ابن حبيب: ولو أقام يتنفس يوماً، ويفتح عينيه، حتى يسمع له صوت.
وفيه نظر.
وأشكل من ذلك قول يحيى بن عمران: إن أقام عشرين يوماً أو أكثر لم يصرخ ثم مات، فلا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأن الميت يتغير في أقل من ذلك.
ويسير الحركة لا تعتبر اتفاقاً، وكثير الرضاع يعتبر اتفاقاً.
وقطع المازري بأن الرضاع لا يكون إلا من حي، وأنكره غيره.
ابن الماجشون: والبول لا يدل على الحياة لاحتمال أن يكون من استرخاء.
ويُصَلَّى عَلَى جُلَّهِ، وفِيَمَا دُونَهُ قَوْلانِ
يصلى على الجل بلا إشكال.
ووقع لأشهب: إن وجد بعض بدن مع الرأس لم يغسل ولم يكفن، ولم يصلَّ عليه، حتى يوجد أكثر بدنه.
ونقله المازري.
وقال ابن بشير: لا خلاف أنه يصلى على الجل، إلا ما عند ابن حبيب، فإنه قال: إذا كان الجسد مقطعاً فلا يصلى عليه.
وعلل ذلك بأن الصلاة لا تكون إلا بعد الغسل، وهذا لا يمكن غسله.
وقوله: (وفِيَمَا دُونَهُ قَوْلانِ) يشمل النصف ودون.
وحكى ابن بشير الخلاف فيهما.
ومذهب المدونة أنه لا يصلى على ما دون الجل.
المازري: وهو المشهور.
والشاذ لابن حبيب جواز تغسيل العضو والصلاة عليه، ووجهه ما ذكره عيسى بن دينار في كتاب ابن مزين أن أبا عبيدة رضي الله عنه صلى على رأس وأيد بالشام.
وقال ابن الماجشون: يصلى على الرأس إذا وجد.
قال: لأن فيه أكثر الديات.
واستشكل التونسي ترك الصلاة على النصف، فإن ذلك يؤدي إلى ترك الصلاة على النصف بأن ذلك مؤدٍّ لترك الصلاة بالكلية.
قال في البيان: والعلة في ترك الصلاة على بعض الجسد عند مالك وأصحابه أن الصلاة لا تجوز على غائب، ويستخفوا إذا غاب منه اليسير؛ الثلث فما دون.
انتهى.
وبما علل صاحب البيان يندفع ما قاله التونسي.
والله أعلم.
وفِي الصَّلاةِ عَلَى الْمَفْقُودِ مِنَ الْغَرِيقِ، ومَاكُولِ السَّبُعِ وشِبْهِهِ قَوْلانِ
القول بالصلاة لابن حبيب.
واحتج بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي.
وقال غيره من أصحابنا: لا يصلى عليه.
قال في الجواهر: ويشترط حضور الجنازة، ولا يصلى على غائب.
وقال ابن حبيب: يصلى على من أكلته السباع أو غرق.
ولا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ
وفي بعض النسخ زيادة على المشهور.
واحتج في المدونة بالعمل، ووجه الشاذ حديث المسكينة، وذكر في الجواهر رواية.
وقال في البيان: وروى ابن القصار عن مالك إجازة ذلك ما لم يطل، [110/أ] وأقصى ما قيل فيه الشهر، وهو شذوذ في المذهب.
انتهى.
وعلى هذا فالشاذ الذي حكاه المصنف مقيد بما إذا لم يطل.
وفي الاستذكار: روى ابن وهب: من فاتته الجنازة فليصلِّ على القبر إذا كان قريباً اليوم والليلة.
على حديث المسكينة.
فَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلاةٍ فَقَوْلانِ، وعَلَى النَّفْيِ: فَثَالِثُهَا: يُخْرَجُ مَا لَمْ يَطُلْ
القول بالمنع لمالك في المبسوط، وقاله أشهب، وسحنون.
سحنون: ولا أجعل ذلك وسيلة إلى الصلاة على القبر.
وعلى الجواز جمهور أصحابنا، وهو مذهب الرسالة؛ لأن فيها: ومن دفن ولم يصل عليه.
وروي فإنه يصلى على قبره.
وعلى نفي الصلاة فقال مالك في المبسوط: لا يخرج، ويدعون له.
والقول بأنه يخرج ولو بعد الطول لا أعلمه، وهو مشكل.
والذي حكاه ابن بشير أن هذا القول مقيد بما إذا لم يخش عليه التغيير، وهو قول سحنون، وقول عيسى، وروايته عن ابن القاسم.
وكذلك حكى الباجي الثلاثة.
والظاهر أنه لا يخرج مطلقاً كما اختار اللخمي؛ لإمكان أن يكون حدث من الله شيء.
ابن حبيب: ولو وضع الميت على شقه الأيسر، أو الحدوه على غير القبلة، أو ألحدوه منعكساً؛ رجلاه موضع رأسه، فإن عثر عليه بحدثان دفنه وقبل أن يخاف التغيير عليه
يحول، وإن لم يعثر عليه ولم يعلم حتى طال أمره وخيف عليه التغيير ترك.
قاله ابن القاسم وأصبغ.
ولو ذكر الإمام أنه صلى وهو جنب فإنها لا تعاد كالفريضة، ويكتفى بصلاة المأمومين لأنها تامة، ولا تعاد عليه من الإمام ولا من غ يره؛ لأنه لما صحت صلاة المأمومين لزم ألا تعاد على قاعدة المذهب، هكذا قال في العتبية.
قال في البيان: ويدخل هنا من الخلاف ما في صلاة الفريضة إذا صلى الإمام ثم تبين له أنه حدث.
ونص ابن القاسم في العتبية في امرأة نصرانية أسلمت وماتـ، فدفنت في قبور النصارى، على أنها تنبش وتخرج إلا أن تكون تغيرت.
قال في البيان: وهذا لأن الكفار يعذبون في قبورهم وهي تتأذى بمجاورتهم؛ فوجب أن تنبش وتنقل لمقابر المسلمين.
وكَذَلِكَ مَنْ دُفِنَ ومَعَهُ مَالٌ لَهُ بَالٌ
أي: فتأتي الثلاثة الأقوال.
وهكذا قال ابن بشير، فإنه قال بعد ذكره الخلاف المتقدم: ويلحق بهذا حكم من معه مال معتبر ثمنه، أو تمس الحاجة إليه.
انتهى.
ويُكَبِّرُ أَرْبَعاً فَإِنْ زَادَ الإِمَامُ فَفِي التَّسْلِيمِ أَوِ الانْتِظَارِ قَوْلانِ
الذي أخذ به علماء الأمصار أربع تكبيرات حتى صارت الزيادة شعاراً لأهل البدع.
قال في البيان: وانعقد الإجماع على ذلك في زمن عمر رضي الله عنه.
قال ابن حبيب: واستقر فعله صلى الله عليه وسلم على الأربع، ومضى عليه عمل الصحابة.
والقول بالسلام إذا زاد الإمام لمالك في العتبية.
والآخر له في الواضحة، وقاله ابن وهب وابن الماجشون وأشهب.
فرع:
ولو أن مسبوقاً فاته بعض التكبير، فهل يتبع الإمام في هذه الخامسة معتداً بها قضاء لما فاته؟ فقال أصبغ: يكبر معه، ويحتسب بها.
وقال أشهب: لا يكبر معه، وإن كبر فلا
يحتسب بها ويقضي جميع ما فاته.
قال في البيان: وقول أشهب هو القياس على مذهب مالك.
وقول أصبغ استحسان على غير قياس.
فَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلاثٍ كَبَّرَهَا مَا لَمْ يَطُلْ فَتُعَادُ مَا لَمْ يُدْفَنْ فَتَجِيءُ الأَقْوَالُ
لأن كلاً من الأربع تكبيرات ركن، فإذا رجع لإصلاح الصلاة مع القرب اقتصر على النية.
ولا يكبر لئلا تلزم الزيادة في عدده، فإن كبر حسبها في الأربع.
وقوله: (فَتَجِيءُ الأَقْوَالُ) أي: فيمن دفن ولم يصلَّ عليه، هل يصلى على قبره أم لا؟ وعلى النفي هل يخرج أم لا؟
وفِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ: ثَالِثُهَا: الشَّاذُ لا يُرْفَعُ فِي الْجَمِيعِ
تصوره ظاهر؛ يعني أنه اختلف هل يرفع المصلي يديه في التكبير على الجنازة على ثلاثة أقوال: الرفع في الجميع.
وعدمه في الجميع.
وفي الأول دون ما بقي.
وقوله: (الشاذ) يقتضي أن القولين الباقيين مشهوران.
وهكذا قال ابن بشير؛ لأنه قال: والقول بأنه لا يرفع في الجميع شاذ، والقولان الآخران في المدونة.
انتهى.
والرفع في الأولى أشهر من الرفع في الجميع، وهو قول ابن القاسم.
والقول بالرفع في الجميع رواية ابن وهب، واختاره ابن حبيب قال: وكان مطرف، وأصبغ، وابن الماجشون يرون أنه يرفع في أول تكبيرة من غير كراهة للرفع فيها كلها.
والقول بأنه لا يرفع في الجميع حكاه ابن شعبان.
وفِي دُخُولِ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ التَّكْبيرَتَيْنِ أَوِ انْتِظَارِ التَّكْبيرِ قَوْلانِ
يعني: إذا وجد مسبوق الإمام قد كبر [110/ ب] وتباعد ذلك فهل يكبر ويدخل مع الإمام، أو ينتظر الإمام؟ فإذا كبر كبر معه.
مذهب المدونة الانتظار، ورواه ابن الماجشون أيضاً وقال به، والآخر رواه مطرف وأشهب وقالا به.
واختاره ابن حبيب بناء على أنه هل تتنزل التكبيرات منزلة الركعات في غير هذه الصلاة، فيكون الداخل حينئذٍ كالقاضي في حكم الإمام أم لا؟ فيدخل كما يدخل في صلاة العيد.
وقال مالك في
المختصر: يدخل في الصلاة بالنية بغير تكبير، فإذا كبر الإمام كبر معه.
المازري: واختار القابسي أن يكبر إن أدرك بعد تكبيرة تحميد الله، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، والدعاء بما تيسر قبل أن يكبر الإمام، وإن لم يمكنه ذلك ولو خفف فيه لم يكبر وانتظر الإمام.
واعتل بأنه إذا لم يمكنه ذلك فإنه لم يحصل له سوى التكبير من غير دعاء.
وإن استوى الحال كان التأخير أولى؛ ليقع القضاء بعد فراغ الإمام متوالياً.
وتعقب اللخمي هذا بقوله في المدونة: إن من فاته بعض التكبير يقضيه بعد فراغ الإمام متوالياً من غير دعاء، وإن كان كذلك كان التكبير وإدراك شيء من الدعاء الآن أولى من التأخير.
اللخمي: وأما على القول بأنه يصلَّى على الغائب فيمهل حتى يكبر الإمام، فيكبر بتكبيره، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته، ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة عنه.
ورد المازري الأول بأن مالكاً إ نما قال: يكبر تباعاً؛ لأنه لو لم يفعل ذلك فإذا ارتفعت عنه الجنازة كان في معنى الصلاة على الغائب، وإن لم ترتفع كان في معنى تكرير الصلاة على الميت بخلاف الآتي، وقد سبقه ببعض التكبير.
فإن القابسي إنما اختار التكبير إذا أدرك ما أدرك لحصول المقصود من الصلاة، بخلاف ما إذا لم يدرك المقصود منها.
ورد الثاني بأن من منع الصلاة على الغائب إنما قال ذلك إذا افتتحت الصلاة أولاً على الغائب بخلاف هذه.
خليل: وفي قول المازري وإن لم ترفع كان في معنى تكرير الصلاة على الميت نظر.
فإن المنصوص في الجلاب وغيره أن من سبق ببعض التكبير إذا تركت له الجنازة لا يكبر تباعاً، بل يدعو كما قال يفعل أولاً.
وعلى المشهور فقال في المجموعة: يدعو في انتظاره.
وفِي اسْتِحْبَابِ الابْتِداَءِ بِالْحمْدِ والصَّلاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلانِ
المراد بالحمد هنا الثناء على الله تعالى لا سورة الحمد، والذي في الجلاب والرسالة وغيرهما من المختصرات الابتداء بالحمد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول بنفي الاستحباب ذكره ابن بشير، وكذلك الشوشاوي فإنه قال: قال مالك مرة: ليس فيه إلا الدعاء من غير حمد، ولا ثناء لقوله عليه الصلاة والسلام: "أخلصوا له الدعاء".
ثم رجع فاستحب دعاء أبي هريرة، وفيه حمد وثناء.
انتهى.
وكذلك ذكر المازري عن بعض شيوخه أنه اعتقد أن المذهب على قولين.
قال: وقد خرج مسلم حديث عوف بن مالك وليس فيه إلا الدعاء خاصة.
ووجه إثباته أن الشرع ورد بأن يبتدئ كل أمر ذي بال بالتحميد.
وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام أمر من يريد الدعاء أن يبتدئ بالحمد لله عز وجل والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو.
وقد قال عمر رضي الله عنه: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
المازري: وإذا قلنا بالبداية بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بعض المتأخرين إلى أنه لا يقتصر فيه على التكبيرة الأولى.
وقال بعضهم: واسع أن يقتصر عليه بعد الأولى وأن يعاد بعد كل تكبيرة.
انتهى.
ونقل ابن زرقون عن أبي بكر الوقار أنه قال: يحمد الله في الأولى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية، ويشفع للميت في الثالثة.
وفِي الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ قَوْلانِ
قال ابن حبيب: يسلم من غير دعاء.
وقال سحنون: يدعو ثم يسلم.
وخيره صاحب الرسالة.
ولا يُسْتَحَبُّ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ اتِّفَاقاً ولا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ
هكذا قال ابن بشير أنه لا يستحب دعاء معين بلا خلاف.
فإن قلت: يعارضه قول ابن أبي زيد: ومن مستحسن ما قيل في ذلك.
وقوله في المدونة: أحب ما سمعته إلي.
فالجواب: أما الرسالة فليس فيها دعاء مخصوص؛ إذ قال فيها قبله: ويقال في ذلك غير شيء، وذلك كله واسع.
وأيضاً فالمستحب ما ثبت بنص، والمستحسن ما أخذ من
القواعد الكلية، وأما المدونة فإنما رجحه ولم يعينه.
قوله: (ولا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) أي: ولا تستحب قراءة الفاتحة على المشهور، والشاذ استحبابها.
وفي الجواهر: لهذه الصلاة أربعة أركان: النية، والتكبيرات، والدعاء للميت، والسلام.
وزاد أشهب وابن مسلمة قراءة الفاتحة عقيب التكبيرة الأولى.
ابن رشد: وكان شيخنا القرافي يحكي عن أشهب الوجوب، ويقول: إنه يفعله.
[111/ أ] واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
انتهى.
ودليلنا ما قاله مالك: ليس العمل على القراءة فيها.
قال ابن حبيب، والمازري، وغيرهما: روي ترك القراءة عن عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وكثير من الصحابة، والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.
فروع:
الأول: إذا والى التكبير ولم يدع.
فقال مالك في العتيبة: تعاد الصلاة ما لم يدفن، كالذي يترك القراءة في الصلاة.
ابن حبيب: إلا أن يكون بينهما دعاء وإن قل.
الثاني: إذا صلى على جنازة يظنها امرأة فإذا هي رجل أو العكس، فدعا على ما يظنه، فصلاته تامة.
الثالث: لو صلى على الميت ونعشه منكوس –رأسه مكان رجليه- لم تعد الصلاة عليه.
الرابع: لو ذكر إمام الجنازة أنه جنب، أو رعف، فحكمه حكم المكتوبة في الاستخلاف، وقاله في العتبية.
الخامس: إذا ذكر صلاة في صلاة الجنازة، فقال ابن القاسم: لا يقطع.
وفرق في البيان بين هذه وبين من ذكر صلاة في صلاة أن الترتيب فيما قل لازم، ولا ترتيب فيما بين صلاة الفريضة وصلاة الجنازة.
ومثل قول ابن القاسم هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، ولم يحك في ذلك خلافاً.
السادس: إذا قهقه الإمام أبطل عليه وعليهم، قاله في العتبية.
السابع: إذا جهلوا القبلة، ثم علموا بذلك قبل دفنها أو بعده، فقال ابن القاسم في العتبية: إن دفنوها فلا شيء عليهم، وإن لم يدفنوها فإني أستحسن أن يصلى عليها قبل الدفن، وليس بواجب.
وفي البيان: رأى أشهب الإعادة ما لم تدفن.
وسحنون لا يرى ذلك، ويرى أن بالسلام منها قد انقضت، ومن جهل القبلة يعيد في الوقت، ولا وقت هنا.
ورأى أشهب أن حضور الجنازة كحضور الوقت ودفنه كفواته، واستحبّاب ابن القاسم الإعادة ما لم تدفن راجع إلى إسقاط وجوب الإعادة كقول سحنون.
انتهى بالمعنى.
الثامن: من مات في البحر غسل وكفن، وصلي عليه، وأُنْظِرَ به البر إن طمع في إدراك ذلك اليوم وشبهه ليدفنوه، وإن كان البر بعيداً، وخافوا عليه التغيير، رمي في البحر مستقبل القبلة منحرفاً على شقه الأيمن.
قال ابن حبيب: وتشد عليه أكفانه.
قال ابن القاسم وأشهب: ولا يثقلوا رجليه بشيء ليغرق، كما يفعل من لا يعرف.
وقال سحنون: يثقل بشيء إن قُدر.
واحتج من لم ير التثقيل بأنه ربما ألقاه البحر إلى الساحل فيدفنه المسلمون، وفي تثقيله قطع لما يرجى له من الدفن.
وفِي الْجَهْرِ بالسَّلامِ قَوْلانِ
هذا الخلاف إنما هو في حق الإمام، وأما المأموم فإنه يسر.
والمشهور: الجهر.
قال في المدونة: ويسلم إمام الجنازة واحدة عن يمينه يسمع نفسه ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وغن أسمع من يليه فلا بأس.
وروي عن مالك أن الإمام يسر أيضاً.
المازري: ووجهه أن صلاة الجنازة ركن جرد عن الصلاة المعهودة، فلم يجهر فيها بالسلام؛ كسجود التلاوة، وعلى هذا فيعرف المأموم انقضاء صلاته بانصراف الإمام.
وقال أشهب: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وعن يساره، ويسلم القوم كذلك.
والمشهور أنه
لا يرد المأموم على الإمام، وهو مذهب المدونة.
وروى ابن غانم في العتبية، وابن حبيب في الواضحة أنه لا يرد على الإمام إلا من سمعه.
المازري: وأشار بعض المتأخرين إلى أنه يمكن إجراء هذا الخلاف على جهر الإمام وإسراره، فعلى الجهر يرد عليه وإلا فلا.
وإِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ جَازَ أَنْ تُجْمَعَ فَيُجْعَلَ الذُّكُورُ الأَحْرَارُ البَالِغُونَ مِمَّا يَلِي الإمَامُ، الأَفْضَلُ فَالأَفْضَلُ ثُمَّ الصِّغَارُ ثُمَّ الأَرِقَّاءَ ثُمَّ الخَنَاثّى ثُمَّ أَحْرَارُ النِّسَاء ثُمَّ صِغَارُهُنَّ ثُمَّ أَرِقّاؤُهُنَّ كَذَلِك.
قوله: (وإِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ) يريد: والأجناس مختلفة؛ لأنه سيتكلم على الجنس الواحد.
وقوله: (جَازَ أَنْ تُجْمَعَ) يعني في صلاة واحدة.
قال في الجواهر: ويجوز أن تفرد كل جنازة بصلاة.
وقوله: (الأَفْضَلُ فَالأَفْضَلُ) قال في الجواهر: ويقدم بالخصال الدينية التي ترغب في الصلاة عليه، فإن تساووا في الفضل رجح بالسن، فإن تساووا أقرع بينهم إلا أن يتراضى الأولياء على أمر.
وقوله: (ثُمَّ الصِّغَارُ) اعلم أن المراتب اثنا عشر، وهذه كيفيتها:
أحرار ... أحرار ... خنثى ... خنثى ... خنثى ... خنثى ... نساء ... نساء
إمام ... ذكور ... ذكور ... عبيد ... عبيد ... أحرار ... أحرار ... عبيد ... عبيد ... حرائر ... حرائر ... إماء ... إماء
بالغون ... صغار ... بالغون ... صغار ... بالغون ... صغار ... بالغون ... صغار ... بالغات ... صغار ... كبار ... صغار
[111/ب] وهذه الاثنا عشر ذكرها صحاب البيان هكذا.
وذكر المازري أنه يقدم الخصي على الخناثي فتكون ست عشرة مرتبة، ونقل عن ابن القاسم تقديم بالغي العبيد على صغار الأحرار لجواز إمامتهم، ونقل أيضاً عنه تأخير صغار الذكور الأرقاء عن الحرائر، وهذا الترتيب من المستحبات.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحدٍ جَازَ أَيْضاً أَنْ تُجْعَلَ صَفّاً واحداً
يعني: أن الجنائز إذا كانت جنساً واحداً جاز فيها واحداً جاز فيها ذلك، وجاز فيها أيضاً أن تجعل صفاً واحداً، ويقف الإمام عند أفضلهم، وعن يمين المصلي الذي يليه في الفضل؛ رجل
المفضول عند رأس الأفضل، ومن دونهما في الفضل عن شماله؛ رأٍه عند رجلي الأفضل، فإن كان رابعاً دون هذه الثلاثة جعل عن يساره رأسه عند رجلي الثالث في الذكر، ومقتضى كلام المصنف وصاحب الجواهر أن الصف مختص بالصنف الواحد، وكذلك قال اللخمي.
وقال في البيان: إن كثرت جنائز الرجال أو النساء، أو الرجال والنساء، فإنهم يجعلون سطرين أو أكثر قولاً واحداً.
وإن كانت الأسطر وتراً وهو الاختيار قام الإمام في وسط الأوسط منها، وإن كانت شفعاً قام فيها بين رجلي الذي عن يمينه، ورأس الذي عن يساره، ويكون الأفضل منهم الذي عن يمينه، ثم الذي يليه في الفضل عن شماله، ثم ينتقل إلى الصف الذي أمامه على هذا الترتيب، ثم إلى الذي بعده على هذا أبداً.
وأما إذا قل عدد الجنائز، فكانوا اثنين، أو ثلاثة، أو نحو ذلك.
وقال ابن حبيب: إلى ما دون العشرين.
فكان مالك أول زمانه يرى الأحسن أن يجعل واحداً أمام واحد إلى القبلة؛ وهي رواية ابن كنانة، ثم رأى ذلك كله سواء أن يجعلوا سطراً واحداً من المشرق إلى المغرب، أو يجعل واحداً أمام واحد إلى القبلة، ولم يفضل إحدى الصورتين على الأخرى، وهذا الاختلاف قائم من المدونة.
انتهى.
ويُقَدَّمُ الأَفْضَلُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَالْقُرْعَةُ
وهو ظاهر.
وهو يشمل ما إذا اتحدت الجنائز، أو تعددت بدليل قوله:
وفِي تَقْدِيمِ وَلِيِّ الذَّكَرِ وإِنْ كَانَ مَفْضُولاً قَوْلانِ.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَاتَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِي امَرَأَةُ عُمَرَ وابْنُهَا زَيْدٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي فَوْرِ وَاحِدٍ، فَكَانَ فِيهِمَا ثلاثُ سُنَنٍ لَمْ يُوّرَّثَا، وحُمِلا مَعاً، وجُعِلَ الْغُلامُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وقَالَ الْحَسَنُ لابْنِ عُمَرَ: صَلِّ.
لأَنَّهُ أَخُو زَيْدٍ ......
إذا اجتمعت جنازة رجل وجنازة أنثى فإن كان ولي الذكر أفضل فلا خلاف في تقديمه، وإن كان مفضولاً فالمنقول عن مالك تقديم ولي المرأة الأفضل.
وقدم ابن
الماجشون ولي الرجل، واحتج بتقديم الحسن لعبد الله في الصلاة.
ومنشأ الخلاف هل يرجح الولي نفسه أو الميت؟ وقول مالك أولى.
ولو كان المعتبر فضل الميت لقدم ولي أفضل الذكرين وإن كان مفضولاً، وإنما يتم احتجاج عبد الملك؛ لو كان قوله: (لأَنَّهُ أَخُو زَيْدٍ) من كلام الحسن، وبه يتم أربع سنن، قال صاحب البيان وغيره: ولا حجة في القصة المذكورة، وإنما تحصل الحجة لو كان المقدم لعبد الله غير الحسن، كالخليفة أو غيره من الصحابة، وإلا فالحسن لكماله في الفضل يرى لعبد الله فضلاً عليه، ولا يرى لنفسه فضلاً، ويحضره في باله حينئذٍ سن ابن عمر وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالصلاح، وحضور المشاهد له في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، وزهده في الخلافة بعد أن عرضت عليه مرتين.
ابن راشد: وكلثوم مأخوذ من الكثلمة؛ وهي الحسن.
وما ذكره من أن السنن ثلاثة ذكره غيره أنها خمس.
قال: لأنهما دفنا في قبر واحد، وجعل الولد مما يلي القبلة.
فرع:
ولو سها الإمام فنوى إحدى الجنازتين، ونواهما من خلفه، فقال في العتبية: تُعاد الصلاة على من لم ينوها الإمام، دفنت أو لم تدفن.
ويُقَامُ عِنْدَ وَسَطِ الْجِنَازَةِ، وفِي مَنْكِبَي الْمَرْأَةِ قِوْلانِ
المشهور عند منكبيها.
ومقابل المشهور قول ابن مسعود؛ ذكره في المدونة، والقول بأنه يقف عند وسط المرأة أيضاً لمالك.
وكذلك روى البخاري عنه عليه الصلاة والسلام.
وقال ابن شعبان: حيث وقف الإمام من الجنازة في الرجل والمرأة جاز.
قال القابسي: والذي في المدونة عن ابن مسعود في إسناده نظر، وفيه رجل مجهول، عن إبراهيم، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وهو مخالف للحديث الذي أخرجه أهل الصحيح.
ويقال وسط بسكون السين، وفتحها.
ويُجْعَلُ رَاسُهُ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلَّى
واضح
ووَصَيٌّ الْمَيِّتِ أَوْلَى بالصَّلآةِ إِنْ قُصِدَ الْخَيْرُ وإِلا فَالْوَلِيُّ
يعني: أن الوصية بالصلاة على الميت لها مدخل في ذلك، وزيادة التقدم على الأولياء، لكن بشرط أن يقصد الميت الخير في الموصى له وبركة دعائه فحينئذٍ يكون مقدماً على الولي، لا إن قصد مراغمة الولي لعداوة [112/أ] بينهما ونحوها.
مالك وسحنون، وابن حبيب، وغيرهم: ويقدم الوصي على الولي.
وما زال الناس يختارون بجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين.
وإِذَا اجْتَمَعَ الْوَلِيُّ والْوَالِي فَالْوَالِي الأَصْلُ –لا الْفَرْعُ- أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ الْخُطْبَةِ فَقَوْلانِ لابْنُ الْقَاسِمِ وغَيْرِهِ ...
لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤَمَّنَّ أحدُكُمْ في سُلْطانِه".
ولا إشكال في هذا في الخليفة، وأما الفرع فلا إلا أن يكون صاحب الخطبة.
فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ وهو قول سحنون تقدمته حينئذٍز ولا يقدم أيضاً عندهما إذا كانت له الخطبة والصلاة دون أن يكون أميراً، أو قاضياً، أو صاحب شرطة، أو أميراً على الجند.
وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن ذلك لكل من الخطبة إليه واصللاة، وإن لم يكن إليه حكم.
قال في البيان: ولا يوجد ذلك لابن القاسم نصاً، وظاهر ما في سماع أبي الحسن عن ابن وهب أن القاضي أحق بالصلاة على الجنازة من الأولياء وإن لم تكن إليه الصلاة.
وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: ليس للواحد من هؤلاء في الصلاة على الجنازة حق سوى الأمير الذي تؤدي إليه الطاعة.
قال في البيان بعد ذكر هذه الأربعة الأقوال: ولا اختلاف في أنه لا حق في الصلاة على الجنائز لمن انفرد بالصلاة دون الخطبة والقضاء، أو بالحكم دون القضاء والخطبة والصلاة.
انتهى.
ابن عبد السلام: والظاهر أن الأولياء إذا أحضروا الجنازة موضع الصلاة والخطبة فإنه يقدم الوالي، وإن لم يحضروها هنالك بل صلوا عليها في موضع في محل الدفن أو غيره فحضر الوالي الفرع فهم أولى منه.
وإِذَاَ لَمْ يَكُنْ إِلا نِسَاءً صَلَّيْنَ أَفْذَاذاً عَلَى الأَصَحِّ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: إذا لم يحضر الميت إلا نساء فالأصح أنهن يصلين أفذاذاً، ومقابله نقله اللخمي عن أشهب أنهن يصلين جماعة، وهو إما على رواية ابن أيمن، وإما لأنهن محل ضرورة، وإذا قلنا بصلاتهن أفذاذاً فهل واحدة بعد واحدة أو مجتمعات؟ قولان: قال المصنف: أصحهما الأول.
والذي يظهر الثاني؛ لأن فيما اختاره المصنف تأخيراً للميت والسنة تعجيله؛ ولأن صلاة واحدة بعد واحدة في معنى تكرير الصلاة على الميت، والمذهب خلافه.
وتَرْتِيبُ الْوِلايَةِ كَالنِّكَاحِ
تصوره ظاهر.
فلو رد الأقعد الصلاة إلى أجنبي، وأبى ذلك من دونه، فقال ابن حبيب: لا كلام للأبعد كالنكاح.
وقال أصبغ، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم: له الكلام.
واحتج له بعض الناس بالحضانة.
واللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِنْ أَمْكَنَ
اللحد أفضل؛ لأنه الذي اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (إن أمكن) أي: بأن تكون تربةً صلبة لا تتهيل.
واللحد معلوم، قال في الجواهر: وليكن في جهة القبلة.
والشق: أن يحفر في وسط القبر قدر ما يسع الميت.
ويُكْرَهُ بِنَاءُ الْقُبُورِ فَإنْ كَانَ لِلْمُبَاهَاةِ حَرُمَ، وأَمَّا الْبِنَاءُ لِقَصْدِ التَّمْييزِ فَقَوْلانِ
يعني: أن البناء إما أن يكون لقصد المباهاة أو التمييز أو لا يقصد به شيئاً، فالأول: حرام، وهكذا نص عليه الباجي.
والثالث: مكروه.
والثاني: مختلف فيه بالجواز والكراهة.
قال ابن بشير: القولان حكامهما اللخمي.
وأخذ الكراهة من إطلاقه في المدونة، والجواز في غيرها، قال: والظاهر أن القصد للتمييز غير مكروه، وإنما كره في المدونة البناء الذي لا تقصد به العلامة.
وإلا فكيف يكره ما قصد به معرفة قبر وليه؟! ولم يصرح ابن بشير بتحريم القسم الأول، بل قال: والظاهر أنه محرم مع هذا القصد.
ووقع لمحمد بن عبد الحكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره بيتاً، أنه تبطل وصيته.
وقال: لا تجوز وصيته وأكرهه.
وظاهر هذا التحريم، وإلا لو كان مكروهاً لنفذت وصيته، وأجاز علماؤنا ركز حجر أو خشبة عند رأس الميت ما لم يكن منقوشاً.
المازري: لأنه صلى الله عليه وسلم وضع بيده الكريمة حجراً عند رأس عثمان بن مظعون.
وقال: "أعرف بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي".
وكره ابن القاسم أن تجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها.
وأما تحويز موضع الدفن بناءً فقالوا: جائز ما لم يرفع فيه إلى قدر يأوي إليه بسبب ذلك أهل الفساد، وإن فعل ذلك أزيل منه ما يستر أهل الفساد ويترك باقيه كذا نقل ابن عبد السلام.
وفي التنبيهات: اختلف في بناء البيوت عليها، إذا كانت في أرض غير محبسة، وفي المواضع المباحة، وفي ملك الإنسان فأباح ذلك ابن القصار، وقال غيره: ظاهر المذهب خلافه.
انتهى.
وأما الموقوف كالقرافة التي بمصر فلا يحل فيها البناء مطلقاً، ويجب على ولي الأمر أن يأمرهم بهدمها حتى يصير طولها عرضاً، وسماؤها أرضاً.
وإِذَا حُفِرَ قَبْرٌ فِي مِلْكٍ أَصْلِيٍّ فَدُفِنَ مُتَعَدِّ فِيهِ فَلِلمالِكَ إِخْرَاجُهُ
يعني: من حفر قبراً في أرض [112/ ب] مملوكة فتعدى أجنبي فدفن فيها، فإنه يخرجه المالك إن شاء.
ابن هارون: وإنما يخرج بالفور، فإن طال لم يخرج.
وإِنْ كَانَ فِيمَا يُمْلَكُ فِيهِ الدَّفْنُ خَاصَّةً لَمْ يُخْرَجْ.
وثَالِثُهَا: يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَخْتَارُونَهُ مِنْ حَفْرٍ أَوْ قِيمَةِ حَفْرٍ.
ورَابُعهَا: مَا يُخْتَارُ عَلَيْهِمْ.
يعني: إن كانت الأرض حبساً للدفن فحفر فيها رجل قبراً، وجاء آخر فدفن فيه، فإنه لا يخرجه ولا إشكال، واختلف فيما يجب عليه على أربعة أقوال: الأول: أن عليهم قيمة الحفر.
والثاني: أن عليهم حفر قبر آخر مثله.
والثالث: أن عليهم ما يختاره أهل الميت منهما.
وإليه أشار بقوله: (وثَالِثُهَا: يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَخْتَارُونَهُ مِنْ حَفْرِ أَوْ قِيمَةِ حَفْرٍ) ففهم منه أن الأول وجوب القيمة، والثاني وجوب الحفر، والثالث أن عليهم ما يختاره أهل القبر.
والقول بقيمة الحفر لابن اللباد، والقول بأنعليهم حفر قبر آخر مثله لسحنون، والقول بالأقل للقابسي، والقول بالأكثر للخمي قال: والقياس أن يكون عليه الأكثر.
قال ابن بشير: وأصل المذهب القيمة.
خليل: انظر هل يجوز ذلك ابتداء أو لا؟ والأقرب عدم جوازه؛ لأنه لا يدري هل يموت هنالك أو لا؟ وقد يموت بغيره، ويحسب غيره أن في هذا القبر أحداً فيكون غاصباً ذلك، وقد ورد أن من غصب شبراً من أرض طوقه سبع أرضين.
وإِذَا دُفِنَ مَيِّتٌ فَمَوْضِعُهُ حَبْسٌ
يعني: إذا دفن في مكان غير مغصوب فموضعه حبسٌ عليه، لا يجوز نقله عنه، ولا أن يتصرف فيه ولا يباع.
ابن عبد السلام: ووقع في كتب أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام.
ورفع أيضاً لبعضهم أنه إذا حرثت المقابر أخذ كرائها ممن حرثها وصرف في جهاز الموتى.
ولَوْ دُفِنَ فِي دَارٍ فَبِيعَتْ ولَمْ يُعْلَمْ فَالْخِيَارُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، واعْتَرَضَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بأَنَّهُ يَسِيرٌ فِي الْقِيمَة، وأُجِيبَ بأَنَّهُ لا تُمْكِنُ إِزَالَتُهُ .....
يعني: إذا لم يعلم المشتري بذلك فهو عيب يوجب الخيار في الرد أو التماسك.
واعترض ذلك عبد الحق فقال: موضع الحفر يسيرٌ، والعيب اليسير في الدار لا يوجب الرد كما سيأتي.
ورده ابن بشير بأن العيب إذا لم تمكن إزالته صار ضرره كثيراً.
وفِي دَفْنِ السَّقْطِ فِي الْبُيُوتِ قَوْلانِ
المشهور الكراهة في الدور، وأجازه في الواضحة.
والقولان: في كونه عيباً، حكاهما ابن بشير.
والمنصوص لمالك أنه ليس بعيب.
فرع:
ولا بد في القبر من حفرة تحرس الميت عن السباع، وتكتم رائحته.
ابن حبيب: يستحب ألا يعمق القبر جداً، وأن يكون عمقه على قدر الذراع فقط.
قال: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة، قال: احفروا لي، ولا تعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها، وشرها أسفلها.
وفي المبسوط عن مالك: لم يبلغني في عمق حفرة القبر شيء موقوف عليه، وأحب إلي أن تكون مقتصدة، لا عميقة جداً، ولا قريبة من أعلى الأرض.
الباجي: ولعل ابن حبيب أراد بقوله: قدر الذراع الشقَّ الذي هو نفس اللحد، وأما نفس القبر فإنه يكون مثل ذلك وأكثر منه.
ابن حبيب: ولا بأس أن يدخل قبره من ناحية القبلة، أو من ناحية الشرق، ومن ناحية القبلة أحب إلي؛ لأنه أمكن وأهيأ وأيسر على من تولاه.
وفي المبسوط: لا بأس أن يدخل الميت في قبره من رأس القبر، أو رجليه، أو وسطه، ويضع الميت في قبره الرجال، فإن كانت امرأة يتولى ذلك زوجها من أسفلها، ومحارمها من أعلاها، فإن لم يكن فصالح المؤمنين، إلا أن يوجد من القواعد من له قوة على ذلك،
ولا مضرة عليهن فيه، ولا كشف عورة، فهي أولى به من الأجانب، وليستر عليها بثوب حتى توارى في لحدها، وليس لعدد من يلي ذلك حدٌّ، شفع أو وتر، ثم يوضع الميت على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، ويمد يده اليمنى مع جسده، ويحل العقدة من عند رأسه ورجليه، ويعدل رأسه بالتراب لئلا يتصوب، وكذلك رجلاه بحيث لا ينكب ولا يستلقى، ويرفق به في ذلك كله كأنه حي.
واستحب أشهب أن يقال عند وضعه في اللحد: بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم تقبله بأحسن قبول.
قال: وإذا دعا له بغير ذلك فحسن.
وإن تركه فواسع، ثم تنصب اللبن على فتح اللحد.
وتسد الفرج بما يمنع من التراب.
ابن حبيب: أفضل ما يسد به اللبن، ثم اللوح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سن التراب خير من التابوت، ثم قال: يحثي كل من دنا حثيات.
وروى سحنون أن ذلك غير مستحب، ثم يهال التراب عليه، ولا يرفع القبر إلا بقدر شبر، ولا يجصص، ولا يطين.
وقال أشهب: ويسنم القبر أحب إلى، وإن رفع فلا بأس.
قال محمد ابن مسلمة: لا بأس بذلك.
قال: وقبور النبي صلى الله عليه وسلم [113/أ]، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما مسنمة.
قال في التنبيهات: والمعروف من مذهبنا جواز تسنيمها، وهو صفة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبور أصحابه، وهو المنصوص في الأمهات، ولم ينص فيها على خلاف ذلك.
ولأشهب ما يدل على جواز تعظيم القبر والزيادة فيه على التسنيم.
انتهى.
وفي الجلاب: يسطح ولا يسند، ويرفع من القبر قليلاً بقدر ما يعرف.
ولا يدفن في قبر واحد ميتان إلا لحاجة، ثم يرتبهم في اللحد إلى القبلة بالفضيلة كترتيبهم إلى الإمام في الصلاة، والقبر يحرم أن يمشي عليه إذا كان مسنماً والطريق دونه، فأما إذا عفا فواسع، ولا تنبش عظام الموتى عند حفر القبور ولا تزاح عن مواضعها، ومن وافى قبراً عند حفره فليرده، وليرد
عليه ترابه، ولا يزاد من قبر على قبر وليتق كسر شيء من عظامه، ولا ينبش القبر إلا إذا كان شيء من الكفن مغصوباً وشح فيه ربه أو نسي معه مالاً في القبر.
ولو دفن بغير غسل أخرج إن كان قريباً، وقيل: لا يخرج.
والتعزية: سنة؛ وهي الحمل على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب.
وذكر ابن حبيب ألفاظ التعزية عن جماعة من السلف، ثم قال: والقول في ذلك واسع، إنما هو على قدر منطق الرجل، وما يحضره من ذلك القول.
وقد استحسن أن يقال: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاك عنها، وعقباك منها خيراً وغفر لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه.
وتستحب تهيئة الطعام لأهل الميت ما لم يكن اجتماعهن لنياحة وشبهها، والبكاء جائز من غير نياحة وندب من غير جزع، وضرب خد، وشق ثوب، فذلك حرام، ولا يعذب الميت بنياحة أهله عليه إلا إذا كان أوصى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
فرع:
قال في البيان: ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد.
وروى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له".
فمنهم من أجاز الصلاة في المسجد وتأول: فلا شيء له بمعنى فلا شيء عليه، بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] وهو قول الشافعي وغيره، ومنهم من كره الصلاة فيه، ورأى أن ما جاء من الصلاة على سهيل أمر قد ترك، وأن حديث "لا شيء له" ناسخ له.
قال في البيان: ولأنه متأخر.
واستدل على ذلك بعمل الصحابة؛ وهو قول مالك في المدونة: ولا توضع الجنازة في المسجد، وإن وضعت قريباً لم يصل عليها من في المسجد، إلا أن يضيق خارج المسجد بأهله، وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من كره أن يصلى على الجنازة في المسجد؛ وأجاز إذا وضعت الجنازة خارجه أن تمتد الصفوف بالناس
في المسجد، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وعزاه لمالك، وقال: هو من رأيه لو صلى عليها في المسجد ما كان ضيقاً.
قال في البيان: ولا فرق على المذهب في الكراهة بين أن يكون الميت فيه أو خارجاً عنه، وهو مذهب مالك في المدونة، وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له".
إذ لم يفرق بين أن تكون الجنازة فيه أو خارجه.
انتهى.
ولأصحابنا في تعليل الكراهة مسلكان: أولهما: أنه خلاف العمل.
ثانيهما: أنه مبني على نجاسة الميت.
والله أعلم.
الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ.
الْمُخْرَجُ مِنْهُ: الْعَيْنُ، وَالْحَرْثُ، وَالْمَاشِيَةُ
لا شك في وجوبها، والذي تؤخذ منه الزكاة ثلاثة كما ذُكر.
فَشَرْطُ الْعَيْنِ -غَيْرُ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ- أَنْ يَكُونَ نِصَاباً مَمْلُوكاً حَوْلاً كَامِلاً، مِلْكاً كَامِلاً غَيْرَ مَعجُوزٍ عَنْ إِنْمَائِهِ ...
أي: شرط وجوب الزكاة (الْعَيْنِ).
فأخرج المعدن من العين؛ لعدم شرط الحول فيه، وكذلك الركاز؛ لأنه في بعض صوره تؤخذ منه الزكاة، أي؛ فيما إذا وجد بنفقة أو كبير عمل.
هكذا كان شيخنا -رحمه الله تعالى- يقول، وبه تعلم أن قول ابن عبد السلام: وأما الركاز فلا معنى للاحتراز منه، إلا لو كان اسم الزكاة ينطلق على ما يؤخذ منه ليس بظاهر.
قوله: (نِصَاباً).
يريد أو ما هو أصل له، كدينار وماحد بيع آخر الحول بمائتي درهم أو اشترى به سلعة فبيعت بذلك، واحترزنا بالمملوك من غير المملوك، كالمال المغصوب بالنسبة إلى الغاصب، والمودع والملتقط بالنسبة إلى الحافظ، وبالحول الكامل من بعضه، وبالملك الكامل من العبد، والمديان بالنسبة إلى العين، وغير معجوز عن إنمائه من العين المغصوبة بالنسبة إلى المغصوب منه، ومن المدفون والموروث إذا لم يعلم به على ما سيأتي.
فَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَالْوَرِقِ مِئَتَا دِرْهَمٍ بِالْوَزْنِ الأَوَّلِ
هذا هو المعروف.
وحكى الباجي وتبعه صاحب المقدمات عن ابن حبيب أن المعتبر وزن كل بلد، ولو كان أنقص من الوزن الأول.
قال صاحب المقدمات [113/ب] وغيره: وهو بعيد جداً.
وأشار الباجي إلى مخالفته للإجماع.
ورد المازري ما فهمه الباجي عن ابن حبيب، وقال: لا يحسن عندي أن يظن بابن حبيب ولا غيره هذا؛ لأنه يؤدي إلى وجوب الزكاة في الأرباع والأثمان إذا جرت مجرى المثاقيل.
وقد ذكر ابن حبيب إِثرَ ما نقله الباجي عنه ما يؤخذ منه اعتبار الوزن الأول.
فَإِنْ نَقَصَتْ وَزْناً لا يَحُطُّهَا، فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَالِثُهَا إِنْ كانَ يَسِيراً جِدّاً كَالْحَبَّةِ فَإِنْ حَطَّهَا فَلا زَكَاةَ .....
يعني: فإن نقصت العشرون أو المائتان فلا يخلوا؛ إما أن تنقص وزناً أو صفة، وعلى التقديرين فإما أن يحطها أولاً، وقد تكلم المصنف رحمه الله على الأقسام الأربعة.
ومعنى الحط: كونها لا تجوز بجواز الوازنة، وعدم الحط: عكسه.
واختلف الأشياخ في معنى قول مالك: تجوز بجواز الوازنة، فقال ابن القصار، والأبهري: أن تكون وازنة في ميزان وناقصة في آخر.
وقال عبد الوهاب: بل أراد بالنقص اليسير كالحبة والحبتين في جميع الموازين مما جرت العادة بالتسامح في مثله في اليباعات.
الباجي: وهو الأظهري عندي وعليه جمهور أصحابنا؛ لأنه على الوجه الأول ليس ثَمَّ نقص.
ويدل عليه ما في الموازية: إذا نقصت نقصاً بيناً فلا زكاة فيها إلا أن تجوز بجواز الوازنة.
انتهى.
ابن زرقون: ويظهر لي أن قول ابن القصار، والأبهري في الموازية، وقول عبد الوهاب في المعدودة فلا يكون اختلافاً.
الباجي: وحمل العراقيون قول مالك: تجوز بجواز الوازنة، على الدنانير والدراهم الموزونة.
قال: والأظهر عندي أن يكون ذلك في المعدودة كالفرادى.
وتقدير كلام المصنف: فإن نقصت وزناً غير حاط، فالزكاة على المشهور اتفاقاً، إلا أن الأغراض تحصل فيها كما تحصل بالكاملة.
والثاني: لا تجب.
وهو قول ابن لبابة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ".
والثالث: إن كان غير الحاط يسيراً جداً فكالأول، وإلا فكالثاني، وهو لمالك في العتبية وغيرها.
وقوله: (فَإِنْ حَطَّهَا فَلا زَكَاةَ).
أي: فإن كان النقص حاطاً لم تجب الزكاة، زاد ابن بشير: باتفاق.
وحكى صاحب المقدمات في ذلك خلافاً، ولفظه: وأما إن لم تجز بجواز الوازنة، فلا تجب فيه الزكاة، قل النصاب أو كثر.
وقيل: إن الزكاة تجب فيها إن كان النقصان يسيراً، وإن لم تجز بجواز الوازنة.
انتهى.
وهذا إذا كان التعامل بالوزن، وأما إذا كان التعامل بالعدد، فقال ابن بشير: لا يخلو أن ينتقص في العدد أو في الوزن، فإن نقصت في العدد، فلا خلاف في سقوطها، وإن نقصت في الوزن –بأن لم تجز بجواز الوازنة- فلا خلاف في سقوط الزكاة.
وإن جازت؛ فثلاثة أقوال: أ؛ دها: أنها تجب فيها الزكاة، وهو ظاهر الموطأ.
والثاني: أنها لا تجب فيها الزكاة، قاله ابن لبابة.
والثالث لسحنون: الفرق بين أن يكون النقصان يسيراً لا تتفق عليه الموازين، أو كثيراً تتفق عليه الموازين، ونحوه لابن رشد.
وحكى صاحب اللباب وغيره عن محمد بن مسلمة أنه قال: إذا نقص نصاب الوزن ثلاثة دراهم ففيه الزكاة.
فَإِنْ نَقَصَتْ صِفَةً بِغِشِّ أَصْلِيِّ أَوْ مُضَافٍ لا يَحُطَّهَا كَالْمُرَابطِةِ فَكَالْخَالِصَةِ
يعني: فإن لم تنقص وزناً بل نقصت صفة بسبب غش من أصل المعدن، أو مضاف لا يحظها، فإن جرى أمر الناس على ترك مراعاته.
قال المصنف وغيره: كالدنانير المرابطية، وكذلك قال ابن بشير.
وقوله: (فَكَالْخَالِصَةِ).
أي: فحكمها حكم الخالصة.
والأحسن لو قال: نقصت صفة برداءة في الأصل؛ لأن الغش حقيقة إنما يستعمل فيما كان من فعل الآدمي لا فيما كان من أصل الخلقة، وكأنه –والله أعلم- أطلقه مجازاً.
تنبيه:
ما ذكره المصنف في الغش المضاف نص عليه غير واحد.
وأما ما ذكره في الغش الأصلي فأصله للباجي، وذكر أنه لم ير فيه نصاً.
قال: وعندي أنه إذا كان فيه من النحاس
أو غيره المقدار اليسير الذي جرت عادة الناس به في دنانيرهم ودراهمهم الطيبة الموصوفة بالخالصة، أنه لا اعتبار به وإن أمكن تخليصه واستخراجه.
فَإِنْ حَطَّهَا، فَالْمَشْهُوُ يُحْسَبُ الْخَالِصُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الأَكْثَرُ
يعني: فإن حطها ذلك النقص، اعتبر الخالص منها خاصة وصار النقص كأنه في القدر، وهذا هو المشهور، وسواء كان مساوياً أو أقل أو أكثر، وعليه فيعتبر ما فيها من النحاس اعتبار العروض، قاله اللخمي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ".
خرجه مسلم.
والقول باعتبار [114/أ] الأكثر لابن الفخار، وعليه فتجب الزكاة في مائتين من فضة مصر؛ لأن فضتها أكثر لا فضة الإسكندرية.
نعم يعتبر خالصها؛ هكذا صرح به الباجي وغيره ممن يوثق بنقله.
أما الكثرة فتعتبر في جانب الوجوب لا السقوط.
وكلام ابن بشير يوهم اعتبار الأكثر في جانب السقوط على هذا القول، وأنه لا تجب عليه الزكاة في مثل فضة الإسكندرية وإن كثرت، وليس بجيد.
وقوله: (فَإِنْ حَطَّهَا).
ظاهره النقص المضاف والأصلي وهو منقول في المضاف كما ذكر، والحق الباجي به الغش الأصلي، وتعقبه سند، فقال: الغش من أصل المعدن كالتبع.
فَإِنْ كَانَتْ سَكَّةً أَوْ جَوْدَةٌ إِنْ تُصُوِّرَتْ تَجْبُرُ النَّقْصَ لَمْ تُعْتَبَرِ اتِّفَاقاً
كما لو كانت عنده مائة وتسعون وسكتها أو جودتها تساوي مائتين، فإن تلك الجودة والسكة غير معتبرة اتفاقاً، وإنما ينظر إلى الوزن الحاصل بجودته وسكته، وكان هنا تامة، ومعنى (تُصُوِّرَتُ).
أي: وجدت.
وفاعل تصورت ضمير يعود على أحدهما لا على التعيين.
أي: إن تصورت إحداهما.
ورأى بعضهم عوده على الجودة فقط؛ لأن السكة موجودة، ولا يقال في الموجود إن وجد، بخلاف الجودة فإنها خفية، ورأيت من شيخنا ميلاً إليه وفيه نظر؛ لأن كلاً من السكة والجودة حاصل.
فإن قلت: على هذا في قوله: إن
تصورت نظر؛ لأن الأصل في أن عدم الجزم بوقوع الشرط وهما حاصلان.
قيل: لما قال المصنف: تجبر النقص اندفع هذا؛ لأن كون السكة أو الجودة جائزة ليس محقق.
والله أعلم.
وَما حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ مائة وخَمْسِينَ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ قِرَاضَةً لا نَعْرِفُهُ
هذا جواب عن سؤال مقدر توجيهه أن يقال: حكايتك الاتفاق ليس بصحيح؛ لأن الغزالي حكى عن مالك أنه إذا كان نقد البلد قراضة ومعه مائة وخمسون تساوي مائتين قراضة وجوب الزكاة.
فأجاب عنه بأن ما حكاه لا يعرفه أهل المذهب، ولا يقال من حفظ مقدم؛ لأنا نقول أهل كل مذهب أقعد بمذهبهم إثباتاً ونفياً، إطلاقاً وتقييداً، ومن تأمل ما يحكيه أهل المذهب بعضهم عن بعض وجد الغلط كثيراً.
وَفِي الصِّيَاغَةِ الْجَائِزَةِ قَوْلانِ
يعني: أنه اختلف هل تلغى الصياغة فلا يعتبر إلا وزن المصوغ وهو المشهور، أو يعتبر المصوغ اعتبار العين، وتعتبر الصياغة اعتبار العرض، قولان.
وعلى الأول فلا تفريغ، وعلى الثاني فيظهر أثره في المدين والمحتكر.
وَالْحَرَامُ مُلْغَاةً اتِّفَاقاً
لأن أخذ الزكاة عنها إقرار لها وهي لا تقر.
وَعَلَى المشهورِ الْمَنْصُوصِ كَالْعَرْضِ، وَخُرِّجَ التَّكْميلُ عَلَى الْحُلِيِّ بأَحْجَارٍ لا تتخَلْصُ
لهذه المسألة صورتان: إحداهما: ألا يكون المصوغ نصاباً، لكنه بقيمة الصياغة يكمل النصاب، فهذه لا يكمل بها اتفاقاً؛ وهو معنى قوله: (كَالْعَرْضِ).
أي لا يكمل بها كما لا يكمل بالعرض، ويقع بعد هذا في بعض النسخ: ولا يكمل بها كالجودة، وهي تكرار؛ لأن ذلك معلوم من التشبيه بالعرض، وفي بعض النسخ: المنصوص كالجودة، وهي كالأولى.
الصورة الثانية: أن يكون المصوغ نصاباً فأكثر، كما لو كان زنة المصوغ ألفاً وقيمة الصياغة مائتين فهذه محل الخلاف.
ومقابل المنصوص ما أشار إليه بقوله: (وَخُرِّجَ التَّكْمِيلُ).
أي: خرج قول في الصورة الأولى بالتكميل من القول: بأن الحكم للأكثر من مسألة الحلي المزكى المنظوم بالجوهر وسيأتي.
وهذا التخريج لابن بشير.
ووجهه أن يقال: كما كمل بالعرض في مسألة الحلي فكذلك يكمل بالصياغة؛ لأنها جعلت كالعرض على أحد القولين، وهذا التخريج إنما يتم لو اتحد القائل؛ لجواز أن يكون من قال: بأن العرض يكمل به، لا يرى الصياغة كالعرض.
وَيُكَمَّلُ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بالآخَرِ بالْجُزْء لا بالْقَيمَةِ اتِّفاقاً
النقدان: الذهب والقضة.
وقوله: (بالْجُزْء) أي بأن يجعل كل دينار بعشرة دراهم، ولو كانت قيمته أضعافاً، كما لو كانت عنده مائة درهم وعشرة دنانير، أو مائة وخمسون وخمسة دنانير.
(لا بالْقَيمَةِ) كما لو كان عنده مائة وثمانون ودينار يساوي عشرين.
وحكي عن ابن لبابة أن الذهب والفضة لا يجمعان في الزكاة، وعلى هذا فالاتفاق راجع إلى قوله: (لا بالقيمة).
وخالفنا الشافعي في الجزء الأول فنفى الضم، وأبو حنيفة في الثاني فضم القيمة [114/ب].
فائدة:
الدنانير خمسة: دينار الجزية، ودينار الزكاة، كل منهما عشرة ويعبر عنهما بديناري الزاي، ودينار النكاح، والدية، والسرقة، كل منهم اثني عشر ويعبر عنهم بدينار الدم.
وَالْحُلِيُّ الْجَائِزُ إِنِ اتُخِّذَ لِلِّبَاسِ، فَلا زَكَاةَ وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ
الحلي إن اتخذ للباس لمن يجوز له لبسه، فإن ذلك يلحقه بعرض القنية فليس فيه زكاة.
قال في الجواهر: وإن كان على قصد استعمال محظور، كما لو قصد الرجل بالسوار أو الحلي
أن يلبسه، أو قصدت المرأة ذلك في السيف، لم تسقط الزكاة؛ لأن المحظور شرعاً كالمعدوم حساً.
انتهى.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ) مبالغة.
أي: وإن كان الحلي مملوكاً لرجل وأعطاه لنسائه أو إمائه يلبسنه.
وعارض الأبهري هذه المسألة بإيجاب الزكاة في النعم وإن لم تكن سائمة، ورأى أن الاتخاذ للاستعمال إن كان كافياً في إخراج ما أصله الزكاة إلى ما لا زكاة فيه وإلحاقه بالعرض، لم تجب فيه.
وفرق بأن النعم تنمو بنفسها وإن لم تكن سائمة، بخلاف العين فإنه لا نماء فيها مع القنية.
وظاهر المذهب سقوط الزكاة في الحلي الجائز ولو تكسر.
واشترط بعض المتأخرين في هذا أن يكون التكسير لم يبلغ به إلى حد التهشم، وأما إن بلغ ذلك فهو كالتبر، وهو تأويل ابن يونس على المدونة.
وَإِنِ اتُّخِذَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ كَانَ حَرَاماً فَالزَّكَاةُ كُلَّ عَامٍ كَالنَّقْدِ
هذا لا خلاف فيه عندنا بوجوب الزكاة؛ لأن المانع من تعلق الزكاة كونه غير معد للنماء، وأما إن اتخذ للتجارة فهو معد للنماء، وذلك لأن جوهريته تقتضي وجوب الزكاة ما لم يعرض لاستعمال المباح؛ لشبهه إذ ذاك بعروض القنية.
وقوله: (أَوْ كَانَ حَرَاماً) اسم كان عائد على الحلي.
وَإِنِ اتُّخِذَ لِلْكِرَاء أَوْ لِصَدَاقٍ أَوْ لِعَاقِبَةٍ، فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ لا يُزَكَّى مَا لِلْكِرَاء
ما ذكره المصنف هنا هو من أقسام القنية، ومعنى كلامه: أن الحلي الجائز إن اتخذ لأن يكرى، أو لأن يصدقه لامرأة يريد أن يتزوجها، وألحق به أن يشتريه لابنته إن تزايدت له، أو أمة يشتريها للتسري أو للإعارة، أو العاقبة، أي: يتخذ لحاجة إن عرضت.
وأكثرهم لا يجعل في هذا القسم خلافاً في وجوب الزكاة؛ منهم ابن يونس، وابن شاس.
وجعله المصنف وابن بشير من محل الخلاف.
وحكى المصنف ثلاثة أقوال: سقوط الزكاة، ووجوبها، والفرق بين ما اتخذ للكراء فتسقط، وبين غيره فتجب وهو المشهور، وهو مذهب المدونة.
والباجي يرى أن الخلاف في الكراء إنما هو إذا اتخذه لذلك من لا يجوز له لبسه، كما إذا اتخذ الرجل حلي النساء للكراء، أو اتخذت المرأة السيوف ونحوها للكراء.
وأما إن اتخذت المرأة حلي النساء، فلا يدخله خلاف في سقوط الزكاة.
خليل: ولو قيل بعكس المشهور ما بعُد؛ لأن الكراء ضرب من التجارة.
فرع:
ذكر ابن حبيب خلافاً في المرأة إذا كان لها حلي تلبسه ثم لم تبق تلبسه، واختار هو الوجوب احتياطاً.
وَإِذَا نَوَى بِحُلِيٍّ الِْنْيَةِ أَوِ الْمِيَراثِ التِّجَارَة، فَالمْشَهُورُ انْتِقَالُهَا بِخِلافِ الْعُرُوضِ
لما كانت النية سبباً ضعيفاً ناسب أن تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، فلذلك إذا كان عنده حلي قنية ونوى به التجارة ينتقل؛ لأن الأصل في الحلي وجوب الزكاة، إذ جوهريته تقتضي وجوب ذلك.
ومقابل المشهور يرى أن النية لا تنقله كالعرض، فلا زكاة فيه إلا بعد حول من يوم قبض ثمنه، بناءً على أن نية القنية تأصل القنية في الحلي.
ولا فرق في حلي القنية بين أن يكون حصل بعوض أو غيره، كما لو وهب له أو ورثه، ولعل هذا- والله أعلم- هو الذي لأجله عطف المصنف الميراث على القنية، وإلا فهو أحد أفراد القنية، وعلى هذا فهو من باب عطف الخاص على العام، وينبغي على هذا أنه إذا اشترى الحلي بنية التجارة ثم نوى به القنية، أن النية لا تؤثر؛ لكونها ناقلة عن الأصل.
وقوله: (بِخِلافِ الْعُرُوضِ) أي: فإنها إذا كانت للقنية ونوى بها التجارة، فإنها لا تنتقل؛ لأن الأصل فيها عدم الزكاة والنية لا تنقل عن الأصل.
وَالْمَصُوغُ الْجَائِزُ حُلِيُّ النِّسَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ، كَالأَزْرَارِ وَحِلْيَةِ الْمُصْحَفِ مُطلْقَاً
لما ذكر أولاً أن الحكم مفترق بسبب الصياغة الجائزة وغيرها أخذ يبين ذلك وكلامه ظاهر.
وقوله: (مُطلْقَاً) أي: بالذهب والفضة.
وحكى ابن رشد عن ابن عبد الحكم كراهية تحليته بالذهب.
فرع:
وأما تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل وعلائقها، والصفائح على الأبواب [115/أ] والجدار وما أشبه ذلك بالذهب والورق.
فقال ابن شعبان: يزكيه الإمام لكل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام، والموقوف من المال العين للقرض.
قال: وأعرف في المال لإصلاح المساجد، والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافاً بين المتأخرين في زكاة ذلك.
قال: والصواب في ذلك عندي ألا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد وغيره.
والله أعلم.
انتهى.
وروي في الجواهر عن ابن شعبان: يزكيه الإمام لكل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام، والموقوف من المال العين للقرض.
قال: وأعرف في المال لإصلاح المساجد، والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافاً بين المتأخرين في زكاة ذلك.
قال: والصواب في ذلك عندي ألا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد وغيره.
والله أعلم.
انتهى.
وروي في الجواهر عن ابن شعبان: وما جعل في ثياب الرجال، وفي الجدار من تثبيت الورق، فإن كان يمكن أن يخرج منه قدر يفضل عن أجرة عامله، زُكي إن كان فيه نصاب أو كمل به النصاب، ذهباً كان أو ورقاً.
وحلية غير المصحب من الكتب لا تجوز أصلاً.
انتهى.
وَالْخَاتَمُ الْفِضَّةُ لا الذَّهَبُ لِلرِّجَالِ
ظاهر التصور.
وَحِلْيَةُ السَّيْفِ الْفِضَّة، وَفِي الذّهَبِ قَوْلانِ
تجوز حلية السيف اتصلت بالنصل كالقبضة أم لا كالغمد، والمشهور في الذهب الجواز، حكاه سند والتلمساني.
وَفِي حِلْيَةِ بَاقِي آلَةِ الْحَرْبِ.
ثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِيمَأ يُطَاعَنُ بِهِ وَيُضَارَبُ، لا فِيمَا يُتَّقَى بِهِ وَيُتَحَرزُ ....
يعني: أنه اختلف في جواز تحلية ما عدا السيف من آلة الحرب على ثلاثة أقوال: الجواز، وهو لابن وهب قياساً على السيف بجامع الإرهاب.
والمنع، وهو المشهور.
والثالث: لابن حبيب.
قال ابن شاس: وقال ابن حبيب: لا بأس باتخاذ المنطقة المفضضة والأسلحة كلها، ومنع ذلك في السرج واللجام والمهاميز وما يتقى به ويتحرز.
انتهى.
ويقع في بعض النسخ عوض قوله: (وَيُتَحَرزُ) يتحزم.
وهي وإن كانت أولى لعدم التكرار بخلاف الأولى، فإن ما يتقى به يتحرز به؛ لكنها غير موافقة للنقل فتعين النسخة الأولى.
(وما يطاعن به) الرمح وما في معناه.
(وَيُضَارَبُ) الدبوس ونحوه.
وَالْحَرَامُ مَا عَدَاهُ مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ والأَوَانِي
أي: ما عدا المذكور.
تنبيه:
أجاز علماؤنا لمن قطع أنفه أن يتخذه من ذهب وغيره، وأن يربط أسنانه بخيوط الذهب.
قال اللخمي: ويختلف في زكاة حلي الصبيان، فقال ابن شعبان: فيه الزكاة.
قال: والظاهر من قول مالك أنه لا زكاة فيه؛ لأنه قال: لا بأس أن يحرموا وعليهم الأسورة.
قال: وإذا جاز لهم لباسه لم يكن فيه زكاة.
وعلى هذا فقول المصنف: (وَالْحَرَامُ مَا عَدَاهُ) ليس كما ينبغي، وفهم عياض المدونة على منع تحلية الصبيان، وسيأتي كلامه في الحج إن شاء الله تعالى.
وأخرج ابن راشد حلي الصبيان من قول المصنف (حُلِيِّ الرِّجَالِ) فقال: واحترز بالرجال عن الصبيان.
والْحُلِيُّ الْمُزَكَّى مَنْظُوماً بِالْجَوْهَرِ إِنْ أَمْكَنَ نَزْعُهُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، فَالْحُلِيُّ نَقْدٌ والْجَوْهَرُ عَرْضٌ ....
لما قدم الكلام على الحلي بانفراده تكلم هنا عليه إذا اختلط بشيء من الجواهر.
ومعنى كلامه أن لهذه المسألة صورتين: إحداهما: أن يمكن نزعه بغير ضرر.
والثانية: أن لا يمكن إلا بضرر.
فالأول يزكى النقد كل عام، والجوهر يزكى زكاة العروض من إدارة واحتكار، وهو معنى قوله: (فَالْحُلِيُّ نَقْدٌ والْجَوْهَرُ عَرْضٌ) و (مَنْظُوماً) حال من الضمير في المزكى، لا ما قاله ابن راشد: أنه خبر كان تقديره: والحلي المزكى إن كان منظوماً.
وإِلا فَثَلاثَةٌ كَالْعَرَضِ، ويُتَحَرَّى ويُرَاعَى الأَكْثَرُ
هذه هي الصورة الثانية.
أي: وإن لم يكن نزعه إلا بضرر، وهو إما فساد أو خسارة أجرة على ذلك، ففي المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أن الحلي كالعرض سواء كان وزنه أكثر من قيمة الجوهر أو لا، وهو مذهب العتبية والموازية؛ لأنه لما خالطه الجوهر وهو عرض ولم يمكن نزعه أعطي حكمه، وعلى هذا فيقومه المدين كل عام، ويزكيه المحتكر لعام بعد البيع.
القول الثاني: أنه يتحرى ما فيه ويزكيه، والجوهر على حكمه، وهو مذهب المدون.
قال في البيان: ولم يختلف قول مالك في رواية ابن القاسم: أنه يتحرى في الحلي المنظوم بالجوهر، ورواه أيضاً ابن وهب.
والثالث: أن الأقل منهما يعطى حكم الأكثر.
ابن راشد: ولم أره معزواً.
وحكاه صاحب اللباب، فقال: وقيل في هذا الأصل يراعى الأكثر، فإن كان الذهب والفضة الأكثر زكى جميع ذلك، وإن كان اللؤلؤ والزبرجد الأكثر لم يزك، وهذا القول رواية لابن القاسم منصوصاً في السيف والمصحف، والباب واحد، وروي عن مالك.
انتهى.
خليل: ونقله أبو الحسن الصغير عن مالك في مسألة الحلي المنظوم من رواية ابن عبد الحكم، وحكاه أيضاً المازري رواية، وعليه فلو كان وزن الحلي مثلاً مائة وخمسين وقيمة [115/ب] الجوهر خمسين زكى، ولو كان بالعكس سقطت وصار حكمه كسائر العروض، والأولان يعمان جميع صور المسألة بخلاف الثالث، إذ قد يكونان متساويين، وهذا القول الثالث: هو الذي خرج منه في مسألة الصياغة.
والْحَوْلُ شَرْطٌ إِلا فِي الْمَعَادِنِ والْمُعَشَّرَاتِ
لما قدم الكلام على ما يتعلق بقوله نصاباً أتبعه بالكلام على الحول، أي الحول شرط في وجوب الزكاة إلا في شيئين: المعدن، والزرع؛ لأن الله سبحانه أوجب فيه الزكاة يوم الحصاد، وزمان الزراعة إلى يوم الحصاد يتنزل منزلة الحول.
والمعدن ملحق بالزرع؛ لأنهما معاً خارجان من الأرض.
قوله: (والْمُعَشَّرَاتِ) أي: ماله تعلق بالعشر، أي سواء كان فيه العشر أو نصفه.
وَلوْ ضَاعَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ وَلَمْ يُمْكِنِ الأَدَاءُ، فَقَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ كَالشُّرَكَاء أولاً، وَلِذَلك قَالَ: الْمُوجَبُ برُبُعِ عُشْرِ الْبَاقِي .....
لا شك إذا تلف النصاب أو جزؤه قبل الحول ولو بيوم في سقوط الزكاة.
وكذلك إن تلف النصاب بعد الحول وقبل الإمكان.
واختلف إذا تلف بعضه، وإليه أشار بقوله: (وَلوْ ضَاعَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ).
وقوله: (وَلَمْ يُمْكِنِ الأَدَاءُ) كما لو تعذر الوصول إلى المال بسبب من الأسباب.
والمشهور: السقوط.
وأوجبها ابن الجهم.
ومنشأ الخلاف: هل الفقراء شركاء في النصاب بربع العشر أو ليسوا كذلك؟ وإنما المقصود إرفاقهم بشرط النصاب، ألا ترى أنه يجوز دفع العشر من غير النصاب ولا حق لهم في عين المال بخلاف الشركاء؛ ولذلك أدخل المصنف كاف التشبيه على الشركاء.
قوله: (وَلِذَلِكَ) أي: ولأجل أنهم كالشركاء.
قال: من أوجب الزكاة في الباقي، قال: إنما يجب ربع عشر الباقي تحقيقاً للشركة.
فالباء في (برُبُعِ) تتعلق بـ (قَالَ).
وقال ابن راشد: هي تتعلق بمحذوف تقديره: ولذلك قال الموجب هم شركاء بربع عشر الباقي.
وفي كلامه فائدة أخرى وهي: دفع وهم من يتوهم على الشاذ وجوب زكاة جميع النصاب.
فَلَوْ أَخْرَجَهَا عِنْدَ مَحِلِّهَا فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ
يعني: ولو أخرج الزكاة بأن عزلها عند حولها فضاعت من غير تفريط لم يضمن.
واحترز بقوله: (عِنْدَ مَحِلِّهَا) مما لو أخرجها قبله بيوم أو بيومين وفي الوقت الذي لو أخرجها فيه لأجزأته، وأما لو أخرجها بعد محلها وقد كان فرط في تأخيرها فإنه يضمن.
قال في المدونة: ولو كان قد أخرجها بعد إبانها وقد كان فرط فيها فضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط، كان ضامناً لها.
وزعم ابن راشد أن المشهور إذا ضاعت بغير تفريط لا شيء عليه، سواء أخرجها عند محلها أو بعده، وفيه نظر؛ لمخالفته للمدونة.
وَيَجِبُ إِنْفَاذُهَا وَإِنْ ضَاعَ الأَصْلُ
أي: إذا أخرجها بعد محلها ولم يفرط، فتارة تضيع الزكاة وهو في الفرع الذي قبل هذا، وتارة يضيع المزكي وهو هذا، فيجب عليه دفع الزكاة.
أَمَّا لَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ مَحِلِّهَا مُفَرِّطاً فَضَاعَتْ ضَمِنَ
لا إشكال في الضمان مع التفريط، وإذا ضمن بالتفريط بعد المحل فلأن يضمن إذا فرط قبله من باب أولى.
وَنَمَاءُ النَّقْدِ رِبْحٌ، وفَائِدةٌ وغَلَّةً
ووقع في نسخة ابن عبد السلام: ونماء المال؛ لأنه قال: إنما أضاف النماء إلى المال وهو أعم من العين، مع أن كلامه في زكاة العين؛ لأن الغلة لا تدخل تحت نماء العين، وإن دخل بعض أنواعها لم يدخل جميع أنواعها، كغلة الرقيق والدواب وغير ذلك.
قال: ثم جعل النماء جنساً لهذه الأنواع الثلاثة يوجب كونها غير جامعة؛ لأنها تدخل تحتها الفوائد التي يملكها الإنسان ابتداء؛ لأنها ليست نماء.
انتهى.
خليل: وقد يقال: إن النسخة التي قدمناها في متن كلام المصنف أرجح؛ لأن نسخة نماء النقد يرد عليها عدم دخول بعض الغلات وعدم دخول بعض الفوائد؛ أعني الفوائد المملوكة ابتداء كالموهوبة أو الموروثة، ونسخة نماء المال يرد عليها عدم دخول بعض الفوائد وعدم مساعدة السياق لها، فقد حصل في كل منهما اعتراضان ولا ترجيح.
ولكن يرد على نسخة نماء المال نتاج الماشية، ولا يرد على نماء النقد؛ لأنه يؤخذ من كلام المصنف أن النتاج ليس واحداً من الثلاثة؛ لأنه شبه الربح به فلا يكون ربحاً، ولو كان فائدة أو غلة لاستقبل به وليس كذلك، ووجه حصر نماء النقد في الثلاثة الاستقراء؛ لأنَّا استقرأناه فوجدناه منحصراً فيها.
وقال ابن عبد السلام: النماء: الزيادة، ثم لا يخلو إما أن يكون من جنس الأصل الذي يكثر به أو لا.
الثاني: الغلة، والأول لا يخلو إما أن يلزم من طريانه وحدوثه تغير الأصل أو لا.
والأول الربح، والثاني الفائدة، وفيه نظر؛ إذ يرد عليه ما أورده على [116/أ] المصنف، فإن قوله: إما أن يكون من جنس الأصل.
لا يصدق على الفوائد التي يملكها الإنسان ابتداء، وتقديره النماء بالزيادة حسن، فإنه يندفع به ما قاله ابن راشد.
الظاهر أنه أراد بالنماء، النماء الذي هو نقده، فأضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ كمسجد الجامع.
انتهى.
فَالرِّبْحُ يُزَكَّى لِحَوْلِ الأَصْلِ عَلَى الْمَعْرُوفِ كَالنَّتَاجِ لا كَالْفَوَائِدِ.
وَرُويَ فِي مَسْأَلَةٍ مَا لَوْ أَخَّرَ خَاصَّةً كَالْفَوَائِدِ، وَقِيلَ: كَالأَصْلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لاَ قَبْلَهُ.
يعني: أن الأرباح تزكى لحول أصلها، كان أصلها نصاباً أو لا؟ كما لو كان عنده دينار أقام عنده أحد عشر شهراً، ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهر بعشرين، فإنه يزكي الآن، وهذا هو المعروف.
وقوله: (كَالنَّتَاجِ) تشبيه إما لإفادة الحكم، وإما للاستدلال.
وقوله: (لا كَالْفَوَائِدِ) أي فلا يستقبل.
وقوله: (وَرُويَ) هو مقابل للمعروف، يعني أن ابن عبد الحكم روى عن مالك: فيمن كان عنده عشرون فحال حولها فلم يزكها حتى اشترى بها سلعة فباعها بعد حول آخر بأربعين، أنه يزكي العشرين للعامين ويستقبل بالريح، وهو تسعة عشر ونصف، وعلى المشهور يزكي عن أربعين بعد أن يزكي العشرين الأولى إن كان عنده عرض يساوي نصف دينار فأكثر، وإلا زكى عن تسعة وثلاثين ونصف.
وجعل المصنف الشاذ غير المعروف؛ لأن ابن المواز وسحنون أنكراه وقالا: ليس ذلك بقول مالك ولا أصحابه.
ابن راشد: وعجبت من إنكار ذلك، وقد قال ابن حبيب: اختلف في ذلك قول مالك.
وحكى صاحب اللباب عن أشهب وابن عبد الحكم أنهما حكيا ذلك عن مالك ولم يخصاه بمسألة التأخير.
انتهى.
وقوله: (كَالأَصْلِ) يعني أن في المسألة قولاً ثالثاً، وهو أن يضم إلى أصله من يوم الشراء لا من يوم ملك؛ لأنه حصل بسبب الشراء فلا يضاف لما قبل ذلك.
وَعَلَى الْمَشْهُورَ فِي تَقْديرِهِ مَوْجُوداً مَعَ مَالٍ أُنْفِقَ بَعْدَ أَنْ حِالَ حَوْلُه مَعَ أَصْلِهُ حِينَ الشِّرَاءِ، أَوْ حِينَ الحصول، أَوْ حِينَ الْحَوْلِ، ثَلاثَةٌ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، والمغيرةِ، كَذِي عَشَرَةٍ حالَ عَلَيهَا الْحَوْلِ، فَأَنْفَقَ خَمْسَةً ثَمَّ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ .......
يعني: وعلى المعروف من أن الربح يضم إلى أصله، اختلف في تقدير الربح موجوداً مع مال أنفق بعد أن حال حول المال المنفق مع أصل الربح على ثلاثة أقوال.
وقوله: (كَذِي عُشُرَةٍ ....) إلخ.
أي: كصاحب عشرة حال عليها الحول، فأنفق خمسة ثم اشترى سلعة باعها بخمسة عشر، أو اشترى قبل الإنفاق.
فذهب المغيرة إلى وجوب الزكاة في الوجهين؛ لأنه يقدر وجود الربح مع المنفق حين الحول فيزكى؛ لأنا إن قدرنا عشرة الربح موجودة حين الحول كان مالكاً للعشرين.
وقال أشهب بسقوطها في الوجهين؛ لأنه يقدر وجود الربح حين حصوله، وهذا إذ ذاك لم يحصل بيده إلا خمسة عشر.
وقال ابن القاسم بسقوطها في الوجه الأول ووجوبها في الثاني؛ لأنه يقدر وجود الربح حين الشراء، فإذا تقدم الإنفاق على الشراء لم يكن معه عشرون بخلاف العكس.
وقول ابن عبد السلام: وهذا البناء ليس بسديد؛ لأن المعروف أن نماء الأرباح على أصلها من غير نظر إلى يوم الشراء، فكيف يبنى عليه القول بعدم الضم، والقول بالضم من يوم الشراء فقط ليس بظاهر؛ لأن هنا مسألتان؛ إحداهما: ضم الأرباح إلى أصولها.
والثانية: ضم الأرباح إلى ما أنفق بعد أن حال حوله مع أصله.
فالمعروف إنما هو في الأولى دون الثانية، ألا ترى أنه لو باع بعشرين لاتفق ابن القاسم وأشهب والمغيرة على الزكاة.
وحاصل كلام المصنف: أن القائلين بأن الأرباح مضمومة إلى أصولها اختلفوا في ضم الربح وأصله إلى مال حال حوله مع الأصل، ولا منافاة في هذا الكلام، فإذاً كلام المصنف صحيح وبناؤه سديد، هكذا كان شيخنا رحمه الله تعالى يجيب.
وقد ذكر الباجي هذه المسألة بعينها وذكر فيها الأقوال الثلاثة ووجه الأقال بما ذكره المصنف، فيسقط الاعتراض المذكور بالكلية، واعترض عليه ابن راشد في قوله: ثم اشترى؛ إذ لا تتأتى الثلاثة معها.
قال: وإنما كان ينبغي أ، يقول: فلو اشترى وأنفق؛ لكون الواو لا تقتضي الترتيب.
وَفِي رِبْحِ سَلَفِ مَا لاَ عِوَضَ لَهُ عِنْدَه.
ثَالِثُهَا: إِنْ نَقَدَ شَيئَا مِنْ مَالِهِ مَعَه فَمِنَ الشِّرَاءِ وَإلّا اِسْتَقْبَلَ .....
صورة المسألة: رجل تسلف عشرين ديناراً، فاشترى بها سلعة أقامت حولاً ثم باعها بأربعين، ولم يكن عنده عوض للعشرين المتسلفة [116/ب].
والاتفاق أنه لا زكاة عليه في العشرين؛ لأنها عليه دين.
واختلف في زكاة الربح، فقال ابن القاسم: يزكي.
ورواه أشهب وعلي عن مالك، وسحنون عن ابن نافع؛ لأنه مالكٌ الأربعين عليه منها عشرون، وقال المغيرة: لا زكاة عليه فيها؛ لأنه إذا أسقطت الزكاة على أصل المال الذي أسند الربح إليه، فالربح أحرى.
وقال مطرف: إن نقد من ماله فيها ديناراً أو أقل، لم يختلف قول مالك أنه يزكي الربح، وتغلب الزكاة حينئذٍ، وإن لم ينقد شيئاً فكالقول الثاني.
وفِي رِبْحِ الْمُشْتَرَى بدَيْنِ يَمْلِكُ مِثلَهُ وَلَمْ يُنقّدْهُ ثَلاثَةٌ: الأَصْلُ، والشِّرَاءُ، وَالاسْتِقْبَالُ
كما لو كان عنده عشرون ديناراً، فاشترى بها سلعة على أن ينقدها، فلم ينقدها حتى حال الحول فباع السلعة بأربعين، فاختلف في عشرين الربح على ثلاثة أقوال: الأول: أنه
يزكي لحول الأصل، رواه ابن القاسم.
ابن بزيزة: وهو المشهور.
والقول الثاني: أنه يزكي من يوم الشراء، قاله ابن القاسم.
وإلى هذا رجع مالك، نقله صاحب النوادر.
والقول الثالث: يستقبل بالربح، رواه أشهب عن مالك، وهذه الصورة منطبقة على كلامه؛ إذ يصدق على العشرين أنها ربح مشترى بدين يملك مثله ولم ينقده، ولم يخالف هذا الفرع الذي قبله إلا بملكه مثله.
وقوله: (ثَلاثَةً) أي ثلاثة أقوال.
وَيُسْتَقْبَلُ بِالْفَوَائِدِ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَهِيَ مَا يُتَجدَّدُ لا عَنْ مَالٍ مُزَكَّى كَالْعَطَايَا وَالْمِيرَاثِ وَثَمَنِ سِلْعِ الْقِنْيَةِ ....
لما تكلم على الربح أتبعه بالكلام على الفوائد، ولا خلاف في الاستقبال بها.
واعلم أن الأموال الحادثة على ثلاثة أقسام، منها: ما حدث لا عن مال كالعطايا والميراث.
ومنها: ما حدث عن مال غير مزكى كثمن سلع القنية.
ومنها: ما حدث عن مال مزكى كثمن سلع التجارة.
وبقي المتجدد عن غير مال، والمتجدد من مال غير مزكى.
ووقع في بعض النسخ: وهو ماتجدد؛ أي: والمذكور كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: 67] أي مما ذكر.
وَتُضَمُّ أُولاهُمَا نَاقِصَةً إِلَى الثَّانِيَةِ اتِّفَاقاً
إذا استفاد فائدة بعد أخرى، فإما أن يكون كل منهما نصاباً أو ما دون النصاب، وإما أن تكون الأولى نصاباً والثانية دونه أو العكس، وضابط زكاتهما أن تقول: إن كانت الأولى نصاباً زكي كلُّ مالٍ على حوله ولم يُضم إلى الآخر، كانت الثانية نصاباً أو دونه، وإن كانت الأولى ناقصة تضم للثانية؛ كانت الثانية ناقصة أو كاملة.
وإلى هاتين الصورتين الأخيرتين أشار بقوله: (وَتُضَمُّ أُولاهُمَا نَاقِصَةً) وسيتكلم رحمه الله على الأولتين.
فَلَوْ ضَاعَتِ الأُولَى أَوْ أَنْفَقَهَا بَعْدَ حَوْلٍ ثُمَّ حَالَ حَوْلُ الثَّانِيَةِ نَاقِصَةٌ، فَفِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا قَوْلانِ لابْنِ الْقاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ حَوْلٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَأ أوْ لاَ ....
كما لو ملك عشرة في المحرم وعشرة في رجب، فحال حول المحرمية ثم أنفقها أو ضاعت، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب، فهل تسقط الزكاة عنهما أو لا؟ فقال ابن القاسم بالسقوط؟ لأنه يشترط اجتماعهما في الملك وكل الحول، ويلزم من اجتماعهما في الحول اجتماعهما في الملك، ولذلك اقتصر المصنف على ذكر الحول في منشأ الخلاف.
وقال أشهب بوجوب الزكاة فيهما؛ لأنه إنما يشترط اجتماعهما في الملك وبعض الحول؛ لأن أشهب يرى أن زكاة كل فائدة على حولها، وإنما أخرت زكاة الأولى خشية ألا تبقى الثانية، فإذا تبين البقاء زكيتا.
واحترز بقوله: (ضَاعَتِ الأُولَى) مما إذا ضاعت الثانية، فإنهما يتفقان على سقوط الزكاة، و (بَعْدَ حَوْلٍ) مما إذا كان ذلك قبل حولها، فإنه لا خلاف في سقوط الزكاة؛ لفقدان الحول، وبنقصان الثانية مما إذا حال حول الثانية كاملة، فإنهما يتفقان حينئذٍ على وجوب الزكاة في الثانية ويختلفان في الأولى، وبهذه الفوائد يظهر أن قول ابن عبد السلام: تقييد المؤلف الثانية بالنقص مستغنى عنه؛ لأن كلامه في زكاة الأولى والثانية معاً.
ليس بظاهر؛ لبيان ما احترز عنه.
فَإِنْ كَانَتِ الأُولَى كَامِلَةً زُكِّيَتَا عَلَى حَوْلَيْهِمَا، فَإِنْ نَقَصَتِ الأُولَى قَبْلَ حَوْلِهَا فَكَالنَّاقِصَةِ ....
قوله: (كَانَتِ الأُولَى كَامِلَةً) أي: سواء كانت الثانية كاملة أو ناقصة، وهما الصورتان الأوليان من الأربع صور المتقدمة.
وقوله: (فَإِنْ نَقَصَتِ الأُولَى) كما لو كانت عشرين ثم صارت عشرة (فَكَالنَّاقِصَةِ).
فَلَوْ حَالَ حَوْلُ الأُولَى ثَانِياً نَاقِصَةً وَفِيهَا مَعَ [117/ أ] الثَّانِيَةِ نِصَابٌ، فَالْمَشْهُورُ بَقَاؤُهَا لا انْتِقَالُهَا إِلَى الثَّانِيَةِ ....
يعني: لو حال حول الفائدة الأولى في ثاني عام ناقصة بعد أن حال حول الأولى وهي كاملة، وجبت فيها الزكاة، فالمشهور أن كل فائدة تزكى على حولها، فلا تنقل الأولى إلى الثانية؛ لأن حولها قد تقرر بوجوب الزكاة فيها، والشاذ لابن مسلمة تنتقل كما لو نقصت بعد حولها.
خليل: وهو الظاهر خلافاً لما رجح ابن راشد وابن عبد السلام؛ لأنا إذا لم نقل بانتقال الأولى إلى الثانية لزم أحد أمرين: إما زكاة دون النصاب، أو زكاة مال قبل حوله، وكلاهما لا يصح؛ لأنهما إما أن يقولا بزكاة الفائدة الأولى مع قطع النظر إلى الثانية أو لا.
فإن قالوا بها مع قطع النظر لزم زكاة دون النصاب، وإن قالوا بها لا مع قطع النظر لزم تزكية المال قبل حوله؛ إذ الفرض أن الثانية لم يحل حولها.
والله أعلم.
وَعَليْهِ لَوْ نَقَصَتَا مَعاً عن نِصَابٍ ثُمَّ رَبِحَ فِيهِمَ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا مَا يُكَمِّلُ بِهِ عِنْدَ حَوْلِ الأُولَى، رَجَعَ كُلُّ مَالٍ إِلى حَوْلِهِ وَقَبَضَ الرِّبْحَ إِنْ كَانَ فِيهِمَا، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ فَمِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى حَوْلِهِمَا، فَلَوْ كَانَ عِنْدَ حَوْلِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ رَجَعَتَا مَعاً مِنْهُ .....
أي: وعلى المشهور لو نقص مجموع الفائدتين عن نصاب فتجر في إحداهما، إما الأولى أو الثانية، فربح ما يكمل به النصاب عند حول الأولى، فإن كل مال يبقى على حوله؛ لأن كل مال مضموم إلى أصله.
وإن كان التَّجْرُ فيهما معاً فكذلك، وفض ربحهما بالنسبة ليزكي ربح كل فائدة معها.
كما لو بقيت كل واحدة منهما خمسة وتجر فيهما فصارتا عشرين.
واعلم أن كمال النصاب في هذه المسألأة له خمس حالات: تارة قبل حول الأولى، وتارة عند حول الأولى، وتارة بين حول الأولى والثانية، وإليه أشار بقوله: (فَلَوْ كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ فَمِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى حَوْلِهِمَا)، وتارة بعد حول الثانية، وتارة عنده، وإليهما أشار بقوله: (فَلَوْ كَانَ عِنْدَ حَوْلِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ رَجَعَتَا مَعاً مِنْهُ)، والضمير في كان عائد على النصاب.
وَلَوْ كَان بِيَدِه خَمْسَةٌ مَحْرَمِيَّةٌ ثُمَّ خَمْسَةٌ رَجَبِيَّةٌ فَتَجِرَ فِيهِمَا فَصَارَتَا أَرْبَعِينَ فِي الْمُحَرَّمِ فَضَّ الرِّبْحُ، فَيُزَكّي عِشْرِينَ فِي الْمُحَرَّمِ وَعِشْرِينَ فِي رَجَبٍ ...
يعني: أفاد خمسة محرمية ثم خمسة رجبية، فتجر فيهما فصارتا أربعين في محرم السنة الثانية، فإنه يفض الربح عليهما، فتكون كل واحدة بربحها عشرين، فتزكى المحرمية في المحرم وينتظر بالرجبية حولها.
فرع:
أما لو تجر بخمسة منهما ولم يدر هل من الأولى أو من الثانية، فإنه يضم الأولى إلى الثانية، قاله ابن راشد.
زاد ابن عبد السلام: ولو خلط الخمستين ثم أخذ منهما خمسة، فتجر فيها، فلا زكاة حتى تبلغ بربحها أربعين، فيزكي عشرين في المحرم وعشرين في رجب، إن كان أنفق الخمسة التي لم يتجر فيها قبل نضوض ربح هذه السلعة.
وَالْمَضْمُومَتَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّالِثَةِ كَالأُولَى بالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ
يعني: أن الفوائد إذا تعددت فكانت ثلاثاً، فإن كانت الأولى نصاباً بقي كل مال على حوله، وإن كانت دون النصاب ضمت إلى الثانية ثم صارت هاتان المضمومتان كالفائدة الواحدة أولاً وتصير الثالثة كالثانية، فإن حصل من مجموع الأولى والثانية نصاباً كانا على حول الثانية والثالثة على حولها، وإلا ضم الجميع وزكي إن كان فيه نصاب، وقس على هذا فيما زاد.