وَيُبْدِلُهَا الزَّوْجُ فِي الْمُنْهَدِمِ وِالْمُعَارِ وَالْمُسْتَاجَرِ إِذَا انْتَهَتِ الْمُدَّةُ
يعني: أن المعتدة في الطلاق لا في الوفاة إذا اعتدت في ملك في منزل سواء كان له أو لغيره فانهدم، أو اعتدت في منزل معار له أو مستأجر فانتهت مدة الإعارة أو الإجارة فإن الزوج يبدلها غيره.
اللخمي: ولا خلاف أن العدة لا توجب على المكري والمعير إذا ضربا الأجل مدة سوى العدة التي ملكها الزوج، وكذلك إذا لم يضربا أجلاً ولا يلزم المكري والمعير ما لم يعقده على نفسه.
وقال ابن القاسم في المستخرجة في رجل أسكن أخاه منزلاً وطلق المسكن زوجته، وقال لها صاحب المسكن: اخرجي، إنما أسكنت أخي.
فقال: لا تخرج حتى تنقضي العدة.
يريد أن الأخوين يتهمان أن يكونا قصدا إخراج الزوجة خاصة ليس أن ينتزع العارية من أخيه.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَكَانَيْنِ وَلاَ ضَرَرَ أُجِيبَت الْمَرْأَةُ
نحوه في المدونة، قال: إلا أن تدعوه إلى ما يضر به لكثرة كراء أو سكنى فتمنع، ولو أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت.
ومعنى ضرر السكنى أن تكون في جوار قوم غير مأمونين أو تسكن بالبعد منه ونحو ذلك، قاله ابن يونس.
اللخمي: والقول قولها إذا دعت على موضع مأمون وكان كراؤه أزيد وتحملت الزيادة.
وقوله: (فإن أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت)
ابن يونس: يريد بحيث يعلم أنها معتدة ويبلغه خبرها.
وَامْرَأَةُ الأَمِيرِ الْمُعْتَدَّةُ لا يُخْرِجُهَا الْقَادِمُ فِيهَا
يعني: إذا طلق الأمير امرأته وهي في دار الإمارة فعزل أو مات عنها وقدم آخر قبل انقضاء العدة فليس له إخراج زوجة الأمير السابق حتى تتم عدتها.
ولم يجعلوا ما يستحقه
الأمير من السكنى كالأجرة حقيقة، فإنه لو جعلوها كذلك لما استحقت ما زاد على قدر الولاية، وفي معنى زوجة الأمير زوجة القاضي إذا كان ساكناً في موضع القضاء.
وَفِي الْحَبْسِ حَيَاتَهُ تَسْكُنُ عِدَّتَهَا، وَلَوْ خَمْسَ سِنِينَ لأَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ الْمَيِّتِ
قوله: (وَفِي الْحَبْسِ حَيَاتَهُ) أي: العمرى.
وقوله: (تَسْكُنُ عِدَّتَهَا) أي: سواء كانت عدة طلاق أو وفاة.
اللخمي: وقولهم في الطلاق ظاهر، لأن حق المحبس عليه قائم لوجود حياته، وأما المتوفى عنها فاستحسان لأن الأجل الذي أعطاه هو حياة المحبس عليه، وقد انقضى كالكراء إذا انقضى أجله إلا أن تكون هنا عادة.
وقول المصنف: (وَلَوْ خَمْسَ [412/ب] سِنِينَ)، هكذا قال محمد.
اللخمي: وفيه ضرر على المحبس لأنه لم يرد هذا، ودار الإمارة الأمر فيها أوسع لأنها ليست لأحد.
بِخِلافِ سِنِينَ مَعْلُومَةٍ
يعني: فليس لها أن تزيد عليها وهو ظاهر.
وَكَذَلِكَ حَبْسُ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لَيْسَ حَبْسُ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ كَالْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ ....
يعني: فليس للإمام الجديد أن يخرجها في مدة العدة، وهكذا قال ابن شبلون.
وذكر ابن عادت أنه الذي جرى عليه العمل بقرطبة، ولكن أكثر الشيوخ كعبد الحق والباجي وابن زرقون وابن راشد وغيرهم يقتصرون على ما قاله ابن العطار ويفرقون بينه وبين مسألة الأمير، فمنهم من فرق بأن سكنى الإمام على معنى الإجارة بخلاف الإمارة، وإلى هذا ذهب عبد الحق والباجي وغيرهما، ومنهم من قال لأن أجرة الإمام مكروهة، وإليه ذهب ابن المناصف، ومنهم من قال لأن امرأة الأمير لها حق في بيت المال، ودار الإمارة
من بيت المال بخلاف دار المسجد، وإليه ذهب ابن رشد، وقال ابن زرقون: الذي قاله ابن العطار مقصور على ما إذا كانت الدار حبساً على المسجد حبساً مطلقاً، وأما إن حبست على أئمة المساجد فإن الإمام إذا مات لا تخرج زوجته حتى تنقضي العدة كما في دار الإمارة.
خليل: وإنما يقصد الناس في زماننا هذا في أئمة المساجد الإجارة فيقوى قول ابن العطار.
ولعل القول الأول مبني على الغالب من عادتهم في الزمان المتقدم من الاحتساب في ذلك.
وَلأُمِّ الْوَلَدِ- تُعْتَقُ، أَوْ يَمُوتَ عَنْهَا- السُّكْنَى
هذا مذهب المدونة.
وقوله: (السُّكْنَى) أي: مدة استبرائها بالحيضة، لأنها في حقها كالعدة.
وكذلك أن قلنا هي استبراء محض لأنه محبوسة بسببه.
وقال في الموازية: لا سكنى لأم الولد ولا عليها.
وروى أشهب: ذلك لها، وعليها من غير إيجاب.
وقال ابن القاسم: إن كانت حاملاً فلها السكنى إن أعتقها، وإن لم تكن حاملاً فلا سكنى لها.
هكذا حكى اللخمي، وحكى غيره قولاً آخر بأن السكنى حق لها إن شاءت أخذته وإن شاءت تركته.
قال: وقيل: تركها مكروه.
وَلَهَا فِي الْعِتْقِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَالسُّكْنَى
لو سكت عن قوله: (السُّكْنَى) لكان أحسن لأنه قد قدمه وكأن لها النفقة لأجل الحمل.
وفهم من قوله: (وَلَهَا فِي الْعِتْقِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ) أنه ليس لها ذلك في الموت، وكذلك نص عليه ابن القاسم وأشهب وأصبغ، لأن الحمل وارث فلم تكن له نفقة كما لو توفي عن الزوجة حاملاً.
ابن عبد السلام: وحمل بعضهم على المدونة قولين في وجوب النفقة لها في الوفاة إذا كانت حاملاً.
فقال ابن القاسم: لها النفقة.
وقال غيره وهو عبد الملك: لا نفقة لها.
وليس في لفظ التهذيب عندي ما يقتضي أن ابن القاسم يقولك بوجوب النفقة لها فتأمله فيه.
وقال ابن محرز: إذا كانت قد ولدت قبل ذلك من سيدها رجوت أن لا يختلف ابن القاسم وعبد الملك في أن لا نفقة لها.
وَلِلْمُرْتَدَّةِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَالسًّكْنَى
قال في التهذيب: وللمرتدة الحامل النفقة والسكنى ما دامت حاملاً، فإن لم تكن حاملاً لم تؤخر واستتيبت، فإما أن تقتل أو ترجع إلى الإسلام فيكون ذلك طلقة بائنة ويكون لها السكنى.
وقال ابن اللباد: ليس لها السكنى إن لم تتب، لأنه تسجن حتى تضع.
فغير البرادعي لفظها لما يعتقده من معناها، ولفظه في الأمهات: قلت أرأيت المرتدة أيكون لها النفقة والسكنى إن كانت حاملاً ما دامت حاملاً: نعم، لأن الولد يلحق بأبيه فمن هناك لزمته النفقة.
فقال بعضهم: إنما وقع ذكر السكنى في السؤال لا في الجواب، وإنما جاب عن النفقة فقط، ألا ترى إلى تعليله بلحوق الولد ولم يجب عن السكنى إذ هي محبوسة على ما قاله ابن اللباد.
واختصرها المختصرون على أن النفقة والسكنى لها لقوله: نعم في أول الجواب بعد السؤال عنها.
وقيل: معنى هذه السكنى أنه غفل عن سجنها.
عياض: وقد يقال ذلك إذا كان الموضع الذي يعتقل فيه يطلب عندهم كراؤه.
فرع:
اللخمي: إذا قال الزوج: حاضت قبل الردة ولم أصبها استتيبت، فإن تابت وإلا قتلت.
وإن قال الزوج لم تحض بعد أن أصبتها وأشكل أمرها هل هي حامل أم لا كان من حق الزوج أن تؤخر حتى تحيض أو تمر لها ثلاثة أشهر من يوم أصاب، فإن لم يظهر حمل قتلت، وهذا لحق الزوج في الماء، فإن أسقط حقه في ذلك ولم يمض للإصابة أربعون يوماً لم تؤخر، لأن الماء حينئذ لم يخلق منه ولد، وإن مضى له أربعون يوماً لم يعجل بقتلها لإمكان أن يكون الولد قد صار علقة، فلا يجوز قتلها حينئذ كما لا يجوز للأم أن تشرب ما تسقطه به.
ولو زنت ولا زوج لها رجمت إذا لم تمض لها أربعون يوماً ولا تؤخر، فإن مضت لها أربعون يوماً أخرت حتى يظهر أمرها، وإن أخرت الزوجة حتى ينظر هل هي حامل لم يكن على الزوج في ذلك نفقة عند ابن القاسم، لأن ارتدادها طلقة بائنة، ولا عند
أشهب وعبد الملك وإن كان يريان أن الطلاق مترقب، فإن أسلمت كانت على الزوجية من غير طلاق، لأنها فعلت فعلاً منعت به نفسها، [413/أ] فإن تبين حمل أنفق في المستقبل وأتبعته بالماضي، وتبيت في بيتها على القول بأن الارتداد طلاق ويتحفظ بها فيه، وعلى القول أنه فسخ أو مترقب فإن رجعت إلى الإسلام كانت على الزوجية، فيستحب نقلها إلى موضع تعتد فيه.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تُحْبَسُ بِسَبَبِهِ فِي السُّكْنَى، وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ لإِسْلامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَكَمَنْ نَكَحَ مَحْرَماً ولَمْ يَعْلَمْ وبَنَى ....
هكذا في المدونة أن كل امرأة حبست بسبب شخص في عدة أو استبراء لها السكنى، وإن حصل حمل كانت لها نفقته.
وليس ما قاله في النفقة على إطلاقه، فإن حمل الأمة من حر أو عبد، وحمل الحرة أو الأمة من عبد لا نفقة له، وكذلك حمل الملاعنة، وظابطه كل حمل لو وضعته وجبت نفقته على أبيه فلها عليه النفقة وإلا فلا.
وذكر المصنف للضابط الذي ذكره ثلاثة أمثلة:
الأول: إذا فسخ النكاح لإسلام أحد الزوجين بعد البناء فإنه يجب للمرأة السكنى ونفقة الحمل إن كان، وقوله: (بَعْدَ الْبِنَاءِ) يعني وأما قبله فلا لعدم العدة.
الثاني: إذا نكح محرما ولم يعلم وبنى فإن لها السكنى في مدة الاستبراء ونفقة الحمل إن كان.
وقيد ذلك بعدم العلم لتتم الشبهة وإلا فلو كان عالماً وهي لم تعلم كان لها أيضاً عليه السكنى ولم يكن لها عليه نفقة الحمل لعدم لحوق الحمل.
ثم أشار إلى المثال الثالث بقوله:
وَفِي الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ ذَاتِ زَوْجٍ قَوْلانِ
ابن هارون وابن راشد: لم أقف على ما حكاه المصنف.
وقال ابن عبد السلام: يعني إذا غلط بامرأة أجنبية يظنها زوجته أو أمته فوطئها فلا حد عليه، وتستبرأ الحرة بثلاث حيض فإن
حملت منه كان لها عليه النفقة والسكنى، ولا أعلم في هذا خلافاً في المذهب.
وظاهر كلام المؤلف أنه مختلف فيه فانظره.
واختلف المذهب إذا لم تحمل وكانت زوجاً لآخر هل تجب نفقتها على نفسها أو على واطئها؟
وَلامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ خَبَرُهُ دُونَ امْرَأَةِ الأَسِيرِ أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَيُؤَجَّلُ الْحُرُّ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَالْعَبْدُ سَنَتَيْنِ مُنْذُ يَعْجِزُ عن خَبَرَهُ بَعْدَ الْبَحْثِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ كَالْوَفَاَةِ ....
فقد الشيء عدمه، ومراده المفقود في بلاد المسلمين احترازاً من الأسير فإن حكمه سيأتي، ومعنى كلامه أن لامرأة المفقود أن ترفع امرها سواء كانت مدخولاً بها أم لا إلى الحاكم.
وأطلق في (الْحَاكِمِ) فيشمل الخليفة ووالي البلد والقاضي.
قال في المدونة: ويجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرطة الأجل للعنين والمفقود.
أبو الحسن: والمراد بولاة المياه السعاة لأنهم يبعثون عند حصول المياه.
القابسي وأبو عمران: وإن كانت في موضع لا حاكم فيه رفعت أمرها إلى صالحي جيرانها وكشفوا عن خبر زوجها وضربوا لها الأجل، لأن فعل الجماع كحكم الإمام.
وقال سحنون: لا يجوز كتاب ولاة المياه إلى قضاة الأمصار الكبار من سائر البلدان.
وأنكر ما ذكر عن مالك أن والي المياه يضرب أجل المفقود وهو لا يضرب إلا بعد أن يكتب إلى البلدان، وولاة المياه لا يجوز أن يكتبوا إلى البلدان، فعلى هذا قيل: لا يضرب لها الجيران.
اللخمي: والمعروف من المذهب أن الكشف عن خبره إلى سلطان بلده وإن تولى ذلك بعض ولاة المياه، والمفقود منهم أجزأ.
وقال أبو مصعب: لا يجوز في ذلك حكم سلطان إلا الخليفة الذي تمضي كتبه في الدنيا.
ابن عبد السلام: وجعله بعضهم كقول سحنون.
وقال ابن الماجشون: إذا كان الإمام الأعظم حاضراً لم يضرب غيره.
وقال غير واحد: إذا رفعت المرأة أمرها إلى الحاكم كلفها
إثبات الزوجية والغيبة، فإذا أثبت ذلك سأل زوجته وأقاربه وإخوانه وأهل محلته وسوقه، فإن كان عندهم علم أنه كان يريد بلداً كتب إلى ذلك البلد الذي كان يظن أنه فيه، وإلا كتب إلى بلد الجامع إن لم يظن أنه في بلد بعينه ويعرفه في كتابه باسمه وصفاته ومتجره، ويكتب هو إلى نواحي بلده، وإن كان مطلوباً بدم أو آبقاً لم يقتصر في الكتب على الجهة التي خرج إليها، لأن هذا ينتقل ولا يستقر في بلد بعينه، فإذا جاء الجواب بعدم العلم ضرب له الأجل وهو أربعة أعوام للحر.
واختلف في العبد، فالمشهور ما ذكره المصنف أن أجله نصف اجل الحر كالإيلاء والطلاق.
ابن عبد السلام: وقيل: أجله كالحر.
خليل: وتنصيف الأجل هنا وفي الاعتراض والإيلاء مشكل، والأظهر الشاذ في الجميع.
وقوله: (مُنْذُ يَعْجِزُ عن خَبَرَهُ) هو المشهور.
وقال ابن عبد الحكم: من يوم الرفع، وعليه فلا يكتب إلى البلدان ويضرب له الأجل إذا ثبتت الزوجية والغيبة.
وقاله ابن عبد الحكم، وزاد: إلا أن يبلغ سن التعمير.
والأصل في التحديد بالأربع سنين ما في الموطأ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((أيما امرأة فقد زوجها فلم تدر أين هو فإنما تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشر ثم تحل)).
عبد الوهاب: وأجمع الصحابة عليه لأنه روى أيضاً عن عثمان وعلي وجماعة من التابعين ولم يعلم لهم في عصر الصحابة مخالف.
قيل: وحد بالأربعة لأنها [413/ب] غاية الحمل.
وقيل: لأنها المدة التي تبلغها الكتابة في بلدان الإسلام ذهاباً وإياباً.
وقيل: لا علة لذلك إلا الاتباع لقول عمر.
اللخمي: وهو أحسن.
واستضعف الأول لقول مالك: أنها لو أقامت عشرين سنة فإنها تستأنف الأجل.
ولقولهم إذا كانت الزوجة صغيرة أو الزوج صغيراً أنه يضرب له الأجل وليس هناك ما يخشى منه الحمل، وكذلك إذا كانت يائسة، ولأنه لو كان مبنياً على أكثر الحمل لاختلف فيه على الخلاف.
واستضعف أيضاً الثاني لقول مالك أنها تستأنف الأربعة من بعد الإياس.
وقيل: إنما ضرب له أربعة أعوام، لأنه جهل إلى أي ناحية سار من الأربع جهات.
وهذا لا معنى له.
وقوله: (ثُمَّ تَعْتَدُّ كعدة الْوَفَاةِ) لقول عمر المتقدم.
ابن عبد السلام: ومن أهل المذهب من ألزمها أقصى الأجلين، وأجراه بعضهم على الخلاف في لزوم الإحداد ولم يبينوا هل هي حيضة واحدة.
وهذا إن أراده فقريب كما تقدم في الذي علمت وفاته أو هي ثلاث حيض، ولا يحتاج إذا انقضى الأجل إلى إذن الإمام لها في العدة ولا بعد انقضائها إلى إذنه في التزويج.
عبد الوهاب: لأن إذنه حصل بضرب الأجل.
تنبيه:
ما تقدم من أن العبد الآبق والمطلوب بدم لا يقتصر في حقهما على الكتب إلى جهة واحدة، يدل على أن حكمهما حكم المفقود، وقد نص محمد على ذلك.
وكذلك قال مالك فيمن أخذ متاع زوجته وهرب أنه: يضرب له أجل المفقود.
وقال اللخمي: أرى أن يطلق على هؤلاء عند رجوع الكشف بعدم العلم بخلاف المفقود لأنهم فروا اختياراً، ومعلوم أنهم قاصدون التخلف عن الرجوع وحالهم بين ميت ومختار للإقامة.
فرعان:
الأول: إنما يضرب له الأجل المتقدم إذا كان له مال ينفق عليها منه وإلا فحكمها حكم زوجة المعسر بالنفقة.
الثاني: إذا غاب عن أم الولد سيدها وطلبت أن يضرب لها أجل لم تمكن من ذلك، وتبقى إلى انقضاء تعميره فتعتق عليه.
نقله ابن راشد.
فَإِنْ جَاءَ أَوْ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ قَبْلَ تَزْوِيِجها فَامْرَأَتُهُ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ لِلثَّانِي، وَفِي رُجُوعِ الأَوَّلِ غَيْرِ الدَّاخِلِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ رِوَايَتَانِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ قَالَ مَرَّةً: الْعَقْدُ فَوْتٌ.
ثُمَّ رَجَعَ ....
يعني: أن الحكم نافذ لها ما لم يتبين خلافه، وأما إن تبين خلافه فذلك على أربعة أوجه: الأول: أن يجئ أو يتبين حياته وهي إلى الآن في العدة، فلا خلاف أنها زوجته.
الثاني: أن يتبين ذلك بعد خروجها من العدة وقبل أن يعقد عليها، فالمعروف من المذهب عدم فواتها كالأول.
وذكر ابن عيشون الطليطلي عن ابن نافع أنها تفوت.
قال في المقدمات: وهو بعيد، لأن الحاكم إذا حكم باجتهاد ثم تبين له أو لغيره أنه أخطأ في حكمه خطأ متفقاً عليه نقض ذلك الحكم بإجماع.
فلو قيل على قياس هذا أنها له ولو دخل بها الزوج الثاني كالمنعي لها زوجها لكان له وجه في القياس، ولكنه لم يقوموا ذلك، فأين هذا من قول ابن نافع، إلا أنه يشبه ما روي عن مالك فيمن خرص الخارص عليه في تحلة أربعة أوسق فوجد فيها خمسة أنه يعمل على ما خرص.
أبو عمران: وتآليف ابن عيشون مختلفة، ونقله ضعيف.
وروى اللخمي مثل قول ابن عيشون، قال: لأن الحاكم أباحها للأزواج مع إمكان حياته، وما كشف الغيب أكثر مما كان يظن.
وقول المصنف: فإن جاء أو ثبتت حياته قبل تزويجها فامرأته، يشمل هذين الوجهين الوجه الثالث أن يدخل بها الثاني والحكم أنها تفوت على الأول وتكون للثاني.
وإلى هذا أشار بقوله: وبعد الدخول للثاني.
اللخمي: ولم يختلف قول مالك أن الدخول فوت.
وخرج فيها قول بعدم الفوت بالدخول على أحد القولين في النصرانية تسلم وزوجها غائب، فإن ابن الماجشون قال: إن ثبت أنه أسلم قبلها أو بعدها في العدة كان أحق بها وإن ولدت من الثاني.
ابن راشد: وفيه نظر، لأن امرأة المفقود اجتهد لها الحاكم بعد الكشف وضرب الأجل وأذن لها في النكاح بخلاف النصرانية تسلم.
فرع:
فإن دخل بها الثاني في نكاح فاسد فالأول أحق بها إن فسخ بغير طلاق لا إن فسخ به.
نص عليه الباجي وغيره.
قوله: (وَفِي رُجُوعِ الأَوَّلِ غَيْرِ الدَّاخِلِ .... إلخ).
اعلم لولا أنه اختلف إذا فقد الزوج قبل البناء وضرب الحاكم الأجل، وفرق بينهما سواء تزوجت أم لا، فعن مالك أنها تعطى جميع الصداق، وبه قال سحنون.
ابن بطال: وبه القضاء.
وفي الجلاب أنها تعطى نصف صداقها فقط، فإن ثبتت بعد ذلك وفاته أكمل لها صداقها، وكذلك إن مضى عليها من السنين ما لا يحيي إلى مثله.
وقاله عبد الملك وابن دينار.
وقال جماعة: إن لم تكن قبضته لم تعط إلا نصف صداقها، وإن كانت قبضته لم ينزع منها.
وقيل: لا تأخذ النصف إلا بعد إلزامه الطلقة، وذلك عند عقد الثاني أو عند دخوله على الخلاف.
ابن محرز: والقياس أن يكون لها النصف إلا على مذهب من يرى أن المرأة تستحق الجميع بالعقد.
وعلى أنها تأخذ الجميع فقال مالك: يعجل لها [414/ا] المعجل ويبقى المؤجل إلى أجله.
وقال سحنون: بل يعجل لها الجميع.
ومنشأ الخلاف أن هذه المرأة فيها شائبتان، شائبة الموت بدليل أنها تعتد عدة الوفاة، وشائبة الطلاق بدليل أن دخول الثاني يوقع على الأول طلقة، فمن غلب الشائبة الأولى أوجب لها الجميع، ومن غلب الثانية لم يوجب لها إلا لنصف.
وكلام المصنف مبني على القول بأنها لا تأخذ الجميع، لأن ذكره الخلاف في رجوع الأول بنصف الصداق فرع عن أخذها الجميع.
والروايتان اللتان حكاهما المصنف
حكاهما ابن الجلاب وهما مرويتان عن ابن القاسم، والذي رجع إليه أنها لا ترد شيئاً كالميت.
والمعترض بعد التلوم، قيل: وبه العمل لأنه حكم مضى.
وقال ابن راشد: الأول أصح.
وهو الخيار اللخمي لأنه طلاق قبل الدخول، والفرق بينه وبين المعترض أن المعترض قد استمتع بها وأخلف شورتها.
الوجه الرابع: أن تتبين حياته أو موته بعد عقد الثاني وقبل دخوله، ففيه القولان اللذان حكاهما المصنف بقوله: (قَالَ مَرَّةً: الْعَقْدُ فَوْتٌ.
ثُمَّ رَجَعَ).
وبالفوات قال المغيرة وابن كنانة وابن دينار، وبعدمه قال ابن القاسم وأشهب.
قال في الكافي: المرجوع إليه أصح من طريق الأثر.
وليست مسألة نظر لأنا قلدنا فيها عمر رضي الله عنه.
فرع:
أبو عمران: وإذا اعتدت أو مضى بعض العدة لم يكن لها أن ترجع إلى عصمته، وقد وجبت عليها العدة والإحداد، فليس لها أن تسقط ما وجب عليها باختيارها، وأما في الأربع سنين فلها ذلك لأنها لم تجب عليها عدة.
قال: ومتى رجعت بعد ذلك أبتدأ لها الضرب.
أبو بكر بن عبد الرحمن: وإذا ضرب لها الأجل واعتدت ثم أرادت أن تبقى على عصمة المفقود فليس لها ذلك، لأنها قد صارت مباحة للأزواج فلا حجة لها أن لو قدم كان أملك بها لأنها إنما أمرت بالعدة للفراق فتجري على ذلك حتى تظهر حياته، ألا ترى أنها لو ماتت بعد العدة لم يوقف لها منها ميراث، وإن كان لو علمت حياته ردت إليه.
وَعَلَيْهِمَا لَوْ ثَبَتَ مَوْتُهُ بَيْنَهُمَا، بِخِلافِ مَا قَبْلَهُمَا فَإِنَّهَا كَغَيْرِهَا
يعني: وعلى القولين في فواتها بالعقد إذا ثبت أنه مات بينهما، أي: بعد العقد وقبل الدخول.
فإن قلنا أن العقد مفيت مضت زوجة للثاني، وإن قلنا ليس بفوت فسخ لأنه تزوج زوجة الغير.
وبالجملة موته كقدومه بخلاف ما لو ثبت موته قبل العقد والدخول، فإن هذه المرأة كغيرها من النساء، فإن عقد الثاني بعد خروجها من عدة الأول صح نكاحه، وإن عقد قبل خروجها من العدة فهو كالنكاح فهيا، وإليه أشار بقوله:
وَفِيهَا: لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فِي عِدَّةِ مَوْتِ الأَوَّلِ فَنِكَاحٌ فِي عِدَّةٍ يُفْسَخُ، وَتَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَبَداً ....
تصوره ظاهر.
وقوله: (وَتَحْرُمُ بِالدُّخُولِ) أي: في العدة، وأما لو لم يدخل إلا بعد العدة لجرى على الخلاف المتقدم في باب النكاح.
ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لإشكالها، وذلك أن الزوج الثاني استند في عقده إلى حكم حاكم فلم يستعجل وليس هنا اختلاط أنساب فكان تأبيد التحريم مشكلاً، ولهذا روى البرقي عن أشهب أنه إذا دخل بها الثاني في عدة الأول لم يفسخ نكاحه وثبت ولم تحرم عليه.
ابن المواز: ولو دخل بها الثاني ثم علم أن المفقود مات قبل دخول الثاني فنكاح الثاني مفسوخ لأنه كالناكح في العدة، إذ مرة لها زمان العدة وهي معقود عليها كالرامي من الحل تخرق رميته الحرم ويصيب في الحل.
ابن يونس: وقد تقدم لابن المواز ما يدل على خلاف هذا، قال: إذا اعتدت المنعي لها زوجها وتزوجت ودخل بها ثم تبين أن الأول مات بعد عقد الثاني وقبل دخوله فليفرق بينهما ويؤمر التورع عنها، وهي أخف ممن نكح في العدة ودخل بعدها، وهي كمن واعد في عدة ونكح بعدها، لأنه عقد نكاحها وهي ذات زوج فعقده كلا عقد، فلينتزه عنها أحب إلى.
ابن يونس: وما تقدم أقيس لأنه عقد لو قدم بعد الدخول فيه لم ترد إليه وليثبت ذلك العقد.
وإن كانت يوم العقد ذات زوج فإذا مات الأول قبل دخول الثاني فقد صادفتها العدة وهي معقود عليها فهي كمن عقد في العدة ودخل بعدها، أصله الرامي من الحل تخرق رميته الحرم ثم يصيب في الحل، والله أعلم.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَرِثَتْهُ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ تَرِثْهُ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا الْقَوْلانِ
لأنه إذا مات قبل العقد فهي زوجة، ويأتي على ما حكي عن ابن نافع أنها لا ترثه إذا خرجت من العدة، فإذا ثبت أنه مات بعد دخول الثاني فليست له زوجة، لأنها فاتت على
الأول بالدخول.
وإن مات بعد عقد الثاني وقبل دخوله فالقولان، فعلى الفوات لا ترث منه، وعلى مقابله ترث.
اللخمي: وإن جهلت التواريخ وقد دخل الثاني لم يفسخ نكاحه ولم ترث الأول، لأنه لا يفرق بينها وبين الثاني بالشك، ولا ترث الأول أيضاً بالشك.
وَعَلَى الثَّانِي: لا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلا بِالدُّخُولِ
ويعني: وعلى قول مالك المرجوع إليه من أنها لا تفوت إلا بالدخول لا يقع طلاق على الأول إلا بدخول الثاني، وأما على الفوات بالعقد فالطلاق [414/ب] يقع بنفس العقد، ابن رشد، واختلف متى تقع الطلقة عليه، فقيل: أنها تقع عليه بالدخول أو بالعقد على الاختلاف في ذلك، وقيل: إنما تقع عليه يوم أبيحت للأزواج ويكشف ذلك العقد أو الدخول، وفائدة هذا الاختلاف، لو كان هذا الأول طلقها اثنتين ثم تزوجت وقدم زوجها الأول بعد أن دخل بها هذا الثاني، هل يحلها هذا الزوج للقادم أم لا؟ والظاهر أنها تحل بفراغ العدة ولو كان الطلاق إنما يقع بعقد الثاني أو بدخوله لكان نكاحه فاسداً.
وِلَوْ طَلَّقَهَا الثَّانِي بَعْدَ الُّدخُولِ وَكَانَ الأَوَّلُ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ لَحَلَّتْ لَهُ، أَصْبَغُ: لا تَحِلُّ بِذَلِكَ لأَنَّهَا لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ الطَّلاقِ، وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ
يعني: لو كان المفقود طلقها طلقتين قبل فقده ثم فقد وأباح لها الحاكم التزويج وتزوجت ثم طلقها الثاني بعد دخوله، فهل تحل للمفقود قبل زوج وهو قول مالك وبه قال أشهب، وقال أصبغ: لا تحل، وصوبه أبو عمران بما حكاه المصنف عن أصبغ بقوله: (لأَنَّهَا لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ الطَّلاقِ)، يعني أن الطلقة الثانية إنما تقع بدخول الثاني ولم يحصل بعدها نكاح وحليتها مرقوفة على حصول نكاح بعد الثلاث، ورده اللخمي بما تقدم من أن الظاهر أن الطلاق وقع قبل العقد وقبل الدخول وإلا لزم فساد النكاح.
فرع:
محمد: ولو قدم المفقود بعد أن خلال بها الثاني، فقال للأول: ما قربتها، لحرمت على الثاني، لأنه أقر أنها زوجة للأول، ولم تحل للأول لظهور الإفاتة إلا أن يخطبها بعد ثلاث حيض، وجعل اعترافه كالطلاق، وإن لم يطلق فتحل لذلك الزوج ولا تحل لغيره وإن اعترفت أن الثاني لم يصبها لأنها مقرة أنها زوجة للأول، وإن ادعت أنه أصابها حلت له ولغيره لأنه يعد ذلك منه طلاقاً، وإن أنكرت أن يكون أصابها ولم يصدقها الأول ولا راجعها كان لها أن ترفع أمرها إلى السلطان فيطلقها على الأول لأنها تقول: لا أبقى بغير نفقة، ولو أنفق عليها لكن لها أن تقوم بعدم الإصابة لأن إنكار الأول أن تكون صدقت، وقوله أولاً: لا علم عندي لا يكون طلاقاً.
وَالَّتِي تَعْلَمُ بِالطَّلاقِ وَلاَ تَعْلَمُ بِالرَّجْعَةِ كَذَلِكَ
يعني: أن من طلق امرأته طلاقاً رجعياً فاعتدت وتزوجت غيره، فأثبت هو أنه ارتجعها قبل نكاح الثاني فكذلك، أي إن اطلع على ذلك قبل دخول الثاني فالأول أحق على قول مالك، الثاني: وإن دخل فالثاني أحق بها، ورأي اللخمي أنها لا تفوت بالدخول، وفرق بينها وبين امرأة المفقود بأن هذه لم يكن فيها قضية من حاكم.
وفي قوله: (كَذَلِكَ) إشارة إلى إجراء حكم هذه المسألة على المتقدمة في الميراث، وبذلك صرح في المدونة، عبد الملك: وهذا إذا أقام بينة أنه ارتجع قبل عقد الثاني، وأما قوله بعد عقد الثاني ارتجعت قبل عقده فلا يقبل.
مالك: وإن كان حاضراً فلم يعلمها برجعته ورآها تزوجت ودخلت فإنها تمضي زوجة.
اللخمي: وليس ببين لأنه لو رأي أن الزوجة تزوجت ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقاً.
ابن عبد السلام: وكلام اللخمي ظاهر إن قامت له بينة أنه ارتجع قبل ذلك، وهو الذي أراد كما قاله عبد الملك.
خليل: وقد يجري ما قاله مالك في هذه المسألة على أحد الأقوال فيمن
باع زوجته أو زوجها إلا أن يقال أنه إذا باعها أو زوجها فعل فعلاً محققاً يدل على تمليكها لغيره بخلاف هنا فإنه سكت وهو أضعف.
وَأَمَّا الْمَنْعِي لَهَا زَوْجُهَا تَتَزَوَّجُ فَيَقْدَمُ فَلَيْسَتْ كَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ عَلَى الْمَشْهُورِ، بَلْ تُرَدُّ وَلَوْ وَلَدَتِ الأَوْلادِ إِذْ لاَ حُجَّةَ لَهَا بِاجْتِهَادِ الإِمَام ....
عياض: يقول الفقهاء: المنعى بضم الميم وفتح العين، وهو عند أهل العربية خطأ، وصوابه عندهم المنعي بفتح الميم وكسر العين وتشديد الياء، وهي التي أخبرت بموت زوجها فاعتمدت على الأخبار وتزوجت ثم قدم زوجها، فالمشهور وهو مذهب المدونة أنها ترد إلى الأول، والفرق بينها وبين المفقود عنها ما ذكره المصنف بقوله: (إِذْ لاَ حُجَّةَ لَهَا بِاجْتِهَادِ الإِمَام)، وقال القاضي إسماعيل، وأبو عمران: أنها كامرأة المفقود في اختلاف قول مالك، وتتنزل البينة منزلة حكم الحاكم لامرأة المفقود هكذا ذكرها ذا القول صاحب تهذيب الطالب، وظاهره أنه يختلف إذا عقد عليها الثاني ولم يدخل، وقال ابن راشد: إن لم يدخل الثاني بها فهي للأول اتفاقاً، قال: وفي المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنها تفوت بالدخول، قاله مالك في كتاب القاضي إسماعيل، والثاني: أنها لا تفوت وترجع إلى الأول وهو قول محمد، وسواء حكم بموته حاكم أم لا، وهو المشهور، وثالثها: التفرقة فإن حكم بموته حاكم فاتت وإلا لم تفت، قاله القاضي إسماعيل.
ابن عبد السلام: والأقرب أن البينة إن كانت رفعت إلى القاضي فقبلها أو عدلت عنده فهي كامرأة المفقود، وإن كانت اعتمدت هي على أخبار البينة دون رفع القاضي فليست كامرأة المفقود، وإذا فرق بينها وبين الآخر على المشهورة، ففي المدونة لا يقربها الأول حتى تحيض أو تضع حملها إن كانت حاملاً، وتعتد في بيتها الذي كانت تسكن فيه مع الآخر ويحال بينه وبين الدخول [415/أ] عليها.
عياض: ولا إشكال في منع مائه زرع غيره، وأما ما عداه من الاستمتاع فمباح لأنها زوجته، وإنما حبست عنه لأجل اختلاط النسبين كما لو استبرأها من زنا أو غصب، وبدليل لو كانت المغصوبة ظاهرة الحمل من زوجها لجاز له وطؤها إذ الولد ولده عند ابن القاسم وغيره، وكرهه أصبغ كراهة تنزيه لا تحري.
أَبُو عِمْرَانَ: ولَوْ ثَبَتَ مَوْتُهُ عِنْدَهَا بِرَجُلَيْنِ فَتَزَوَّجَتْ، وَلَمْ يَظْهَرْ خِلافُهُ لَمْ يُفْسَخْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا بِقَوْلِهِا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إِنْ تَبَّيَن أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ حُكِمَ بِهِ، وَفُسِخَ كُلُّ عَقْدٍ بَعْدَهُ
قوله فيما نقل عن أبي عمران (فَتَزَوَّجَتْ) لا يؤخذ منه جواز ذلك ابتداء، ونقل عنه ابن يونس وغيره أنه يجوز لها أن تتزوج بخبر العدلين وليس عليها أن ترفع إلى الحاكم ولا يفسخ.
أبو عمران: وإنما يفسخ إذا كانت البينة غير عدول أو لم يعلم ذلك إلا من قولها إذ ليست على صحة من استباحتها.
قوله: (ثم إِنْ تَبَّيَن أَنَّهُ) أي النكاح المفسوخ (وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ) لثبوت موت الزوج الأول أو طلاقه أو انقضاء العدة منه، فإن هذه المرأة ترد إلى الذي فسخ نكاحه ويفسخ ما بعد ذلك ولو تعددت الأنكحة، وإلى ذلك أشار بقوله: (وَفُسِخَ كُلُّ عَقْدٍ بَعْدَهُ).
ابن عبد السلام: وليس هذا موضع قوله (كُلُّ عَقْدٍ بَعْدَهُ)، وإنما يحسن مثل هذه العبارة في البيوع، أي لأنها لا تكون إلا في عصمة زوج فكان ينبغي أن يقول: وفسخ ما بعده.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَهُ وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ فَقِسْ عَلَيْهِ ....
هذا أيضاً من كلام أبي عمران، ومعناه إذا تزوجت امرأة المفقود في أثناء العدة ففسخناه، ثم ثبت أن المفقود عنها انقضت عدتها منه إما من وفاة أو طلاق قبل أن يتزوجها الثاني فإنا نردها إلى الثاني ولو تزوجت زوجاً ثالثاً ودخل بها كالمنعي لها زوجها.
فرع:
لو تزوجت في العدة ففسخناه حرمت على الثاني إلا أن يثبت أن الأول حي فلا تحرم عليه، محمد: لأنها صارت زوجة للمفقود بغير طلاق ولا وفاة.
وقوله: (فَقِسْ عَلَيْهِ) أي قس على هذه المسألة والتي قبلها ما يشبهها في المعنى كما لو تزوجت امرأة المفقود في الأربعة أعوام وفسخ ثم ثبت أنه على الصحة.
وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ نِسَاءٍ مَفْقُودٍ رَفَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَرَى إِنْ ضُرِبَ الأَجَلُ لِلْوَاحِدَةِ ضُرِبَ لِجَمِيعِهِنَّ ....
زاد يحي بن عمر وهو راوي هذه المسألة عن ابن القاسم: وأبي سائرهن.
وكذلك نقل ابن شاس، وهو أحسن من كلام المصنف لاحتمال كلام المصنف أن يكون سائر النساء سكتن، وحكى ابن الفخار وابن يونس عن مالك مثله.
بعض القرويين: كما أن تفليس الواحد للمديان تفليس لسائر الغرماء، وقال أبو عمران: ليس ضرب القاضي الأجل لواحدة ضرب لجميعهن بل حتى ترفع كل واحدة، قال: ولا يحتاج إلى الكشف للمرأة الثانية لأنه قد كشف أول مرة، ابن يونس: وهو واضح.
وَالنَّفَقَةُ فِي مَالِهِ فِي الأَجَلِ دُونَ الْعِدَّةِ
لها النفقة في الأجل لأنها محكوم لها بحكم الزوجة، وأما في العدة فلا نفقة لها لأنها عدة وفاة، ولا نفقة للمتوفى عنها.
ابن عبد السلام: فإن قلت، قد قيل إنها عدة طلاق، وقد تقدم عن المدونة وغيرها أن دخول الثاني طلاق، فينبغي أن ينفق عليها في تلك العدة، قيل: ولو سلم أنه طلاق لكان طلاقاً أوقعه القاضي، والأصل فيه البينونة، وفي هذا الجواب نظر، والأولى منع كون الفرقة طلاقاً حقيقياً لايجابهم عدة الوفاة، وأصل المسألة مشكل فلذلك أشكلت الفروع المبينة عليها، وظاهر كلام المصنف أن النفقة واجبة
للمدخول بها وغيرها، وكذلك أطلق في المدونة كالمصنف، وقال المغيرة: لا نفقة لغير المدخول بها إلا أن يكون فرض لها قبل ذلك، قال في المقدمات: والصواب أن لها النفقة لأنها كزوجة الغائب.
ولم يختلف أن من غاب عن زوجته قبل دخوله بها أن لها النفقة، وإنما اختلف في الغيبة القريبة، وظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة أن لها النفقة إذ لم يفرق فيه بين قرب الغيبة وبعدها.
فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا أَخَذَتْ شَيْئاً بَعْدَ وَفَاتِهِ رَدَّتْهُ وَكَذِلكَ أَوْلادُهُ
يعني: فإن ثبت بعد أخذها النفقة أنها أخذت شيئاً بعد وفاة المفقود ردته لأنها أخذت ما لا يجب لها إذ النفقة تسقط بالموت، وكذلك قوله: (وَكَذِلكَ أَوْلادُهُ)، يعني: إن ثبت أنهم أخذوا شيئاً بعد وفاته ردوه كالزوجة، وهكذا نص عليه ابن القاسم في المدونة، وينفق عليهم ما داموا صغاراً فقراء، وتأول سحنون ذلك على أن الأيتام كانت لهم أموال.
أبو عمران: إن لم يتأول على ما قاله سحنون وإلا فهو خلاف لقول ابن القاسم في مسألة الوصي ينفق علي اليتيم من مال أبيه ثم يطرأ دين يغترق المال، أنه لا يرجع على اليتامى بما أنفق عليهم إن لم يكن لهم مال، ويكون وفاقاً لقول المغيرة وأشهب بالرجوع عليهم مطلقاً.
وفرق بعض المتأخرين بأن الورثة تتعلق حقوقهم بالذمة لا بالعين، ومن تعلق حقه بعين شيء فأتلف عليه فله [415/ب] المطالبة بخلاف ما يتعلق بالذمة، واعترض فضل تأويل سحنون بأنه لو كانت لهم أموال لم ينفق عليهم إلا أن يقال إنما ظهر لهم المال ولم يكونوا عالمين به.
أبو عمران: يستغنى عن قول فضل هذا لأن هذا المال الذي ورثوه من أبيهم هو مال استوجبوه من يوم الموت، وإنما انكشف لنا ذلك الآن.
ومعنى قوله: (يرجع عليهم) أنه يقاصهم بما أنفق عليهم من ميراثهم.
عياض: ولا يستغنى عنه بهذا إذ قد يكون ما أنفق عليهم أضعاف ما يجب لهم من التركة لكثرة الورثة معهم، قال في المدونة: ولا يؤخذ من الزوجة والأولاد حميل بهذه النفقة.
وَلاَ يُقْسَمُ مَالُهُ إِلا بَعْدَ التَّعْمِيرِ عَلَى الْوَارِثِ حِينَئِذٍ
يعني: أن المال ليس حكمه حكم الزوجة في أنه يقسم بعد الأربعة أعوام بل يوقف حتى يتبين موته أو يأتي عليه سن التعمير إذ لا إرث بشك، وكان الأصل في الزوجة أن لا تباح إلا كذلك لكن غرضنا قوة الضرر، وحكى ابن راشد قولاً أنه يقسم ماله بعد الأربعة أعوام، قال: واختلف في حد التعمير على ستة أقوال: أحدها أنه سبعون، قاله مالك وابن القاسم وأشهب.
عبد الوهاب: وهو صحيح لحديث معترك المنايا.
ثانيها: خمس وسبعون، وبه أفتى ابن زرب، الباجي في سجلاته، وبه القضاء.
ثالثها: ثمانون، رواه ابن الماجستون وابن حبيب عن مالك، وبه أخذ ابن القاسم ومطرف، واختاره الشيخان أبو محمد وأبو الحسن، وبه كان يفتي القاضي ابن السليم.
ورابعها: أنه الثمانون أو التسعون، قاله ابن القاسم أيضاً.
وخامسها: مائة، قاله أشهب، ابن حبيب وابن الماجشون: وإليه رجع مالك.
وسادسها: أنه مائة وعشرون، وحكاه الداودي عن ابن عبد الحكم، وبه المتيطية: إن غاب وهو ابن الثمانين عمر إلى انقضاء التسعين، وإن غاب وهو ابن التسعين عمر إلى انقضاء المائة، وإن غاب وهو انب المائة عمر بأعوام يسيرة بقدر الاجتهاد، وقيل: يتلوم بالعشرة، وقيل: بالعام والعامين، وإن غاب وهو ابن مائة وعشرين تلوم بعام واحد، قال في المقدمات: ولم يختلف فيمن عمر بمائة وعشرين أنه يتلوم له بالعام ونحوه.
وقوله: (عَلَى الْوَارِثِ حِينَئِذٍ).
أي: حين انقضاء التعمير.
وَلاَ يُضْرَبُ لِلأَسِيرِ أَجَلٌ وَتَبْقَى زَوْجَةٌ
أي: لا يضرب لمن أسره العدو أجلاً، وتبقى زوجة حتى يثبت موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله، قال في المدونة: وسواء علم موضعه أم لا لأنه معلوم أنه قد أسر ولا يصل الإمام من كشف حاله إلى ما يصله في المفقود.
قيل: وإذا هرب الأسير من أرض الحرب وثبت هروبه ثم جهل خبره فإن ثبت دخوله بلاد الإسلام فكالمفقود، وإن لم يثبت فكالأسير لاحتمال عدم خروجه من بلاد الحرب، وخرج اللخمي قولاً بأن امرأة الأسير تطلق عليه قياساً على قطع ذكره، وذكر ابن حارث أنهم اتفقوا على الأسير يعرف مكانه وحياته أنه لا تتزوج امرأته حتى يموت، واختلف إذا لم يعرف فقال أصبغ: قال قوم هو كالمفقود في أرض الإسلام، وقال آخرون كمذهب مالك، وقال ابن حارث: إن كان لا يدخلها التجار ولا الطوافون فهو هكذا وإن كانوا يدخلونها فهو كالمفقود.
فَلَوْ تَنَصَّرَ الأَسِيرُ وَجُهِلَ طَوْعُهُ وَإِكْرَاهَهُ فَهُوَ كَالطَّوْعِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُوقَفُ مَالُهُ ....
يعني: إذا تنصر الأسير فإن علم إكراهه فكالمسلم، وإن علم طوعه فكالمرتد، وإن لم يعلم طوعه من إكراهه فالمشهور وهو مذهب المدونة ما ذكره المصنف أنه محمول على الطوع لأنه الأصل في الأفعال الواقعة من العقلاء والغالب أيضاً، وروي عن مالك أنه محمول على الإكراه لأنه الغالب من حال المسلم.
واختلف إذا تزوجت زوجته ثم ثبت أنه تنصر مكرهاً فقيل: حاله في زوجته كالمفقود، وقيل: كالمنعي لها زوجها، قيل: وإن شهدت بينة بالطوع والأخرى بالإكراه، فبينة الإكراه أعمل لأنه علمت ما لم تعمل الأخرى.
وقوله: (وَيُوقَفُ مَالُهُ)، قال في المدونة: فإن مات مرتداً كان ماله للمسلمين وإن أسلم كان له.
فرع:
واختلف إذا تنصر، فقال ابن القاسم: يتفق على ولده من ماله، وقال أصبغ: لا ينفق عليه من ماله إذا تنصر طائعاً.
وَمَفْقُودُ الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِيَن تَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ بَعْدَ انْفِصَالٍ الصَّفَّيْنِ، وَرُوِيَ: بَعْدَ التَّلَوُّمِ بِالاجْتِهَادِ، ورُوِيَ: بَعْدَ سَنَةٌ، ورُوِيَ: سَنَةٌ فِيهَا الْعِدَّةُ، وفِي قَسْمِ مَالِهِ أَوْ وَقْفِهِ قَوْلانِ، وِرُوِيَ: إِنْ كَانَ بَعِيداً فَكَالْمَفْقُودِ فَيُوقَفُ مَالُهُ ...
المفقود على أربعة أقسام: مفقود في بلاد المسلمين وحكمه ما تقدم، ومفقود في أرض الشرك فكالأسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يثبت موته، أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله في قول أصحابنا إلا أشهب فإنه حكم له بحكم المفقود في المال والزوجة، ومفقود في قتال المسلمين للكفار وسيأتي، ومفقود في الفتن الواقعة بين المسلمين، وكلام المصنف [416/أ] الآن فيه، وحكى فيه أربعة أقوال: الأول لمالك وابن القاسم: أن زوجته تعتد من يوم التقى الصفين، وكان أشباه ذلك في ما مضى يوم صفين والحرة.
الثاني لأصبغ: يضرب لامرأته بقدر ما يستقصى أمره ويستبرأ خبره، وليس لذلك حد معلوم.
ابن عبد السلام: وجعله المصنف خلافاً للأول، وجعله بعضهم تفسيراً له.
الثالث لابن القاسم: تتربص زوجته سنة ثم تعتد.
الرابع: أن العدة داخلة في السنة، قال في المقدمات: وهو الصواب لأنه إنما تلوم له مخافة أن يكون حياً، فإذا لم يوجد له خبر حمل على أنه قتل في المعترك.
وفي العتبية خامس بالقرب فيما قرب من الديار يتلوم الإمام لزوجته باجتهاد بعد انصراف من انصرف وانهزام من انهزم ثم تعتد وتتزوج، وما بعد مثل إفريقية ونحوها تمكث زوجته سنة فإذا خلت نظر الإمام في ذلك، وفرق بين القرب والبعد.
وفي الموازية سادس: إن كان بعيداً حكمه كالمفقود تتربص أربعة أعوام.
اللخمي: من قال إن العدة من يوم التقاء الصفين ورث ماله حينئذ، ومن جعل لزوجته التربص أربع سنين وقف ماله إلى التعمير، واختلف على القول أن زوجته تتربص سنة، فقيل يورث ماله ذلك الوقت، وقيل: يوقف ماله إلى التعمير، قال في المقدمات: وهذا الخلاف إنما هو إذا شهدت البينة العادلة أنه شهد المعترك، وأما إن كان رأوه خارجاً عن العسكر ولم يروه في المعترك فحكمه حكم المفقود في زوجته وماله باتفاق.
وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والْكُفَّارِ: ثَلاثَةٌ- كَالأَسِيرِ وَكَالْمَفْقُودِ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ ....
أي: ثلاثة أقوال، والقول بأنه كالأسير لمالك في العتبية، أي أن زوجته لا تتزوج ولا يقسم ماله حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله، والقول بأنه كالمفقود في ماله زوجته حكاه ابن المواز وعابه، أي لأنهم يأسرون المسلمين ولا يستطاع البحث عنهم كما في بلاد المسلمين.
اللخمي: وروى عنه أشهب أنه قال فيمن فقد بين الصفين في أرض الإسلام أو في أرض الحرب تتربص زوجته سنة من يوم ينظر السلطان في أمره ثم تعتد، وهذا هو القول الثالث في كلام المصنف.
وقوله: (بعد النظر)، يريد بعد الرفع، هكذا صرح به في المقدمات في هذه الرواية، وعمل أهل قرطبة بهذه الرواية الثالثة.
فرع: اللخمي وغيره: يحمل من فقد من بلد زمن الطاعون أو في بلد توجه إليه وفيه الطاعون على الموت، وذكر أصحاب مالك أن الناس أصابهم سنة بطريق مكة سعال، فكان الرجل لا يسعل إلا قليلا ثم يموت، ففقد ناس ممن خرج إلى الحج فلم يأت لهم خبر حياة ولا موت، فرأى مالك أن تقسم أموالهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيره للذي بلغه من موت الناس من ذلك السعال، وكذلك الشأن في أهل البوادي في الشدائد ينتجعون من ديارهم إلى غيرها من البوادي ثم يفقدون أنهم على الموت، وقد علم ذلك من حالهم إذا توجهوا إلى البلد الذين يمضون إليه تبلغهم الضيعة والموت.
الرَّضَاع: شَرْطُ المُرْضِعُ أَنْ تَكُونَ آدَمِيَّةً أُنْثًى بِلَبَنٍ فَلَوْ كَانَ مَاءً غَيْرَ لَبَنٍ لَمْ يُعتَبَرْ
يقال إرضاع ورضاع ورضاعة بفتح الراء وكسرها.
الجوهري: ويقال رضع الصبي أمه يرضعها رضاعاً مثل سمع يسمع سماعاً، وأهل نجد يقولون رضع يرضع رضعاً مثل ضرب يضرب ضرباً.
عياض: وارتفعت أمه وامرأة مرضع أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت مرضعة.
وذكر أهل اللغة أنه لا يقال في بنات آدم لبن وإنما يقال فيهن لبان واللبن لسائر الحيوان غيرهن، وجاء في الحديث كثيراً خلاف قولهم.
وشرط المصنف في المرضعة التي ينتشر التحريم برضاعها ثلاثة أوصاف:
الأول: أن تكون آدمية، فلا يحرم لبن غيرها من سائر الحيوانات، ولا خلاف في ذلك.
الثاني: أن تكون أنثى، فلا يعتبر لبن الذكر إذا در، وهذا هو المشهور لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء23] ولا يستحق وصف الأموية إلا الآدمية الأنثى.
وقال ابن اللبان الفرضي: يقع بلبن الذكر الحرمة.
اللخمي: وبه قال بعض شيوخنا.
وقال ابن شعبان: وروى أهل البصرة عن مالك والشافعي أنهما كرها له نكاحها.
ووجه القول بالتحريم أن الحرمة إذا حصلت باللبن الناشئ عن وطئه فلأن تحصل بلبانه من باب الأولى، والآية خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها.
الثالث: أن يكون ذلك بلبن، فإن أرضعته بغيره لم يحرم.
وفي كتاب ابن سحنون: لو حلب من ثدي المرأة ماء أصفر لم يحرم ما يحرم منه إلا ما كان غذاء يغني عن الطعام، ولا يقال كان ينبغي أن يستغنى بقول (آدَمِيَّةً) عن قوله (أُنْثًى) لاحتمال أن يكون المراد نفساً آدمية والنفس تطلق على الذكر والأنثى.
ويُعْتَبَرُ اللَّبَنُ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ وَلَمْ تُوطَا
يعني: إذا در للبكر لبن فإنه ينشر الحرمة لدخولها [416/ب] في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
قال في الجلاب: وإذا أرضعت المرأة التي لم تلد أو العجوز التي قعدت عن الولادة صبياً فرضاعها يحرم.
وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ عُلِمَ
أي: ويعتبر لبن الميتة، والمشهور مذهب المدونة لدخولها تحت قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والشاذ حكاه صاحب الجواهر وغيره.
وذكر ابن بشير أن الشاذ مما جرى في المذاكرات وعلله بأن الحرمة لا تقع بغير المباح، فإن قيل: لم أوقعتم التحريم برضاع الميتة على المشهور وظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ ْ﴾ يخرجها، لأن الميتة لا توصف بأنها أرضعت فجوابه أن الإرضاع خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وأيضاً فإنه منقوض بما لو حلب غيرها من ثديها كرهاً وأرضع به صبياً أو رضع منها الصبي وهي نائمة، قال في المدونة: وإذ حلب من ثدي المرأة في حياتها أو بعد وفاتها فوجر به صبي أو دَبَّ فرضعها وهي ميتة وعلم أن في ثديها لبان فالحرمة تقع بذلك، ولا يحل اللبن في ضروع الميتة.
قيل: فلم أوقعتم الحرمة به؟
قيل: لأن من حلف ألا يشرب لبناً فشرب لبن الميتة أو لبناً ماتت فيه فأرة حنث إلا أن ينوي اللبن الحلال، ويحد من وطئ ميتة.
وأخذ من هنا أن مذهبه نجاسته، وهو خلاف ما دل عليه ماله في كتاب الجنائز فيخرج من الكتب قولان.
اللخمي: وإنما وقعت به الحرمة لأن تنجيسه لا يخرجه عن كونه غذاء.
وقوله (ويحد من وطئ الميتة) استدلال منه على الحرمة أي كما يجب الحد بوطء الميتة وكذلك يحرم لبنها.
وقوله (ويحرم من وطء الميتة يريد ولا صداق لها) نص عليه محمد وغيره.
قال في النكت: وإنما قالوا بالحد ولم يوجبوا لها صداقاً لأن الصداق من حقوق الآدميين فلما وجدناه لو قطع لها عضواً لا قصاص فيه ولا دية فكذلك هنا.
وأما الحدود فمن حقوق الله تعالى فيجب عليه لعظم ما انتهكه، ولا إشكال في وجوبه إن كانت الموطوءة أجنبية على المعروف من المذهب كما سيأتي في باب الزنى إن شاء الله تعالى.
واختلف في الزوجة هي يحد على قولين: عياض وإلى الإسقاط قال أكثرهم والمحقق منهم.
قال في النكت: وعاب بعض شيوخنا وجوب الحد عليه، قال: ألا ترى أنه يغسلها مجردة وينظر إليها فأي شبهة أعظم من هذا؟ وقول المصنف (إِنْ عُلِمَ).
ابن عبد السلام: لا يظهر له في كلام المصنف كبير فائدة بخلافه في المدونة.
وَفِي لَبَنِ مَنْ نَقَصَتْ عَنْ سِنِّ الْمَحَيْضِ: قَوْلانِ
يعني: أن لبن من لم تحمل على ضربين: إن كانت ممن تحيض حرم.
ابن بشير: بلا خلاف.
وقد قدم المصنف ذلك بقوله ويعتبر اللبن وإن لم تحمل ولم توطأ، وإن كانت ممن نقصت عن سن المحيض فقولان حكاهما المصنف تبعاً لابن بشير وابن شاس.
وفي المدونة: وإذ درت بكر لا زوج لها أو يئست من المحيض فأرضعت صبياً فهي أم ولد.
وفي الجلاب: وإذا حدث للصبية الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لبن فأرضعها صبي لم تقع به حرمة، وحملها اللخمي على الخلاف وهو ظاهر كلام ابن يونس وهو مقتضى ما نقله المصنف وابن بشير وابن شاس.
خليل: ولا يبعد أن يحمل ما في المدونة على ما إذا كانت في سن من يوطأ مثلها، ولا يكون ما الجلاب خلافا لما في المدونة والله أعلم.
ولا يُعْتَبَرُ لَبَنُ الذَّكَرِ إِذَا دَرَّ عَلَى الْمَشْهُورِ
هذه المسألة وقعت هنا في بعض النسخ، وقد تقدم الخلاف فيها فأغنى عن إعادتها.
وَشَرْطُ الرَّضِيعِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجَاً لِلَّرضَاعَ، وَصَلَ اللَّبَنُ إِلَى جَوْفِهِ صِرْفاً أَوْ مَخْلُوطاً، وَفِي لَغْوِ المْغَلُوبِ بِالْمُخَالَطَةِ قَوْلانِ، لابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ....
قوله (محتاجاً) أي فلا يعتبر رضاع الكبير لما في الصحيحين وغيرهما: ((إنما الرضاع من المجامعة)).
وفي الصحيح أيضاً من حديث سهلة قالت عائشة: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ((يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه، فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد علمت أنه رجل كبير)) وفي رواية أخرى: ((أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه)) وفي رواية أخرى: ((وأبي سائر أزواجه عليه الصلاة والسلام أن يدخلن عليهن أحد بتلك الرضاعة)) وقلت لعائشة: ما نرى هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، وأخذت عائشة بحديث سهلة وكانت إذا أحبت أن يدخل عليها أحد من الرجال تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر وبنات أخيها أن يرضعن من أحب دخوله.
المازري: والجمهور حملوا الحديث على الخصوص.
الباجي: وقد انعقد الإجماع على أن رضاع الكبير لا يحرم.
ابن المواز: ولو أخذ بحديث سهلة: ((أرضعيه خمس رضعات)) في الحجاب خاصة لم أعبه وتركه أحب إلي، ولا فرق في التحريم باللبن بين أن يصل صرفاً أو مخلوطاً كما [417/أ] قاله المصنف، وهذا إن لم يغلب اللبن بالمخالطة وأما إن كان مغلوباً فقال ابن القاسم: لا ينشر الحرمة وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال أشهب وابن الماجشون: يحرم وهو قول الشافعي، وهذا معنى قوله (وَفِي لَغْوِ المْغَلُوبِ بِالْمُخَالَطَةِ قَوْلانِ) لأن تقديره وفي لغو المغلوب بالمخالطة وعدم لغوه قولان لابن القاسم وابن الماجشون، فابن القاسم يلغيه وابن الماجشون لا يلغيه.
وقوله: (كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ) الأول للأول والثاني للثاني، والأقرب قول عبد الملك إذ لو انفرد اللبن لحرم، وهو الذي رجحه ابن محمد السوسي واللخمي وغيرهما، ونظيرها إذا حلف ألا يأكل خلاً فأكل طعاماً فيه خلاً مستهلكاً، وهذا إنما هو إذا كان اللبن مخلوطاً بغير اللبن.
وأما إن اختلط لبن امرأتين فقال مالك والشافعي: تحرم المرأتان معاً.
وقال ابن يوسف: الحكم للغالب منهما.
وأخذ عياض من المدونة التحريم من مسألة من حملت من زوج آخر أن اللبن يكون للزوجين.
قال: وتردد بعضهم: هل يقول ابن القاسم بلغو المغلوب بلبن آخر كالطعام أم لا أو يفرق بين اللبن والطعام، انتهى.
وحكى بعضهم الاتفاق على التحريم.
وَالرَّضَاعُ وَالْوَجُورُ- قَلِيلُهُمَا وَكَثِيرُهُمَا وَلَوْ مَصَّةً- سَوَاءٌ
(وَالْوَجُورُ) بفتح الواو ما يدخل في وسط الفم، وقيل ما يصب في وسط الحلق، وفعله وجر وأوجر واللدود ما صب تحت اللسان، وقيل ما صب في جانب الفم واللديدان جانبا الفم، يعني أنه لا فرق في التحريم بين الرضاع والوجور، ونبه بذلك على قول داود القائل بعدم التحريم إلا بما يرضع من الثدي.
ومذهبنا أن المصة الواحدة كافية في التحريم لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
وَفِي الْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ وَشِبْهِه يَصِلُ إِلَى الْجَوفَ ثَالِثُهَا يَخْتَصُّ السَّعُوطُ
(الْحُقْنَةِ) معلومة، (وَالسَّعُوطِ) بفتح السين.
قال الجوهري: هو الدواء يصب في الأنف.
قوله (وَشِبْهِه) أي وشبه ذلك ولذلك ذكر الضمير، وأراد بالشبه الاكتحال والصب في الأذن.
وحكي في الجميع ثلاثة أقوال وتصورها من كلامه ظاهر.
أما الحقنة ففي المدونة: إن وصل إلى جوفه حتى يكون له غذاء حرم وإلا لم يحرم.
ابن المواز: معناه حتى يكون غذاءً له لو لم يطعم ولم يسق فحينئذ يحرم وإلا فلا.
وأطلق ابن حبيب التحريم بالحقنة.
ابن يونس: وقول ابن القاسم أصح.
وفي الجلاب أن الحقنة لا تحرم وأما السعوط ففي المدونة: يحرم إن وصل إلى جوفه، قال فيها: وكان عطاء الخراساني لا يحرم السعوط ولا الكحل باللبن.
ابن يونس: وأطلق ابن حبيب التحريم به وقول ابن القاسم أصح، لأن الاعتبار في الرضاع ما يقع به الاغتذاء وهو إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه في ظاهر البدن.
وأما لعين فقال ابن حبيب: إن به اكتحل الصبي بكحل فيه لبن، فإن كان دواء ينفذ مثل المر والصبر والعنزروت وشبهه حرم، وإن كان مما يبقى في العين ولا يصل إلى الجوف كالإثمد وشبهه فلا يحرم.
ابن يونس: وسواء عند ابن القاسم كان مما ينفذ أم لا فإنه لا يحرم، لأنه لا يكون منه غذاء وقد دخل من غير مدخل الطعام والشراب فلا يحرم حتى يكون للصبي غذاء كما قال في الحقنة.
ابن رشد.
وعلى هذا يجئ الجواب فيما صب من الأذن.
ابن بشير: وإن استدخل اللبن من الإحليل فهو لا يصل إلى محل الطعام فلا تقع به حرمة، وكذلك إن عمل منه فتائل.
تنبيهات:
الأول: جعل المصنف محل الخلاف إذا وصل من هذه المنافذ، ومفهومه أنه لو لم يصل لم يحرم.
وقد قدمنا أن ابن حبيب قال بالتحريم في الحقنة والسعوط وإن لم يصل على ما ذكره ابن يونس، وكذلك ذكر الباجي واللخمي عنه.
الثاني: مقتضى كلامه أن في المذهب قولاً بأن السعوط لا يحرم مع الوصول وذكره بعضهم.
ابن عبد السلام: وأنكر عبد الوهاب أن يكون في المذهب من يقول إن السعوط لا ينشر الحرمة إذا علم وصوله على الجوف.
الثالث: يشترط على مذهب المدونة في انتشار الحرمة بالحقنة ألا يكون اللبن مغلوباً، لأنه إذا اشترط ذلك فيما يصل من الفم فهنا أولى، قاله عياض وغيره.
الرابع: ما ذكره من القول بالتفصيل هو مقتضى ما في الجلاب لأنه نص على أن السعوط يحرم ونص على أن الحقنة لا تحرم، وإذا لم تحرم الحقنة فالعين ونحوها أولى.
الخامس: قال اللخمي: ومحمل قول ابن القاسم في المدونة من التحريم بالسعوط إن وصل يريد أن صوله مشكوك فيه، فقوله ذلك عبارة عن الوقوف وكأنه إنما تقع الحرمة إذا وصل ولا يدري هل وصل لأنه ليس بكثير فيحس بوصوله، ورده ابن بشير بأنه ليس بشك وإنما أحل الأمر فيه على تحقيق الوصول وعدمه.
السادس: فإن قلت: لم اشترط ابن القاسم هنا في الحقنة أن تكون غذاء ولم يشترط ذلك في الصوم؟ قيل: إن المراعاة في الرضاع ما ينبت اللحم وينشر العظم ولا يشترط هذا في إفطار الصائم، بل ما [417/ب] يصل إلى محل الطعام والشراب.
فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمُدَّةٍ قَريبَةٍ وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ فِصَالِهِ اعْتُبِرَ، وَفِي الْقَرِيبَةِ أَقْوَالٌ- أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ وَشَهْرٌ، وَشَهْرَانِ، وَثَلاثَةٌ
لما قدم أن شرط المرضع أن يكون محتاجاً وأنه لا عبرة برضاع الكبير أخذ يذكر الزمان الذي تنشر الحرمة فيه، وذكر أن الرضاع إما أن يكون بعد الحولين أو فيهما، فإن
كان بعدهما بمدة قريبة وهو مستمر الرضاع أو بعد يومين من فصاله نشر الحرمة لأنه لو أعيد إلى اللبن لكان له غذاء وعشاء وهذا هو المشهور، وروي عن مالك أنه يعتبر الحولان من غير زيادة.
وعلى المشهور فاختلف في حد القرب على خمسة أقوال حكاها اللخمي وغيره، قال في الحاوي: مثل نقصان الشهور وإليه ذهب سحنون.
وقال في المختصر: الأيام اليسيرة.
وقال ابن القصار: يحرم مثل الشهر، قال وليس بالقياس لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:15] يريد أن القياس لا يزاد على الحولين، وروى عنه عبد الملك أنه لا يزاد على الشهر ونحوه، وقال في المدونة: الشهر والشهرين.
وروى عنه الوليد بن مسلم ثلاثة أشهر.
اللخمي: وهو أحسن.
ومحمل الآية في السنتين أنها كافية للمرضع ليس أنه لا منفعة فيما زاد لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام)) وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي، فعلق التحريم بما كان قبل الفطام وقبل أن ينتقل غذاؤه من اللبن، وهذا لم يفطم واللبن قوام جسمه يشبع لوجوده ويجوع لعدمه، ولم يقع القول الأول في كل النسخ ووقع في نسخة ابن راشد وسقط في نسخة ابن عبد السلام.
فَلَوْ كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، فَقَوْلانِ
يعني: إذا فصل في الحولين فإن لم يستغن نشر الحرمة باتفاق، وإن استغنى فإما بمدة قريبة أو بعيدة، فإن كان بمدة بعيدة لم يعتبر وإن كان بمدة قريبة فقولان، المشهور وهو مذهب المدونة أنه لا يحرم، قال في الجواهر: إلا أن يكون زمن الرضاع قريباً من زمن الاستغناء.
والثاني لمطرف وابن الماجشون وأصبغ في الواضحة يحرم إلى تمام الحولين.
وقال بعض الشيوخ: إن كان الرضاع مصة أو مصتين لم يحرم، وإن أعيد إلى الرضاع وأسقط الطعام حرم، ولم يتعرضوا في هذا القسم إلى تحديد القريبة كالقسم الأول، ولعل لأنهما متقاربان.
وَيَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:23] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب)) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
والمحرمات بالنسب سبع: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
فالرضاع كالنسب فأمك كل من أرضعتك أو أرضعت بواسطة أو بغيرهما وأمهاتهما، وبنتك كل من أرضعتها زوجتك بلبنك أو أرضعتها ابنتك من نسب أو رضاع، وأخواتك كل من ولدت من أرضعتك أو ولد لفحلها فإن أتى من أمك وفحلها ولد فهو أخ شقيق من الرضاعة وإن ولد لأمك من غير ذلك الفحل فهو أخ لأمك وإن ولد لأبيك من غير أمك أماً من زوجة أخرى أو سرية فهو أخوك لأبيك، وأخوات الفحل عمات الرضيع وأخوات أم الرضيع خالات له، ولا يخفى عليك بنات الأخ وبنات الأخت.
لكن استنثى العلماء من عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((يحرم الرضاع ما يحرم النسب)) مسائل يحرمن من النسب وقد لا يحرمن بالرضاع:
الأولى: أم أخيك وأم أختك من النسب هي أمك أو زوجة أبيك وكلتاهما حرام، ولو أرضعت أجنبية أخاك لم تحرم.
الثانية: أم نافلتك والنافلة ولد الولد مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، لأنها إما بنتك أو زوجة ابنك وهما محرمان، وفي الرضاع قد لا تكون ابنتك ولا زوجة ابنك بأن ترضع أجنبية نافلتك.
الثالثة: جدة ولدك من النسب إما أمك أو أم زوجتك وهما حرامان، وفي الرضاع قد لا تكون أماً ولا أم زوجة كما إذا أرضعت أجنبية ولدك فهي حلال لك وأمها وإن كانت جدة ولدك إذ ليست بأمك ولا أم زوجتك.
الرابعة: أخت ولدك في النسب حرام لأنها إما بنتك أو ربيبتك ولو أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك فليست ببنت ولا ربيبة.
الخامسة: يجوز للرجل أن يتزوج أم عمه وعمته من الرضاع بخلاف النسب.
السادسة: يجوز للرجل أن يتزوج أم خاله وخالته من الرضاع بخلاف النسب.
فَيُقَدَّرُ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَداً لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ، وَصَاحِبِهِ إِنْ كَانَ- فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَخُوهُ نَسَباً أُخْتَه وَأُمَّهُ مِنَ الرَّضَاعِ ....
يعني: أن الحرمة إنما تنتشر بين الرضيع ومن تقدم خاصة دون أحد من قرابته، وقال (وصاحبه إن كان) لأنه قد تقدم أن البكر إذا درت على صبي ورضعها أن الحرمة تنتشر بذلك.
ابن عبد السلام: وانظر إذا كانت البكر معقودة النكاح ولم يدخل بها زوجها هل تنتشر الحرمة بين [418/أ] الرضيع والزوج؟
خليل: والمذهب في هذا أنه لا يعتبر وسيذكره المصنف في الفرع الذي يلي هذا، ولأجل أن التحريم إنما يعتبر بين الرضيع وأبويه لا في أحد من قرابته جاز لأخيه من النسب أن يتزوج الطفلة التي رضع معها أخوه والأم التي أرضعت أخاه لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع، وكذلك يجوز لصاحب اللبن أن يتزوج أخت ابن من الرضاعة.
واعلم أن أخت الأخ قد لا تحرم من النسب كما لا تحرم من الرضاع، وصورتها أن يكون لك أخ من أب وأخت من أم فيجوز لأخيك من الأب نكاح أختك من الأم.
وَيُعْتَبَرُ صَاحِبُهُ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ
ويعني: أن الحكم فيما بين الرضيع والمرضعة ظاهر، وأما فيما بينه وبين الفحل فإنما يعتبر من حين وطئه.
وقوله (مِنْ حِينِ الْوَطْءِ) يدل على أنه لا يعتبر اللبن فيما بين الفحل وبين الرضيع في الفرع الذي جعله ابن عبد السلام محل نظر وهو مقتضى كلام اللخمي
وابن رشد وابن بشير وابن شاس، وبذبك صرح صاحب النكت، قال: إنما يكون له اللبن إذا دخل وأما قبل بنائه فلا.
وقد صرح ابن راشد بالاتفاق على ذلك فقال: إذا تزوج الرجل امرأة لا لبن لها ثم درت فرضعها طفل فإن لم يكن وطئها قبل رضاعه لم يكن أباً، وإن كان وطئها فهو له ولد، ولو لاعب أو قبل أو باشر أو وطئ ولم ينزل فدرت لم يكن بذلك أباً بلا خلاف.
فَإِنْ كَانَ مِنْ وَطْءٍ يُحَدُّ فِيهِ فَقَوْلانِ
يعني: فإن كان اللبن نشأ عن وطء يحد فيه فهل ينشر الحرمة بين الرضيعة والفحل؟ قولان.
وأما بين الرضيعة والمرضعة فإنه ينشر الحرمة على كل حال، والقولان حكاهما ابن حبيب عن مالك.
ونص ما نقله ابن يونس عنه، قال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو حرام أو زنا تقع به الحرمة من قبل الرجل والمرأة، وكما لا تحل له ابنته من الزنا فكذلك لا تحل له من أرضعتها المزني بها من ذلك الوطء، لأن اللبن لبنه والولد ولده وإن لم يلحق به الولد.
وقد كان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق فيه فلا يحرم لبنه من قبل فحله، ثم رجع إلى أنه يحرم وهو أصح وقاله أئمة من العلماء، وبالتحريم قال سحنون وغيره وهو ظاهر من المذهب، قاله ابن عبد السلام.
قال: وأجرى غير واحد القولين على القولين في المخلوقة من ماء الزاني هل يحل له نكاحها أم لا؟ وهو مناسب لولا أن ابن المواز منع الزاني من نكاح المخلوقة من مائه وكره له نكاح هذه، وإن وقع لم يحكم بفراقها.
قالوا: وأما إن تزوج من لا يحل له نكاحها جاهلاً فلحق به الولد فإنه يحرم الرضاع من جهة الفحل كالنكاح في العدة، وكذلك إن كان عالماً على القول بأنه لا حد عليه.
وَالْمَنْكُوحَةُ إِذَا وُطِئَتْ بِاشْتِبَاهٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مُحْتَمَلٍ فَلَبَنُهَا لِمَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْوَلَدُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُمَا .....
مثاله لو وطئ السيدان الأمة في طهر واحد وألحقته القافة بأحدهما فعلى المشهور إنما تنتشر الحرمة بين الولد وبين من لحق به، وعلى قول محمد تنتشر الحرمة بين الرضيع والواطئين وإن كان الولد إنما يلحق بأحدهما، لأن اللبن ليس هو مبنياً على لحوق الولد بدليل التحريم على ظاهر المذهب في الفرع السابق وإن كان الولد فيه غير لاحق، ومثاله أيضاً في النكاح لو نكحت المعتدة وأتت بولد محتمل لهما.
وَلَبَنُ الدَّارَّةِ لِصَاحِبِهِ إِلا أَنْ يَنْقَطِعَ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَقِيلَ: إِلى أَنْ تَلِدَ وقيل: وَإِلى أَنْ تَحْمِلَ، وَقِيلَ: إِلى أَنْ يَطَأَهَا زَوْجٌ ثَانٍ ....
يعني: أن لبن المرأة منسوب لواطئها عند ابتداء وجود اللبن، ولا إشكال في ذلك إذا لم تزل في عصمته أو رقه، وإن فارق الزوجة وتزوجت غيره فأربعة أقوال: الأول أنه محكوم به للأول إلى أن ينقطع، وهو مذهب المدونة لقوله: وإذا تزوجت المرضع المطلقة فحملت ثم أرضعت صبياً فإنه لبن للزوج الأول.
والثاني إن كان لبن الأول لم ينقطع لكن لم يقل فيها ولو بعد سنين كثيرة كالمصنف، ولم أر ذلك مصرحاً في الروايات لكن هو ظاهر المدونة والموازية، وتبع المصنف ابن شاس فإنه قال: ولو بعد عشر سنين.
والقول بأنه ينقطع بالولادة في مختصر الوقار، ورواه ابن نافع، وحكى ابن المنذر أن عليه إجماع العلماء، والقول بأنه ينقطع بالحمل ذكره ابن بشير وابن شاس ولم يعزواه، والقول بأنه ينقطع بوطء الثاني لابن وهب، ولسحنون خامس: أن اللبن محكوم به للأول إلى أن تمضي خمسة أعوام أقصى مدة الحمل من فراق الأول، أما لو انقطع اللبن لسقط حكم الأول.
اللخمي: إلا أن ينقطع ثم يعود فيكون الحكم فيه للثاني إن عاود الإصابة.
قال: وإن أصاب الرجل زوجته وهي ذات لبن من غيره ثم أمسك عنها أو غاب وطالت غيبته أو مات وعاد اللبن إلى ما كان عليه سقط حكم الوطء.
وَحَيْثُ لَمْ يُحْكَمْ بِانْقِطَاعِهِ فَالْوَلَدُ لَهُمَا لأَنَّ الْوَطْءَ يُدِرَّ اللَّبَنَ
يعني: إذا لم يحكم بانقطاعه فالولد محكوم له بأنه ابن للأول والثاني من الرضاع، لأن هذا اللبن لهما، إذ أصله من الأول وتكثيره من الثاني، لأن وطئه يدر اللبن.
وَالْغَيْلَةُ: وَطْءُ الْمُرضِعِ، وَقِيلَ: إِرْضَاعُ الْحَامِلِ
الأكثر على [418/ب] ضبط هذه اللفظة بكسر الغين.
عياض: ولا تفتح إلا مع حذف الهاء وأصله من الضرر، وقيل: من الزيادة.
وقيدها بعض شيوخنا بفتح الغين في غير المدونة وكذلك عبد الحق في المدونة، والقول الأول هو مذهب الموطأ والمدونة وهو قول الأصمعي.
وقوله: (وَطْءُ الْمُرضِعِ) ابن حبيب: وإن لم ينزل.
وقال أبو عمران: إنما الغيلة الوطء مع الإنزال، والقول الثاني ذكره في المدونة أيضاً وهو قول الأخفش، والأول هو الظاهر، لأن المشاهدة تدل على أن إرضاع الحامل مضر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نفى عن الغيلة الضرر.
ففي الموطأ وغيره أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لقد هممت أن أنهى الناس عن الغيلة حتى ذكرت أن فارساً والروم يصنعون ذلك، فلا يضر ذلك أولادهم)).
وَمَنْ أَرْضَعَتْ طِفْلاً كَانَ زَوْجَهَا حَرُمَتْ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ، لأَنَّهَا زَوْجَةُ ابْنِهِ
هذا الفرع وقع لابن القاسم في العتبية، ومعناه إذا عقد أبو الرضيع له على امرأة ثم خالع له وتزوجت غيره وحدث لها لبن فأرضعت به الطفل الذي كان زوجها، فصار هذا الطفل ولداً لها ولزوجها الثاني فتحرم على زوجها، لأنها حليلة ابنه، إذ لا يشترط في
حليلة الابن دوام الوصف بدليل أن الابن لو تزوج امرأة فمات عنها أو طلقها لم يجز لأبيه أن يتزوجها، لأنها من حلائل أبنائه.
وَمَنْ أَبَانَ صَغِيَرًة حَرُمَتْ عَلَيْهِ مَنْ تُرْضِعُها، لأَنَّها أُمُّ زَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ بِنْتُ زَوْجُتِهِ وَلا يُنْظَرُ للتَّارِيخِ فِي مِثْلِهِ ....
يعني: إذا تزوج رضيعة ثم طلقها فأرضعتها امرأة حرمت عليه تلك المرأة، لأنها أم زوجته، ولو أبان امرأة لها لبن فأرضعت صبية حرمت عليه تلك الصبية، لأنها بنت زوجته، وهذا معنى قوله: (وَعَكْسُهُ .... إلخ).
ابن راشد قال: ولا ينظر إلى التاريخ في مثله ليعم هذا الفرع والفرعين قبله وما في معناهما أنه لا ينظر إلى أن تكون المرضعة في حالة الرضاع زوجته، بل ولو بانت.
وَمَنْ تَزَوَّجَ رضيعتين أَوْ أَكْثَرَ فَأَرْضَعَتْهُمُ امْرَأَةٌ اخْتَارَ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتِ الأَخِيرَةَ
اختار واحدة لأنهما صارتا أختين.
قال في المدونة: ولا يفسد نكاحها كما يفسد عند من تزوج الأختين في عقد واحد لفساد العقد فيهما وصحته في هاتين، وهذا هو المشهور.
وقال ابن بكير: لا يجوز أن يختار واحدة، ورأى ذلك بمنزلة من تزوج الأختين في عقدة واحدة.
تنبيه:
لمرضعة الصغيرتين ثلاث صور: الأولى: أن تكون المرضعة أجنبية وحكمها ما تقدم.
الثانية: أن تكون أماً للزوج أو أختاً أو نحو ذلك فلا يجوز له أن يتمسك بواحدة منهما بالاتفاق لصيرورتهن أخوات أو بنات أخوات.
الثالثة: أن تكون المرضعة أيضاً زوجة له وإليها أشار بقوله:
فَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا حَرُمَتْ مَعَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَنَى حَرُمَ الْجَمِيعُ ....
حرمت الكبيرة للأبد بالعقد على ابنتها.
وقوله: (مَعَ ذَلِكَ) أي مع تحريم إحدى الرضيعتين وإن بنى بالكبيرة حرم الجميع، أما الكبيرة فللعقد على بناتها، وأما الصغيرتان فلأنهما بنتان لزوجة مدخولاً بها.
وَتُؤَدَّبُ الْمُتَعَمِّدَةُ للِإفْسَادِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهَا
نحوه في المدونة، يعني أن الكبيرة التي أرضعتهن سواء كانت زوجة أو أجنبية إن لم تكن معتمدة للرضاع فلا أدب عليها، وإن كانت متعمدة أدبت لإفسادها عصمة أو أكثر على الزوج.
ابن عبد السلام: وهذا بين إن كانت عالمة بالحكم وفي الجاهلة نظر.
قوله: (وَلا غُرْمَ عَلَيْهَا) لأن الزوج لا غرم عليه وهذا على المشهور، أما على قول ابن حبيب ومحمد فلا.
وقد تقدم الكلام على ذلك كله عندما تكلم المصنف على هذه المسألة في فصل إسلام المجوسي، وتقدم أيضاً عن ابن القابسي أن الفسخ على قول ابن القاسم فسخ بغير طلاق.
وَإِذَا اتَّفَقَ الَّزْوَجانِ عَلَى الرَّضَاعِ فُسِخَ وَلا صَدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْمُسَمَّى بَعْدَهُ
يعني: إذا تزوج امرأة ثم اتفق هو وإياها على أنها أخته من الرضاع، فإن كان ذلك قبل بنائه بها فسخ ولم يكن لها شيء كسائر الفسوخات، وإن كان بعد البناء فسخ أيضاً وكان لها المسمى لها بما استحل من فرجها.
والذي نص عليه ابن الكاتب وغير واحد أنه إنما لها بعد البناء ربع دينار كالتي غرت من نفسها وتزوجت في العدة ورجع عليها بالصداق إلا بالربع، زاد عبد الحق إلا أن
تعذر بسبب ما مما يسقط كونها غارة فلا يرجع عليها بشيء.
وقال اللخمي: أو يكون الزوج عالماً فيكون لها الصداق إذا وقع الدخول.
وحمل ابن عبد السلام قول المصنف: (ولَهَا وَالْمُسَمَّى بَعْدَهُ) على ما إذا لم تكن عالمة، قالوا: أما إن كانت عالمة حين العقد فيسقط جميع المسمى إلا ربع دينار إن لم يكن الزوج حين العقد والدخول عالماً وكانت كالغارة، قالوا: ولها ربع دينار، وعلى هذا فيحمل كلام ابن الكاتب وغيره على ما إذا كانت عالمة حين العقد، وكلام المصنف على ما إذا لم تكن عالمة.
وَإِنِ ادَّعَاهُ فَأَنْكَرَتْ أَخَذَ بِإِقْرَارِه، وَلَهَا نِصْفُهُ
(أَخَذَ بِإِقْرَارِه) أي يفرق بينهما لإقراره بذلك كالطلاق، فلذلك كان لها نصفه إن كان إقراره بذلك قبل البناء، وجميعه إن كان ذلك بعده.
فَإِنِ ادَّعَتْ فَأَنْكَرَهُ لَمْ يَنْدَفِعْ وَلا تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ
يعني: وإن ادعت المرأة أنهما أخوان من الرضاع وأنكر ذلك الزوج [419/أ] لم يسمع منها ذلك، لأنه تتهم على فسخ النكاح فلا يفسخ، وهو معنى قوله: (لَمْ يَنْدَفِعْ وَلا تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ الْمَهْرِ) ولا شيء منه قبل البناء لإقرارها بفساد العقد.
فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ حُكِمَ عَلَيْهِمَا
هكذا في المدونة.
ولا فرق بين أن يدعي ذلك أحد الزوجين أو لا يدعيه، وقامت البينة على وجه الاحتساب، ولا إشكال إن قامت البينة على إقرار الرجل لأن إقراره بعد العقد كافٍ في وجوب التفرقة، فأحرى هنا، ولهذا سقط الصادق عنه هنا مع قيام البينة بخلاف ما لو تقم، وأما إن قامت على إقراره المرأة فيجب قبول قولها، لأن المانع من قبوله مفقودة وهو تهمتها على فسخ النكاح.
وَإِقْرَارُ الأَبَوَيْنِ قَبْلَ النِّكَاحِ كَإِقْرَارِهِمَا، وَلا يُقْبَلُ بَعْدَهُ
يعني: أن إقرار مجموع أبوي الزوجين كإقرار الزوجين، وسيتكلم على ما إذا أقر أحد الأبوين.
وقوله: (كَإِقْرَارِهِمَا)، أي ويفسخ النكاح.
ابن حبيب: وعلى هذا اجتمع مالك وأصحابه، فأما بعد الدخول فلا يقبل إلا أنه يتنزه عنها.
وَيَثْبُتُ الرَّضَاعُ بشاهدين أو بامرأتين إِنْ كَانَ فَاشِياً مِنْ قَوْلِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَإِلا لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
يعني: ويثبت الرضاع بشاهدين ولا خلاف في ذلك، وبامرأتين، لأن هذا من الأمور التي لا يطلع عليها غالباً إلا النساء.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أنه متفق على ذلك.
وقد صرح بذلك غير واحد.
ونقل بعضهم عن ابن الجهم أنه لا يقبل في ذلك إلا أربع نسوة.
وقوله: (إِنْ كَانَ فَاشِياً مِنْ قَوْلِهِمَا) عائد على المرأتين فقط، وأما الرجلان فلا يشترط فيهما ذلك.
قوله: (وَإِلا) أي وإن لم يكن فاشياً لم يقبل قولهما على المشهور.
والمشهور مذهب المدونة، والشاذ لمطرف وابن وهب وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ.
اللخمي: وهو أبين.
وقد يكون سكوتهما، لأنه لم يحتج إلى شهادتهما، فلو توجه الأداء عليهما لشهدتا إلا أن ينعقد النكاح بحضرتهما ولم ينكرا.
وقال غيره: الأول أصح، لأن من شأن النساء التحدث بمثل ذلك، فإن لم يسمع ذلك منهما إلا بعد العقد كان ذلك تهمة توجب رد شهادتهما.