التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 193-232
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِي إِلْحَاقِ غَلَّةِ سِلَعِ التِّجَارَةِ بالرِّبْحِ أَوْ بالْفَوَائِدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهَا زَكَاةٌ قَوْلانِ يعني: وفي إلحاق ثمن الغلة الناشئة عن سلع التجارة بشرط ألا يكون في عين الغلة الزكاة بالربح أو بالفوائد قولان.
المشهور: كالفوائد.
ولذلك أدخل المصنف هذا الفرع في فصل الفوائد، وإلا ففصل الغلات أليق به.
واحترز بقوله: (سِلَعِ التِّجَارَةِ) من غلة سلع القنية، فإن غلتها يستقبل بها اتفاقاً.
واحترز بقوله: (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهَا زَكَاةٌ) مما لو كان في عينها زكاة، كما لو اغتل نصاباً من الثمر أو الحب، فإنه يزكيه زكاة الثمر اتفاقاً، ثم إن باعه استقبل بثمنه اتفاقاً، ودخل في قوله: إذا لم يكن في عينها زكاة.
ما لا تجب في عينه زكاة أصلاً، أو تجب ولكنه دون النصاب.
ابن عبد السلام: وبقي هنا شيء، وذلك أن فائدة الشرط: [117/ب] إنما هي في انتفاء المشروط؛ لانتفائه.
والخلاف المذكور موجود في الأعراض وإن كانت في غلة سلع التجارة الزكاة كما بينه المصنف الآن في فصل الغلات، وإذا كان الخلاف موجوداً مطلقاً فلا فائدة في الشرط.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن المصنف لم يحكِ في فصل الغلات خلافاً فيما إذا كان في عينها زكاة.
وَالْغَلَّةُ: النَّمَاءُ عَنِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ النماء: جنس يشمل الثلاث، وقوله: (عَنِ الْمَالِ) يخرج نوعاً من الفوائد كالعطايا والميراث، ودخل في كلامه الناشئ عن مال قنية أو تجارة، وأخرجهما بقوله: (مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ) إذ ثمن سلع القنية وثمن سلع التجارة إنما يحصل بعد المعاوضة، وعلى هذا فقول ابن عبد السلام: وقد أخرج المؤلف الفائدة بقوله: عن المال.
فإن الفائدة وإن كانت نماء لكنها ليست ناشئة عن المال، وإنما حصلت بميراث أو عطية، ليس بظاهر.

كَمَنِ اشْتَرَى أُصُولاً لِلتِّجَارَةِ فَأَثْمَرَتْ، فَالْمَشْهُورُ كَفَائِدَةٍ، وَكَذَلِكَ غَلَّةُ دُورِ التِّجَارَةِ وَعَبِيدُهَا وَغَنَمُهَا ... تصوره ظاهر، ولا يقال: قوله: (فَالْمَشْهُورُ كَفَائِدَةٍ) يقتضي تعميم الخلاف كما أشار إليه ابن عبد السلام في الفرع السابق؛ لأنا نقول كلامه محمول على ما إذا لم يكن في عين الغلة زكاة، وأما لو وجبت في عينها زكاة فإنها تزكى، نص عليه غير واحد ولم يذكروا في ذلك خلافاً، وقد صرح ابن هارون بالاتفاق على ذلك.
فرع: قال في النوادر: ومن الموازية قال مالك: وما اتخذته المرأة من الحلي لتكريه فغلته فائدة، وكذلك غلة ما اشتري للتجارة والقنية من رباع وغيرها.
قال: وأما من اكترى داراً ليكريها، فما اغتل من هذه فليزكِّه لحول من يوم زكى ما تقدم من كراتها لا من يوم اكتراها، وهذا إذا اكتراها للتجارة أو للغلة؛ لأن هذا متجر، وأما إن اكتراها للسكنى فأكراها لأمر حدث له، فلا يزكي غلتها وإن كثرت، إلا لحول من يوم يقبضها.
وقال أشهب: لا زكاة عليه في غلتها، وإن اكتراها للتجارة كغلة ما اشترى.
التونسي: وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه إنما اشترى منافع الدار لقصد الربح والتجارة، فإذا اكتراها فقد باع ما اشتراه بخلاف غلة ما اشترى.
وَلوِ اشْتَرَاهَا مَعَهَا قَبْلَ طِيبِهَا، فَكَذَلِكَ كَالْعَبْدِ بِمَاله ثُمَّ يَنْتَزِعُهُ اعلم أن الثمرة لا يجوز بيعها قبل صلاحها إلا على القطع أو مع أصولها.
ومعنى كلامه: أنه اشترى الثمرة مع الأصول الأول قبل طيب الثمرة وباعها بعد طيبها، بشرط ألا يكون نصاباً، أو قبل طيبها على القطع، فثمنها فائدة على المشهور.
وذكر هذا الفرع لتوهم دخوله في الأرباح؛ لأن الثمرة قد باشرها العقد، فإذا باعها بثمن فكأنه نشأ عن

المال بعد المعاوضة له، فرفع هذا التوهم بقوله: (فَكَذَلِكَ) ووجهه أن مباشرة العقد للثمرة هنا كان بطريق التبع فلم تكن مقصودة فلم تحصل معاوضة، ويبين لك هذا أنه لو كانت الثمرة مأبورة حين العقد لزكى ثمنها لحول الأصل.
ففي النكت قال بعض شيوخنا: إذا اشترى غنماً للتجارة عليها صوف تام يوم عقد البيع ثم بعد ذلك جزه فباعه، فهذا الصوف كسلعة ثانية اشتراها للتجارة، إن أقام هذا الصوف عنده حولاً زكى ثمنه، ولا يكون ثمنه غلة يستقبل بها حولاً.
وكذلك النخل يشتريها وفيها ثمر مأبور يوم عقد البيع، هذا على مذهب ابن القاسم، وعلى قول أشهب يكون غلة، وإن كان الصوف يوم عقد البيع تاماً والثمر مأبوراً.
ويؤخذ جواب ابن القاسم فيما وصفناه من مسألة كتاب العيوب إذا رد النخل والغنم بعيب، وكان يوم عقد البيع في النخل تمراً مؤبراً، وعلى ظهور الغنم صوف تام.
انتهى.
وذكر ابن محرز أن أهل المذهب قالوا أنه يستقبل بثمن الثمرة وإن كانت مأبورة يوم شراء الأصل.
قال: والقياس أن يزكيه على مذهب ابن القاسم، فأشار إلى ما ذكره عبد الحق.
وقوله: (كَالْعَبْدِ بِمَاله ثُمَّ يَنْتَزِعُهُ) تنظير.
أي: كما أن العبد إذا اشتراه بماله ثم انتزعه المشتري، يكون ماله فائدة، فكذلك ثمن الثمرة.
وَلوْ بَاعَهَا قَبْلَ طِيبهَا ضَمَّهَا كَالرِّبْحِ أي: باعها بأصولها كما لو اشتراها.
وصرح المصنف بهذا دفعاً للتوهم، وهو أن يقال: لم لا يستقبل بما قابل الغلة؛ لأن الحكم في الغلات [118/أ] الاستقبال.
فإن قلت: فهل يتناول ما إذا باعها مفردة قبل طيبها؟ فالجواب: لا.
أما أولاً: فلأن قوله: (ضَمَّهَا) لا يصدق على الصورة المذكورة؛ لأن الضم إنما يكون حيث يكون هناك شيء يضم إليه.
وأما ثانياً: فلأنه إذا باعها مفردة قبل الطيب، فلا شك أنها غلة سلع للتجارة، وقد قدم

المصنف أن غلة ما اشتري للتجارة فائدة على المشهور.
وأيضاً فإنه لم يفرض صاحب النوادر وغيره المسألة إلا على الوجه الذي ذكرناه أولاً.
تنبيه: وقع هنا في بعض النسخ ما نصه: فَإِنْ وَجَبَتْ زَكَاةٌ فِي عَيْنِهَا، زَكَّى الثَّمَنَ بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ تَزْكِيَتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ومعناها: فإن وجبت زكاة في عين الغلة، وهذا معنى قوله: (بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ تَزْكِيَتِهِ) أي: ما ذكر.
ولو قال بعد تزكيتها لكان أحسن.
والمشهور نقله ابن يونس عن مالك؛ لكنه إنما نقله فيما إذا اكترى أرضاً فزرع فيها للتجارة، وقيده هو فقال: يريد إذا اكترى الأرض للتجارة، واشترى طعاماً للتجارة، وزرعه فيها للتجارة.
وأما لو اكترى أرضاً ليزرع فيها طعاماً لقوته، ثم بدا له فزرع فيها للتجارة، فإنه إذا زكى الحب ثم باعه، فإنه فائدة ويستقبل بثمنه حولاً من يوم باعه.
انتهى.
والشاذ لأشهب؛ لأنه يستقبل بثمنه، وكان الأحسن على تقدير ثبوت هذه النسخة أن تؤخر عن قوله: ولو اشترى أو اكترى أرضاً للتجارة، وزرعها للتجارة.
وكذلك وقع في بعض النسخ.
والله أعلمز ولَوِ اشْتَرَى أَوِ اكْتَرَى أَرْضاً لِلتِّجَارَةِ وَزَرَعَهَا لِلتِّجَارَةِ فَغَلْتُهَا كَالرِّبْحِ يريد: إذا كان الخارج دون النصاب كما تقدم.
ومعنى كلامه: أنه إذا اشترى أرضاً للتجارة وزرعها قاصداً بها التجارة، أو اكتراها للتجارة وزرعها كذلك، فإن غلتها كالربح يزكى ثمنها لحول الأصل.
واعلم أنه إنما فرض المسألة في المدونة في الكراء، وكذلك كل من تكلم عليها فيما رأيت كالتونسي، وابن يونس، واللخمي، وعياض، وابن بشير، ولم أر من سوى بين الكراء والشراء كما فعل المصنف.
وكذلك ابن شاس إنما

فرضها في الكراء، ولهذا اعترض عليه ابن عبد السلام، وقال: قوله فيما اكترى صحيح، وأما فيما اشترى فليس كذلك؛ لأنه قدم أن غلة ما اشترى للتجارة المشهورة أنه كفائدة، فأشار إلى التناقض في كلامه.
واختلف هل يشترط مع ذلك أن يكون البذر مشترى للتجارة؟ طريقان: ذهب إلى الاشتراط ابن شبلون وغير واحد من القرويين، ورأوا أنه متى ما دخل فصل من فصول القنية بقي حكمها في الزرع على حكم الفائدة؛ إذ الأصل في الغلات الاستقبال.
وذهب أبو عمران إلى عدم الاشتراط.
وظاهر كلام المصنف نفي الاشتراط، وكذلك هو ظاهر المدونة؛ لأن كلامه فيها مثل كلام المصنف.
وصوب بعضهم ما ذهب إليه ابن شبلون.
قال في التنبيهات بعد ذكر الطريقين: والمسألة إنما هي إذا كانت الأرض مكتراة للتجارة، وهو معنى مسألة المدونة على مذهب ابن القاسم، وأما على مذهب أشهب فعلى كل وجه من وجوه المسألة، الزرع غلة لا يزكى ثمنه حتى يستقبل به حولاً، قاله في المجموعة.
إذا اكترها للتجارة واشترى قمحاً فزرعه فيها للتجارة وزكى الحب ثم باعه لحول أو أحوال، فلا يزكيه وليأتنف حولاً من يوم يقبضه مديراً كان أو غير مدير، وهذا على أصله في غلة ما اكترى للتجارة، وهو قول ابن نافع في المبسوط.
كما قال أشهب: في الزرع سواء.
وإليه ذهب سحنون فيما حكاه عنه فضل بن مسلمة، وإن كان الباجي وغيره قالوا: إذا اجتمعت الوجوه الثلاثة للتجارة، اكترى الأرض، واشترى الحب، والزراعة، فلا خلاف أنه يزكي الحب على التجارة، ولم يبلغ قائل هذا قول أشهب.
انتهى.
ويمكن أن يوجه كلام المصنف لو ساعدته الأنقال بأن يقال: غلة ما اشترى للتجارة قسمان: قسم لا يضم مع الشراء للتجارة: إخراج مال كغلة دون التجارة، فإن غلتها نشأت عن غير مال فصدق عليها أنها نماء عن المال من غير معاوضة به.
وقسم يضم مع الشراء: إخراج مال وعمل وهو الزرع، إذ لابد أن يشتري بذراً ويعمل فيها فأشبه الربح؛ لأن غلتها كأنها نماء عن المال بعد المعاوضة.

وإِنْ كَانَ الأَمْرَانِ لا لِلتِّجَارَةِ اسْتَقْبَلَ بِثَمَنِهَا يعني بالأمرين الاكتراء والزرع، والاشتراء والزرع.
وقوله: (لا لِلتِّجَارَةِ) يدخل فيه ما إذا نوى القنية أو لم ينو شيئاً، إذ الأصل القنية.
وقوله: (بِثَمَنِهَا) أي: بثمن الغلة إذا لم يكن في عينها زكاة كما تقدم.
ووقع في نسخة ابن عبد السلام: بثمنهما.
قال: وثنى الضمير لأنه راجع إلى الأرض والزرع.
وإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا للِتِّجَارَةِ، فَأَرْبَعَةٌ: الْمَشْهُورُ يُسْتَقْبَلُ بِالثَّمَنِ، والْحُكْمُ لِلأَرْضِ، والْحُكْمُ لِلبَذْرِ والْعَمَلِ، وَيَسْقُطُ عَلَى الثَّلاثَةِ .... يعني: وإن كان أحد الأمرين للتجارة فأربعة أقوال.
وهذه المسألة فيها موجب وهو الذي للتجارة، ومسقط وهو الذي لغيره.
ففي المشهور رجح المسقط؛ لأن الأصل عدم الزيادة.
والقول الثاني: أن الحكم للأرض ولا ينظر إلى البذر والعمل وهو قول أبي عمران.
فإن كانت الأرض للقنية استقبل بالثمن حولاً، وغلا زكى الثمن لحول من يوم زكى عين الطعام وإن كان فيه نصاب، وإن قصر عن النصاب زكى الثمن لحول من يوم زكى ما اكترى به الأرض.
الثالث: أن الحكم للبذر والعمل.
الرابع: لعبد الحميد: أنه يسقط الثمن على الثلاثة؛ الأرض والبذر والعمل.
فلو كانت الأرض للتجارة واكتراها بمائتين والبذر للقنية واشتراها بمائة وكذلك العمل، وباع بثمانمائة، فإنه يزكى أربعمائة لحول الأصل ويستقبل بأربعمائة، هذا إذا لم يكن في عين الغلة نصاب.
وفِي إِلْحَاقِ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْغَلَّةِ قَوْلانِ يعني: من اشترى عبداً للتجارة وكاتبه، فهل يلحق ما يأخذه من الكتابة بالثمن وكأنه اشترى نفسه فيزكى لحول ثمنه، أو بالغلة فيستقبل به؛ لأن هذا ليس بمعاوضة

حقيقة.
ألا ترى أنه لو عجز ولو عن قليل أنه يرق ولا يعتق منه شيء، وهذا الثاني هو المشهور ولم يَحْكِ ابن يونس غيره، نعم حكى ابن بشير القولين، ولو كان العبد للقنية استقبل بثمنه اتفاقاً.
ولما فرغ من الربح والفائدة والغلة تكلم على الدين، فقال: وَالدَّيْنُ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ بيَدِهِ عَيْناً، أَوْ عَرَضَ زَكَاةٍ وَقَبَضَهُ عَيْناً زَكَّاهُ عِنْدَ قَبْضِهِ بَعْدَ حَوْلِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ زَكَاةً وَاحِدَةً إِنْ تَمَّ الْمَقْبُوضُ نِصَاباً بِنَفْسِهِ، أَوْ بِعَيْنٍ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَجَمَعَهُ وَإِيَّاهُ مِلْكٌ وَحَوْلٌ ....... يعني: أن الزكاة تجب في الدين بأربعة شروط: أولها: أن يكون أصله بيده عيناً، أو عرض زكاة.
أي: عرض احتكار.
وأما دين المدير، فسيتكلم المصنف عليه في بابه.
ثانيها: أن يقبض، فلو لم يقبض لم يزكِّ.
وفيه تنبيه على مذهب الشافعي فإنه أوجب الزكاة فيه وهو على الغريم.
ثالثها: أن يكون المقبوض عيناً، فلو قبضه عرضاً لم تجب الزكاة فيه، إلا أن يكون مديراً.
وقوله: (زَكَّاهُ عِنْدَ قَبْضِهِ) جواب الشرط، وهو بيان لكيفية زكاته.
أي: إذا حصلت شروط زكاة الدين فإنما يزكى زكاة واحدة.
وقوله: (بَعْدَ حَوْلِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ) أي: بعد مضي حول أصل الدين لا الدين، فلو كان عنده نصاب ثمانية أشهر ثم داينه شخص فأقام عنده أربعة أشهر ثم اقتضاه، زكاه إذ ذاك.
رابعها: أن يتم المقبوض نصاباً بنفسه، أو بعين قبل القبض، أو معه أو بعده، يعني: حال حولها قبض القبض، أو مع القبض، أو بعد القبض.
وقوله: (وَجَمَعَهُ وَإِيَّاهُ مِلْكٌ وَحَوْلٌ) شرط العين التي يتم بها المقتضى.
والظاهر أن قوله: وجمعه وإياه ملك وحول.
مستغنى عنه.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن يقال: إنما يتم

الاستغناء عنه على ما قدرت من أن قوله: قبل القبض أو معه.
عائد على الحول، أي: حال حولها قبل القبض أو معه.
وأما إذا قدرت بعين حصلت قبل القبض أو معه أو بعده فلا، وهو ظاهر.
والواو في قوله: (ومعه) بمعنى (أو).
وقد وقع التصريح بـ (أو) في بعض النسخ.
والله أعلم.
وقوله: (زَكَّاهُ عِنْدَ قَبْضِهِ) لا يلتئم مع قوله: (بعده) وإنما هو راجع إلى قوله: (قبل القبض أو معه).
فإن قلت: لم لا جعلت قوله: (بَعْدَ حَوْلِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ) شرطاً؟ قيل: لأن الحول شرط في كل ما زكاه وليس خاصاً بالدين، ولا ينبغي أن يضاف من الشروط إلى الدين إلا ما كان خاصاً به.
وَفِي إِتْمَامِهِ بالْمَعْدِنِ قَوْلانِ كما لو اقتضى من دينه عشرة وأخرج من معدنه عشرة، ففي التلقين: يضمان؛ لأن المعدن لما لم يشترط فيه الحول صار [119/أ] بمنزلة مال قد حل حوله، وهو الظاهر، واستحسنه المازري.
ولم أر القول بعدم الضم، لكنه يأتي على ما فهمه ابن يونس من المدونة أن المعدن لا يضم إلى عين حال حوله عنده كما سيأتي.
ثُمَّ يُزّكَّي مَا يَقْبِضُ مِنْهُ بَعْدُ وَإِنْ قَلَّ أي: بعد النصاب.
وقوله: (وَإِنْ قَلَّ) أي: ولو كان درهماً.
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ قَبِّضَهُ فِرَاراً، وَخُولِفَ هذا راجع إلى قوله: (زَكَاةً وَاحِدَةً).
أي: وقال ابن القاسم: يزكيه لكل حول إذا أخر قبضه لأجل الفرار من الزكاة.
وقد ألزمه ابن يونس لأشهب من تعليله بأن الزكاة وجبت فيه وهو على الغريم، وإنما منعناه من إلزامه بها خشية ألا يقبض الدين.

وقوله: (وَخُولِفَ) يقتضي أنه انفرد بذلك، وذلك لأن العاقل لا يؤخر قبض دينه لأجل الزكاة، بل لو اشترى به أي شيء لكان استفاد به مقدار الزكاة وزيادة.
واعلم أن مخالفة ابن القاسم ليست مطلقة، بل يتفق في بعض أنواع الدين على مثله.
ففي المقدمات: الدين أربعة أقسام: أولها: أن يكون من ميراث، أو عطية، أو أرش جناية، أو مهر امرأة، أو نحو ذلك.
فهذا لا زكاة فيه ويستقبل به حولاً بعد قبضه، وإن ترك قبضه فراراً.
ثانيها: أن يكن من ثمن عرض أفاده، فهو كذلك إن باعه بنقد، وكذلك إن باعه بمؤجل، خلافاً لابن الماجشون.
وإن أخر قبضه فراراً، فيتخرج على قولين: أحدهما: زكاته لماضي الأعوام.
والثاني: أنه باقٍ على حكمه ويستقبل به.
وثالثها: أن يكون من ثمن عرض اشتراه بنقد للقنية، فإن باعه بنقد استقبل به، وإلى أجل زكاه لعام بعد قبضه.
وإن أخر قبضه فراراً، زكاه لماضي الأعوام اتفاقاً.
رابعاً: أن يكون الدين من كراء أو إجارة، فإن قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة فحكمه كالقسم الثاني.
انتهى بمعناه.
وقال ابن يونس –وهو في المدونة-: وكل سلعة أفادها الرجل بميراث، أو هبة، أو صدقة، أو اشتراها رجل للقنية –داراً كانت أو غيرها من السلع- فأقامت بيده سنين أو لم تقم، ثم باعها بنقد فمطل بالنقد، أو باعها إلى أجل فمطل الثمن سنين، أو أخره بعد الأجل، فليستقبل به حولاً بعد قبضه.
انتهي.
فانظر هذا مع ما حكاه صاحب المقدمات من الاتفاق في القسم الثالث، فإن ظاهره ينافيه؛ إلا أن يحمل كلام ابن يونس على ما إذا أخره غير قاصد الفرار.
والله أعلم.

فَلَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ اعْتُبِرَ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ الْفَائِدَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قَبَضَ عَشَرَةً لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَضَاعَتْ ثُمَّ عَشَرَةً ... لو تلف الْمُتِمُّ، وهي العشرة الأولى في مثال المصنف بأن ضاعت أو سرقت، ففي المسألة قولان: القول بالزكاة وهو الذي صححه المصنف، عزاه صاحب النوادر وغيره لابن القاسم، وأشهب، وسحنون.
والقول بعدم الزكاة لابن المواز.
وجه القول الأول: أن العشرين قد اجتمعتا في الملك والحول، وإنما منع من الزكاة عن العشرة الأولى خشية ألا يقتضي غيرها.
ووجه مقابل الأصح: القياس على الفائدتين.
وهي المسألة التي أشار المصنف إليها بقوله: (بِخِلافِ الْفَائِدَتَيْنِ) وهو ما تقدم من قوله: (فلو ضاعت الأولى أو أنفقها بعد حول، ثم حال حول الثانية ناقصة، ففي سقوط الزكاة ...) إلى آخر.
ابن عبد السلام: وقيل سقوطها هو الأصح؛ لأن النصاب ضاع بعضه قبل التمكن من إخراج الزكاة، إذ الضياع هنا قبل كمال النصاب.
والجمهور ما عدا ابن الجهم على سقوط الزكاة فيما إذا ضاع جزء من النصاب بعد الحول وقبل التمكن، كما تقدم.
انتهى.
ويمكن أن يفرق بينهما بقوة تعلق الزكاة بالدين، إذ من العلماء من ذهب إلى وجوبها قبل القبض فكيف بعده؟ وقوله: (لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا) ليس من باب الحصر بل تمثيل، إذ الحكم جار سواء ملك غيرها أو لم يملك، ولكن ليس فيه مع العشرة المقتضاة كمال النصاب.
فَلَوْ أَنْفَقَهَا فَالِّرَوايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى الزَّكَاةِ يعني: فلو أنفق العشرة المفروض ضياعها في الفرع السابق، فالروايات متفقة على وجوب الزكاة؛ لأن العشرين قد اجتمعتا في الملك والحول مع الانتفاع بكل منهما.
وأشار

بقوله: (فَالرِّوايَاتُ) إلى ما نقل ابن بشير، وابن شاس: أن بعض المتأخرين رأى أن الخلاف المتقدم جارٍ هنا أيضاً، وكان ينبغي على هذا أن يقول على المنصوص جرياً على عادته.
وَفُرِّقَ للِشَّاذِّ بالتَّسَبُّبِ وَالانْتِفَاعِ (الشَّاذِّ) هو مقابل الأصح في قوله: (فَلَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ).
أي: وفرق لمقابل الأصح في إيجابه الزكاة مع الإنفاق، وإسقاطه الزكاة في الضياع بالتسبب والانتفاع.
وفي كلامه فائدتان: إحداهما: عدم [119/ ب] صحة التخريج.
والثانية: أن الشاذ صحيح، وأن الأصح مشهور، إذ الشاذ إنما يقابله المشهور والله أعلم.
وَفِي أَوَّلِيَّةِ حَوْلِ الْمُتِمِّ بَعْدَ تَمَامِهِ أَوْ حِينَ قَبْضِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَاَشْهَبَ صورتها: أن يقتضي عشرة في المحرم ثم عشرة في رجب، فهل ينتقل حول المحرمية المقتضاة أولاً إلى الرجبية كما في الفوائد- وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور- أو لا ينتقل، بل حول كل واحدة من يوم اقتضائه وهو قول أشهب، ولا يخفى عليك توجيهها.
وَلَوْ زَكَّى نِصَاباً أَوَّلاً ثُمَّ حَالَ حَوْلُهُ نَاقِصاً وَفِيهِ مَعَ الثَّانِي نِصَابٌ، فَكَالْفَائِدَتَيْنِ مِثْلُهُمَا ... يعني: لو قبض من دينه نصاباً فزكاه أول الأمر، ثم قبض من دينه دون النصاب فزكاه، ثم حال حول الثاني وليس في الأول نصاب لكن فيه مع المقتضى ثانياً نصاب، فهل يزكي المقتضى أولاً قبل الحول الثاني- وهو المشهور- أو ينتظر به حول الثاني؟ وفي بعض النسخ (أول) ظرف مقطوع عن الإضافة، وفي بعضهما (أولاً) ظرف متعلق بـ (زكى).

وقوله: (فَكَالْفَائِدَتَيْنِ) أي: أن الحكم في الاقتضاءين كالحكم في الفائدتين.
وقد تقدم من قوله: (ولو حال حول الأولى ثانياً وفيها مع الثانية نصاب، فالمشهور بقاؤها لا انتقالها إلى الثانية).
والضمير المجرور بـ (مثل) عائد على الفائدتين، وهو بدل أو عطف بيان.
ولو حذف قوله: (وفيه مع الثاني نصاب) لفهم المعنى من التشبيه.
ولَوِ اقْتَضَى دِينَاراً ثُمَّ آخَرَ، فَاشْتَرَى بكُلِّ سِلْعَةٍ بَاعَهَا بِعِشْرِينَ، فَإِنْ بَاعَهُمَا مَعاً، أَوْ بَاعَ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ اشْتِرَاءِ الأُخْرَى فَوَاضِحٌ، وإِلا فَطَرِيقَانِ: الأُولَى: يُزَكَّي الْمَبِيعَ أَوَّلاً مِنْهُمَا مَعَ الدِينَارِ الآخَرِ فَقَطْ.
والثَّانِيَةُ: فِي تَزْكِيَةِ رِبْحِ الأُخْرَى قَوْلانِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ مِنْ حِينِ الشَّراء أَوْ مِنْ حِينِ الحُصُولِ ... يعني: أن من له دين لا يملك غيره، أو يملك ما لا يكمل النصاب به، فاقتضى منه ديناراً ثم ديناراً آخر واشترى بكل واحد منهما سلعة باعها بعشرين، وظاهر كلام المصنف التسوية بين شرائهما في وقت واحد أو وقتين.
وقوله: (فَإِنْ بَاعَهُمَا) أي: لبيعهما ثلاث حالات: الأولى: أن يبيعهما معاً.
الثانية: أن يبيع إحداهما قبل شراء الأخرى.
قال المصنف: (فواضح).
أي: الحكم واضح.
أي: يزكي في الصورة الأولى أربعين وفي الثانية إحدى وعشرين، ولا خفاء فيه.
وقد نبه على الصورة الثالثة بقوله: (وإِلا فَطَرِيقَانِ) أي: وإن لم يبيعهما معاً ولا باع إحداهما قبل شراء الأخرى، بل باع إحداهما بعد أن اشترى الأخرى، وسواء بدأ بيع المشتراة أولاً أو آخراً، ففي المسألة طريقان:

الأولى: لأبي بكر بن عبد الرحمن، يزكي المبيع أولاً منهما مع الدينار والآخر فقط؛ أي: ثمن السلعة المبيعة والدينار الذي هو ثمن السلعة التي لم يبعها بعد.
وأفلاد بقوله: (فقط) أنه على هذه الطريقة الأولى لا يزكي غير الإحدى والعشرين.
والطريقة الثانية: يزكي الإحدى والعشرين اتفاقاً.
وفي تزكية ربح الأخرى- أي: التسعة عشر- قولان: أحدهما: مثل الطريقة الأولى.
والثاني: يزكي الأربعين.
وبناها المصنف على أصل قول ابن القاسم وأشهب المتقدم في الربح مع المغيرة، هل يضم الربح من حين الشراء فيزكي الأربعين، أو من حين الحصول فلا يزكي غير الإحدى والعشرين؟ وبيان هذا أنك إذا قدرت ربح السلعة الثانية موجوداً مع أصله حين شرائها فيزكي؛ لأنه يكون مالكاً لأربعين.
وإن قدرت الربح موجوداً مع أصله حين حصوله، والفرض أن أصله زكي، أي: الدينار، فيكون ربح مال قد زكي فيستقبل به، وهذه الطريقة لابن بشير، وذكر أن المشهور زكاة الأربعين، وتبعه صاحب الجواهر، وصاحب الذخيرة، واقتصر اللخمي على زكاة الأربعين.
وَلَوْ وُهِبَ الدَّيْنُ لِغَيْرِ الْمِدْياَنِ فَقَبَضَهُ، فَفِي تَزْكِيَةِ الْوَاهِبِ قَوْلانِ كَالْمُحِيلِ الْمَلِيء ... القول بالوجوب لابن القاسم في الموازية والعتبية، ورأى أن قبض الموهوب له كقبض الوكيل، وبه علل محمد وأصبغ مسألة الإحالة قالا: لأن قبض المحال كقبض محيله.
والقول بعدمها لأشهب، ولم ير قبض الموهوب له، والمحال كقبض الوكيل؛ لأنهما إنما قبضا لأنفسهما.
خليل: ولعله الجاري على مذهب المدونة؛ لأنه نص فيها على عدم زكاة الواهب إذا وهب الدين للمدين، إلا أن يفرق بينهما بتحقق قبض العين في هبته، فيكون كالوكيل بخلاف المدين، وهذا هو الأقرب في كلام المصنف؛ لتقييده بغير المديان.
محمد: والأول أحب إلينا.
قال: وتؤخذ الزكاة منها لا من غيرها.

ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: وإنما تؤخذ الزكاة إذا قال الواهب أردت هذا، وإن لم [120/أ] يكن أراد ذلك، فقد قال ابن القاسم في بائع الزرع بعد وجوب الزكاة: إن الزكاة على البائع إن لم يشترط ذلك على المشتري.
وقال أشهب: ينقض البيع في حصة الزكاة، يريد إذا عدم البائع,.
قال صاحب البيان: وتأول ابن لبابة على أصبغ أن الزكاة لا تجب على المحيل بنفس الإحالة حتى يقبضها المحتال بها؛ لقوله: فإن قبض المحال بها كقبضه.
قال: مجمله على الخلاف لقول ابن القاسم، وهو تأويل فاسد، إذ لا وجه لمراعاة قبض المحتال فيما يجب على المحيل من الزكاة، وإنما يراعى قبضه في خاصة نفسه.
ومعنى قول أصبغ: لأنه كقبضه، يريد أن الإحالة كقبضها؛ أي: قبضها من صاحبها.
انتهى.
ففهم عن ابن القاسم وجوب الزكاة وإن لم يقبض المحال الدين، وهو ظاهر لفظه في العتبية؛ لقوله: وسئل عن الرجل له على رجل مائة دينار وقد حال عليها الحول، فأحاله على الذي عليه المائة، أعلى المحيل بها فيها زكاة؟ قال: نعم يزكيها.
قال أصبغ: لأنه كقبضه إياها من صاحبها.
وصورة الإحالة: أن يكون لشخص عند آخر دين وعليه دين، فأحاله الذي له الدين على الذي له عنده الدين، ووصف المحيل بالملاء احترازاً مما إذا لم يكن ملياً، فإنه إذ ذاك لا زكاة عليه؛ لكونه مديناً غير مليء.
وقوله: (الْمَلِيء) أي بقدر الدين، كما لو كان عنده من عروض القنية أو غيرها ما يجعله في الدين.
وَعَلَى تَزْكِيَةِ الْمُحِيلِ، فَهُوَ نِصَابُ يُزَكِّيهِ ثَلاثَةُ إِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ يعني: إذا قلنا بتزكية المحيل ما أحال به، فهو مال يزكيه ثلاثة رجال؛ أحدهم: المحيل.
والثاني: المحال لأنه قابض لدينه، وكذلك المحال عليه؛ لأن الإنسان إذا كان عنده مال حال عليه الحول وهو مليء وعليه دين فلا يعطيه في دينه حتى يزكيه.

وقوله: (إِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ) ظاهر، إذ لو كان أحدهما غير مليء بأن يكون مدياناً، لم يزكه.
وهذه المسألة مما تلقى في المعاياة.
فإن قلت: لا نسلم أنه يزكيه ثلاثة، وإنما يزكيه المحال والمحال عليه، وأما المحيل فإنما يزكى عنه؛ فجوابك أن معنى زكاه.
أي: خوطب بزكاته ثلاثة.
والله أعلم.
إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ عَيْناً بِيَدِهِ فَكَالْفَائِدَة ِبَعْدَ قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَنْ سِلْعَةِ قُنْيَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ... هذا راجع إلى قوله: (إن كان أصله بيده عيناً) وقوله: (عَيْناً) يريد أو عرض زكاة؛ لأن حكمهما واحد (فَكَالْفَائِدَة) أي: يستقبل به.
قوله: (وَكَذَلِكَ ...) إلخ.
أي أن الدين الذي ليس أصله عيناً ولا عرض زكاة قسمان: إن نشأ عن غير سلعة، كدية جرحه، ودية عبده ووليه، والميراث، استقبل به اتفاقاً.
وإن نشأ عن سلعة قنية، فإن باعها بنقد استقبل به اتفاقاً.
صرح بذل ابن بشير، وابن شاس.
ابن عبد السلام، وابن هارون: وإنما الخلاف إذا باعها نسيئة، فالمشهور الاستقبال.
وروى ابن نافع وجوب الزكاة، وسلك بالأجل نوعاً من التجارة، وقاله المغيرة وابن الماجشون، فليس الخلاف كما أطلقه المصنف.
والله تعالى أعلم.
وَلا زَكَاةَ فِي صَدَاقِ عَيْنٍ إِلا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَاشِيَةُ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ أَوِ الشَّجَرِ، فَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ وَإنْ لَمْ يَقْبضْهُ؛ لأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْهاَ لا زكاة في صداق عين، أي: اتفاقاً.
قال أشهب في المجموعة: ولو كانت الدنانير والدراهم معينة.

وقوله: (غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ) أي: لأن ضمانها من الزوج.
وقوله: (فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ أَوِ الشَّجَرِ، فَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ) يريد بشرط النصاب؛ لأن لها التصرف التام بالبيع والهبة.
وإِذَا اخْتَلَطَتْ أَحْوالُ الاقْتِضَاءِ، ضُمَّ الأخِيْرَ إلَى الأَولِ، وفي الفَوَائِدِ: الْمَشْهُورُ الْعَكْسُ.
واسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُ حَولاً وَسَطاً، كَمَالٍ تَنَازَعَهُ اثْنَانِ ... يعني: إذا التبست أحوال الاقتضاء ولم تعلم أحواله، فإنه يضم الآخر منهما إلى الأول.
مثاله: لو اقتضى أول المحرم نصاباً ثم صار يقتضي قليلاً قليلاً إلى رجب، ثم نسي في العالم الثاني حول كل مال، فإنه يجعل حول الجميع من المحرم احتياطاً للفقراء.
وأما في الفوائد: فالمشهور العكس، يضم الأول إلى الآخر.
وقال ابن حبيب: بل يضم الآخر إلى الأول كالاقتضاء، ورواه عن مالك.
والفرق على المشهور أن الأصل في الدين أن يزكى بمرور الحول، ولذلك قال كثير من العلماء بالزكاة وهو على الغريم، لكن إنما منع من إخراجها على المذهب خوف عدم القبض، فإذا قبض كان ينبغي أن يرد إلى الحول الذي [120/ ب] كان عليه وهو على المديان، فإذا حصل الاختلاط رد الآخر إلى الأول؛ لأن الحول قد مر عليه بخلاف الفوائد فإن الأصل فيها عدم الزكاة، فيناسب ذلك ضم الأول إلى الآخر.
ابن بشير: واستحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولاً وسطاً لا يبنى على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها.
انتهى.
وما فهمه ابن بشير عنه هو الذي يؤخذ من كلامه في التبصرة، وكلام ابن عبد السلام يقتضي أنه خصص ذلك بالفوائد، وليس بظاهر.
وَيُضَمُّ الاقْتِضَاءُ إلَى الفَائِدَة قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كما لو كان عنده عشرة فائدة حال حولها ثم اقتضى عشرة، وهذا ضم الاقتضاء إلى الفائدة قبله، أي: حال حولها قبل الاقتضاء.

وقوله: (أَوْ بَعْدَهُ) كما لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة وكان لم يحل حولها، فإذا حل حولها والمقتضى باقٍ زكى الجميع.
قال ابن القاسم: ولو اقتضى عشرة دنانير من دين حال حولها فأنفقها، ثم حال حول الفائدة فزكاها، ثم اقتضى خمسة من دينه، فإنه يزكي هذه الخمسة؛ لكونها مقتضاة بعد حول الفائدة، ولا يزكي العشرة الأولى؛ لكونها لم تجتمع مع الفائدة، لكن لو اقتضى خمسة أخرى بعد الخمسة التي قبضها، زكى العشرة السابقة؛ لحصول النصاب من دينه.
المازري: وهذا يلهج به المدرسون، فيقولون: الفوائد تضاف إلى ما بعدها من الاقتضاءات ولا تضاف إلى ما قبلها، والاقتضاءات يضاف بعضها إلى بعض.
ولو اقتضى من دين حال حوله خمسة فأنفقها، ثم استفاد عشرة فأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى عشرة، فإنه يزكي العشرة الفائدة والعشرة التي بعدها من الاقتضاء؛ لإضافة الفائدة لما بعدها، ولا يزكي الخمسة الأولى؛ لكونها لا تضاف إلى الفائدة، فإذا اقتضى خمسة أخرى زكى حينئذٍ عن الخمسة الأولى وعن هذه الخمسة؛ لكمال النصاب من الدين.
واختلف الأشياخ إذا اقتضى من دينه الذي حال حوله خمسة فأنفها، ثم استفاد عشرة فأنفقها بعد حولها، ثم استفاد عشرة أخرى فأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى خمسة، فقال أبوبكر بن عبد الرحمن: يزكي هذه الخمسة؛ لأنها تستحق الإضافة لكل من الفائدتين، والفائدتان لا تضاف الخمسة الأولى إليهما، ولا تضاف إحداهما إلى الأخرى، وذهب غيره إلى عدم زكاة الخمسة الأخيرة؛ لأنها وإن وجب أن تضم لكل من الفائدتين لكونها بعدهما وإلى الخمسة السابقة لكون الاقتضاءات يضم بعضها إلى بعض، فإن كل واحدة من هذه الثلاثة لا تضم إحداهما إلى الأخرى.

فَإِنْ كَمُلَ باقْتِضَاءٍ قَبْلَ حَوْلِهَا تَفَرَّقَا، وقِيلَ كَالْخَلِيطِ الْوَسَطِ يعني: وإن كمل النصاب من اقتضاءين وفائدة والفائدة بينهما، تفرق الاقتضاء من الفائدة ولم يجمعا.
قال ابن بشير وابن شاس مثاله: لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة، ثم اقتضى خمسة بعد أن أنفق العشرة التي اقتضى أولاً.
انتهى.
وقال ابن هارون مثاله: لو اقتضى أولاً عشرة، ثم أفاد خمسة وأنفق العشرة المقتضاة واقتضى قبل حول الفائدة خمسة.
انتهى.
والمثال الأول هو الذي يتكلم الناس فيه، والقولان للمتأخرين؛ أحدهما: نفي الزكاة، وإليه أشار بقوله: (تَفَرَّقَا) أي: تفرق الاقتضاء من الفائدة، ومعنى (تفرقا) أي: بقيا على افتراقهما.
والقول الثاني: وجوب الزكاة؛ لأن الخمسة المقتضاة آخراً قد اجتمعت مع كل من العشرتين في الملك والحول، فصارت بالنسبة إلى كل واحد منهما كخليط وسط.
فإن قلنا: إن خليط الخليط خليط، جاء منه القول الثاني.
وإن قلنا: إنه ليس كالخليط لم تجب الزكاة، وهو القول الأول.
ابن بشير: لكن اختلفوا هل تجب الزكاة في الخمسة المقتضاة خاصة لأنها تزكى بالمالين، وسمعنى في المذكرات وجوب الزكاة في الجميع عند بعض الأشياخ.
انتهى.
وهذا القول الذي سمعه ابن بشير في المذاكرات هو مقتضى كلام المصنف، وأما الأول فلا؛ لأن مسألة الخليط الوسط لا خلاف أن الزكاة تجب في الطرفين والوسط، وإنما الخلاف في كيفية ذلك الوجوب.
قال شيخنا رحمه الله: والقول بزكاة الخمسة مشكل، ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وفرض ابن عبد السلام المسألة أنه أنفق المقتضى أولاً قبل الاستفادة، فعلى فرضه يتفق ابن القاسم وأشهب على سقوط الزكاة؛ لأن العشرة الأولى لم تجتمع مع الفائدة

أصلاً، ويمكن أن تفرض على أنه أنفق بعد الاستفادة، فيختلف فيها على قولهما.
فعلى قول ابن القاسم باشتراط الاجتماع في الملك وكل الحول، لا زكاة.
وعلى قول أشهب باشتراط الملك وبعض الحول، تجب الزكاة.
ولَوْ تَلِفَ الْمُقْتَضَى ثُمَّ حَالَ حَوْلُهَا، فَقَوْلانِ كَالْفَائِدَتَيْنِ [121/أ] كما لو اقتضى عشرة حال حولها، واستفاد عشرة لم يحل حولها حتى تلف المقتضى بأن سرق مثلاً، فابن القاسم يسقطها، وأشهب يوجبها.
وقوله: (كَالْفَائِدَتَيْنِ) أي: كالمسألة المتقدمة، وهي قوله: فلو ضاعت الأولى أو أنفقها بعد حول، ثم حال حول الثانية ناقصة، والتعليل كالتعليل.
وقوله: (تَلِفَ الْمُقْتَضَى) يريد وأحرى لو أنفقه، فنبه بالأخف على الأشد.
ثُمَّ إِنِ اِقْتَضَى مَا يَكْمُلُ بِهِ إِحْدَاهُمَا، زَكَّاهُمَا، وفِي تَزْكِيَةِ مَا لا يَكْمُلُ بِهِ الْقَوْلانِ يعني: لو كان المقتضى آخراً تكمل به الفائدة نصاباً ولا يكمل به الاقتضاء الأول، أو بالعكس، زكاهما؛ أي: اللذين يكمل منهما النصاب.
مثال الأولى: أن يقتضي أولاً خمسة عشر ثم يستفيد عشرة، ثم تهلك الخمسة عشر المقتضاة أولاً أو ينفقها، ثم يقتضي خمسة، فالمقتضى ثانياً يكمل النصاب المقتضى أولاً ولا يكمل الفائدة، فيزكي الاقتضاءين.
ومثال الثانية: أن يكون الاقتضاء أولاً عشرة والفائدة خمسة عشر، والاقتضاء الأخير خمسة، فيزكي الفائدة مع الاقتضاء الأخير.
وقوله: (وفِي تَزْكِيَةِ مَا لا يَكْمُلُ بِهِ الْقَوْلانِ) أي: الفائدة في الصورة الأولى، والاقتضاء في الصورة الثانية.
والألف واللام في القولين للعهد، أي: قول ابن القاسم وأشهب: هل يشترط الاجتماع في الملك وكل الحول، أو في الملك وبعض الحول؟ فعلى

قول ابن القاسم: لا تجب الزكاة في الفائدة في الصورة الأولى، والاقتضاء في الثانية؛ لعدم الاجتماع في الملك وكل الحول.
وعلى قول أشهب: يزكيهما؛ لأنه إنما يشترط الاجتماع في الملك وبعض الحول وقد حصل ذلك، ويحتمل أن يريد بالقول في أن خليط الخليط هل هو كالخليط أو لا؟ ويرجحه قرب هذين القولين؛ لكن الظاهر الأول؛ لأن وجوب الزكاة في الفائدة في المثال الأول إنما يتم إذا بنينا على أن خليط الخليط كالخليط، وعلى الاكتفاء في الملك وبعض الحول.
والله أعلم.
وإِنْ كَمُلَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، زَكَّى الْجَمِيعَ أي: وإن كمل باقتضاء الأخير كل واحد من الاقتضاء الأول والفائدة، زكى الفائدة والاقتضاءين، إذ الاقتضاء الثاني اجتمع مع كل واحد من الاقتضاء الأول والفائدة في الملك والحول.
وبهذا يعلم أن المقتضى أولاً لا فرق فيه بين أن يضيع أو ينفقه، بخلاف الفوائد، والفرق بينهما ما قلناه من اجتماع الاقتضاءين هنا في الملك والحول، ومثاله: لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة، فأنفق المقتضى أولاً أو ضاع ثم اقتضى عشرة، زكى الجميع.
أي: الثلاثين.
وَالْعَرَضُ الْمَمْلُوكُ بمُعَاوَضَةٍ بِنِيَّةِ التَّجَارَةِ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِهِ عَيْناً أَوْ عَرْضاً للِتِّجَارَةِ وَرَصَدَ بِهِ السُّوق وَبِيعَ بالْعَيْنِ، فَكَالدَّيْنِ .. هذا شروع في زكاة العروض، ولا اختلاف في سقوط الزكاة عن عرض القنية.
ابن بشير: وقد فهمته الأئمة من قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم زكاة في فرسه وعبده".
وأما عروض التجارة، فالزكاة تتعلق بها عند الجمهور خلافاً للظاهرية.
والتجارة قسمان: إدارة، واحتكار.
وبدأ المصنف بالاحتكار، وشرط في تعلق الزكاة بعرض الاحتكار خمسة شروط:

الأول: أن يملك بمعاوضة، فلا زكاة في عرض الميراث والهبة.
ثانيها: أن ينوي به التجارة، واحترز به من عدم نيتها، سواء نوى القنية أو لم ينو شيئاً، فإن الأصل فيه القنية.
ثالثها: أن يكون أصل هذا العرض المحتكر إما عيناً أو عرض تجارة، فلو كان أصله عرض قنية، استقبل بثمنه.
رابعها: أن يرصد به السوق، وهو أن يمسكه إلى أن يجد فيه ربحاً جيداً، احترازاً من المدير، فإنه لا يرصد الأسواق بل يكتفي بالربح القليل، وربما باع بغير ربح.
خامسها: أن يباع بعين، فلو باعه بعرض، فلا زكاة.
وقوله: (فَكَالدَّيْنِ) أي: فيزكيه لحوله أو أحواله زكاة واحدة، وهو جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ، وهو العرض.
والْقَمْحُ ونَحْوُهُ عَرْضٌ، بِخِلافِ نِصَابِ الْمَاشِيَةِ نحوه جميع الحبوب والثمار التي تتعلق بعينها الزكاة، وخص هذا النوع بالذكر- وإن كان من العرض- لأنه لما كانت الزكاة تتعلق بعينه قد يوهم ذلك خروجه من العروض.
وقوله: (بِخِلافِ نِصَابِ الْمَاشِيَةِ) يعني: أن الماشية إذا قصرت عن نصاب فكالعروض، وإن كانت نصاباً زكيت من جنسها؛ لأن زكاتها من جنسها أصل فلا يعدل عنه.
فَإِنْ نَوَى الْغَلَّةَ فَفِي ثَمَنِهِ إِنْ بِيعَ قَوْلانِ يعني: فإن نوى بالعرض عند شرائحه أن يستغله، كما لو نوى إكراءه.
وقوله: (فَفِي ثَمَنِهِ إِنْ بِيعَ قَوْلانِ) أحدهما: سقوط الزكاة، وهو المشهور، وهو الذي رجع إليه مالك، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب؛ لأن الغلة [121/ ب] موجودة في عرض القنية.

والقول بالوجوب هو قول مالك الأول، وبه أخذ ابن نافع؛ لأن الغلة نوع من التجارة، ولعل سبب الخلاف هل نية الغلة كالتجارة أم لا؟ فَإِنْ نَوَى التِّجَارَةَ والْقُنْيَةَ، فَقَوْلانِ يعني: فإن اشترى عرضاً ينوي الانتفاع بعينه، وهي القنية، وإن وجد ربحاً باعه، وهو التجارة، فهل ترجح نية القنية لأنها الأصل في العروض، أو ترجح نية التجارة احتياطاً للفقراء؟ ورجح اللخمي وابن يونس القول بالوجوب، وقاسه ابن يونس على قول مالك فيمن تمتع وله أهل بمكة وأهل بغيرها أنه يهدي احتياطاً.
فَإِنْ نَوَى الْغَلَّةَ والتِّجَارَةَ أَوِ الْقِنْيَةَ، احْتَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الأَوْلَوِيَّة فِيهِمَا يعني: فإن نوى الغلة مع التجارة أو الغلة مع القنية، فإن في مجموع المسألتين قولين.
وليس المعنى أن في كل واحدة قولين كما قال ابن عبد السلام؛ لما سيأتي.
وقوله: (الْقَوْلَيْنِ) يحتمل أن يريد المتقدمين فيما إذا نوى التجارة والقنية، ويحتمل أن يريد القولين المتقدمين فيما إذا نوى الغلة فقط.
وبيان الأولوية التي أشار إليها المصنف على الاحتمال الأول أن يقال: إذا قيل فيما إذا نوى القنية والتجارة بسقوط الزكاة تغليباً لنية القنية، فلأن يقال بسقوطها فيما إذا نوى الغلة والقنية من باب أولى، إذ الغلة أقرب إلى القنية من التجارة في سقوط الزكاة، وهذا بيان أحد القولين في إحدى الصورتين.
وتقرير الأولوية في الصورة الأخرى أن يقال: إذا قيل بوجوب الزكاة فيما إذا نوى القنية والتجارة، فلأن تجب فيما إذا نوى الغلة والتجارة من باب أولى، إذ الغلة أقرب إلى التجارة من القنية في وجوب الزكاة.

وأما بيان الأولوية على الاحتمال الثاني، يعني أولوية القولين فيما إذا نوى الغلة في مسألة نية القنية والغلة، ونية التجارة والغلة على المعنى المتقدم، فهذا الذي يؤخذ من كلام ابن بشير فإنه قال: فإن نوى القنية والغلة، فعلى قول من يسقط الزكاة من المغتل يسقطها هنا، وعلى قول من يوجبها يجتمع موجب ومسقط، فقد يختلف قوله إلا أن يراعي الخلاف.
وإن نوى الغلة والتجارة، فعلى مذهب من يزكي المغهتل تجب هنا بلا شك، وعلى مذهب من لا يزكيه يجتمع موجب ومسقط، فقد يختلف فيه إلا أن يراعي الخلاف فيوجب.
انتهى.
وإنما قلنا أن الأولوية إنما هي في مجموع المسألتين لا في كل مسألة بانفرادها؛ لأنه لا يمكن بيان أولوية القولين في كل من المسألتين؛ لأنها لا تخلو إما أن تجعل (أل) عائدة على القولين فيما إذا نوى التجارة والقنية، أو نوى الغلة فقط، والأول غير مستقيم؛ لأنه لا يصح أن يقال: إذا قلنا بالوجوب في نية القنية والتجارة، فلأن نقول به في مسألة القنية والغلة من باب الأولى؛ لأن الغلة أقرب إلى القنية في سقوط الزكاة.
وكذلك لا يمكن أن يقال: إذا قلنا بالسقوط في القنية والتجارة، أن نقول به في مسألة الغلة والتجارة؛ لأن الغلة أقرب إلى التجارة في وجوب الزكاة.
والثاني: أن بيان الأولوية من مسألة الغلة لا يصح أيضاً، وهو ظاهر لمن تأمله.
ولم يحك اللخمي في مسألة من نوى القنية والغلة خلافاً في أن الزكاة تسقط، وحكى في مسألة من نوى الغلة والتجارة قولين: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيئْاً، فَكَنِيَّةِ الْقُنْيَةِ قوله: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيئْاً) أي: لم ينو القنية ولا التجارة، وإنما كان كنية القنية؛ لأن القنية هي الأصل.

فَإِنْ كَانَ بمُعَاوَضَةٍ للِتِّجَارَةِ بعَرْضِ الْقُنْيَةِ، فَقَوْلانِ الباء في (بعَرْضِ) تتعلق بمعاوضة؛ يعني: فإن كان عنده عرض قنية فباعه بعرض ينوي به التجارة ثم باعه، ففي ثمنه إذا بيع قولان: قيل: يزكى لحول أصله، وهو المشهور وقيل: يستقبل به حولاً، بناء على أن الثمن هل يعطى حكم أصله الثاني فيزكى، أو أصله الأول فلا زكاة لأنه عرض قنية.
وَالنِّيَّة تَنْقُلُ عَرْضَ التِّجَارَةِ إِلَى الْقُنْيَةِ وَلا تَنْقُلُ عَرْضَ الْقُنْيَةِ إِلَى التِّجَارَةِ لأن النية لما كانت سبباً ضعيفاً نقلت إلى الأصل ولم تنقل عنه، كالقصر في الصلاة لا ينتقل إليه بالنية، بخلاف الإتمام فإنه يكتفي فيه بنية الإقامة، وذكر ابن الجلاب رواية بعدم النقل في المسألة الأولى وأنه يزكي الثمن، وذكر في الجواهر في الثانية قولاً آخر بانتقال عرض القنية إلى التجارة بالنية، وعلى هذا فما ذكره المصنف هو المشهور في المسألتين.
إِلا أَنْ يَكُونَ أولاً بمُعَاوَضَةٍ للِتِّجَارَة، فَقَوْلانِ هذا الاستثناء عائد إلى قوله: (ولا تنقل عرض القنية إلى التجارة) أي: أن النية لا تنقل عرض القنية للتجارة، إلا أن يكون هذا العرض المقتنى الذي نوى به التجارة ملكه أولاً، أي: قبل نية الاقتناء بمعاوضة على نية التجارة، ثم بنى على أن نية الاقتناء المتوسطة نسخت النية الأولى أم لا.
فعلى النسخ لا تنقل، وهو قول ابن القاسم ومالك، والقول بالانتقال إلى التجارة [122/ أ] لأشهب.
والله أعلم.
وأَمَّا عَرْضُ الْمِيرَاثِ والْهِبَةِ ودَيْنُهُمَا، فَلا زَكَاةَ فِيهِمَا إِلا بَعْدَ حَوْلٍ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ عَيْناً بِيَدِهِ، ولَوْ نَوَى بهِ التِّجَارَةَ ... يعني: إذا ورث عرضاً أو وهب له، أو ورث ديناً أو وهب له، فلا زكاة عليه في شيء من ذلك، بل يستقبل به حولاً بعد قبضه.

وقوله: (فِيهِمَا) أي: في كل واحد منهما، ولذلك أفرد الضمير في صيرورته.
وقوله: (عَيْناً) احترازاً مما إذا قبضه عرضاً، فإنه لا زكاة عليه فيه، وقوله: (بِيَدِهِ) احترازاً مما إذا داينه هذا الوارث أو الموهوب له لشخص وقبضه ذلك الشخص، فإنه لا زكاة عليه إلا بعد أن يصير بيده ويستقبل به حولاً.
وقوله: (ولَوْ نَوَى بهِ التِّجَارَةَ) مبالغة، وهو ظاهر؛ لأن عرض القنية لا ينقل بالنية إلى التجارة.
وَعَبْدُ التِّجَارَةِ يُكَاتَبُ فَيَعْجِزُ فَيُبَاعُ، مِثْلُهُ لَوْ لَمْ يُكَاتَبْ يعني: لو اشترى عبداً للتجارة وكاتبه ثم عجز، فإنه مثل عبد التجارة الذي لم يكاتب، فإذا بيع زكى ثمنه لحول أصله.
ابن عبد السلام- بعد كلام المصنف-: يعني أن الكتابة كالاستغلال، وعجزه عنها ليس باستئناف ملك، لكن اختلف الشيوخ في العبد المأذون له في التجارة إذا كوتب ثم عجز، هل يعود بعد عجزه مأذوناً، أو يعود محجوراً عليه، أو يعود منتزع المال؟ والأول من هذه الأقوال هو الذي يشبه الحكم في الفرع الذي ذكره المؤلف.
انتهى.
وإِنْ لَمْ يُرصَدْ وكَانَ مُدَاراً، فَالزَّكَاةُ بِالتَّقْوِيمِ كُلَّ عَامٍ إِنْ نَضَّ فِيهِ شَيْءُ، ولَوْ دِرْهَمُ فِي أَوَّلِهِ، ولَوْ زَادَ بَعْدُ، بِخِلافِ حُلِيِّ التَّحَرِّي، ثُمَّ يُوْجَدُ أكثَرُ ... هذا هو القسم الثاني من التجارة وهو الإدارة.
وقوله: (وكَانَ مُدَاراً) زيادة بيان، إذ الكلام في عرض التجارة، وهو إذا لم يرصد به السوق يلزم قطعاً أن يكون مداراً، وذلك كأرباب الحوانيت والجالبين للسلع من البلدان.
وقوله: (بِالتَّقْوِيمِ) أي: يقومه ليخرج الزكاة عن قيمته، لكن بشرط أن ينض من أثمان العروض شيء ما.
وقال ابن حبيب: لا يشترط النضوض، ورواه مطرف عن مالك – وسيأتي هذا القول من كلام المصنف- وهل يعتبر أن ينض له نصاب؟ المشهور: لا

يشترط ذلك، خلافاً لأشهب، وعلى المشهور، فالمشهور: لا فرق في ذلك بين أن ينض في أول الحول أو في آخره.
وقال عبد الوهاب: يراعى النضوض في آخر الحول؛ لأنه وقت تعلق الزكاة.
الباجي: وهو أظهر.
قوله: (ولَوْ زَادَ) أي: المعتبر القيمة، ولو زاد ثمن العرض بعد ذلك، بخلاف حلي التحري؛ أي: الحلي المنظوم بالجواهر، إذا بنينا على القول بالتحري فتحريت زنته وزكيت، ثم فصل فوجدت زنته أكثر زكيت الزيادة.
والفرق: أن الحلي علم فيه الخطأ قطعاً بخلاف العرض، لجواز أن يكون ذلك لارتفاع المسوق أو جودة بيعه.
والله أعلم.
ويُضَمُّ الْحُلِيُّ وزْناً مَعَهُ أي: المدير إذا كان يدير سلعاً وحلياً، فإنه يقوم العروض ويزكي الحلي بالوزن.
أي: تعتبر الصياغة كما تقدم.
فإن ظاهر المدونة عدم اعتبار الصياغة ولو كان مديراً، قاله في المقدمات.
تنبيه: وقع في نسخة ابن راشد هنا ما نصه: وقيل لا يزكى حتى ينضَّ مقدار النصاب فيزكيه، ثم مهما نض شيء زكاه.
وقال في كلامه عليه: هذا القول حكاه ابن بشير ولم يعزه، وهو شاذ، وحكاه ابن شاس فيما إذا كان مديراً بالعروض ثم وقع النضوض، وسيأتي.
انتهى.
وَأَوَّلُ الْحَوْلِ أَوَّلُ حَوْلِ نَقْدِهِ لا حِينَ إِدَارَتِهِ، خِلافاً لأَشْهَبَ كما لو ملك ألفاً في المحرم ثم أدار بها عروضاً في رجب، فأول حوله أول حول النقد – وهو المحرم- لا حين إدارته، خلافاً لأشهب.
والمدونة ليس فيها التصريح بالأول؛ لأنه قال فيها: ويجعل المدير لنفسه شهراً يقوم فيه.
وحملها الباجي على المعنى الذي ذكره المصنف، واللخمي على أنه يجعل له حولاً وسطاً؛ لأنه قال- بعد ذكر لفظ المدونة-: يريد أنه لا يجب عليه أن يقوم عند تمام الحول على أصل المال؛ لأن ما بيده إن كان عرضاً

فلا زكاة فيه.
وكذلك إن كان دون النصاب، فلا يؤمر بالتقويم حينئذ؛ لأنه على يقين أنه لم تجب عليه زكاة جميع ذلك، فجاز له أن يؤخر التقويم على رأس الحول؛ لأن في إلزامه التقويم حينئذ ظلماً عليه، ولا يؤخر لحول آخر؛ لأن فيه ظلماً على المساكين، فأمره أن يجعل لنفسه حولاً يكون عدلاً بينه وبين المساكين.
انتهى.
المازري: ولعمري أن ظاهر الروايات مع شيخنا؛ لأن قوله: ثم يجعل لنفسه شهراً.
لا تحسن هذه العبارة في شهر معلوم قد جعله الله للزكاة قبل أن يجعله، هذا وما قاله أبو الوليد أسعد بظاهر الشرع، لقوله: لا زكاةفي مال حتى يحول عليه الحول.
فَلَوْ كَانَ مُدَاراً بالْعَرَضِ وَلا يَنِضُّ شَيْءُ، فَالْمَشْهُورُ: لا تَجِبُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ لاخْتِلاطِ [122/ ب] الأَحْوَالِ أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ بِالإدَارَة كَالنَّقْدِ ... يعني: لو كان يدير العروض بعضها ببعض ولا يبيع بشيء من العين، فالمشهور عدم التقويم؛ بناء على اشتراط النضوض، والشاذ لابن حبيب.
ولمالك من رواية مطرف وابن الماجشون، والأحسن أن يقول: فلو كان مديراً؛ لقوله بالعرض.
وقوله: (بنَاءً) أي: سبب الخلاف هل كان الحكم بتقويم المدير أولاً في زمن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لما أمر من يبيع الجلود به لأجل اختلاط الأحوال عليه فيما يحصل له من النقد، فلا يزكى هذا إذ لا نقد، أو لأن العروض في حقه كالعين فيزكى.
فاسم (كان) عائد على التقويم، والضمير في صيرورته عائد على العرض.
وعَلَى الْوُجُوبِ فِي إِخْرَاجِ الْعَرَضِ قَوْلانِ هذا تفريغ على الشاذ.
فقيل: يجوز له أن يخرج عرضاً، وهو القياس على هذا القول؛ لأن العرض صار في حقه كالعين، وهو قول مالك في رواية ابن نافع.
وقيل: لابد من

إخراج العين رعياً للأصل؛ لئلا يبعد عنه بالكلية، وهو قول سحنون.
وحكاه عبد الوهاب عن مالك أيضاً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: إِنْ نَضَّ شَيْءُ بَعْدَ الْحَوْلِ، قُوِّمَ الْجَمِيعُ حِينَئذٍ وَكَانَ أَوَّلَ حَوْلِهِ وَأُلْغِىَ الزَّائِدُ ... أي: وعلى سقوط التقويم إذا لم ينض له شيء، لو نض بعد الحول بستة أشهر مثلاً، فإنه يقوم حينئذ وانتقل حوله من ذلك الوقت وألغي الزائد على الحول.
فرع: إذا قلنا بالمشهور أنه لا تجب الزكاة إلا بالنضوض، وأنها لا تجب إذا باع العرض بالعرض، فهل يخرج بيع العرض بالعرض عن حكم الإدارة؟ قال في الجواهر: لا يخرجه ذلك.
وروى أشهب وابن نافع: أنه يخرج بذلك عن حكمها.
وفهم صاحب الجواهر أن مقتضى هذا القول إلغاء الزائد إذا نض له شيء كالمشهور.
ابن راشد: وفيه نظر.
والذي حكاه ابن يونس واللخمي عن أشهب: أنه لا يقوم حتى يمضي له حول من يوم بيعه بذلك النقد.
انتهى.
وَفِي جَعْل الْبَوَارِ فِي عَرَضِ الإِدَارَةِ كَالنِّيَّةِ فِي نَقْلِهِ إِلَى حُكْمِ التِّجَارَةِ طَرِيقَانِ؛ الأُولَى: قَوْلانِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: إِنْ بَارَ الأَقَلُّ، فَقَوْلانِ ... يعني: إذا كسرت سلع المدير فلم يبعها فانتظر سوقها لذلك، فهل ينتقل إلى الاحتكار أو لا؟ طريقان.
واعلم أنه لو نوى الاحتكار انتقل إليه؛ لأنه أقرب إلى الأصل.
اللخمي: واختلف فيما بار، فقال ابن القاسم: يقوم ذلك.
وقال ابن نافع وسحنون: لا يقوم، وهذا إذا بار الأقل، فإن بار النصف لم يقوم اتفاقاً.
وقال ابن بشير: بل الخلاف مطلقاً بناء على أن الحكم للنية؛ لأنه لو وجد ربحاً ما لباع، أو للموجود وهو الاحتكار.

وطريق ابن بشير هي الطريق الأولى في كلام المصنف، وذكر ابن شاس أن قول ابن القاسم هو النص في المذهب، ثم ذكر قول ابن الماجشون وسحنون.
وفِي تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ بِالْعَادَة ِأَوْ بِعَامَيْنِ قَوْلانِ أي: مدة البوار.
والقول بالعادة لابن الماجشون، وهو الأظهر.
والقول بعامين لسحنون وابن نافع وَإِذَا اجْتَمَعَ نَوْعَا الْعُرُوضِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَعَلَى حُكْمَيهِمَا، وإِلا فَثَالِثُهَا يَتْبَعُ الأَقَلُّ الأَكْثَرَ إِنْ كَانَ أَحْوَطَ ... يريد بـ (نوعي العروض) أن يكون بعضها إدارة وبعضها احتكاراً، ثم إن تساويا فكل واحد على حكمه، فالمدار يقوم كل عام، والمحتكر يزكى لعام واحد بعد البيع.
ابن بشير: ولا خلاف في ذلك.
ونقل غيره قولاً بإعطاء الجميع حكم الإدارة مطلقاً، وهو تأويل ابن لبابة على المدونة، فإن كان أحدهما أكثر، فهل يتبع الأقل الأكثر أو لا يتبعه ويكون كل منهما على حكمه، أو يفرق، فيقال بالتبعية إن كانت أحوط للفقراء- أي: إن كان المدار أكثر- وبعدمها إن كان المحتكر أكثر، ثلاثة أقوال: والقول الألو: لابن الماجشون.
والثاني: له أيضاً.
ولمطرف قال في البيان: والثالث لابن القاسم وعيسى بن دينار في العتيبة.
ابن رشد: وقد تأول ابن لبابة ما في المدونة على أنهما يزكيان جميعاً على الإدارة، كان الذي يدار هو الأقل أو الأكثر، وهو ظاهر ما في سماع أصبغ.
انتهى.
ونقل ابن يونس عن أصبغ: أنه يزكى الجميع للإدارة، وإن أدار نصفه أو ثلثه، إذا نوى في الباقي كذلك، وإن عزم ألا يدخله في الإدارة، فلا يزكيه حتى يبيع.
قال: ولا معنى له.
قال: وقول ابن الماجشون أعدل، وقول ابن القاسم أحوط.

وَلا يُقَوِّمُ الْمُدِيرُ مَاشِيَةَ التِّجَارَة ِويُزَكِّي رِقَابَهَا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ شِرَائِهَا، إِلا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَهُ أَوْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، فَيُزَكّي الثَّمَنَ لأَوَّلِ حَوْلِهِ ... يعني: إن [123/ أ] كان ما يديره نصاب ماشية، فإنه لا يقومها ويزكي رقابها؛ لأنه الأصل فلا يعدل عنه إلى غيره، وكذلك ثمرة الحوائط، فإن لم يكن فيها نصاب قومها كسائر سلعه.
وقوله: (إِلا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَهُ ..) إلى آخره.
أي: قبل الحول أو قبل مجيء الساعي، فيزكي الثمن إذا مضى لأصله حول.
ودَيْنُ الْمُدِيرِ إِنْ كَانَ للنَّمَاءِ مَرْجُوّاً، فَالْمَشْهُورُ كَسِلْعَةٍ لا كَالدَّيْنِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَان نَقْداً حَالاً زَكَّى عَدَدَهُ، وإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً زَكَّى قِيمَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ... احترز بـ (النماء) من القرض، وسيأتي.
وبـ (المرجو) مما على معدم، فإنه كالعدم على المشهور، خلافاً لابن حبيب في قوله: إنه يزكي قيمته.
وقوله: (فَالْمَشْهُورُ كَسِلْعَةٍ) أي: من سلع الإدارة فيزكيه كل عام.
ومقابل المشهور للمغيرة بأنه يزكيه كالدين بالنسبة إلى غير المدين، فيزكيه لحوله أو أحواله زكاة واحدة.
وعلى المشهور: من أن يزكي كل عام، إن كان نقداً حالاً يزكي عدده.
ابن راشد: وقيل يزكي قيمته كالمؤجل.
انتهى.
واحترز بـ (النقد) من العرض، وسيأتي.
وأما المؤجل: فقال ابن بشير وغيره كالمصنف: أنه إنما يزكي قيمته على المشهور، خلافاً لابن حبيب في قوله: إنه يزكي عدده كالحال.
وقال عياض: ظاهر المدونة تقويم جميع ما يرجى قضاؤه من الديون، وعلى هذا اختصرها أكثر المختصرين، ولم يفرقوا بين الحال وغيره، خلافاً لابن القاسم في رواية محمد وسماع أبي زيد.
انتهى.

وكيفية تقويمه: أن يقوم بعرض، ثم العرض بنقد حالِّ؛ لأن الدين لا يقوم إلا بما يباع به، ومثاله: لو كان دينه ألف درهم، فيقال: لو بيع هذا الدين بقمح لبيع بمائة إردب، والمائة تساوي تسعمائة، فتخرج الزكاة عنها.
ابن عبد السلام: وفي هذا الكلام لبس؛ لأنه ينبغي أن يكون المثبت والمنفي من باب واحد، وأيضاً فتشبيهه بسلع الإدارة يقتضي أنه يزكي زكاتها فيقوم مطلقاً.
والمصنف قال: كسلعة ويزكى عدده.
انتهى.
وفيه نظر.
أما قوله: (ينبغي أن يكون المثبت والمنفي من باب واحد) فممنوع، فإن العلماء يشبهون مسألة من باب بأخرى وهي في باب آخر وليقيد الشاذ.
وأما قوله: (وأيضاً فتشبيهه) إلى آخره.
قلنا: التشبيه في الزكاة لا في كيفيتها.
وَفِي تَقْوِيمِ طَعَامٍ مَنْ بِيعٍ قَوْلانِ القول بالتقويم لأبي بكر بن عبد الرحمن، وهو الظاهر، وصوبه ابن يونس وغيره، ورأى في القول الآخر أن ذلك تقدير بيع وهو ممتنع، وهو قول الإبياني وفيه نظر؛ ٍلأنا نقوم أم الولد إذا قتلت، وكذلك الكلب وغيرهما.
وإِنْ كَانَ لِغَيْرِ النَّمَاءِ كَالسَّلَفِ، فَطَريِقَانِ كَالدَّيْنِ، وقَوْلانِ عزا ابن بشير الطريقين للمتأخرين.
عياض: وظاهر المدونة أن المدير يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره.
وعلى هذا حمل المسألة شيخنا القاضي أبو الوليد.
وقال الباجي: لا خلاف في القرض أنه لا يزكى.
وخرج اللخمي فيه خلافاً.
انتهى.
ونَصُّ اللخمي: ويختلف فيما أقرضه من مال الإدارة، فقال ابن حبيب: لا زكاة على المدير فيما أقرضه من مال الإدارة، يريد لأنه خرج به عن التجارة، وعلى أصل ابن القاسم: يزكيه إذا كان القرض أقل ماله.
انتهى.
وكلامه ظاهر التصور.

فرع: فإن أخر المدير ما أقرضه فراراً من الزكاة، فإنه يزكيه لكل سنة اتفاقاً، قاله عبد الحق في تهذيبه.
ولا زَكَاة َعَلَى الْعَبْدِ وَشِبْههِ؛ لأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ كَامِلٍ، ولا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لأَنَّهُ إنْمَاءُ مِلْكٍ أَنْ يَمْلِكَ ... شبه العبد: كل من فيه عقد حرية.
وقوله: (غَيْرُ كَامِلٍ) أي: من جهة أنه لا يتصرف فيه التصرف التام.
وليس المراد بعدم الكمال كون السيد قادراً على انتزاع ماله – كما قال ابن عبد السلام- لعدم شمول العلة حينئذٍ المكاتب ومن في معناه ممن ليس للسيد انتزاع ماله، ولم يرد المصنف إجراء الخلاف بقوله: (لأَنَّهُ إنْمَاءُ مِلْكٍ أَنْ يَمْلِكَ) فإنه لا خلاف أنه لا تجب عليه، وإنما قصد بيان نقص ملك السيد، قاله ابن عبد السلام.
وقال ابن راشد: كثيراً ما يجري ابن بشير وغيره خلافاً فيمن ملك أن يملك، هل يعد مالكاً أم لا؟ ويلزم القائل بأنه يعد مالكاً أن يقول بوجوب الزكاة هنا على السيد.
فَإِنْ أُعْتِقَ اسْتَقْبَلَ حَوْلاً بالنَّقْدِ والْمَاشِيَةِ، كَمَا لَو انْتَزَعَهُ سَيِّدُهُ هذا ظاهر إذا مِلكُ العبد في العتق، والسيدُ في الانتزاع، إنما تَحقق بعد العتق والانتزاع، فيستقبل كل منهما حولاً؛ لأنه فائدة.
ابن راشد: ويمكن أن يجري قول بالزكاة فيما إذا عتق العبد.
ومسألة من عنده مائة لا يملك غيرها وعليه مائة فحال عليه الحول فوهبها له ربها، فقد قيل بوجوب الزكاة؛ لأن العيب كشف أن المانع من زكاتها ليس بمانع.
انتهى.
وأَمَّا غَيْرُهُمَا، فَعَلَى الْخِلافِ فِيمَا تَجِبُ بِهِ مِنَ الطِّيبِ، أَوِ الْيُبْسِ، أَوِ الْجُذَاذِ أي: وأما غير النقد والماشية- وهو الحب والثمار- فإن أعتق قبل الوجوب زكى، وإلا استقبل.
وسيأتي الخلاف المذكور في [123/ ب] بابه إن شاء الله.

وتَجِبُ فِي مَالِ الأَطْفَالِ والْمَجَانِينِ اتِّفَاقاً عَيْناً، أَوْ حَرْثاً، أَوْ مَاشِيَةً لما في الوطأ عن عمر- رضي الله عنه-: اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة.
وعن عائشة- رضي الله عنها-: أنها كانت تخرج الزكاة من مال يتيمين في حجرها.
وصرح بالاتفاق لعدم صحة تخريج اللخمي، وإلا لقال على المنصوص.
وتَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ النَّقْد الْمَتْرُوك عَلَى الْمَعْجُوزِ عَنْ إِنْمَائِهِ ضَعِيفٌ يعني: أن أموال اليتامى إن كانت تنمو بنفسها كالحرث والماشية، أو كان نقداً ينمو بالتجارة، وجبت فيه الزكاة ولا تخريج فيه.
وإن كان نقداً غير منمَّى، فالمذهب وجوب الزكاة فيه أيضاً.
وخرج اللخمي خلافاً من مسائل وهي: ما إذا سقط المال منه ثم وجده بعد أعوام، أو دفنه فنسي موضعه، أو ورث مالاً فلم يعلم به إلا بعد أعوام، فقد اختلف في هؤلاء هل يزكون لسنة واحدة، أو لجميع الأعوام، أو يستأنفون الحول.
ورده ابن بشير بما حاصله أن العجز في مسألة الصغير من قبل المالك خاصة مع التمكن من التصرف، والعجز في هذه المسائل من جهة المملوك وهو المال، فلا يمكن التصرف فيه ألبتة.
ويلزم اللخمي على تخريجه إسقاط الزكاة عن مال الرشيد العاجز عن التنمية، وإليه أشار بقوله: (ضَعِيفُ).
ولا زَكَاةَ عَلَى الْمِدْيَانِ بِعَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ حَالِّ أَوْ مُؤَجَّل فِي الْعَيْن الْحَوْلِيِّ، بخِلافِ الْمَعْدِنِ والْمَاشِيَةِ والْحَرْثِ، ولَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِثلَ صِفَتِهاَ ... لم تجب الزكاة على المديان لعدم كمال ملكه؛ إذ هو بصدد الانتزاع، ولكونه غير كامل التصرف كالعبد، ولما في الوطأ عن عثمان رضي الله عنه أن الدين يسقط الزكاة.
قال صاحب اللباب: وقال ذلك بمحضر الصحابة- رضي الله عنهم- ولم ينكر عليه أحد.

وقوله: (بِعَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ) متعلق بالمديان؛ يعني: أن الدين المسقط للزكاة لا تبال به على أي حال كان، سواء كان عيناً أو عرضاً، حالاً أو مؤجلاً.
وأخرج بـ (الْحَوْلِيِّ) المعدن، فإنه ملحق بالحرث، والفرق بين الحولية وغيرها، أن الحرث، والمعدن، والماشية من الأموال الظاهرة، وزكاتها موكولة إلى الأئمة يأخذونها قهراً.
ومن شأن النفوس كراهية ما يؤخذ منها قهراً.
فلو قلنا: إن الدين يسقط الزكاة عن الحرث والماشية، لعمل الناس الحيل في إسقاط المأخوذ على هذا الوجه، بخلاف العين فإنها تخفي وزكاتها موكولة إلى أمانة أربابها.
وقوله: (ولَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِثلَ صِفَتِهاَ) مبالغة؛ أي: أن الدين لا يسقط الزكاة عن الحرث والماشية ولو كان مديناً بمثلها، كما لو كان عنده أربعون شاة وعليه أربعون.
فرع: لو كان عنده عبد وعليه عبد، فقال ابن القاسم: لا تجب عليه فيه زكاة الفطر.
وقال أشهب: تجب.
ولِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ والأَسِيرِ؛ لإِمْكَانِ دَيْنٍ أَوْ مَوْتٍ أي: ولأجل أن الدين يسقط الزكاة لا تجب الزكاة في مال المفقود والأسير؛ لاحتمال طروء دين عليهما.
وقوله: (فِي مَالِ الْمَفْقُودِ والأَسِيرِ).
يحتمل أن يريد بالمال العين؛ لأنها هي التي تقدم إسقاط الزكاة عنها، ويحتمل العموم وهو ظاهر لفظه، لكن يلزم عليه مخالفة النقل؛ إذ الزكاة إنما تسقط عن عينها، وأما ماشيتهما وزرعهما فيزكيان، قاله أبو القاسم في المجموعة هكذا نقل صاحب النوادر واللخمي وغيرهما.

اللخمي: فحمل أمرهما على الحياة فزكى ما كان النماء موجوداً فيه، وهو الماشية والحرث، وأسقطها من العين؛ لأنهما غلبا على تنميته.
ولو حمل أمرهما على الوفاة لم يزكِ عينهما من ذلك؛ لإمكان أن يقع لكل وارث دون النصاب.
انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (أَوْ مَوْتٍ).
ليس كما ينبغي؛ لأنه إن أراد (أو موت) بالنسبة إلى عينهما، فقوله: (لِإمْكَانِ دَيْنٍ).
يغني عنه، وإن أراد بالنسبة إلى جميع أموالهما، فهو خلاف النقل.
والله أعلم.
وفِي دَيْنِ الزَّكَاةِ قَوْلانِ القول بأن دين الزكاة كسائر الديون يسقط الزكاة عن العين الحولي لابن القاسم في المدونة، وهو المشهور.
والقول بأنه لا يسقط لابن حبيب، ووجهه ضعف هذا الدين؛ لأن طالبه غير معين.
فلو اجتمع عليه دين من الزكاة مائتان ولم يكن عنده غيرهما، فعلى المشهور يخرج المائتين ولا يبقى في ذمته شيء، وعلى القول الآخر يخرج أولاً خمسة، ثم يخرج الباقي ويبقى في ذمته خمسة.
ولابن القاسم قول آخر في دين الزكاة: أنه أقوى من سائر الديون؛ لأنه جعله يسقط الزكاة.
ولو كان له عرض يجعل فيه مثل مذهب ابن عبد الحكم في دين الآدميين.
وعَلَيْهِمَا لَوْ أَخَّرَ زَكَاةَ نِصَابٍ فَصَارَ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي أَرْبَعِينَ، ورَوَى أَشْهَبُ وابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَسْتَقْبلُ بالرِّبْحِ كُلِّهِ، وهُوَ غَرِيبُ ... أي: القولين في دين الزكاة، لو كان عنده عشرون ديناً حال حولها فلم [124/ أ] يخرج زكاتها واشترى بها سلعة باعها في الحول الثاني بأربعين.
فعلى الإسقاط يخرج نصفاً عن العشرين الأولى، ثم يخرج عن تسعة وثلاثين، ونصف للعام الثاني، إلا أن يكون عنده عرض يساوي نصف دينار فيزكي الأربعين.

وعلى عدم الإسقاط يخرج عن ستين، وإن لم يكن عنده عرض.
وروى أشهب وابن عبد الحكم: أنه يزكي عشرين للعام الأول، وعشرين للعام الثاني ويستقبل بالربح، وهذه المسألة هي المشار إليها في الربح بقوله: وروي في مسألة ما لو أخر خاصة كالفوائد.
فرع: إذا كان عليه دين من كفارة لم تسقط الزكاة بلا خلاف أعلمه في المذهب.
والفرق بينه وبين دين الزكاة، أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العادل، وإن منعها أهل بلد قاتلهم عليها.
والله أعلم.
وفِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ إِنْ لَمْ يُقْضَ بِهَا قَوْلانِ، بِخِلافِ الزَّوْجَةِ.
وفِي نَفَقَةِ الأَبَوَيْنِ إِنْ قُضِيَ بِهَا قَوْلاَنِ.
والإِسْقَاطُ بِهِ لأَشْهَبَ ... حاصله: أن النفقة بالنسبة إلى إسقاط الزكاة ثلاثة أقسام: الأول: نفقة الولد إن قضي بها؛ أي حكم بها حاكم أسقطت، وإن لم يقض بها، فمذهب المدونة وابن حبيب أنها لا تسقط؛ لأن العادة جرت بالمسامحة فيه بخلاف غيره.
وقال أشهب: تسقط.
ابن المواز: وبه أقول.
وقيد بعض القرويين قول ابن القاسم في المدونة في الولد بما إذا كانت نفقته قد سقطت عنه ليسر حدث له ثم ذهب فرجعت النفقة عليه.
فأما إذا لم يتقدم للولد يسر قط، فالأمر كما قال أشهب أن النفقة تسقط الزكاة؛ لأنها لم تزل واجبة كنفقة الزوجة التي لم تزل.
عبد الحق: فقول أشهب على هذا التأويل ليس بخلاف، وإنما تكلم على وجه لم يتكلم عليه ابن القاسم، وهندي أن قول أشهب خلاف، فلا فرق على قول ابن القاسم بين أن يتقدم للولد يسر أو لا.
انتهى.
ونقل اللخمي عن ابن القاسم: أن نفقة الولد والأبوين لا تسقط الزكاة، وإن كانت بفريضة من القاضي.

القسم الثاني: نفقة الزوجة؛ وهي تسقط مطلقاً قضي بها أم لا؛ لأنها عوض عن الاستمتاع.
وأيضاً فإن نفقة الزوجة إذا عجز الزوج طلقت نفسها عليه إذا شاءت بخلاف الولد والأب.
القسم الثالث: نفقة الأبوين- وهي عكس نفقة الولد- إن لم يقض بها لم تسقط اتفاقاً، وإن قضي بها فمذهب المدونة أنها لا تسقط.
وقال أشهب: تسقط ابن أبي زيد: ومعنى قول ابن القاسم أن الأبوين أنفقوا من عند أنفسهم، وأما لو أنفقوا واستسلفوا ليرجعوا عليه، لكان ديناً من الديون.
وقال ابن محرز: معنى ما في المدونة أن نفقة الوالدين لا تسقط الزكاة إذا كانت بغير قضية أو بقضية وأنفقا بسؤال أو عمل، وأما لو قضي لهما، فقاما بما قضي لهما به عند الحول، لأسقط ذلك الزكاة.
قال: وهذا معنى ما عند ابن المواز.
انتهى.
وقال أبو عمران: معنى ما في الكتاب أنهما لم يقوما بطلبها عند القاضي وأنفقا على أنفسهما من مال وهب لهما أو تحيلا فيه، ولو كانا استلفاه لسقطت به الزكاة.
انتهى.
وهذه مخالفة لما قال ابن أبي زيد في التحيل، وإنما كانت نفقة الوالدين أخف من نفقة الولد؛ لأن الوالد يسامح ولده أكثر من مسامحة الولد لوالديه.
وفرق في المدونة بفرق آخر، فقال: لأن نفقة الأبناء لم تسقط عن الأب المليء مذ كانوا حتى يبلغوا، ونفقة الأبوين كانت ساقة عنه، وإنما تلزمه بالقضاء.
وفِي الْمَهْرِ وشَبَهِهِ مِنَ الْمُعْتَادِ بَقَاؤه إِلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ قَوْلانِ أي: اختلف في الدين الذي جرت العادة بتأخيره إلى موت أو فراق، كمهر الزوجة ودينها في بعض الأحوال، والمشهور الإسقاط، ومقابله لابن حبيب.
كذا نقل ابن شاس وابن رشد، وما شهراه هو مذهب المدونة.
وقال ابن بزيزة: المشهور أن المشهر غير مسقط اعتباراً بالعادة، من حيث أنها لا تطلبه غالباً إلا وقت المشاحة أو الموت، ولأنها ليست عوضاً محققاً، وفيه نظر؛ لمخالفة ما شهره في المدونة.

وفِيَما يُقْبَضُ أُجْرَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ قَوْلانِ أي: وفيما يقبض بعمل يعمله في المستقبل فمضى له حول واستوفى العمل، هل تسقط عنه الزكاة في العام الماضي ويستقبلبه لأنه الآن كما تم ملكه، أو تجب عليه لأنه انكشف أنه كان ملك المال من يوم القبض؟ وكان الأول أقرب إلى قواعد المذهب، ألا ترى أن عند الاختلاف في قبض الأجرة إنما يقضي بدفعها شيئاً فشيئاً إذا لم تكن عادة، ولا يقضي بدفعها للصانع إلا بعد تمام العمل على المشهور.
وقال ابن راشد: الثاني أقيس؛ لأن تعذر المنافع أمر متوقع فلا تسقط الزكاة لأجله انتهى.
قيل: [124/ ب] وهو الذي يأتي على مذهب المدونة في مسألة هبة الدين، كما سيأتي.
فَإِنْ كَانَ عَرَضُ يُبَاعُ مِثْلُهُ فِي دَيْنِهِ كَدَارِهِ، وسِلاحِهِ، وخَاتَمِهِ، وثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إِنْ كَانَت لَهُمَا قِيمَةٌ، بخِلافِ ثِيَابِ جَسَدِهِ وما يَعِيشُ بِهِ الأَيَّامَ هُوَ وأَهْلُهُ، وبِخِلافِ عَبْدٍ آبِقٍ، وكَذلِكَ رِقَابُ مُدَبَّرِيهِ وقِيمَةُ الْكِتَابَةِ، وكَذَلِكَ دَيْنُهُ الْمَرْجُوُّ، فَالْمَشْهُورُ جَعْلُ الدَّيْنِ فِيهِ لا فِي الْعَيْنِ ... (كَانَ) هنا تامة.
وقوله: (فَالْمَشْهُورُ) جواب الشرط؛ يعني: أن المديان إذا حصلت عنده عروض تباع عليه في فلسه وعنده من العين نصاب فأكثر، فالمشهور أنه يجعل الدين في ذلك العروض ويزكي العين.
والشاذ لابن عبد الحكم: أنه يجعل الدين في العين؛ لأنه الذي لو رفع إلى الحاكم لم يقض له إلا به.
وقوله: (يُبَاعُ مِثْلُهُ) احترازاً مما لا يباع في الدين، كثوبي جمعته إذا لم تكن لهما قيمة.
ولمالك في الموازية في ثوبي جمعته إذا كان لباس مثلهما سرفاً، بيعا في الدين.
وكذلك قيد عبد الوهاب الدار بما إذا كان لها قيمة.
قال: وأما إذا كانت قريبة الثمن وكان ذا عيال ولم يكن لها خطب وبال فلا.

وقوله: (بِخِلافِ عَبْدٍ آبِقٍ).
أي: أنه يجعل الدين في العرض ما لم يمنع من ذلك مانع له عادي؛ أعني: إذا كان الشيء قليل الثمن كثوبي الجمعة إذا لم تكن لهما قيمة، أو كثياب جسده، أو لمانع شرعي كالعبد الآبق.
وما ذكره في الخاتم هو المشهور.
وقال أشهب: لا يجعل فيه.
وقوله: (وأَهْلُهُ) أي: زوجته وأولاده.
وقوله: (الأَيَّامَ) أي: الشهر ونحوه، كما ذكر في باب الفلس.
وقوله: (وكَذلِكَ رِقَابُ مُدَبَّرِيهِ ...) إلى آخره.
أي: فيجعل الدين في هذه الأشياء، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وعَلَى الْمَشْهُورِ فِي مُرَاعَاةِ حَوْلِ الْعَرَضِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ يعني: وإذا فرعنا على المشهور من أن الدين يجعل في العرض، فهل يشترط في هذا العرض أن يمر له عنده حول أم لا؟ اشترطه ابن القاسم ولم يشترطه أشهب، إلا كونه مملوكاً في آخر الحول.
محمد: واختاره ابن القاسم بناء على أن ملك العرض في آخر الحول منشئ لملك العين التي بيده، فلا زكاة عليه فيها، أو كاشف أنه كان مالكاً فيزكي.
ويُقَوِّمُ وقْتُ الوُجُوبِ فِيهِمَا يعني: أن العرض في القولين- أي: عليهما – إنما تعتبر قيمته وقت وجوب الزكاة، وهو آخر الحول، وسواء زادت أو نقصت.
ومِنْهُ جُعِلَ لابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلانِ أي: من أجل أن المعتبر في قيمة العرض إنما هو وقت الوجوب، أخذ لابن القاسم قول آخر بعدم مراعاة حول العرض، فإن زيادة قيمة العرض في آخر الحول على أوله لم يمر لها حول، فكما لم يشترط مرور الحول عليها كذلك لا يشترط في نفس العروض،

وأصل هذا التخريج لابن المواز، فإنه لما ذكر قول ابن القاسم أشار إلى المناقضة فيه، ورد بأن الزيادة المذكورة مضمومة إلى أصل الحول كما في أصل الحول في الأرباح.
واعلم أن هذا التخريج على تقدير صحته لا يحتاج إليه، فإن القولين منصوصان لابن القاسم، نقلهما صاحب الجواهر وابن الجلاب.
وعَلَيْهِمَا فِي الْمَوْهُوبِ هُوَ أَوْ مَا يُجْعَلُ فِيهِ قَوْلانِ أي: وعلى القولين في مراعاة حول العرض، اختلف إذا وهب له الدين، وهو معنى قوله: (الْمَوْهُوبِ هُوَ) أو وهب له عرض يجعل فيه الدين.
فعلى قول ابن القاسم لا يزكي فيهما خلافاً لأشهب.
وأبرز الضمير لصحة العطف؛ لأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بشرط الفصل.
وفِي الرِّبْحِ قَوْلانِ يحتمل أن يريد- والله أعلم- المسألة المتقدمة؛ وهي قوله: (وفي ربح سلف ما لا عوض له عنده).
وتقدير كلامه: وفي ربح ما استدانه وليس له عرض يجعل فيه الدين قولان، وقد تقدما وتقدم توجيههما.
وقال ابن هارون: يعني: هل يجعل دينه فيه أم لا؟ والقياس أن يجعله؛ لأن حوله حول أصله.
والقول بنفي جعله فيه بناء على رواية الاستقبال، أو على القول باشتراط الحول فيما يجعل فيه الدين.
أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مِائَةُ مُحَرَّمِيِّةٌ، ومِائَةٌ رَجَبيَّةٌ، وعَلَيْهِ مِائَةٌ، فَالْمَشْهُورُ زَكَاةُ مِائَةٍ يعني: لو ملك مائة دينار في المحرم، ومائة دينار في رجب، وعليه مائة، فالمشهور يزكي أولاهما فقط؛ وهي المحرمية.
وفي الواضحة: يزكي المائتين؛ لأنه إذا حال حول المحرمية جعل دينه في الرجبية، وإذا حال حول الرجبية جعل دينه في المحرمية، ورد بأنه

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل