وَالْعَنَتُ الزِّنَا
لما فسر الطول فسر (الْعَنَتُ) وهو ظاهر.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ فِي عَقْدٍ بَطَلَ فِي الأمَةِ, وفِي الْحُرَّةِ قَوْلانِ
يعني: لو تزوج حرة وأمة في عقد واحد, وكان ممكن لا يجوز له الجمع لفقدان الشرطين بطل نكاح الأمة لعدم شرطه, (وفِي الْحُرَّةِ قَوْلانِ): الصحة لابن القاسم, والبطلان لسحنون.
واحتج بأنها صفقة جمعت بين الحلال وحرام, وما هذا شأنه يبطل الجميع على المشهور.
وهل قول سحنون محمول على عدم التسمية؟ وأما لو سمى لصح أو ولو سمى للشيوخ قولان, أرجحهما الثاني؛ لأن التسمية لكل واحدة لا توجب امتيازها بعقدة, وبعض من تأوَّل على سحنون التفرقة بين التسمية وعدمها لم يجعل بين ابن القاسم وسحنون خلافاً, وحمل كلام ابن القاسم على التسمية وكلام سحنون على عدمها.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ فَكَجَمْعِ أَرْبَعٍ
هذا الفرع يأتي على القول بأن الطول ما يتوصل به إلى ذفع العنت, فعلى هذا القول يجوز له الجمع.
ابن شاس: وكذلك يأتى على المشهور.
واذا قلنا أن الطول المال, وعدم طول حرتين ولم تكفه واحدة قيل لا خيار لها.
وقوله (فَكَجَمْعِ أَرْبَعٍ).
أي: إن سمى لكل واحدة صداقاً صح .. إلخ, وقد تقدم.
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ الْحُرَّةَ عَلَى الأَمَةِ لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُ الأَمَةِ عَلَى الأَصَحِّ، ورَجَعَ عَنْهُ، وقَالَ: لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ مَا لَمْ تَعْلَمْ.
وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُخَيَّرُ فِي نكاح الأمة.
وقِيلَ: لا خِيَارَ لَهَا لِتَفْرِيطِهَا فِي الاسْتِعْلامِ ........
يعني: إذا تزوج أمة بوجه جائز, ثم تزوج حرة, فهل يفسخ نكاح الأمة؟ الأصح وهو المشهور أنه لا يفسح؛ لأن الشروط المتقدمة إنما هي في ابتداء النكاح لا في استدامته, ومقابل الأصح حكاه اللَّخْمِيّ عن ابن حبيب.
وحكى ابن رشد قولاً بأنه يفارق الأمة بمجرد حصول الطول, قال: وأما إن ذهب عنه العنت بزواج الأمة فليس عليه أن يفارقها قولاً واحداً.
وفى المصنف: (ورَجَعَ عَنْهُ) نظر؛ لأنه يقتضي أن مالكاً رجع عن الأصح إلى الفسخ, وهذا لا يعلم لمالك, وإنما مراده أنه لا يفسخ ولا خيار للحرة, ثم رجع عنه الثبوت الخيار للحرة, وهكذا ذكر اللَّخْمِيّ وغيره.
وعلى هذا فالقول المرجوع عنه هو القول الذي حكاه المصنف بقوله (وقِيلَ: لا خِيَارَ لَهَا لِتَفْرِيطِهَا فِي الاسْتِعْلامِ) واستشكل اللَّخْمِيّ هذه العلة, فقال: ليس هذا التعليل بالبين؛ لأن تزويج الحر الأمة نادر, والنادر لا حكم له, وأشار إلى أنه يمكن أن يعلل قول مالك بعد الخيار باختلاف العلماء فإن بعضهم أجازه.
ابن عبد السلام: ويوهم قول المصنف: (وقَالَ: لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ) مع قوله (وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُخَيَّرُ فِي نكاح الأمة) أن الوجه الذي خيرها فيه مالك غير الوجه الذى خيرها فيه ابن الماجشون, وليس كذلك بل هما شيء واحد.
خليل: قوله يوهم ليس بظاهر, بل هو صريح فى ذلك, وكأنه- والله أعلم- إنما قاله لأنه لم يجد قول ابن الماجشون مثل ما حكاه المصنف عنه من أن الحرة تخير فى فسخ نكاح الأمة, فإنه قال: وإذا قلنا أن للحرة الخيار فهل فى نفسها؟
وهو قوله فى المدونة, أو فى نكاح الأمة؟
وحكي عن ابن الماجشون وفي اللباب: قال بعض المعترضين: هذا ما نقله ابن يونس عن عبد الملك, ولم يقله عبد الملك ولا أحد من أهل العلم.
وقد قال بن الحارث: الاتفاق على أن للحرة الخيار في نفسها إن شاءت أقامت, وإن شاءت طلقت نفسها.
ولم يذكر أن لها الخيار فى فراق الأمة.
ويؤيده ما حكاه الباجي.
قال ابن الماجشون والمغيرة: إنما يكون الخير للحر في أن تقيم أو تفارق إذا كانت هي الداخلة على الأمة, وأما إن كانت الأمة هي الداخلة على الحرة فالخيار لها في نكاح الأمة.
فهذا نص قول ابن الماجشون في أن الخيار لها في نفسها لا في الأمة.
انتهى كلام راشد بمعناه.
تنبيهان:
[305/أ] الأول: ما نقله عن ابن الماجشون إن كان مستنده فيه غير كلام ابن يونس فظاهر, وإن كان إنما مستنده كلام ابن يونس, وهو الذى يؤخذ من كلامه ففي ذلك نظر؛ لأن ما نقلة ابن يونس عن عبد الملك يحتمل أن يعود على هذه الصورة وعلى عكسها.
الثاني: إن ثبت قول عبد الملك كما ذكره ابن راشد فيصح كلام المصنف كما قدمناه من نص كلامه، وكذلك رأيته في بعض النسخ، ولكن الذى رأيت في النسخ المنسوبة إلى الصحة: وقال ابن الماجشون: تخير في نفسها.
فيقتضي أن يكون مالكاً خيرها في نكاح لأمة، فيكون المصنف نسب لمالك عكس مذهبه.
ووقع في بعض النسخ: وقال ابن الماجشون: تخير في نفسها كما تقدم.
أي تقدم في القسم، فإن الباحثون يرى أن للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة، ولا اعتراض عليه على هذا.
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ الأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَأُمْضِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَفِيهَا: تُخَيَّرُ فِي نَفْسِهَا وَلا يُقْضَى إِلا بوَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ بِخِلافِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ.
وَقِيلَ: كَالْمُعْتَقَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُخَيَّرُ فِي نِكَاحِ الأَمَةِ ....
هذه المسأله عكس الأولى, والمشهور الإمضاء بناء على أن الحرة تحته ليست بطول, وعلى القوم بأنها طول بأنها طول يفسخ النكاح, وقد تقدم ذلك, ثم ذكر أن مذهب المدونة أنها تخير في نفسها إن شاءت أقامت, وإن شاءت فارقت.
ووجهه أن الخيار لإزالة الضرر عنها, ولا تخير فيما يضر غيرها.
ووجه قول ابن الماجشون أن الضرر الذي ذخل عليها إنما هو من جهة الأمة, فيكون لها إزالته.
وما الخيار في فسخ نكاح نفسها ذلك إزالة, ضرر, بل زيادة فيه.
صاحب البيان: وهذا التخيير إنما هو بناء على القول بأنه لا يجوز نكاح الأمه إلا بشرطين, وأما على القول بأن الحر يتزوج الأمة وإن كان واجداً للطول آمناً من العنت كالعبد, فلا كلام للحرة إذا تزوج الأمة عليها أو تزوجها على الأمه لأن الأمة على هذا القول من نسائه كالعبد, هذا الذي تدل عليه ألفاظ المدونة لصعوبة الفرق بينها وبين المعتقة تحت العبد.
وتأول التونسي أن الحق فى ذلك للحرة على القوانين جميعاً, وهذا إنما يصح على قول ابن الماجشون الذي يرى أن الخيار للحرة إذا تزوج العبد عليها أمة أو تزوجها على الأمة.
ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لصعوبة الفرق بينها وبين المعتقة تحت العبد, والجامع بينهما ظاهر, وهو أن الطلاَّق فيهما شرع لدفع الضرر, وقد سلم في المدونة ذلك إلا أنه فرق لوجود الحديث في مسألة المعتقة على خلاف القياس, أعني حديث زيد.
والشاذ حكاه ابن يونس عن محمد فقال: وقال ابن الواز: إن فسخت بالثلاث لزمت, وقد أساءت.
وقاله أصبغ.
قَالَ مَالِكٌ: والْخِيَارُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ, وَفِي الْكِتَابِ حِلُّهُ.
قَالُوا: يَعْنِي ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ الآيَةَ.
هذا فى المدونة متصل بالمسألة الأولى, وهى ما إذا تزوج الحر الحرة على الأمة, ونص المدونة: وإنما جعلنا لها الخيار لما قلت العلماء قبلي, ولولا ذلك لأجزته لأنه حلال في كتاب الله عز وجل.
واختلفوا هل أراد مالك بالحلال في كتاب الله تعالى نكاح الأمة بدون الشرطين, وهو تأويل المتقدمين وأكثر المتأخرين, أو أراد به عدم تخبير الحرة إذا تزوجها على الأمة, لأنه قد تزوج الأمة بوجه جائز, وتزويج الحرة بعد ذلك داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وهو تأويل اللَّخْمِيّ.
واختلف الأولون في تعيين محله من كتاب الله عز وجل فتمسك أكثرهم بالعمومات كقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3].
وقال محمد: أراد قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
وقد تقدم أن محمداً قال: هذه الآية ناسخة لآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25] وقد تقدم ما يتعلق بالنسخ.
وسئل ابن القاسم عن الآية التي أرادها مالك, فقال: لا أدري.
ولما كان التمسك بهذه الآية ضعيفاً لأنه ليس فيها إلا الأمر بالنكاح في كل أيم, وهو مطلق في كل من ينكح منه, هل هو حر أو عبد, أو امرأة؟ إذ الأيم يطلق على الرجل والمرأة, فيكون مضمون الآية: أنكحوا الأزواج الذين لا زوجات لهم, والزوجات اللاتي لا أزواج لهن.
ولأنه قيل أن المراد بالأيم المتوفى عنها قال المصنف: قالوا تبرأمن ذلك.
تنبيه: قد يتوهم من قول مالك: ولولا ذلك لأجزته, أنه قلد العلماء وليس كذلك, بل المعنى: ولولا ما قالته العلماء واطلعت على مدرك أقوالهم, ورأيتها صواباً ووافق اجتهادي اجتهادهم لأجزته.
وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثَانِيَةً وَكَانَتْ عَالِمَةً بِوَاحِدَةٍ لا اثْنَتَيْنِ فَكَذَلِكَ
أي: فيكون لها الخيار، لأنها تقول: إنما رضيت بواحدة، وإنما علمت بواحدة.
ابن الجلاب: ولو كانت تحته أمتان، فعلمت الحرة بإحداهما، ولم تعلم بالأخرى لكان لها الخيار على إحدى الروايتين، ولا خيار لها على الرواية الأخرى.
وقد يؤخذ هذا من قول المصنف (فَكَذَلِكَ).
وَلا خِيَارَ لِلْحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمَنْصُوصِ
قوله (فِي الْجَمِيعِ) أي في الأربع صور فيما إذا تزوجها على أمة، أو تزوج أمة عليها، أو تزوجها [305/ب] على أن تحته أمة فإذا له أمتان، أو تزوج ثانية عليها.
قال في المدونة: إذ الأم من نسائه.
وقال ابن الماجشون: إذا تزوج أمة عليها أو تزوجها على أمة فلها الخيار.
وهذا مقابل المنصوص، لا يقال: كيف يصح أن يكون مقابل المنصوص قولاً منصوصاً، لأنا نقول: قد تقدم غير مرة أن المصنف لم تطرق له قاعدة في ذلك، وأيضاً فإنه لم ينص عبد الملك على الخيار إلا في الصورتين المذكورتين وخرج من قوله الخيار في بقية الصور صح أن
يقال (عَلَى الْمَنْصُوصِ) إذا لم يوجد في جميع الصور قول مخالف للمشهور إلا بالتخريج.
وَلا يَبْطُلُ اسْتِخْدَامُ الأَمَةِ بِالتَّزْوِيجِ
يعني: أن حق سيد الأمة في استخدامها لا يبطل بتزويجها لأن زوجها الحر أو العبد دخل على ما ثبت لسيدها، ولأن حق الزوج إنما هو في الاستمتاع.
وَلا تَتَبَوَّأُ مَعَهُ بَيْتاً إِلا بِشَرْطٍ فَإِنْ تَشَاحَّا فَعَلَى الْعُرْفِ
التبوُّء: هو أن تنفرد معه في بيت.
يعني: على الزوج أن يأتي إليها في بيت السيد، ولو طلب التبوء لم يكن له ذلك، لأن ذلك، لأن ذلك يبطل حق السيد في جميع الخدمة أو أكثرها.
ابن عبد السلام: وإن شرط الزوج أن تتبوأ معه فظاهر كلامهم أن لسيدها فيها من الاستخدام ما لا يشغلها عن زوجها.
وقال ابن الماجشون: ترسل إلى زوجها ليلة بعد فتكون عنده تلك الليلة، ويأتيها زوجها عند أهلها فيما بين ذلك.
وقوله: (فَإِنْ تَشَاحَّا) أي: طلب السيد خدمتها وطلب الزوج الاستمتاع بها فإنه يحكم في ذلك بحكم العادة الجارية في ذلك.
وَلِلسَّيِّدِ السِّفَرُ بِهَا، ولا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ صُحْبَتِهَا
يعني: وله أيضاً بيعها ممن يسافر بها، وسواء شرط أن تأوي إليه ليلاً أو لا، إلا أن تتبوأ معه بيتاً فلا يكون للسيد السفر بها.
نقله ابن عبد السلام عن غير واحد.
وَنَفَقَتُهَا تَلْزَمُهُ مُطْلَقاً عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: ونفقة الزوجة الأمة تلزم الزوج (مُطْلَقاً)، أي: سفراً وحضراً على المشهور.
المتيطي: ولا خلاف أعلمه إذا تزوج حر أمة، وشرط أن تكون الزوجة عنده أو شرطت النفقة عليه أنَّ للزوجة على الزوج النفقة.
ونحوه للخمي، قالا: واختلف إذا لم تكن عنده ولا اشترطت عليه على خمسة أقوال، فقال في المدونة: لها النفقة لأنه من الأزواج.
يريد: لأنها داخلة في عموم الآية.
وقال في كتاب محمد: لا نفقة لها، ولو كانت تأتيه إذا أرادها.
وقال أيضاً: لا نفقة لها إن كان يأتيها، وإن كانت تأتيه فذلك لها.
قال ابن المجاشون: لها النفقة في الوقت الذي تكون عنده.
وقال في الواضحة: نفقتها وكسوتها على أهلها، وعليهم أن يرسلوها في كل أربع ليال، وعليه نفقة تلك الليلة ويومها، وإذا ردها في صبيحتها فجعل لها النفقة في ذلك اليوم بغير كسوة.
والأول أحسن لعموم الآية.
اللخمي: ويختلف إذا كان عبدين فعلى القول ألا نفقة على العبد للحرة لا تكون لها وإن كانت أمة، وعلى القول أن ذلك عليه للحرة يختلف إذا كانت أمة، والمدبر والمعتقة إلى
أجل كالأمة يختلف فيهما، والمكاتبة وأم الولد كالحرة.
وهذا الكلام مخالف لكلام المصنف أما أولاً: فلأن المصنف أطلق الخلاف، وظاهره سواء تبوأت أو لا.
أما ثانياً: فلأن كلامه يقتضي أن هذه الأقوال إنما هي إذا كان الزوج عبداً، لأنه سيحكيها فيه، واللخمي والمتيطي إنما ذكرا الخلاف في الحر.
وجعل اللخمي ذلك في العبد مخرجاً، وكذلك حكى ابن بشير هذه الأقوال فيما إذا كان الزوج حراً، ولم يجعل إذا تبوأت بيتاً متفقاً عليه بل جعله قولاً بالفرق.
فَإِنْ كَانَ عَبْداً فَفِي مَالِهِ كَالْمَهْرِ، وَثَالِثُهَا: إِنْ تَبَوَّأَتْ مَعَهُ بَيْتاً لَزِمَتْهُ.
وَرَابِعُهَا: إِذَا بَاتَتْ لَزِمَتْهُ ....
قد تقدم أن مجموع الأقوال إنا هي إذا كان الزوج حراً، وأن اللخمي أشار إلى تخريج الخلاف.
والذي رأيت هنا قولين: أحدهما: مذهب المدونة الوجوب، ففيها: وتلزم العبد نفقة امرأته حرة كانت أو أمة، ولو كانت الأمة تبيت عند أهلها.
وأشار المصنف إلى توجيه المشهور بقوله: أي (كَالْمَهْرِ) أي: كما أن المهر الذي هو عوض عن أول الاستمتاع على الزوج فكذلك تكون النفقة عليه التي هي عوض عن دوام الاستمتاع.
اللخمي: وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه.
وقال في الموازية: أحب إلى إذا نكح أن تشترط عليه النفقة بإذن سيده.
ويرى أن ذلك إشكال فتشترط ليندفع الإشكال.
واختلف في اشتراط النفقة على السيد، فمنعه في الموازية، وأجازه أبو مصعب.
اللخمي: وأرى للزوجة النفقة على العبد إذا كان تاجراً أو متصرفاً لنفسه بماله، فإن كان عبد خدمة لم تطلق عليه لعدم النفقة، وقد قال مالك في الحر يتزوج الحرة وهي تعلم أنه فقير: فلا تطلق عليه.
فالعبد أحرى.
وحيث أوجبنا النفقة على العبد فقد تقدم أنها لا تكون في خراجه ولا كسبه.
وَمَهْرُ الأَمَةِ كَمَالِها.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ، فَقِيلَ: اخْتِلافٌ، وَقِيلَ: إِنْ تَبَوَّأَتْ بَيْتاً ....
قوله: (كَمَالِها) أي وله [306/أ] انتزاعه، وهو ظاهر ما في النكاح الثاني من المدونة، فقد نص مالك على أنه إذا باعها السيد لغير الزوج أن الصداق للبائع، بنى بها الزوج أم لا، إلا أن يشترطه المبتاع.
ونص أيضاً على أنه إذا أعتقت أمة تحت عبد بعد البناء وقد كان زوجها فرض لها أن المهر لها إلا أن يشترطه السيد فيكون له، وكذلك إذا أعتقها فمهرها يتبعها إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق أو اشتراطه فذلك له.
ابن يونس: وهذا يدل على أن للسيد حبس صدقاها ويتركها بلا جهاز.
وقال في كتاب الرهون: ما ذكره المصنف بقوله: (وَعَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ)، وذهب الأكثرون إلى أن ذلك خلاف قول.
ووفق بعضهم بينهما فحمل ما في الرهن على أنها تبوأت بيتاً، وما في النكاح على أنها لم تتبوأ، وبعضهم يحمل ما في النكاح على أن السيد جهزها من ماله، وما في الرهون على أنه لم يجهزها من ماله.
وما في الموازية: أنه له أن ينتزعه إلا قد ربع دينار.
أصبغ: وهذا عندى في عبده، وأما الأجنبي وعبد أجنبي فعليه أن يجهزها.
وقال ابن عبد الحكم، وصرح بعضهم بأن قول أصبغ قول ثالث في أصل المسألة.
وفي الموازية فإن باعها سيدها كان الصداق له بخلاف إن لم يبع، يريد فيجهزها به، ووجهه أن السيد مالك لعين الصداق، ولكن للزوج فيه حق وهو التجمل كالحرة، فرجح جانب الزوج قبل البيع لأن فيه جمعاً لحقيهما، أما الزوج فظاهر، وأما السيد فلأن ما في ملك أمته كملكه، وأما إذا باع فيتعذر الجمع بينهما فيقدم السيد ترجيحاً لمالك العين على مالك المنفعة.
وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن حمل مسألتي المدونة على هذا.
وَلَوْ قَتَلَهَا السَّيِّدُ لَمْ يَسْقُطْ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ
هكذا في الموازية، ووجهه أنه لا يتهم السيد في قتل أمته ليأخذ الصداق.
اللخمي: ويلزم عليه لو كانت حرة فقتلت نفسها ألا يسقط الصداق عن الزوج، والقياس في جميع هذه الأشياء ألا شيء على الزوج، لأن البائع إذا منع المبيع فلا يستحق الثمن وبمنزلة أن لو كانت حية فمنعت نفسها.
وفي المدونة: إذا باعها بموضع لا يصل إليها الزوج، فعلى الزوج الصداق للبائع ويتبعه به أو بنصفه إن طلق قبل البناء، ويقال للزوج: إن منعوك منها فخاصمهم.
عياض: ومعناه أن مشتريها سافر بها إلى موضع يشق على الزوج إتيانه لضعفه، ولو كان لا يصل إليها لظلم مشتريها أو لكونه لا ينتصف منه لم يكن على الزوج صداق، بل إن قدر البائع قضى عليه برده إن كان قبضه، ويبقى النكاح منعقداً، فمتى قدر على الوصول إلى زوجته دفع الصداق.
وقاله أبو عمران.
وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ حَتَّى يَقْبِضَ صَدَاقَهَا
نحوه في المدونة، يعني: ولسيد الأمة منع الزوج منها حتى يقبض الصداق، كما أن ذلك للحرة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وَلَهُ أَخْذُهُ إِلا قَدْرَ مَا تَحِلُّ بِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ
يعني: لسيد الأمة أخذ جميع الصداق إلا ربع دينار على المنصوص، أي المنصوص لمالك في الموازية ولسحنون.
وأشار ابن عبد السلام إلى أن مقابل المنصوص مخرج من قوله في المدونة: ومهر الأمة كمالها، أي: فيتخرج منه أنه له أخذ الجميع.
وأشار إلى أن كلامه ليس تكراراً مع ما قدمه من قوله (وَمَهْرُ الأَمَةِ كَمَالِها) بل أفاد بها فائدتين:
الأولى: يعلم من هذا أن مذهبه حمل القولين المتقدمين على الخلاف.
والثانية: التنيبه على القول المقابل للمنصوص.
خليل: ولا شك أن قوله: (وَلَهُ أَخْذُهُ إِلا قَدْرَ مَا تَحِلُّ بِهِ) مخالف للقول الذي يقول أنه يلزمه تجهيزها به.
وعلى كلام ابن عبد السلام فيكون الراجح في فهم ما وقع في النكاح الثاني أن مهر الأمة كمالها، حمله على الموافقة لما في الموازية، وفيه نظر.
بل ظاهر قوله: (كَمَالِها)، أن له أخذ الجميع، وهو الذي نص عليه صاحب البيان، أعني: أن ما في الموازية مخالف لما في المدونة، وكذلك المفهوم من كلام ابن يونس وغيره.
نعم ما قاله ابن عبد السلام هو الذي يؤخذ من كلام المصنف، لأنه إن لم يحمل كلامه هنا على أنه مقيد للقول بأن مهر الأمة كمالها لزم أن يكون ما ذكره هنا مخالف لما ذكره في المدونة في النكاح والرهون، ومثل هذا لا يقال فيه منصوص.
وَلَهُ أَنْ يَضَعَ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا
يريد بشرط ألا ينقص عن ربع دينار.
وزاد ابن عبد السلام شرطاً آخر وهو ألا يكون عليها دين يغترق مالها.
وَلَوْ بَاعَهَا سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدَيْنِ مِنْ مَنْعِ تَسْلِيمِهَا لتأخيره لِسُقُوطِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ، ولا مَهْرَ لِلْمُشْتَرِي ...
يعني: لو باعها سيدها قبل الدخول سقط حق السيدين البائع والمشتري من منع تسليمها للزوج حتى يقبض صداقها، لسقوط تصرف البائع لكونها لم تبق في ملكه ولا مهر للمشتري، لأن الأمة إذا بيعت فمالها للبائع، وعلى هذا فيكون للمشتري المنع إذا اشترط المال.
ولو بَاعَهَا لِلزَّوْجِ قَبْلَ الْبِنَاءِ سَقَطَ الصَّدَاقُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَو اشْتَرَاها مِنَ الْحَاكِمِ لِتَفْلِيسٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَلا يَرْجِعُ بِهِ.
فَقِيلَ: اخْتِلافٌ.
وَقِيلَ: لا يَرْجِعُ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ لأَنَّهُ [306/ب] إِنَّمَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبَيْعِ ...
المنصوص في المدونة، ونصها: ومن تزوج أمة ثم اشتراها من سيدها قبل البناء فلا صداق لها، ولو قبضه السيد رده لأن الفسخ من قبله.
وروى عن أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في من تزوج أمة ثم فليس السيد قبل البناء فباعها عليه السلطان فاشتراها زوجها: أن الصداق للبائع.
ابن يونس: يريد نصف الصداق.
ولا يرجع به الزوج لأن السلطان هو الذي باعها بخلاف بيع السيد.
وإلى هذا أشار بقوله (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ) والذي حمله على الخلاف أبو عمران، ورأى أن بيع الحاكم وصف طردي، وضعف ما في العتبية.
وعلى هذا فيتخرج من كل واحدة قول في الأخرى، وإلى هذا أشار المصنف بقوله (عَلَى الْمَنْصُوصِ) وقيل: ليس بخلاف، ومراد المصنف من قوله (لا يَرْجِعُ بِهِ) النفي المقيد، أي: لا يرجع به الآن من الثمن، وليس من مراده أنه لا يرجع به مطلقاً.
ثم ذكر المصنف السبب في ذلك، فقال: (لأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبَيْعِ) أي: النكاح إنما يفسخ بعد حصول البيع وتقرره، والبيع موجب لدفع الثمن بكماله، وأخذ الصداق إنما طرأ بعد فسخ النكاح المتأخر عن البيع.
ابن عبد السلام: وهو أقرب لأصل ابن القاسم لما نص عليه في كتاب العتق من المدونة في من باع عبده سلعة بأمره ثم أعتقه السيد، ثم استحقت السلعة ولا مال للسيد فليس للمبتاع رد العتق لأنه دين لحق السيد بعد انفاذ العتق.
وكلامه في البيان يدل على أن المسألتين ليستا بخلاف مع إبقاء كل واحدة على ظاهرها لأنه قال: قوله ولا يرجع بالصداق يريد بنصفه لكون المسمى لا يجب جميعه إلا
بالموت أو بالدخول، وإما لم يرجع بالنصف لأن الفراق جاء من قبله إذا اشتراها وهو يعلم أنها امرأته وتحرم عليه باشترائه إياها فأشبه الطلاَّق قبل الدخول.
ولو اشتراها من السلطان وهو لا يعلم أنها امرأته لحرمت ورجع بجميع الصداق على السيد لأنه تحريم لم يتعمده.
يبين هذا ما في كتاب النكاح من المدونة: أن الرجل إذا تزوج المرأة ولم يدخل بها حتى تزوج أمها وهو لا يعلم فبنى بها أن البنت تحرم عليه، ولا يكون لها عليه من الصداق نصف ولا غيره لأنه تحريم لم يتعمده، وهو محمول على أنه لم
يعلم أنها زوجته حتى يعلم أنه علم، فإن ادعى أنه لم يعلم أنها زوجته حلف على ذلك ورجع بجميع الصداق، وفي كتاب النكاح الثاني من المدونة: أن السيد لا شيء له من الصداق إذا باعها منه قبل الدخول، وهو دليل قوله هنا، لأن السلطان هو الذي باعها عليه وإنما لا يكون له من الصداق شيء إذا باعها منه، وإن كان الزوج عالماً أنها زوجته لأنه لما كان أملك بالبيع غلب أمره على أمر الزوج، فجعل كون الفسخ والتحريم جاء من قبله دون الزوج.
ولو باعها السيد ممن اشتراها للزوج وهو لا يعلم لكان له نصف الصداق بمنزلة ما إذا باعها السلطان.
ولعيسى في كتاب القطعان: أن بيع السلطان كبيع السيد، ويرجع بجميع الصداق، وهو بعيد.
انتهى.
خليل: وتحصيل المسألة أن في بيع السلطان قولين: ما في العتبية وقول عيسى، ثم اختلف هل ما في العتبية مخالف لما في المدونة؟ وأن الجاري على ما في المدونة في مسألة السلطان ألا شيء على الزواج أو لا؟ تأويلان.
وعلى الثاني: فاختلف في كيفية الجمع هل لأنه دين طرأ بعد انفساخ النكاح؟ أو لأن التحريم في مسألة السلطان لم يتعمده السيد؟ وذكر ابن عبد السلام أن ابن الجلاب حكى في المسألة الأولى إذا اشترى الزوج من السيد وجوب نصفه الصداق، ولم أر ذلك في شيء من نسخ ابن الجلاب، بل نص فيها على خلافه.
وَمَهْرُ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ كَمَالِ ذَاتِ شَرِيكَيْنِ يُقَرُّ بِيَدِهَا، وَلا يُنْتَزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلا برِضَاهَا بِخِلافِ أَرْشِ جِرَاحِهَا فَإِنَّهُ يُقَاسِمُهَا ....
يعني: ومهر الأمة التي بعضها حر كمهر الأمة المشتركة، لأنها كشريك لسيدها، والحكم في الأمة المشتركة أنه يبقى بيدها، وليس لأحدهما انتزاعه إلا بإذن صاحبه.
قالوا: والقول قول من أبي القسمة، ولا يجبر عليها كما يجبر في سائر مال الشركة، لأن ذلك عيب في الأمة، فصال كالمشترك الذي يتعيب بالقسمة.
وقوله (إِلا برِضَاهَا) عائد على (مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ) وفي بعض النسخ إلا برضاها، فيعود على الشريكين.
ويعلم منه الحكم فيمن بعضها حر، بخلاف أرش جراحها فإنه يقاسمها، لأن الأرش ثم عضو هو بينهما، وما ذكره في الجناية من المقاسمة هو المشهور الذي رجع إليه مالك في المدونة، قال فيها: وكان يقول بأخذ الأرش كله من له رق.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكِ لِتَتَزَوَّجِينِي؛ لَمْ يَلْزَمْهَا الْوَفَاءُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لِعَبْدِهَا
لأنها ملكت نفسها بالعتق، والوعد لا يقضي به
قال في المتيطية: وعدم اللزوم هو المشهور المعمول به، وأنه لابد من رضاها.
وحكى بعض الأندلسيين في أحكامه عن ابن القاسم: أنه يتزوجها من نفسه بغير رضاها وليس عليه العمل.
الْكُفْرُ: كِتَابيٌّ وَمَجَوُسِيٌّ فَيُقَرَّانِ وَزِنْدِيقٌ وَمُرْتَدٌّ فَلا يُقَرَّانِ
هذا أيضاً من الموانع، وفيه حذف مضاف، أي: ذو الكفر، لأن الكتابي صاحب [307/أ] الكفر لا نفس الكفر.
ابن عبد السلام: وجعل من عدا الكتابي من الكفار مجوسياً، وهو اصطلاح منه، وقد يؤخذ ذلك من كلام كثير من الفقهاء، والمجوسي أخص من ذلك لأن الوثني ليس بمجوسي، والأمر في ذلك قريب، وهذا كالمقدمة لأن الكلام في النكاح فرع الثبوت على ذلك الدين.
وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِ الْكِتَابِيَّةَ الْحُرَّةَ إِلا الأَمَةَ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ عَبْداً
دليله قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] ولا يجوز نكاح الحرة المجوسية على المعروف.
وحكى ابن القصار وغيره قولاً بالجواز بناء على أحد القولين أن لهم كتاباً.
اللخمي: واختلف في الصابئة والسامرية، فقيل الصابئة: صنف من النصارى، والسامرية: صنف من اليهود.
وقيل: ليسوا منهم.
فعلى الأول تجوز مناكحتهم، وعلى القول الآخر لا تجوز.
فلا يجوز أيضا نكاح الأمة الكتابية لأن الله تعالى منع نكاح المشركات ولم يستثن إلا الحرائر، ولأنه يلزم منه إذا كانت ملكاً لكافر إرقاق الولد له.
قال في المتيطية: وهذا هو المشهور من قول مالك وابن القاسم المعمول به.
وقال أشهب في كتاب محمد في من أسلم وتحته أمة كتابية: لا يفرق بينهما.
ونقله أيضاً اللخمي وغيره.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ كَنِيسَةٍ، وَلِذَلِكَ كَرِهَهُ مَالِكٌ.
لأنه لم تزوج الكتابية فقد دخل على أنها باقية على دينها، واستيلاء الزوج على زوجته كاستيلاء الإمام على أهل الذمة، فكما أن عقد الذمة لهم لا يمنعهم من ذلك، فكذلك عقد النكاح.
ونص مالك في العتبية على أن من تزوج نصرانية فصامت مع أهل دينها أنه لا يفطرها.
مالك: ولا أرى أن يكرهها على ما عليه أهل دينها، ولا على أكل ما يجتنبون في صيامهم أو ما يجتنبون أخذه رأساً.
قال في البيان في باب الصيام: وهذا مما لا اختلاف فيه أنه ليس له أن يمنعها مما تتشرع به.
واختلف هل يمنعها من شرب الخمر وأكل الخنزير؟ ففيها: لا يمنعها.
وفي الموازية: له منعها من الخمر والخنزير لأن ذلك ليس من دينها، وله أن يمنعها من
الكنيسة إلا في الفرض.
قوله: (وَلِذَلِكَ كَرِهَهُ مَالِكٌ) يقتضي أن مالكاً إنما يكره نكاح الكتابيات لذلك، لأن تقديم المعمول يشعر بالحصر، وهو كذلك، ففي المدونة: ويجوز للمسلم نكاح حرة كتابية وإنما كرهه مالك، ولم يحرمه لما تتغذى به من خمر أو خنزير وتغذي به ولده وهو يقبل ويضاجع.
فإن قلت: ذكر في المدونة للكراهة ثلاثة أسباب: أكلها للخنزير، وتغذية
ولدها به، وكونه يقبل ويضاجع.
قيل: أما الثالث وهو كونه يقبل ويضاجع فلا حاجة إلى ذكره، لأن ذلك لازم مع الزوجية.
وأما الثاني وهو تغذية الولد به فهو غير محقق لعدم تحقق سببه، وهو وجود الولد، فلذلك اقتصر المصنف على الأول.
ومقتضى في كلامه في المدونة أن ابن القاسم لا يوافق مالكاً على الكراهة.
المتيطي: وقيل: إنما كره ذلك لأنهن قد يمتن وهن حوامل من المسلم فيدفن في مقابر المشركين وهي حفر من حفر النار.
وقال عبد الحميد: إنما كره ذلك لأنه سكون إلى
الكفار ومودة لهن، لأن الله تعالى قال في الزوجين: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:21] وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الروم:22] الآية.
فهذا إن لم ينتج التحريم فلا أقل من الكراهة.
وَيُكْرَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَلَدِ
قال في المدونة: وكره مالك نكاح نساء أهل الحرب لترك ولده بدار الكفر، وأنا أرى أن يطلقها ولا يقضى عليه.
ولما كانت المفسدة التي تنشأ في تربية الولد بدار الحرب شديدة ذكرها المصنف، وإن كان قد أسقط التعليل بها في دار الإسلام كما تقدم.
عياض: والكراهة عند مالك هنا أشد من الكراهية عنده ببلد الإسلام، وأجاز في العتبية للأسير أن يطأ زوجته وجاريته ببلد الحرب إذا أمن وصول أهل الحرب إليها مع كراهة ذلك للولد أيضاً.
وَلَوْ مَلَكَ مَجُوسِيَّةً لَمْ يَحِلَّ لَهُ مِنْهَا اسْتِمْتَاعٌ بِخِلافِ الْكِتَابِيَّةِ
القاعدة في ذلك أن كل من جاز له وطء حرائرهن بالنكاح جاز وطء إمائهن بالملك، وكل من لم يجز وطء حرائرهن بالنكاح لم يجز وطء إمائهن بالملك.
قوله (لَمْ يَحِلَّ لَهُ مِنْهَا اسْتِمْتَاعٌ) أي: بجماع ومقدماته.
وقوله (بِخِلافِ الْكِتَابِيَّةِ) أي: فيجوز له ذلك إذا ملكها.
وكل من جاز منه الاستمتاع بالوطء، جاز منه الاستمتاع بالقبلة وما في معناه، وبالعكس.
ولا يعترض على ذلك بالحيض، لأن الحيض طارئ ويزول عن قرب.
وَالرِّدَّةُ تَقْطَعُ الْعِصْمَةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَكَانَهَا بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ ولَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةٌ بِتَوْبَتِه.
وقِيلَ: يَنْتَظِرُ فِي الْعِدَّةِ بَعْد الْبِنَاءِ كَالْمُشْرِكِ تُسْلِمُ زَوْجَتُهُ ....
(مِنَ الْجَانِبَيْنِ) تتعلق بـ (الرِّدَّةُ) لا بـ (تَقْطَعُ) لأن القطع لا يتأتى من أحد الجانبين دون الآخر، ولأن مراده أن ارتداد أحد الزوجين يوجب قطع العصمة سواء كان الرجل أو المرأة.
وعلى هذا فيشكل، لأنه فرق بي (الرِّدَّةُ) وهو مصدر وبين صلته بالخبر وهو أجنبي، لأن قوله (تَقْطَعُ) [307/ب] خبر عن (الرِّدَّةُ).
واستعمل المصنف هنا لفظ (الْعِصْمَةَ) لأنه لفظ الإمام في المدونة، ولأن علماءنا استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:10]، فكان ذلك كالإرشاد إلى محل الدليل.
وقوله (بِتَطْلِيقَةٍ) هو المشهور، وروى ابن أبي أويس وابن الماجشون أن ذلك فسخ.
وكونها (بَائِنَةٍ) هو مذهب المدونة.
وقوله: (ولَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ) ظاهر.
الجلاب: ولو ارتدت قبل الدخول بها سقط صداقها، وكذلك لو ارتد زوجها.
ويتخرج فيها رواية أخرى وهي أن لها نصف الصداق.
وقال اللخمي: إن ارتد الزوج فلها النصف على القول بأنه طلاق.
ويختلف على القول أنه فسخ، فقال مالك في المبسوط: لها نصف الصداق.
وقال عبد الملك: لا شيء لها.
والأول أحسن.
والقول بأنها: (رَجْعِيَّةٌ بِتَوْبَتِه) للمخزومي، ومعنى (بِتَوْبَتِه) أي: تكون رجعية بشرط التوبة كما قلنا أن طلاق المولي والمعسر بالنفقة رجعي، وشرط الرجعية الفيئة واليسر، والقول بأنه ينتظر في العدة نقله اللخمي عن ابن الماجشون، وبه قال أشهب في أحد قوليه، وروى عنه أيضاً كالمشهور.
فَإِنِ ارْتَدَّ إِلَى دِينِ زَوْجَتِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْمُسْلِمَةِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لا يُحالُ بَيْنَهُمَا ....
كما لو كانت تحته نصرانية فارتد إلى النصرانية هذا ظاهر لفظه، وهو الذي في الجواهر.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك فإن مقصوده إنما هو الفرق بين أن تكون مسلمة فيفسح النكاح وبين ألا تكون كذلك فيختلف فيه، وهو ظاهر ما حكاه غير المؤلف.
وصرح في التنبيهات بمشهورية قول ابن القاسم.
ورأى أصبغ أن سبب الحيلولة بينه وبين المسلمة إنما هو استيلاء الكافر على المسلمة، وعلى قول أصبغ فلا تحرم عليه الكتابية إن عاد إلى الإسلام.
فرع:
فإن تهود نصراني أو بالعكس أقر، وحكى ابن العربي رواية بالقتل لخروجه عن العقد الذي انعقد له إلا أن يسلم.
وأما لو تزندق يهودي أو نصراني، فقال أصبغ في الواضحة: لا يقتل لأنه خرج من كفر إلى كفر.
وقاله مطرف وابن عبد الحكم، وقال ابن الماجشون: يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد، ولا تؤخذ عليه جزية.
ابن حبيب: ولا أعلم من قاله غيره ولا أقول به.
الباجي: يحتمل أن يريد بالزندقة هنا الخروج إلى غير شرعية مثل التعطيل ومذاهب
الدهرية، وحكى الشيخ أبو محمد عن أبي بكر بن محمد قال: روى عبد الرحمن بن إبراهيم
الأندلسي في النصراني أو اليهودي يتزندق أنه يقتل، لأنه خرج من ذمته إلى غير ذمته، ولو
أسلم لقتل كمسلم يتزندق ثم يتوب.
وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعاً وكَانَا عَلَى صِفَةٍ لَوِ ابْتَدَأ عَلَيْهَا لَصَحَّ قُرِّرَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَيُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحٍ بِلا وَلِيٍّ ولا صَدَاقٍ ولا عَقْدٍ وَفِي الْعِدَّةِ والنِّكَاحِ الْمُؤَجَّلِ إِلا إذَا أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ وَالأَجَلِ بِخِلافِ الْمَحَارِمِ
هذا شرع من المصنف في الكلام على إسلام الزوجين الكافرين، وفي ذلك ثلاث صور: الأولى: أن يسلما معاً.
والثانية: أن تسلم الزوجة وحدها.
والثالثة: أن يسلم الزوج وحده.
وتكلم المصنف هنا على الأولى.
وقوله (أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعاً) يحتمل في وقت واحد، وهو ظاهر لفظه.
ويحتمل أتيا معاً إلينا مسلمين، وإن افترق إسلامهما في الزمان، وهو ظاهر كلام الباجي لأنه قال: وإذا أسلما قبل البناء في وقت واحد مثل أن يأتيا جميعاً مسلمين، ففي النوادر أنهما على نكاحهما.
قوله: (وكَانَا عَلَى صِفَةٍ .. إلى آخره) حاصله إن كان المنع لصفة في الزوجين، كما لو كانا محرمين لم يقر نكاحهما، وإن كان لسبب خارج عنهما قررا على نكاحهما، فيقران على نكاح بلا ولي ولا صداق ولا عقد، وعلى النكاح في العدة ونكاح المتعة وهو مراده بقوله (والنِّكَاحِ الْمُؤَجَّلِ) ونص اللَّخْمِيّ على أنه لو كان زنا ثم تراضيا على البقاء على وجه الزوجية أنهما يبقيان إذا أسلما.
وقوله (إِلا إذَا أَسْلَمَا ... إلى آخره).
أي: فإنه يفسخ في هاتين الصورتين وإن كان الفساد فيهما ليس لصفة راجعة إلى الزوجين.
نص على الأولى- وهي إذا أسلما قبل
انقضاء العدة- ابنُ القاسم وأشهب في الموازية، ولا إشكال فيهما لأن التمادي على النكاح
هتك لحرمة العدة، وفيه سقي مائه زرع غيره.
ونص على الثانية أَشْهَب في الموازية، ورأى أنا لو أبحنا لهما التمادي إلى الأجل لكنا أمضينا نكاح المتعة في الإسلام.
هكذا أشار ابن عبد السلام إلى تعليل المسألة.
وينبغي أن يفهم ما قالوه من عدم التمادي في هذه الصورة على ما إذا قالا: نحن نتمادى إلى بقية الأجل.
وأما لو تماديا على الإطلاق فينبغي أن يصح النكاح، لأنهما إذا تماديا على الإطلاق لا يكون نكاح متعة، وهو الذي يؤخذ من كلام اللخمي فإنه قال: يثبت نكاحهما سواء كان أصله فاسداً أو صحيحاً، دخل أو لم يدخل، وإن كان اصله نكاح متعة ثم تراضيا بعد الأجل على البقاء جاز.
أشهب: ولو أسلم بعد الأجل ثبت النكاح بنى أو لم يبن.
قوله (بِخِلافِ الْمَحَارِمِ) هو مقابل لقوله (وكَانَا عَلَى صِفَةٍ لَوِ ابْتَدَأ عَلَيْهَا لَصَحَّ).
وَالْمَشْهُورُ [308/أ] أَنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالإِسْلامِ مَا ذَكَرْنَاهُ
المشهور كما ذكر فساد أنكحتهم؛ لأن صحة العقد مفتقرة إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم كالولي، ورضا المنكوحة، وألا يكون في عدة، وبصداق يجوز تملكه، وبشهود.
قاله ابن يونس.
وفيه نظر، لأنه يقتضي أنه لو انعقد نكاحهم بالشروط المعتبرة في الإسلام لصح، وليس كذلك.
وقال ابن راشد بعد ذكره المشهور: وقيل: بل ينظر، فإن وقعت على الشروط المعتبرة فهي صحيحة، وإلا فهي فاسدة، وهو اختيار شيخي القرافي.
انتهى.
وحكى صاحب الاستلحاق الشاذ عن بعض مذاكريه، وبناه ابن بشير على القول بعدم خطاب الكفار.
واستشكل القرافي في الذخيرة المشهور، لأن ولاية الكافر للكافرة صحيحة، والشهادة عندنا ليست شرطاً في العقد حتى نقول لا تصح شهادتهم لكفرهم، وقد يشهدون للمسلمين.
ونص ابن عبد السلام على أن الخلاف حاصل فيما اجتمعت
فيه الشروط كغيره.
وَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثلاثاً، فَإِنْ أَسْلَمَا فِي الْحَالَ قُرِّرَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَبَانَهَا لَمْ يُقَرَّ، ولَكِنَّهُ يَعْقِدُ مِنْ غَيْر مُحَلَّلٍ
لأن الطَّلاق فرع صحة النكاح، فإن أبانها صارت كالأجنبية.
وقال المغيرة: طلاقالمشركين طلاق، ولا تحل له إلا بعد زوج.
يريد، إذا طلقها ثلاثاً، وهو إما بناء على صحة أنكحتهم، وإما أن النكاح المختلف في فساده يلزم فيه الطَّلاق.
وعلى هذا فيقال: كان ينبغي على المشهور لزوم طلاقهم للخلاف في صحة أنكحتهم، إلا أن يراعى هذا
النكاح.
وهذا كله إذا لم يتحاكموا إلينا، فإن تحاكموا إلينا ففي المدونة: إذا طلق الذمي ثلاثاً فرفعت المرأة أمرها على الحاكم فلا يحكم بينهما إلا أن يرضيا بحكم الإسلام، فالحاكم مخير إن شاء حكم وإن شاء ترك، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام.
قال: وأحب إلى ألا يحكم بينهم، فطلاق المشرك ليس بطلاق.
صاحب الاستلحاق وابن محرز: ظاهره أنه لا يلتفت في الحكم بينهم إلى رضا أساقفتهم.
وفي التعبية لابن القاسم: لابد من رضا أساقفتهم.
عبياض: وظاهره يحكم بحكم الإسلام أن حكم بينهم: أن يتركهما ولا يفرق بينهما إذ هو حكم الإسلام في طلاق أهل الكفر كما قال.
وعلى هذا تأول المسألة ابن أخي هشام وابن الكاتب، وغير واحد، وهو أظهر، وحملها القابسي وغيره على ظاهر اللفظ، وعلى أنه يحكم بينهم بالفراق إذ هو حكم الإسلام الذي تراضوا به، ثم اختلفوا، فأما القابسي فلم يرد أن يزيد الحاكم شيئاً على أن يفرق بينهما فراقاُ مجملاً دون الثلاث، وذهب ابن شبلون إلى الحكم بالثلاث، كما يحكم
بين المسلمين، ويبينها منه.
وكان الشيخ أبو محمد يقول: إن كان العقد صحيحاً لزمه الطلاق، وإن كان مخالفاً لشروط الصحة لم يلزمه شيء، وقد يحتج لهذا بما وقع في كتاب
العتق الثاني في النصراني يعتق عبده ويتمسك به أنه لا يعرض له إلا أن يرضى السيد بحكم الإسلام، فيحكم عليه بحريته، والظاهر أنه والطلاق سواء.
انتهى.
خليل: وفرق في الاستلحاق بأنه في العتق عتق ما يملكه بملك ثابت، فلذلك حكم عليه بخلاف النكاح.
قيل: ومنشأ الخلاف بين ابن شبلون وابن الكاتب الاختلاف في معنى قول مالك حكم بينهم بحكم الإسلام هل معناه بحكم الإسلام في الإسلام فيلزم الطلاق، أو بحكم الإسلام في أهل الشرك فلا يلزم؟
وَإِصْدَاقُهَا الْفَاسِدُ كَالْخَمْرِ أَوِ الإِسْقَاطِ إِنْ كَانَ قُبِضَ ودَخَلَ مَضَى، وإِلا فَصَدَاقُ المِثْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: قِيمَتُهُ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ.
وَزيد فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ إِنْ كَانَ قَبَضَ وَمَا دَخَلَ رُبُعُ دِينَارٍ وَالسُّقُوطُ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ كَنِكَاحِ تَفْوِيضٍ ابْتِدَاءً ....
حاصله أنه إذا أصدق الكافر زوجته الكافرة صداقاً فاسداً كالخمر ونحوه فله أربعة أقسام، وقد تقدم أنه يبتدأ في القسمة الرباعية بإثباتين ثم بنفيين، ثم بإثبات الأول، ونفي الثاني، ثم بالعكس، فيكون الأول: قبض ودخل، والثاني: لم يقبض ولم يدخل، والثالث: قبض ولم يدخل، والرابع عكسه.
ولأجل أن المصنف أراد هذه الأقسام الأربعة، قال: (وَزيد فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ) قوله: (مَضَى) لأنها مكنته من نفسها وقبضت العوض في وقت يجوز لهما المعاوضة به.
وقوله (وإِلا فَصَدَاقُ المِثْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ) يدخل فيه الثلاثة الأقسام، أي: وإن لم يحصل القيدان فيلزم فيه صداق المثل على المشهور، وهو مذهب المدونة ونصها: وإن نكح نصراني نصرانية بخمر أو خنزير أو بغير مهر أو شرط ذلك، وهم يستحلونه في دينهم، ثم أسلما بعد البناء ثبت النكاح، فإن كانت قبضت قبل البناء ما ذكرنا فلا شيء لها غيره، وإن لم تكن قبضت وقد بنى بها فلها صداق المثل، فإن كان لم يبن بها حتى أسلما وقد قبضت ما ذكرناه أو لم تقبض
خير بين إعطائها صداق المثل ويدخل بها، أو الفراق، ويكون طلقة، ويصير كمن نكح على تفويض.
وقال غيره: إن قبضته مضى ولا شيء لها غيره بنى بها أو لم يبن.
وإلى ما ذكره في المدونة من أنها إذا لم تقبضه ودخل الزوج [308/ب] بها يكون لها صداق المثل، ومن أنها إذا لم يدخل الزوج بها سوء حصل القبض أو لم يحصل يخير الزوج، أشار إليه المصنف بقوله (وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ كَنِكَاحِ تَفْوِيضٍ ابْتِدَاءً) لأن نكاح التفويض إذا دخل فيه الزوج يلزمه فيه صداق المثل، وإذا لم يدخل يخير الزوج فإن فرض صداق المثل لزمها، وإن فرض اقل منه لم يلزمها، ولا يلزمه هو أن يفرض صداق مثلها.
قوله: (وَزيد فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ) إلى آخره، حاصله أنه فيه أربعة أقوال على المشهور: يخير الزوج كنكاح التفويض.
الثاني: أن لها قيمته لو جاز بيعه، وهو قول ابن عبد الحكم لكنه لم يجزم به، بل قال: القياس أن لها قيمة الخمر بمنزلة من تزوج بثمرة لم يبد صلاحها، فلم تجذ حتى أزهت، أن النكاح لا ينفسخ ولها قيمة ذلك.
اللخمي: وهو أحسن، فإن كانت قيمة الخمر عشرين وصداق مثلها عشرة لم يلزمها قبول عشرة، لأنها دون ما رضيت به، وإن كان صداق مثلها ثلاثين لم يلزمه ثلاثون، لأنها فوق ما رضيت به.
الثالث: أن لها ربع دينار، وهو قول أشهب في الموازية، قال: وإن لم يعطيها ربع دينار فسخ.
الرابع: لا شيء لها، وعزاه المتيطي لابن القاسم وعبد الملك، وهو أقيس لأن طريان ما أسقط ملكها عنه كطريان موت عبد أو دابة أخذته في صداقها، وهذا هو القول الذي ذكره في المدونة عن غير ابن القاسم.
ابن محرز وغيره: هو المستحسن، وهو خير من قول ابن القاسم في المدونة، لأنهم لا يختلفون أن النصراني إذا أسلم وله ثمن خمر أو خنزير أن الثمن له حلال، والبضع هنا ثمن الخمر، فهو له حلال.
وصرح اللَّخْمِيّ بأن هذا القول هو المعروف من المذهب.
ابن يونس: وعلى قول الغير هنا إن قبضت نصفه قبل البناء كان لها نصف صداق المثل، وكذلك في جميع الأجزاء على هذا الحساب.
تنبيه:
قول المصنف (إِنْ كَانَ قُبِضَ ودَخَلَ مَضَى) لم يشترط فيه ما قال في المدونة: وهم يستحلونه في دينهم.
إما لأنه وصف طردي لا على سبيل الشرط، وإما لأنه لا يوجد كافر لا يستحل ذلك، وإلى هذا ذهب بعضهم، ورأى بعضهم أنه شرط مقصود من ابن القاسم، فقال: يزيد أنه لو دخلوا عليه وهم لا يستحلونه لم يدخلوا على النكاح بل على الزنا، فلا يثبت ذلك العقد بعد الإسلام إلا أن يكونوا قد تمادوا عليه على وجه النكاح، وهو ظاهر إن وجد من الكفار من لا يستحل ذلك.
وقيل: إنما قال: (وهم يستحلونه) تنبيهاً بالأخف على الأشد، لأنه قد تتوهم الصحة إذا كانوا يستحلونه، فبين أنه لا فرق.
وَالإِسْقَاطُ وَالدُّخُولُ كَقَبْضِ الْفَاسِدِ، وَقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثْلِ وَإِنْ دَخَلَ
قوله (كَقَبْضِ الْفَاسِدِ) أي فلا شيء لها، و (الْفَاسِدِ) صفة لمحذوف، أي: كقبض المهر الفاسد، وقوله في القول الثاني: (وإن دخل) لا حاجة إليه، لأن المسالة مفروضة مع الدخول، وليس في المدونة في هذه المسألة نص صريح، لأنه جمع فيها بين مسألة الذمي الذي يتزوج بخمر، والذي يتزوج بلا صداق، ثم أجاب عن مسألة الخمر، واختلف في مذهب الكتاب في ذلك، فقال ابن ابي زيد واللخمي وغيرهما: إن دخل بها فلها صداق المثل كما إذا لم تقبض الخمر أو الخنزير.
وهو مذهب ابن القاسم في الواضحة.
وهذا هو القول الثاني من كلام المصنف.
عياض: وذهب غير ابن أبي زيد إلى أنه إن دخل بها فلا شيء لها.
وهو مذهب محمد.
عياض: وهو الصحيح.
وهذا هو الذي قدمه المصنف، وإليه ذهب صاحب النكت.
ابن يونس: وهو ظاهر المدونة.
عياض: وأما قبل الدخول، فقالوا: لا يختلف أنه لا يدخل بها إلا أن يفرض مهر مثلها.
وقوله: لا يختلف أنه لا يدخل بها إلا أن يفرض؛ أي: ولا يجبر الزوج الزوجة على ذلك.
صرح به اللَّخْمِيّ.
واختار اللَّخْمِيّ أنه لا شيء لها إلا ربع دينار لحق الله تعالى.
فرع:
واختلف قول ابن القاسم إذا أسلمت قبل البناء بعد أن قبضت الخمر، ولم يسلم زوجها، فقال في العتبية: ترد قيمة ما قبضته من خمر فات أو لم يفت، ويكسر الخمر عليها.
وقال في الواضحة: لا شيء عليها لا نصف ولا غيره.
اللخمي: وأرى إن أسلمت والخمر بيدها أن يرد إلى الزوج ولا يكسر عليها؛ لأن إسلامها يفسخ النكاح ويسقط ملكها عن الصداق، ويعود ملكاً للزوج ويرجع في عينه.
وإن فاتت الخمر غرمت قيمتها، لأن إسلامها يوجب رد الصداق إذا كان دنانير أو سلعة.
وَإِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَةُ كِتَابِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٍّ قَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا اتِّفَاقاً
قد تقدم لإسلامها ثلاث صور، تكلم المصنف على الأولى، وهذا الكلام على الثانية.
وما حكاه المصنف من الاتفاق حكاه ابن يونس، وحكى اللَّخْمِيّ في ذلك خلافاً، فقال: واختلف إذا أسلم عقب إسلامها نسقاً، فقيل: بانت منه.
وفي العتبية: أنه أحق بها.
وكذلك حكى ابن بشير وابن راشد إذا أسلم عقيب إسلامها قولين، وبناه انب بشير على
أن ما قرب من الشيء هل له حكمه أم لا؟ وأجراه اللَّخْمِيّ على من طلق زوجته ثلاثاً قبل البناء واحدة بعد واحدة هل تلزمه الثلاث أو واحدة؟ وعلى هذا فالاتفاق إنما هو مع الطول.
وأشار الباجي إلى أن الخلاف مع القرب إنما هو مخرج.
[309/أ]
ابن عبد السلام: وهو الأقرب.
وكان الأولى أن يقول موضع (اتِّفَاقاً) على المشهور أو على المنصوص.
وَبَعْدَ الْبِنَاءِ يَنْتَظِرُ فِي الْعِدَّة اتِّفَاقاً لِلسُّنَّةِ
أي: وإن أسلمت الزوجة فقط (بَعْدَ الْبِنَاءِ) فإن الزوج (يَنْتَظِرُ فِي الْعِدَّة) للسنة اتفاقاً، فإن اسلم في عدتها كان أحق بها.
وأشار بقوله (للسنة) إلى ما في الموطأ من إقراره عليه الصلاة والسلام صفوان بن أمية على بنت الوليد بن المغيرة بعد شهر من إسلام زوجته ولما فيه أيضاً من إقراره عليه الصلاة والسلام عكرمة بن أبي جهل على أم حكيم.
وما رواه أبو داود عن ابن عباس من أنه عليه الصلاة والسلام رد ابنته زينب إلى أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، وفي رواية بعد ست سنين.
ابن عبد البر: وفي بعض طرقه بعد سنتين.
وروى الدارقطني والترمذي عن حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام رد ابنته زينب إلى أبي العاص بنكاح جديد.
وصحح صاحب الاستذكار هذا وضعفه غيره.
ابن عبد البر: وإن صح ما رواه الدارقطني فإما لأنها لم تحض ثلاث حيض حتى أسلم زوجها، وأما لأن الأمر فيها منسوخ عند الجميع بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أي: في عدتهن، ولا يجوز رجوعها إليه بعد العدة عند الجميع، إلا شيء روى عن النخعي وشذ فيه، ولم يتابعه عليه إلا بعض أهل الظاهر.
وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ إِسْلامِهِ كَانَ لَغْواً
إذ لا ملك له عليها حينئذ، وطلاق الكافر غير معتبر، وقد تقدم عن المغيرة أن الكافر يلزمه الطلاق في الكافرة، فأحرى أن يقوله هنا لأنه حكم مسلمة وكافر.
قاله ابن عبد السلام.
وقد يقال: إن المرأة هنا في حكم البائنة، وإنا أقر عليها إذا أسلم تأليفاً بخلاف الكافر إذا طلق الكافرة التي في عصمته، والله أعلم.
فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قُرِّرَ عَلَى نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ الْحُرَّةِ ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً زَوَّجَهَا أَبُوهَا
هذه هي الصورة الثالثة إذا أسلم الزوج فقط قرر عل نكاح الكتابية الحرة لأنه إذا كان يجوز له ذلك ابتداءً فلأن يجوز له التمادي من باب الأولى.
قوله (ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً زَوَّجَهَا أَبُوهَا) هو كذلك في المدونة، وزاد فيها: ولا خيار لها إن بلغت.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أنه قال: يكره التمادي على نكاح الكتابية هنا، كما يكره للمسلم نكاحها ابتداءً.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتِ الْكِتَابِيَّةُ وَلَمْ يَبْعُدْ مَا بَيْنَهُمَا ثَبَتَ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ ...
يعني: وأما غيره الحرة الكتابية فيدخل في ذلك الأمة الكتابية والمجوسية حرة كانت أو أمة، (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَسْلَمَتْ).
يعني: المجوسية (أَوْ عُتِقَتِ) يعني: الأمة الكتابية، وسيأتي تفسير قوله (وَلَمْ يَبْعُدْ).
وَإِلا فُسِخَ بِطَلاقٍ، وَفِيهَا: مَا فُسِخَ لإِسْلامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَبِغَيْرِ طَلاقٍ
أي: وإن لم تسلم بالقرب فسخ، وهل بطلاق؟
ابن عبد السلام وغيره: والمشهور ما في المدونة أنه يفسخ بغير طلاق وهو الذي في الرسالة وغيرها.
ابن المواز: والفرق بين إسلام أحد الزوجين أنه فسخ بغير طلاق وبين ردته أن الردة طرأت عل نكاح صحيح، وأيضاً المسلم يلزمه طلاقه، فكذلك يلزمه لما أحدث من الردة الطلاق، والكافر لو طلق لم يلزمه وإن أسلم فلم يلزمه بما فعل طلاق.
وَقَالَ: فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُمَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ فَلَيْسَ بَكَثِيرٍ.
وَعَنْهُ: إن أَسْلَمَتْ مَكَانَهَا ثَبَتَ وَإِلا فَلا، وَفَرَّقَ أَشْهَب بَيْنَ مَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ كَمَا قيل: فِي إِسْلامِ الزَّوْجَةِ قَبْلَهُ سَوَاءً .....
هذا تفسير لقوله: (وَلَمْ يَبْعُدْ).
وقوله: (وَقَالَ: فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُمَا) فيه نظر؛ لأن ابن القاسم لم يذكر في قوله غفلة، وإنما تأول ذلك عليه، ونص التهذيب: وإن أسلم مجوسي أو ذمي وتحته مجوسية عرض عليها الإسلام حينئذ، فإن أبته وقعت الفرقة بينهما.
محمد: يريد إن لم تسلم مكانها.
ثم قال في التهذيب: فإن أسلمت بقيت زوجة ما لم يبعد ما بين إسلامها، ولم يجد مالك البعد، وأرى الشهر وأكثر من ذلك قليلاً ليس بكثير.
وفي بعض الروايات: وأرى الشهرين.
المتيطي: وكذلك في الموازية، وروي خارج المدونة: أقل من الشهر.
وتأول ابن اللباد وغيره من القرنين المدونة على أنها لا توقف هذه المدة، وإنما معناها: غفل عن إيقافها، وجعلوا قول ابن القاسم موافقاً لقول مالك أنه إن عرض عليها الإسلام ولم تسلم فرق بينهما ولم توقف.
وقال ابن أبي زمنين: المعروف أما إن وقفت إلى شهر أو بعده فأسلمت أنها امرأته.
عياض: ظهر كلامه خلاف ما تأوله القرويون.
وقوله (وَعَنْهُ: إن أَسْلَمَتْ مَكَانَهَا ثَبَتَ وَإِلا فَلا) أي: وعن ابن القاسم.
وتصوره ظاهر.
وقال أشهب في الموازية: لا يفرق بيتها في الدخول حتى تخرج من العدة، يعني: وأما قبل البناء فتبين بمجرد إسلامه.
محمد: وأصحابنا عل قول ابن القاسم، قال أيضاً أَشْهَب، وعن أشهب: أنه يعرض عليها الإسلام بعد البناء اليومين والثلاثة.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يعرض عليها
الإسلام اليومين والثلاثة، فإن أبت استبرأت نفسها [309/ ب] بحيضة، ويؤخذ من هذا أن الاستبراء في إسلام أحد الزوجين حيضة.
اللخمي: قال مالك وابن القاسم: تستبرأ بثلاث حيض.
وقال ابن القاسم في العتبية في النصرانية يطلقها النصراني فتحيض حيضة ثم تزوج مسلماً: لا أفسخ نكاحه لأن مالكاً يقول: تجزئها حيضة.
تنبيه: قوله: (أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ) ليس مقيداً بالقلة، وينبغي أن يقيد بها كما في المدونة.
وَإِذَا سَبَقَ سَقَطَتْ نَفَقَةُ مَا بَيْنَهُمَا
أي: سبق الزوج بالإسلام وذلك بعد الدخول.
قوله: (مَا بَيْنَهُمَا) أي: بين إسلام الزوج وإسلامها، وإنما سقطت نفقتها لأن الامتناع من سببها.
وَإِذَا سَبَقَتْ فَقَوْلانِ
هما لابن القاسم بناء عل أنها محبوسة من أجله لما كان أحق بها في العدة فتجب لها، أو هي منعت نفسها إسلامها والنفقة في مقابلة الاستمتاع.
ابن أبى زمنين: وهو الصحيح في النظر.
وكذلك قال اللَّخْمِيّ: عدم النفقة أحسن.
وقال ابن راشد: هو أقيس.
وأخذ أصبغ بالقول بالوجوب، وأفتى به، وهذا ما لم تكن حاملاً، وأما إن كانت حاملاًً فلها النفقة والسكنى بالاتفاق.
قاله ابن عبد السلام، قال: وليس ما وقع في بعض نسخ ابن بشير من الخلاف في السكنى صحيحاً.
واعلم أن القولين فيالنفقة موجودان، سواء أسلم الزوج أو لم يسلم، وليس كما يعطيه كلام المصنف أنهما مقصوران على ما بين إسلامهما.
لو أَسْلَمَ صَغِيرٌ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةً لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى يَحْتَلِمَ لأَنَّهُ لَوِ ارْتَدَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَمْ يُقْتَلْ .....
لا إشكال أن إسلام أحد الزوجين إذا كان في سن من لا يميز لا يوجب فراقاً، وأما إن كان يعقل الإسلام قالوا؛ وهو من الإثغار فما فوقه.
فإن أسلم الزوج وتحته مجوسية لم يفسخ نكاحه حتى يحتلم، لأنه لو ارتد قبل ذلك لم يقتل، وقاله في المدونة.
وفيها أيضاً ما يدل عل خلاف هذا، وأنه يعم إسلام المميز، ففي التجارة إلى أرض الحرب أنه يُجبر الكافر عل بيع عبده الصغير إذا أسلم، وفي الجنائز أنه يصل على الصغير يجيب إلى الإسلام.
وقد حكى اللَّخْمِيّ في مسألة المصحف هذه قولين منصوصين: أحدهما: ما ذكره المصنف.
والثاني: أن إسلامه إسلام.
قال: فعليه إن كانت بالغة عرض عليها الإسلام على مذهب ابن القاسم، ثم يختلف هل تؤخر ثلاثة أيام؟ ويختلف إذا غفل عنها، ولم يعرض لها الشهر والشهرين هل يكون أحق بها؟ وعلى قول أشهب تقع الفرقة بينها مكانه، وسواء دخل بها أم لا لأن دخول من لم يبلغ كَلا دُخول.
فرع: وأما إن أسلمت الزوجة الصغيرة فقط فعلى القول بأن اعتبار إسلامها إن كان الزوج دخل وهو بالغ فعليها العدة، وهو أحق بها إن أسلم في عدتها، وإن لم يكن دخل بها أو دخل ولم يبلغ بانت، وإن أسلم بعد ذلك إلا أن يكون إسلامه عقب إسلامها
فيختلف فيها.
وعلى القول بأنه لا يعتبر إسلامها فيوقف زوجها البالغ عنها ولا تكون عليها عدة، فإذا ثبتت على إسلامها بعد البلوغ فالعدة عليها حينئذ ويكون أحق بها إن أسلم في عدتها.
قاله اللخمي.
وعن سحنون أن الفرقة تقع بين الزوجين إذا أسلمت، يعني في صغرهما أو في صغر أحدهما، كما تقدم.
قال: كما يباع العبد على سيده بخلاف ما إذا كان هو أسلم وزوجته مجوسية.
واعترضه ابن عبدوس، وقال: كيف تقع التفرقة بإسلامها، ولا تقع بإسلامه.
التونسي: ولا فرق بينها.
وقال ابن رشد للإسلام حرمة، وإن كان قبل البلوغ فعليها إذا أسلمت ضرر في البقاء عل عصمة كافر، ولا ضرر عليه هو إذا أسلم في البقاء على عصمة كافرة، وفيه نظر.
اللخمي: وإن أسلم أبواهما والزوجان صغيران في سن من لا يميز كانا بإسلام الأبوين في حكم المسلمين، وإن أسلم أبوها وقعت الفرقة لأنه ليس ثم دخول.
ويختلف إذا أسلم
أبوه، فعلى قول ابن القاسم يعرض على أبيها الإسلام، وعلى قول أشهب وقعت الفرقة وإن أسلم أبواهما.
وأما إن عقلا دينهما لم يكن إسلام الأبوين إسلاماً لهما.
وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرٍ اخْتَارَ أَرْبَعاً، أَوَائِلَ كُنَّ أَوْ أَوَاخِرَ
لحديث غيلان الثقفي أنه أسلم وعنده عشر نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعا منهن.
وبين أهل الحديث في صحته وضعفه- وعليه الأكثر- خلاف.
ونبه بقوله: (أَوَائِلَ كُنَّ أَوْ أَوَاخِرَ) عل خلاف أبي حنيفة في قوله: يتعين الأوائل، وفيه ضعف؛ لأن التخيير ينافي التعيين.
ابن عبد السلام: وخرج بعض الشيوخ لأشهب مثلة قول أبى حنبفة.
فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلا مَهْرَ لِلْبَوَاقِي، وقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ خُمُسُ صَداقَِها؛ لأَنَّهُ لَوْ فَارَقَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ صَدَاقَانِ.
وقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: نِصْفُ صَدَاقِهَا؛ لأَنَّهُ فِي الاخْتِيَارِ كَالْمُطَلِّقِ .....
قوله: (فَلا مَهْرَ لِلْبَوَاقِي) أي: المتروكات؛ لأنه مغلوب عل الفراق.
ابن محرز وغيره: وعليه فالفسخ بغير طلاق، وعلى قول ابن المواز وابن حبيب يكون طلاقاً، وفي التنبيهات: قالوا: مذهب ابن القاسم أنه يفسخ بغير طلاق، خلاف ما في الواضحة.
واحتج ابن المواز بما ذكره المصنف أنه (لَوْ فَارَقَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ صَدَاقَانِ)
[310/ أ] وإذا قسم اثنان على عشرة كون لكل واحدة خمس، فيكون للست اللاتي فارقهن حظهن من الصداقين.
ورأى ابن حبيب أنه لما اختار الأربع دون غيرهن عُدَّ في الاختيار كالمنتقل، فكان كالمطلِّق.
وفيه نظر؛ لأنه لو كان كالمطلِّق للزم إذا اختار أربعاً فوجدهن محارم ألا يختار بقية الأريع من الست، لأنهن بِنَّ عنه بالطلاق، ولا يقال: لم يجعله ابن حبيب مطلقاً، وإنما قال: كالمطلِّق؛ لأنا نقول؛ إنما يلزم نصف الصداق من طلَّق أما شبهه فلا، وأيضاً فلأنه إذا طلق بعد اختيار فيكون طلاقه مانعاً من التمسك بهذه الأربع.
فَإِنْ مَاتَ ولَمْ يَخْتَرْ فَعَلَى الْمَشْهُورِ وَقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ أَرْبَعُ صَدَقَاتٍ لكل واحدةٍ خُمُسُا صَدَاقِهَا.
وعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَرْبَعُ صَدَقَاتٍ لأَرْبَعٍ وَثَلاثٍ لِسِتٍّ يَقْتَسِمْنَ الْجَمِيعَ أَعْشَاراً .....
لأنه إذا مات ولم يختر فليس في عصمته شرعاً غير أربع، فيلزمه لكل واحدة صداق، وليست واحدة من العشر بأولى من الأخرى، فتقسم الأربعة عل عشرة، فيكون لكل واحدة خُمسَا صداقها.
وعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة سبعة أعشار صداقها.
وما ذكره المصنف من أنه على قول محمد يكون الواجب عليه أربعة أصدقة كالشهور، نحوه للخمي وابن بشير، ونقله ابن شاس عن محمد، واستشكل؛ لأن الموت كالدخول في تكميل الصداق، وهو لو بنى بأربع منهن، وجهلت أعيانهن، لكان لمجموع العشر عند محمد خمسة أصدقة، وخمس صداق؛ لأن للأربع أربع صدقات، ولكل واحدة من الست خمس صداق، وهكذا نقله ابن يونس وغيره.
وَمَنْ بَنَى بِهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا، وَمَنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ
لا إشكال في أن من بنى بها لها الصداق، ومن لم يين بها فعلى ما تقدم، أي: فإن اختارها كان لها الصداق، وإن اختار أربعاً فبنى بهن وفارق غيرهن لم يكن لهن شيء على المشهور، ويأتي قول ابن المواز وقول ابن حبيب، وهو ظاهر.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ رَضِيعَاتٍ فَأَرْضَعَتْهُنَّ امْرَأَةٌ اخْتَارَ وَاحِدَةً ولا شَيْءَ لِلْبَوَاقِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجِيءُ الْقَوْلانِ عَلَيْهِمَا ......
يعني: أن الأربع في هذه المسألة كالعشرة في التي قبلها، فيمسك واحدة ويفارق ثلاثاً، ولا شيء لهن عند ابن القاسم؛ لأنه مغلوب على الفراق.
وعلى قول ابن المواز لكل واحدة ثمن صداقها، إذ لو فارق الجميع، لم يلزمه إلا نصف صداق.
وعلى قول ابن حبيب لكل واحدة نصف صداقها.
ابن يونس: قال بعض فقهائنا: ولو مات الزوج قبل أن يختار واحدة من الأربع لم يجب عليه إلا صداق واحد للجميع اتفاقاً؛ لأن واحدة يصح نكاحها والثلاث محرمات، فوجب عليه صداق واحد يقسم على سائرهن، وكذلك يتفق على وجوب النصف إذا طلق الأربع قبل أن يختار واحدة، وما ذكره المصنف من أنه يختار واحدة هو المشهور، وقال ابن بكير وابن الكاتب: إن أرضعت واحدة بعد واحدة، فلا يجوز له أن يختار واحدة منهن، وهو بمنزلة من تزوج الأختين في عقدة واحدة.
هكذا نقل ابن عبد السلام هذا القول، وإذا فسخ النكاحان عليه إذا أرضعت واحدة بعد واحدة فمن باب الأولى إذا أرضعتها معاً.
وفرق في المدونة بين ما قاس عليه ابن بكير، فإن العقد هنا صحيح بخلاف من تزوج الأختين.
ابن القابسي: ومن اختار فراقها فهو فسخ بني طلاق عند ابن القاسم؛ لأنه لا يرى لها صداقاً، ومن رأى لها من الصداق شيئاً فسخ بطلاق.
وقال غيره: بل الفرقة، على قول ابن القاسم بطلاق؛ لأنه الذي يختار الفسخ فيمن أراد.
ابن يونس: يريد: وليس كل موضح يكون فيه الفراق بطلاق يلزم فيه الصداق لما يوجد في غير مسألة من الفسخ بطلاق ومن غير صداق.
فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ بِمَا يَغْرَمُ
هذا تفريع على قول محمد وابن حبيب، وأما على المشهور فلا غرامة، وما ذكره المصنف من رجوع الزوج عل المرضعة المتعدية قاله ابن الكاتب؛ وظاهره أنها لو لم تتعمد كما لو أرضعت غالطة تظن أن الرضيعة ابنتها لم تغرم، وقد يقال بوجوب الغرم عليها وإن لم تتعمد؛ لأن القاعدة أن العمد والخطأ في الضمان سواء.
وفي المدونة ما يؤخذ منه قولان في هذا الأصل، وذلك لأن في باب الرضاع: ومن تزوج امرأة ورضيعتين في عقدة واحدة، وسمى لكل واحدة صداقها، أو في عقود مفترقة فأرضعت الكبيرة إحداهما قبل
بنائه بالكبيرة، وهي في عصمته، أو فارقها حرمت عليه الكبيرة للأبد، وثبت على الصغيرتين، وإن كان بعد بنائه حرمت الكبيرة والصغيرة التي أرضعت، ولا صداق للمرضعة، وإن تعمدت الكبيرة الإفساد وللكبيرة الصداق بالمسيس.
وفي النكاح الثالث: وإن نكح الأم آخراً يعني: بعد نكاح البنت، وهو لا يعلم وبنى بهما أو بالأم خاصة فارقهما وحرمتا عليه للأبد، ولا صداق للابنة إن لم يبن بها، وإن كان الفسخ من قبله لأنه لم يتعمده.
وظاهره أنه لو تعمد ذلك لكان عليه الغرم، وهو خلاف ما قاله في الرضاع.
ابن عبد السلام: وليس لك أن تقول: هذا مبني عل المفهوم، وهو ضعيف لا سيما في كلام الفقهاء؛ لأن مثل هذا المفهوم قوي جداً؛ لأنه [310/ب] ذكر الصفة أولاً، وهي قوله (وهو لا يعلم) وذكر العلة آخراً وهي قوله (لأنه لم يتعمده).
اللخمي: ويختلف في المرضعة هل يغرم النصف للزواج إذا غرمه؟ أو للصغيرة إن لم يغرمه الزوج على قول ابن القاسم؟ فأما غرمها للزوج فيختلف فيه قياساً على ما لو شهدت عليه بطلاق قبل الدخول، ثم رجعت البينة، فقال ابن القاسم: يرجع عل البينة بنصفه.
وقال أشهب: لا رجوع له عليها؛ لأنه لم يوجب عليه إلا ما كان يلزمه لو طلق.
والأول أحسن، قال: وأما غرمها للصغيرة فإن عللنا بأن البيع بيد البائع لم يكن لها شيء، وإن عللنا بأن الكبيرة إنما أسقطت لها دينها يفعلها لزمها الغرم.
وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ كِتَابِيَّاتٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ، ومَاتَ قَبْلَ التعيين لَمْ يُوقَفْ شَيْءٌ مِنَ الْمِيرَاثِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِمُسْلِمَةٍ وكِتَابِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
ومَاتَ ولَمْ يُعَيِّنْ ....
لم يكن لهن من الميراث شيء؛ لأنه لا ميراث بشك، والمسلمات هنا مشكوك في بقاء عصمتهن لاحتمال أن يختار الكتابيات لو كان حياً.
وقوله (كَمَا لَوْ قَالَ لِمُسْلِمَةٍ وكِتَابِيَّةٍ) إلى آخره، يعني؛ وكان ذلك قبل البناء أو بعده والطلاق بائن، وأما إن كان رجعياً فيشترط أن تنقضي العدة.
بِخِلافِ مَنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ طَلْقَةً، وَدَخَلَ بإِحْدَاهُمَا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، وَجَهَلَتِ الْمُطَلَّقَةُ، فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ وَكُلُّ الصَّدَاقِ، وَلِلأُخْرَى رُبُعُ الْمِيرَاثِ وَثَلاثَةَ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ ...
صورة المسألة من كلام المصنف بينة، واستشكل بعضهم ما فرض فيها من جهل عين المطلقة، قال: لأن الطَّلاق إما أن يعلم من جهة الورثة، ولا يفيد لأنه محض دعوى
على الزوجتين أو إحداهما، وإما أن يكون من جهة الشهود، ومثل هذه النهابة لا تقبل لعدم الضبط.
ثم أجاب: لعل الشهود شهدوا بأنه قال: إحداكما طالق، وقصد التعيين، ولم يبينه لهم، ووقع النزاع بين الزوجين، وإنما ثبت الميراث هنا لعدم الشك، لأن المدخول بها ترث، ولا بد لأنها إن كانت المطلقة فعدتها لم تنقض، وإن كانت غير المدخول بها هي الطلقة فالمدخول بها زوجة، ولا إشكال في وجوب جميع الصداق للمدخول بها، وأما الميراث فيقع بينها وبين غير المدخول بها التنازعُ فيه، فهي تقول؛ جميع الميراث، لي لأنك أنت المطلقة.
وغير المدخول بها تقول للمدخول بها: بل أنت المطلقة فالميراث بيننا نصفين.
فنصف الميراث، للمدخول بها محقق، ووقع التنازع بينها في النصف الثاني، فيقسم بينهما.
ثم غير المدخول بها تقول للورثة: لي الصداق كاملاً لأن الطلقة غيري.
ويقول الورثة: بل أنت المطلقة قبل البناء، فليس لك إلا نصفه.
فيكون نصف صداقها محققاً، ويقسم النصف الآخر بينها وبين الوارث.
وهذا التفريع إنما هو على المشهور، وذلك أن من ادعى جميع المال وادعى غيره نصفه فعلى الشهور يقال لمدعي النصف قد سلمت لمدعي الكل في النصف، وإنما تنازعه في النصف الثاني، فيتحالفان، ويقسم النصف بينهما.
ومذهب أشهب أن الجميع يقسم بينهما على قدر دعواهما، وروي ذلك عن مالك أيضاً.
واحترز المصنف بقوله (ولم تنقض العدة) مما لو انقضت، فإن الحكم في ذلك أن يكون الميراث بينهما نصفين، قاله في المدونة، قال فيها; والصداق على ما ذكرنا.
وَلَوِ اخْتَارَ أَرْبَعاً فَإِذَا هُنَّ أَخَوَاتٌ فَلَهُ تَمَامُ الأَرْبَعِ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ.
وَقِيلَ: وَلَوْ دَخَلْنَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: أَمَّا لَوْ كَانَ بِطَلاقٍ وَبَانَتْ فَلا تَمَامَ لَهُ .....
الأول لابن الماجشون، والثاني لابن عبد الحكم.
وهي إحدى نظائر المفقود.
وقول اللَّخْمِيّ ظاهر لبادئ الرأي، لأن فيه بعد التأمل إشكالاً، لأنه كالمناقض لما سيقوله المنصف أن طلاقه لبعضهن يعد اختباراً، فعلى هذا إذا طلق أربعاً لم يكن له التمسك
بواحدة من العشر، إلا أن يفهم كلامه عل أن المعنى أنه طلق يعد اختياره فقال مثلاً في فور واحد: اخترت هذه الأربعة وطلقت البواقي.
ولقائل أن يمنع وقوع الطلاق هنا؛ لأن بمجرد اختياره تبين البواقي منهن، والله أعلم.
فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى أُمٍّ وابْنَتِهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عَقْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِهِمَا حَرُمَتَا، وإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ اخْتَارَ وَاحِدَةً.
وقَالَ أَشْهَب: تَتَعَيَّنُ الْبِنْتُ.
وقِيلَ: بِنِكَاحٍ إِنْ شَاءَ ....
وإنما حرمتا بعد الدخول؛ لأنَّا وإن لم نصحح أنكحتهم على المشهور فوطؤهم وطء شبهة، ووطء الشبهة ينشر الحرمة كما تقدم، وإن لم يدخل بواحدة، اختار واحدة إما البنت وإما الأم؛ لأن العقد الفاسد لا أثر له، وعقدهم فاسد على المشهور.
وقال أشهب: تعين البنت.
وهو إما بناء على صحة أنكحتهم، وإما لأنه يرى فسادها، ولكن الإسلام صححها.
ونقل في المدونة عن بعض الرواة أنه لا يجوز له أن يحبس واحدة منهما.
عياض: وهو أشبه.
قيل: ومعناه: إذا كانا في عقدة واحدة، وإلا أمسك الأولى، ولا يكون أشد حالاً من المسلم.
زاد في بعض الروايات في قول غيره: ولا بأس أن ينكح الابنة نكاحاً جديداً.
ابن عبد السلام: والزيادة الواقعة في بعض الروايات هي القول الذي حكاه المصنف آخراً؛ أعني قوله (وقِيلَ: بِنِكَاحٍ إِنْ شَاءَ).
فَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ تَعَيَّنَتْ
[311/أ] أي: لا يجوز له نكاح الأم بعد الدخول بالبنت؛ يعني: وسواء كانا في عقد أوفي عقدين كما فرض المصنف أولاً.
خليل: وينبغي على هذا أيضاً أن تتعين البنت في الفرع السابق، إذا تقدم عقدها لأن العقد على البنت محرم للأم، وإنما يأتي الخلاف إذا عقد عليها عقداً واحداً، أو كانت الأم هي
السابقة، إلا أن يقال: عقود الكفار فاسدة.
وفيه نظر؛ لأنا وإن قلنا أن عقودهم فاسدة، فالإسلام يصححها، وعلى القول بصحة أنكحتهم فهذا الكلام واضح، والله أعلم.
وَإِنْ دَخَلَ بالأُمِّ، فَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ.
وقِيلَ: تَنْدَفِعَانِ
الأول مذهب المدونة، والثاني لمالك وأشهب، وهو مبني على أن العقد الفاسد يحرم.
وَلا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ أَوْ أَبُوهُ مَنْ فَارَقَهَا
أي: إذا فارق الأم لاختياره البنت أو العكس، أو فارقها معاً، أو فارق إحداهما لتعيين الأخرى، فإن حرمة المصاهرة تنشر بين الأب وابنه وبين من فارقها.
وظاهر كلامه أن ذلك عل التحريم.
والذي في المدونة: إذا حس الأم وأرسل الابنة لا يعجبني لابنه أن يزوجها.
وفهم منه عياض ما فهم المصنف، وقال: جعل للعقد هنا تأثراً في الحرمة.
والذي لابن القاسم في الموازية خلافه، وأنه لا محرم بعقد أهل الشرك.
وكذلك الذي يؤخذ من كلام ابن يونس حمل كلام ابن القاسم عل أنه ينشر الحرمة كما قال المصنف، فإنه قال بعد قول ابن القاسم (لايعجبني): يريد لأنه عقد شبهة.
وقال ابن عبد السلام: لا يبعد حمل ما في المدونة على الكراهة لوجهين: أولهما: ليتفق ما في المدونة والموازية.
وثانيها: لو انتشرت حرمة المصاهرة فيما بين الأب وابنه وبين هذه لانتشرت بينه وبين أمها.
فَإِنْ كَانَتَا أُخْتَيْنِ وَشِبْهَهُمَا اخْتَارَ وَاحِدَةً مُطْلَقاً
قوله (وَشِبْهَهُمَا) أي: كالمرأة وعمتها والمرأة وخالتها، (اخْتَارَ وَاحِدَةً مُطْلَقاً) أي: سواء بنى بها أو بواحدة منها أو لم يبن بواحدة في عقد أو في عقدين؛ لأنه إنما يحرم الجمع فقط.
وحكى المتيطي وغيره عن ابن الماجشون أته إذا أسلم على أختين انفسخ نكاحهما جميعاً، قال: هو قول من أرضى من علمائنا.
ودليل المشهور ما رواه الترمذي أن فيروز الديلمي أسلم على أختين فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار واحدة.
وَالْمَجُوسِيُّ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرٌ أَوْ أُمٌّ وَابْنَتُهَا أَوْ أُخْتَانِ مَجُوسِيِّتَانِ قَدْ أَسْلَمْنَ كَذَلِكَ
هذا مستغنى عنه، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى أن الكلام المتقدم خاص بالكتابي، وبين هذا أن المجوسي شاركه في ذلك.
وَيُعْتَبَرُ فِي الاخْتِيَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدةً أَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى أَوْ وَطِئَ تَعَيَّنَتْ
يعني: لا يشترط في الاختيار الصريح، بل يكون بالتصريح وبما يستلزمه كما إذا طلق واحدة أو ظاهر منها أو آلى أو وطئها بعد إسلامه، إذ لا يفعل ذلك الرجل إلا في زوجته، وينبغي أن تكون مقدمات الوطء كالوطء، ولا يقال يصح عندنا الإيلاء من الأجنبية لأن العرف أن الإيلاء إنما يكون في الزوجة، والمعتبر في الدلائل إنما هو العرف كما في الأيمان والإقرار.
وَلَوْ قَالَ: فَسَخْنتُ نِكَاحَهَا تَعَيَّنَ غَيْرُهَا
إن أراد بقوله (تَعَيَّنَ غَيْرُهَا) للاختبار فظاهر، وهذا الذي يؤخذ من الجواهر.
وإن أراد تعيين الرضا بالغير فبعيد.
قال في الجواهر: ولو قادت فسخت نكاحها؛ انفسخ نكاحها؛ لأنه أوقع بالفسخ عليها أن لا يختار نكاحها.
ل
وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ الْكِتَابيُّ لَمْ تَزَلْ عِصْمَتُهُ قَدِمَ أَوْ بَقِيَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ ولَمْ تُسْلِمْ لأَنَّهَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ ...
تزل العصمة لأن التي تحته كتابية، وللمسلم أن فتزوج الكتابية.
وقوله (ولَمْ تُسْلِمْ) وأما إن أسلمت بقيت في عصمته، وكذا نص عليه في المدونة.
واعترض إطلاقه بقاء العصمة مع احتمال أن يكون واجداً للطول ولا يخشى العنت، وأجيب بأن مراده التقييد.
الإِحْرَامُ: وَلا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ وَلا لِمُحْرِمَةٍ نِكَاحٌ ولا إِنْكَاحٌ بِخِلافٍ الرَّجْعَةِ وشِرَاءِ الإِمَاءِ
لما في الموطأ وغيره: عن عثمان رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال؛ (لا ينكح الحرم ولا ينكح ولا يخطب).
وسواء كان الإحرام بحج أو بعمرة.
ولم ير أبو حنيفة رضي الله عنه الإحرام مانعاً، واحتج بها في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم.
وفي بعض طرقه: وبنى بها وهو حلال.
وأجيب بأنه أيضاً في الصحيح عن يزيد بن الأصم، قال: حدثتني ميمونة أنه عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
وبها خرجه النسائي مسنداً ومالك مرسلاً عن أبي رافع أنه عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما.
حديث أبي رافع أولى من حديث ابن عباس؛ لأنه المباشر للقصة، لاسيما وابن عباس كان حينئذ صغيراً، وإن مسلم مساواة حديث ابن عباس لحديث أبي رافع فيتعارضان، ويسلم حديث عثمان من التعارض.
وقوله (ولا إِنْكَاحٌ) الظاهر أنه يريد به الولاية فيكون مقصوراً على الرجل؛ لأن المرأة ليست أهلاً لها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من الولاية ومن التسبب في النكاح كالخطبة، فيكون عوده على المحرم والمحرمة.
الباجي: في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عثمان "ولا يخطب"، يحتمل أن يريد به السفارة في النكاح، [311/ب] ويحتمل أن يريد به الخطبة حال النكاح، أما السفارة فممنوعة.
فإن سفر فيه وتناول العقد غيره، أو سفر فيه لنفسه وأكمل العقد بعد التحلل فلم أر فيه نصاً، وعندي أنه أساء ولا يفسخ، ويتخرج على قول أصحابنا في من خطب في