وَالْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ الْيَمِينُ باللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ غَيْرُ لَغْوٍ وَلا غَمُوسٍ، مِثْلُ: وَاللهِ وَالرَّزَّاقِ، وَعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِه، وَاِرَادَاتِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَكَلامِهِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَقِدَمِهِ، وَوُجُودِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَجَلاللَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَذِمَّتِهِ، وَكَفَالَتِهِ، بخِلافِ مَا تَحَقَّقَ لِلْفِعْلِ كَالْخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَكُرِهَ الْيَمِينُ بـ (لعَمْرُ اللهِ)، وَأَمَانَةِ اللهِ؛ إِذْ لَمْ يَرِدْ إِطْلاقُهُمَا، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ قَصَدَ الصِّفَةَ ...
وسمي الحلف يميناً؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه وقيل: اليمين: القوة.
وسمي العضو يميناً لوفور قوته على اليسار.
ومنه قوله تعالى: (لأخَذَنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ([الحاقة: 45] أي: بالقوة، قال في الذخيرة: فعلى هذا يكون التزام الطلاق والعتاق وغيرهما في تقدير المخالفة يميناً بخلاف التفسير الأول.
والحلف بكسر اللام وسكونها.
والنذور: جمع نذر، وقد يجمع على نذر، وهو في اللغة عبارة عن الالتزام، وقيل: هو التزام بشرط.
ابن بشير: والأول أشهر.
وهل الحلف من حيث هو مباح، وإليه ذهب الأكثر، أو أرجع الترك؟ قولان للشيوخ.
ابن عبد السلام: والصحيح نقلاً ونظراً الإباحة.
وقلنا: من حيث هو؛ لأنه قد يعرض له الوجوب والندب والتحريم.
ولا خلاف في جواز الحلف بأسماء الله تعالى سواء دلت على الذات فقط أو مع صفة، كقوله: والله والرحمن والعزيز والقدير، وأما صفاته فالمعروف [236/ب] من المذهب جواز الحلف بها، وخرج للخمي من قوله في الموازية فيمن حلف فقال: لعمر الله، فقال: لا يعجبني أن يحلف به أحد.
ومن كراهة مالك أيضاً الحلف بأمانة الله، ومن رواية علي في مسألة الحلف بالقرآن وألفاظ وقعت لهم في هذا الباب تقتضي الخلاف في الأيمان بالصفات.
واعلم أن الكفارة إنما تجب في عزة الله وأمانة الله إن قصد بذلك صفته تعالى، وأما إن أراد ما جعله الله تعالى في عباده من العزة والأمانة كقوله تعالى: (سُبّحَنَ رَبِكَ رَبِ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ ([الصافات: 180] فإنه لا كفارة عليه، نص عليه أشهب، ولا يجوز حينئذٍ الحلف بهما وقاله ابن سحنون في العزة فقط.
وقاله محمد في العهد.
قال في الذخيرة: أمانة الله: تكليفه؛ لقوله تعالى: (إِنَّا عَرَضّنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوتِ وَالأَرْضِ ... ([الأحزاب: 72] وتكليفه: كلامه القديم، وعمر الله تعالى: بقاؤه، وهو استمرار وجوده، وعهد الله: إلزامه؛ لقوله تعالى: (وَأوْفُوا بِعَهّدِيّ ([البقرة: 40] أي: بتكاليفي، فذمته: التزامه فيرجع إلى خبره، وخبره: كلامه، وكذلك كفالته وميثاقه راجعان إلى الكلام.
عياض: لعَمْرُ بالفتح والضم: الحياة والبقاء، إلا أنه إذا استعمل في القسم لم يكن فيه غير الفتح ولم يحك المصنف في عهد الله خلافاً.
ابن حارث: واتفقوا على وجوب الكفارة إذا قال: عليَّ عهد الله، واختلفوا إذا قال: وعهد الله.
قال في المدونة: تجب.
وقال الدمياطي: لاتجب.
اللخمي: والعهد على أربعة أوجه تجب الكفارة في وجه، وتسقط في اثنين، واختلف في الرابع فإن قال: علي عهد الله، فعليه الكفارة، وإن قال: لك عهد الله، أو أعطيك عهداً، فلا كفارة عليه.
واختلف إذا قال: أعاهد الله، فقال ابن حبيب: عليه كفارة يمين.
وقال ابن شعبان: لا كفارة عليه؛ لأنه لم يحلف بالعهد إذ قولُه: أعاهد الله، عهدٌ منه وليس بصفة الله.
ابن حبيب: وإذا قال: أبايع الله، فعليه كفارة يمين.
اللخمي: وعلى قول ابن شعبان لا شيء عليه.
ابن حبيب: "أيْمُ اللهِ" يمين.
وفي الموازنة لمالك: إذا قال:"لعَمْرُ اللهِ" أو "ايْمُ اللهِ"، أخاف أن يكون يميناً.
اللخمي: فتردد هل هي يمين أم لا؟
ابن عبد الحكم: وإن قال "لاها الله" فهي يمين كقوله "تالله"، وإن قال: "الله علي راعٍ" أو "كفيل"، فليس في ذلك كفارة.
قال في الموازية: قال بعض أصحابنا في
"معاذ الله": ليست يميناً إلا أن يريد بها اليمين.
وقيل في "معاذ الله" و"حاشا لله": إنهما ليستا بيمين بحال.
انتهى.
وفي اللخمي قول: إنهما يمين، التونسي: والأشبه في "معاذ الله" و"حاشا لله" أنهما ليستا بيمين.
وقال ابن حبيب: وقول الرجل للرجل علي عهد الله أو لك علي عهد الله إن فعلت كذا فلا كفارة عليه في هذا ولا رخصة في تركه.
انتهى.
وهو يخالف الاتفاق الذي حكاه ابن حارث.
وقوله: (وَكُرِهَ الْيَمِينُ بـ (لعَمْرُ اللهِ)) أي: كره مالك في الموازية الحلف بعمر الله، وظاهر المدونة جواز الحلف به ففيها: الحلف بجميع أسماء الله تعالى وصفاته لازم كقوله: والعزيز والسميع والعليم، ثم قال: أو قال: وعزة الله، وكبريائه، وقدرته، وأمانته، أو قال: لعمر الله، هي كلها أيمان تكفر ولعل المراد بالكراهية- على ما في الموازية-المنع؛ لأن الصحيح أن أسماء الله تعالى توقيفية، بل أشار ابن عبد السلام إلى أن هذا ليس هو محل للخلاف؛ لأن لعمر حقيقة في حق الحادث، وكذلك الأمانة فهما مجملان، وإنما محل الخلاف ما كان صريحاً وظاهراً في معناه، وكان معناه صحيحاً، وهذا البحث إنما هو على ما علل به المصنف.
ابن بشير: ويحتمل أن تكون الكراهة للتردد الذي قدمناه عن أشهب في الأمانة؛ أي: من إرادة صفة الله تعالى، أو الأمانة التي جعلها الله تعالى في عباده.
تنبيه:
لا فرق بين أن يقول: والله، أو وحق الله، فإن ذلك كله يمين، نص عليه في العتبية، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يلزمه حكم اليمين إذا قال: وحق الله.
وَالْمَشْهُورُ: الْكَفَّارَةُ فِي الْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ، وَأُنْكِرَتْ رِوَايَةُ ابْنِ زِيَادٍ، وَقِيلَ: الْحَقُّ إِنْ أُرِيدَ الْحَادِثُ لَمْ تَجِبُ ...
مقابل المشهور رواية ابن زياد، ونقلها في النوادر في المصحف، واللخمي في القرآن والمصحف، والمنكر لها ابن أبي زيد؛ لأنها توهم القول بخلق القرآن.
قال: وإن صحت
حملت على أنه أراد جرم المصحف، قال غيره: ومراده فعل العباد في القرآن؛ كما قال: يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً.
وقوله: (وَقِيلَ: الْحَقُّ) هو كلام ذكره بعضهم جمعاً بين القولين، وهو صحيح في نفسه، ولكنه خارج عن محل الخلاف، فإنه إن قصد القديم لزمته الكفارة باتفاق، وإن قصد الحادث لم تلزمه باتفاق.
ابن بشير وغيره: وإنما محل الخلاف حيث لا نية، أو كانت ونسيها، ولا فرق على المشهور بين أن يحلف بالمصحف أو بالقرآن أو بالكتاب، أو بما أنزل الله، رواه ابن المواز.
ولا فرق بني أني حلف بالقرآن، أو بسورة منه أو آية، رواه ابن حبيب، وفي العتبية عن ابن حبيب لزوم الكفارة في الحالف بالتوراة والإنجيل، وهو جارٍ على المشهور.
وَالنَّذْرُ لا مَخْرَجَ لَهُ مِثْلُ: عَلَيَّ نَذْرٌ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ
لما في مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفارة النذر كفارة يمين"، ولا يمكن حمله على نذر معين؛ لأنه لو نذر طاعة معينة لزمه الإتيان بها، لما في الصحيح: "من نذر أن يطيع الله [237/أ] فليطعه" فتعين حمله على ما لا مخرج له.
وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وقِيلَ: حَرَامٌ
أي: اليمين بغير الله وصفاته كالحالف بالكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم، والأظهر من القولين التحريم؛ لما في الموطأ والصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم".
ولمالك ومسلم: "ومن كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت".
وأيضاً يدخل في كلام المصنف اليمين بالطلاق والعتاق، وقد نصوا على تأديب الحالف بهما ولا يكون الأدب في المكروه إلا أن يقال: إطلاق الأيمان عليهما مجاز ألا ترى أن حروف القسم لا تدخل عليهما.
فرع:
ابن حبيب: كره مالك أن يقول الرجل: رَغِمَ أنفي لله، أو يقول الصائم: والذي خاتمه على فمي.
وَأمَّا الْيَمِينُ بِنَحْوِ اللاتِ وَالْعُزَّى وَالأَنْصَابِ وَالأَزْلامِ فَإِنِ قَصَدَ تَعْظِيمَهَا فَكُفْرٌ، وَإِلا فَحَرَامٌ ...
تصوره ظاهر.
وفي مساواة الأنصاب والأزلام واللات والعزى في تكفير الحالف إذا قصد التعظيم نظر.
ومقتضى كلام المصنف أنه إذا لم يقصد باللات والعزى التعظيم أنه ليس بكفر.
وكذلك نص ابن بشير وأشار ابن دقيق العيد في شرح العمدة إلى نفي ما ذكره المصنف من عدم قصد التعظيم، قال: لأن الحلف بالشيء تعظيم له.
وَلا كَفَّارَةَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ باللهِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَيَتَبَيَّنُ خِلافُهُ مَاضِياً أَوْ مُسْتَقْبَلاً، وَقِيلَ: مَا يَسْبِقُ إِلَيْهِ اللِّسَانُ بغَيْرِ قَصْدٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضيَ اللهُ عَنْهَا الْقَوْلانِ ...
الأصل في هذا قوله تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بَمَا عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ ([المائدة: 89]، والمشهور أن اللاغية هي أن يحلف على الشيء يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك، هكذا قال مالك في الموطأ وقال القاضي إسماعيل والأبهري: هي ما يسبق إليه اللسان من: والله، ولا والله.
رواه مالك في الموطأ عن عائشة.
وجوز الباجي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن اللغو لا يكون إلا في اليمين.
والثاني: أن اللغو قول الرجل: لا والله، وبلى ولله، فيما يعتقده ثم يتبين خلافه.
والثالث: أن يريد ما يجري على اللسان من غير قصد فقول المصنف: (وَعَنْ عَائِشَةَ ... الْقَوْلانِ) يقتضي أن ذلك مروي عن عائشة مفسر وصرح ابن بشير بذلك.
خليل: ورأيت ابن بطال حكى في باب الأيمان عن عائشة رضي الله عنها مثل ما حكاه المصنف، ولفظه: وروي عن ابن عباس أن لغو اليمين: أن يحلف الرجل على الشيء يعتقد أنه كما حلف عليه، ثم يوجد على غير ذلك، وروي هذا القول عن عائشة رضي الله عنها ذكره ابن وهب عن عمر بن قيس عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها.
ابن عبد السلام: ولم يوجد لها كقول مالك بعد البحث عنه.
ابن راشد: وإن كان ذلك مروياً عنها فيحمل لفظه على ظاهره، وإلا حمل أن فيه إضماراً؛ أي: وعن الأشياخ في تفسير قول عائشة رضي الله عنها القولان.
وقوله: (مَاضَياً أَوْ مُسْتَقْبَلاً) مثال الماضي: والله ما جاء زيد، وهو يعتقد ذلك.
ومثال المستقبل: والله ما يأتي زيد غداً، وهو يعتقده.
وعبر المصنف بالاعتقاد ومالك في الموطأ وابن القاسم باليقين، والظاهر أن المراد بهما واحد.
وقال بعض البغداديين: اللغو: أن يحلف على الشيء يظنه.
ابن يونس: يريد بالظن هنا اليقين، وهو يرجع إلى قول مالك.
ولاَ فِي الْغَمُوسِ؛ وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَعْلَمُ خِلافَهُ
أي: ولا كفارة في الغموس، وسواء تعلقت بالماضي أو بالمستقبل، فالماضي واضح، والمستقبل كما لو كانت يمينه على ما لا يصح وجوده، أو قد علم أنه لا يوجد كقوله: والله لأقتلن فلاناً غداً، ولان قد علم أنه ميت، أو لأطلقن النساء اليوم، أو لا تطلع الشمس.
ولم يجزم التونسي بحصولها في المستقبل بل قال: الأشبه أنها غموس.
ومثل بما ذكرناه ابن عبد السلام: وأكثر كلام الشيوخ يقتضي انحصار اللاغية في الماضي والحال وأنها لا تتناول المستقبل، وذكر أيضاً عن بعض الشيوخ حصر اليمين الغموس في الماضي.
وقيل لها: غموس؛ لأنها تغمس صاحبها في النار، وقيل: في الإثم، وهو الأظهر لأنه سبب حاصل.
مالك: وهي أعظم من أن تُكفَّر.
ابن حبيب: وهي من الكبائر.
وَفِيهَا: وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَا شَكَّ فِيهِ فَتَبَيَّنَ خِلافُهُ فَغَمُوسٌ، وَإِلا فَقَدْ سَلِمَ
نص التهذيب: ومن قال: والله ما لقيت فلاناً أمس، وهو لا يدري ألقيه أم لا؟ ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف بر، فقد خاطر وسلم، وإن كان على خلاف ذلك أثم، وكان كمتعمد الكذب وهو مخالف لقوله: (وَإِلا فَقَدْ سَلِمَ)؛ لأن قوله: (وَإِلا) يدخل فيه صورتان:
الأولى: أن يعلم صدق ما حلف عليه.
والثانية: أن يبقى على شكه، وهذه الثانية غموس على كلامه في المدونة.
التونسي: وقال في الذي حلف لقد لقيني فلان أمس، وهو شاك حين يمينه، ثم تحقق أنه لقيه قد بر، وإن لم يتحقق ذلك أنه لم يلقه، فقد أثم.
وفي هذا نظر؛ لأن يمينه على الشك وهي معصية، فإذا كشف الغيب أن الأمر كما حلف عليه لم يسلم من إثم الجرأة على اليمين ي أمر لا يتحققه.
اللخمي: وأرجو أن يكون إثم الشاك أخف من إثم متعمد الكذب.
ابن عبد السلام: وحمل غير واحد لفظ المدونة على أنه وافق البر في الظهر؛ لأن إثم جرأته بالإقدام على الحلف شاكاً سقط [237/ب] عنه.
لأن ذلك لا يزيله إلا التوبة وهو ظاهر في الفقه إلا أنه بعيد من لفظ المدونة.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنَّ كَذَلِكَ
أي: يلحق بمسألة المدونة، ويفعل فيه كما فعل في مسألة المدونة إذا حلف مع ظن صدق ما حلف عليه، والجامع أنه في كلا المسألتين أقدم على الحلف غير جازم.
ونسبة المصنف هذا الكلام لنفسه تقتضي أنه لم يره لغيره.
وقد نقله في النوادر عن ابن المواز قال: وكذلك الحالف على شك أو ظن فإن صادف ذلك كما حلف عليه فلا شيء عليه، وقد خاطر، فعطفه الظن على الشك دليل على أنه أراد حقيقته العرفية، وهو مقتضى كلام ابن يونس فإنه قال: وأما قولهم في الغموس وهو أن يحلف على أمر يظنه يريد: وهو لا يوقنه،
وقاله محمد، وما قاله المصنف هنا إنما يأتي على القول الثاني الذي ذكره في كتاب الشهادة؛ لقوله: وما يحلف فيه بتاً يكتفي فيه بظن قوي كخطه، أو خط أبيه، أو قرينة من خصمه وشبهه.
وقيل: المعتبر اليقين.
وانظره مع قول سليمان صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: "والله لأطوِّفنَّ الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان".
فإنه حلف صلى الله عليه وسلم على ما يظنه، ولا يجوز أن يكون معتمده في يمينه الوحي، وإلا ما تخلف ما حلف عليه، وهذا كله إذا أطلق اليمين، وأما إن قيدها- فقال: في ظني أو ما أشبه ذلك- فلا شيء عليه.
وَلا لَغْوَ فِي طَلاقٍ وَلا غَيْرِهِ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَالِفٍ عَلَى نَاقَةٍ أَنَّهَا فُلانَةُ فَظَهَرَ خِلافُهَا ....
لأن الله تعالى لما قال: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ([البقرة: 225] وكانت الحقيقة الشرعية في اليمين إنما هي الحلف بالله تعالى؛ ولذلك تدخل عليه حروف القسم – كانت الآية الكريمة خاصة باليمين بالله تعالى.
وأما الطلاق والعتاق والصدقة فليست يميناً شرعياً، وإنما هي التزامات، ولذلك لا تدخل على ذلك حروف القسم، ولأن الحلف بذلك ممنوع فشدد عليه، وحكى في ذلك الاتفاق.
واستشهد المصنف بقضاء عمر بن عبد العزيز وتصوره واضح.
وقوله: (فتبين خلافه) يريد ناقة أخرى، وبذلك فسره أبو الحسن.
ابن عبد السلام: ووقع لابن الماجشون ما ظاهره أن اللغو يجري في غير اليمين بالله.
ففي المبسوط: في أخوين كانا شريكين، اشترى رجل من أحدهما ثوباً، فدفع الثمن إلى أخي البائع وهو يظنه البائع، ثم لقيه البائع فسأله عن الثمن، فقال: قد دفعته إليك، فقال: والله
ما أخذت منك شيئاً، فقال: امرأتي طالق ن لم أدفع إليك الثمن.
فقال: وحيك لعل أخي.
فسئل أخوه، فقال: نعم دفع إلي، فقال: ما كنت ظننت إلا أني دفعت إليك، فقال مالك: هو حانث.
وقال ابن الماجشون: لا شيء عليه، إنما أصل يمينه أنه دفع إليك الثمن فيما رأى، وأنه لم يحبسه عنك، فكيف يحنث ههنا؟!
خليل: ويمكن أن يقال: ليس في هذا ثبوت اللغو في غير اليمين بالله؛ لأنه لما كان الأَخَوان في هذه المسألة شريكين، ومن دفع إلى أحد الشريكين فقد برئ من الآخر؛ إذ كل من الشريكين وكيل عن الآخر وهو إنما حلف على البراءة، فلا يلزم من الحكم في هذه المسألة بعدم الحنث أن يكون كذلك في غير هذه المسألة، وهذا ظاهر من تعليل ابن الماجشون، والله أعلم.
وَمَنْ قَالَ لِشَيْءٍ: هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلا الزَّوْجَةَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
تصوره ظاهر، ولا أعلم فيه خلافاً عندنا.
قال في المدونة: قال زيد بن أسلم: إنما كَفَّر النبي صلى الله عليه وسلم في تحريمه أم ولده؛ لأنه حلف بالله لا يقربها.
وَكَذَلِكَ هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ سَارِقٌ، أَوْ زَانٍ، أَوْ يَاكُلْ الْمَيْتَةَ، أَوْ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ، أَوْ دَعَا عَلى نَفْسِهِ إِنْ فَعَلَ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ ...
لقوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال".
قال في الاستذكار: وهو حديث صحيح النقل وليس على ظاهره، وكأنه صلى الله عليهوسلم أراد النهي عن موافقة هذا اللفظ.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من حلف منكم باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله، ومن قال: تعال قامرك فليتصدق"، وهو حديث صحيح ثابت.
انتهى.
وقال الباجي: معنى الحديث: "من حلف بملة غير الإسلام فهو
كما قال"؛ يعني: معتقداً لذلك، ولذلك أمر من حلف باللات والعزى بالتهليل، لنفي الكفر.
انتهى.
وعلى هذا فيطالب بالشهادة والاستغفار.
وَلَوْ قَالَ: أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ وَلَمْ يَنْوِ باللهِ وَلا بِغَيْرِهِ فَلا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ
حاصله: إن قصد بالله؛ يريد: أو تلفظ بالله لزمته الكفارة، نص عليه التونسي وصاحب الجواهر.
وحكى الباجي الاتفاق عليه مع التلفظ وفيه نظر؛ لأن سحنون حكى في السليمانية أنه اختلف فيمن قال: أشهد بالله أو أقسم بالله، هل هي يمين أم لا؟ وخرج اليمين فيما إذا نوى بالله ولم يلفظ بها خلافاً مما إذا عقد اليمين بقلبه.
واستشكل بأن هنا لفظًّا فكان أقوى، وإن قصد بغيره لم يلزمه، وإن لم يقصد [238/أ] شيئاً فالمشهور أنه لا يلزمه؛ لأن الأصل براءة الذمة، وقيل: يلزمه لأن أصل اليمين إنما هو بالله، ولم أقف عليه بعد البحث عنه، وإنما هو معزو لأبي حنيفة، وقاله ابن عبد السلام.
والمشهور مذهب المدونة وألحق فيها بهما "أشهد"، واقتصر في الأمهات على الثلاث وزاد البرادعي "أعزم".
أبو الحسن: وليس بجيد لأن "أعزم" ليست يميناً حتى يقول بالله.
انتهى.
ونص ابن يونس على ما قاله أبو الحسن، لكن نص التونسي على مثل ما في التهذيب وزاد فيها: وإن قال الرجل: أعزم عليك بالله ألا فعلت كذا، فيأبى، فهو كقوله: أسألك بالله لتفعلن كذا، فامتنع فلا شيء على واحد منهما.
وفي الجلاب والكافي: ومن قال لرجل: أقسم عليك لتفعلن كذا وكذا، فإن أراد مسألته فلا شيء عليه، وإن أراد عقد اليمين على نفسه حنث بترك المقسَم عليه ما علقه به.
فإنه قلت: ما الفرق على ما في التهذيب بين أعزم بالله، وأعزم عليك بالله؟ قيل: لأن الأولى حلف فيها على نفسه فكانت منعقدة، والثانية: إنما سأل فيها غيره.
ابن حبيب: ومن قال لرجل: أعزم عليك بالله، فهو كقوله: أسألك بالله، فينبغي له أن يجيبه ما لم يكن معصية، وكذلك إن سئل بالرحم؛ لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ الْذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ([النساء: 1].
التونسي: وأما قوله: أقسمت عليك بالله لتفعلن، ففي كتاب ابن حبيب: إن لم يفعل فهو حانث، وفي كتاب محمد: إن قال: أعزم عليك ألا تفعل، فلا شيء عليهما.
التونسي: فما الفرق بين أقسمت عليك بالله لتفعلن، وبين عزمت عليك بالله لتفعلن؟
وَلَوْ قَالَ: أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ فَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ جَميعِ الأَيْمَانِ: قَوْلانِ
القول بكفارة اليمين لابن وهب، والقول بلزوم الأيمان لابن القاسم، قال: إن لم تكن له نية لزمه طلاق نسائه، وعتق رقيقه، والصدقة بثلث ماله، ويمشي إلى الكعبة في رواية عيسى إلا أن يكون قد عزل الطلاق والعتاق، فليكفر ثلاث كفارات.
الباجي: يريد- والله أعلم- الصدقة والمشي وكفارة الأيمان، وحمل بعضهم الكفارات على ظاهرها.
ومنشأ الخلاف: النظر إلى المحلوف به، أو إلى ما يترتب على الحالف.
وقول ابن القاسم أٌرب؛ لأن صورتها لى ما في العتبية وغيرها: على أشد ما أخذ أحد على أحد، وذلك التزام، وليست اليمين بالله ولا غيرها مما يلتزم وإنما يلتزم ما يترتب على الأيمان، والمرتب على الأيمان بالله تعالى ليس أشد، فوجب العدول إلى مايترتب على أِشد الأيمان، لكن في كلامه نظر؛ لأن الظاهر أن مراده بجميع الأيمان: الأيمان اللازمة، في قوله: (الأيمان تلزمه).
ابن عبد السلام: ولا نعلم أحداً من المتقدمين والمتأخرين بعد البحث عن أقوالهم أوجب في أشد ما أخذ أحد على أحد كفارة ظهار ولا صوم سنة.
خليل: وفي المفيد عن بعضهم إلزام كفارة الظهار.
وَلَوْ قَالَ: الأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ –وَلا نِيَّةَ تَخصصٍ – فَالْجَمِيعُ اتِّفَاقاً، وَفِي لُزُومِ طَلْقَةٍ أَوْ ثَلاثٍ قَوْلانِ، وَيَلْزَمُهُ عِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ حِينَ الْحِنْثِ، وَالْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَصَدَقَةُ ثُلُثِ الْمَالِ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَفَّرَةُ ظِهَارٍ، وَصَوْمُ سَنَةٍ إِنْ كَانَ مُعْتَادَ الْيَمِينِ بِهَا ...
الطرطوشي: ليس لمالك ولا لأصحابه في هذه المسألة قول يؤثر، وإنما تكلم فيها المتأخرون وفيها أربعة أقوال في المذهب:
نقل عن الأبهري أنه لا يلزمه إلا الاستغفار، وعن الطرطوشي وابن العربي والسهيلي أن عليه ثلاث كفارات.
الطرطوشي: ولا يدخل في يمينه طلاق ولا عتق إلا أن ينوي ذلك أو يكون العرف جارياً به، قال: ولا فرق بين أن يقول: اليمان تلزمني، أو لازمة لي، أو جميع الأيمان أو الأيمان كلها تلزمني.
وعن ابن عبد البر أن عليه كفارة يمين.
وعلى هذا فالاتفاق الذي ذكره المصنف تبعاً لابن بشير ليس بجيد.
وقوله: (وَلا نِيَّةَ تَخصصٍ) يقتضي تصديقه لو ادعى تخصيصاً ونص على ذلك أبو عمران، وقال الباجي: لا خلاف في تصديقه فيام لا يحكم عليه به من صوم ومشي وعتق غير معين.
وأما الطلاق والعتق المعين فيجري الخلاف فيه على الخلاف في مسألة الحلال عليَّ حرام.
انتهى.
وستأتي هذه المسألة المخرج عليها قوله: (وَفِي لُزُومِ طَلْقَةٍ أَوْ ثَلاثٍ قَوْلانِ) الباجي: اختلفوا في الطلاق الواجب بذلك فقال أبو عمران: وأكثر من بلغنا قوله من أهل إفريقية: تلزمه طلقة.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن ومعظم أهل بلدنا: تلزمه ثلاث، وهو الأظهر على أصل مالك.
قال أبو بكر: لأنه يلزمه من كل نوع من الأيمان أوعبها ولذلك أوجبنا عليه الحج ماشياً دون العمرة لما كان ذلك أوعب، وإذا قلنا بطلقة فهل هي بائنة أو رجعية؟ حكى بعضهم في ذلك قولين، والذي كان يفتي به الشيخ أبو محمد: لزوم الثلاث وهو الصحيح عند التونسي واللخمي وعبد الحميد والمازري وغيرهم، حتى إن
السيوري أفتى بنقض حكم حاكم أفتى بالواحدة، وحكى ابن بشير قولاً بالفرق بين أن يكون قصد بقوله: "الأيمان تلزمني" العموم فتلزمه الثلاث، وإن لم يكن له مقصد في ذلك لزمته واحدة.
وقوله: (وَيَلْزَمُهُ [238/ب] عِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ) يريد: وكذلك الطلاق.
الباجي: وإن لم يكن عنده امرأة أو مملوك لم يلزمه فيمن يتزوج في المستقبل ولا من يشتري في المستقبل، وعليه عتق رقبة لا أكثر.
ابن زرقون: وقولُهُ: "إذا لم يكن عنده مملوك لا يلزمه عتق رقبة" غيرُ معروف من أقوال من تكلم على هذه المسألة، وفيه نظر؛ فقد نقل صاحب الجواهر عن الأستاذ أن المتأخرين أجمعوا على أنه إن لم يكن عنده رقيق أن عليه عتق رقبة.
وقوله: (وَالْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللهِ) يعني: في حج.
كما تقدم عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
ونقل في البيان عمن أدرك من الشيوخ: في المشي في حج أو عمرة.
وفي قوله: (يتق من يملك حين الحنث) نظر.
وأهل المذهب أنه إنما يلزمه من كان مملوكاً يوم اليمين؛ إذ المعروف من المذهب فيمن حلف إن فعل كذا فعليه التصدق بثلث ماله، أنه إنما يلزمه الثلث حين اليمين، ولم أرَ أحداً وافق المصنف على قوله وقد اعترض عليه ابن هارون في ذلك.
قوله: (وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَفَّارَةٌ ظِهَارٍ) ابن هارون: يوهم أن عليه عتق رقبة أخرى غير ما ذكر من العتق أولاً، وليس كذلك بل لم يوجبوا عليه إلا صوم شهرين متتابعين.
وكان الشيخ أبو محمد لا يوجب في ذلك كفارة ظهار، وتبعه في ذلك جماعة.
وحكى ابن عتاب عبن بعضهم إيجاباً واستشكل ابن زرقون وغيره إيجابها؛ لأن يمين الظهار غير معهودة ولا متعارفة.
وكذلك قال ابن راشد: وفي كفارة الظهار نظر؛ لأنها إنما لزمت في الظهار لكونه أتى بلفظ الظهار وهو نكر من القول وزور، وهذا اللفظ بعينه لم ينطق به.
وقال: وإن كان مرادهم أن هذا اللفظ استعمل مكان كل لفظ من ألفاظ الأيمان فيلزمه أن يعتزل زوجته حتى يكفر، ولاتلزمه الكفارة حتى عزم على العودة.
قوله: (إِنْ كَانَ مُعْتَادَ الْيَمِينِ بهَا) أي: الحلف، قاله ابن بشير.
وينبغي في غير الصوم أيضاً أنه لا يلزم إلا بالعادة ولهذا قال ابن عبد السلام: ينبغي للمفتي أن ينظر إلى عرف زمانه وبلده.
ابن راشد: وهذا إشكال أوجب توفيقي عن الفتوى في هذه المسألة، ولا سيما إذا سألني من لا يفهم ما يراد بها، وسمعت عن بعض المفتين أنه إذا جاءه من لم يعرف مدلول هذا اليمين فيقول له: لا يلزمك شيء، وكان غيره يقول: إذا سمعت غيرك يحلف بها ما الذي يسبق لذهنك فيها؟ فيقول لهم إنه يلزمه الطلاق الثلاث، فيقول له: طلق امرأتك بالثلاث، وهذه الطريق عندي أنسب وهذا ظاهر.
وقد ذكر القرافي فيه قاعدة وهي: أن الحكم المرتب على العرف والعادة يتغير بتغير العرف والعادة، عندنا بمصر الحلف بالطلاق واليمين بالله والعتق دون سواهما، وأكثرهم لا يعرف الظهار.
المتيطي: قال ابن عتاب: ويلزم الحالف بهذه اليمين الأدب.
قال أبو الأصبع: وهو صحيح وقد ذكر ابن حبيب أن هشام بن عبد الملك كتب أن يضرب من حلف بطلاق أو عتاق عشرة أسواط، واستحسن ذلك مالك، وكذلك الحالف بالمشي إلى بيت الله من تكرر حلفه بذلك وعرف به كان جرحة في شهادته ولو بر.
وَإِذَا كَرَّرَ الأَيْمَانَ بغَيْرِ الطَّلاقِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وَلَوْ قَصَدَ التَّكْرَارَ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ أَوْ يَقُلْ: عَلَىَّ عَشْرُ كَفْارَاتٍ أَوْ عُهُودٍ أَوْ نُذُورٍ وَنَحْوِهِ فَعَدَّدَ مَا ذَكَرَ، وقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى فَتَأكِيدٌ مِثْلُ: وَاللهِ، وَالسَّمِيعِ، وَالْعَلِيمِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى تَكَرَّرَ اللُّزُومُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَشِيرٍ مِثْلُ: وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالإِرَادَة ....
حاصله: إن نوى التأكيد لم يلزمه إلا كفارة واحدة بالاتفاق، وإن نوى كفارات متعددة لزمه ذلك اتفاقاً، وإن قصد الإنشاء ولم يقصد كفارات فالمشهور أنها لا تتعدد ولو كان في مجلسين، رواه ابن القاسم عن مالك، وكذلك قال ابن المواز.
وظاهر قوله: (وإذا كرر اليمين على شيء واحد لم تتكرر)، وإن قصد التكرار على المشهور أنه لا فرق أن يكون المحلوف به اسماً من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، وهو صحيح، وإن كان أكثر الشيوخ لم يحفظ قولاً بتكرير الكفارة في الأسماء ففي الاستذكار عن مالك فيمن قال: والله والرحمن، عليه كفارتان.
وإن قال: والسميع والعليم والحكيم عليه ثلاث كفارات.
قال: وقد تقدم قوله: من حلف بالله مراراً ثم حنث عليه كفارة واحدة، ففرق بني تكرار اسم واحد وبين الأسماء المختلفة.
انتهى.
وفي الموازية: لو قال: والله ثم والله فكفارة واحدة، وكذلك لو قال: والله والله.
وقال ابن عبد الحكم: تتعدد في الواو مع واو القسم أعني: إذاقال: والله ووالله ووالله، وإن قال: والله والله والله، فعليه كفارة واحدة هذا معنى كلامه.
وحكى جماعة في تعدد الكفارة بالصفات ثلاثة أقوال: المشهور كما ذكر المصنف عدم التكرار.
والتكرار حكاه ابن يونس عن بعض المتأخرين وتأوله بعضهم على المدونة، والصحيح عندهم تأويلها الأول، والثالث الفرق فإن كانت الصفة الثانية هي الأولى في المعنى لم تتعدد كمن حلف بالعزة والجلال والعظمة؛ لأن ذلك يرجع إلى صفة واحدة وهي القدرة، وكمن حلف بغضب الله ورضاه وسخطه ورحمته؛ لأن ذلك يرجع إلى الإرادة.
وإن كانت الصفة الثانية غير الأولى تعددت كالعلم والقدرة.
وسب هذا القول صاحب التنبيهات لجماعة المتأخرين، ونسبه صاحب البيان للتونسي [239/أ] قال: ويلزم عليه إذا قال: والعالم والقادر والمريد، أن يكون عليه ثلاث كفارات لتضمُّن كل اسم منه صفة تخالف ما يفيده الآخر، ورأى بعضهم هذا الخلاف إنما هو في هذا الوجه، لا فيما إن كانت الصفات راجعة إلى منى واحد، فقوله: (وَإِنْ قَصَدَ التَّكْرَارَ عَلَى الْمَشْهُورِ) ظاهر مما ذكرناه، ورأى مقابل المشهور أنه لا فرق بين أن يقصد تعدد الكفارة أو ما هو مستلزم لتعددها، ابن عبد السلام: وهو الأقرب.
وقوله: (لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ أَوْ يَقُلْ: عَلَيٌّ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ) ظاهر متفق عليه، وقوله: (وقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى فَتَاكِيدْ) مثل: والله والسميع والعليم، وهو قول المتأخرين والتونسي كما تقدم، وما نسبه المصنف لاختيار ابن بشير هو اختيار أبي عمران وابن يونس فإن قلت: فما الفرق بين المشهور من أن اليمين بالله لا تكرر فيها الكفارة، وبين المشهور في الطلاق؟ فإن المشهور فيه الحمل على التأسيس إلا أن ينوي التأكيد، قيل: لأن المحلوف به هنا شيء واحد يستحيل التعدد عليه بخلاف الالتزامات، ولذلك قيل بعدم التكرار في الظهار؛ لأن مدلول الظهار الثاني تحريم المرأة، وقد حصل بالظهار الأول.
فرعان:
الأول: إذا كرر اليمين لا على ما حلف عليه أولاً، ولكن على ما هو مستلزم له.
ففي العتبية عن مالك فيمن حلف لأفعلن كذا فقيل له: إنك ستحنث، فقال: لا والله لا احنث، إن حنث عليه كفارتان، وقال ابن القاسم في المبسوط: ليس عليه إلا كفارة واحدة.
عياض: وقول مالك أولى؛ لأن مقصود اليمين الأولى على فعل شيء والثانية على فعل شيء غيره، وهو الحنث فتأمله.
الثاني: إذا قال: علي أربعة أيمان، ففي العتبية عليه أربع كفارات.
أبو محمد: وأعرف أن ابن المواز قال: عليه كفارة واحدة إلا أن تكون له نية.
وَالاسْتِثْنَاءُ بمَشِيئَةِ اللهِ لا يَنْفَعُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاللهِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ
المراد بالمشيئة: أن يقول: لا أفعل كذا إن شاء الله، فإن فعل فلا كفارة عليه، وحكى في الاستذكار الإجماع على إسقاط الكفارة به إذا كان متصلاً، واختص الاستثناء بالمشيئة بالمستقبل؛ لأن الماضي إما لغو وإما غموس، ولاتعلق للكفارة بواحد منهما ولا خلاف عندنا أن الاستثناء بالمشيئة في غير اليمين بالله تعالى لا يفيد.
نعم في حكم اليمين بالله تعالى النذر المبهم.
فرع:
ابن راشد: وهل يقوم مقام الاستثناء "إلا أن يشاء الله" في إسقاط الكفارة ما إذا قال: إلا أن يقضي الله أو يريد الله؟ قال ابن القاسم في العتبية: من حلف على أمر ليفعلنه إلا أن يقضي الله أو يريد الله ليس بثنيا، وقال عيسى: هو نثيا.
قال في البيان: وهو القياس والنظر الصحيح؛ لأن قضاء الله ومشيئته وقدرته هي إرادته فلا فرق بين الجميع.
ووجه قول ابن القاسم أن الحالف بالله ألا يفعل فعلاً أو ليفعلنه قد علم أنه لا يفعله، ولا يترك فعله إلا بقضاء الله وقدرته، وعلى هذا انعقدت يمينه وهي نيته وإرادته إن كان من أهل السنة، فكان الأصل ألا ينفعه الاستثناء؛ إذ لا زيادة فيه على ما نواه.
خرج من ذلك الاستثناء بالمشيئة بالسنة والإجماع فبقي ما عداه على الأصل.
ورأى أصبغ أن قوله:"إلا أن يقضي الله" ثنيا، بخلاف "إلا أن يريد الله" أو يرى غير ذلك.
قال: ولا وجه له.
القرافي: وينبغي أن يبني الخلاف هنا على الخلاف في الأسباب الشرعية، هل يقاس عليها إذا عقل معناها أم لا؟ كما قيل في قياس النبش على السرقة واللواط على الزنى.
وَأَمَّا الاسْتِثْنَاءُ بإِلاَّ وَنَحْوِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِشَرْطِهِ فِي الْجَمِيعِ، وَشَرْطُهُ في الْجَمِيعِ الاتِّصَالُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ اخْتِيَاراً، وَإِنْ طَرَأَ قَصْدُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَصْلٌ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلا تُفِيدُ نِيَّةُ الاسْتِثْنَاءِ إِلا بِتَلَفُّظِهِ، وَلَوْ كَانَ سِرّاً بحَرَكَةِ لِسَانِهِ وَلا بِتَلَفُّظِهِ سَهْواً، أَوْ تَبَرُّكاً حَتَّى يَنْوِيَهُ ...
أي: وأما الاستثناء بإلا وسائر أدوات الاستثناء المذكورة في علم العربية فتنفع في الجميع بشرطه، ثم فسر شرطه فقال: (وَشَرْطُهُ في الْجَمِيعِ ... إلخ).
ابن عبد السلام: ومراده بالجميع: جميع أدوات الاستثناء.
خليل: ويحتمل جميع الأيمان، وحاصل ما ذكره ثلاثة شروط أو شرط مركب من ثلاثة أجزاء:
الأول: أن يكون متصلاً من غير قطع اختياراً، واحترز بالاختيار ما لو انقطع بسعال ونحوه، فنه لا يضر.
قوله: (ولو طَرَأَ) يعني: أنه لا يشترط فيه أن ينوي قبل الفراغ من اليمين، بل لو طرأ قصده بعد تمام اليمين واتصل نفعه على المنصوص.
ومقابله لابن المواز اشترط أن يكون منوياً قبل تمام الحلف ولو بحرف.
والمشهور أظهر.
فإن الاستثناء إما حل لليمين كما ذهب إليه ابن المجشون، وإما رفع للكفارة كما ذهب إليه ابن القاسم، وقيل: لاحل ولا رفع.
وزاد في البيان ثالثاً: أن الاستثناء من العدد لابد أن يعقد عليه يمينه بالنية، ولا يجوز أن يستدركه، وإن وصله بيمينه أو قبل آخر حرف من كلامه.
الشرط الثاني: أن يكون الاستثناء ملفوظاً به، فلا تكفي فيه النية وحدها، ولا يشترط في النطق الجهر ولذلك قال: (وَلَوْ سِرّاً بحَرَكَةِ لِسَانِهِ) واعلم أن الاستثناء على ضربين:
أحدهما: إخراج بعض [239/ب] ما اقتضاه اللفظ وهو الاستثناء بإلا وأخواتها.
قال في البيان: والمشهور فيه أنه لابد من حركة اللسان، وروى أشهب أن النية تجزئ، وخصص صاحب الجواهر هذا الخلاف بما إذا كانت اليمين لا يقضي فيها بالحنث أو كانت مما يقضي فيها ولم تقم عليه بينة، وأما إن كانت مما يقضي فيها بالحنث وقامت عليه بينة فالحكم بما قالته البينة.
وثانيهما: استثناء يخرج به جميع الجملة في بعض الأحوال؛ كقولك: والله لأعطين القرشيين ثلاثة دراهم إن كان كذا، أو إلا أن يكون.
قال في البيان: فهذا لا بد فيه من تحريك اللسان قولاً واحداً، وكذلك حكى ابن المواز الاتفاق على اشتراط اللفظ إذا كان الاستثناء بإن أو إلا أن.
وقوله: (وَلَوْ سِرّاً بحَرَكَةِ لِسَانِهِ) لا إشكال فيه إن كانت اليمين متبرعاً بها، وأما إن كانت في حق واجب، فقال ابن القاسم في العتبية: إذا حرك لسانه بالثنيا فله ثنياه، وإن لم يعلم بذلك مستحلفه.
قال: وليس عليه أن يعلم مستحلفه.
وأنكر ذلك سحنون،
وقال: لا ثنيا له وإن حرك لسانه؛ لأن اليمين على نية المستحلف، ونحوه عن أصبغ وغيره، وهذه المسألة مبنية على أن اليمين على نية الحالف والمستحلف، وسيأتي ذلك.
الشرط الثالث: أن يكون منوياً، فلو تلفظ به سهواً لم يفد، وقوله: (حَتَّى يَنْوِيَهُ) أي: حتى ينوي الاستثناء بما تلفظ به، فلذلك لو نوى التبرك لم يفد شيئاً.
وَجَاءَ فِي الْحَلالِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى إِخْرَاجَ الزَّوْجَةِ ثَالِثُهَا: إِنْ قَصَدَ الْخُصُوصَ أَفَادَ وَإِلاَّ فَلا ...
اعلم أن ههنا حقيقتين:
الأولى: الاستثناء بالنية: وهو أن يقصد بلفظه أولاً العموم، ثم يخرج منه شيئاً بإلا أو إحدى أخواتها، وقد تقدم ذكره.
وذكرنا ما فيه من الخلاف: هل يكتفي فيه بالنية، أو لابد من اللفظ؟
الثانية: المحاشاة: وهي أن يعزل في أصل عقد بيمينه شيئاً قاله في الجواهر.
وحكى اللخمي وصاحب الذخيرة أنه لم يختلف أن المحاشاة تكفي فيها النية، ونقل ابن العربي في أحكامه عن أشهب أنه لا تكون المحاشاة إلا بقلبه ولفظه، كمادخلت في لفظه، قال: والصحيح الأول.
وكان شيخنا رحمة الله يزيد هنا حقيقة ثالثة، وهي التخصيص بالنية ويذكر في إفادتها للخلاف قولين، وهي كالاستثناء في كونه قصد أولاً بلفظه العموم، غير أن الاستثناء أخرج فيه البعض بأحد أدوات الاستثناء، وفي التخصيص بإخراج البعض بغيرها.
إذا تقرر هذا فاختلف في القائل: الحلال على حرام، ونوى إخراج الزوجة، ولذلك صورتان:
إحداهما: أن يقصد أولاً بلفظه العموم ثم يخرج الزوجة.
الثانية: أن يقصد ابتداء الخصوص.
وحكى المصنف في الصورتين ثلاثة أقوال:
الأول: يفيده وهو المشهور، وقول ابن القاسم ومقابله نقله أِهب ولم يعزه.
الثاني: إن قصد أولاً الخصوص أفاد وإن قصد العموم لم يفد.
ونسب ابن عبد السلام الثاني لابن مسلمة، والثالث لأشهب.
وحاصل هذا القول التفرقة؛ فيفيد في المحاشاة، ولا يفيد في الاستثناء.
وقد عملت أن المشهور في المحاشاة والاستثناء متعاكس؛ لأنه قد تقدم أن المشهور في الاستثناء أنه لا يفيد بمجرد النية، والمشهور هنا على ما ذكره الباجي أنه يفيد.
واعلم أن هذه المسألة إنما أتى بها الأشياخ على أنها من باب المحاشاة، ألا ترى إلى قول الباجي المشهور أنه يفيد، ولو كان من باب الاستثناء لم يكن المشهور الإفادة.
وزاد ابن يونس ثالثاً في المحاشاة: يحنث المستحلف دون المتبرع.
وإذا تقرر لك أن كلام المصنف شامل لصورتي المحاشاة والاستثناء، وان المشهور فيهما متعاكس، عملت أن قول ابن عبد السلام: "المشهور أنه يفيد" ليس بظاهر؛ لأنه يقتضي أن المشهور الإفادة في الصورتين.
اللخمي: واختلف أيضاً إذا قال: كل الحلال على حرام، فقال مالك: يدخل فيه زوجته إلا أن يحاشيها بقلبه.
وقال أشهب: لا تنفعه المحاشاة بالنية، إلا أن يحاشيها بلسانه.
ونقل الباجي وغيره عن أشهب صحة المحاشاة بالنية إذا لم يأت بلفظة كل.
الباجي: ولا فرق بين زيادة لفظة "كل" وترك زيادتها؛ لأن قوله: الحلال على حرام عموم ومن قال: ليس للعموم لفظ موضوع ينبغي أن تكون لفظة "كل" تقتضي العموم، فإما أن يكون أشهب ينفي العموم في الألف واللام التي للجنس، ويثبته في "كل"، وإما أن يثبت العموم فيهما، ويجعل للقاصد قرينة تمنع الاستثناء بالنية دون اللفظ.
وعلى هذا يصح أن يجري قوله في الأيمان اللازمة، إذا ثبتت فيها لفظة "كل"، أو عريت عنها.
انتهى.
وعلى هذا فالخلاف جارٍ سواء أتى بلفظه "كل" أم لا.
ونقل ابن عبد السلام عن بعض الموثقين أنه لايرى أن الخلاف حاصل مع الإتيان بلفظة "كل".
فرع:
وإذا قبلنا قوله في المحاشاة، فيقبل وإن قامت عليه بينة.
قال الشيخ أبو بكر: يحلف، وقيل: لا يمين عليه، وأما إن استحلف فقال مالك في الموازية: لا تنفعه نيته سواء استحلفه الطالب، أو ضيق عليه حتى يحلف، أو خاف ألا يتخلص إلا باليمين.
وقال مطرف عن مالك: يصدق في المحاشاة وإن استحلف لاختلاف [240/أ] الناس في الحرام، وإن كانت اليمين بغير الحرام لم تنفعه النية، واليمين على نية المستحلف.
واستشكل ابن راشد القول بلزوم الطلاق مع دعواه المحاشاة قال: كيف يلزم بطلاق زوجته وهو لم يُرِدْها، قال: والذي عندي وسمعته من شيخي القرافي أن الخلاف إنما هو في نية لفظ المحاشاة.
انتهى.
أي: في نية لفظ حاشا.
هكذا أشار إليه في آخر كلامه، وفيه نظر.
وَمَنْ حَلَفَ لا حَدَّثَ إِلا فُلاناً، وَنَوَى وَفُلاناً مِثْلُهَا
ظاهره أنه تأتي فيه الثلاثة الأقوال، والقول الثالث يمكن إثباته هنا بأن يفرق بين أن يكون العطف منوياً من أول الكلام أم لا.
وقول ابن عبد السلام: الثالث لا يأتي هنا؛ لأن الفرض أن الحالف لم يرد الخصوص في ابتداء يمينه وإنما عول بالإخراج بإلا في نيته – ليس بظاهر؛ لأن المخرج بإلا ليس فيه كلام إنما الكلام في المعطوف عليه، وكذلك قال ابن هارون: إن الثلاثة يمكن إتيانها هنا، وظاهر كلامه أن الثلاثة المتقدمة منصوصة هنا، والمنصوص هنا لابن المواز أن نيته تنفعه في الطلاق والعتاق، إلا أن تكون على يمينه بينة.
وَفِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ جَازَ
المشهور أنها تجوز قبل الحنث، لكن استحب مالك في المدونة كونها بعده، والقول بعدم الإجزاء لمالكن وتأوله بعضهم على الاستحباب، ولا يؤخذ من كلام المصنف أن هذا القائل يرى عدم الإجزاء؛ لأن كلامه إنما هو في الجواز.
والثالث حكاه ابن بشير ولم يعزه، ونسبه ابن عبد السلام لابن القاسم في الموازية وفيه نظر.
والذي نقله ابن يونس عن
ابن القاسم في الموازية إنما يرجع إلى الإجزاء مطلقاً.
وحكى في الكافي رابعاً: لا يجزئ تقديم الصوم؛ لأن عمل البدن لا يقدم ويجزئه في غيره.
وقد تجاذب المجيز والمانع قوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير".
هكذا رواه مالك.
وروي بـ "ثم" مع تقديمه "فليكفر" ومع تأخيره.
قال في الاستذكار: وأكثر الأحاديث حديث عائشة رضي الله عنها وأبي الدرداء وعدي بن حاتم وابن عمر وأنس وأبي موسى وعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهم قالوا فيه: "فليأت الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه" بتبدية الحنث.
انتهى.
وقال أبو داود: الأحاديث كلها: "وليكفر عن يمينه" وإلا ما لا يعبأ به، وتجاذبوا قوله تعالى: (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّرَتُهُ ([المائدة: 89] أي: فحنثتم، فإذاً لابد في سبب الكفارة من اجتماع الحلف والحنث.
ابن بشير: بعد ذكر الثلاثة التي ذكرها المصنف: والرابع: أنه إن كانت الثانية يمينه بالله تعالى وما في معناه فله ذلك، وإن كانت بغيره فليس له ذلك.
قال: وإن حلف على فعل – يعني له ولم يؤجله- فلا يتبين حنثه إذا كان على حنث إلا بموته، وأما إن حلف على فعل غيره، أو ما يرجع إلى فعل غيره، ففيه قولان: أحدهما أنه كالأول.
والثاني: أن له أن يحنث نفسه وتفيده الكفارة؛ لأن هذا معرض للحنث بموت المعلق به اليمين فإن ضرب أجلاً فإن مر الأجل فقد وجب الحنث، وإن لم يمر فهل له تقديم الكفارة؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له ذلك أخذاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "فليكفر عن يمينه"، ويقيس سائر الأيمان على اليمين بالله تعالى، والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه في الأجل على بر.
والثالث: الفرق بين اليمين بالله تعالى فيقدمن وبين غيرها فلا يقدم.
انتهى.
والظاهر أن المصنف إنما تكلم على اليمين بالله تعالى فقط.
وَالْبِرُّ: لا فَعَلْتُ، وَإِنْ فَعَلْتُ، وَالْحِنْثُ: لأَفْعَلَنَّ، وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ
لما ذكر البر والحنث في القول الثالث، وكان كثير من أحكام الأيمان يتوقف على معرفتهما، أشار إلى صيغهما، فذكر أن للبر صيغتين: لا فعلت، وللحنث صيغتين: لأفعلن، وإن لم أفعل.
وذكر المصنف صيغهما ولم يذكر حقيقتهما؛ لأن ذكر الصيغة تؤخذ منه الحقيقة.
فإنه إذا كان صيغة البر: لا فعلت، وإن فعلت، علم أن البر هو أن يكون الحالف بإثر حلفه موافقاً لما كان عليه من البراءة الأصلية وكذلك يعلم من صيغة الحنث أن الحنث أن يكون الحالف بحلفه مخالفاً لما كان عليه من البراءة الأصلية ولا إشكال أن في صيغة الحنث حرف شرط كقوله: "والله إن لم أتزوج لا أقيم في هذه البلدة"، وأما "إن" في صيغة البر فنص ابن عبد السلام على أنها حرف نفي كقوله: "والله إن كلمت فلاناً" معناه: والله لا أكلم فلاناً؛ لأن "كلم" هنا وإن كان ماضياً فمعناه: الاستقبال؛ إذ الكفارة لا تتعلق إلا بالمستقبل.
فإن قلت: فما صرف الماضي هنا إلى الاستقبال؟ قيل: الإنشاء إذ الحلف إنشاء، وقد ذكره النحويون من صوارف الماضي إلى الاستقبال.
وقول ابن عبد السلام: أن "إن" في صيغة البر هنا للنفي إن أراد به: إذا لم يكن هناك جزاء فمسلم، وإلا فهي مع الجزاء شرط؛ كقولك: والله إن كلمت فلاناً لأعطينك مائة، أو والله إن دخلت الدار فلا أكلمك أو نحو ذلك.
وَمَنْ ضَرَبَ أَجَلاً فَعَلَى بِرٍّ إِلَيْهِ
يعني: في [240/ب] صيغة البر والحنث كقولك: والله لأضربن فلاناً بعد شهر؛ لأنه لما كان له ترك الفعل إلى ذلك الأجل كان كالحالف على النفي.
وَفِيهَا: وَلَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَجْزَأَ، كَمَنْ حَلَفَ بعِتْقِ رَقَبَةِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَلا يَطَأُ فَأَعْتَقَ لإِسْقَاطِ الإِيلاءِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ بَعْدَ الْحِنْثِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَالَ أَيْضاً: لا يُجْزِئُهُ إِلا فِي مُعَيَّنَةٍ ...
أتى بهذا بياناً للمشهور من الأقوال السابقة، وما نقله من التشبيه نحوه في ظاهر المدونة قال: وإن كفَّر قبل حنثه أجزأه كمن حلف بعتق رقبة ألا يطأ امرأته، فأخبر أن الإيلاء عليه، فأعتق إرادة لإسقاط الإيلاء، فقال مالك: أحب إلي أن يعتق بعد الحنث ولو أعتق قبله أجزأه ولا إيلاء عليه.
عياض وابن عبد السلام: والمشهور المعروف في كتاب الإيلاء أنه لا يجزئه في غير المعين، بخلاف اليمين بالله تعالى؛ لأن الإجزاء في اليمين بالله تعالى إما لظاهر الآية أو الحديث أو لجريان سبب الكفارة وهو عقد اليمين، وإما لالتزامات كقوله: إن وطئتك فعلي عتق رقبة أو صوم شهر أو صدقة دينار.
فلم يأت فيها من الرخصة ما في اليمين بالله تعالى، ولا جرى سبب وجوبها، وإنما هي التزامات موقوفة على شروط فلا تجب إلا بعد حصول تلك الشروط.
ونص ما في الإيلاء: ويكتب إلى الغائب، وإن كان ببلده مسيرة شهر أو شهرين، فيوقف أيضاً في موضعه، فإما عجل الكفارة، أو إيقاع ما ذكرنا من المعينات من عتق أو طلاق أو صدقة، وإلا طلق على كل واحد.
انتهى.
والقولان أيضاً لمالك في الموازية.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام الجمهور أن الخلاف المذكور في مسألة الإيلاء حاصل حقيقة.
وقال الشيخ أبو محمد: إن الخلاف فيها إنما هو فيما بين المرأة وزوجها؛ لأنها تقول: لعل هذه الرقبة معتقة عن كفارة أخرى، وأما فيما بينه وبين الله فقد برئت ذمته، فعلى هذا لو صدقته المرأة أنها عن الإيلاء لما لزمه شيء إذا وطئها بعد ذلك.
والجمهور على حصول الخلاف ظاهراً وباطناً كما قلنا.
انتهى.
قوله: (وَقَالَ أَيْضاً: لا يُجْزِئُهُ إِلا فِي مُعَيَّنَةٍ) هذا أيضاً موافق لما في كتاب الإيلاء، ولا خلاف في الإجزاء في المعينة.
وهذا كله إذا كانت يمينه على بر، وأما إن كانت على حنث كقوله: عليَّ عتق رقبة لأفعلن كذا.
ابن عبد السلام: المشهور في المذهب أن له تقديم العتق وأن له أن يحنث نفسه متى شاء، كانت الرقبة معينة أم لا.
وَلا تَجِبُ إِلا بالْحِنْثِ طَوْعاً
أما أنها لا تجب إلا بالحنث طوعاً فمتفق عليه وظاهر، وتقييده بالطوع يقتضي أنه لا يحنث بالإكراه مطلقاً، وهو قول في المذهب، والمشهور أن الحالف إن كانت يمينه على حنث، يحنث بالإكراه.
ففي البيان: من حلف ألا يفعل فعلاً فأكره على فعله، فلا يحنث بلا اختلاف، وإنما اختلف إذا حلف ليفعلن فعلاً فمنع من فعله وحيل بينه وبينه المشهور أنه حانث، إلا أن يكون نوى إلا أن يغلب.
وقال ابن كنانة.
لا حنث عليه.
انتهى.
واستشكل المشهور غير واحد من الشيوخ.
قال في المدونة: ومن حلف ليأكلن هذا الطعام أو ليلبسن هذه الثياب، أو يركب هذه الدابة، أو يضرب عبده غداً، فماتت الدابة أو العبد، وسرقت الثياب والطعام قبل غد، فلا حنث عليه بالموت؛ لأنه كان على بر بالتأجيل، ويحنث بالسرقة إلا أن يكون نوى أن تسرق.
وقوله: لأنه كان على بر.
هذه العلة يشترك فيها جميع المسائل التي ذكرها، وإنما يريد: لأنه كان على بر ولم ينسب إليه تفريط بخلاف السرقة فإنه ينسب إليه تفريط، كما قال صاحب تهذيب الطالب وغيره: لأن الفعل في السرقة والغصب ممكن، وإنما منعه السارق والغاصب.
وقال أشهب: لا يحنث في السرقة ونحوها.
وَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ: إِطْعَامُ عَشََرَةِ مَسَاكِينَ أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ مُدّاً مُدّاً، وَقَالَ أَشْهَبُ: وَثُلُثاً، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَنِصْفاً، أَوْ كِسْوَتُهُمْ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبةٍ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُرَتَّبَةٍ بَعْدَهَا، وَتَتَابُعُهَا مُسْتَحَبّ، وَالطَّعَامُ كَالْفِطْرِ ....
ما ذكره من التخيير في الثلاثة الأول وترتيب الرابع هو نص الآية الكريمة، واحترز بالأحرار من العبيد ومن فيه علقة رق، وقال في المدونة: وإن أعطى غنياً ولم يعلم به لم يجزه وفي الأسدية: من أعطى من زكاة أو كفارة لغني ولم يعلم به أجزأه.
واحترز بالمسلمين من الكفار فإنه لا خلاف أنهم لا يعطون.
ولا خلاف أن المدينة يعطي فيها المد.
مالك في المدونة: وأما سائر البلاد فإن لهم عيشاً غير عيشنا، فليخرجوا وسطاً من عيشهم، كما قال الله تعالى.
قال ابن القاسم: حيثما أخرج مدّاً بمده صلى الله عليه وسلم أجزأه، وظاهر قول مالك أنه لابد من الزيادة على المد في غير المدينة كقول ابن وهب وأشهب، إلا أن مالكاً لم يحد الزيادة، وحمل أبو الحسن قول ابن القاسم على أنه خلاف لمالك ولذلك قال اللخمي: إن قول مالك أبين منه.
وفي الرسالة أن المد يجزئ مطلقاً وكلام المصنف لا يؤخذ منه أن خلاف أشهب وابن وهب خاص بغير المدينة، بل نقل ابن عبد السلام عنهما أنهما يقولان بالزيادة في مصر وما قاربها في سَعة [241/أ] القوت.
الباجي: وإنما يشترط المد إذا رفع إليهم الطعام، وأما إذا أطعموا بإدام فالمشهور شبعهم لو نقص عن المد.
وقوله: (ثُمَّ صِيَامُ) هو نص الآية.
قال في المدونة: ولا يجزئه الصوم وله مال غائب، وليتسلَّف، وإن كان له مال وعليه دين مثله أجزأه الصوم، ولا يجزئه الصوم إن كان يملك داراً أو خادماً وإن قل ثمنها كالظهار.
أشهب: وقيل: إن كان مجيء الدين قريباً انتظر، وإن وجد من يسلفه تسلف، ولو كفَّر بالصيام ولم ينتظر دينه أجزأه.
التونسي: ولم يبين في المدونة هل ماله قريب الغيبة أو بعيدها؟ فأما القريب فصواب، وأما البعيد فهو ابن السبيل يجوز له أخذ الزكاة، فما الذي يمنع أن يكفر بالصوم؟ لا سيما إن أمكن أن يذهب ماله، وعند أشهب في البعيد الغيبة أنه يكفر بالصوم.
انتهى.
وكذلك حمل اللخمي المدونة على الإطلاق، وأخذ من قوله في المدونة: "ويتسلف" أن الكفارة على الفور.
اللخمي: وأصل ابن القاسم أنه ينتظر وإن بعد؛ لأنه قال في المظاهر: لا يجزئه إلا الصوم، وإن طال مرضه.
وقال أشهب: يجزئه الإطعام إن طال مرضه.
فناقض اللخمي ما له هنا بما في الظهار.
أبو الحسن: وتأول بعض الشيوخ معنى قوله هنا: "فليتسلف إن أراد" فيقوم منه أن الكفارة على التراخي ويطابق ما في كتاب الظهار.
ابن المواز: قال مالك: لا يصوم الحانث حتى لا يجد قوته، أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيها.
وقال ابن مزين عن ابن القاسم: إن كان له فضل عن قوت يوم ما يطعم أطعم، إلا أن يخاف الجوع وهو في بلد لا يعطف عليه فيها فليصم، واستحب التتابع في الصيام لكونه أقرب لبراءة الذمة.
وقوله: (وَالطَّعَامُ كَالْفِطْرِ) أي: وجنس الطعام كجنس زكاة الفطر، وهكذا قال الباجي، ولم أر أصحابنا يفرقون بين البابين، وظاهر مسائلهم المساواة، ابن عبد السلام: وتحقيق النقل أن هذا الباب وباب زكاة الفطر متقاربان لا متساويان.
فَإنْ أَعْطَى خُبْزاً غَدَاءً أَجْزَأَهُ مِنْ غَيْرِ إِدَامٍ عَلَى الأَصَحِّ
إجزاء الغداء والعشاء عليه جمهور العلماء.
وقال الشافعي: لا يجزئ، وهو ظاهر قول يحيى بن يحيى: لا أعرف في هذا غداءً ولا عشاءً.
قال في المدونة: ولا يجزئ غداءً دون عشاء ولا عشاء دون غداء ويطعم الخبز مأدوماً بزيت ونحوه.
وظاهره اشتراط الإدام وكذلك قال ابن عبد السلام: مذهب المدونة اشتراطه، ويحتمل أن يكون على الأولى فلا يكون
مخالفاً لما صححه المصنف، وعلى عدم المخالفة حمله ابن هارون.
وقال بعضهم: ومقدار الخبز رطلان بالبغدادي.
وباشتراط الإدام قال ابن حبيب، قال: ولا يجزئه الخبز قفاراً.
اللخمي: وفي كتاب ابن مزين: يجزئه.
والأول أحسن لقوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [المائدة: 89].
عياض: والقفار بتقديم القاف وفتحها وتخفيف الفاء: الذي لا إدام معه.
ابن حبيب: والإدام: زيت أو لبن أو لحم أو قطنية أو بقل، وقال: ابن عباس: أعلاه اللحم وأوسطه اللبن وأدناه الزيت.
والإطعام إما بتمكين كلٍّ بمفرده أو بتمكينهم فيأكلونه.
التونسي: وتكون العشرة يقرب أكل بعضهم من بعض خوفاً أن يكون فيهم من يأكل كثيراً وآخر يسيراً، ولأنه لا يعطي المريض أو الصبي أو الرضيع إلا قدر ما يأكله الكبير.
وَيَجُوزُ لِلصَّغِيرِ الأَكْلُ وَلا يُنْقَصُ، وَفِيمَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بالطَّعَامِ قَوْلانِ
حاصله: أن الصغير على قسمين: إن استغنى بالطعام أعطي، وإن لم يستغنِ به فقولان: مذهب المدونة أنه يعطي، ففي كتاب الظهار منها: ويطعم الرضيع من الكفارة إذا كان قد أكل الطعام، ويعطي ما يعطي الكبير، والقول بأنه لا يعطي حكاه ابن بشير ولم يعزه وللتونسي نحوه فإنه قال: وأما الرضيع فلا يطعم لأنه ليس في حد من الطعام له غذاء.
انتهى.
وحكى بعض المتأخرين قولاً بأن الصغير يعطي ما يكفيه خاصة، وإن لم يأكل الطعام، ومفهوم كلام المصنف أنه لا يعطي، وهو مفهوم ما نقلناه عن المدونة.
وأجاز في العتبية إطعام الصغير وأطلق لكن قيده ابن رشد فقال: معناه إذا كانوا قد بلغوا أن يأكلوا الطعام.
قاله ابن القاسم عن مالك في ظاهر المدونة.
وكلام الباجي يدل على إعطائه؛ وذلك لأنه لما ذكر قول أصبغ: وله أن يعطي الصغير من الطعام المصنوع ما يأكل الكبير.
وذكر تفسير ابن المواز بأنه إذا كان فطيماً قال: يريد لأنه إذا كان يرضع لم يتغذَّ بالطعام المصنوع، ولا يتأتى بيعه في الأغلب فكان حكمه أن يدفع إليه حنطة يتأتى له بيعها وانتفاعه بها في غير القوت.
وَالْكِسْوَةُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِلرَّجُلِ، وَثَوْبٌ وَخِمَارٌ لِلْمَرْأَةِ
قال في المدونة: وإن كسا في الكفارة لم يجزه إلا ما تحل الصلاة فيه؛ ثوب للرجل، ولا تجزئ عمامة وحدها، وللمرأة درع وخمار، وفي معنى الثوب الإزار الذي يمكن الاشتمال به، قاله ابن حبيب، فإن لم يمكنه الاتِّزار به، فقال الباجي: لم أرَ لأصحابنا نصّاً والأظهر أنه لا يجزئه.
وقال غيره: يتخرج من إجازة مالك الصلاة بسراويل الإجزاء.
وَفِي جَعْلِ الصَّغيرِ كَالْكَبيرِ فِيمَا يُعْطَاهُ قَوْلانِ
القول بأنه كالكبير لمالك في العتبية، وهو قول ابن القاسم ومحمد، والقول بأنه يعتبر الصغير في نفسه نقله ابن المواز عن أشهب [241/ب] قال: ويعطي كل من الصغير والصغيرة ثوباُ قدره.
وحكاه صاحب البيان عن ابن حبيب وأشار إلى أن معنى ذلك إذا لم يقصد إلى أصغرهم لتخف عنه الكفارة وإنما تحرى الصواب وقصد الحاجة.
وظاهر ما حكاه اللخمي عن ابن الماجشون في الواضحة أن الصبية التي تؤمر بالصلاة تعطى ثوب رجل من غير خمار، وهكذا نقل الباجي عن ابن حبيب صريحاً.
اللخمي: وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه لا يعجبه كسوة الرضيع بحال.
وكان يقول: من أُمر بالصلاة منهم فله أن يكسوه قميصاً مما يجزئه.
قال محمد: تفسيره: كسوة رجل.
اللخمي: ومفهوم قول ابن القاسم غير هذا أنه يكسوه في نفسه.
وهكذا قال الباجي: أن ابن القاسم يريد: إن كان دون كسوة رجل.
تنبيه:
إذا تقرر ما ذكرناه علمت أن النقل اختلف عن ابن حبيب؛ لأن صاحب البيان نقل عنه غير ما نقله الباجي كما تقدم.
وَلا يُشْتَرَطُ وَسَطُ كِسْوَةِ الأَهْلِ عَلَى الأَصَحِّ
لأن الله تعالى إنما شرطه في الإطعام، ولأن الكسوة تتفاوت كثيراً بخلاف الإطعام.
ابن راشد: والقول بمراعاة ذلك لم أقف عليه، لعله قاسه على الإطعام وفيه بعد.
انتهى.
وحكاه ابن بشير عن اللخمي فقال: ورأى اللخمي لزوم الوسط كالإطعام، ولم أرَ ذلك في التبصرة، بل نص فيها على خلاف ذلك.
اللخمي: واختلف ي المراد بالأهل في قوله تعالى: (فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ([المائدة: 89] هل المراد بالأهل أهل المكفر، أو أهل البلد الذي هو فيه؟ وفي المدونة: يخرج من عيش أهل البلد.
وفي كتاب محمد: من عيش المكفر وهو أحسن؛ لأن إطلاق الأهل على أهله حقيقة وعلى أهل البلد مجاز فإن كان يأكل القمح لم يجزه الشعير ولو كان ذلك عش أهل البلد، وإن كان يأكل الشعير أجزاه وإن كان عيش أهل البلد القمح.
ابن حبيب: إلا أن يكون فعل ذلك مع سعة، ومثله يأكل القمح فلا يجزئه الشعير.
انتهى.
وحكى غيره قول ابن حبيب عن أصبغ وجعله خلافاً لقول محمد.
وإذا أخرج شعراً فليخرج منه مبلغ شبع القمح.
وَالْعِتْقُ كَالظِّهَارِ
سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وَلَوْ أَطْعَمَ وَكَسَا وَأَعْتَقَ عَنْ ثَلاثٍ فَإِنْ نَوَى كُلَّ وَاحِدَةٍ عَنْ يَمينٍ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً، وَإِنْ شَرَّكَ لَمْ يُجْزِئْهُ مِنَ الْعِتْقِ شَيْءٌ؛ لأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ، وَفِي غَيْرِه قَوْلانِ، وَعَلَى التَّبْعِيضِ يَبْنِي عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَعَلَى نَفْيهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَبْنِي عَلَى سِتَّةٍ، وَقَالَ اللَّخْمِي: يَبْنِي عَلَى تِسْعَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ...
يعني: إذا كفر عن ثلاث كفارات بعتق وكسوة وإطعام، فلا خلاف في الإجزاء، سواء عين كل كفارة ليمين أو لا.
(وَإِنْ شَرَّكَ) أي: جعل العتق عن الثلاث، وكذلك الإطعام والكسوة، فالعتق لا يجزئه اتفاقاً لكونه لا يتبعض.
واختلف في الإطعام والكسوة وهو مبني على أنه هل يجزئه في الكفارة الواحدة أني كون بعضها كسوة وبعضها إطعاماً؟ والمشهور: لا يجزئه، وأجازه ابن القاسم في الموازية.
ومنشأ الخلاف: هل التخيير في الجمل يقتضي التخيير في الأبعاض أم لا؟ ثم فرع المصنف على كل من القولين: فذكر أنه على القول بالتبعيض يبني على ثمانية عشر؛ لأنه قد ناب كل كفارة ثلاثة وثلث من الإطعام ومثلها من الكسوة والثلاثة لا تجزئ فتبطل.
وكذلك لو قصد التشريك في كل مسكين لم يصح له شيء اتفاقاً، إلا أن يعلم أعيان المساكين فيزيد كل واحد ثلثي مد، وإنما بنى على ثمانية عشر؛ لأنه يصح لكل كفارة ستة.
وعلى نفي التبعيض، فقال ابن المواز: يبني على ستة: ثلاثة من الإطعام وثلاثة من الكسوة.
وكذا في النوادر زاد فيها: ثم يكسو سبعة ويطعم سبعة ويكفر عن اليمين الثالثة بما شاء، قوال اللخمي: يبني علىتسعة؛: لأنه قد تبين أنه قد صح له من كل من الإطعام والكسوة تسعة، وما ذكره عن اللخمي هو قول جميع الشيوخ، وقد نص عليه فضل بن سلمة والتونسي.
خليل: وكان شيخنا رحمة الله يوجه قول ابن المواز بما معناه: إن قاعدة ابن المواز: لايبتدئ كفارة من نوع الأولى قبل أن تكمل الأولى فيلزم أن يبني على ثلاثة من الإطعام وثلاثة من الكسوة، وهذا كما قال ابن القاسم: لو صام أربعة أشهر عن ظهارين، ثم ذكر أنه أفطر يومين لا يدري اجتماعهما أو افتراقهما، فإنه قال: يصوم يومين ثم يقضي أربعة أشهر، وعلل صوم اليومين لاحتمال أن يكون اليومان من الكفارة الأخيرة فلا ينتقل عنها ويشرع في غيرها حتى يكملها، وكذلك من ذكر سجدة في آخر صلاته لا يدري من أي ركعة هي فإنه قال: يسجد الآن لاحتمال أن تكون من الأخيرة، والله أعلم.
وَالْعَدَدُ مُعْتَبَرٌ فَلا يُجْزِئُ مَا تَكَرَّرَ لِوَاحِدٍ إِلا فِي كَفَّارَةٍ ثَانِيَةٍ وَجَبَتْ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا، فَلَوْ وَجَبَتْ قَبْلَهُ فَقَوْلانِ ....
يعني: أنه يجب في الإطعام والكسوة استيعاب عشرة مساكين، ولذلك لا يجزئه ما تكرر لواحد.
ابن بشير: وهل يكرر الإعطاء لواحد من كفارات؟ أما إن وجبت الكفارة الثانية بعد إعطاء الأولى فلا خلاف في جوازه، وأما إن وجبت قبله ففيه قولان: الإجزاء قياساً على الأولى، وعدم الإجزاء كالكفارة الواحدة.
فحكى الخلاف في [242/أ] عدم الإجزاء وهو ظاهر كلام المصنف.
ولم أرَ القول بعدم الإجزاء في غيره وهو بعيد.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المدونة وغيرها أن المنع من ذلك على سبيل الكراهة وهو أشد ما يمكن، ولهذا قال ابن أبي زيد: إنما كره مالك ذلك؛ لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما إن حصلت النية في كل كفارة فجائز وصوبه أبو عمران.
فَلَوْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ نِصْفاً كَمَّلَ الْعَشْرَةَ مِنْهُمْ وَإِلا اسْتَانَفَ، وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَنَحْوُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْكَفَّارَتَانِ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ ...
قوله: (وَإِلا) أي: لم يكمل استأنف.
واختلف شراح المدونة هل من شرط التكميل إبقاء ما دفعه إليهم بأيديهم إلى حين التكميل؟
قوله: (وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ) أي: فيشترط فيها العدد وإن أعطى لمائة وعشرين كمل الستين منهم.
وقوله: (وَفِيهَا ... إلخ) أي: لم يعجبه في المدونة أن يدفع لمسدين مُدَّيْن من كفارتين وإن اختلف موجبها، وبهذا يضعف تأويل ابن أبي زيد المتقدم؛ إذ كفارة الظهار متميزة عن كفارة اليمين بالله تعالى فلا اختلاط.
وَالنَّذْرُ، والطَّلاقُ، وَالْعِتْقُ- عَلَى صِفَةٍ فِيهِنَّ – تُسَمَّى يَميِناً، وَهيَ فِي التَّحْقِيقِ: تَعْلِيقٌ
كقوله: إن فعلت كذا فعلي نذر كذا، أو فامرأته طالق أو فعبده حر، وقوله: (عَلَى صِفَةٍ) أي: على حصول شرط.
وقوله: (تُسَمَّى) أي: في اصطلاح الفقهاء.
وقوله: (وَهِيَ فِي التَّحْقِيقِ: تَعْلِيقَّ) أي: التزام شيء على حصول شرط.
وَالْيَمِينُ باللهِ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَهِي وَغَيْرُهَا عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلْفِ فِيمَا كَانَ عَلَى وَثِيقَةِ حَقَّ عَلَى الأَظْهَرِ مِنْ شَرْطٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ أَوْ تَاخِيرِ أَجَلٍ بدَيْنٍ، وَفِيمَا سِوَاهَا ثَالِثُهَا: إِنْ سُئِلَ فِيهَا فَعَلى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، وَإِلا فَعَلى نِيَّتِهِ ..
حاصله أن من حلف فإما أن يكون على وثيقة حق أو لا.
فالأول: المعتبر فيه نية المحلوف له، وهو مراده بالمستحلِف.
وقول المصنف: (عَلَى الأَظْهَرِ) يقتضي أن في المسألة قولين، سواء كانت يمينه بالله أو بالطلاق أو بالعتق وهو صحيح، وقد حكاهما التونسي وصاحب الكافي.
والقول بأنه على نية المستحلف تحصيل مذهب مالك.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: يصح تخصيص ما حلَّفه عليه ولكنه ظالم للمحلوف له، وقال بعضهم: لا يصح حتى يحرك لسانه، وفي التونسي: إذا كان إنما حلف في حق أو وثيقة وادعى النية وكانت يمينه طلاقاً أو عتقاً لم يصدق؛ لأن يمينه في الحق والوثيقة على نية المحلوف له، وقيل: يصدق.
وأما إن كانت يمينه بالمشي إلى بيت الله وقال: أردت المسجد، فقيل: لا يصدق أيضاً؛ لأن يمينه في الحق والوثيقة على نية المستحلِف، وقيل: ينوي لأن هذا مما لا يقضي عليه به.
انتهى.
خليل: وتقدم لابن القاسم أنه إذا حرك لسانه بالثُّنيا فله ثنياه، وإن لم يعلم بذلك مستحلِفه، وهو مما يصح أن يكون مقابل الأظهر وهذا خلاف طريق صاحب المقدمات وابن زرقون فإنهما حكيا الإجماع على أن النية لا تنفع إذا قطع بها حقّاً لغيره للحديث الصحيح:
"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار"، قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: "وإن كان قضيباً من أراك"، قالها ثلاثاً.
والثاني: وهو الذي لا يكون على وثيقة حق، إما أن يكون بالله تعالى أو لا؛ فإن كانت بالله تعالى فعلى نية الحالف، وإلا فثلاثة أقوال:
الأول: أن اليمين على نية المحلوف له رواه ابن القاسم عن مالك، وبه قال ابن وهب وسحنون وأصبغ وعيسى.
والثاني: أنه على نية الحالف وهو قول ابن القاسم.
والثالث: التفصيل لابن الماجشون وسحنون: إن كان مستحلفاً فعلى نية المحلوف له، وإن كان متطوعاً فعلى نية الحالف، وخصص المؤلف هذا الخلاف بما عدا اليمين بالله تعالى، وهو خلاف طريقة صاحب المقدمات وابن زرقون؛ فإنهما عمما الخلاف وزادا قولين آخرين أولهما عكس الثالث: إن حلف متطوعاً فالمعتبر نية الغير لأنه إنما حلف لأجله، وإن استحلفه فله نيته لأنه كالمكره، وثانيهما: إنما يفرق بين أن يكون مستحلفاً أو متطوعاً فيما يقضي به عليه وأما غير ذلك فعلى نية الحالف، رواه أصبغ عن ابن القاسم.
وما تقدم عن مالك أن للحالف نيته في "الحلال عليه حرام"؛ لاختلاف العلماء فيها بخلاف غيرها- قول سادس.
والضمير في قوله: (سِوَاهَا) عائد على قسمي اليمين بالله؛ أي: وسواء كانت على وثيقة حق أو لا، وعلى اليمين بالطلاق والعتق والنذر فيما كان على وثيقة حق، ويحتمل أن يكون الضمير في (سِوَاهَا) عائد على اليمين بالطلاق والعتاق إذا لم يكن على وثيقة حق، وأما اليمين بالله فقد أخذنا حكمها مطلقاً فلا حاجة إلى إعادتها.
وفي بعض النسخ (سواهما) بضمير التثنية فيجعل اليمين بالله مطلقاً قسماً واحداً، ويجعل ما كان على وثيقة حق مطلقاً قسماً واحداً، ويجعل ما كان على وثيقة حق مطلقاً قسماً واحداً، مثال اليمين التي على وثيقة حق، كما لو استُحلِف من عنده وديعة
فأنكرها وحلف ما له عنده وديعة، ونوى حاضرة معه، وكما مثل المصنف بقوله: (مِنْ شَرْطٍ فِي نِكَاحٍ) كما إذا عقد النكاح على أنه إن تسري عليها فعليه التصدق بثلث ماله، ثم تسري عليه حبشية، وقال: نويت من غير الحبش، فلا تفيده تلك النية.
ونحو البيع الأكرية وسائر العقود.
وقوله: (وَتَاخِيرِ أَجَلٍ بدَيْنٍ) [242/ب] أي: من كان له دين على غريم فطالبه، فطلب الغريم التأخير وحلف ليقضينه إلى أجل، فاليمين على نية الطالب لا الغريم.
ثُمَّ الَّتِي عَلَى نِيَّتِهِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْضَى فِيهِ بالْحِنْثِ مُطْلَقاً وَهُوَ الطَّلاقُ وَالْعِتْقُ دُونَ مَا سِوَاهُمَا، فَإِنْ خَالَفَ فِيهِمَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ النِّيَّةَ وَثَمَّ مُرَافَعَةٌ أَوْ بَيِّنَةٌ أَوْ إِقْرَارٌ لَمْ تُقْبَلْ نِيَّتُهُ، فَإِنْ تَسَاوَيَا قُبِلَتْ بِيَمِينٍ ...
يعني: أن اليمين التي على نية الحالف، على ما تقدم على ضربين:
الأول: أن تكون فيما يقضي فيه بالحنث، وهو الطلاق والعتق خاصة، والكلام الآن فيه.
والثاني: ما لا يقضي فيه بالحنث كاليمين بصلاة أو صيام، وسيأتي الكلام عليه.
وقوله: (مِمَّا يُقْضَى فِيهِ بالْحِنْثِ مُطْلَقاً) يحتمل أن يعود على الطلاق، ويحتمل أن يعود عليه وعلى العتق، ومعناه الإطلاق في الطلاق؛ أي: سواء كان منجزاً أو معلقاً والزوجة في الملك أو قبله واحدة أو أكثر، وفي العتق سواء كان منجزاً أو معلقاً كاملاً أو مبعضاً أو آيلاً إليه كالتدبير ونحوه، إلا أنه يشترط في ذلك أن يكون في رقبة معينة، وغير المعينة لا يقضي بها كما إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ عتق رقبة، فإنه إذا حنث لا يقضي عليه بها.
وقوله: (دُونَ مَا سِوَاهُمَا) أي: من سائر القرب والعطايا كالصلاة والصوم والهبات والصدقات.
وقوله: (فَإِنْ خَالَفَ) يقتضي أن اللفظ ليس نصّاً في مدلوله؛ إذ لو كان كذلك ما افترق الحكم.
وإذا ثبت أن اللفظ لابد أن يكون محتملاً، فإن كانت النية موافقة لظاهر اللفظ قبلت في القضاء والفتيا، وهذا مأخوذ من كلامه بالمفهوم.
ابن المواز: وأم ما تقبل فيه النية في القضاء والفتيا فمثاله أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج في حياتها، أو يكون ذلك شرطاً في أصل نكاحها، فتَبِين منه، ثم يتزوج ويقول: نويت ما كانت تحتي فيصدق، ومثل الذي يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها، فتحلف بحرية عبدها لا دخل علي أحد من أهلي، فلما مات قالت: نويت ما كان حيّاً، فذلك لها في القضاء وإن قامت عليها بينة، وإن كانت نيته مخالفة لظاهر اللفظ كما إذا قال لامرأته- بعد أن طلقها طلاقاً رجعياً-: إن راجعتك فأنت طالق، وقال: إنما أردت رجعتها في العدة؛ لأن ظاهر لفظه أنه لا يرتجعها أبداً، فلا يقبل منه ما ادعاه من نية إذا رفع الأمر إلى الحاكم، وهو مراده بقوله: (وَثَمَّ مُرَافَعَةٌ) وقامت عليه بينة أو أقر بذلك.
وحاصله أن الرفع لابد منه في عدم القبول بشرط أن يكون مع ذلك أحد شيئين: إما البينة أو الإقرار لما يجب على الحكام من إجراء الأمور على ظواهرها، وسيأتي إذا لم تكن مرافعة.
خليل: والمثال الذي ذكره ابن راشد كذلك ذكره ابن المواز، وفيه نظر؛ لأن العرف ند الناس في المراجعة إنما هو في العدة فكان ينبغي أن تقبل نيته مطلقاً؛ وكأنهم أخذوا المراجعة بالمعنى اللغوي.
وقوله: (فَإِنْ تَسَاوَيَا) أي: أمكن أن يكون قصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، وأمكن ألا يقصد على حد سواء قبلت نيته في القضاء وأحرى في الفتيا، وهذا يتصور في تقييد المطلق أو تبيين أحد محامل المشترك.
ابن راشد: ومثال الأول أن يقول: أحد عبيدي حر، ويقول: أردت فلاناً، ومثال الثاني: أن يقول: عائشة طالق، وله زوجتان اسم كل واحدة منهما عائشة.
ووقع في بعض النسخ بإثر (قبلت بيمين)
(وهو مما تردد فيه الشيوخ)، وهو من أيمان التهم.
ابن عبد السلام: والأقرب هنا توجيهه احتياطاً لحق الله تعالى.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَكَانَ احْتِمَالاً قَرِيباً قُبِلَتْ مِثلُ: لا أَفْعَلُ كَذَا وَيُرِيدُ شَهْراً، أَوْ لا آكُلُ سَمْناً وَيُرِيدُ سَمْنَ ضَأَنٍ، أَوْ لاَ وَطِئْتُهَا وَيُرِيدُ بقَدَمِي ...
هذا قسيم قوله: (وَثَمَّ مُرَافَعَةٌ ... إلخ) لأن الإشارة بذلك إلى المرافعة مع البينة أو الإقرار؛ أي: وإن لم تكن مرافعة قبلت نيته؛ إذ لا يحتاج إلى اليمين في صحة ذلك؛ لأن النظر في توجيه الأيمان مما يختص بالحكام.
قال في البيان في باب طلاق السنة: ولا خلاف في عدم اليمين هنا، والأمثلة الثلاثة التي ذكرها المصنف أعني قوله: (لا أَفْعَلُ كَذَا وَيُرِيدُ شَهْراً، أَوْ لا آكُلُ سَمْناً وَيُرِيدُ سَمْنَ ضَانٍ، أَوْ لاَ وَطِئْتُهَا وَيُرِيدُ بقَدَمِي).
كذلك ذكرها ابن المواز وزاد: إذا قال لامرأته: أنت طالق أو أنت طالق ألبتة إن راجعتك، فأراد أن يتزوجها بنكاح جديد وقد خرجت من العدة، وقال: إنما نويت ما دامت في عدتها، فإن كانت على يمينه بينة لم أُدَيِّنه، وإن لم تنك عليه بينة دَيَّنته، وقيل: إنما معنى هذا إذا جاء مستفتياً بلا مخاصمة ولا مرافعة، أما إذا جاء بالمرافعة فسواء كانت على أصل يمينه بينة أو لم تكن، والإقرار كالبينة.
وكذلك من قال: حليمة طالق وكانت له جارية وزوجة تسميان بذلك، وقال: نويت جاريتي، فله نيته في الفتوى.
وإما في القضاء فإن قامت عليه بينة، أو حلف به على وثيقة حق فلا تنفعه نيته.
وأكثر هذا في المدونة.
انتهى.
وعلى هذا فقوله: (فإَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَكَانَ احْتِمَالاً قَرِيباً .... إلخ) أحد شي المسألة المتقدمة؛ أعني قوله: (وَإِنْ خَالَفَ فِيهِمَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ النِّيَّة) لأن الجميع قد خالف [243/أ] فيهما ظاهر اللفظ النية، وهناك روفع إن قامت عليه بينة أو إقرار، وهنا لم يرافع وكان الأولى أن يؤخر قوله: (وَإنِْ تَسَاوَيَا قُبِلَتْ) لأن هذه المسألة على ثلاثة أقسام: منها ما يقبل في الفتيا دون القضاء، وهو ما خالفت النية فيه ظاهر اللفظ، ومنها ما
يقبل في الفتيا والقضاء، وهو ما إذا تساويا كما تقدم، ومنها ما لا يقبل في الفتوى ولا في القضاء وهو ما إذا قال: امرأتي طالق وأمتي حرة ويريد الميتة.
وسيأتي هذا القسم الثالث من كلام المصنف.
ثم في تعبير المصنف بقوله: (وَكَانَ احْتِمَالاً قَرِيباً) نظر لإيهامه أنه غير الوجه الأول، فإن قلت: هل ما ذكر المصنف في قول الحالف: لا وطئتها، وقال: أردت بقدمي مخالف لما قاله في المدونة في باب الإيلاء ونصه: وإن قال: والله لا أطؤك فلما مضت أربعة أشهر وقف وقال: أردت لا أطؤها بقدمي، قيل له: إن وطئت بان صدقك وأنت في الكفارة، اعلم إن شئت فكفره وإن شئت فدع.
قيل: لا مخالفة بينهما؛ لأن المصنف إنما قبل منه النية حيث لا مرافعة، وكلامه في المدونة مع المرافعة، وإنما ذكرت هذا؛ لأن ابن عبد السلام زعم أن ما ذكره المصنف في هذا المثال بعيد لرجحان لفظ الوطء عرفاً في الجماع، ثم استشهد على بعده بحكمه على ذلك في المدونة بحكم المولي، ثم في قوله: "لرجحان لفظ الوطء عرفاً في الجماع" نظر؛ لأن هذه المسائل كلها مما خالف فيها ظاهر اللفظ النية.
فرع:
قال في المدونة فيمن حلف لا يبيع عبده فأمر غيره ببيعه: أنه يحنث ولا ينوي.
وقال محمد: ينوي، وفيها فيمن حلف ليضربن عبده فأمر من ضربه: بر، وإن حلف لا يضربه فأمر من ضربه حنث، إلا أن ينوي ضربه بنفسه.
اللخمي: فنواه في الضرب إذا أمر من ضربه؛ لأن من السادات من يطمَّع عبده بمثل ذلك لئلا يهرب، أو غير ذلك من العذر، وإلى هذا أشار التونسي وتأول مسألة البيع على أن يمينه كانت مما يقضي عليه فيه بالحنث، فإنه قال: فإن حلف ليضربن عبده فأمر غيره بضربه بر؛ لأن الناس إنما يقصدون بهذا إيلام العبد لا أنه يضربه بيده.
وإن حلف لا ضربته فأمر غيره فضربه حنث لأن القصد عدم الإيلام وقد وجد.
وإن حلف لا باع ولا
اشترى، فأمر غيره ففعل، قال: يحنث، ولعله يريد إذا كانت يمينه بالطلاق وعليه بينة، وإن كان ظاهر كلامه في المدونة خلافه.
انتهى.
وحكى في التنبيهات عن بعضهم أنه جعل ما قاله في البيع مخالفاً لما قاله في الضرب، والأول أظهر، والله أعلم.
بخِلافِ امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَجَارِيَتِي حُرَّةٌ وَيُرِيدُ الْمَيْتَةَ، وَمِثْلُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الْكَذِبَ ...
أي: فلا تقبل نيته في الحكم ولا الفتوى نص على ذلك في المدونة؛ لأنه إن أراد الإنشاء فواضح إذ الإنشاء يستدعي وجود محل الطلاق والحرية، والميتة لا تصلح لذلك، وإن أراد الخبر فهو إخبار بما لا فائدة فيه.
ابن عبد السلام: إلا أن تعرض هنالك قرينة حالية أو مقالية توجب صدقه فيصدق، كما في غير مسألة.
انتهى.
وأما "أنت حرام" فمحمول على الإنشاء، ولا يحتمل الإخبار إلا ببعد، وإذا كان محمولاً على الإنشاء فلا يقبل منه دعوى الكذب؛ فإنه من عوارض الخبر فقط.
ونص في المدونة على مسألة "أنت حرام" في كتاب التخيير.
فِي مِثْلِ الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَيُرِيدُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ-قَوْلانِ
قد تقدمت، وكأنه إنما كررها لمناسبتها المحلين، وأما المحل المتقدم فلأنها كالاستثناء بالنية.
وأما هنا فلمخالفة ظاهر اللفظ النية، وقد يفعل المصنف مثل ذلك في كتابه كما في السبي بهدم النكاح، فإنه ذكره في الجهاد والنكاح وغير ذلك من الأمثلة.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَبِسَاطُ الْيَمِينِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ
يعني: فإن عدمت النية، ولم يضبطها الحالف، وكانت اليمين مما ينوي فيها، فإنه ينتقل إلى البساط، وهو السبب الحامل على اليمين، وليس بانتقال عن النية في الحقيقة، وإنما هو لما كان مظنة النية عدل إليه تحريماً على النية.
ومقابل المعروف تقديم مقتضى اللفظ
على البساط حكاه اللخمي واعترضه ابن بشير وقال: لا ينبغي أن يختلف في تقديم البساط قال: ولا يحلف حالف معتقداً لليمين إلا وله نية وإنما يمكن أن ينساها فيكون البساط دليلاً على ما قصد وفيه نظر.
وفي المقدمات: اختلفوا إذا لم تكن له نية، وكانت ليمينه بساط، وعرف من مقاصد الناس في أيمانهم خلاف ظاهر لفظه، هل تحمل يمينه على البساط، أو ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم، أو على ظاهر لفظه؟ ثلاثة أقوال معلومة في المذهب والأشهر منها مراعاة البساط، ثم القصد العرفي، ثم ظاهر لفظه في اللغة؛ فإن كان محتملاً في اللغة لوجهين فأكثر فعلى أظهر محتملاته، وإن لم يكن أحدهما أظهر جرى ذلك على الاختلاف في المجتهد تتعارض عنده الأدلة، فقيل: يأخذ بما شاء، وقيل: بالأثقل، وقيل: بالأخف، ولأجل تقديم البساط قلنا فيمن حلف لا يشرب ماءاً لمن امتنَّ عليه بما يأخذ منه: أنه يحنث ولو بخيط [243/ب] يخيط به.
فَإِنْ فُقِدَا حُمِلَ عَلَى الْقَصْدِ الْعُرْفِيِّ، وَقِيلَ: عَلَى اللُّغَوِيِّ، وَقِيلَ: عَلَى الشَّرْعِيِّ
أي: النية والبساط والمشهور تقديم العرفي ثم اللغوي، وهذه الأقوال حكاها ابن بشير، ثم أشار إلى أنه لا ينبغي أن تحمل هذه الأقوال على الخلاف، وإنما ينبغي أن يراعى في كل حالف ما يغلب عليه، والمشهور أظهر إن جاءت الأقوال على الخلاف؛ لأن العرف غالب قصد الحالف، قال في المقدمات بعد ذكر الخلاف في تقديم البساط والفظ: وهذا في المظنون وأما المعلوم كقوله: والله لأقودنَّ فلاناً كانقياد البعير، أو لأرينه النجوم في النهار، فهذا يعلم أن القصد به خلاف اللفظ، فيحمل على ما يعلم من قصده بلا خلاف.
فائدة:
قال القرافي وغيره: العرف المعتبر هو العرف القولي وأما العرف الفعلي فلا اعتبار به، مثال القولي: والله لا ركبت دابة والعادة أنه تطلق الدابة على الحمار.
ومثال الفعلي: أن