وأما بالبينة فيقبل باتفاق.
وقوله: (قَوْلانِ) الذي رواه ابن القاسم أنه لا يلحق به.
وقال اشهب: لحق به أبو إسحاق وهو الاختيار، وربما طرح الناس أولادهم للإملاق أو غيره.
ووجه القول الأول أن العرف يكذبه.
وَفِي مُسْلِمٍ غَيْرِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ أَتَى بِوَجْهٍ لَحِقَ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ طَرَحَهُ لأَنَّهُ لا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ أَنَّهُ إِذَا طَرَحَهُ عَاشَ ...
أي: وفي لحوقه بمسلم غير الملتقط ثلاثة أقوال: أولها لأشهب أنه يلحق به لأنه مجهول النسب.
ثانيها: لا يلحق به إلا ببينة لأن الولد قد ثبت للمسلمين.
الثالث ذكره ابن شعبان أنه لا يلحق به إلا أن يكون رجلاً تكلة لا يعيش له الأولاد فزعم أنه فعل ذلك لذلك.
وأسقط المصنف منه قوله يعلم [651/ب] أنه فعل ذلك لذلك.
ابن راشد: وينبغي إذا أتى بوجه يدل على قوله ألا يختلف في قبول قوله.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلا يَلْحَقُهُ إِلا بِبَيِّنَةٍ
زاد ابن شاس: ويكون على دينه إلا أن يسلم قبل ذلك وبعقل الإيمان فيكون مسلماً.
وَفِي الْمَرْأَةِ ثَالِثُهَا: تُصّدَّقُ إِنْ قَالَتْ مِنْ زِنىً وَتُحَدُّ
قال ابن القاسم: لا يقبل قولها وإن أتت بما يشبه من العدم.
وقال أشهب: تصدق مطلقاً.
وقال محمد: إن قالت من زنى صدقت وحدت لبعد التهمة حينئذ، وأما من لها زوج فلا حتى يدعيه فيلحق به.
وَاللَّقِيطُ حُرٌّ وَلا يُرَقُّ إِلا بِبَيِّنَةٍ لا بِإِقْرَارٍ
هو ظاهر، وإنما لم يقبل إقراره لأنه ليس له أن يرق نفسه والحرية ظاهرة فيه.
الأَقْضِيَةُ: وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ
قال الأزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه.
وقال الجوهري: القضاء: الحكم.
وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع الفقه، إلا أنه يتميز بأمور لا يحسنها كل الفقهاء، وقد يحسنها من لا باع له في الفقه، وهو كالتصريف من علم العربية، فإنه ليس كل النحاة يعلم التصريف، وقد يحسنه من ليس له باع في النحو، وإنما كان فرضاً، لأنه لما كان الإنسان لا يستقل بأمور دنياه، إذ لا يمكن أن يكون حَرَّاثَاً طَحَانَاً خبازاً إلى غير ذلك من الصنائع المفتقر إليها، احتاج إلى غيره، ثم بالضرورة قد يحصل بينهما التشاجر والخصام لاختلاف الأغراض؛ فاحتيج إلى من يفصل تلك الخصومات، ويمنع بعضهم من غرضه، فلهذا وجب إقامة الخليفة، لكن نظر الخليفة أعم إذا جد ما ينظر فيه القاضي، ولما كان هذا الغرض يحصل بواحد وجماعة كان فرض كفاية؛ لأن ذلك شأن فروض الكفاية.
فَإِذَا انْفَرَدَ بِشَرَائِطِهِ تَعَيَّنَ
أي: إذا انفرد شخص بشرائطه تعين قبوله للقضاء، ولم يجز له الهروب منه، ووجب على الإمام توليته.
قال مالك: ويجبر عليه إذا تعين، قيل له: الجبر بالضرب والحبس، قال: نعم، ومثله لابن شعبان، وقد ذكر ابن سحنون أن الإمام أقام حولاً يجبر أباه على القضاء حتى تخوف منه، فحينئذ قبل.
وإذا كان القضاء فرض كفاية وقد تعين كانت منزلته عظيمة؛ أعني: بشرط أن يعن القاضي على الحق كما كان في الصدر الأول، وأما إذا لم يعن عليه وربما أعان من ولاه عليه لبلوغ هواه.
ابن عبد السلام: فينقلب ذلك الواجب محرماً نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، وبالجملة: إن أكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة انتهى.
ولهذا كان الأولى الهروب عن خطة القضاء ما لم تتعين.
ولخطر هذه الخطة قال أصحابنا: إذا عين الإمام رجلاً للقضاء وَثَمَّ مَنْ يصلح غيره جاز له الاستعفاء والهروب، بخلاف سائر فروض الكفاية؛ فإنه إن عين بعضهم لم يجز الهروب، كما لو عين طائفة لقتال العدو فإنه يتعين في حقها.
وَخَرَّجَ النسائِيُّ عن بُرَيْدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار" والتقسيم في الحديث إنما هو باعتبار الأنواع فربما لم يوجد من النوع إلا شخص واحد، ويوجد من الآخر آلاف وَخَرَّجَ النسائي من حديث عثمان الأخنسي، ووثقه يحيى ابن معين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين" وفي رواية: "من استعمل على القضاء فكأنما ذبح بالسكين".
وقال أصحابنا: وقد يجب طلب القضاء، وقد يستحب، وقد يحرم، ويكره.
فيجب إذا كان من أهل الاجتهاد والعدالة ولا يكون هناك قاض، أو يكون ولكن لا تحل ولايته، أو يعلم أنه إذا لم يتول تضيع الحقوق ويكثر الهرج.
ويستحب إذا كان عالماً خفي علمه عن الناس فأراد أن يشهره بالقضاء؛ لِيُعَلِّمَ الجاهل ويفتي المسترشد، أو يري أنه أنهض وأنفع للمسلمين من غيره.
ويحرم على الجاهل ومن طلب به اكتساب دنيا، ويكره إذا كان عدلاً مشهوراً ينفع الناس بعلمه، وخاف إن تولى القضاء إلا يقدر على ذلك.
المازري: ويبعد عندي تصور الإباحة إلا عند تقابل أدلة الأحكام وقرائن الأحوال، ولا يقدر على ترجيح بعضها على بعض.
وَصِفَاتُهُ ثَلاثَةٌ: شَرْطٌ وَاجِبٌ، وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ غَيْرُ شَرْطٍ، وَمُسْتَحَبٌّ
لما ذكر أنه إذا انفرد بشرائطه تعين شرع في بيان تلك الشرائط، ولما كانت الشروط قائمة بالقاضي أطلق عليها صفات.
قوله: (وَصِفَاتُهُ) عائد على القاضي.
وقوله: (شَرْطٌ وَاجِبٌ) أي: الأول، ووصف الشرط بالواجب لئلا يُعْتَقَدُ أنه شرط كمال، ومعنى الشرطية: أن عدم شيء من هذه الصفات يمنع صحة العقد وينفسخ بحدوثه.
وقوله: (وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ) أي: الصفة الثانية غير شرط في صحة الولاية وانعقادها ابتداء، ولكنه يجب أن يكون متصفاً بها، وعدمها موجب للعزل، وينفذ ما مضى من أحكامه.
فإن قلت: قوله أولاً: (فَإِذَا انْفَرَدَ بِشَرَائِطِهِ تَعَيَّنَ) إما أن يريد به الصفة الأولى فقط أو الجميع، قيل: لا هذا ولا هذا؛ لأنه لو أراد الصفة الأولى فقط، لزم أن من حصلت فيه تعين عليه القضاء، فلا يكون الوصف الثاني موجب للعزل، ولو [652/أ] كان المراد الجميع لزم أن من انفرد بالصفتين الأوليين لا يتعين عليه، وليس كذلك؛ لأن الصفة الأولى مستحبة لا واجبة، وإنما مراده مجموع الصفتين الأوليين، لكن يبقى في كلامه تضاد؛ لأنه قال في الثاني: (وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ غَيْرُ شَرْطٍ) فيكون أطلق الشرط على الشرائط وغيره.
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ذَكَراً حُرَّاً بَالِغاً عَاقِلاً مُسْلِماً عَدْلاً مُجْتَهِداً فَطِناً
أي: الشرط الأول أو الوصف الأول أو القسم الأول مركب من ثمانية قيود:
أولها: أن يكون حراً، احترازاً من العبد، وَمَنْ فيه شائبة من شوائب الرق مِنْ مكاتب ومدبر ومعتق إلى أجل ومعتق بعضه؛ لأن كلاً من هؤلاء لا يلي أمر نفسه، فأحرى غيره، ولأنه لا يصح أن يكون شاهداً، والقضاء أعم من الشهادة، ويشمل قوله: (حُرَّاً) المعتق.
ابن عبد السلام: وهو مذهب الجمهور.
ومن النوادر عن سحنون المنع، واعتل بأنه قد يستحق فيرد إلى رق؛ فترد أحكامه، وأورد النقض بقبول شهادته مع أنه قد يستحق، وأجيب بأن للإمام مندوحة عن ولايته بخلاف قبول شهادته في أمر تَعَيَّنَ عليه لا يعرفه غيره.
ثانيها: أن يكون ذكراً؛ فلا يصح عقد الولاية لامرأة؛ لما في البخاري: "لن يفلح قوم وَلَّوْ أمرَهم امرأة".
روى ابن أبي مريم عن ابن القاسم إجازة توليتها القضاء.
ابن زرقون: وأظنه يريد فيما تجوز فيه شهادتها كقول أبي حنيفة.
انتهى.
ويحتمل أن يريد الإطلاق كقول محمد بن الحسن والطبري والمازري.
والإجماع على أنها لا تُوَلَّى الإمامة الكبرى، ولا يقال: قد وَلَّى عمر رضي الله عنه الشفاء الحسبة، وهي قضاء وحكومة؛ لأنا نقول: عموم الحديث مقدم عليه.
المازري: واعتذر عنه بعض أصحابنا بأنه إنما جعل لها تغيير ما يقع من المنكرات في السوق، ولا يلزم من تخصيص عموم الحديث بهذه الصورة تخصيصه بغيرها.
ثالثها: أن يكون بالغاً.
رابعها: أن يكون عاقلاً، ولا خلاف في اعتبارهما.
خامسها: أن يكون مسلماً، ولا خلاف فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه من ولاية الكافر الحكومة بين أهل دينه.
المازري: إن كان معناه أنهم يردون إلى دينهم إذا لم يتراضوا بحكم الإسلام، وتخاصموا الحبر من أحبارهم من دينهم، ويمنع أحد الخصمين من الامتناع منه- فهذا مما لا يستنكر.
سادسها: أن يكون عدلاً.
المازري: وقد نص الله تعالى على اشتراط العدالة في الشاهد، والقاضي أشد حرمة منه.
قال: وعلى منع ولاية الفاسق العلماء، وشذ قوم من المتكلمين فذهبوا إلى أن الفسق لا ينافي عقد ولاية القضاء، وهو مذهب مستنكر.
سابعها: أن يكون مجتهداً؛ فلا تصح ولاية المقلد ولا تنفذ أحكامه.
المازري: هكذا يحكي أصحابنا عن المذهب أنه لا تجوز ولاية المقلد.
وهذا إنما هو إذا كان المجتهد موجوداً، وإلا فعند عدمه تصح الولاية لغيره كما سيأتي.
قال مالك في الواضحة: لا ارى خصال القضاة تجتمع اليوم في أحد، ولكن يجب أن يكون عالماً عدلاً.
ابن حبيب: فإن لم يكن عالماً فعاقلاً ورعاً؛ لأنه بالعقل يسأل وبالورع يقف، فإذا طلب العلم وجده، وإن طلب العقل لم يجده.
ابن رشد: يريد بالعقل: العقل الحصيف، وأما العقل الذي هو شرط التكليف فإنما هو شرط في صحة الولاية.
أصبغ: ويعزل الجاهل إلا أن لا يوجد غيره فيقر، ويؤمر أن يستكثر من المشورة ويتفقد أمره في كل حين.
المازري: وما قاله ابن حبيب تسهيل في ولاية القاضي المقلد، ولكنه لم يصرح بجواز هذا مع القدرة على نظار، بل أشار إلى كون الضرورة تدفع إلى ولاية المقلد.
وهكذا قال أصبغ إذا لم يوجد إلا عدل لا علم عنده وعالم لا بأس بحاله، لكن الذي لا علم عنده أعدل منه فإن العالم هو الذي يولى.
فإن كان ليس بعدل، فيولى العدل الذي ليس بعالم، ويؤمر بأن يستشير.
قال: وهذا الذي وقع في المذهب ينبغي أن يحمل على
مواضع الضرورة، وأما مع الاحتمال وكثرة النظار فلا يختلف أن ولاية النظار أولى من ولاية المقلدين، وإنما يتصور الخلاف هل تصح ولاية المقلد وتنفذ أحكامه وتنعقد ولايته وهو قول أبي حنيفة أم لا، وهو قول الشافعي وهو الذي يحكيه أئمة مذهبنا عن المذهب؟
ثامنها: أن يكون فطناً؛ فلا يجوز ولاية المغفل كما في الشهادة، بل الاشتراط هنا أولى، وهذا الشرط لم يقع في كل النسخ، وكلام الطرطوشي يدل على اشتراطه.
وبقي على المصنف شرط تاسع، وهو أن يكون القاضي واحداً، نص عليه ابن شاس وابن شعبان وغيرهما؛ أي: لا يجوز أن يفوض القضاء إلى اثنين لا يتم الحكم إلا باجتماعهما.
المازري: وأغلى الباجي في المنع حتى ادعى عليه الإجماع، وقال: لم يتفق هذا من زمانه عليه السلام إلى زماننا، وخاف من النقض عليه بالحكمين، لأنهما إذا اختلفا انتقل إلى غيرهما، وفي القاضيين لا يمكن التنقل عنهما، فيؤدي اختلافهما إلى وقف الأحكام.
المازري: وعندي أنه لا يقوم دليل على المنع إذا اقتضت ذلك المصلحة ودعت إليه الضرورة في نازلة يرى الإمام أنها لا تصلح، وترتفع فيها التهمة إلا بقضية [652/ب] رجلين.
وذكر الباجي أنه قد ولي في بعض بلاد الأندلس ثلاثة قضاة على هذه الصفة، ولم ينكر ذلك من كان من فقهائه، وانه أنكر هو فعلهم.
وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ؛ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى مُقَلَّدِهِ، وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلا بِاجْتِهَادِهِ ...
يعني: أنه لا تترك ولاية القضاء عند عدم الاجتهاد لئلا يؤدي إلى الهرج وإبطال الحقوق، ولأن إنصاف المظلوم من الظالم واجب، وهو ممكن من المقلد.
ابن راشد وابن عبد السلام: إلا أنه ينبغي أن يختار أعلم المقلدين ممن له فقه نفيس وقدرة على الترجيح بين أقاويل أهل مذهبه ويعلم منها ما هو أحرى على أصل مذهب إمامه مما ليس
كذلك، وأما إذا لم يكن بهذه المزية فيظهر من كلام الشيوخ اختلاف بينهم هل يجوز توليته القضاء أم لا؟
عياض: وشرط العلم إذا وجد لازم، فلا يصح تقديم من ليس بعالم، ولا ينعقد له تقديم مع وجود العالم المستحق للقضاء، لكن رخص فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم، إذا لم يوجد من بلغها.
ومع كل حال فلابد أن يكون له علم ونباهة وفهم لما يتولاه، وإلا لم يصح له أمر.
وقوله: (فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِ مُقَلَّدِهِ) بفتح اللام.
ابن العربي: ويقضي حينئذ بفتوى مقلده بنص النازلة، فإن قاس على قوله أو قال: "يجيء من هذا كذا" فهو متعد.
خليل: وفي هذا نظر، والأقرب جوازه للمطلع على مدارك إمامه.
ووجه المازري ما ذكره المصنف بأنه لو حكم بغير مذهبه تطرقت إليه التهمة بالحيف والقضاء بالشهوة؛ فأمر باتباع مذهبه للسياسة لا لمقتضى أصول الشرع؛ لأن أصول الشرع مبنية على أن المفتي والقاضي يؤمران باتباع الحق حيثما ظهر لهما.
قوله: (وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ) هذا القول ذكره في الجواهر عن الطرطوشي، ونصه: ولا يلزم أحداً من المسلمين أن يقلد في النوازل والأحكام من يعتزي إلى مذهبه، فمن كان مالكياً لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقوال مالك، وهكذا القول في سائر المذاهب، بل أينما أداه اجتهاده من الأحكام صار إليه، فإن شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره فالحكم صحيح والشرط باطل، كان موافقاً لمذهب المشترط أو مخالفاً له.
قوله: (وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) أي: وقيل: لا يجوز لهذا المقلد إذا أَدَّاهُ اجتهاده إلى خلاف مذهبه أن يحكم إلا باجتهاده، ولا يقال: قوله: (إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) ينافي فرض المسألة؛ إذ الكلام في عدم المجتهد؛ لأن المراد عدم المجتهد المطلق، وأراد بقوله: (إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) الاجتهاد المقيد، وهو الاجتهاد في مذهبه والإطلاع على مدارك إمامه.
وقال ابن عبد السلام: قوله: (وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) معناه: لا يجوز تولية المقلد البتة، ويرى هذا القائل أن رتبة الاجتهاد مقدور على تحصيلها، وأنها موجودة إلى الزمان الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بانقطاع العلم فيه، ولم نصل إليه إلى الآن، وإلا كانت الأمة مجمعة على الخطأ.
انتهى.
وفيه بُعْدٌ؛ لأن الفرض عدم المجتهد.
خليل: العلماء في جواز خلو الزمان عن مجتهد قولان: فاختار ابن الحاجب وغيره الجواز خلافاً للحنابلة وتحقيق ذلك في محله، وهو عزيز الوجود في زمننا، وقد شهد المازري بانتفائه ببلاد المغرب في زمانه، فكيف في زمننا؟! وهو في زمننا أمكن لو أراد الله بنا الهداية؛ لأن الأحاديث والتفاسير قد دونت، وكان الرجل يرحل في طلب الحديث الواحد، لكن لابد من قبض العلم على ما أخبر به عليه السلام.
فإن قيل: يحتاج المجتهد أن يكون عالماً بمواضع الإجماع والخلاف، وهو متعذر في زماننا لكثرة المذاهب وتشعبها، قيل: يكفيه أن يعلم أن المسألة ليست مجمعاً عليها؛ لأن القصد أن يحترز من مخالفة الإجماع، وذلك ممكن.
وَقَالَ أَصْبَغُ: الْعَدْلُ مِنَ الثَّانِي
يعني: أن المشهور أن العدالة من الأول؛ فلا تصح الولاية لفاسق، ولا تنفذ أحكامه، وافق الحق أم لم يوافقه.
ورأى أصبغ أن العدالة من الوجه الثاني، وهو الموجب للعزل؛ فلا يجوز أن يُوَلَّى الفاسق، وإن طرأ وجب عزله، ويمضي مِنْ أحكامه ما وافق الحق.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْعَالِمُ مِنَ الثَّالِثِ
أي: من المستحب، وعليه فتنعقد ولاية الجاهل، ولا يجب عزله.
وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ) ليس بجيد، وإنما هو ابن رشد، وقد تقدم غير مرة السبب المقتضي لذلك، ووهَّم ابن عبد السلام ابن شاس فيه أيضاً، قال: لأنه ليس قولاً لابن رشد، وإنما حكى فيه ابن رشد كلام غيره كما حكاه الأكثرون، ولكنه أشبع الكلام على العلم إثر كلامه على النوع الثالث؛ فاعتقد ابن شاس أنه يرى كون العلم من هذا النوع.
خليل: وليس توهيم ابن شاس بجيد، فقد نص في المقدمات على أن العلم من الصفات المستحبة، وكذلك الفطانة، ولم يعز ذلك لغيره.
الثَّانِي: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلامُ، وَلا نَصَّ فِي الْكِتَابَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الثَّالِثِ
أي: القسم الثاني أو الوصف الثاني: وهو الموجب للعزل، فتنعقد ولاية الأصم والأعمى والأبكم وتنفذ أحكامه سواء ولي كذلك أو طرأ عليه ذلك، وهكذا قال صاحب المقدمات.
ابن راشد: وظاهر ما في وثائق ابن القاسم [653/أ] أنها من الأول، والمذهب ما تقدم.
وذكر الباجي أنه لم ير في السمع نصاً، واختار المنع، وعلله بسماع الدعاوى والشهادات، وليس كلهم يمكنه أن يكتب، وكذلك ذكر أنه لا خلاف في منع كون الأعمى حاكماً.
وذكر عياض وابن زرقون أن الماوردي حكى عن مالك جوازه.
عياض: ولا يصح عن مالك؛ إذ لا يتبين طالب من مطلوب ولا شاهد من مشهود عليه.
ولا نص في الكتابة، هكذا قال الباجي وابن رشد أنه لا نص هل يشترط في القاضي أن يكتب؟ وعن الشافعية قولان: أظهرهما الجواز؛ لأن إمام المسلمين وسيد المرسلين وأفضل الحاكمين صلى الله عليه وسلم كان أُمِّيَاً، قالا: وللمنع وجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بخلاف غيره.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَرِعاً غَنِيَّاً لَيْسَ بِمِدْيَانٍ، بَلَدِيَّاً مَعْرُوفَ النَّسَبِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَلِيماً مُسْتَشِيراً لا يُبَالِي لَوْمَةَ لائِمٍ، سَلِيماً مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ ....
هذا هو المستحب.
قوله: (وَرِعاً) أي: عن الشبهات.
(غَنِيَّاً) لأن الفقير قد يحتاج إلى غيره، ومقالة السوء تكثر فيه بخلاف الغني.
ابن عبد السلام: والظاهر الاكتفاء بالغنى عن عدم الدين؛ فإن وجود الدين مع الغنى بما يزيد على مقدار الدين لا أثر له.
خليل: وفيه نظر، والظاهر خلافه، ولا يخفى عليك.
(بَلَدِيَّاً) ليعرف الناس والشهود، والمقبولين من الشهود وغيرهم.
ابن راشد وابن عبد السلام: والولاة الآن يرجحون غير البلدي، إذ لا يخلو البلدي من أعداء، والغالب وجود المنافسة بينه وبين أهل بلده.
(مَعْرُوفَ النَّسَبِ) لأن من لا يعرف أبوه من ولد لعان أو زنى يطعن فيه، فلا يكون له في نفوس الناس كبير هيبة.
وقال سحنون: لا بأس بتولية ولد الزنى، ولكن لا يحكم في الزنى كما لا يحكم لولده.
الباجي: والأظهر أنه ممنوع؛ لأن القضاء موضع رفعة وطهارة أحوال، فلا يليها ولد الزنى كالإمامة في الصلاة.
وقوله: (غَيْرَ مَحْدُودٍ) أي: في زنى ولا غيره.
وفي كتاب أصبغ: ويستقضى المحدود في الزنى والقذف، والمقطوع في السرقة إذا كان اليوم مُرْضِيَاً.
وجوز أصبغ حكمه فيما حد فيه، ومنعه سحنون قياساً على الشهادة.
(حَلِيماً) أي: على الخصوم، وَمِنْ حلمه أن يسمع الكلام الذي لا يفيد إلا أن تنتهك حرمة الشرع، فيكون انتصاره لغيره، وبذلك تتم مهابته التي هي أحد صفات الكمال.
(مُسْتَشِيراً) أي: لأهل العلم؛ لأنه أهون له على حصول الصواب.
المازري: وأغلى الشافعي في هذا، وقال: يجمع المخالفين له في المذهب ويشاورهم؛ لأ، كل من انتحل مذهباً وتفرد للذب عنه كل خاطره في الإكثار من الأدلة عليه.
وقوله: (لا يُبَالِي لَوْمَةَ لائِمٍ) الظاهر أن هذا راجع إلى الوصف الأول؛ لأن الخوف من لومة اللائم راجع إلى الفسق.
وقوله: (سَلِيماً مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ) لأن السلامة منها رأس كل خير، وكثيراً ما يؤتى على أهل الخير من جهة قرنائهم السوء.
والبطانة: هم الأصحاب.
(غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في بعضها: (وغيره) بواو العطف؛ ليكون معطوفاً على مقدر؛ أي: فَطِنَاً وغير زائد في الدهاء؛ لأن ذلك يحمله على الحكم بالفراسة وتعطيل الطرق الشرعية مِنْ البينة والأيمان.
فَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ زِيَاداً لِذَلِكَ
هذا استدلال منه على ما ذكره أنه لا يكون القاضي زائداً في الدهاء، ويقال: إن عمر قال لزياد لما عزله: كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك.
والله أعلم بصحة هذا، وما
رأيت مَنْ ذَكَرَ زِيَاداً في قضاة عمر، وقد وَلَّى عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وَوَلَّى عليٌّ زياداً وقيسَ بن سعد بن عبادة وهؤلاء هم دهاة العرب، وكان عمر إذا استضعف عقل رجل قال له: "سبحان من خلقك وخلق عمرو بن العاص" وحكاياته في حروبه في فتوح الشام ومصر مشهورة عند الإخباريين، إلا أن هؤلاء كانوا أمراء غير قضاة، وقد يحتاج الأمير في زيادة الدهاء إلى ما لا يحتاج إليه القاضي.
وَلَوْ تَجَرَّدَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَنْ الاسْتِخْلافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْلافٌ، وَقِيلَ: إِلا فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ ...
يعني: إن أذن له في الاستخلاف، أو نص له على عدمه عَمِلَ على ذلك، وأما إن تجرد عقد التولية عن ذلك فإن لم يكن له عذر لم يكن له ذلك، وإن كان له عذر فقال مطرف وابن الماجشون: له ذلك.
وقال سحنون: ليس له ذلك وإن مرض أو سافر، ورآه كالوكيل المخصوص.
هكذا حكى جماعة هذا القول عن سحنون، ومقتضى كلام المصنف أنه المذهب عنده.
ابن راشد: وهذا إذا استخلف في البلد الذي هو فيه ليكفيه بعض تعب الخصوم، وأما إن كان عمل القاضي واسعاً فيريد أن يقدم في الجهات البعيدة فالمشهور الجواز، وقال ابن عبد الحكم؛ لا يجوز إلا بإذن الخليفة.
ابن محرز: ولم يختلفوا أن القاضي ليس له أن يوصي بالقضاء عند موته لغيره، بخلاف الوصي والإمام الأكبر، وضابط ذلك أن كل مَنْ ملك حقاً على وجه لا يملك معه عزله فله أن يوصي به، ويستخلف عليه كالخليفة والوصي والمجبر على ما ذهب إليه ابن القاسم وإمام الصلاة، وكل من ملك حقاً على وجه يملك معه عزله عنه فليس له أن يوصي به كالقاضي والوكيل، ولو كان مفوضاً [653/ب] إليه أو خليفة القاضي للأيتام وشبه ذلك.
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِمَا يُسْتَخْلَفُ فِيهِ
الضمير في (عِلْمُهُ) عائد على المستخلف بفتح اللام، المفهوم من السياق، يعني: أنه لا يشترط في خليفة القاضي أن يكون عالماً بجميع أبواب الفقه، بل إنما يشترط علمه بما يستخلف فيه، مثاله: لو استخلف على النظر بين الزوجين فيشترط علمه بالأنكحة وما يتعلق بها، إلا أن يفوض إليه فيشترط علمه بالجميع كما في الأصل.
وَلِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَايِهِ فِي الاجْتِهَادِ وَفِي التَّقْلِيدِ، وَلَوْ شَرَطَ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ كَانَ اشْتِرَاطاً بَاطِلاً، وَالتَّوْلِيَةُ صَحِيحَةٌ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ وَلا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ
(لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَايِهِ) كالمالكي يولي شافعيَّاً أو حنفيَّاً.
ولو شرط- أي الإمام- على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلاً وصح العقد، هكذا نقله في الجواهر عن الطرطوشي.
وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه ورده؛ لكونه صار مأموراً بمخالفة الحق، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهداً.
وكذا فرض المازري المسألة فيه ثم قال: وإن كان الإمام مقلداً أو كان متبعاً لمذهب مالك واضطر إلى ولاية قاض مقلد- لم يَحْرُمْ على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره ألا يتعدى في قضائه مذهب مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي هذا القاضي منه، وولي عليهم، وقد وَلَّى سحنون لما ولي القضاء أمناء وكان فيمن ولاه رجل سمع كلام بعض أهل العراق فأمره سحنون ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة.
وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ) هكذا نقله الطرطوشي عن الباجي.
الطرطوشي: وهو جهل عظيم منهم؛ يريد: لأن الحق ليس في شيء معين.
ابن راشد: وما نقل عن سحنون من ولاية ذلك الشخص على أن لا يخرج عن أقوال أهل المدينة؛ يريد: قولهم، وكيف يقول الأستاذ ذلك والناس إذا أتوا المالكي إنما يأتونه ليحكم بينهم بمذهب مالك؟! وقد أخبرني القرافي عن شيخه ابن عبد السلام أنه كان يرى في المسألة رأياً، وإذا سئل عنها ترك رأيه وأفتى بقول الشافعي، فقيل له في ذلك فقال: هذا لم يسألني عن اختياري، وإنما سألني عن مذهب الشافعي.
وَيَجُوزُ أَنْ يُنَصَّبَ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ فَأَكْثَرُ، كُلٌّ مُسْتَقِلٌ أَوْ مُخْتَصٌ بِنَاحِيَةٍ أَوْ بِنَوْعٍ ....
لأن الناس قد يكثرون فلا يكفيهم الواحد، وفهم من كلامه أنه ليس من شرط ولاية القضاء أن تكون عامة، وهو مذهب مالك والشافعي خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا تنعقد إلا عامة.
وعلى مذهبنا فيجوز للإمام أن يستثني أشخاصاً لا يحكم بينهم.
أصحابنا: ولا يجوز أن ينهاه الأمير عن النظر في مسألة رجل بعد أن نظر فيها وأشرف على الحكم، أو نوع كالدماء والأموال.
فَلَوْ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الاخْتِيَارِ فَالْقُرْعَةُ
يعني: إذا كان في البلد قاضيان، وتنازع الخصمان في الاختيار، وطلب كل واحد منهما التحاكم عند من لم يطلب صاحبه الحكم عنده، فالقول قول الطالب.
المازري: ولو فرضنا أن يكون الخصمان جميعاً طالبين- كل منهما يطلب صاحبه- فإن لكل منهما أن يطلب حقه عند من شاء من القضاة، ويطلب الآخر حقه عند من شاء.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أنه لا يراعي الطالب وإنما يراعي أقربهما مكاناً.
ابن عبد السلام: فإن استوى المكانان أو كان كل واحد منهما طالباً فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولاً، فإن استووا فالقرعة، وينبغي أن ينظر أيضاً فيمن
يقرع بينهما، فإن ذلك يؤدي إلى تشاجر آخر؛ لأنهما قد لا يتفقان على القرعة؛ فلابد من حاكم يقرع بينهما.
وَالتَّحْكِيمُ مَاضٍ فِي الأَمْوَالِ، وَمَعْنَاهَا كَحُكْمِ الْحَاكِمِ
التحكيم: أن يُحَكِّمَ الخصمان رجلاً يحكم بينهمان وليس مولَّى من قبل الإمام ولا من قبل القاضي.
ولا يؤخذ من قوله: (مَاضٍ) الجواز ابتداء، وقد نص المازري على جوازه من حيث الجملة، قال: كما يجوز لهما أن يستفتيا فقيهاً ويعملا بما يقول، ويرجعا إلى ما يفتي به.
وتقييد قوله: (مَاضٍ) بالأموال قد يدل على أنه لا يمضي في خلافها، لكنه سيصرح بخلاف هذا المفهوم.
واحترز بالأموال من غيرها فقد قال سحنون: لا يجوز في الحدود واللعان، وأضاف أصبغ الطلاق والعتاق واللواء والنسب والقصاص وقال: وأما الجراح فله أن يُمَكِّنَ مَنْ يستقاد منه كحكم الحاكم؛ أي: فلا يكون لواحد منهما ولا لحاكم غيرهما نقضه إلا أن يكون جوراً بَيِّنَاً، وامتنع التحكيم في هذه الأمور؛ لأنها يتعلق بها حق لغير الخصمين؛ إما لله تعالى وإما لآدمي، فاللعان فيه حق للولد في نفي نسبه، وكذلك الأنساب، قالوا: والطلاق والعتاق فيهما حق لله تعالى؛ إذ لا يجوز بقاء المطلقة البائن في العصمة، ولا رد العبد في الرق.
وَفِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ الرِّضَا إِلَى حِينِ نُفُوذِ الْحُكْمِ قَوْلانِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: [654/أ] يُشْتَرَطُ إِلَى أَنْ يَنْشَبَا ...
يعني: واختلف في لزوم الحكم للخصمين، هل هو مشروط بدوام الرضا إلى حين الحكم ولكل واحد منهما أن يرجع قبل النفوذ، وهو قول سحنون، أو ليس بشرط وليس لأحدهما أن يبدو له إن كان قبل أن يفاتحه، وحكمه لازم لهما كحكم السلطان، وهو قول ابن الماجشون؟ ومنشأ الخلاف هل يقال: إنهما لما حكَّماه صار كالوكيل لهما أولاً، وهو كالحاكم، وفي كلامه حذف معطوف تقديره: إلى نفوذ الحكم وعدم اشتراطه.
وقوله: (إِلَى حِينِ نُفُوذِ الْحُكْمِ) أي: إلى نفوذه، وهكذا صرح به سحنون.
وأشار ابن عبد السلام: إلى أن كلام المصنف لا يؤخذ منه هذا؛ لأن بين نفوذ الحكم وزمان نفوذه فرقاً.
وفيه نظر.
وقال أشهب: يشترط رضاهما إلى أن ينشبا في الخصومة، فإذا نشبا فلا رجوع لأحدهما.
ولابن القاسم في المجموعة: إذا أقام البينة عنده ثم بدا لأحدهما فأرى أن يقضي ويجوز حكمه.
ولابن المواز: له الرجوع ما لم يشرف على الحكم.
فَلَوْ حُكِّمَ فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ فَقَتَلَ أَوْ حَدَّ أَوِ اقْتَصَّ أَوْ لاعَنَ أُدِّبَ وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْراً بَيِّناً ...
هذا هو التصريح بخلاف ما فهم من قوله أولاً: (مَاضٍ فِي الأَمْوَالِ).
وما ذكره المصنف نص عليه أصبغ فقال: إذا حكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه فإن القاضي يمضي حكمه، وينهاه عن العودة.
وإن فعل المحكم ذلك لنفسه فقتل أو اقتص أو حد ثم رفعه إلى الإمام أدبه السلطان وزجره، وأمضى ما كان صواباً من حكمه.
وانظر قول أصبغ: "ما كان صواباً" وقول المصنف: (مَا لَمْ يَكُنْ جَوْراً بَيِّناً) فإن الظاهر أن بينهما فرقاً.
ابن راشد: وظاهر كلام سحنون أن يمنع من نقضه إلا أن يكون جوراً بيناً، وأما الحكم بإنفاذه وإمضائه فلم يصرح به، وأشار بعض الشيوخ إلى أن مالكاً وسحنوناً اتفقاً على نقض ما هو جُورٌ بَيِّنٌ، وما ليس كذلك فنَصَّ مالك على أن القاضي يمضيه، وظاهر كلام سحنون أنه لا يعارضه.
فَلَوْ حَكَّمَا عَبْداً أَوِ امْرَأَةً أَوْ مَسْخُوطاً فَقَوْلانِ، بِخِلافِ الْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُوَسْوِسِ
يطلب من الخصمين ابتداءً ألا يُحَكِّما إلا من اجتمعت فيه صفات القضاء، فإن حكما من لم تجتمع فيه، فأما الكافر والمجنون والموسوس فلا يمضي قضاؤهم باتفاق.
قاله ابن راشد.
وأشار اللخمي والمازري إلى أن الجاهل متفق على بطلان حكمه؛ لأن تحكيمه تخاطر وغرر.
واختلف في غير من ذكر، فحكى اللخمي والمازري أربعة أقوال:
الأول لأصبغ: يصح حكمهم.
والثاني لمطرف: لا يصح.
الثالث لأشهب: يمضي إلا في الصبي؛ لأنه غير مكلف، ولا إثم عليه إن جار، ونسب أيضاً لأصبغ.
والرابع لعبد الملك: يصح إلا في الصبي والفاسق، وذِكرُ المصنف الصبي مع الكافر والمجنون يوهم أنه متفق عليه، وليس بظاهر.
فَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَهُ فَثَالِثُهَا: يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنِ الْمُحَكِّمُ الْقَاضِيَ
ابن عبد السلام: هذه الأقوال صحيحة حكاها غير واحد، وأشار بعضهم أو صرح بنفي الخلاف في أن حكمه غير ماضٍ، وحكى بعضهم أنه يمضي، لكنه لم يتعرض لنفي الخلاف، ونص اللخمي على أنه لا يلزم حكم المحكم إذا كان مالكيَّاً والخصمان كذلك إذا خرج عن قول مالك وأصحابه وإن لم يخرج عن ذلك باجتهاده لزم.
وَيَجُوزُ الْعَزْلُ لِمَصْلَحَةٍ
لما فرغ من شروط القاضي وما يتعلق بذلك تكلم على عزله.
وقوله (لِمَصْلَحَةٍ) يريد: أو درء مفسدة، كما لو رأى أن غيره أصلح أو أقوى، وأراد نقله إلى بلد آخر أو خطة أخرى.
أصبغ: وينبغي للإمام عزل من يخشى عليه الضعف والوهن، أو بطانة السوء وإن أمن عليه الجور في نفسه.
وَالْمَشْهُورُ الْعَدَالَةُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعْزَلَ لِمُجَرَّدِ الشَّكِيَّةِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعْزَلَ إِنْ وُجِدَ بَدَلُهُ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ سَعْداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَهُوَ أَعْدَلُ مَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ....
الأول لمطرف قال: لا يعزل المشهور بالعدالة والرضا بالشكية فقط وإن وجد منه بدلاً؛ لأن في ذلك فساد للناس على قضاتهم، وإن لم يكن مشهوراً بالعدالة والرضا فليعزله إذا وجد منه بدلاً وتظاهرت الشكية عليه، فإن لم يجد منه بدلاً كشف عنه، فإن كان على ما يجب أبقاه، وإن كان على غير ذلك عزله.
وقال أصبغ: أَحَبُ إليَّ أن يعزل بمجرد الشكية وإن كان مشهور العدالة، واحتج بقضية سعد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم.
ابن عبد السلام: جعل المصنف الخلاف في مشهور العدالة، وهو صحيح؛ ألا ترى إلى احتجاج أصبغ، وبعضهم أشار إلى أن الخلاف فيمن لم تتحقق عدالته، وأما مشهور العدالة فيتفق عنده على أن لا يعزل بمجرد الشكوى.
أصبغ: وإذا علمت الشكية وتظاهرت فليوقفه بعد عزله للناس؛ ليرفع من يرفع، ويحقق من يحقق، فقد وقف عمر سعداً فلم يصح عليه شيء من المكروه رضي الله عنهما، وقد دعا على من كذب عليه في تلك القضية فاستجيب له فيه.
ولأشهب في المجموعة: إذا شُكي القاضي في أحكامه [654/ب] وميله بغير حق، فينبغي للإمام أن ينظر في أمره قَلَّ شاكوه أو كثروا، فيبعث إلى رجال من أهل بلده ممن يثق بهم فيسألهم عنه سراً، فإن صدقوا قول الشكاة عزله ونظر في أقضيته فيمضي ما وافق الحق ويبطل ما خالفه، وإن قال مَنْ سألهم عنه: لم نعلم إلا خيراً وهو عدل عندناً، ثبَّته وتفقد أقضيته.
فما خالف السُّنَةِ رَدَّهُ وما وافقها أمضاه، ويحمل على أنه لم يتعمد جوراً ولكنه أخطأ.
مطرف وأشهب: وينبغي للإمام ألا يغفل عن التفقد لقضاته، فإنهم سنام أمره ورأس سلطانه.
ابن عبد السلام: وفي النفس شيء من احتجاج الفقهاء في مسألة القضاء بقضية سعد ونحوها من الأمراء، وذلك أن الأمير نظره أوسع من نظر القاضي، فإن نظره مقصور على مسائل الخصام، وهو مستند فيها إلى الإقرار والبينة وشبه ذلك من الطرق فيظهر عدله وتبعد التهمة في حقه.
وَإِذَا عَزَلَهُ عَنْ سُخْطٍ فَلْيُظْهِرْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ فَلْيُبَرِّئْهُ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ شُرَحْبِيلَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: أَعَنْ سُخْطٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: لا، لَكِنْ وَجَدْتُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْكَ، فَقَالَ: إِنَّ عَزْلَكَ عَيْبٌ؛ فَأَخْبِرِ النَّاسَ بِعُذْرِي، فَفَعَلَ ...
كلامه ظاهر تصوراً وتصديقاً، وإنما تظهر الجرحة لئلا يتولى بعد ذلك، وما ذكره من قضية شرحبيل هكذا ذكرها سحنون في المجموعة.
ابن عبد السلام: وليس فيها كبير حجة؛ لأن شرحبيل طلب ذلك.
انتهى.
وفي القضية نظر من وجه آخر؛ لأن ما نقله صاحب الاستيعاب يخالفها، لأنه نقل أن شرحبيل صيره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على جيش الشام ولم يزل والياً على بعض نواحي الشام لعمر إلى أن هلك في طاعون عمواس مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم في يوم واحد سنة ثمان عشرة.
واستعمل المصنف شرحبيل غير منصرف، وكذلك ذكره الزبيدي.
وقال صاحب المحكم: شرحبيل اسم رجل، وقيل: هو أعجمي، هذا يشعر بالخلاف في صرفه.
وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ لَمْ يَنْعَزِلْ مُسْتَخْلَفُوهُ وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةَ
(الْمُسْتَخْلِفُ) بكسر اللام و (مُسْتَخْلَفُوهُ) بفتحها، وظاهره الإطلاق؛ فيتنالو الإمام والأمير والقاضي، وهو مقيد بما عدا القاضي ونائبه، فإن نائب القاضي ينعزل بموت القاضي.
نص عليه مطرف وأصبغ وابن حبيب.
ابن رشد: ولا أعلمهم اختلفوا فيه.
قيل: ولعله أراد المتقدمين، وإلا فقد نقل ابن العطار الخلاف عن فقهاء زمانه في موت الإمام، وجعلوا مثله مقدم القاضي على النظر للأيتام.
ابن عبد السلام: وعندي أن ما قالوه من انعزال نائب القاضي بموت القاضي صحيح إن كان استناب بمقتضى اللواية على لاقول بأن له ذلك، وأما إن استناب رجلاً معيناً بإذن الأمير أو الخليفة فينبغي ألا ينعزل ذلك النائب بموت القاضي، ولو أذن له في النيابة إذناً مطلقاً فاختار القاضي رجلاً ففي انعزال هذا الرجل بموت القاضي نظر.
وانظر ما الفرق بين نائب القاضي في انعزاله ونائب الأمير أو الخليفة في عدم انعزاله؟ وقد استشكل فضل وغيره الفرق بينهما.
فإن قلت: ما وجه المبالغة بقوله: ولو كان الخليفة؟ قيل: لأن الأمير إذا كان مأذوناً له في الولاية فكأن الخليفة ولاه، فإذا مات الأمير بقي القاضي كأنه مولى من جهة الخليفة، بخلاف موت الخليفة.
فإن قيل: وما الفرق بين الوكيل في عزله بموت موكله وبين القاضي المقدم من الأمير أو الخليفة؟ قيل: لأن القاضي لم يقدم لحق الخليفة أو الأمير، وإنما قدم لحق
المسلمين؛ فلا يزال والياً حتى يعزله الخليفة أو الأمير الثاني، بخلاف الوكيل فإن من قدم لمصلحته قد مات.
وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ: "قَضَيْتُ بِكَذَا" أَوْ شَهِدَ بِأَنَّه قَضَى لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ
لأنه إذا قال: (قَضَيْتُ بِكَذَا) مقر على غيره، وإذا شهد بأنه قضى فشاهد على فعل نفسه.
وفي بعض النسخ: (أَوْ شَهِدَ مَعَ عَدْلٍ) وهكذا ذكر سحنون، قال: وكذلك لو شهد مع رجل فلا ينفذ حتى يشهد اثنان سواه، ومعناه في المدونة، ففيها: وإذا مات القاضي أو عزل وفي ديوانه شهادة البينة وعدالتها لم ينظر فيه من ولي بعده ولم يجزه إلا أن تقوم عليه بينة، وإن قال المعزول: ما في ديواني قد شهدت به البينة عندي.
لم يقبل قوله ولا أراه شاهداً، فإن لم تقم بينة على ذلك أمرهم القاضي المحدث بإعادة البينة.
وللطالب أن يحلف المطلوب بالله تعتالى أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، وإن نكل حلف الطالب وثبتت له الشهادة عند الحق.
فإن قيل: لم قبل المأذون في دين يقر به بعد الحجر عليه، ولم يقبل قول القاضي بعد عزله وكلاهما كان مطلق اليد؟ قيل: لأن المأذون لا تهمة عليه؛ إذ ضرر إقراره عليه لتعلقه بذمته، ألا ترى أنه لو ضاع المال بقي الدين متعلقاً بذمته بخلاف الحاكم فإن أمره قد سقط بالعزل.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَحْبُوسِينَ وَالأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى.
هذا شروع منه فيما يبدأ به القاضي إذا تولى القضاء، وهكذا قال أصحابنا أن أول ما ينظر فيه القاضي المحبوسين حتى يعلم من يجب إخراجه من العذاب الذي هو فيه ومن لا يجب؛ لأن الضرر في ذلك أشد من [655/ أ] الضرر في الأموال، ثم ينظر في الأوصياء ثم في
المقدمين؛ لكون من تكون له مطالبة عليهم قد لا يعرب عن نفسه، ثم في اللقطة والضوال ثم بين الخصوم، هكذا ذكر المازري هذا بـ (ثم) والمصنف اكتفى بالتقديم اللفظي.
أصبغ: وينبغي للقاضي إذا قعد أن يأمر بالنداء في الناس: "إن كل يتيم لم يبلغ ولا وصي له ولا وكيل، وكل سفيه مستوجب الولاية فقد منعت الناس مداينته ومتاجرته، ومن علم أحد من هؤلاء فليرفعه إلينا لنولي عليه، فمن داينه بعد أو باع منه أو ابتاع فهو مردود".
المازري: وإذا ولي قضاء غير بلده فينبغي أن يسأل عن أحوال عدول ذلك البلد قبل خروجه إليه إن كان بمكانه من يعرف حالهم حتى يكون قدومه على خبرة من حالهم، وقد يفتقر إلى الاستعانة في حال قدومه بأحد منهم فيكون قد عرف حال من استعان به، وينادي مناد يشعر الناس باجتماعهم لقراءة سجله المكتوب بولايته، فإذا فرغ نظر في مكانه الذي يجلس فيه، والعدل أن يكون في وسط البلد.
وَيَخْتَارُ الْكَاتِبَ وَالْمُزَكِيَّ وَالْمُتَرْجِمَ
أي: يختار الكاتب باعتبار أن يكون أعدل الموجودين، ففي المدونة: لا يستكتب القاضي أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين إلا العدول المرضيين.
مطرف وابن الماجشون وأصبغ: سواء غاب الكاتب عن كتابته أو لم يغب، فلا يكون إلا من أهل العدالة والرضا، وظاهر ما نقله المتيطي عن ابن المواز عدالة الكاتب من باب الأولى، لأنه قال: وقال ابن المواز: ينبغي أن يكون كاتبه عدلاً فقيهاً يكتب بين يديه ثم ينظر هو فيه، لكن قال اللخمي: لا يبعد حمل قول محمد على الوجوب.
وقال المازري: ينبغي أن ينظر القاضي فيما يكتبه؛ لاحتمال أن يزيد أو ينقص غلطاً أو سهواً أو تعمداً لرشوة يأخذها.
وإن كان غير ثقة فلابد من إطلاع القاضي على ما يكتبه، فيجلسه قريباً بحيث يشاهد ما يكتب عنده، وإن كان عدلاً فالمذهب أنه مأمور بالنظر إلى ما يكتب، وقد ترجم
بعض أشياخي في وجوب ذلك على القاضي إذا كان الكاتب عدلاً؛ لأنه إذا شاهد ما كتب أشهد على نفسه بأمر يتيقنه، وإذا عول على تصديق الكاتب العدل اقتصر على أمر مظنون مع قدرته على اليقين.
وقوله (وَالْمُزَكِيَّ) ظاهره الاكتفاء بالواحد.
أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ رجلاً صالحاً مأموناً منتبهاً، أو رجلين بهذه الصفة؛ يسألان له عن الشهود في السر في مساكنهم وأعمالهم، وإن قدر ألا يعرف من يسأل له فذلك حسن.
قال: ولا ينبغي للمكشف أن يسأل رجلاً واحداً أو اثنين، وليسأل ثلاثة أو أربعة أو أكثر؛ خيفة أن يزكيه أهل وده بخلاف ما يعلمه اثنان أو ثلاثة من غيرهم، أو يسأل عنه عدواً فيجرحه، وينبغي للقاضي ألا يضع أذنه للناس في الناس.
ابن الماجشون: وكل ما يبتدئ فيه القاضي السؤال عنه والكشف يقبل فيه قول الواحد، وما لم يبتدئه هو.
وإنما يبتدئ به في ظاهر أو باطن فلابد من شاهدين فيه.
وفي الجواهر: ويشترط العدد في المزكي والمترجم دون الكاتب، وقال الشيخ أبو إسحاق: إن ترجم عنه واحد أجزاه، واختار القاضي أبو الحسن أنه إن كان الإقرار بمال قبل في الترجمة شاهد وامرأتان.
وروى أشهب وابن نافع: يترجم للقاضي رجل ثقة مسلم مأمون، واثنان أحب إلينا، والواحد يجزئ.
ولا يقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوط، ولا بأس أن يقبل ترجمة امرأة إذا كانت عدلة، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا لم يجد من الرجال من يترجم له، قالوا: وامرأتان ورجل أحب إلينا.
انتهى.
وقال سحنون: لا تقبل ترجمة النساء ولا ترجمة رجل واحد ولا ترجمة من لا تجوز شهادته؛ لأن من لا يفهم قوله كالغائب عنه، وقيد صاحب البيان ما وقع له من أنه لا
يقبل ترجمة الكافر والعبد والمسخوط بوجود العدل، ولو اضطر إليهم لعمل على قولهم كقول الطبيب النصراني، وغير العدل مما يضطر إليه.
والخلاف في اشتراط الواحد أو الاثنين مبني على أنه من باب الخبر أو الشهادة، لكن ضعف فضل كونه من باب الخبر؛ لأنه لو كان كذلك لقبل العبد والمسخوط.
وَيَتَّخِذَ مَجْلِساً يَصِلُ إِلَيْهِ فِيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحَقِّ وَالأَمْرِ الْقَدِيمِ.
ابن شعبان: من العدل أن يكون منزل القاضي متوسطاً من المصر، ويجلس متربعاً مستقبل القبلة عليه السكينة والوقار، أو محتبياً.
مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن تكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب من غير وهن.
وكلامه في المدونة يدل على استحباب القضاء في المسجد، وأتى المصنف بكلامه في المدونة إما استشهاداً لما ذكره من اتخاذ مجلس يصل إليه الضعيف والمرأة، وإما استشكالاً؛ لأنه قد تدخله الحائض والجنب من غير شعور بهما، ويؤدي إلى رفع الأصوات فيه، ولهذا مال إلى الكراهة بعض الأندلسيين.
وَقَالَ مَالِكُ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّ مَنْ أَدْرَكْتُ [655/ ب] مِنَ الْقُضَاةِ لا يَجْلِسُونَ إِلا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ؛ فَسُمِّيَتْ رَحْبَةَ الْقُضَاةِ، وَإِنِّي لأَسْتَحِبُّهُ فِي الأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ تَضْييقٍ؛ لِيَصِلَ إِلَيْهِ الْحَائِضُ وَالذِّمِّيُّ ..
هذا لمالك في الواضحة من رواية مطرف وابن الماجشون، وحمله اللخمي على الخلاف فقال: اختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال:
فقال في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم.
وقال في الواضحة: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجاً إما عند موضع الجنائز وإما في رحبة دار مروان وما كانت تسمى إلا رحبة القضاة.
مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق ليصل إليه اليهودي والنصراني والضعيف.
وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب.
ففهم اللخمي عن أشهب أنه لا فرق بين المسجد ومنزله وغيرهما، وفهم غيره عنه أن أشهب إنما أراد تساوي المنزل وغيره في أصل الإباحة، ولا يخالف في استحباب المسجد، فلا يكون قوله ثالثاً، واحتج على جواز القضاء في المسجد بقوله تعالى: (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) [ص: 21] إلى قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) [ص: 22] وبأنه صلى الله عليه وسلم قضى فيه وبأن قاضي عمر بن عبد العزيز كان يقضي فيه، والأقرب في زماننا الكراهة لكثرة التساهل في العياض في المسجد.
والله أعلم.
وَلا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ وَيُعَزِّرُ التَّعْزِيرَ الْيَسِيرَ
نحوه في المدونة، مالك: كالخمسة الأسواط والعشرة.
وقوله: (وَلا تُقَامُ) هو محتمل للمنع؛ لأنه ذريعة إلى أن يخرج منه ما ينجس المسجد، والكراهة تنزيهاً له.
فرع: وللقاضي أن يتخذ بواباً وحاجباً.
قَالَ مَالِكُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ
قال في المدونة: ولا ينبغي للقاضي أن يكثر الجلوس جداً.
وفي الموازية لمالك: ينبغي أن يكون جلوسه في ساعات من النهار؛ لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه للناس نهاره كله.
وكلام مالك أولاً يشعر عرفا ًبإباحة إتعاب نفسه، وكلامه آخراً يشعر بمنعه من ذلك، ولعله استعمل الكلام الأول بحسب أصل اللغة؛ فإن المكروه والمحرم ليس على الإنسان فعلهما.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ أَيَّامَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ سَفَرِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَفِي كَثْرَةِ الْمَطَرِ وَالْوَحْلِ؛ لأَنَّهُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبيْنَ الْعِشَاءَيْنِ.
لأن للناس اشتغالاً في هذه الأيام، وكذلك يوم التروية ونحو ذلك، ويوم عرفة، وكلامه ظاهر.
قال علماؤنا: وينبغي أن يكون جلوس القاضي معلوماً لا يختلف؛ لأنه إذا اختلف جلوسه انقطعوا عن مهماتهم لعدم معرفتهم بوقت جلوسه.
ابن الماجشون ومطرف بعد أن ذكرا نحواً مما قاله المصنف: وما علمنا من فعله من القضاة إلا لأمر يحدث في تلك الأوقات فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويسجن، ويرسل للأمير أو الشرط، وأما الحكم فلا.
ولأشهب: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء إذا رضي الخصمان، فأما أن يكلف كاره الخصومة فلا، ولا بأس أن يقضي بعد أذان الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويرسل إلى الخصم يحضره ثم يقضي عليه إن شاء.
والوحل: هو الطين الجاري.
وَفِي كَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مُرُورِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ قَوْلانِ
الكراهة لسحنون ومطرف وابن الماجشون وأشهب، والجواز لأشهب أيضاً بشرط ألا يشغله المسير ورحبة الناس والنظر إليهم؛ لأن ذلك يمنع من الفكر التام وليس لمروره إلى المسجد خصوصية، بل كل مسير كذلك.
ولا بأس أن يقضي وهو متكئ، نقله ابن زرقون، وقال اللخمي: ولا يحكم متكئاً، لأن فيه استخفافاً بالحاضرين، وللعلم حرمة.
واختلف القرويون إذا أراد المسلم خصام اليهودي يوم السب هل يمكن من ذلك أم لا؟
المازري: وألف بعضهم على بعض في ذلك.
وَلا يَحْكُمُ فِي حَالِ غَضَبِ وَلا جُوعٍ، وَلا مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ
لما في البخاري عنه عليه السلام: "ولا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان".
وخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان".
فذكر الحكم مع وصف مناسب له، ففهم منه أن المقصود ما يشوش الفكر.
قال في المدونة: وإذا دخله هم أو ضجر فليقم.
وأجاز له أشهب وابن عبد الحكم إجماع نفسه في الحديث في مجلس ضقاته؛ ليرجع إليه فهمه، ومنعه مطرف وابن الماجشون وابن حبيب لظاهر المدونة.
اللخمي: والأول أحسن، وهو أحب من قيامه وصرف الناس.
فرع:
فإن حكم في حال غضب مضى، وفرق ابن حبيب بين القليل والكثير.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ؛ لِيَنْقِلُوا الإِقْرَارَ فَيَحْكُمَ بِهِ، وَيَكْتُبُهُ خَشْيَةَ نِسْيَانِهِ ..
ظاهر قوله: (وَيَنْبَغِي) أنه ليس بواجب.
وقال المازري: يؤمر بذلك ويتأكد الأمر على القول بأن القاضي لا يحكم بعلمه.
وقال اللخمي: لا يجلس للقضاء إلا بمحضر عدول ليحفظوا إقرار الخصوم خوف رجوع بعضهم عن ما يقر به، وإن كان ممن يحكم بعلمه، فإن أخذ بما لا خلاف فيه أحسن.
ابن راشد: مذهب مالك وابن القاسم أن القاضي إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم بإقراره عليه حتى يشهد بإقراره شاهدان، ثم يحكم بما سمع وإن لم يشهد عنده بذلك.
ابن الماجشون: والذي عليه قضاة المدينة، ولا أعلم أن مالكاً قال غيره- أنه يقضي بما سمع منه وأقر به عنده، وأنهم رأوا أن الخصمين لما جلسا للخصومة رضيا أن يحكم بينهما بما أقرا به [656/ أ] ولذلك قعدوا، والأول هو المشهور.
خليل: وإن كان الأول هو المشهور فيكون إحضاره للشهود واجباً، وإلا فلا فائدة في جلوسه.
وقوله: (وَيَكْتُبُهُ) مرفوع مستأنف؛ أي: ويأمر كاتبه أن يكتب الحكم خيفة نسيانه، ويحتمل (ويكتب) بالنصب؛ أي: ويأمر كاتبه بشرح الدعوى والإنكار واسم المسألة وأسماء المتداعبين وأنساب الجميع وما يعرفون به وما بحكم به بينهما، ويحفظه في خريطة أو جراب أو غيره، ويختم عليه حتى لا ينساه، ويكتب عليه خصومة فلان في شهر كذا من سنة كذان ويجعل خصومة كل شهر على حدة.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدُ: وَبِمَحْضَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ كَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَالَ مُطَرِّفُ وَابن الماجشون: لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُمْ وَلَكِنْ يَسْتَشِيرُهُمْ كَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ..
هذا معطوف على قوله: (بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ).
وقوله: (كَعُثْمَانَ) إشارة إلى ما حكاه أشهب أن عثمان رضي الله عنه كان إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة رضي الله عنهم ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه.
وقال مطرف: فلا ينبغي أن يحضرهم كفعل عمر.
وقيده اللخمي بألا يكون مقلداً فلا يسعه القضاء بغير محضرهم.
المازري: وقول مطرف وغيره إنما هو إذا كان فكر القاضي في حال حضورهم كعدم حضورهم معه، وأما إن كان حضورهم يكسبه ضجراً حتى لا يمكنه التأمل لما هو فيه فإنه يرتفع الخلاف، وكذلك إذا كان القاضي من البلادة على حالة لا يمكنه ضبط قول الخصمين وتصور مقاصدهما حتى يستغنى عنه- فإنه يرتفع أيضاً الخلاف، ولا يختلف في وجوب حضورهم.
وَلا يَنْبَغِي لِقَاضٍ أَنْ يَثِقَ بِرَايِهِ وَيَتْرُكَ الْمُشَاوَرَةَ وَيَسْتَكْبِرَ عَنْهَا، فَقَدْ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ الجَدِّ، وَسَأَلَ عَنْ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ..
هو ظاهر التصور؛ لأن الجماعة إذا فكروا كان ما اتفقوا عليه أوثق في النفس، وقد ورد الشرع بها فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] وهو إن كان المراد منه أمور الحرب فالجميع سواء.
وبالغ الشافعي في هذا حتى قال: يجمع المخالفين له في المذهب ويشاورهم كما تقدم.
ابن عطية في تفسيره: ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه.
سحنون: ولا يستشير من يشهد عنده فيما شهد فيه بعض من تكلم على هذا الموضع، ولم يقع في الموطأ وأبي داود والترمذي والنسائي في قصة عمر أنه سأل، وإنما ذكر عمر أنها لا ترث من الدية فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
وَلا يُفْتِي الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا بَاسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ..
يعني: أن له الإفتاء في غير مسائل الخصام، والمشهور أنه لا يفتي في الخصام؛ لأن إفتاءه في ذلك من إعانة الخصوم على الفجور؛ لأنهم إذا عرفوا مذهب القاضي تحيلوا في التوصل إلى ذلك المذهب أو في الانتقال عنه، وأيضاً فإذا علم مذهبه يكون مشروطاً بشرط، فمن لا يعرف ذلك الشرط اعتقد في القاضي- إذا لم يحكم بذلك المذهب لعدم ذلك الشرط- أنه مال عن الحق، وأجاز له ابن عبد الحكم ذلك بغيرها؛ لأنه لم ينقل عن الخلفاء التوفق في مسائل الخصام.
وَلا يَشْتَرِي بِنَفْسِهِ وَلا بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ
ظاهره في مجلس قضائه وغيره، ونحوه ذكر ابن شاس، وبمعناه عن محمد بن عبد الحكم.
ابن عبد السلام: ولا تبعد صحته، إلا أن المازري وغيره ذكروا عن المذهب ما يدل على جواز بيعه وشرائه ابتداءً، وحكى المازري عن الشافعي مثل ما حكاه المؤلف هنا.
انتهى.
أي: لأن المازري نقل عن أصحاب مالك أنهم أجازوا للقاضي الشراء إذا لم يكن في مجلس قضائه، ولم يجيزوا له ذلك في مجلس قضائه؛ لما فيه من شغل باله.
مطرف وابن الماجشون: ولا يشتغل في مجلس قضائه بالبيع والابتياع لنفسه.
سحنون: وتركه أفضل.
قال: ولا بأس بذلك في غير مجلس قضائه له أو لغيره.
وما باع أو ابتاع في مجلس قضائه فنافذ، إلا أن يكون أكره غيره على هضمه فليس هذا بعدل وهو مردود، كان في مجلس قضائه أو غيره، والذي ذكره المازري هو الذي في النوادر وغيرها.
وَيَتَوَرَّعُ عَنِ الْعَارِيَةِ وَالسَّلَفِ وَالْقِرَاضِ وَالإِبْضَاعِ وَالْوَلائِمِ، إِلا وَلِيمَةَ النِّكَاحِ الْعَامَّةَ، وَلا بَاسَ بِأَكْلِهِ فِيهَا ..
ظاهر كلامه أن هذه الأمور أخف من المبايعة؛ لتعبيره في الشراء بـ (لا يفعل) وهنا (يَتَوَرَّعُ) والعكس أولى؛ لأن العارية ونحوها انتفاع بمال غيره بغير عوض، وفي التي قبلها إنما يتوهم ذلك ولا يتحقق، لكن هذه الأشياء فلا تناقض على مذهبهما، [656/ ب] وإنما الإشكال على ما ذكره المصنف لا يقال: أنت نقلت عنهما أنه ينتزه عن الشراء؛ لأنا نقول: التنزه لا ينافي الجواز.
مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي له أن يجيب الداعي إلا في الوليمة وحدها للحديث.
ثم إن شاء أكل أو ترك.
وقال أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة، كانت وليمة أو صنيعاً عاماً لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح فلا.
وقال سحنون: يجيب العامة دون الخاصة، والتنزه أحسن.
ابن المواز: وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم، ولا بأس للقاضي بحضور الجنائز وعيادة المرضى، وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من سلم عليه، ولا ينبغي إلا ذلك.
وَلا يُقْبَلُ هَدِيَّةً مُطْلَقاً وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا أَضْعَافَهَا، إِلا مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالَدِهِ وَأَشْبَاهِهِمْ
ظاهر قوله: (وَلا يُقْبَلُ) المنع، وعليه ينبغي أن يحمل قوله.
ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الإمام الأكبر وقاضيه وجباة أموال المسلمين الهدايا، قال: وهو مذهب مالك وأهل السنة، وذلك كما قال ربيعة: إنها ذريعة إلى الرشوة، ولهذا قال عليه السلام في العامل الذي بعثه على الصدقة فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدي إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه؛ بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت" مرتين وقال صلى الله عليه وسلم في مثل هذا: "إنه غلول".
وقوله: (مُطْلَقاً) أي: سواء كانت حال الخصام أو قبله، ولو كافأ عليها أضعافها.
وعن أشهب جواز قبولها من غير الخصوم إذا كافأ عليها بمثلها.
ثم استثنى الولد والوالد، ونحوهم من الخالة والعمة وبنت الأخ؛ لارتفاع التهمة؛ لأنه معلوم أن بينه وبين أبيه وولده من الحرمة وشدة الميل ما لا يحتاج معه إلى تأكيد الهدية، ولأن مثل هؤلاء إنما تطرق التهمة إلى القاضي إذا حكم من جهة القرابة من الهدية، بخلاف الأجانب والأقارب البعداء على عادتهم من إهدائهم له قبل الولاية.
ومنعهم على قولين: الجواز لابن عبد الحكم.
ابن حبيب: ويأخذ الإمام من قضاته وعماله ما وجد في أيديهم زائداً على ما ارتزقوه من بيت المال، ويحصى ما عند القاضي حين ولايته، ويأخذ ما اكتسبه زائداً، وقدر أن هذا التكسب إنما اكتسبه بجاه القضاء، وتأول أن مقاسمة عمر رضي الله عنه ومشاطرته لعماله كأبي
موسى وأبي هريرة وغيرهما رضي الله عنهم إنما فعل ذلك لما أشكل عليه مقدار ما اكتسبوه بالقضاء والعمالة.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ وَالْمُلازِمِينَ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، وَيُخَفَّفُ مِنَ الأَعْوَانِ مَا اسْتَطَاعَ.
ابن عبد السلام: لأن بكثرتهم تعظم عنده نفسه، ويستأكل من معه بذلك أموال الناس، ولأن الأعوان إنما يعيشون غالباً من تجنيب الخصوم وقلب الأحكام، خلاف ما كانوا عليه أيام سحنون أن لهم أرزاقاً من بيت المال.
مطرف وابن الماجشون: ولو استغنى عن الأعوان أصلاً لكان أحب إلينا.
ويجب عليه أن يؤدب أحد الخصمين إذا أساء على الآخر ما يستحقه.
ظاهره أن الحق في ذلك لله تعالى؛ لانتهاك حرمة مجلس الحكم، ونحوه لمطرف وابن الماجشون، قالا: إذا شتم الخصم فقال: يا فاجر، يا ظالم، ونحو ذلك فليزجره وليضربه على مثل هذا ما لم تكن فلتة من ذي مروءة فليتجاف عن ضربه.
ابن عبد السلام: ولا يعد الفقهاء تكذيب أحد الخصمين فيما ادعى عليه وشبه ذلك من السباب، ولو كان بصيغة كذب وشبهها من ذلك.
انتهى.
ومن أحكام ابن زياد: ومن قال للشهود أو لأهل الفتوى: "تشهدون أو تفتون علي، لا أدري من أكلم" كأنه ذهب مذهب التوبيخ لهم، فقال ابن كنانة وابن غالب: يؤدب أدباً وجيعاً.
وفي المجموعة: إذا قال للشاهد: "شهدت علي بالزور" وقصده أذاه نكل بقدر حالهما، وإن كان إنما عنى: "أن الذي شهدت به علي باطل" لم يعاقب.
وَيَنْبَغِي ذَلِكَ إِذَا أَسَاءَ عَلَى الْحَاكِمِ، إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهِ فِي أَمْرِي وَشِبْهِهِ، وَلا يُعْظِمُ عَلَيْهِ ..
عبر في الأول: بـ (يَجِبُ) وهنا بـ (يَنْبَغِي) وكذلك فعل مطرف وابن الماجشون، ووجهه ظاهر؛ لأنه هنا كالمنتقم لنفسه، وليس هو حقيقة، ولهذا قال مطرف وابن الماجشون: إن الأدب في مثل هذا أمثل من العفو.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام مالك أن هذه المسألة في الوجوب كالتي قبلها؛ لأنه روي عن ابن القاسم: إن قال: "ظلمتني" فذلك يختلف، فإن أراد بذلك أذى القاضي وكان القاضي من أهل الفضل فليعاقبه.
قوله: (إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهِ .. إلخ) هذا لابن عبد الحكم، زاد: ويجيبه جواباً ليناً، نحو: "رزقني الله تقواه، أو ما أمرت إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي الله".
وليس له من أين يحكم عليه من غير أن يظهر لذلك غضباً.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ الناسُ فِي أَحْكَامِهِ وَشُهُودِهِ وَسِيرَتِهِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ عَلَى أَمْرِهِ ..
هذا لابن [657/ أ] عبد الحكم؛ لأنه إذا أخبره بما يكره منه تركه، أو من أعوانه عزله بعد الفحص عن أمره.
وَإِذَا صَحَّ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالزُّورِ وَيَاخُذُ الْجُعْلَ عَزَّرَهُ عَلَى الْمَلأِ، وَلا يَحْلِقُ لَهُ رَاساً وَلا لِحْيَةً ..
صح أنه عليه السلام عد شاهد الزور من الكبائر.
ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه إذا لم يكن له مخرج بغفلة أو خطأ أو نسيان أنه يؤدب، وهذا إذا ظهر عليه، وأما إن جاء تائباً فذكر اللخمي قولين: