قال في التنبيهات: وبنت المخاض: هي التي كمل سنها سنة فحملت أمها؛ لأن الإبل سنة تحمل وسنة تربي، فأمها حامل وقد مخض بطنها الجنين، أو في حكم الحامل إن لم تحمل، فإذا كمل لها سنتان ووضعت أمه وأرضعت فهي لبون، وابنها المتقدم ابن لبون، فإذا دخل في الرابع فهو حق والأنثى حقة؛ لأنهما استحقا أن يحمل عليهما، واستحق أن يطرق منهما الذكر الأنثى، واستحقت الأنثى أن تطرق ويحمل عليها.
وَعَلَى التَّخْبِيرِ، فَفِي ثُبُوتِهِ مَعَ أَحَدِ السِّنَّيْنِ قَوْلانِ
أي: وإذا فرعنا على رواية التخيير، فهل التخيير ثابت سواء وجد ثلاث بنات لبون وحقتان أو فقد أحدهما، أو لا يكون إلا إذا وجدا أو فقدا.
فحاصله: أن القائلين بالتخيير اتفقوا عليه إذا وجدا أو فقدا، واختلفوا إذا وجد أحدهما وفقد الآخر.
والقول بالخيار مطلقاً لابن المواز، والأقرب خلافه؛ للأمر بالرفق بأرباب المواشي، وهو قول ابن عبدوس، ونحوه لمالك في المجموعة.
ثُمَّ لا يُعْتَبَرُ إِلا الْعَشَرَاتُ
أي: أنه بعد المائة والثلاثين لا يعتبر إلا العشرات.
وضابط ذلك: أن الثلاثين ومائة فيها حقة وبنتا لبون، فكلما زادت عشرةً أزيلت بنت لبون وجعل مكانها حقة، فإذا صارت جميع بنات لبون حقاقاً وزادت عشراً، رد الكل بنات لبون وزيد على عدد الحقاق واحدة من بنات اللبون.
ثم إذا زادت عشراً جعل مكان بنت اللبون حقة، ثم كذلك، ففي المائة والأربعين حقتان وبنت لبون، فإذا زادت عشراً فثلاث حقق، فإذا زادت عشراً، فإذا زادت عشراً فأربع بنات لبون، ثم كذلك.
وَفِي الْمِائَتَيْنِ، ثَالِثُهَا: إِنْ وُجِدَا خُيِّرَ السَّاعِي وَإِلا خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ، وَرَابِعُهَا: الْمَشْهُورُ يُخَيَّرُ السَّاعِي إِنْ وُجِدَا أَوْ فُقِدَا لا أَحَدُهُمَا .....
الواجب في المائتين: إما أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ لحصول نوع الوجهين اللذين علق الحكم عليهما، إذ فيهما خمسون أربع مرات وأربعون خمس مرات.
ثم اختلف
هل يرجح جانب الساعي، قاله أصبغ، أو يرجح جانب رب المال، قاله عبد الوهاب؟ وقال مالك في الموازية: [132/ ب] إن وجد السِنَّانِ خير الساعي، وإن فقدا أو فقد أحدهما خير رب المال؛ لأن في تخيير الساعي عليه- والحالة هذه - ضرر، والمشهور أن الساعي مخير إن وجدا أو فقدا، فإن وجد أحدهما وفقد الآخر خير رب المال.
فَإِنْ وُجِدَ ابْنُ اللَّبُونٍ فَقُطْ فِي الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً
لقوله في الحديث: "فإن لم توجد بنت المخاض فابن لبون ذكر".
أما إن وجد بنت مخاض وابن لبون، فلا يؤخذ إلا ابنة المخاض؛ لأنها الأصل، وليس لصاحب الإبل أن يعطي ابن لبون، ولا للساعي أن يجبره على ذلك.
واختلف إذا تراضيا فأخذه، فأجازه ابن القاسم في المدونة، ومنعه أشهب.
اللخمي: والأول أصوب.
وقد يكون في أخذه نظر للمساكين، إما لأنه أكثر ثمناً، أو لينحره لهم يأكلونه لكونه أكثر لحماً؛ لأنه أكبر سنا.
لما ذكر ابن بشير القولين قال بعد القول بعدم الإجزاء: وهذا بناء على أن القيم تجزئ، أو على أن هذا قد يجب يوماً ما، ولم يخرج بالكلية عن النوع، فخالف القيم.
انتهى.
فَإِنْ فُقِدَا، كَلَّفَهُ السَّاعِي بِنْتَ مَخَاضٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ، إِلاَّ أَنْ يَرَى ذَلِكَ نَظَراً.
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ أَتَى بِابْنِ لَبُونٍ قُبِلَ ...
يقع في بعض النسخ (فُقِدَا) بألف التثنية، والضمير على هذه عائد على ابن اللبون وابنة المخاض.
ويقع في بعض النسخ (فقد) بغير ألف، والضمير حينئذٍ عائد على ابن اللبون؛ لأنه قد ذكر بنت المخاض بقوله: (وإن وجد ابن اللبون فقط) يعني: فإن حصل عنده خمس وعشرون وليست عنده بنت مخاض ولا ابن لبون، فإن الساعي يكلف بنت مخاض.
والمنصوص أنها تتعين كما لو وجدا.
وقوله: (إِلاَّ أَنْ يَرَى ذَلِكَ نَظَراً) فيه نظر؛ لأنه قال في التهذيب: فإن لم يوجدا؛ أي: بنت مخاض وابن لبون، أجبر ربها على أن يأتي بابنة مخاض، إلا أن يدفع خيراً منها فليس للساعي ردها، فإن اتى بابن لبون لم يأخذه الساعي إلا أن يشاء، ويرى ذلك نظراً.
فأنت تراه إنما جعل محل النظر بعد الإتيان به.
ومقتضى كلام المصنف: أن للساعي أن يكلفه ذلك ابتداء، وليس كذلك، وقد اعترضه ابن عبد السلام كذلك.
ونقل محمد عن أشهب: أنه ليس للمصدق أخذ ابن اللبون.
وقوله: (عَلَى الْمَنْصُوصِ) إشارة إلى ما أخذه ابن المواز من قول ابن القاسم في التخيير، وذلك أن ابن القاسم استشهد على تعيين بنت المخاض إذا عدما بقول مالك في المائتين إذا عدم منهما الحقاق وبنات اللبون، أن يخير الساعي كما لو وجدا.
والحكم إذا وجدت بنت المخاض: أنها تتعين، فيلزم مثل ذلك إذا عدما.
قال اللخمي: فحمل محمد على ابن القاسم أنه يقول بالخيار؛ لاستشهاده بالمائتين، وليس الأمر كذلك، فقد بين ذلك في المدونة، وقال: عليه أن يأتي بابنة المخاض أحب أم كره.
انتهى.
وقوله: (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ أَتَى بِابْنِ لَبُونٍ قُبِلَ) الظاهر أن مراده بهذا ما ذكره اللخمي، ولفظه: ويختلف إذا لم يلزم المتصدق ابنة مخاض حتى أحضر صاحب الإبل ابن لبون، فقال ابن القاسم: يجبر المصدق على قبوله، ويكون بمنزلة ما لو كان فيها، وعلى أصل أصبغ لا يجبر.
انتهى.
وَإِذَا رَضِيَ الْمُصَّدِّقُ سِنّاً أَفْضَلَ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً
المصدق: بتشديد الصاد هو رب الماشية، وهو المراد هنا، وأصله المتصدق فقلبت التاء صاداً وأدغمت في مثلها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: 21] وأما بتخفيفها فهو الساعي، قاله الجوهري وغيره.
أي: إذا رضي رب الماشية بإعطاء سن أفضل مما عليه أجزأ اتفاقاً؛ لأنه أتى بالواجب وأحسن بالزيادة، وإذا بذل الأفضل لزم الساعي قبوله ولا خيار له، قاله في المدونة.
وهذا أولى من كلام ابن عبد السلام، فإنه قال: وقول المؤلف: (فإن رضي المصدق ..) إلخ.
ظاهره أنه لا يتم إلا برضا المصدق، والمذهب أنه لا يحتاج إلى رضاه، بل يلزمه قبول الأفضل إذا تطوع به رب المال، وهذا إنما يأتي إذا قرأنا المصدق بالتخفيف، وأما بالتشديد كما ذكرنا فلا.
فَإِنْ أَعْطَى عَنِ الْفَضْلِ أَوْ أَخَذَ عَنِ النَّقْصِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمَشْهُورِ
قال في المدونة: ولا يأخذ الساعي دون السن المفروضة وزيادة ثمن ولا فوقها ويؤدي ثمناً.
وظاهره المنع كما شهره المصنف.
اللخمي: وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس بذلك.
وقال ابن القاسم في المجموعة: يكره، فإن فعل أجزأ.
انتهى.
ابن يونس: وقال أصبغ في الموازية: إن أعطى أفضل مما عليه وأخذ لزيادة الفضل ثمناً، فلا شيء عليه إلا رد الزيادة وبالعكس.
فظاهره المنع كظاهر المدونة؛ لكن قال الباجي بعد ذلك: فإن فعل، فقال: ابن القاسم، وأشهب، وسحنون: يجزئه.
ابن زرقون: يريد إن وقع لا أنه يجوز ذلك ابتداء.
ولعل الخلاف هنا مبني على الخلاف في إخراج القيم، بل الإجزاء هنا أقرب؛ لكونه لم يخرج عن الجنس بالكلية.
وحكى ابن بشير في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجوز ابتداء.
والثاني: مكروه، وإن وقع أجزأ.
والثالث: لا يجزئ، إلا أن يعطي أفضل ويأخذ ثمناً فيرد الثمن المأخوذ.
قال: وهذا مع فوات المأخوذ، أما إن [133/ أ] كان قائماً فليسترده على هذا القول ويخرج الواجب.
انتهى.
تنبيه:
ذكر غير واحد أن المشهور أن إخراج القيمة مكروه؛ لأنه غير مجزئ، كما سيقوله المصنف.
ونص ابن يونس هنا على أن الصواب الإجزاء، وقال: هو من ناحية كراهة اشتراء المرء صدقته.
وكذلك نص سند.
وعلى هذا، فلا يبعد حمل كلامه في المدونة على الكراهة، وعلى هذا فيقرأ كلام المصنف (لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمَشْهُورُ) بسكون الزاي، بمعنى: أنه لا يجوز ابتداء، لا (لم يجزِ) بكسر الزاي، بمعنى: أنه لا يجزئ، فإن النقل لا يساعد ذلك.
فرع:
لو أخرج بعيراً عن خمسة أبعرة بدلاً من الشاة الواجبة.
قال في الجواهر: فأطلق القاضيان أبو الوليد، وأبو بكر القول بأنه لا يجزئ وقال أبو الطيب عبد المنعم القروي من أصحابنا: من أباه ليس بشيء؛ لأنه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه.
ابن عبد السلام: والصحيح الإجزاء.
وَالْغَنَمُ فِي الشَّنَقِ الضَّانُ، إِلا أَنْ يَكُونَ جُلُّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزَ فَتُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ غَنَمُهُ مُخَالِفاً لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ ...
(الشَّنَقِ): بالشين المثلثة من فوق وفتح النون- قاله في التنبيهات- قال مالك: وهو ما يزكى من الإبل بالغنم.
والمعتبر في ذلك الضأن، إلا أن يكون جل غنم البلد المعز، فيؤخذ المعز حيئنذٍ إن كان غنمه معزاً اتفاقاً.
وكذلك إن كان غنمه ضأناً على المشهور اعتباراً بجل غنم البلد.
والشاذ: تؤخذ مما عنده، رواه ابن نافع عن مالك، وهو قول ابن حبيب، ونص ما نقله الباجي عنه.
وقال ابن حبيب: إن كان من أهل الضأن فمنها، وإن كان من أهل المعز
فمنها، وإن كان عنده الصنفان خير الساعي.
ومتقضى كلام المصنف: أنه إذا تساويا يؤخذ من الضأن؛ لأنه عين الضأن بقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ جُلُّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزَ).
ابن عبد السلام: والأقرب في هذه الصورة تخيير الساعي.
وكذلك قال ابن هارون وزاد: ويخير رب المال.
وَأسْنَانُ الإِبِلِ: حُوَارٌ، ثُمَّ بِنْتُ مَخَاضٍ، ثُمَّ بِنْتُ لَبُونٍ، ثُمَّ حِقَّةٌ، ثُمَّ جَذَعَةٌ، ثُمَّ ثَنِيٌّ، ثُمَّ رَبَاعٌ، ثُمَّ سَدِيسٌ، ثُمَّ بَازِلٌ، ثُمَّ مُخْلِفٌ، ثُمَّ بَازِلُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ، ثُمَّ مُخْلِفُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ.
فَالْحُوَارُ: اسْمُهُ قَبْلَ سَنَةٍ، فَإِذَا كَمُلَتْ فَبِنْتُ مَخَاضٍ، ثُمَّ كَذَلِك إِلَى آخِرِها .....
مرجع هذا إلى أهل اللغة.
وما ذكره المصنف وإن كان في بعضه خلاف فهو المشهور وحاصل كلامه: أنه إذا ذكر (ثم) يقتضي أن بين كل سن والذي بعده سنة، وإن ذكر (أو) يقتضي التخيير في إطلاق ذلك عليه.
فالحوار: اسمه قبل سنة، فإذا كملت فبنت مخاض، فإذا كملت الثانية فبنت لبون، ثم كذلك إلى آخرها.
وانظر هل يطلق على الذي له عشر سنين أربع أسامٍ: بازل عام أو عامين، ومخلف عام أو عامين.
وكلام الجوهري يقتضي أن سن الحوار لا يتصل بسن ابن المخاض بل بينهما سن الفصيل؛ لأنه جعل ولد الناقة يسمى حواراً إلى أن يفصل، فإذا فصل سمي فصيلاً، ثم يجعل ابن مخاض بعده مستدلاً بقول الفرزدق:
وجدنا نهشلا فضلت فقيما كفضل ابن المخاض على الفصيل
والمحتاج إليه في الزكاة الأربع الأول التي بعد السن الأول، ويحتاج في الضحايا إلى الثني، وذكر البقية استطراداً وتتميماً للفائدة مع عدم الطول.
الْبَقَرُ: فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَمُسِنَّةٌ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ فَتَبيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ ....
هذا ظاهر لم يختلف فيه عندنا.
وتقييد التبيع بالذكر والمسنة بالأنثى تأكيداً.
وقوله: (ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعُ ..) إلخ.
هو كما قدمنا من الضابط في الإبل، ففي ستين تبيعان، فإذا زادت عشراً عوض عن أحدهما مسنة، فإذا زادت عشراً جعلا مسنتين، فإذا زادت عشراً كان الواجب ثلاثة أتبعة، ثم كذلك.
تنبيه:
ولا يصح هذا الضابط بعد المائة وعشرين؛ لأن في مائة وستين أربع مسنات، فلو صح أن يفعل ما تقدم؛ لوجب أن يكون في مائة وسبعين خمسة أتبعة، والخمسة الأتبعة تجب في مائة وخمسين؛ لأنها ثلاثون خمس مرات، فيلزم أن يكون عشرون بغير زكاة.
وَالْمِائَةُ وَالْعِشْرُونَ فِيهَا كَالْمِائَتَيْنِ مِنَ الإِبلِ
أي: أنه اختلف في المائة والعشرين من البقر؛ لإمكان عدها بالأربعين والثلاثين على أربعة أقوال، كما في المائتين من الإبل، وهو واضح.
وَيُجْزِئُ التَّبِيعُ الذَّكَرُ، وَفِي أَخْذِ الأُنْثَى مَوْجُودَةً كُرْهاً قَوْلانِ
قوله: (وَيُجْزِئُ التَّبِيعُ الذَّكَرُ) مستغنى عنه بما قدمه، لكن أعاده ليرتب عليه ما بعده.
قوله: (وَفِي أَخْذِ الأُنْثَى) يعني: أنه اختلف هل للساعي أخذ التبعية الأنثى كرهاً أم لا؟ وسواء وجدا معاً أو وجدت التبعية فقط؟ وقد ذكر التلمساني الخلاف إذا لم يوجد في البقر إلا التبعية.
وعلى هذا فتخصيص ابن عبد السلام فرض المسألة بوجودهما معاً ليس بظاهر، وإن كان ذكر [133/ ب] الخلاف في وجودهما يستلزم وجود الخلاف إذا
لم يوجد إلا التبعية، لكن هذا ليس من شأن الشراح، والمشهور: ليس للساعي الجبر (لما ورد من الرفق بأرباب المواشي، والشاذ لابن حبيب وهو مشكل.
وَالَّتبِيعُ: الْجَذَعُ الْمُوَفِّي سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةً.
وَالْمُسِنَّةُ: الْمُوَفَّيَةُ ثَلاثاً، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ
الخلاف في المسنة مرتب على الخلاف في التبيع.
والقول الثاني لعبد الوهاب، والأول لابن حبيب وابن المواز.
ومقتضى كلامه أنه المشهور.
وقال ابن بشير: وهو الصحيح عند أهل اللغة.
ونقل ابن نافع في المجموعة: أن سنه ثلاث سنين.
ونقل التلمساني في اللمع: أن المسنة ما أوفت أربعاً ودخلت في الخامسة.
الْغَنَمُ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَشَاتَانِ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ وَشَاةً فَثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةً فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ...
هكذا ورد في الحديث.
وَفِي الْمُجْزِئِ ثَلاثَةٌ: الْمَشْهُورُ الْجَذَعُ مِنْهُمَا جَمِيعاً مُطْلَقاً.
ابْنُ الْقَصَّارِ: الْجَذَعَةُ الأُنْثَى.
ابْنُ حَبِيبِ: الْجَذَعُ مِنَ الضَّأنِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ كَالضَّحِيَّة
يعني: وفي أقل السن المجزئ في زكاة الغنم ثلاثة أقوال: المشهور: أنه الجذع منهما، أي: من الضأن والمعز.
وقوله: (جَمِيعاً) تأكيد.
وقوله: (مُطْلَقاً) أي: ذكراً أو أنثى.
وقال ابن القصار: لا يجزئ الجذع منهما؛ أي: من الضأن والمعز، وإنما تجزئ الجذعة منهما.
وقاس ابن حبيب هذا على الضحايا، فقال: إنما يجزئ الجذع من الضأن والثني من المعز، ولا يجوز أن يكون ذكراً؛ لأنه تيس، إلا أن يكون مسناً من كرائم المعز فيلحق بالفحول، ويجزئ إن طاع به ربه، هكذا نقل عنه جماعة، وكأن المصنف ترك هذا لما سيقوله: أن التيس من الشرار، وفيه ضعف؛ لأن التبيع يجزئ هنا ولا يجزئ في الأضحية.
والثني: بالثاء المثلثة.
وَفِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّانِ أَرْبَعَةٌ: سِتَّةٌ، وَثَمَانِيَةٌ، وَعَشَرَةٌ، وَسَنَةٌ.
وَالثَّنِيُّ: ما دَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ ...
أي: وفي سن الجذع من الضأن والمعز أربعة أقوال: والقول بستة أشهر لابن زياد وأما الثاني فلم أره معزواً.
والثالث لابن وهب.
والقول بأنه سنة لأشهب، وابن نافع ويقع في بعض النسخ تشهيره.
قال في الجواهر: وهو الذي صدر به في الرسالة، قال فيها: والجذع ابن سنة، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر.
والثني من المعز: ما أوفى سنة ودخل في الثانية.
وبقي هنا شيء؛ وهو أنه إذا كان المشهور في الجذع هو ابن سنة، فلا فرق بينه وبين الثني؛ لأنه إذا كان ابن سنة فقد دخل في الثانية.
خليل: ويمكن أن يجاب عن هذا بوجهين:
الأول: أن من قال الجذع ابن سنة، قال: إن الثني ما دخل في الثانية.
وقد ذكر التلمساني هذا القول عن ابن حبيب، ويؤيده ما قاله غير واحد: أن التحاكم في هذا إلى أهل اللغة.
والذي قاله الجوهري أنه يقال: الجذع لولد الشاة في السنة الثانية.
قال: والثني الذي بلغ ثنيته، ويكون في الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة.
انتهى.
والثاني: لعل مراد من قال الثني ما دخل في الثانية، الدخول البين، ويرجح هذا أن الشيخ أبا محمد نص في الرسالة على أن الجذع من الضأن ابن سنة، مع أنه قال: والثني من المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية.
وَلا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ الأَمْوَالِ: كَالأَكُولَةِ، والَفحْلِ، وَالرُّبَّى، وَذَاتِ اللَّبَنِ.
وَلا شِرَارُهُ: كَالسَّخْلَةِ، وَالتَّيْسِ، وَالْعَجْفَاءِ، وَذَاتِ الْعَوَارِ ...
لما في الموطأ عنه عليه الصلاة والسلام من النهي عن حَزَرات أموال الناس، وهي الخيار.
ولما في أبي داود: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، إلا أن يشاء المصدق".
و (الأَكُولَةِ) قال مالك: هي شاة اللحم تسمن لتؤكل، وسواء كانت ذكراً أو أنثى.
و (الَفحْلِ) هو المعد للضراب.
و (وَالرُّبَّى) بضم الراء وتشديد الباء ذات الولد.
و (وَذَاتِ اللَّبَنِ) هي صاحبة اللبن الذي ينظر إليه غالباً.
و (السَّخْلَةِ) الصغيرة.
و (التَّيْسِ) الذي ليس معداً للضراب.
و (الْعَجْفَاءِ) المريضة.
و (الْعَوَارِ) بفتح العين هو العيب مطلقاً.
قال ابن حبيب، وابن يونس: هو الذي في الحديث.
قال: وأما بضم العين فهو العور، وكذلك ذكر التلمساني.
وهكذا نقل صاحب الاستذكار قال: وقيل في ذلك بالضد.
ابن يونس: وقيل بضم العين فيهما.
قال في المدونة: وإن شاء المصدق أن يأخذ ذات العوار، أو التيس، أو الهرمة أخذها إن كانت خيراً.
فَإِنْ كَانَتْ كَرَائِمَ كُلَّهَا، أَوْ شِرَاراً كُلَّهَا، فَالْمَشْهُورُ: يَاتِي بِمَا يُجْزِئُهُ.
وَثَالِثُهَا: تُؤْخَذُ إِلا أَنْ تَكُونَ خِيَاراً.
وَرَابعُهَا: تُؤْخَذُ إَلا أَنْ تَكُونَ سِخَالاً .....
إن كان في الغنم وسط فلا إشكال في أخذه، وإن لم يكن بل كانت خياراً كلها أو شراراً كلها، فذكر المصنف أربعة أقوال.
والقول بأنه يأخذ منها مطلقاً [134/ أ] عزاه ابن بشير لابن عبد الحكم، لكن ذكر هو وغيره أن ابن عبد الحكم لم يصرح به، بل قال: لولا خلاف أصحابنا لكان بيناً أن يأخذ منها واحدة.
وعلى هذا فعده قولاً مشكلاً لأنه لم يصرح به.
والقول بأنها تؤخذ إلا أن تكون خياراً ذكره ابن بشير.
والقول بأنها تؤخذ إلا أن تكون سخالاً، نسبه اللخمي لمطرف في ثمانية أبي زيد.
ابن عبد السلام: والقول الرابع هو مذهب المدونة، إلا أن معناها عندي إذا تأمل أن المصدق إذا رأى الأخذ من الشرار فله ذلك، بشرط أن تكون كلها كذلك ولا يؤخذ من السخال حينئذٍ، والأول هو المشهور وهو أقرب إلى لفظ الآثار.
ثم قال: وتبع المصنف في نقل هذا
الفرع ابن بشير، وطريق ابن شاس عنديأقربإلى التحقيق، فانظرها في كتابه.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأنه قال فيها: وإذا كانت الغنم رُبَّى كلها، أو أكولة، أو ماخضاً، أو فحولة لم يكن للمصدق أن يأخذ منها شيئاً وليأت ربها بجذعة أو ثنية مما فيها وفاء، ويلزم الساعي قبولها، ولا يأخذ ما فوق الثني ولا ما تحت الجذع، ولا يأخذ إلا الثني أو الجذع إلا أن يشاء رب المال أن يعطيه الأفضل.
ثم قال: وإن كانتالغنم كلها جربة، أو ذات عوار، أو سخالاً، أو كانت البقر عجاجيل كلها، أو الإبل فصلاناً كلها كلف ربها أن يشتري ما يجزئه، وإذا رأى المصدق أن يأخذ ذات العوار، أو التيس، أو الهرمة أخذها إن كان ذلك خيراً له ولا يأخ ذ من هذه الصغار شيئاً.
هذا نص التهذيب.
فقوله: إن القول الرابع مذهب المدونة.
ليس كذلك؛ إذ قد نص فيها أنها إذا كانت كلها خياراً، أو شراراً أن الساعي لا يأخذ منها، بل يكلفه أن يأتي بما يجزئه، فهو موافق للمشهور الذي ذكره المصنف.
ثم كيف يجعل ما في المدونة خلاف المشهور بقوله: مذهب المدونة كذا والأقرب المشهور.
وقوله في التهذيب: وإذا رأى المصدق.
لا يعارض كلام المصنف، بل هو مقيد له.
وقوله: إن طريق ابن شاس عندي أقرب إلى التحقيق.
فيه نظر؛ لأن في طريق المصنف وابن بشير زيادة أقوال، وقد ذكر الجميع اللخمي على أنه لا ينبغي أن يقال على نقل ابن شاس أنه طريقة، وانظر كلمه، فلولا الإطالة والخروج عن المقصود لأتيت به.
والله أعلم.
وَتُضَمُّ الْعِرَابُ وَالْبُخْتُ، وَالْبَقْرُ وَالْجَوَامِيسُ، وَالضَّانُ وَالْمَعَزُ
إن ضمت البخت إلى العراب لأنها من جنسها، إذ لفظ الإبل صادق عليهما.
وكذلك الجواميس مع البقر، والضأن مع المعز.
ونقل ابن بزيزة عن ابن لبابة: أن الضأن والمعز لا يجمعان في الزكاة، وكذلك نقل عنه في المقدمات في أواخر الزكاة.
فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ شَاةً، فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ خُيِّرَ السَّاعِي.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْقِيَاسُ أَخْذُ نِصْفَيْنِ، وَإِلا فَمِنَ الأَكْثَرِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: إِلا أَنْ يَكُونَا مُسْتَقِلَّيْنِ فَيُخَيَّرُ السَّاعِي ..
أي: فإن اجتمع نوعا الغنم- الضأن والمعز- وكان الواجب شاة، فلا يخلو إما أن يكونا متساويين أو لا، فإن تساويا كعشرين وعشرين، وثلاثين وثلاثين خُير الساعي فمن أيها شاء أخذ.
وقال اللخمي: القياس أخذ نصفين كمال تنازعاه اثنان، وليس ذلك بظاهر؛ لأن ذلك يوقع في مخالفة الأصول؛ لأنه إما أن يقول: يأخذ قيمة نصفين، أو يكون شريكاً.
والأول يلزم منه أخذ القيم، والثاني يلزم منه الشركة وفيه ضرر على رب الماشية وإنما لم تشرع زكاة الأوقاص في الماشية- والله أعلم –لضرر الشركة.
قوله: (وإلا) أي: وإن لم يكونا متساويين، فالمشهور: يأخذ من الأكثر مطلقاً.
ابن عبد السلام: وهو متجه إذا كانت الكثرة ظاهرة.
وأما إن كانت تزيد بشاة أو شاتين، فالظاهر أنهما كالمتساويين، وله نظائر في المذهب.
وقال ابن مسلمة: إلا أن يكونا مستقلين؛ يعني: أن الحكم إخراج الزكاة من الأكثر، إلا أن يكون الأقل أربعين فيخير الساعي كأربعين وثمانين.
وقال سند: يصح قول ابن مسلمة إن قلنا: إن الوقص لا تعلق للزكاة به وإنما الشاة مأخوذة عن النصاب.
وإن قلنا: أنها هي عين الجميع، وجبت مراعاة الأكثر.
انتهى.
وهذا ظاهر؛ لأنا إذا قلنا: إن الزكاة ساقطة عن الأوقاص، فالساعي ليس بمنحصر في أن يجعل الوقص في الأكثر، بل له جعله في أيهما شاء؛ إذ من حجته أن يقول: لو انفرد هذا الأقل لوجبت فيه الزكاة.
وعلى هذا فيخير، وهذا أولى من كلام ابن عبد السلام؛ لأنه قال: وهو- أي قول ابن مسلمة- غير صحيح على رأي من يسقط [134/ ب] الزكاة عن الأوقاص، وفيه نظر على الرأي الآخر.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ شَاتَيْنِ، فَإِنْ كَانَا مُتسَاوِيَيْنِ فَمِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُتَسَاوِيَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إَنْ كَانَ فِي أَقَلِّهِمَا عَدَدُ الزَّكَاةِ وَهِي غَيْرُ وَقْصٍ فَمِنْهُمَا، وَإِلا فَمِنَ الأَكْثَرِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: مِنَ الأَكْثَرِ مُطْلَقاً، وَعَلَيْهِمَا خِلافُهُمَا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِينَ .....
يعني: فإن اجتمعا وكان الواجب شاتين، فإن تساويا كأحد وستين ضأنية ومثلها معزاً فمنهما؛ أي: فمن كل صنف شاة وإن لم يتساويا، فإن كان الأقل وقصاً، كما لو كان معه مائة وإحدى وعشرون من الضأن وأربعون من المعز أو بالعكس، أو ليس فيه عدد الزكاة كمائة ضأنية وثلاثين معزاً أو بالعكس، أخذت من الأكثر وإن كان الأقل غير وقص وفيه عدد الزكاة كمائة ضأنية وأربعين معزاً أو بالعكس، فقال ابن القاسم: يؤخذ من كلِّ شاة.
وقال سحنون: يؤخذ من الأكثر هنا، وفي ذينك القسمين: وهو معنى قوله: (مِنَ الأَكْثَرِ مُطْلَقاً) ومعنى كون الأقل فيه الزكاة: أن يكون أربعين فأكثر.
ومعنى كونه غير وقص: أن يكون الأقل هو الموجب للشاة الثانية، بأن يكون أكثر النوعين مائة وعشرين فأقل.
وحاصل هذا: أن سحنون قال: يؤخذ من الأكثر مطلقاً، وابن القاسم اشترط في الأخذ منهما شرطين: متى اختلا، أو اختل أحدهما أخذ من الأكثر، كما قاله سحنون وقوله: (وَعَلَيْهِمَا ...) إلخ.
واضح.
وذكر ابن رشد في مقدماته قولين: فيما إذا كان الصنف الثاني وقصاً تجب في عدده الزكاة، كأربعين ومائة وإحدى وعشرين؛ أي: هل تؤخذ الشاتان من الأكثر، أو يؤخذ من كلِّ شاة؟ فانظره.
والوقص: بفتح الواو والقاف: نص على معناه الجوهري، وفيها لغة ثانية بالإسكان، قاله النووي في لغات التنبيه.
وعند بعضهم: الإسكان من لحن الفقهاء.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثَلاثاً، فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَمِنْهُمَا وَيُخَيَّرُ السَّاعِي فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُتَسَاوِيَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ فِي أَقَلِّهِمَا عَدَدُ الزَّكَاةِ وَهِيَ غَيْرُ وَقْصٍ أُخِذَ مِنْهَا شَاةٌ وَإِلا فَمِنَ الأَكْثَرِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: مِنَ الأَكْثَرِ .....
هذا ظاهر إذا فهمت ما تقدم، والتمثيل سهل.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ، فَالْحُكْمُ لِلمِئينَ، فَإِنْ جَاءَ مُوجِبٌ مِنْهُمَا فَكَالأُولَى
يعني: وإن كان الواجب أكثر من ثلاث شياه، فالحكم بعد ذلك إنما هو للمئين؛ أي: في كل مائة شاة.
وقوله: (فَإِنْ جَاءَ ..) إلخ.
أي: فإن كانت المائة الرابعة أو الخامسة أو غيرها من النوعين، فأجر الحكم فيها على ما تقدم في المسألة الأولى، وظاهر كلامه أن قول ابن مسلمة يأتي هنا.
وَأَلَزْمَ الْبَاجِيُّ ابْنَ الْقَاسِمِ مَذْهَبَ سُحْنُونَ فِي أَرْبَعِينَ جَامُوساً وَعِشْرِينَ بَقَرَةً
قال الباجي في المنتقى: لما تكلم على مسألة (أَرْبَعِينَ جَامُوساً وَعِشْرِينَ بَقَرَةً) وذكر أن عليه تبيعاً من الجواميس وتبيعاً من البقر، وعلل ذلك بأن ما يجب فيه التبيع الثاني البقر فيه أكثر من الجواميس، فإن كان الجنمس الثاني نصاباً وهو أقل مما بقي من الجنس الأول بعد النصاب- وذلك مثل أن يكون له مائة وعشرون من الضأن وأربعون من المعز- فهل تؤخذ الشاة الثانية من الضأن أو المعز؟ قال ابن القاسم في المدونة: تؤخذ واحدة من الضأن وأخرى من المعز.
وقال سحنون: تؤخذ الشاتان من الضأن.
ثم قال: وفي هذا نظر على قول ابن القاسم في أربعين من الجواميس مع عشرين من البقر في المسألة المتقدمة.
انتهى.
وعلى هذا فعبارته بـ (أَلَزْمَ) ليست بظاهرة؛ لأن الباجي لم يقطع بإلزام وإنما أشار إلى التماثل، وأن ظاهره التعارض بين المسألتين، ولكن المصنف- والله أعلم- تبع في هذه العبارة ابن بشير.
ومراد المصنف أن الباجي ألزم ابن القاسم أن يقول في مسألة الغنم: أن تؤخذ الشاتان من المائة والعشرين من سألة الجواميس؛ لأن الشاة الأولى تجب في أربعين ويبقى له بعد ذلك من الضأن ثمانون، فيخرج الثانية منها لأنها الأكثر كالبقر مع الجواميس.
وعلى هذا، ففي كلام المصنف إضمار تقديره: وألزم الباجي ابن القاسم مذهب سحنون في اجتماع الضأن والمعز من قوله في مسألة الجواميس والبقر، ولولا كلام الباجي الذي نقلته لكان يمكن حمل كلام المصنف على وجه آخر، وهو ظاهر لفظه، وهو أن يكون الباجي ألزم ابن القاسم أن يقول في أربعين جاموساً وعشرين بقرة بقول سحنون؛ أي: بأن يؤخذ التبيعان من الجواميس.
ووجه الإلزام: أن ابن القاسم اشترط في الأخذ من الصنفين أن يكون في الأقل نصاباً، والبقر هنا ليست نصاباً، وفهم من كلام المصنف أن ابن القاسم يقول في مسألة الأربعين جاموساً وعشرين بقرة بالأخذ منهما؛ إذ لولا ذلك لم يقل: (وألزم) إذ لا يلزم الإنسان بما لم يقل به.
وَأَلْزَمَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَتِسْعٍ وَثَلاثِينَ مِنْهُمَا
أي: وألزم اللخمي ابن القاسم من الجواميس والبقر أن يقول فيمن له اثنان وثمانون ضأنية وتسع وثلاثون معزاً أو بالعكس، بأن يؤخذ من الضأن شاة ومن المعز أخرى؛ لأن التسع والثلاثين والبقر قد اشتركا في نقصهما عن النصاب، فإذا لم يشترط أن يكون في البقر نصاباً، فكذلك لا يشترط في التسع والثلاثين.
وَجَوَابُهُمَا: أَنَّ السِّتَّينَ مِنْهُمَا كَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الضَّانِ وَالْمَعَزِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَرْبَعِينَ وَثَلاثِينَ .....
يعني: وجواب الشيخين أن الثلاثين الثانية في باب البقر كالمائة الرابعة؛ لأن بالثلاثين الثانية والمائة الرابعة تقرر النصاب، وإذا تقرر ذلك ظهر لك أخذ تبيع من الجواميس وتبيع من البقر في المسألة المذكورة؛ إذ أنا إذا أخرجنا عن ثلاثين تبيعاً فضلت من الجواميس عشرة، فإذا ضمت إلى العشرين كانت العشرون أكثر.
ألا ترى أن ابن القاسم وسحنون اتفقا على أنه إذا كانت له ثلاثمائة وأربعون من الضأن وستون من المعز تؤخذ ثلاثة من الضأن وواحدة من المعز؛ لأنا بعد الثلاث إنما ننظر إلى كل مائة بمفردها، وكذلك في الثلاثين الثانية ينظر إليها بمفردها.
وأوضح المصنف هذا بمثال، وهو: إذا كان له أربعون جاموساً وثلاثون بقرة أو بالعكس، فإنه لا يختلف في أن الزكاة تؤخذ منهما لتقرر النصاب.
ولو قيل بالأخذ من الأكثر للزم أخذ المسنة والتبيع من الأربعين.
ويقع في بعض النسخ: (لم يختلف أيضاً) وهي تقتضي أنه لا يختلف في هذه ولا في المسألة الأولى، والصواب حذفها؛ لأن ابن يونس، وابن رشد نقلاً عن سحنون في أربعين جاموساً وعشرين بقرة أنه قال: يأخذ التبيعين من الأربعين، وضعفه ابن رشد.
وَأَمَّا بنْتَا اللَّبُونِ وَالْحِقَّتَانِ فَكَالشَّاتَيْنِ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِينَ، وَلا فِي خَمْسِينَ وَخَمْسِينَ، وَلا فِي سِتِّينَ وَثَلاثِينَ، وَلا فِي سِتِّينَ وَأَرْبَعِينَ، وَاخُتْلِفَ فِي أَرْبَعِينَ وَسِتَّ وَثَلاثِينَ وَفِي خَمْسِينَ وَسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ ...
يعني: إذا وجد في الإبل بنتا لبون أو حقتان، فالحكم فيهما كما تقدم في الشاتين.
فإن تساويا- أي: البخت والعراب- أخذ من كل صنف.
وإن لم يتساويا، فإن لم يكن في الأقل عدد الزكاة، أخذ من الأكثر عند ابن القاسم وسحنون، وإن كان في الأقل عدد الزكاة، فقال ابن القاسم: يؤخذ من كل صنف.
وقال سحنون: يؤخذ من الأكثر مطلقاً.
ويتضح هذا بما ذكره المصنف بقوله: (فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِينَ) أي: لم يختلف فيما إذا كان عنده أربعون منا لبخت واربعون من العراب أنه يؤخذ من كل صنف بنت لبون لتساويهما، ولا في خمسين وخمسين؛ أي: تؤخذ من كل صنف حقة.
ولا في ستين وثلاثين؛ أي: تؤخذ بنتا لبون من الستين؛ لقصور الثلاثين عن سن بنت اللبون؛ إذ أقل ما تجب فيه بنت اللبون ستة وثلاثون.
فهم من هذا أنه لا يشترط في الأقل سن آخر؛ إذ في الثلاثين بنت مخاض.
ولا في ستين وأربعين؛ أي: تؤخذ الحقتان من الستين؛ لقصور الأربعين عن سن الحقة؛ إذ أقل ما تجب فيه ستة وأربعون.
واختلف في أربعين وست وثلاثين؛ أي: فابن القاسم: يأخذ بنت لبون من كل صنف، وسحنون يأخذهما من الأربعين.
وكذلك اختلف في خمسين وست وأربعين، فعند ابن القاسم: يأخذ من هذه حقة ومن هذه حقة، وسحنون يأخذهما من الخمسين.
تنبيه:
تقدم أن ابن القاسم شرط في الأخذ منهما في الغنم شرطين، وأحدهما لا يتأتى هنا؛ أعني قوله: (وهو غير وقص) وإنما يتأتى أن يكون الأقل ليس فيه عدد الزكاة؛ لأن الشرطين المتقدمين لو أتيا هنا للزم وجود كل منهما بدون الآخر كما تقدم، فيلزم أن يوجد مثال يكون الأقل فيه عدد الزكاة وهو وقص، وهو لا يمكن في بنتي اللبون والحقتين والله أعلم.
وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا مِائَةٌ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ إِلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَأَجْرِهِ أَوَّلاً عَلَى الْخِلافِ الْمُتَقَدِّمِ ...
أي: وإن كان عنده من البخت والعراب مائة وإحدى وعشرون إلى تسع وعشرين- كما تقدم- فأجر الكلام فيها أولاً على خلاف المتقدم؛ أي: هل الواجب حقتان أو
ثلاث بنات لبون، أو يخير الساعي؟ ثم إذا فرعنا على الحقتين، فالحكم فيهما كالشاتين، فإن تساويا أخذ من كل صنف، وغلا فإن كان في الأقل ست وأربعون سن الحقة أخذ منهما عند ابن القاسم، ومن الأكثر مطلقاً عند سحنون.
وإن قلنا بالثلاث بنات لبون فكالثلاث شياه، فإن تساويا أخذ من كل صنف بنت لبون، ويخير الساعي في الثالثة، وإن لم يتساويا فإن كان في الأقل ست وثلاثون سن بنت اللبون أخذ من الأقل بنت اللبون عند ابن القاسم، وأخذت الثلاث من الأكثر عند سحنون.
فإن لم يكن في الأقل ست وثلاثون فيتفق على الأخذ من الأكثر، وإن قلنا بالتخيير فالحكم ظاهر من القولين.
وَمَاشِيَةُ التِّجَارَةِ إَذَا كَانَتْ نِصَاباً كَالْقِنْيَةِ، [135/ ب] وَلِذَلِكَ لا يُقَوِّمُهَا الْمُدِيرُ، وَما دُونَ النِّصَابِ كَالْعَرْضِ ..
يعني: أن الإنسان إذا كانت عنده ماشية مشتراة للتجارة، فإنه يزكيها بعد مضي حولها كما يزكي ماشية القنية؛ لأن زكاتها من جنسها أصل، فلا يعدل عنه إلى التقويم الذي هو بدل.
قوله: (وَلِذَلِكَ لا يُقَوِّمُهَا الْمُدِيرُ) أي: ولأجل أن حكم ماشية التجارة كالقنية لا يقومها؛ لكون الزكاة فيها من جنسها.
واعترض عليه ابن عبد السلام؛ ولذلك لا يقومها المدير؛ لأنه يقتضي أن المانع من التقويم هو كون ماشية التجارة كالقنية وليس كذلك، وإنما المانع من التقويم كون الزكاة من جنسها أصل، فلا يعدل عنه إلى القيمة التي هي بدل، وليس بالقوي، فقد قررنا كلام المصنف تقريراً صحيحاً.
وَمَنْ أَبْدَلَ مَاشِيَةً فِرَاراً مِنَ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ اتِّفَاقاً، وَيُؤْخَذُ بِزَكَاتِهَا.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ بِزَكَاةِ ثَمَنِهَا إِنْ كَانَ نَقْداً ..
هذا فصل تكلم فيه- رحمه الله- على المبادلة وأقسامها، فقوله: (وَمَنْ أَبْدَلَ مَاشِيَةً ...) إلخ.
يعني: أن من أبدل ماشية- إما بماشية، أو بعرض، أو بنقد- وقصد
بالمبادلة الفرار من الزكاة لم تسقط عنه الزكاة اتفاقاً؛ لأنه قصد أو فعل ما لا يجوز له، وإذا لم تسقط فالمشهور أنه يؤخذ بزكاة الماشية المقر بها؛ معاملة له بنقيض مقصوده.
وقال ابن شعبان: تجب عليه زكاة الثمن؛ أي: النقد.
وكذلك ينبغي على قوله: إذا أبدلها بماشية.
انتهى.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ) يوهم أن ابن شعبان قاله وهو قد رواه عن مالك.
قال ابن يونس: وذكر عن ابن الكاتب أنه إنما يعد هارباً إذا باع بعد الحول ولا يراعى قرب الحنول، بخلاف المتخالطين؛ لأن الخليطين قد بقيت مواشيهم بأيديهم حتى حال الحول والذي باع ليس بيده شيء.
قال ابن يونس: والصواب ألا فرق بين ذلك، وكذلك قال عبد الحق، بل قد يقال: إن هذه أولى؛ لأن الخليطين أرادا إسقاط شيء من الزكاة والفارُّ أراد غسقاط الزكاة كلها فكانت تهمته أقوى.
خليل: والظاهر على رواية ابن شعبان أنه لا يشترط في زكاة الثمن أن يكون نصاباً، كما لا يشترط ذلك إذا باع تمراً لا يثمر، وهو خمسة أو سق، قلنا: يخرج من ثمنه.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِرَاراً، فَإِنْ أَبْدَلَهَا بِنَقْدٍ وَهِيَ لِلتِّجَارَةِ رُدَّتْ إِلَى أَصْلِهَا
يعني: فإن لم يكن الإبدال فراراً من الزكاة وأبدلها بنقد وهي للتجارة، فإنها ترد إلى أصلها؛ أي: تزكى لحول الأصل وهو ظاهر؛ لأن الماشية في هذه الصورة سلعة من سلع التجارة وقد بيعت قبل تعلق الزكاة بها.
قال محمد: وإن زكاها قبل البيع زكى الثمن إذا تم حول الغنم.
قال: ولم يختلف في ذلك قول مالك ولا أصحابه.
قال اللخمي: قال أشهب في مدونته: يستأنف بالثمن حولاً من يوم يقبضه.
انتهى.
وَإِنْ كَانَتْ لِلْقِنْيَةِ، فَفِي بِنَائِهِ إِذَا كَانَا نِصَابَيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
أي: فإن كانت الماشية للقنية وأبدلها بنقد، فقال ابن القاسم: يبني، وإليه رجع مالك.
وقال أشهب: يستقبل، وعنه رجع مالك.
فرأى في الأول أنه قد انتقل من مال مزكى إلى
مثله.
ورأى في الثاني اختلاف الزكاة، وهو لم يقصد بما فعل الفرار من الزكا’، ولم يحل على الذي بيده حول.
واحتراز بقوله: (إِذَا كَانَا نِصَابَيْنِ) مما لو قصرت الماشية عن النصاب، فإنها حينئذ كالعرض، والفرض أنها للقنية فيجب الاستقبال بثمنها.
وأخذ اللخمي من قول ابن مسلمة- فيمن باع بعيراً بأربعين شاة بعد ستة أشهر ثم جاءه المصدق، أنه يزكي الغنم- قولاً بعدم اشتراط أن تكون الماشية نصاباً.
وأما إذا كانت الماشية نصاباً وباعها بدون النصاب، فإنه لا زكاة عليه اتفاقاً، نقله ابن هارون وغيره.
وقال التونسي: ينبغي إذا كانت نصاباً فباعها بدون النصاب أن يضيف ذلك إلى ماله ويبني ولا يستأنف.
بِخِلافِ عَيْنٍ اشْتَرَى بِهِ مَاشِيَةً عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: بخلاف ما إذا كان عنده نصاب من العين أقامه عنده بعض حول، كما لو أقام عنده ستة أشهر ثم اشترى به نصاباً من الماشية، فإن المشهور يستقبل بالماشية حولاً.
وقال ابن مسلمة: يبني كما في التي قبلها، والفرق على المشهور أنه إذا كانت عنده ماشية وأبدلها بعين، فقد انتقل مما تعلق الزكاة به أقوى إلى ما تعلقها به أضعف، ألا ترى أن الماشية لا يسقط الزكاة عنها دين بخلاف العين، وإذا كان كذلك اتهم فناسب البناء، بخلاف ما إذا اشترى الماشية بنصاب من العين فإن الأمر بعكس ذلك، فلم يتهم فناسب الاستقبال.
وفرق ابن رشد بأنه يتم في بيع الماشية بالعين بالهروب من الزكاة من الساعي، ولا تهمة عليه في اشتراء الماشية بالعين.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، فَفِي تَزْكِيَةِ الثَّمَنِ عَاجِلاً قَوْلانِ ...
ولا حاجة إلى هذا الفرع؛ لأنه عين الفرع الذي تقدم، خلاف ابن القاسم وأشهب فيه، على أن هذا الخلاف إنما يأتي إذا بنينا على أن الساعي شرط وجوب، وأما إن قلنا: إنه
شرط أداء، فتجب عليه زكاة الماشية.
ففيحصل لنا فيها ثلاثة أقوال: الزكاة عاجلاً، والاستقبال، وتؤخذ منه زكاة الماشية.
فَإِنْ أَبْدَلَهَا بِنِصَابِ [136/ أ] مَاشِيَةٍ مِنْ نَوْعِهَا بَنَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الأُولَى نِصَاباً كَعِشْرِينَ جَامُوساً بِثَلاثِينَ بَقَرَةً ...
أي: إن كانت عنده ماشية فأبدلها بماشية من نوعها كضأن بمعز، وبخت بعراب، وجواميس ببقر زكى ما أخذ لحول ما أعطاه، وإن كان ما أعطاه دون النصاب، كما ذكر من إبدال عشرين جاموساً بثلاثين بقرة نقداً، هذا هو المشهور، ووجهه ما تقدم في العين، بل هنا أقوى، والشاذ في كتاب ابن سحنون: أنه يستقبل؛ لأن المال لم يمر له حول.
وَإِنْ كَانَتْ تُخَالِفُهَا اسْتَقْبَلَ
كما لو أبدل بقراً بغنم، أو إبلاً ببقر، والاستقبال هو المشهور.
وَأَخْذُ الْمَاشِيَةِ عَنْ الاسْتِهْلاكِ كَالْمُبَادَلَةِ بِهَا ابْتِدَاءً، وَقِيلَ: مَا لَمْ تَتَعَيَّنِ الْعَيْنُ، فَيَكُونُ كَعَيْنٍ عَنْ مَاشِيَةٍ اشْتَرَى بِهَا مَاشِيَةً ..
يعني: وإذا أخذ ماشية عن استهلاك ماشية، فحكمه حكم من أبدل ماشية بماشية، فإن كانت الثانية من جنس الأولى بنى على المشهور، وإن كانت من غير جنسها استقبل على المشهور.
وأطلق المصنف الاستهلاك على ما هو أعم من تعييب الماشية وإذهاب عينها بالكلية.
فقوله: (وَقِيلَ: مَا لَمْ تَتَعَيَّنِ الْعَيْنُ) أي: وقيل: إن الحكم حكم إبدال الماشية إذا لم تتعين القيمة بأن تكون ماشيته باقية، ولكن تعيبت لأن ربها إذ ذاك مخير بين أخذها بعينها وقيمتها.
وأما إن تعينت القيمة، فإن ذهبت عين الماشية، فتكون الماشية المأخوذة عن القيمة كماشية أخذت عن عين؛ أي: فيستقبل.
وهو قول حمديس.
هذا نقل ابن عبد السلام وفيه نظر؛ فإن الذي نقله ابن يونس، وابن راشد وغيرهما: أن حمديس
قال: إنما اختلف قول ابن القاسم في عيب يوجب له الخيار في أخذ العين أو القيمة، فتارة جعل المأخوذ عوضاً عن القيمة، وتارة جعله عوضاً عن العين، وأما لو ذهبت العين حتى لا تكون له إلا القيمة، فلا يختلف قوله أنه لا زكاة فيها.
وعلى هذا فيتحصل في المسألة طريقان:
الأولى: أن قول ابن القاسم: اختلف في ذلك سواء ذهبت العين أم لا، وهي طريقة الشيخ أبي محمد وسحنون.
والثانية: طريقة حمديس، وقال في المقدمات: اختلف قول ابن القاسم إذا استهلك الرجل غنماً فأخذ منه غنماً تجب فيها الزكاة.
فمرة قال: يزكيها على حول المستهلكة، ومرة قال: يستقبل بها حولاً.
واختلاف قوله هذا إنما يصح إذا كانت قد فاتت بالاستهلاك فوتاً لا يوجب له تضمينه القيمة فيها، وأما إذا فاتت أعيانها، فلا خلاف أنه يستقبل بالغنم المأخوذة.
قال: ولو كانت قائمة بيد الغاصب لم تفت بوجه من وجوه الفوت، لزكاها على حول الأولى بغير اختلاف أيضاً؛ لأن ذلك كالمبادلة.
انتهى.
أي: بغير اختلاف من قول ابن القاسم.
قال في النكت- بعد أن ذكر ما ذكره حمديس-: وهذا إن ثبت الاستهلاك ببينة، وإن لم يثبت ذلك فيزكي الغنم التي أخذ؛ لأنه يتهم أن يكون إنما باع غنماً بغنم.
وَأَخْذُ الْعَيْنِ كَالْمُبَادَلَةِ بِاتِّفَاقٍ
أي: فإن أخذ عيناً عن الماشية المستهلكة، فإنه يكون كما لو أبدل ماشية بعين، فيبني على قول ابن القاسم، ولا يبني على قول أشهب.
وقوله: (بِاتِّفَاقٍ) أي: أن الشيوخ اتفقوا على إجراء خلاف قول ابن القاسم وأشهب فيهما، ولولا الاتفاق لأمكن أن يقال: إن المبادلة أمر اختياري يوجب تهمة
من وقعت منه في مظان التهمة، وذلك يقتضي البناء بخلاف الاستهلاك فإنما يتركها كرهاً، فينبغي الاستقبال.
وَفَائِدَةُ الْمَاشِيَةِ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ صَادَفَتْ نِصَاباً قَبْلَهَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ، وَلَوْ بِيَوْمٍ قَبْلَ مَجِيء السَّاعِي.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: كَالنَّقْدِ.
وَقِيلَ: كَالنَّقْدِ مَا لَمْ تَكُنْ سُعَاةً ..
يعني: أن فائدة الماشية المشتراة أو الموهوبة أو غيرهما ليست كفائدة العين؛ لأن فائدة الماشية إن صادفت نصاباً قبلها ضمت الفائدة إلى النصاب الأول وزكيت على حوله، بخلاف فائدة العين فإنها إن صادفت نصاباً قبلها استقبل بها حولاً وبقي كل مال على حوله.
أما إن لم تكن الماشية الأولى نصاباً، فإنه يستأنف بالجميع حولاً كالعين، وفرق بفروق:
أحدها: أن زكاة الماشية موكولة إلى الساعي، فلو لم تضم الثانية إلى الأولى لأدى ذلك إلى خروجه مرتين وفيه حرج، بخلاف العين فإنها موكولة إلى أمانة ربها.
ثانيها: أن الماشية لو بقي كل مال على حوله لأدى ذلك إلى مخالفة النصب التي قررها عليه الصلاة والسلام، مثال ذلك: أن يكون للإنسان أربعون شاة قد مضى لها نصف حول، ثم استفاد أربعين، ثم أربعين أخرى، فلو بقي كل مال على حوله لأدى أن يخرج عن مائة وعشرين ثلاث شياه، وهو خلاف ما نص عليه صلى الله عليه وسلم.
ثالثها: لما كانت زكاة الماشية للسعاة، فلو لم نقل أن الفائدة تضم لادعى كل شخص أنه قد استفاد بعض ما بيده ليسقط الزكاة، بخلاف العين فإن التهمة منتفية؛ لأن زكاتها موكولة إلى أمانة ربها.
وقوله: (َقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: كَالنَّقْدِ) ظاهر.
[136/ ب] والقول بالتفرقة لابن أبي زيد وعده المصنف خلافاً، وعده بعضهم تفسيراً للمشهور، وهو ظاهر على
الفرق الأول والثالث لا على الثاني.
هذا ظاهر في الفائدة التي هي من جنس الذي عنده، وأما لو كانت خلاف جنسه كإبل وغنم، كان كل مال على حوله اتفاقاً.
وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْوَقْصِ، وَلِذَلِكَ اتُّفِقَ فِي أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِينَ، وَاخْتُلِفَ فِي ثَمَانِينَ ثُمَّ فِي إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ ...
يعني: أن الخلاف المذكور إنما هو إذا كانت الثانية غير وقص، وهذا الكلام لا حاجة إليه، ولعله إنما أتى به ليفرع عليه قوله: (وَلِذَلِكَ اتُّفِقَ فِي أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِينَ) أي: أنه لا يؤخذ منه إلا شاة لحول الأولى، واختلف في ثمانين ثم في إحدى وأربعين، فعلى المشهور تجب عليه شاتان، وعلى قول ابن عبد الحكم تجب واحدة ويستقبل بالفائدة حولاً.
وَلِذَلِكَ لَوْ نَقَصَ النِّصَابُ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ، ثُمَّ أَفَادَ مِثْلَهُ مِنْ يَوْمِهِ اسْتَانَفَ بِالْجَمِيعِ حَوْلاً ..
أي: ولأجل شرطنا في الضم أن تكون الأولى نصاباً، لزم فيمن كان عنده نصاب فنقص قبل مجيء الساعي بيوم، أو قبل الحول بيوم إذا لم تكن سعاة ثم أفاد في يومه مثل- أي: نصاباً آخر- أن يستأنف بالجميع حولاً؛ لأن الماشية الأولى صارت دون النصاب، فلا تضم الثانية إليها.
وَأَمَّا النِّتَاجُ فَيُضَمُّ مُطْلَقاً
هذا متفق عليه، والأصل فيه قول عمر- رضي الله عنه- لعامله سفيان بن عبد الحكم: عُدَّ عليهم السخلة التي يحملها الراعي ولا تأخذها.
وَالْمَاشِيَةُ تُرَدُّ بِعَيْبٍ أَوْ تُؤْخَذُ بفَلَسٍ فِي بِنَاءٍ رَبِّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوِ اسْتِقْبَالِهِ قَوْلانِ
يعني: أن من باع ماشية فأقامت عند المشتري فوجد بها عيباً فردها لذلك، أو أفلس المشتري بعد أن قعدت عنده مدة فأخذها البائع، كما لو ملك ماشية في المحرم فقعدت عنده
ثلاثة أشهر، ثم باعها فأقامت عند المشتري ثلاثة أشهر، ثم اطلع على العيب أو أفلس فردت إلى صاحبها.
ففي كتاب ابن سحنون: يبني على ما مضى من الحول، وإن رجعت إليه بعد تمامه زكاها مكانها.
قال ابن يونس: وعلى القول بأن الرد بالعيب بيع حادث يجب أن يستقبل به حولاً، يجعل القول بالاستقبال مخرجاً، وظاهر كلام المصنف أنه منصوص فتأمله.
فرعان:
الأول: إذا رجعت الماشية بإقالة، فقال ابن المواز: يستقبل بها حولاً.
ابن يونس: لأن الإقالة بيع.
انتهى.
وقال غيره: إن قلنا: إنه حل بيع بنى.
الثاني: إذا ردت الماشية لفساد البيع، جرى البناء والاستقبال على الخلاف هل الفسخ نقض للبيع من أصله، أو ابتداء بيع.