وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ) أي: الفاعل ما ينسك به أو يطعم (افْتَدَى الْمُحْرِمُ) وهل ذلك مندوب أو واجب؟ قولان: ابن المواز: وإن كان الفاعل عديماً ولم يقدر عليه، فليفتد هذا المحرم عن نفسه، وظاهره الوجوب.
ابن يونس: وهذا على رأيه فيمن أكره زوجته وهو محرم أن عليها أن تحج قابلاً وتهدي وتتبعه بالأقل من ثمن الطعام أو النسك.
ولابن القاسم في العتبية أن الزوج إذا كان عديماً وهي مليئة ليس عليها حج، فعلى هذه الرواية ليس على النائم المطيب إذا كان الفاعل عديماً فدية؛ لأن الفدية إنما تعلقت بغيره وهذا أبين.
انتهى.
ونحوه لعبد الحق.
وزاد أن الصواب لا شيء عليه.
وقوله: (مَا لَمْ يَفْتَدِ بِصِيَامٍ) أي: إذا قلنا أن الملقي عليه يفتدي فإنه يتبعه بالأقل من الطعام والنسك، إلا أن يفتدي بصيام فلا رجوع له على الملقي، إذ لا ثمن له.
فرع:
فإن كان الذي طيب النائم محرماً، فقال ابن القاسم: تجب على الفاعل فديتان: فدية لمسه، وفدية [202/ب] التطيب للنائم.
وقال ابن أبي زيد: ليس عليه إلا فدية واحدة كما لو طيب نفسه.
ابن يونس وغيره: والأول أصوب.
وَيَحْرُمُ تَرْجِيلُ الرَّاسِ وَاللِّحْيَةِ بِالدُّهْنِ بَعْدَ الإحرام لا قَبْلَهُ بِخِلافِ أَكْلِهِ، وَالأَصْلَعُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ ...
الترجيل هو التسريح بالدهن، وإنما حُرِّم لما فيه من الزينة.
وقوله: (بِالدُّهْنِ) أي: وإن لم يكن مطيباً.
وإنما جاز قبل الإحرام؛ لأن أثره لا يبقى بعده، أو لا يبقى منه إلا اليسير، بخلاف أكله فإنه جائز.
(وَالأَصْلَعُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ) أي: في منع دهن الرأس إلحاقاً له بالغالب.
فَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ لِعِلَّةٍ بِغَيْرِ طِيبٍ فَلا فِدْيَةَ، وَإِلا فَالْفِدْيَةُ
لعلة من شقوق ونحوها فلا فدية لعموم الحرج.
والمراد باليدين باطن الكفين، وأما ظاهرهما فليفتد، نقله ابن حبيب عن مالك.
قوله: (وَإِلا) يدخل فيه ثلاث صور؛ أن يدهنهما لا لعلة، أو لعلة وفيه طيب، أو يدهن غيرهما.
وما ذكره المصنف قريب مما في التهذيب قال فيه: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علة أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا لعلة افتدى.
واقتصرها ابن أبي زمنين على الوجوب مطلقاً فقال: ليحسنهما أو من علة افتدى.
ونقل صاحب النوادر والباجي عن ابن حبيب عدم الفدية في دهن الجسد بغير الطيب مطلقاً.
ابن عبد الحكم: وإن قطر في أذنيه بدهن غير مطيب لوجع به فلا بأس، وكذلك لو جعله في فيه.
وَفِي إِزَالَةِ الْوَسَخِ الْفِدْيَةُ، وَفِي مُجَرَّدِ الْحَمَّامِ قَوْلان
لا خلاف في المذهب في وجوب الفدية بإزالة الوسخ قاله ابن عبد السلام.
وحكى اللخمي في وجوب الفدية بالغسل في الحمام ثلاث روايات:
الأولى: الوجوب، ورجحها هو وغيره؛ لأن صب الماء فيه على الجسد مظنة إزالة الوسخ.
والثانية: أنها إنما تجب إن تدلك.
والثالثة: إنما تجب مع التدلك وإزالة الوسخ هذا هو معنى كلامه.
والثالثة هي ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: وأكره للمحرم دخول الحمام؛ لأنه ينقي الوسخ، وإن دخله افتدى إذا تدلك وأنقى الوسخ.
ابن عبد السلام: وألحق بعضهم بالتدلك صب الماء فيه بعد العرق، ونقل سند عن ابن حبيب جواز دخوله للتدفي.
وَفِي غَسْلِ رَاسِهِ بِسِدْرٍ أَوْ خَطْمِيٍّ الْفِدْيَةُ بِخِلافِ غَسْلِ يَدَيْهِ بِالحَرْضِ وَنَحْوِهِ
تصوره ظاهر.
والخطمي هو: بزر الخبيز.
والحرض: الأشنان.
وَفِي الْكُحْلِ الْمُطَيَّبِ الْفِدْيَةُ عَلَى الأَشْهَرِ، وَغَيْرِ الْمُطَيَّبِ إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ مِنْ حَرٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلا فِدْيَةَ، وَإِنْ كَانَ لِزِينَةٍ فَالْفِدْيَةُ، وَقِيلَ: إِلا فِي الرَّجُلِ ....
أي: الكحل المطيب فيه قولان، والأشهر وجوب الفدية، ولم أر مقابله.
وغير المطيب على وجهين إن كان لضرورة من (حريقة) أو برد فلا شيء فيه، وإن لم يكن لضرورة فالمرأة عليها الفدية، وفي الرجل قولان المشهور وجوبها.
وقال عبد الملك: لا تجب عليه؛ لأنه لاحظ له في الزينة، نقله ابن الجلاب.
وحكى ابن راشد الاتفاق على الوجوب في المرأة.
التلمساني: واتفق العلماء على منع المرأة من الكحل إذا كان بغير ضرورة؛ لأن ذلك زينة لها.
وحكى عبد الوهاب وابن بشير قولا بسقوط الفدية عنها وأنه مكروه.
وَلهَا لُبْسُ الْحُلِيِّ وَالْخَزِّ وَالْحَرِيرِ
لأن حكم المرأة بعد الإحرام كحكمها قبله؛ أعني في اللباس، إلا في ستر وجهها وكفيها، وظاهر كلام القاضي أنها ممنوعن من التزين بالحلي.
ابن عبد السلام: ولكنه شيء انفرد بنقله.
انتهى.
ونقل سند اختلافا بين أصحابنا في تحريم الزينة كالكحل والحلي للنساء.
وَيَحْرُمُ الْحَلْقُ وَالْقَلْمُ وَإِبَانَةُ الشَّعَرِ مُطْلَقاً بِخِلافِ الْحِجَامَةِ، وَإِنْ كُرِهَتْ إِلا لِضَرُورَةٍ
(الْحَلْقُ) أي: من أي موضع كان.
وذكر الحلق وإن كانت الإبانة تعمه؛ لأنه محل النص، وهو قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (.
وقوله: (وَالْقَلْمُ) أي: وتقليم الأظافر، فإن قلم أظفار يديه أو رجليه ابن القاسم: أو ظفر يد واحدة أو ظفرين من يد من غير كسر.
قال أشهب: أو قص من كل يد واحدا
فعليه الفدية.
وفي الظفر الواحد تفصيل سيأتي.
وما ذكره من كراهة الحجامة إلا لضرورة هو المشهور.
وقال سحنون: هي جائزة إذا لم يزل بسببها شعرة في الرأس خيفة قتل الدواب.
قال في الكتاب: وإن اضطر محرم إلى الحجامة جاز لمحرم آخر أن يحجمه، ويحلق موضع الحجامة إذا أيقن أنه لا يقتل دواباً.
أبو إبراهيم: قف على حلق القفا لحجامة أو غيرها.
وكره ذلك مالك في جامع العتيبة، ولم يره حراما.
وقد نبه الباجي في المنتقى على إجازة ذلك من غير كراهة من هذا الموضع في جامع الموطأ.
وحكى ابن بشير إذا حلق للحجامة قولين في الفدية:
أحدهما: وجوب الفدية للحلق.
والثاني: نفي الوجوب لجواز الحجامة.
قال: وهل تجب لحلق الرأس أو شيء منه الفدية أو إطعام طعام؟! أما إن انتفع بإزالة الشعث فالفدية واجبة، وأما إن لم ينتفع بذلك فقولان: أحدهما وجوب الفدية.
والثاني: وجوب إطعام شيء من الطعام.
وهذا مراعاة لقتل الهوام التي تكون في الشعر.
انتهى.
وما نقله من سقوط الفدية غريب.
قال في الموطأ: ولا بأس أن يبط المحرم خراجه ويفقأ دمله، ويقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك.
وَأَمَّا التَّسَاقُطُ بِالتَّخْلِيلِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَوْ بِالرِّكَابِ، أَوْ بأُصْبُعِهِ فِي أَنْفِهِ فَلا فِدْيَةَ ....
تصورة ظاهر.
قال في المدونة: وهذا خفيف، ولا بد للناس منه.
وفي الموازية: لو سقط شيء من شعر رأسه بحمل متاعه فلا شيء عليه، وكذلك إن جر يده على لحيته، فتسقط منه الشعرة والشعرتان.
ابن القاسم: ولو اغتسل فتساقط من ذلك شعر كثير فلا شيء عليه وإن كان تبردا، وإن قتل بذلك قملا برأسه، فلا شيء عليه في [203/أ] الجنابة، وعليه الفدية في التبرد.
أصبغ: وهذا فيما له بال من الدواب.
وأما في مثل الواحدة فليطعم ثمرات أو حفنات من سويق أو كسرات.
قال في المختصر: ومن شأنه قرض
أظفاره أو لحيته بأسنانه فعليه فدية واحدة، وكذلك قال في العتبية.
ابن القاسم: يريد مالك في ظني وإن كان مرارا.
وَلا يَغْمِسُ رَاسَهُ فِي الْمَاءِ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ
قال في المدونة: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، وإن فعل أطعم شيئا من طعام.
وأكره للصائم الحلال غمس رأسه في الماء، فإن فعل لم يقض إلا أن يدخل الماء حلقه.
انتهى.
وأجازه ابن وهب وأشهب وعليه أكثر العلماء.
أشهب: وما يخاف في الغمس يخاف في صب الماء، وكان ابن وهب وأشهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان؛ إرادة مخالفة ابن القاسم.
ونقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ربما قال لي عمر ونحن محرومون: تعال نتغاطس لننظر أينا أطول نفسا.
قال في الجلاب: ويجوز له أن يغسل رأسه تبردا.
وحكى عن مالك كراهة الغسل إلا من ضرورة.
فرع:
كره مالك في العتبية لمن اغتسل أن يجفف رأسه بثوب، قال: ولكن يحركه بيده.
قال في البيان: وإنما كره ذلك مخافة أن يجففه بشدة فيقتل بذلك دواب جسده، ولو جففه برفق لا يخشى معه القتل لم يكره.
وَجَائِزٌ أَنْ يُبْدِلَ ثَوْبَهُ أَوْ يَبِيعَهُ بِخِلافِ غَسْلِهِ خِيفَةَ قَتْلِ دَوَابِِّهِ إِلا فِي جَنَابَةٍ فَيَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ ....
قوله: (وَجَائِزٌ أَنْ يُبْدِلَ ثَوْبَهُ أَوْ يَبِيعَهُ) مثله في المدونة، قال مالك وابن القاسم: لا بأس أن يبيع ثيابه لقمل أذاه فيها أو غيره.
وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرض القمل للقتل.
قال في البيان: أجاز مالك ذلك.
كما يجوز له أن يتركه ويلبس غيره.
ورأى سحنون أنه إذا باعه فقد عرض القمل للقتل كما لو طرد صيدا من الحرم إلى الحل.
وليس
هو مثله؛ لأن الصيد أخرج إلى غير مأمن.
والقمل يجوز قتله قبل البيع وبعده لغير المحرم.
مالك: ولا بأس أن ينقل القملة من ثوبه أو بدنه إلى مكانها.
ابن الحاج: وسئل مالك عن المحرم يجد عليه البقة وما أشبهها فيأخذها فتموت.
قال: لا شيء عليه في هذا.
وقوله: (بِخِلافِ غَسْلِهِ خِيفَةَ قَتْلِ دَوَابِِّهِ) أي: فيكره.
كذا في الموازية، لا كما يعطيه ظاهر لفظه أنه ممنوع.
وفي معنى الجنابة سائر النجاسات.
قال في المدونة: ولا يغسل ثوبه بالحرض خشية قتل الدواب.
ابن يونس: زاد في رواية الدباغ عن مالك: وإن فعل افتدى.
وقال ابن القاسم: يتصدق بشيء لموضع الدواب.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يغسله للوسخ، ونحوه في مناسك ابن الحاج.
والذي في الموازية جوازه.
ابن الحاج: ولا يجوز له أن يغسل ثوب غيره من محل أو محرم؛ لأنه لا ضرورة تدعوه لذلك كما في ثوبه.
وقوله: (بِالْمَاءِ وَحْدَهُ) قال في الموازية: وإن مات فيه بعض الدواب فلا شيء عليه.
وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَا يُتَرَفَّهُ بِهِ وَيَزُولُ بِهِ أَذىً؛ كَالْعَانَةِ، وَمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ وَالأنْفِ ....
أي: تجب الفدية بكل ما يجمع الترفه ويزيل الأذى، وتصوره ظاهر.
أَمَّا لَوْ نَتَفَ شَعَرَةً أَوْ شَعَرَاتٍ أَوْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ قَمَلاتٍ أَطْعَمَ حِفْنَةً بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَحهَا بِخِلافِ الْبُرْغُوثِ وَالْقُرَادِ وَنَحْوِهِ ...
أتى بقملات وشعرات بجمع المؤنث السالم ليدل على القلة؛ لأنه للشعرة فأقل.
وما ذكره المصنف قريب مما في المدونة.
وظاهر ما حكاه في النوادر خلافه، قال: ومن الموازية من نتف شعرا من أنفه، أو حلق من رأسه لضرورة أو لموضع المحاجم ناسياً أو جاهلا-
افتدى، وكل ما كان لإماطة أذى– وإن قل– ففيه الفدية، وما كان لغير إماطة أذى ولا لمنفعة– جاهلاً أو ناسياً– فعليه للشعرة أو الشعرات قبضة من طعام.
انتهى.
ويمكن حمل ما في المدونة على ما إذا نتف الشعرة والشعرات لغير إماطة الأذى، فيتفق ما فيها وما في الموازية.
واختلف إذا قتل الكثير من القمل، فقال مالك: عليه الفدية.
قال في البيان: ما ورءاه من إماطة الأذى.
وقال ابن القاسم: يطعم كسرة.
ولأجل أنه ممنوع من قتل الدواب قال مالك: لا يشد في حك ما خفي من جسده، وله ذلك فيما يراه، وإن أدمى جلده.
قوله: (حِفْنَةً) كذا في المدونة.
وفي الموازية: قبضة، وهي الحفنة، (بِخِلافِ الْبُرْغُوثِ) أي فله طرحه، وكذلك القراد ونحوه؛ لأنه يعيش بالأرض.
التلمساني: واختلف في البراغيث، فقال في الموازية: لا بأس بقتلها.
وذكر ابن الحارث عن مالك أنه يطعم عنها إذا قتلها.
تنبيه:
إذا ثبت منع قتل القمل فهل ذلك من باب إلقاء التفث أو من باب قتل الصيد؟
الباجي: ولم أر فيه نصا.
قال: وعندي يحتمل الوجهين: فيشبه الصيد؛ لأنه يحرم قتل القملة توجد بالأرض، ويشبه من جهة أنه لا يجوز إلقاؤها عن الجسد إلقاء التفث؛ إذ الصيد يجوز له إلقاؤه عن نفسه، وثبت له الشبهان، ويحتمل أن يمنع من الطرح لما فيه من تعريضه للقتل، فكان كمن أزال فرخ صيد من موضعه.
ثم إن قلنا: هو من باب الصيد تعلقت الفدية بقليله كما تتعلق بكثيره، وأن قلنا: إنه من باب إلقاء التفث تعلقت بكثيره دون قليله كالشعر انتهى المعنى.
خليل: وقوله: إن قلنا إنه من باب الصيد تعلقت الفدية بقليله مشكل؛ لأنه لا نعلم في المذهب في قتل [203/ب] قملة أو قملات قولاً بوجوب الفدية أصلاً.
وقد قال مالك: لا بأس أن يفلي الحلال في الحرم، وكذلك قال ابن راشد: ظاهر المذهب أن قتل القمل ليس من باب الصيد.
وَفِي تَقْرِيدِ بَعِيرِهِ يُطْعِمُ عَلَى الْمَشْهُورِ، بِخِلافِ الْعَلَقِ وَنَحْوِهِ
تقريد البعير: هو إزالة القراد عنه وظاهر كلام المصنف أن القولين في مجرد التقريد.
ابن عبد السلام: والذي حكاه غيره أن القولين إنما هما إذا قتل القراد.
قوله: (بِخِلافِ الْعَلَقِ) أي: وسائر الحيوان إلا القراد والحلم ونحوه مما هو من دواب جسده.
الباجي: وكذلك للإنسان أن يطرح عن جسده القراد والنمل ونحوهما مما ليس من دواب جسده.
الباجي: ولا يقتل شيئا من ذلك، فإن قتله فقد قال مالك: يطعم، وقال مرة: أحب إلي أن يطعم.
وإن ابتدأ الإنسان شيء بالضرر فقتله فقد قال مالك: في محرم لذغته ذرة فقتلها وهو لا يشعر أرى أن يطعم شيئا وكذلك النملة.
انتهى.
وَلَمْ يُحِدَّ مَالِكً فِيمَا دُونَ إِمَاطَةِ الأَذَى أَكْثَرَ مِنْ حِفْنَةٍ
تصوره ظاهر.
فرع:
كره مالك في العتبية للمرأة المحرمة النظر في المرآة خيفة أن يدعوها النظر فيها إلى إزالة شعث، قال: وليس من شأن المحرم تسوية الشعر، فإن فعل فلا شيء عليه، وليستغفر الله، وإن نظر فيها لوجع فلا بأس.
وكره مالك في العتبية إنشاد الشعر إلا ما خف.
وأجاز ذلك ابن حبيب، ما لم يكن فيه خنا، أو ذكر النساء.
وَلَوْ قَلَّمَ ظُفْراً وَاحِداً لإِمَاطَةِ الأَذَى افْتَدَى، وَإِلا فَحِفْنَةٌ، أَمَّا لَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَلَّمَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
يعني: أن لتقليم المحرم الظفر الواحد ثلاثة أحوال: إن قلمه لإزالة شعث، بإن استبشع طوله فعليه الفدية كاملة وهذا هو المشهور.
وفي الجلاب: يطعم مسكينا.
وعن أشهب: يطعم شيئا.
وإن انكسر فقلمه لذلك لم يكن عليه شيء.
التونسي: وعلى هذا لو انكسر له ظفران أو ثلاثة فقلمهما لذلك ما كان عليه شيء قال: ولم يجعله إماطة أذى بإزالة المكسور كما قال إذا نتف شعرة من عينه أن ذلك إماطة أذى، وإن لم يكن لأحد الأمرين، وإليه أشار بقوله: (وإلا فحفنة) من طعام.
فرع:
إن قلم أظفاره لأجل أن بأصابعه قروح لا يقدر على مداواتها إلا بتقليم أظفاره، فإن ذلك جائز، وعليه الفدية، قاله مالك.
وَلَوْ فَعَلَ الْحَلالَ بِالحَرَامِ مَا يُوجِبُ الفِدْيَة بِإِذْنِهِ فَعَلَى الْحَرَامِ، وَمَكْرُهَاً أَوْ نَائِمَاً فَعَلَى الْحَلالِ ....
اعلم أن الأقسام أربعة، تكلم المصنف على ثلاثة وترك الرابع لوضوحه وهو فعل الحلال بالحلال.
الأول من الثلاثة: إذا فعل الحلال بالحرام ما يوجب الفدية بإذنه أي: بإذن المحرم.
ابن عبد السلام: وفي معناه عندي أن لا يأمره ويبتدئ ذلك الحلال من نفسه فيتركه الحرام اختيارا.
مثال ذلك ما لو حلق رأسه، أو قلم أظفاره أو طيبه.
وقوله: (وَمَكْرُهَاً أَوْ نَائِمَاً فَعَلَى الْحَلالِ) أما المكره فواضح، وأما النائم فمراده إذا لم يتراخ النائم في الإزالة بعد الاستبقاظ، وأما لو تراخى لزمت النائم كما تقدم.
وَلَو حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَاسَ حَلالٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَفْتَدِي، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حِفْنَةٌ؛ لِمَكَانِ الدَّوَابِّ، وَلَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
هذا هو القسم الثاني، وهو عكس الذي قبله.
وحمل البغداديون قول مالك على ظاهره.
ابن عبد السلام: وحمله التونسي على الحفنة، فيكون وفاقا لقول ابن القاسم.
انتهى.
خليل: والذي في العتبية حمل كلام مالك على ظاهره، وتردد ابن يونس في حمل كلام مالك على الخلاف أو الوفاق، وحمله الباجي واللخمي على الخلاف.
ولفظ اللخمي: فإن لم
يكن برأس الحلال قمل فلا شيء عليه، وإن كان يسيرا أطعم شيئا من طعام، وإن كان كثيراً فقال مالك: يفتدي.
وقال ابن القاسم: يتصدق بشيء من طعام.
واختلف في تعليل الفدية، فقال بعض البغداديين: هي للحلاق.
وقال عبد الحق: هي للدواب.
سند: وهو الأظهر، وإلى الأول ذهب صاحب البيان، قال: ووجه حمل قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ (على عمومه في رأسه ورأس غيره.
وتأول أيضاً ما وقع في العتبية: أن رجلا أعطى جارة له إزاراً له تفليه من القمل وهو محرم، وجرايته محرمة –أن عليه الفدية؛ على أن ذلك لأجل أنه أماط بذلك عن نفسه أذى، لا من ناحية قتل الدواب.
قال: وقد قال يحيى عن ابن القاسم: إنما قال ذلك مالك احتياطاً، ولو أطعم شيئاً من طعام أجزأه.
انتهى.
وقال التونسي: نص مالك في القمل إذا كثر أن فيه فدية الأذى وإن قتله في رأس حلال، وهو مشكل؛ لأنه لم يمط عن نفسه أذى ولا عن محرم، وإنما أماطه عن حلال، وهو لو أماط الأذى عن حلال لم يلزمه شيء، كما لو قلم أظفار حلال أو حلق شعره في موضع يتيقن أنه لا دواب فيه.
قال: فصارت الفدية لقتل الدواب خاصة.
وقد كان يجب ألا يكون في ذلك فدية، وإنما في ذلك جزاء ما قتل، ويحتاج حينئذ إلى حكومة، كما يحكم في الجراد والذر والنمل؛ لأنه لا بد في ذلك من حكومة.
فما الفرق بين القمل إذا لم يمط به أذى عن نفسه وبين الذر والجراد؟ انتهى.
قوله: (وَلَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ) ظاهر، وهو يرجح من تأول أن الفدية للقمل لا للحلق، إذ لو كانت للحلق لوجبت هنا للقلم.
وَلَوْ حَجَمَ مُحْرِمٌ مُحْرِماً فَحَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْجُومِ، وَعَلَى الْحَالِقِ حِفْنَةٌ؛ لِمَكَانِ الدَّوَابِّ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَلا دَوَابَّ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
هذا هو القسم الثالث، وتصوره [204/ أ] ظاهر.
وَلَو لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ فِي فَوْرِ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ تُجْزِئهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ تَرَاخَتْ لَتَعَدَّدَتْ كَمَا لَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ الْيُمْنَى الْيَوْمَ وَالْيُسْرَى غَداً ....
يعني: إذا تعددت موجبات الفدية في فور فالمذهب أنها تجزئ فدية واحدة كسجود السهو، وكما لو بال وغاط ولمس.
وقال اللخمي: إن كانت نيته أولا فعل جميعها فعليه فدية واحدة، وإن كانت نيته أحدها ثم حدثت نية أخرى بعد أن فعل– فمذهب المدونة أن عليه فدية واحدة، ويتخرج فيها قول بالتعدد مما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
وهذا والله أعلم مراده بمقابل المشهور، ولهذا كان الأولى أن يقول: على المنصوص.
ابن عبد السلام: ويمكن أن يخرج فيها الخلاف مما قاله ابن الماجشون وابن المواز فيمن لبس مئزرا فوق مئزر أن عليه فديتين، ولا إشكال في تعددها مع التراخي.
وَلَوْ تَدَاوىَ لِقُرْحَةٍ بِمُطَيِّبٍ مِرَاراً فَكَذَلِكَ إِلا أَنْ يَنْوِيَ التَّكْرَارَ فَفِدْيَةٌ وَإِنْ تَرَاخَى يَتَعَدَدَ
قوله: (فَكَذَلِكَ) أي: فتتعدد، إلا أن ينوي التكرار.
وتقرر لنا من هنا أن موجبات الفدية إن تعددت في فور فليس فيها إلا فدية واحدة.
وكذلك إذا لم تكن في فور ولكن نوى بها التكرار.
وإنما يلزم تعددها إذا لم تكن في وقت واحد ولم ينو التكرار.
وَلَوْ لَبِسَ لُبْسَاتٍ فَكَذَلِكَ
فإن كان في وقت واحد ففدية واحدة، وإن تراخى تعددت، إلا أن ينوي التكرار.
وَلَوْ قَدَّمَ لبس الثَّوْبَ ثُمَّ لَبسَ السَّرَاوِيلَ فَفِدْيَةٌ وَإِنْ تَرَاخَى، ولَوْ عَكَسَ الأَمْرَ وَتَرَاخَى تَعَدَّدَتْ ....
اعلم أن أصحابنا إنما يوجبون الفدية باللباس إذا حصل به انتفاع من حر أو بر.
ولهذا قال مالك: من ابتاع خفين فقاسهما في رجليه وهو محرم فال شيء عليه.
ولهذا لم
يوجبوا على من لبس سراويل بع القميص، أو لبس العمامة بعد القلنسوة، أوجبة بعد القميص – إلا فدية واحدة؛ لاتحاد أمر المنفعة، ولو عكس تعدد؛ لأنه انتفع بالقميص ثانيا غير ما انتفع به أولا، وينبغي أن تقيد الأولى بما إذا كان السراويل لا يفضل عن الثوب.
والى ذلك أشار المازري في مسألة القلنسوة والعمامة، وأما إذا نزل فتتعدد الفدية؛ لأنه انتفع ثانيا بغير ما انتفع به أولا، بل قال اللخمي: القياس أن يكون عليه في السراويل والجبة فدية ثانية، قال: وقال محمد فيمن ائتزر بمئزر فوق مئزر أن عليه فديتين، إلا أن يبسطهما ثم يأتزر بهما.
وذكر ابن عبدوس عن عبد الملك مثله.
وإن لبس قميصا وهو صحيح ثم مرض ثم صح ففدية واحدة.
محمد: وإن لبسه لمرض ثم صح وتمادى على لبسه فعليه فديتان؛ يريد لأن نيته كانت أن يلبسه للمرض خاصة.
وقد بعد ما بين النية الأولى والثانية، والقياس على أصله أن لا شيء عليه في التمادي؛ لأنه بانقضاء المرض تمادى في اللباس فأشبه ما قرب فعل بعضه من بعض.
ولذلك إن تطيب وهو صحيح ثم مرض ثم صح وهو عيه ففدية واحدة.
وكذلك إن استعمل ذلك لمرض ثم صح وهو عليه ولم يغسله كان عليه على قول محمد فديتان، وإن وصف له طيب فاستعمله ثم أصاب طيب آخر بقرب الأول ففدية واحدة، وإن تباعد ما بينهما وذهبت رائحة الأول ففديتان، وكذلك إن لم تذهب رائحة الأول حتى استعمل الثاني؛ لأنه لو لم يستعمل الثاني ذهبت رائحة الأول قبل ذلك.
انتهى.
ثُمَّ حَيْثُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسٍ أَوْ خُفٍّ فَيُعْتَبَرُ انْتِفَاعُهُ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ دَاوَمَ كَالْيَوْمِ فَإِنْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ فَلا فِدْيَةَ ....
موجبات الفدية قسمان: منها ما يقع الانتفاع به كحلق الشعر والطيب وهذا تجب فيه الفدية من غير تفصيل، ومنها ما لا ينتفع به إلا بعد طول فلا تجب فيه الفدية إلا بالانتفاع.
وتصور كلامه ظاهر.
وذكر اللخمي وغيره قولين في وجوب الفدية إذا صلى بثوب صلاة، بناء على أنه هل يعد طولا أم لا؟
وَلا إِثْمَ عَلَى ذِي عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ
يعني: أن وجوب الفدية لا يستلزم وجوب الإثم، بل كل من وجبت عليه الفدية إن فعل موجبها لعذر لم يكن عليه إثم، وكان عليه الفدية فقط.
وإن لم يكن لعذر فعليه الإثم والفدية.
والأصل في هذا قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (.
تنبيه:
وربما ارتكب بعض العوام شيئا من المحرم وقال: أنا أفتدي متوهما أنه بالفدية يتخلص من الإثم وذلك خطأ صريح وجهل قبيح، وذلك بمنزلة من يقول: أنا أشرب الخمر والحد يطهرني، قال مالك في الموازية: ولا ينبغي أن يتعمد المحرم ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية وأنا أعظه عن ذلك.
وَيَحّرُمُ بِكُلٍّ مِنَ الإحرام لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَو الْحَرَمِ صَيْدُ الْبَرِّ كُلِّهِ؛ مَاكُولاً أَوْ غَيْرَهُ مُتَأَنَّساً أَوْ غَيْرَهُ مَمْلُوكاً أَوْ مُبَاحاً فَرْخاً أَوْ بَيْضاً أو غَيْرَهُمَا ....
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ([المائدة: 95] فقيل: وقد أحرمتم بحج أو عمرة، وقيل: وقد دخلتم في الحرم.
وقيل: هما مترادفان، فإنه يقال: أحرم فلان إذا دخل في الحرم، وهذا القول هو الذي اعتمد عليه الفقهاء، ولهذا قال المصنف: (بِكُلٍّ مِنَ الإحرام) و (الْحَرَمِ).
واحترز بقوله: (صَيْدُ الْبَرِّ) من صيد البحر فإنه حلال.
وطير الماء حرام كغيره.
قال في المدونة: والضفدع وترس الماس من صيد البحر.
أشهب: وقد قيل: في الضفدع يطعم شيئاً.
الباجي: راعى في هذه الرواية قول ابن نافع أنه لا يؤكل إلا بذكاة، قال: وكذلة على قوله في السلحفاة لا تؤكل إلا بذكاة، ولا يجوز للمحرم
اصطيادها.
قال في المدونة: وهذه السلحفاة التي تكون [204 / ب] في البراري هي من صيد البر، إذا ذكيت أكلت ولا تحل إلا بذكاة ولا يصيدها المحرم.
والجراد عندنا من صيد البر، نص عليه في المدونة.
ونبه بقوله: (مَاكُولاً أَوْ غَيْرَهُ) على خلاف الشافعي رضي الله عنه في قصره ذلك على المأكول.
وَاسْتُثْنِيَ الْفَارَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدْأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ
الاستثناء في السنة فقد روي في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم؛ الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" ولمسلم: "خمس فواسق".
بالإضافة من غير تنوين.
ابن دقيق العيد: وبين الإضافة والتنوين فرق دقيق في المعنى، ذلك أن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل، وربما أشعر بالتخصيص، بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم، وأما مع التنوين فإنه يقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكل فاسق من الدواب، وهو ضد ما اقتضاه الأول من المفهوم وهو التخصيص.
انتهى.
وفي الصحيح أيضاً: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحداة".
فأقسط في هذا الحديث العقرب، وزاد الحية فوجب جمعهما معاً لصحة الحديثين.
ابن عبد السلام: وزاد في هذا لفظ الأبقع، وهل لفظ الغراب مطلق، فيكون الأبقع مقيد له، أو عام، فيكون هذا على وفقه لا مخصصاً؟ في ذلك نظر.
والأقرب هو الثاني.
وقد ذهبت فرقة إلى أن النهي مقصور على الغراب الأبقع انتهى.
قال في الذخيرة: ويلحق بالفأرة ابن عرس، وما يقرض الأثواب من الدواب، ويلحق بالعقرب الرتيلا.
وهل يقتل الوزغ؟ قال مالك: لا بأس بقتل الحلال الوزغ في الحرم.
مالك: ولو تركت لكثرت وغلبت.
الباجي: فجعل مالك رحمه الله أذاها في كثرتها؛ لأن لها أذى بإفساد ما تدخل فيه.
مالك: وسمعت أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتلها، وللمحرم أن يقتلها في الحل والحرم.
الباجي: ومعنى ذلك أنه لا يكون غالبا إلا في البيوت وحيث يقتله ويدفع مضرته الحلال ومدة الإحرام يسيرة.
وحمل مالك أمره عليه الصلاة والسلام بقتله على الحلال سواء كان في الحرم أو غيره.
مالك: وإذ قتله المحرم أطعم كسائر الهوام.
وقال اللخمي: القياس أن يقتل قياسا على العقرب، وكذلك مال ابن عبد البر إلى جواز قتله، قال: وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الوزغ وسماه فريسقا.
وقد أجاز مالك قتل الأفعى وليست من الخمس.
وَهُوَ الأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَعْدُو، وَقِيلَ: الإِنْسِيُّ الْمُتَّخَذُ
يعني: أنه اختلف في تفسير الكلب العقور، فالمشهور أنه كل عاد من السباع.
ابن عبد السلام: والشاذ أنه الكلب الأنسي.
وتبع المصنف في نقله الشاذ ابن بشير وابن شاس، وأظن أنهما رأيا ما في اللخمي وهو قوله: وظاهر قول أشهب أنه الأنسي؛ لأنه قال: يقتل الكلب وإن لم يعقر.
انتهى.
زاد في النوادر وإن كان كلب ماشية.
وليس في هذا اللفظ ما يدل على الحصر؛ لاحتمال أن يقول أشهب: يقتل مع ذلك الأسد والنمر ونحوهما، بل نص أشهب وهو في النوادر قبل الكلام الذي حكاه اللخمي ومتصل به على أنه يقتل صغار السباع، وهو يقتضي أنه قائل بقتل السباع.
والأشبه ما قاله بعضهم على أنهم اتفقوا على دخول السباع تحت لفظ الكلب العقور، واختلفوا في الكلب والمشهور عدم دخوله، واحتج من قال إن المراد بالكلب العقور هو الأسد ونحوه بما رواه
الترمذي وحسنه أنه عليه الصلاة والسلام قال في عتبة بن أبي لهب: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فعدا عليه الأسد فقتله.
انتهى كلام ابن عبد السلام باختصار.
خليل: وقد يقال إن معنى قول ابن بشير وابن شاس والمصنف في الشاذ أنه الأنسي المتخذ أنه يلحق بذلك السباع من باب أولى، ويكونوا استغنوا بالأخف عن الأشد، وعلى هذا فيستوي كلامهم مع ما نقله الباجي.
ولم يختلف قول مالك في الأسد والنمر والفهد أنه يجوز قتلها.
واختلف قوله في الذئب، فروى ابن عبد الحكم إباحة ذلك، ومنعه مالك مرة.
ولا يقتل المحرم ضبعاً ولا ثعلباً ولا هراً وحشياً ولا إنسياً، ولا قرداً، ولا خنزيراً برياً أو بحرياً.
وعن مالك: وفدى ذلك كله.
وروي عن مالك قتل القرد والخنزير، ووقف مع محمد في خنزير الماء.
ابن حبيب: ولا يقتل الدب، فإن قتله فعليه جزاؤه.
مالك: ولا بأس بقتل البراغيث.
وقال أيضا: إن أطعم لذلك شيئا فهو أحب إلي.
وَفِي الْغُرَابِ وَالْحِدْأَةِ غَيْرِ الْمُؤْذِيَيْنِ قَوْلانِ كَصِغَارِهِمَا وَمَا آذَى مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ كَغَيْرِهِمَا ....
منشأ الخلاف في الغراب والحدأة غير المؤذيين هل النظر إلى اللفظ فيقتلان أو إلى المعنى فلا يقتلان؟ الباجي: وقد اختلف قول مالك رحمه الله في إباحة قتلهما ابتداء.
وظاهر مذهبه ما أثبته في الموطأ وهو الأشهر عنه –إباحة قتلهما.
وروى عنه أشهب منع ذلك للمحرم.
وفي الجواهر: المشهور أن الغراب والحدأة يقتلان.
وإن لم يبتدئا بالأذى.
وروى أشهب المنع وقاله ابن القاسم.
وقيل: إلا أن يؤذيا فيقتلان، وإن قتلهما من غير أذى فلا شيء عليه.
ومراد المصنف بـ (غَيْرِ الْمُؤْذِيَيْنِ) من لم يفعل الإذاية، لا من لم يؤذ ألبتة؛ لعدم تحقق ذلك.
قوله أيضا: (كَصِغَارِهِمَا) أي: [205/أ] فيها أيضا القولان.
ابن راشد وغيره: والمشهور القتل؛ لعموم الحديث.
وقال ابن هارون: المشهور في الصغار المنع.
وقوله: (وَمَا آذَى مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ كَغَيْرِهِمَا) أي: فالقولان أيضاً في قتل الطير إذا أذى.
قال الباجي: لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز قتل سباع الطير غير ما في الحديث ابتداء، ومن قتلها فعليه الفدية، فإن ابتدأت بالضرر فلا جزاء على قتلها على المشهور من المذهب فيمن عدت عليه سباع الطير أو غيرها.
وقال أشهب: عليه في سباع الطير الفدية وإن ابتدأت بالضرر.
وقال أصبغ: من عدا عليه سبع من الطير فقتله وداه بشاة.
ابن حبيب: هذا من أصبغ غلط.
واختج ابن القاسم في المبسوط أن الإنسان أعظم حرمة من الصيد، فإن قتله الإنسان دفاعا عن نفسه فلا شيء عليه.
انتهى.
وهذا يؤخذ من كلام المصنف؛ لأن قوله: (مَا آذَى) يدل ظاهرة على أنه فعل الإذاية، ولم أر ما حكاه من الخلاف فيما آذى من غير طير والمنقول عدم جواز القتل.
وَعَلَى أَلا يَقْتُلَ الْجَمِيعَ فَفِي الْجَزَاءِ قَوْلانِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ عَدَا عَلَيْهِ سَبُعٌ مِنَ الطَّيْرِ وَقَتَلَهُ فَدَاهُ بِشَاةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هَذَا غَلَطٌ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، وَإلا فَلا خِلافَ ....
أي: إذا فرعنا على عدم القتل في الجميع؛ أي: في الغراب والحدأة غير المؤذيين والصغار وما عدا من الطير فهل عليه جزاء تحقيقا للمنع أم لا؛ للاختلاف في ذلك؟ وعين في الجواهر في مسألة الطير المؤذي غير الغراب والحدأة – ينفي الجزاء.
ويشكل قول أصبغ من وجهين:
الأول: أنه يجوز دفع الصائل من الآدمي ولا شيء فيه عليه، فكيف بهذا؟!
الثاني: تخصيصه بشاة والقياس أن تكون فيه القيمة، وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ على أنه كان قادرا على الدفع بغير القتل، وأما لو تعين القتل في الدفع فلا يختلف فيه.
وما حكاه المصنف عن أصبغ كذلك حكاه الباجي وغيره، وقد تقدم لفظ الباجي، وما ذكره ابن عبد السلام هنا ليس بظاهر.
وَيُقْتَلُ صِغَارُ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْتَثْنَى، وَفِي صِغَارِ الْكَلْبِ قَوْلانِ
الضمير في (غَيْرِهِمَا) عائد على (الغراب والحدأة) ومراده صغار الفأرة والحية والعقرب؛ لأن صغار هذه الأشياء تؤذي كما تؤذي كبارها.
وقوله: (وَفِي صِغَارِ الْكَلْبِ قَوْلانِ) زاد بعضهم الكراهة ونسبه لابن القاسم وابن حبيب.
ومذهب المدونة عدم القتل.
ابن القاسم: وإن قتلها لم يفدها.
وقال أشهب: يفديها، وكان الأولى أن يذكر صغار الكلب مع صغار الغربان والأحدية ويذكر في الجميع قولين.
فرع:
نص عبد الوهاب على أن الزنبور مما يجوز للمحرم قتله.
ونص في الجلاب على أنه يطعم إن قتله.
فيحتمل أن يكون خلافا.
ويحتمل أن يكون كلامه في الجلاب على ما إذا قتله في عشه، وكلام عبد الوهاب على ما إذا ابتدأ بالضرر.
وقد ذكر إسماعيل القاضي أنه اختلف في الزنبور.
وَيَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَسَببُّبٍ أَوْ بَقَاءِ يَدٍ، وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ كَقَتْلِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ لِحَاقَهُ بِجِنْسِهِ بِغَيْرِ نَقْصٍ فَلا جَزَاءَ وَيُنْقِصُ فِيمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ قَوْلانِ، وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلانِ ....
أي: ويلزم الجزاء بقتل ما لا يجوز قتله بمباشرة أو تسبب أو بقاء يد عليه، وتعريضه للتلف موجب للجزاء كقتله.
ففي المدونة: من طرد صيدا فأخرجه من الحرم فعليه جزاؤه.
وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يظن أنه ينجو هناك؛ لأن أشهب نص على أن من أخذ صيدا من الحرم وطرحه في الحل أنه لا شيء عليه إذا كان مما ينجو بنفسه.
ابن يونس: ونحوه لابن القاسم.
انتهى.
لكن حكى التونسي في إخراج الصيد قولين؛ أولهما: الجزاء وأطلق، ثم قال: وقيل: إذا أخذه من الحرم ثم أطلقه في الحل وكان ينجو بنفسه ولو كان في الأندلس أنه لا جزاء
عليه، وفيه نظر؛ لأنه أخذه من محل أمن إلى محل يقصد اصطياده فيه، لا سيما إن تحققنا أنه لا يبلغ الحرم لبعد المسافة.
انتهى.
وكذلك يلزم الجزاء إذا نتف ريشه وغاب عنه.
فإن أمسكه متى نسل ريشه وتحقق لحاقه بالصيد من غير نقص فلا شيء عليه على المشهور.
وقال بان حبيب: يطعم مسكيناً.
وقال محمد: يتركه حيث نتف ريشه ويخرج جزاءه، واختلف إذا تيقن لحاقه بنقص هل يلزمه ما بين القيمتين؟ المشهور وهو مذهب المدونة لا شيء عليه؛ لأن الجزاء كالكفارة، فكما لا يلزم بعض الكفارة في أبعاض الإنسان لا يلزم بعض الجزاء في أبعاض الصيد، ولفظها: وليس في جراح الصيد إذا تيقن أنها سلمت من ذلك الجرح – شيء.
وقال ابن المواز: يلزمه ما بين القيمتين قياساً على سائر الممتلكات، فيقوم مثلا صحيحا بعشرين مدا، وبالعيب بخمسة عشر، فيخرج خمسة.
وحمل اللخمي وغيره قول ابن المواز على الخلاف.
ابن يونس: ويحتمل الوفاق، ويحمل قول ابن القاسم لا شيء عليه إذا تيقن أنه سلم، أي: سلم بغير نقص.
ابن عبد السلام: والظاهر الخلاف.
وكلام المصنف إنما يتم عليه.
قوله: (وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلانِ).
ابن هارون: مذهب محمد الوجوب وهو ظاهر المدونة فإنه قال: من جرح صيداً وهو محرم فغاب مجروحاً فعليه جزاؤه.
والقول بالسقوط لابن الماجشون؛ لأن الأصل برازة الذمة.
[205/ب] وهذا الخلاف إنما هو إذا لم تنفذ مقاتله.
وفي اللخمي: إن جرح صيداً ثم نجا بنفسه، فإن أنفذ مقاتله كان له حكم الميت وفيه الجزاء.
وإن أصاب موضعا الغالب حياته لم يجب جزاؤه، وإن أشكل أمره فقولان.
فرع:
قال في الذخيرة: وإن قلنا بالجزاء فليؤخر لئلا يكفر قبل موت الصيد، فإن أخرج جزاءه مع الشك ثم عطب بعد ذلك ففي الجلاب: عليه جزاءان.
التلمساني: لأنه أخرج الجزاء قبل وجوبه عليه.
وَالتَّسَبُّبُ كَشَبَكِةٍ، أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ، أَوِ التَّقْصِيرِ فِي إِمْسَاكِهِ أَوْ رِبَاطِهِ، أَوْ تَنْفِيرِ صَيْدٍ
قوله: (كَشَبَكِةٍ) أي: كنصب شبكة، أو شرك لأجل الصيد، فوقع فيها صيد فعطب.
وأما إذا نصب الشبكة لذئب أو سبع فسيأتي.
وقوله: (أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ) أي: على الصيد.
وسمى المصنف ما ذكره تسبباً؛ لأنه لا يباشر القتل، وتصور كلامه ظاهر.
وَالتَّسَبُّبُ الاتِّفَاقِيُّ كَمَا لَوْ رَآهُ الصَّيْدُ فَفَزِعَ فَمَاتَ أَوْ فَرَّ فَعَطِبَ فَفِي الْجَزَاءِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ....
مراده بـ (الاتِّفَاقِيُّ) ما لا يقصد معه الصيد ألبتة، لكن أدى إلى هلاك الصيد.
واختار ابن المواز والتونسي قول أشهب وهو أظهر.
ولا تكون حرمة الصيد أعلى من حرمة الآدمي.
التونسي: إلا أن يريد ابن القاسم أنه نكب عن الطريق ومشى في طريق الصيد حتى عرض نفسه لرؤية الصيد.
اللخمي وغيره: وقال أصبغ: لا شيء عليه إلا أن يكون من المحرم حركة يفر بها؛ يريد حركة على الصيد، وأما حركته لشغله فلا شيء عليه.
انتهى.
وظاهره أنه ثالث، وفيه نظر.
ووافق ابن القاسم على سقوط الجزاء إذا حفر بئر الماء.
قيل: وهي مناقضة لا شك فيها، وحكى بعضهم في مسالة البئر قولا بالجزاء في مسألة البئر وهو ضعيف.
وَلَوْ قَتَلَهُ غُلامُهُ ظَانّاً أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَالْجَزَاءُ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى الْعَبْدِ أَيْضاً إِنْ كَانَ مُحْرِماً ....
كلامه في المدونة أبلغ من كلام المصنف.
قال فيها: وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيدا كان معه فظن العبد أنه أمره بذبحه فذبحه فعلى السيد الجزاء، وقال أشهب:
الأحسن إلا شيء على السيد كان العبد حلالا أو حراما؛ لأن الخطأ من العبد.
ابن هارون: وهذا هو الذي أشار إليه بقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) وكان حقه أن يقول على المنصوص؛ لأن هذا ليس بقول للمتقدمين.
وقوله: (وَعَلَى الْعَبْدِ أَيْضاً إِنْ كَانَ مُحْرِماً) ظاهر، وهو في المدونة، وتأول ابن الكاتب ما قاله مالك من وجوب الجزاء على السيد بأن السيد هو الذي تسبب لعبده في أخذ الصيد، قال: وأما إن صاده العبد بغير إذنه فلا شيء على السيد؛ لأنه لم يفعل إلا خيراً إذ نهى عبده عما يحل.
وقال ابن محرز: وهو تأويل يحيل المسألة؛ لأنه إذا تسبب له السيد في الصيد فسواء قتله العبد بأمر ظنه من أمر السيد أو كان هو الذي تعدى فقتله.
قال: والظاهر أن مالكاً أوجب الجزاء لأمره الذي أخطأ به العبد، كان من السيد في أصل صيده تسبب أم لا.
وَلَوْ نَصَبَ شَرَكَاً أَوْ حَفَرَ بِئْراً خَوْفاً مِنْ ذِئْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ هِرٍّ فَاتَّفَقَ فَالْجَزَاءُ بِخِلافِ فُسْطَاطِهِ أَوْ بِئْرٍ لِمَاءٍ ....
ما ذكره من وجوب الجزاء إن نصب شركاً مخافة من ذئب أو سبع على نفسه أو على غنمه هو مذهب المدونة.
وقال ابن القاسم فيها: لأن مالكاً قال فيمن حفر بئراً في منزله لسارق فإنه يضمن ما وقع فيها من سارق أو غيره، وقال سحنون: لا جزاء عليه في الصيد؛ لأنه فعل ما يجوز له، بخلاف السارق.
وقال أشهب: إذا كان في موضع يتوقع فيه الصيد فعليه الجزاء، وإلا فلا.
ابن المواز: وهو أحب إلينا.
وقال اللخمي أيضا: هو أحسن، لكن لا شيء عليه إذا كان موضعا لا يخاف على الصيد منه، وإن خيف عليه ونصب ليدفع الذئب والسبع عن غنمه أو نفسه فالجزاء إن قدر على صرفه بغير ذلك، وكذلك إن لم يقدر على أصل مالك أن المضطر للصيد يأكل الميتة؛ لأنه إذا لم يبح ذلك في صيانة نفسه
لم يبح في صيانة المال.
وأرى أن يمنع إن خشي تلف الشاة أو الشاتين لا تلف الكثير.
انتهى باختصار.
ورد بأن مسألة المضطر التي تكلم عليها مالك إنما هي في حق واجد الصيد والميتة أيهما يقدم، لا في حق من لا يجد إلا أحدهما وخشي علي نفسه، فلا شك أنه يأكل ما وجد.
وقوله: (بِخِلافِ فُسْطَاطِهِ) أي: فلا شيء عليه.
وهكذا في المدونة.
ونقل ابن الجلاب فيها عن ابن القاسم وجوب الجزاء، وه وضعيف.
وَلوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى أَسَدٍ فَقَتَلَ صَيْداً فَقَوْلانِ
مذهب المدونة الوجوب.
والقول لعدم الجزاء لأشهب.
اللخمي: وهو أبين.
ومنشأ الخلاف النظر إلى الإرسال وهو فاعله أو إلى قصده ونو لم بقصد الصيد؟
وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدٍ عَصَى، فَإِنْ قَتَل فَفِي الْجَزَاءِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ عَلَى الْقَاتِلِ إِنْ كَانَ مُحْرِماً ....
لا خلاف في وجوب الجزاء على القاتل إن كان محرماً ولا في سقوطه عنه إن كان حلالاً، وإنما الخلاف في الدال.
ومذهب المدونة السقوط وهو المشهور، صرح بذلك الباجي وغيره، خلاف ما شهره المصنف.
ابن عبد السلام: والذي شهره المصنف لا يعلم في المذهب إلا من ابن بشير، والقول بوجوب الجزاء على الدال سواء دال حلالاً أو حراماً مروي عن أشهب، وروي [206/أ] عنه في الموازية إن كان المدلول محرما فعلى كل واحد منهما الجزاء، وإن كان حلالاً فليستغفر الله المحرم والدال، ولا شيء عليهما.
واعترضه التونسي وقال: الأشبه إنه إنما يسقط عن الدال إذا كان حلالاً، فأما الحرام فيجب عليه عنده الجزاء، كما قال إذا دل محرم محرما.
فإذا وجب على المحرم إذا دل محرماً، كان إذا دل حلالاً أولى؛ لئلا يبقى الصيد بلا جزاء انتهى.
وهذا هو الذي لاحظ في القول الذي زعم المصنف أنه المشهور، وقال ابن وهب: إذا دل محرم حلالا فداه أحب إلي.
وفي أخذ الأقوال من كلام المصنف نظر.
قال الباجي: ولو أعان المحرم الحلال بمناولة رمح أو سوط، فقد أساء ولا جزاء عليه على المشهور من المذهب، وحكى ابن المواز عن أشهب في ذلك من الخلاف ما تقدم، أي: ما حكاه عنه في المدونة.
وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ فَالْجَزَاءُ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
لا إشكال في وجوب الجزاء في الفرع الأول؛ لأنه قتل الصيد في الحرم.
وأما العكس فرأى في المشهور أنه صائد في الحرم، والشاذ لابن الماجشون وأشهب قالا: لا جزاء عليه ويؤكل؛ اعتبارًا بمحل الصيد كالأول.
ابن الماجشون: ويجوز ذلك ابتداء.
انتهى.
وهو ضعيف؛ لأن المحرم يصدق على من بالحرم.
قال في المدونة: ولو رمى الصيد في الحل وهو في الحل فهرب الصيد فأدركته الرمية في الحرم فقتلته فعليه الجزاء، ولا خفاء إذا كانا معا في الحرم في الوجوب، ولا في سقوطه إذا كان في الحل إلا بقربه، فالمشهور سقوط الجزاء.
وقال ابن عبد الحكم: ما قرب من الحرم فله حكمه، ولابن الماجشون: كل ما يسكن بسكون ما في الحرم ويتحرك بتحريكه فله حكم الحرم، وهو كمذهب ابن عبد الحكم إلا أن فيه تحديد القرب، وعلى المشهور فهو ممنوع ابتداء، إما منعاً وإما كراهة بحسب فهم قوله عليه الصلاة والسلام: "الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
وَلَوْ قَطَع السَّهْمُ هَوَاءَ أَطْرَافِ الْحَرَمِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَاكُلُهُ
أي: وهما معاً في الحل.
وقوله: (لا يَاكُلُهُ) أي: وعليه الجزاء، وهكذا حكى اللخمي عن ابن القاسم.
وقال أشهب: يؤكل ولا جزاء عليه.
ووقع في بعض النسخ تصريح بهذين القولين، ونصها: فقال ابن القاسم: لا يأكله وعليه الجزاء، وقال أشهب: يأكله ولا جزاء عليه.
ابن عبد السلام: ووافق أشهب عبد الملك بشرط البعد من الحرم، ولا أدري كيف يتصور البعد في رمية السهم.
وَلَوْ تَخَطَّى الْكَلْبُ طَرَفَ الْحَرَمِ فَلا جَزَاءَ إِلا إَذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ سِوَاهُ
قوله: (فَلا جَزَاءَ) أي: وليست كالرمية؛ لأن الكلب إذا كان له طريق للصيد من غير الحرم لم يكن صاحبه منتهكاً حرمة الحرم، وتبع المصنف هنا ابن شاس.
وقال اللخمي بعد أن ذكر القولين المتقدمين في السهم: وإرسال الكلب كإرسال السهم، وأنه لا جزاء في الجميع ويؤكل أحسن؛ لأن المنع إنما يكون في الصيد إذا كان في الحرم، قال وإن رمى صيداً في الحل والصيد ثم في الحل ثم تحامل فمات في الحرم، فإن كان أنفذ مقاتله في الحل أكل، واختلف إذا لم تنفذ مقاتله، فقال أشهب في العتبية: يؤكل.
وقال أصبغ في الموازية: لا يؤكل، ولا جزاء عليه.
وقول أشهب أَبْيَن؛ لأنه إنما مات من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلاً، وليست بمنزلة من ضرب رجلاً فلم تنفذ مقاتله حتى قتله آخر، فإن الثاني يقتل به؛ لأن الضرب من رجلين وهذه ضربة واحدة وهي التي قتلته.
انتهى.
التونسي: والأشبه إذا لم ينفذ مقاتله في الحل فمات في الحرم أن عليه الجزاء ولا يؤكل.
وقد اختلف إذا وقعت الضربة وهو عبد ثم أعتق فمات: فقيل: دية (حريقة) ولا قود في ذلك وهو قول ابن القاسم.
وقيل: قيمة عبد وهو قول أشهب.
وأما لو أنفذ مقاتله في الحل ثم مات في الحرم فالقياس ألا جزاء عليه، إلا ما روي عن ابن القاسم فيمن ضرب رجلا فأنقذ مقاتله ثم ضربه آخر فقتله، قال: يقتل الثاني ولا قتل على الأول انتهى.
وكلام اللخمي يرد على هذا التخريج.
وَلَوْ أَرْسَلَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ فَالْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيداً فَلا جَزَاءَ
لأنه مع القرب منتهكا حرمة الحرم بخلاف البعد.
الباجي: والبعد ما يغلب على ظنه أن الكلب يدركه قبل، أو يرجع عنه.
الباجي وغيره: ولا يؤكل الصيد في الوجهين؛ لأنه يحرم بحرمة الحرم.
فإن أرسله بقرب الحرم فقتل قبل أن يدخل فقال مالك وابن القاسم: لا جزاء عليه.
وقال ابن عبد الحكم: عليه الجزاء.
أبو إبراهيم: ولو جرى الصيد من الحل وأدخله في الحرم ثم خلا عنه حتى خرج الصيد من غير أن يخرجه، ثم أتبعه فقتله في الحل، فينبغي أن يؤكل كمسألة العصير يصير خمرا ثم يتخلل.
وَلَوْ أَصَابَهُ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ فَقَوْلانِ
أي: والفرع في الحل.
ومذهب المدونة سقوط الجزا؛ لأنه صاد في الحل.
زاد فيها: ولا بأس بصيده ويؤكل، وتوقف فيها مالك ولم يجب فيه بشيء، والجزاء لعبد الملك؛ لأن ما تقدم أن ما قارب الحرم فله حكمه، وعكس هذه المسألة يجب عليه الجزاء اتفاقا.
سند: وإن كان بعض الصيد في الحرم وبعضه في الحل ففيه الجزاء وقاله الشافعي.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ فَأَحْرَمَ زَالَ مِلْكُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ وإِلا ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ فِي الرُّفْقَةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ ....
لما ذكر أولاً أن الجزاء يلزمه بالمباشرة والتسبب وبقاء اليد وتكلم على الأولين أردف ذلك بالكلام على الثالث.
ومعناه: أنه إن أحرم وبيده صيد، سواء كان في قفص أو غيره، أو في رفقته – وجب عليه إرساله إن كان معه في رفقة.
واختلف هل يزول ملكه عنه بمجرد الإحرام؟ المشهور وهو مذهب المدونة أنه يزول.
ابن القصار والأبهري: إنما يجب عليه الإرسال فقط، ولا يزول ملكه عنه.
وتظهر ثمرة الخلاف لو أفلته أحد منهم هل تلزمه قيمته أم لا؟ فعلى المشهور لا تلزم، وكذلك لو أفلته صاحبه، وأخذه غيره قبل أن يلتحق بالوحش وبقي بيد آخذه حتى حل صاحبه من إحرامه – فعلى المشهور هو لآخذه، وكذلك لو أبقاه بيده ثم حل هل يلزمه إفلاته؟ فعلى المشهور يلزم، وكذلك لو ذبحه بعد الإحلال فعلى المشهور يلزمه جزاؤه.
ابن راشد: ويشكل على هذا الحلال يدخل الحرم بصيده فإنه يملكه، ولا فرق بين الحلال يحرم وبيده صيد أو يدخل الحرم وهو بيده؛ لأن الحرم في المنع كالإحرام.
وقد يفرق بينهما أن الإحرام قريب بخلاف الحلال في الحرم فإنه يطول ويؤدي ذلك إلى المشقة، لا سيما في حق من هو من أهل مكة ونحوهم والله أعلم.
وأورد على هذا المشهور أيضا الخمر يؤمر من هي بيده من المسلمين بإراقتها فيمسكها حتى تتخلل بنفسها فلا تجب إراقتها على المشهور.
وقوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ) هكذا في المدونة.
وقيده بعضهم بما إذا لم يحرم من موضعه، وأما إذا أحرم منه فيجب عليه أيضا إرساله، وأبقاه التونسي وابن يونس على ظاهره، قالا بعد قول ابن القاسم: وسواء أحرم من منزله أو ميقاته، خلاف ما تأول بعضهم أنه إن كان إحرامه من منزله وجب عليه إرسال ما عنده من الصيد كما في القفص.
والفرق أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله فهو كالذي في يده، وما في البيت ليس في يده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له فافترقا.
فرعان:
الأول: لو أحرم وبيده صيد وديعة رده لصاحبه إن كان حاضراً.
ابن حبيب: ويطلقه صاحبه إن كان محرماً.
فإن كان غائباً أبقاه بيده حتى يقدم صاحبه.
قال في الموازية: وإن أرسله ضمنه ولو استودعه إياه حلال وهو محرم لم يجز له أن يقبله منه، فإن قبله وجب عليه إطلاقه وغرم لربه قيمته.
الثاني: لو وهب له صيد فقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبوله بعد إحرامه ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه لعموم قوله تعالى: (حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً (. ولحديث ابن جثامة الذي رواه مالك: أنه أحدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي، قال: "إنا لم نرده عليك، إلا أنا حرم".
واختلف في المحرم يشتري الصيد، فقيل: الشراء فاسد، وقيل: صحيح وعليه أن يرسله.
ابن عبد البر: وروي في هذا الحديث أنه أهدي له لحم حمار وحشي، وفي رواية عضدا من لحم صيد.
انتهى.
وبصحة الشراء قال ابن حبيب، قال: وإن رده على الحلال فعليه جزاؤه.
قال الباجي: قوله: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً هكذا رواه الزهري عن عبد الله بن عباس، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه.
انتهى.
وكذلك ذكر ابن راشد أنه لا يجوز للمحرم قبول الصيد.
وقال الباجي: مسألة ومن أهدي له صيد في حال إحرامه فقبله لم يكن له رده – على قياس المذهب؛ لأنه قد ملكه بالقبول على قول ابن القصار وقد خرج عن ملك الواهب، وإن لم يدخل في ملك الموهوب له على مذهب القاضي أبي إسحاق فليس له أن يرده على واهبه إن كان حلالاً.
وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ كَالْعَمْدِ فِي الْجَزَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: أنه لا فرق على المشهور في وجوب الجزاء بين أن يقتل الصيد عمداً أو خَطَأً أو نسياناً.
وقال ابن عبد الحكم: لا جزاء في غير العمد ولا في العمد إذا تكرر، وإنما يجب بالأول، واحتج بمفهوم الآية.
والجواب أنها خرجت مخرج الغالب.
وَلَوْ أَكَلَهُ فِي مَخْمَصَةٍ ضَمِنَهُ
أي: أن المحرم إذا اضطر إلى الصيد فإنه يجوز له أكله.
وقوله: (ضَمِنَ) أي: عليه جزاؤه، ونحوه لعبد الوهاب وابن شاس وغيرهما، وهو الأصل.
وحكى اللخمي وابن راشد قولين آخرين:
أحدهما: أنه لا يجوز لعموم النهي.
والثاني: أنه يجوز ولا جزاء.
وهما كالقولين فيمن أشرف على الموت فأعطاه رجل ما أحياه من الخمر.
فرع:
في الموطأ أن المحرم المضطر يأكل الميتة ولا يصيد، قال: لأن الله تعالى لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا في أخذه في حال، وأرخص في الميتة للضرورة.
وقال محمد بن عبد الحكم: لو نابني ذلك لأكلت الصيد وتركت الميتة، وقيد الأول بما إذا لم تكن الميتة متغيرة يخشى على نفسه منها، وأما الميتة مع ما صيد لأجل المحرم، فروى محمد عن مالك: يأكل الصيد ويؤدي جزاءه أحب إلينا.
الباجي: يريد لأن القائلين بأن هذا مباح أئمة مشهورون، فكان أولى من أكل ما اتفق [207/أ] على أنه ميتة.
أَمَّا لَوْ عَمَّ الْجَرَادُ الْمَسَالِكَ سَقَطَ الْجَزَاءُ بالاجْتِهَادِ بِخِلافِ مَا لَوْ تَقَلَّبَ عَلَى جَرَادٍ أَوْ ذُبَابٍ أَوْ غَيْرِهِ ....
قوله: (بالاجْتِهَادِ) أي: إذا تحفظ منه.
وهذا كقوله في الجواهر: فلا شيء عليه إذا لم يتعمده.
وكذلك قال في المختصر: لا شيء على الناسي فيه إذا لم يتعمد وقتله.
قال: ولو أطعم مساكين لم أر بذلك بأساً.
وفي رواية ابن وهب في الذباب يطأ عيه، ولا يمتنع من ذلك لكثرته فليطعم مسكيناً أو مسكينين.
وقال بعد ذلك: لا شيء عليه في مثل هذا الغالب.
ابن عبد الحكم: وهو أ؛ ب إلينا.
قوله: (بِخِلافِ مَا لَوْ تَقَلَّبَ) أي: ولم يكثر فعليه ضمانه.
وفي المدونة: وإذا وطئ الرجل ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فتلهن فليتصدق بشيء من الطعام.
وقال في الموازية: قبضة من طعام، وقال محمد: بحكومة، وإن أخرج بغير حكومة أعاد.
وقال ابن رشد: ظاهر المدونة لا حكومة في الجراد.
أما لو قتلت الدابة شيئا بنفسها من غير تسبب منه فلا شيء عليه.
خليل: انظر كيف أوجبوا عليه هنا الضمان وأسقطوا عنه الفدية فيما إذا ألقت الريح الطيب عليه، مع أن التغلب على ما ذكر أكثر من رمي الريح الطيب عليه، ولعل ذلك لعظم ما يترتب على الطيب، ولأن قتل الجراد من باب قتل الصيد وهو لا فرق فيه بين العمد والخطأ.
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ جَزَاءٌ كَامِلٌ
نبه بهذا على خلاف الشافعي في قوله: إنه ليس على الجميع إلا جزاء واحد.
ومنشأ الخلاف هل هو من باب الكفارة أو من باب الفدية؟ واستدل الشافعي بقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ (وقولنا أظهر؛ لأن الله تعالى سماه كفارة فقال: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ (.
وقوله: (الْمُشْتَرِكِينَ) أي: في قتل الصيد الممنوع بالإحرام والحرم.
وحكى في الذخيرة قولا كمذهب الشافعي فإنه قال: إن المشهور أن الجزاء من باب الكفارة.
وقيل: إنه من باب قيم المتلفات، وهو أحد الأقوال لنا وللعلماء انتهى.
فإِنْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَى الْقَاتِلِ، فَإِنْ قَتَلَهُ حَلالٌ فَعَلَى الْمُمْسِكِ، وَيَغْرَمُ الْحَلالُ لَهُ الأَقَلَّ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ أَمْسَكَهُ لِلْقَتْلِ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَهُمَا شَرِيِكَانِ، فَإِنْ قَتَلَهُ حَلالٌ فَعَلَى الْمُمْسِك.
يعني: أن المحرم إذا أمسك صيدا فإما أن يمسكه ليرسله أو يقتله.
والأول إن قتله حرام سواء كان محرما أو حلالا في الحرم، وجب الجزاء على القاتل فقط؛ لأن الممسك لا يمسكه للقتل، وإنما فعل ما يجوز له.
وإن قتله حلال وجب على الممسك جزاء لئلا يخلو الصيد عن الجزاء.
قوله: (وَيَغْرَمُ الْحَلالُ لَهُ الأَقَلَّ) أي: إذا ألزمنا الممسك الجزاء فإن الحلال القاتل يغرم للممسك الأقل من قيمة الصيد أو الجزاء.
وقال سحنون: لا شيء عليهما، أما الحلال فواضح، وأما الممسك فلأنه فعل ما يجوز له.
اللخمي: وهو القياس.
وإن أمسكه للقتل فإن قتله حرام فعلى كل واحد منهما الجزاء لأنهما شريكان في قتله، وإن قتله حلال فعلى الممسك فقط.
وحكى اللخمي عن أشهب فيما إذا أمسكه ليقتله: فإن قتله في يده حلال في الحرم فعلى كل واحد منهما الجزاء، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته والجزاء على المحرم وحده، قال: وقال محمد: على القاتل القيمة ما لم تكن أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول: كنت أقدر على السلامة بإطلاقه، فعليك ما أدخلت علي قتله.
انتهى والله أعلم.
وَمَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَهُ فَكَالْمَيْتَةِ لِلْحَلالِ وَالْحَرَامِ، وَلا جَزَاءَ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ ....
قوله: (وَمَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ) أي: مات بصيده، (أَوْ ذَبَحَهُ) يعني: من الصيد وإن لم يصده فهو في الوجهين كميتة لا يحل أكله لحلال ولا حرام.
ومن أكل منه فلا شيء عليه؛
لأنه أكل ميتة ولا شيء على آكلها، وهذا هو المشهور.
ووقع في رواية أشهب توقف في وجوب الجزاء إذا أكل المحرم من الصيد بعد ذبحه، أو أكل منه محرم آخر، وهذا هو مذهب الجمهور.
وذهب جماعة إلى أنه ليس بميتة، ودليلنا قوله تعالى: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ (والنهي يدل على الفاسد.
وما رواه البخاري ومسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة فقال: "خذوا ساحل البحر حتى نلتقي".
فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر، فقعر منها أتانا، فنزلنا وأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك فقال: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا.
قال: "كلوا ما بقي من لحمها".
وفي رواية: "هل معكم منه شيء؟ " فقلت: نعم، فناولته العضد فأكله.
فيه دليل على أنه لو أمره أحد أن يحمل، أو أشار إليها لم تؤكل.
وفي أبي داود: "صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يصطاد لكم".
زاد الترمذي: "وأنتم حرم".
فإن قلت: يشكل مذهب الجمهور بالشاة المغصوبة يذبحها الغاصب؛ لأنها ليست عندهم بميتة، فلا فرق بينهما وبين الضب يذبحه المحرم.
فالجواب: أن النهي في الصيد [207/ب] عن القتل، والذبح يستلزمه، بخلاف القصب.
ولأنه لما كان قصد الشارع الزجر عن قتله كان جعله ميتة على من صاده موافقا لذلك؛ إذ لو لم يجعل ميتة لتذرع الناس إلى إمساك الصيد وقتله ويعطون جزاؤه لخفة أمره؛ لأن طالبه غير معين، ولا كذلك المغصوبة، فإنها صورة نادرة، وطلبها معين.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ) أي: محرم، ولا جزاء على أكله بعد كسره.
وانظر هل يحكم لقشر البيض بالنجاسة أم لا؟
وَيَاكُلُ الْمُحْرِمُ مَا صَادَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَلالٍ
تصوره ظاهر ودليله حديث أبي قتادة المتقدم.
وحكى الباجي على ذلك الاتفاق.
وظاهر كلام ابن رشد حصول الخلاف في هذه الصورة ولفظه: وفي جواز أكل المحرم لحم ما صاده الحلال من الحل أربعة أقوال:
أهدها: أن ذلك جائز من غير تفصيل.
والثاني: أن ذلك لا يجوز من غير تفصيل.
والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يكون صيد له.
والرابع: أن ذلك جائز إلا أن يكون صيد له أو لغيره من المحرمين.
انتهى.
ولعله أراد الخلاف خارج المذهب، فإن الخلاف الذي ذكره منقول خارج المذهب، ويتفق نقله مع الباجي والله أعلم.
فَإِنْ صَيدَ أَوْ ذُبِحَ لِمُحْرِمٍ فَلا يَاكُلْهُ مُحْرِمٌ وَلا غَيْرُهُ، فَإِنْ أَكَلَهُ الْمُحْرِمُ عَالِماً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي صِيدَ لَهُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لا جَزَاءَ، وَغَيْرُ هَذَا خَطَأٌ ....
أي: سواء صيد لمحرم معين أو غير معين، رواه ابن المواز عن مالك.
وكون الحرمة عامة في حق من صيد له أو لم يصد له، حلالا كان أو حراما هو مذهب علي رضي الله عنه.
وفي الموطأ عن عثمان رضي الله عنه: إنما يمتنع الصيد إذا صيد لمحرم في حق من صيد له من المحرمين فقط.
قال في المدونة والمبسوط: ولم يأخذ مالك بحديث عثمان رضي الله عنه.
قوله: (أَوْ ذُبِحَ لِمُحْرِمٍ) لا يتناول من مراده الإحرام قبل إحرامه؛ لأن المحرم حقيقة من صدر منه الإحرام.
وذكر الباجي فيما للمحرم وتمت ذكاته قبل إحرامه روايتان بالجواز والكراهة.
وذكر أن الجواز رواه ابن القاسم وأشهب، وأن الكراهة أيضا رواها ابن القاسم.
وقال: الجواز أظهر.
قوله: (وإن أكل .... الخ) أي: إذا بنينا على أن ما صيد أو ذبح لمحرم لا يأكل منه حلال ولا حرام، فأكل منه محرم، فقال ابن القاسم: إن كان عالما أنه صيد من أجله أو من أجل محرم غيره فالجزاء عليه.
وإن لم يعلم فلا شيء عليه وإن صيد من أجله.
وبه قال أشهب؛ لأن أكله مع علمه لصيده كرضاه به.
والقول الثاني رواه محمد عن مالك: أن عليه الجزاء بشرط أن يكون هو الذي صيد له برضاه، وتتميمه الفساد.
ابن عبد البر: ولم يختلف قول مالك في المحرم يأكل من صيد يعلم أنه صيد من أجله أن عليه جزاء ذلك الصيد.
والقول الثالث لأصبغ: فلا جزاء على الآكل؛ لأنه لم يقتله والله عز وجل إنما أوجب الجزاء على القاتل، ولأن غاية أمره أن يكون أكل ميتة، ولا جزاء في أكلها.
ولما اتضح هذا لأصبغ صرح بخطأ ما عداه.
وظاهر كلام المصنف نفي الخلاف إذا أكله المحرم غير عالم سواء صيد من أجله أم لا، وإنما ذلك إذا أكله محرم ولم يصد من أجله.
وأما إن أكله من صيد لأجله فذكر اللخمي فيه ثلاثة أقوال يفصل في الثالث بين أن يكون عالما أو غير عالم.
وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ؛ فَلِذَلِكَ يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ وَالْحَلالُ فِي الْحَرَمِ بِخِلافِ الْحَمَامِ وَإِنْ لَمْ تَطِرْ؛ لأَنَّهَا مِمَّا يَطِيرُ ....
لما انقضى كلامه في الصيد والصائد أخذ يتكلم في المصيد، وذكر أنه يجوز ذبح الإوز والدجاج؛ أي: لأنه إنما يحرم الصيد.
قال في العتبية: ولا بأس أن يأكل بيض الدجاج والإوز، ولا يأكل بيض الحمام.
قال في المدونة: وكره مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي والحمامة الرومية التي لا تطير وإنما تتخذ للفراخ؛ لأنها من أصل ما يطير.
انتهى.
وهذه الكراهة تحتمل أن تكون على بابها، فإن فعل فلا جزاء، وهو مذهب مالك في كتاب ابن حبيب، ويحتمل أن تكون للمنع، فإن فعل فعليه الجزاء وهو قول مالك في الموازية وقول أصبغ.
فرع:
قال ابن القاسم: فإن أصاب المحرم حماما وحشيا بعد أن دجن وداه.
قال مالك: ولا يذبح فراخ برج له، ولا بأس بما ذبح أهله منه ولا يأكل هو ما ذبحوا له منه.
أشهب: ولا بأس أن يأكل ما ذبحوا منه لأنفسهم وهو محرم.
وَيَجَوُزُ أَنْ يَذْبَحَ الْحَلالُ فِي الْحَرَمِ الْحَمَامَ، وَالصَّيْدَ يُدْخِلُهُ مِنَ الْحِلِّ وَلَمْ يَكْرَهُهُ إِلا عَطَاءٌ ثُمَّ رَجَعَ ....
لأنهم لو منعوا ذلك لشق عليهم لطول أمرهم.
ولهذا قال سند: وأما العائد بالصيد إلى الحرم وهو عابر سبيل فلا يذبح فيه؛ لعدم الضرورة.
ابن القاسم: ويجب عليه إرساله، فإن أكله بعد خروجه من الحرم وداه.
وقال في العتبية: إنه لا بأس أن يذبح أهل مكة الحمامة الرومية التي تتخذ للفراخ.
ابن رشد: فيه دليل على أنهم لا يذبحون سائر الحمام وسائر الطير الوحشي وسائر الصيد إذا دخلوا به من الحل، قال: وهو خلاف المعلوم من المذهب، والأولى أن لو قال: يدخلهما من الحل؛ لأن العطف بالواو.
وكلامه يوهم عوده على الصعيد فقط وليس كذلك.
وَيَحْرُمُ قَطْعُ مَا يَنْبُتُ لا مَا يُستَنْبَتُ فِي الْحَرَمِ إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا، وَيُكْرَهُ اخْتِلاؤُهُ لِلْبَهَائِمِ لِمَكَانِ دَوَابِّهِ لا رَعْيُهُ ....
الأصل في هذا ما رواه البخاري ومسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحمة الله إلى يوم القيامة، وأنما لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل [208/أ] لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها".
فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم فقال: "إلا الإذخر".
والعضد: القطع.
والخلى: مقصور بفتح الخاء: الحشيش إذا كان رطباً.
واختلاؤه: قطعه.
والإذخر: نبت معروف طيب الرائحة.
والقين: الحداد.
زاد أهل المذهب: السنا لشدة الحاجة إليه في الأدوية ورأوه من قياس الأولى؛ لأن حاجة الناس إليه أكثر من حاجة أهل مكة إلى الإذخر.
وقوله: (مَا يَنْبُتُ) أي: بنفسه من عند الله.
وقوله: (لا مَا يُستَنْبَتُ) أي: بعلاج كشجر الرمان وغيره.
والبقل كله كالكرات والخس والسلق وشبهه، فيجوز قطعه.
وقوله: (إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا) مستثنى من قوله: (وَيَحْرُمُ).
وقوله: (وَيُكْرَهُ اخْتِلاؤُهُ) نحوه في المدونة ولفظها: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل، وإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم.
وأكره لهم ذلك.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخبط، وقال: "هشوا وارعوا".
مالك: والهش: تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق، ولا يخبط ولا يعضد.
وَلَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنْبَتُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالنَّظَرُ إِلَى الْجِنْسِ
أي: لو نبت بنفسه ما جرت عادته ألا ينبت إلا بفعل الآدمي جاز قطعه، ولو استنبت ما كان ما عادته أن ينبت بنفسه كالبقول البرية وأم غيلان لم يجز قطعه، وهذا معنى قوله: (فَالنَّظَرُ إِلَى الْجِنْسِ) ونحو هذا في الجواهر، قال الباجي: ما غرس مما ينبت بنفسه فإنه يجوز قطعه عندي، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، ووجه الإباحة أنه بمنزلة المتأنس من الوحش، فإن المحرم لا يمنع منه، قال: وإن كان مما يستنبت جاز، سواء نبت بنفسه أو بفعل آدمي، وهو كالمتأنس من الحيوان إذا توحش، فإن المحرم لا يمنع من صيده.
انتهى.
قال في الذخيرة: ويكره له قطع شجر غير الحرم إذا دخل في الحرم؛ لأنه ينفر بذلك الصيد منه، ورخص مالك في قطع العصا والعصوين من غير شجر الحرم.
انتهى.
والذي في النوادر: ومن الموازية: قال مالك: لا بأس أن يقطع في غير الحرم من الشجر مثل العصا والعصوين والقضيب لحاجته.
قال مالك: ولا يخبط في الحرم لبعيره، ولا بأس أن يتفلى الحلال بالحرم.
وَلا جَزَاءَ فِي جَمِيعِهِ
يعني: أنه لا جزاء في قطع ما ذكرنا أنه لا يجوز قطعه، وإنما عليه الاستغفار خلافا لأبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما.
وَالْمَدِينَةُ مُلْحَقَةٌ بِمَكَّةَ فِي تَحْرِيمِ الصَيْدِ والشَّجَرِ وَلا جْزَاءٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
ما ذكره من إلحاق المدينة بمكة نبه به على خلاف أبي حنيفة.
ودليلنا ما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاها ويقتل صيدها" أي: بين الحرار الأربع.
ابن حبيب وغيره: وإنما ذلك في الصيد، وأما في قطع الشجر فبريد في بريد، وقاله مالك.
والمشهور ما ذكره المصنف في نفي الجزاء في قتل صيدها، إما لأن الكفارات لا يقاس عليها، وإما لأن حرمة المدينة عندنا أشد فكانت كاليمين الغموس.
والشاذ لابن نافع.
واستدل في الذخيرة للمشهور بإجماع أهل المدينة، ولو كان فيه جزاء لعلم بالضرورة عندهم لتكرره.
اللخمي: وعلى قول ابن نافع يحرم أكله.
قال أشهب في الموازية: سئل مالك عن أكله، فقال: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لأكرهه.
وفي الذخيرة: اختلف قول مالك في تحريم أكل هذا الصيد، وهو الأظهر سدا للذريعة، وقال مرة: يكره.
وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّدَ مَعَالِمَ الْحَرَمِ بَعْدَ الْكَشْفِ، وَحَدَّ الْحَرَمَ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، يَنْتَهِى إِلَى التَّنْعِيمِ، وَمِنَ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ إِلَى الْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِمَا يَلِي الْيَمَنَ سَبْعَةٌ إِلَى أَضَاةَ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةٌ إِلَى مُنْتَهَى الْحُدَيْبِيَّةِ، وَيُعْرَفُ الْحَرَمُ بِأَنَّ سَيْلَ الْحِلَّ إِذَا جَرَى نَحْوَهُ وَقَفَ دُونَهُ ...
وقوله: (وَقَالَ مَالِكٌ ... إلخ) هو لمالك في المدونة.
وقوله: (وَحَدَّ الْحَرَمَ) هو كذلك في النوادر، ولفظه: ومن غير الموازية لغير واحد من أصحابنا: أن حد الحرم مما يلي المدينة نحو أربعة أميال إلى منتهى التنعيم.
وما يلي العراق ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال إلى موضع يقال له: أضاة.
ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية.
قال مالك: والحديبية في الحرم.
انتهى.
الباجي: وفيه نظر والذي عندي أن بين مكة وعرفة ثمانية عشر ميلاً، وهو نحو ما بين مكة والحديبية، وبين مكة والجعرانة، وبين مكة وحنين، وهذه مسافات متقاربة، ولو كان بين مكة والحديبية عشرة أميال لم يكن بين مكة وجدة ما تقصر فيه الصلاة، وقد قال مالك: إن بينهما ثمانية وأربعين ميلا وتقصر فيه الصلاة، وإنما يقع الاختلاف لاختلاف الناس في الحزر في قدر الميل، والذي حكى ابن حبيب أنه ألف باع وكل باع بذراعين، وأهل الحساب وكثير من الناس [2008/ب] معتمدون على أن كل باع أربعة أذرع.
وأما التنعيم فإني أقمت بمكة وسمعت أكثر الناس يذكرون أنها خمسة أميال ولم أسمع في ذلك اختلافا مدة مقامي بها، ولو كان بين مكة والتنعيم أربعة أميال لوجب أن يكون بين مكة والحديبية على هذا التقدير قريب من خمسة عشر ميلاً؛ لأنه أزيد من ثلاثة أمثالها.
انتهى.
قال في النوادر: وقال ابن القاسم: ومزدلفة في الحرم، وسمعت بأن الحرم يعرف بأن لا يجري سيل من الحل فيدخل الحرم، وإنما يخرج السيل من الحرم إلى الحل وهو يجري من الحل، فإذا انتهى إلى الحرم وقف ولم يدخل ليه، ولا يدخل الحرم إلا سيل الحرم.
الْمَوَانِعُ مِنْهَا حَصْرُ الْعَدُوِّ وَالْفِتَنُ، وَهُوَ مُبِيحٌ لِلتَّحَلُّلِ، وَنَحْرِ الْهَدْيِ فَيَنْحَرُ وَيَحْلِقُ حَيْثُ كَانَ وَيَرْجِعُ، فَإِنْ أَخَّرَ حِلاقَهُ إِلَى بَلَدِهِ حَلَقَ وَلا دَمَ، إِلا أَنْ يَرْجُوَ زَوَالَهُ فِيمَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ ...
قوله: (الْمَوَانِعُ) أي: من الحج.
وهي خمسة كما سيأتي وهي: العدو وفي معناه الفتن والمرض وحبس السلطان ومنع السيد والزوج، وزاد ابن شاس منع الأبوين.
وكأن المصنف أسقطه؛ إما لأنه مختلف فيه وإما لأنه لا يمنع من إتمام النسك وإن منع منه ابتداء – بخلاف العدو والمرض وحبس السلطان ومنع السيد فإنها تمنع ابتداء ودواماً.
واختلف في الزوجة هل تمنع الدوام أم لا؟
قوله: (وَهُوَ) أي: الحصر في العدو والفتن مبيح للتحلل من النسك موجب لنحر الهدي إن كان معه، إلا أن يرجو الزوال كما قال المصنف.
فرع:
فإن قدر على التقرب لمكة ومنع منها فقال الباجي: له عندي أن يحل بموضعه.
اللخمي: فالمعنى: وللمحصر بالعدو خمس حالات يصح الإحلال في ثلاث ويمنع في وجه، ويصح في وجه إذا اشترط الإحلال.
وأما الثلاثة: فإن يكون العدو طارئا بعد الإحرام أو متقدما ولم يعلم أو علم وكان يرى أنه لا يصده، وقد أحرم النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون بمكة، وهو يرى أنهم لا يمنعونه، فلما منعوه حل، والرابع: أن يعلم منعهم إياه فهذا لا يجوز له الإحلال.
واعترضه ابن بشير وقال: ظاهر المذهب أن له التحلل كيف كان الأمر.
وفيه نظر فقد نقل الباجي عن ابن المواز عن مالك أن من علم بالحصر لا يحرم، فإن فعل فليس له حكم المحصور.
ابن هارون: وما رأيت خلافا كما نقله الباجي واللخمي انتهى.
واقتصر التونسي على أنه إذا أحرم بعد علمه بالحصر أنه لا يحل إلا بالبيت.
وكذلك نقل سند ابن القاسم أنه إذا أحصر ثم أحرم فلا يحله إلا البيت؛ لأنه ألزم نفسه ذلك بعد العلم بالمنع كالمسافر يصبح صائما في السفر.
الخامس: أن يشك في ذلك فهذا إن منعوه لم يحل إلا أن يشترط الإحلال كما فعل ابن عمر.
خليل: وظاهر المذهب أن شرط الإحلال لا ينفع؛ لأن الازري لما تكلم عن حديث ضباعة الذي في مسلم، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لها: "حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني".
زاد النسائي: "فإن لك على ربك ما استثنيت".
قال جمهور الفقهاء إن ذلك لا ينفع، وحملوا حديث ضباعة على أنها قضية في عين خصت لهذه المرأة.
قال صاحب الإكمال: لا يرى مالك وأبو حنيفة الاشتراط نافعا خلافا لأحمد.
وعن الشافعي القولان.
وتأوله آخرون على معنى النية بالتحلل بعمرة، وقد جاء ذلك مفسراً في بعض الروايات.
قال الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح.
قال النسائي: لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر، وقد أنكر الزهري الاشتراط.
انتهى.
النووي: وهذا الذي عَرَّض به القاضي وقال به الأصيلي من تضعيف الحديث غلط فاحش جدا نبهت عليه لئلا يغتر به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة.
وفي ذكر مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية.
وقوله: (ولو أَخَّرَ حِلاقَهُ إِلَى بَلَدِهِ حَلَقَ وَلا دَمَ) مثله في المدونة؛ لأن الحلاق لما وقع في غير زمانه ومكانه لم يكن نسكاً بل تحللاً فقط.
وَفِيمَا يُكْتَفَى بِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ؛ الظَّنُّ وَالشَّكُّ وَالْعِلْمُ، وَرَوَى أَشْهَبُ يَنْتَظِرُ حَتَّى لَوْ خُلِّيَ لَمْ يُدْرِكِ الْحَجَّ ....
أي: وفيما يكتفى به في جواز الإحلال ثلاثة أقوال؛ قيل: يكتفى بالظن لأن الأحكام في الغالب تناط به، وقيل: بالعلم؛ لأنه لما دخل فيه لزمه فلا يخرج إلا بيقين.
ابن راشد: وهذه الأقوال لم أقف عليها على هذه الصور، ففي التبصرة: مذهب ابن القاسم أنه إذا كان على إياس من انكشاف العدو حل مكانه، وإن كان يرى أنه يذهب قبل ذلك أو يشك أمسك إلى وقت ذهاب العدو ولم يدرك فحينئذ يحل، فعلق الإحلال بالإياس، وذلك قد يحصل بالعلم وبغلبة الظن، وأما الشك فلا.
وقد صرح بأنه يمسك إذا شك.
وقال أشهب: لا يحل إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة.
وقال ابن بشير: إن تيقن دوام العدو إلى أن يفوته الحج فههنا قولان؛ المشهور أنه يحل، وإن تيقن زوال المانع أو شك فلا يجوز له التحلل بلا خلاف.
فحكى الاتفاق في الشك، فتأمل هذا الموضع [209/أ] فإنه عندي مشكل.
وقال ابن هارون: وما علمت من قال إنه يباح له التحلل بالشك غير المؤلف.
انتهى.
واعلم أنه وقع في المدونة موضعان؛ الأول أنه إذا يئس أن يصل إلى البيت فيحل بموضعه حيث كان.
قال في التهذيب: وقال في موضع آخر: لا يكون محصورا حتى يفوته الحج ويصير إن خلي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام.
فذهب ابن يونس إلى أن الأول راجع إلى الثاني، قال: وقاله بعض شيوخنا.
وقال غيره: بل ذلك اختلاف قول، والأول أبين.
انتهى.
قوله: (وَرَوَى أَشْهَبُ) قد تقدم وجهه أن الحج لما كان معلقاً بوقت وكان الإمساك عن الوطء والطيب وغيره طاعة، وقد التزم المحرم بالحجِ الإمساكَ عن هذه الأشياء إلى وقتٍ كان عليه أن يبقى على تلك الطاعة إلى ذلك الوقت.