فضيلة، والذي حكاه ابن محرز وابن يونس وصاحب اللباب: السنية.
قال ابن عطاء الله: وهو المشهور، نعم استقرأ ابن الكاتب الفضيلة من قوله: كان مالك يستحب إذا قرأها في آيات الصلاة ألا يدع سجودها.
ابن محرز ولا دليل له على ذلك؛ لأن السنة يطلق عليها المستحب والأشبه بمذهب الكتاب السنية؛ لأنه قال: يسجدها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر فجعلها منزلة الجنازة ورفعها عن النوافل.
وهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً: الأَعْرَافُ، والرَّعْدُ، والنَّحْلُ: [102/أ] ﴿يُؤْمَرُونَ﴾، وسُبْحَانَ، ومَرْيَمُ، وأَوَّلُ الْحَجِّ، والْفُرْقَانُ، والنَّمْلُ: ﴿الْعَظِيمِ﴾، والسَّجْدَةُ، وص: ﴿وَأَنَابَ﴾، وقِيلَ: ﴿مَآبٍ﴾، وفُصِّلَتْ: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: ﴿يَسْئَمُونَ﴾.
قَالَ ابْنُ وَهْبِ وابْنُ حَبيبِ: خَمْسَ عَشْرَةَ: ثَانِيَةُ الْحَجِّ، والنَّجْمُ، والانشِقَاقُ: آخِرُهَا، وقِيلَ: ﴿لا يَسْجُدُونَِ﴾، واقْرَا.
ورُويَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ ثَانِيَةِ الْحَجِّ.
فَقِيلَ: اخْتِلافٌ.
وقالَ حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْجَمِيعُ سَجَدَاتٌ، والإِحْدَى عَشْرَةَ الْعَزَائِمُ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ.
قال عبد الوهاب: الرواية المشهورة هي أن السجود في أحد عشر موضعاً.
وقوله: (ورُوِيَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ ثَانِيَةِ الْحَجٌ).
وقوله: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) هما قولان
مقابلان للمشهور.
وبعدم السجود في المفصل قال ابن عمر وابن عباس، وابن المسيب، وغيرهم.
وفي أبي داود عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
وفي حديث زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم ولم يسجد.
اللخمي وغيره: والاعتراض بهذين الحديثين لا يصح.
أما حديث ابن عباس فقد لا يثبت لأنه لم يشهد جميع إقامته صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وإنما كان قدومه سنة ثمان بعد الفتح، ومعارض بحديث أبي هريرة وانه سجد في الانشقاق، والأخذ به أولى لأنه أسلم عام خيبر بعد الهجرة، ولصحة سنده، ولأن من أثبت أولى ممن نفي.
والنسخ لا يصح إلا بأمر لا شك فيه مع تأخير الناسخ، ولو ثبت التأخير لأمكن أن يكون ذلك في غير وقت صلاة، أو لكون القارئ لم يسجد.
وقال صاحب التهذيب: حديث ابن عباس عندي حديث منكر، يرده حديث أبي هريرة، ولم يصحبه أبو هريرة إلا بالمدينة.
اللخمي: وإثبات ثانية الحج ليس بحسن؛ لأن المفهوم: والمراد بها الركوع والسجود.
قال: وإثبات الثلاث التي في المفصل أحسن لحديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ خرجه البخاري ومسلم.
وزاد مسلم عنه أنه قال: "في ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
سجدت فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه سجد بمكة في النجم.
انتهى بمعناه.
وأمر عمر بن عبد العزيز بالسجود في الانشقاق.
قال مالك: وليس العمل عليه.
ونقل عن الأبهري أنه خير في السجود في المفصل.
قال اللخمي: ولمالك في المبسوط نحوه.
وقوله: (الأَعْرَافُ) إلى آخره، اكتفى رحمه الله في ذكر السجدة الواحدة التي لا خلاف فيها بذكر السورة، وإن كان في المحل إشكال أو خلاف مذهبي أو خارجي ذكره.
فالأولى: كـ: ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ لأن ظاهر الأمر عند من لا يعرف طلب السجود عند ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لكنهم راعوا- والله أعلم- إتمام الكلام لأن ﴿يَخَافُونَ﴾ حال من ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
والثاني: كصاد وفصلت فإن فيهما خلافاً مذهبياً، وكالنمل فإن الشافعي رأي أن السجدة عند ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وروى أهل المذهب أن قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ كالمتمم لقوله: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾، وكان الكلام تاماً بتأخره، فإن قيل: لِمَ لَمْ يَعتبروا آخر الكلام في صاد كما في النحل والنمل، فإن المشهور على ما قاله المصنف أن سجودها أولاً.
قيل: لأن قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ كالجزاء على السجود، فكان بعد السجود فوجب تقديم السجود عليه، وكذلك فصلت لأن قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي﴾، إلى قوله: ﴿تَعْبُدُونَ﴾، طلب للسجود.
وقوله بعد ذلك: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ إلى آخره؛ ذم لمن لم يسجد استكباراً، وإنما يكون ذماً إذا مضى محل السجود.
وما قدمه المصنف في صاد ذكر صاحب اللباب، وصاحب الذخيرة أنه المذهب.
وهو الذي يؤخذ من الرسالة لتصديره به، وعطفه عليه بقيل.
والقول بأن السجود عند ﴿لاَ يَسْئَمُونَ﴾، لابن وهب، وحماد- وهو أخو القاضي إسماعيل- قاله المازري.
وإلى طريقة من حمل الرواية على الوفاق ذهب عبد الوهاب، وجمهور الأصحاب على حملها على الخلاف.
ويَسْجُدُ الْقَارِئُ وقَاصِدُ الاسْتِمَاعِ إِنْ كَانَ الْقَارِئُ صَالِحاً لِلإِمَامَةِ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْقَارِئُ فَفِي الْمُسْتَمِعِ قَوْلانِ ...
أي: إنما يسجد من قصد الاستماع لا السامع.
ابن عبد السلام: وهذه التفرقة مروية في الصحيح عن سلمان، وعثمان، وغيرهما.
وقوله: (إِنْ كَانَ الْقَارِئُ صَالِحاً لِلإِمَامَةِ) أي: يكون ذكراً بالغاً متوضئاً، فإن كان القارئ امرأة أو غير بالغ لم يسجد بقراءته.
وعلى القول بإجازة [102/ب] إمامة الصبي في النافلة، ينبغي أن يسجد.
واختلف إذا كان على غير وضوء أو كان ولم يسجد، وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ تَرَكَهُ الْقَارِئُ فَفِي الْمُسْتَمِعِ قَوْلانِ) والمشهور الأمر لأن كباَ منهما مأمور، فليس ترك القارئ بالذي يسقطه عن المستمع.
وقال ابن حبيب: لا يسجد.
وصوبه ابن يونس وغيره، لقوله
عليه الصلاة والسلام لقارئ لم يسجد: "كنت إماماً، فلو سجدت لسجدنا"، وقال بعض الشافعية: إنما تركه صلى الله عليه وسلم لينبه القارئ على أنه أخطأ بتركه، وأنه هو كان المأمور به أولاً، وهو غير واجب على المستمع فلا يبعد تركه لقصد البيان، وفي المسألة قول ثالث بالتخيير لأشهب.
ونقل عياض: إذا جلس ليسمع الناس حسن قراءته، وفعل هذا المكروه وسجد أو لم يسجد، خلاف في سجود مستمعه.
اللخمي: وأرى أن يسجد لأن الظاهر أنه في طاعة، والسرائر إلى الله تعالى.
ونص مالك أنه لا يجلس إليه قال: وإن جلس إليه، وعلم أنه يريد قراءة سجدة، فليقم عنه.
وقسم في البيان الجلوس إلى القارئ على ثلاثة أقسام:
أحدها: أنه يجلس إليه للتعليم، فهذا جائز أن يجلس إليه ويسجد لسجوده، واختلف إذا لم يسجد القارئ، هل يسجد السامع؟ فذكر القولين، قال: واختلف في المقرئ الذي يقرأ القرآن، فقيل: إنه يسجد لسجود القارئ إذا كان بالغاً في أول ما يمر بسجدة، وليس عليه السجود فيما بعد ذلك.
وقيل: ليس عليه السجود بحال.
والثاني: أن يجلسوا إليه ليسمعوا قراءته ابتغاء الثواب من الله تعالى في استماع القرآن، فهذا جائز أن يجلسوا إليه، ويختلف هل يسجدون بسجوده إذا مر بسجدة؟ ففي العتبية: لا يسجدون، وقال ابن حبيب: يسجدون غلا أن يكون ممن لا يصح أن يؤتم به من صبي أو امرأة.
والذي في المدونة محتمل للتأويل، والأظهر منها أنهم لا يسجدون بسجوده.
والثالث: أن يجلسوا إليه لأن يسجدوا بسجوده، فهذا يكره أن يجلسوا إليه، وأن يسجدوا بسجوده؛ وهو نص المدونة، ومعنى العتبية، وزاد فيها ونهى عن ذلك.
انتهى بمعناه.
قال في المدونة: ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس وغيره لقراءة القرآن.
وما ذكره من تقسيم المسألة على ثلاثة أقسام، خالف في ذلك طريق الأكثر فإنهم قالوا: متى لم يجلس للتعليم فلا يسجد، سجد القارئ أم لا.
ولم يفرقوا بين أن يقصد الثواب أم
لا، ذكره في التنبيهات.
وقال المازري: إذا قرأ آية سجدة بعدما سجد فإنه يسجد عندنا وعند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يسجد.
قال: وهذا الذي ذكرته من تكرار السجود هو أصل المذهب عندي إلا أن يكون القارئ ممن يتكرر ذلك علي غالباً كالمعلم والمتعلم، ففيه قولان: إذا كانا بالغين، قال مالك وابن القاسم: يسجدان أول مرة لا غير.
وقال أصبغ وابن عبد الحكم: لا سجود عليهما ولا في أول مرة.
وأما قارئ القرآن فإنه يسجد جميع سجداته.
ويَسْجُدُ الْمُصَلِّي فِي النَّفْلِ مُطْلَقَاً.
وقِيلَ: إِنْ أَمِنَ التَّخْلِيطَ.
وفِي الْفَرْضِ تُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ جَهْراً أَوْ سِرّاً، فَإِنْ قَرَأَ فَقَوْلانِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا عَزَمَ جَهْرَ لِيُعْلِمَ فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ وسَجَدَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُتْبَعُ.
وقالَ سَحْنُونٌ: لا يُتْبَعُ لاحْتِمَالِ السَّهْوِ ...
قال ابن بشير وابن شاس: وهل تجوز قراءة السورة التي فيها السجدة؟ فأما صلاة النافلة فلم يختلف المذهب في جواز ذلك.
وهذا إذا كان فذاً أو في جماعة يأمن التخليط فظاهر، وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص أيضاً جوازه، لما ثبت في فعل الأولين في قراءة السجدة في قيام رمضان.
انتهى.
ومفهوم قوله في الجلاب: ولا بأس بقراءة السجدة في النافلة والمكتوبة إذا لم يخف أن يخلط على من خلفه عدم الجواز مع عدم أمن التخليط.
والمشهور الكراهة في الفريضة مطلقاً لأنه إذا قرأها فإن لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد زاد في أعداد سجود الفريضة.
ومقابل المشهور بالجواز رواية ابن وهب عن مالك.
وصوبه ابن يونس واللخمي وابن بشير وغيرهم.
ابن بشير لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يداوم على قراءة السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح.
وعلى ذلك يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم.
انتهى.
قوله: (فَإِنْ قَرَأَ فَقَوْلانِ) السجود وهو المشهور، وعليه فإذا كانت صلاتهم سرية جهر ليعلم الناس، فإن لم يجهر وسجد فقال ابن القاسم: يتبع لأن الأصل عدم السهو.
وقال سحنون: لا يتبع لأن أكثر الناس لا يقرؤونها في الفريضة، وإذا قرأ بها جهراً كان الغالب عليه السهو.
فرع:
قال أشهب: ولا يقرأ الخطيب [103/أ] سجدة على المنبر.
وكأنه رأى أن النزول للسجدة يؤثر في نظام الخطبة، فإن قرأها فقال أشهب: ينزل ويسجد مع الناس، وإن لم يفعل فليسجدوا، ولهم في الترك سعة.
وينبغي أن يعيد قراءتها في الصلاة ويسجد.
وقال مالك في المجموعة: لا ينزل ولا يسجد، وإن العمل على آخر فعل عمر في تركه السجود.
وقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا.
وشُرُطُهَا كَالصَّلاةِ إِلا الإِحْرَامَ والسَّلامَ، وفِي التَّكْبِيرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاةٍ: ثَالِثُهَا: خَيَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ....
تصوره واضح.
قال ابن وهب: يسلم منها.
والظاهر أن الاستثناء في قوله: (إِلا الإِحْرَامَ والسَّلامَ) منقطع.
خليل: وفي النفس من عدم الإحرام والسلام شيء.
وقوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاةِ).
أي؛ إن كان في صلاة كبر في خفضه ورفعه اتفاقاً كسائر الالتفاتات في الصلاة.
والثلاثة الأقوال في المدونة.
قال ابن القاسم: وكل ذلك واسع.
وفي الرسالة رابع: يكبر في خفضها.
وفي التكبير في الرفع منها سعة.
والذي رجع إليه مالك التكبير، واختاره ابن يونس.
فرع:
إذا قرأ الماشي السجدة سجد، وينزل الراكب إلا في سفر القصر؛ قاله في الواضحة.
ولَوْ جَاوَزَهَا بِيَسِيرٍ سَجَدَ، وبكَثِيرٍ يُعِيدُ قِرَاءَتَهَا ويَسْجُدُ.
وفِيهَا: إِنْ رَفَعَ الْمُصَلِّي رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي فَرْضٍ لَمْ يُعِدْ.
ورَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: يَعُودُ فِي الثَّانِيَةِ، ويَسْجُدُ ....
واليسير مثل أن يقرأ الآية والآيتين.
ابن عبد السلام: وهذا بين؛ لأن ما قارب الشيء يعطَى حكمُه.
وقوله: (وبِكَثِيرٍ يُعِيدُ قِرَاءَتَهَا ويَسْجُدُ) زاد في الجواهر بعد قوله: (ويَسْجُدُ) ثم يعود إلى حيث انتهى في القراءة.
وقوله: (وفِيهَا: إِنْ رَفَعَ ...) إلى آخره.
اين عبد السلام: الموجب لذكر هذه المسألة رواية ابن حبيب، وإلا فسيذكر أنها تفوت بوضع اليدين على الركبتين.
وفِي النَّافِلَةِ يَعُودُ
أي: وإن ذكر بعد رفع رأسه من الركوع في النافلة عاد إلى قراءتها وسجد.
ابن عبد السلام: وهو استحسان.
والأصل أن محلها قد فات إلا أن يريد قراءتها إن شاء لأن ذلك سائغ في النافلة.
انتهى.
وإذا قلنا أنه يعود إليها فهل قبل الفاتحة أو بعدها؟ قولان، أشار إليهما بقوله:
وفِي فِعْلِهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةٍ أَوْ قَبْلَهُا قَوْلانٍ، فَإِنْ ذَكَرَ رَاكِعاًَ فَكَذَلِكَ، وقِيلَ: يَخِرُّ سَاجِداً.
القول بأنه يعيدها قبل الفاتحة لأبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن المانع من الإتيان بها إنما هو فوت القيام، وقد وجد فلا معنى للتأخير، والقول بأنه يعيدها بعد الفاتحة لابن أبي زيد، لأنها قراءة فتشرع بعد الفاتحة كغيرها.
وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَهَا رَاكِعاً فَكَذَلِكَ) يريد: وإن ذكر في النافلة بعد وضع اليدين على الركبتين فكذلك؛ أي: هو بمنزلة ما لو ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع فيمضي على ركوعه، ويقرأها في الثانية.
وهذا القول نقله اللخمي عن مالك في العتبية، وتأوله ابن يونس على المدونة، ويريد تأويله أنه نص
فيها على الفوات إذا ذكر وهو راكع في الثانية.
وقوله: (وقِيلَ: يَخِرُّ) أي: إذا ذكر راكعاً، وهذا القول لأشهب.
زاد اللخمي وصاحب الجواهر عنه: ويسجد إذا حصل له ذلك في الثانية، ولو ذكر وهو جالس قبل أن يسلم أو بعد السلام سجد.
وبنى التونسي وابن بشير الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في عقد الركعة، وأبى ذلك عبد الحق وابن يونس وقالا: بل ابن القاسم جعل وضع اليدين على الركبتين تنعقد به الركعة في أربعة مسائل منها هذه، وقد تقدم التنبيه عليها.
وعلى هذا فيكون كلامه هنا عائد إلى مسألة النافلة، وقول ابن عبد السلام المتقدم والموجب لذكر هذه المسألة رواية ابن حبيب إلى آخره يدل على أنه جعل هذه المسألة عائدة إلى الفريضة، لكن لم أر المسألة في كتب الأصحاب إلا على الوجه الأول.
ولَوْ قَصَدَ السُّجُودَ فَرَكَعَ نَاسِياً، فَقَالَ مَالِكٌ: يَعْتَدُّ بِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً رَفَعَ لِرَكْعَتِهِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَعْتَدُّ بِهِ فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً خَرَّ، فَإِنْ رَفَعَ سَاهِياً لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ بنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ إلَى الأَرْكَانِ مَقْصُودَةٌ أَوَّلاً، وعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ أَطَالَ الرُّكُوعَ أَوْ رَكَعَ أَوْ رَفَعَ سَاهَياً سَجَدَ بَعْدَ السَّلامِ.
وعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ قَوْلانِِ
يعني: إذا قصد سجود التلاوة فلما وصل إلى الركوع نسي.
وقول ابن القاسم منصوص في العتبية والواضحة.
وقول مالك في المجموعة، ورواه أشهب في العتبية.
وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً رَفَعَ لِرَكْعَتِهِ)، من تمام قول مالك.
وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً خَرَّ)؛ من تمام قول ابن القاسم، وكذلك قوله: (فَإِنْ رَفَعَ سَاهِياً لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ).
تنبيهات:
أحدها: ما وقع بعد قوله: (فَإِنْ رَفَعَ سَاهِياً لَمْ يَعْتَدَّ بهِ) زيادة على المشهور وليست صحيحة، لأنها ليست قول مالك.
ثانيها: [103/ب] جعل الأول من التعليل للثاني من القولين عكس غالب اصطلاحه.
ثالثها: تأول الشيخ أبو محمد قوله: فركع ساهياً على أن المراد منها عن السجدة وقصد الركعة، وأما لو خر للسجدة فلا يجزئه ذلك الركوع؛ لأنه نوى بانحطاطه ما ليس بفرض، إلا على قول من يرى أنه إذا ظن أنه في نافلة فصلى ركعة أنه يجزئه.
ابن يونس: وعلى هذا التأويل يكون وفاقاً لابن القاسم قال: وظهر في الإجزاء على قول مالك؛ وإن انحط للسجدة فلا تضره النية لانعقادها من أول الفريضة، وليس عليه تجديدها في كل ركعة.
وهل يسجد أم لا؟ أما على قول ابن القاسم فليسجد بعد السلام إن طال ركوعه، أو رفع ساهياً لتحقيق الزيادة والطول هو الطمأنينة فما فوقها.
واختلف على قول مالك، والظاهر سقوطه لعدم الزيادة؛ قاله المغيرة.
والثاني: أنه يسجد بعد السلام؛ قاله مالك في المجموعة، لأنه أخل بنية الانحطاط فكان حقه قبل، لكن لما ضعف مدرك السجود أخر، كذا قال المازري.
فرع:
قال مالك في المجموعة: ولو سجد في آية قبلها يظنها السجدة فليقرأ السجدة في باقي صلاته، ويسجد لها ويسجد بعد السلام.
ويُكْرَهُ سُجُودُ الشُّكْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ
وجه المشهور العمل؛ ولهذا لما قيل لمالك في العتبية أن أبا بكر الصديق فيما يذكر سجد بعد فتح اليمامة شكراً، قال: ما سمعت ذلك.
وأنا أرى أنهم كذبوا على أبي بكر في هذا الضلال.
وقد فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، فما سمعت أن أحداً منهم سجد.
انتهى.
والشاذ رواه ابن القصار عن مالك وبه قال ابن حبيب.
اللخمي: وهو الصواب لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجدة ص: "سجدها داود توبة، وأسجدها شكراً".
وحديث أبي بكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم أمر سره فخر ساجداً.
ذكره الترمذي.
وحديث كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله عليه خر ساجداً.
أخرجه البخاري.
انتهى.
فرع:
كره في المدونة الاقتصار على قراءة السجدة مجردة عما قبلها وما بعدها، واختلف الأشياخ فحملها بعضهم على أن المراد نفس السجدة دون جملة الآية التي هي منها.
وحملها بعضهم على أن المراد به جملة آية السجدة.
المازري: وهو الأشبه لأنه لا فرق بين قراءة كلمة السجدة أو جملة الآية.
الْجَنَائِزُ: وتَوْجِيهُ الْمُحْتَضِرِ إِلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَحَبُّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ عَلَى الأَصَحِّ
الجنازة بفتح الجيم وكسرها، للميت والسرير، وقيل: للميت بالفتح، وللسرير بالكسر، الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل.
والاستحباب رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك، والكراهة رواها ابن القاسم أيضاً في المجموعة قال: وما علمته من الأمر القديم.
قال ابن حبيب: إنما كره استناناً.
وروي عن ابن المسيب إنكاره حتى قيل لما أغمي عليه: فلما أفاق قال لبنيه: ليهنني مضجعي ما دمت بين أظهركم، لا أبالي على أي جهة مت إذا مت مسلماً.
وزاد: (غَيْرُ مَكْرُوهٍ) ليعلم أن مقابل الأصح الكراهة.
ابن حبيب: ولا أحب أن يوجه إلا أن يغلب ويعاين وذلك عند إحداد نظره، وشخوص بصره.
وكَذَلِكَ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَه
أي: ويستحب.
وتبع المصنف في هذا ابن بشير، وإنما هو قول ابن حبيب.
وقال: إنما كره مالك ذلك استناناً.
والكراهة لمالك في رواية أشهب.
واحتج على ذلك بأن عمل
السلف اتصل على ترك ذلك.
وذكر ذلك صاحب البيان وغيره، وصاحب الرسالة فقال: وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمراً معمولاً به.
انتهى.
وهذا هو الظاهر، وفي حمل ابن حبيب نظر، إذ ليس لنا أن نرتب الأسباب والمسببات، وما حده الشرع وقفنا عنده، وما أطلقه ولم يخصه بسبب أطلقناه، وما تركه السلف تركناه وإن كان أصله مشهوداً له بالمشروعية كهذه القراءة.
وللشرع حكمة في الفعل والترك، وتخصيص بعض الأحوال بالترك كالنهي عن القراءة في الركوع، وطلبها في القيام، فتمسك بهذه القاعدة الجليلة؛ فإنها دستور للمتمسك بالسنة، وقاعدة مالك والله أعلم.
وكَيْفِيَّةُ التَّوْجِيهِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي صَلاةٍ الْمَرِيضِ
أي: في تقديم الأيمن وإلا استلقى على ما تقدم، وأما بين الأيسر والأيمن فبعيد.
ويُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ الشَّهَادَةَ، وتَغْمِيضُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ
لقوله عليه الصلاة والسلام: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله".
أخرجه مسلم، والترمذي.
ولقوله عليه الصلاة والسلام: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
رواه أبو داود، والترمذي.
وقال عبد الحق فيه: حسن صحيح.
وظاهره الاقتصار على لا إله إلا الله.
وقال بعضهم: تلقين الشهادتين.
ابن الفاكهاني: ومراد الشارع والأصحاب الشهادتان معاً، واكتفى بذكر إحداهما.
ووقع في بعض [104/أ] النسخ الشهادتين.
وإذا قالها مرة ثم تكلم أعيد تلقينه وإلا ترك لأن القصد أن يكون آخر كلامه.
قالوا: ولا يقال له: قل بل يقال عنده لا إله إلا الله، ويستحب تغميضه إذا قضى لا قبل ذلك، وتمد رجلاه، وتلين مفاصله برفق لئلا يبقى مشوه الخلقة.
قال مالك في المختصر: ولا بأس أن
تغمضه الحائض والجنب.
قال ابن حبيب: يستحب ألا يجلس عنده إلا أفضل أهله وأحسنهم هدياً وقولاً، ولا يكون عليه وقربه ثوب غير طاهر، ولا تحضره الحائض والكافر.
وفي اللخمي: تجتنبه الحائض والجنب.
واختلف في ذلك والمنع أولى لما روي أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب.
ابن حبيب: ويستحب أن يقال عنده ﴿وسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ* والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾، ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
ويقال عند إغماضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقائك واجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه.
وإِذَا رُجِيَ الْوَلَدُ فَفِي جَوَازِ بَقْرِ الْبَطْنِ قَوْلانِ
المشهور: لا يبقر.
وقال أشهب وسحنون وأصبغ: يبقر إذا تيقن حياته، قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلاً مبقوراً على رمكة مبقورة.
وحمل عبد الوهاب قول سحنون على أنه تفسير لقول ابن القاسم.
قال: وإنما قال ذلك ابن القاسم إذا لم تتيقن حياته.
تنبيه:
وهذا الخلاف حيث يتعذر على النساء إخراج الولد من مخرجه، وأما إن أمكن ذلك بعلاج فحسن؛ قاله مالك في المبسوط.
وكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي بَطْنِهِ مَالٌ لَهُ بَالٌ بِبَيِّنَةٍ
أي: فيختلف فيه.
قال ابن القاسم، وأصبغ، وسحنون: يبقر إذا كان فيه دنانير.
قال ابن القاسم: وكذلك إذ ابتلع جوهرة نفيسة أو وديعة.
وقال ابن حبيب: لا يبقر.
ولو كانت جوهرة تساوي ألف دينار.
قال شيخنا رحمه الله: ينبغي أن يكون الخلاف إذا ابتلعه لقصد صحيح.
وأما إن قصد قصداً مذموماً فينبغي أن يبقر لأنه كالغاضب، وقيد ابن
بشير الخلاف في الوديعة بما إذا كان له مال يؤدي منه قال: وإلا فلا ينبغي أن يختلف في وجوب استخراجه.
انتهى.
وقال ابن القاسم هنا بالبقر دون الأول لتحقق المال هنا بخلاف حياة الجنين فإنها موهومة.
والبقر مقيد كما قال المصنف بما إذا قامت له البينة بابتلاعه، ولو شهد بذلك عدل فأجراه أبو عمران على الخلاف في القصاص في الجراح بشاهد واحد.
ابن يونس: والصواب البقر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، والميت لا يملك ذلك.
وخُرِّجَ الْمُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ مَيْتَةِ الآدَمِيِّ عَلَى ذَلِكَ
أكثر نصوصهم أن المضطر لا يأكل ميتة الآدمي، ومنهم من أجازه.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر.
وخرج الجواز على القول بجواز البقر، والجواز هنا أولى لأن حياة الآدمي محققة بخلاف الجنين.
لكن هنا إذهاب جزء من الآدمي وليس في البقر إلا الشق، فينظر هل ذهاب الجزء مع تحقق الحياة يوازي الشق مع عدم تحقق الحياة؟
وغُسْلُ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ عَلَى الأَصَحِّ
الأصح قول عبد الوهاب، وابن محرز، وابن عبد البر.
وحكى ابن أبي زيد وابن الجلاب، وابن يونس: ابن بزيزة: وهو المشهور.
وسبب الخلاف قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم عطية: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكتر إن رأيتن ذلك" هل معناه رأيتن الغسل أو الزيادة.
المازري: وهذا على اختلاف الأصوليين في الاستثناء، والشرط إذا تعقب الجمل، هل يرجع إلى الجميع أو إلى الأقرب.
خليل: وعود التخيير إلى نفس الغسل بعيد جداً، وفي الغسل فوائد منها إكرام الملكين، ومنها تنبيه العبيد على أن المولى أكرمهم أحياء وأمواتاً، ومنها أن يعلموا أن من تأهب للقدوم على مولاه أنه لا يقدم إلا طاهر القلب من المعاصي متفرغاً مما سوى الله تعالى،
لأنه إذا اعتنى المولى بتطهير جسد فإن في التراب تنبه العبد إلى ما هو باق؛ وهو النفس.
ومنها إعلام العبد بالاعتناء به لأنه إذا اعتنى بتطهير الجسد الفاني فلأن يعتني بتطهير النفس من باب أولى.
فنسأله عز وجل أن يطهر قلوبنا من رعونات البشر وأن يفرغها من غيره.
ويملأها من ذكره، وأن يقدمنا عليه وهو راض عنا.
ولا يُغَسَّلُ مَنْ لا يُصَلِّي عَلَيْهِ لِنَقْصٍ أَوْ كَمَالٍ، ومَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ كَعَدَمِ المْاءِ، وتَقْطِيعِ الْجَسَدِ، وكَرَجُلٍ مَعَ نِسَاءٍ غَيْرِ مَحَارِمَ
سيأتي من لا يغسل لنقص أو كمال.
وجعل تعذر الغسل من ثلاثة أوجه.
وهو ظاهر.
وفِي الْمَحَارِمِ قَوْلانِ، وعَلَى غُسْلِهِنُّ فَفِي كَوْنِهِ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ أَوْ مِنْ تَحْتِهِ قَوْلانِ
المشهور أن ذوات المحارم يغسلنه.
وقال أشهب: ييممنه فقط.
وقوله: (في كَوْنِهِ .....) إلخ؛ قال في المدونة: يغسلنه.
ولم يشترط من فوق ثوب.
زاد في المختصر: وتستر عورته.
وقال ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية: إنما يغسلنه من فوق ثوب.
كما قال في المدونة في غسل الرجل ذات محارمه: ولم أر القول بأنها تغسله [104/ ب] من تحت ثوب منصوصاً، نعم خرجه صاحب التنبيهات على قول ابن حبيب في عكس هذه المسألة وسيأتي.
وأَمَّا صَغِيرٌ لا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فَيُغَسِّلْنَهُ
قال في المدونة: كابن سبع سنين.
قال المازري: وروى عن مالك إجازة غسل المرأة لابن تسع.
والْمَرْأَةُ مَعَ رِجَالٍ غَيْرِ مَحَارِمَ كَذَلِكَ إِلا أنهّا تُيَمَّمُ إِلَى الْكُوعِ
لأن ذراعها عورة بخلاف وجهها وكفيها بدليل إظهارهما في الصلاة والإحرام.
وجاز لكل واحد منهما أن ينظر وجه صاحبه، وإن كان ممنوعاً في الحياة للضرورة، والله أعلم.
وفِي الْمَحَارِمِ ثَالِثُهَا: يُغَسِّلُهَا مَحَارِمُ النَّسَبِ لا الصِّهْرِ
مذهب المدونة أنه يغسلها من فوق ثوب، ولا يفضي بيده إلى جسدها.
والقول بالتيمم لأشهب قاله صاحب البيان قال: وروى أشهب أنه يصب الماء عليها صباً، ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته.
قال: وفي المسألة قول لابن حبيب أنه يغسلها وعليها ثوب، ويصب الماء فيما بينه وبينها، لئلا يلصق بجسدها، فيصف بابتلاله عورتها.
قال: وظاهره أنه يفضي بيده في غسله إياها إلى جسدها، ومعنى ذلك عندي فيما عدا السرة والركبة، فلا يفضي بيده إلى ذلك منها دون أن يجعل عليه خرقة، إلا أن يضطر إلى ذلك كما يفعل الرجل بفرج الرجل في غسله؛ إذ لا يختلف في أن الفخذ والسرة من المرأة عورة، لا يحل أن ينظر إلى ذلك من لا يحل له الفرج باتفاق.
انتهى.
وانظر هل يتخرج في غسلها القول الثالث الذي ذكره المصنف؟
وفِي صَغِيرَةٍ بَيْنَ إِطَاقَةِ الْوَطْءِ وبَيْنَ الرَّضِيعَةِ ونَحْوِهَا قَوْلانِ
أي: إذا كانت مطيقة للوطء لم يجز الغسل اتفاقاً، وإن كانت رضيعة جاز اتفاقاً.
واختلف فيما بينهما، فمذهب ابن القاسم أنه لا يغسلها، ومذهب أشهب أنه يغسلها.
ابن الفاكهاني: والأول مذهب المدونة.
ابن أبي زيد: وهو أحب إلينا.
واختلف هنا ولم يختلف في عكسها لأن تطلع الرجال على الصغيرة أقوى من تطلع النساء على الصغير.
ويُغَسَّلُ كَالْجَنَابَةِ، وفِي اسْتِحْبَابِ تَوْضِئَتِهِ قَوْلانِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَكْرَارِهِ بِتَكْرَارِ الغُسْلِ قَوْلانِ ....
فهم من قوله: (وعَلَى الْمَشْهُورِ) أن المشهور أنه يوضأ.
وقال أشهب: في ترك وضوئه سعة.
ابن حبيب: ويوضأ كما يوضأ الحي.
التونسي: وأنكر سحنون تكرار وضوئه.
الباجي: وينبغي على القول بتكرار الوضوء ألا يغسل ثلاثاً بل مرة واحدة حتى لا يقع التكرار المنهي عنه.
وإذا لم نقل بتكريره هل يثلث أو لا؟ وحكى الباجي عن ابن حبيب أن الوضوء يكون في الغسلة الثانية؛ لأن الأولى تنظيف، فينبغي أن يكون الوضوء بعد حصول النظافة.
فرع:
ويعصر بطنه عصراً رفيقاً.
أشهب: وإذا عصر بطنه فيؤمر من يصب عليه الماء، ولا يقطع ما دام ذلك.
ويغسل ما أقبل منه وما أدبر.
ويلف على يده شيئاً كثيفاً لا يجد معه لين ما تمر عليه اليد، ثم يغسل تلك الخرقة ويغسل يده.
ويأخذ خرقة أخرى على يده، ويدخلها في فمه لتنظيف أسنانه، قال: ويمضمض.
ابن حبيب: ويدخل الماء في أنفه ثلاثاً.
فرع:
ولو غسل ثم خرج منه شيء لم يعد غسله، ولا وضوءه، بل يغسل المحل فقط.
المازري: وقال أشهب: يعيد الوضوء.
وفِي كَوْنِهِ تَعَبُّداً أَوْ لِلنَّظَافَةِ قَوْلانِ، وعَلَيْهِمَا اخْتُلفِ فِي غُسْلِ الذِّمِّيِّ، واخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ بِالْمُطَهِّرِ دُونَ سِدْرٍ وكَافُورٍ وغَيْرِهِمَا .....
الظاهر: التعبد بدليل التيمم عند عدم الماء.
والقول بالنظافة لابن شعبان، قال: ويجوز غسله بماء الورد، وماء القرنفل.
وقوله: (غُسْلِ الذِّمِّيِّ) أي: في تغسيل الذمي المسلم إذا لم يكن مسلم ولا امرأة من محارمه، فعلى التعبد لا يغسله، وهو قول أشهب، وعلى التنظيف يغسله.
وعليه فقال مالك: يعلم النساء الذمي الغسل ويغسله.
وقال سحنون: يغسل الكافر المسلم والكافرة المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم.
تنبيه:
وعلى القول بأن الغسل للتعبد فلا يحتاج إلى نية، وإنما يحتاج التعبد إلى نية إذا كان مما تفعله في نفسك، ذكره الباجي وابن رشد وابن راشد.
فرعان:
الأول: اختلفت إذا مات النصراني، هل لابنه المسلم أن يقوم بأموره ويتبعه إلى قبره؟ فقال مالك في العتيبية: لا أرى أن يقوم في أموره ولا يتبعه إلى قبره، وقد ذهب الحق الذي
كان يلزمه إلا أن يخاف أن يضيع.
ابن القاسم: وهذا [105/ أ] أثبت ما سمعت من قول مالك، وبه آخذ.
وقال ابن حبيب: لا يحمل المسلم نعش الكافر ولا يمشي معه ولا يقوم على قبره، ولو مات لمسلم كافر يلزمه أمره مثل الأبوين، والأخ، وشبه ذلك، فلا بأس أن يحضره ويلي أمره، ويكفنه حتى يخرج به إلى دفنه.
وإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذلك فليتقدمهم إلى قبره.
وإن لم يخش ضيعته وأحب أن يحضر دفنه فليتقدم أمام جنازته، وإذا خشي عليه تقدمها، ولا يُدخلها قبرها إلا ألا يجد من يكفيه ذلك.
الفرع الثاني: قال في العتيبية: لا يعجبني أن يعزي المسلم في أبيه الكافر لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.
فلم يكن لهم أن يرثوهم وقد أسلموا حتى يهاجروا.
وروى عن مالك أنه يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر لذمام الجار، فيقول إذا مر به: بلغني الذي كان من مصابك، ألحقه الله بأكابر دينه، وخيار ذوي ملته.
وقال سحنون: يقول له: أخلف الله لك المصيبة، وجزاك أفضل ما جزى به أحداً من أهل دينك.
قال في البيان: وإذا جازت تعزية الكافر بالكافر، فتعزية المسلم بالكافر من باب أولى.
خلاف ما قاله في التعبية قال: والتعزية لثلاثة أمور:
أحدها: تهوين المصيبة على المعزي وتسكينه وتسليته وتحضيضه على الصبر.
والثاني: أن يعوض الله من مصابه جزيل الثواب.
والثالث: الدعاء للميت.
والكافر يمتنع في حقه الأخير.
فيعزي المسلم في وليه الكافر، هذا معنى كلامه.
قال: والآية التي احتج بها مالك على ترك التعزية منسوخة.
قال عكرمة: أقام الناس برهة لا يرث المهاجر الأعرابي، ولا الأعرابي المهاجر لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
حتى نزل: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، فاحتج بالمنسوخ كما احتج لما اختاره من الإطعام في الفطر في رمضان بقوله تعالى: ﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وهي منسوخة، وذلك إنما يجوز على القول بأن الأمر إذا نسخ وجوبه جاز أن يحتج به على
الجواز، وذلك مما اختلف فيه، واعتلاله بمنع الميراث ضعيف؛ إذا قد يعزي الحر بالعبد، ولا يتوارثان.
انتهى.
قال مالك في المدونة: وإذا مات كافر بين مسلمين لا كافر معهم لفوه بشيء وواروه.
قال الليث وربيعة: لا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم.
ابن حبيب: وإذا ماتت ذمية حامل من مسلم فلتدفن مع أهل دينها، وإنما ولدها عضو منها حتى يزايلها.
نقله ابن يونس.
وفِي كَرَاهَةِ غُسْلِهِ بِمَاءِ زَمْزَمَ قَوْلانِ، إِلا أَنْ تَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ
قال ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، وإنما يكره غسل الميت بماء الورد وماء القرنفل من ناحية السرف، وإلا فهو جائز.
وقال ابن أبي زيد: ما ذكر في ماء زمزم لا وجه له عند مالك وأصحابه.
وما ذكر في القرنفل ليس هو قول أهل المدينة، إن أراد أن يغسل بذلك وحده.
وقوله: (إِلا أَنْ تَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ) أعاده شيخنا وابن عبد السلام على قوله: (وفي وجوب غسله بالمطهر) أي: إلا أن تكون فيه نجاسة فلابد من المطهر، وكأنهما فرا من إعادته على ماء زمزم؛ إذ لو أعيد عليه لفهم على أنه اتفق على المنع منه، وليس كذلك؛ إذ ظاهر المذهب الجواز على ما قاله ابن أبي زيد.
ومن المعلوم أن أم إسماعيل وابنها عليهما السلام ومن نزل عليهما من العرب حين لم يكن بمكة ماء غيره، لم يستعملوا في كل ما يحتاجون إليه سواه.
قال اللخمي: وما ذكره ابن شعبان من أنه لا يجوز أن يغسل الميت بماء زمزم هو مبني على أصله أن الميت نجس.
والْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ، وُيسْتَحَبُّ التِّكْرَارُ وِتْراً إِلَى سَبْعٍ، وإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الإِنْقَاءُ زِيدَ
قال ابن حبيب: السنة أن يكون وتراً.
وكذلك غسل النبي صلى الله عليه وسلم، لم يحصل الإنقاء بسبع زيد على السبع من غير مراعاة وتر، قال مالك في الواضحة: ولا
يستحب اغتسال غاسل الميت.
ونقل في النوادر عن مالك وابن القاسم وأشهب استحباب اغتسال غاسل الميت.
وحكى في البيان قولاً ثالثاً بإيجاب الغسل، قال مالك في المختصر: وليس على حامل الميت وضوء.
قال في كتاب ابن القرطي: من اغتسل عند الميت لم يكتف بذلك الغسل إن مات.
قال مالك: ولا أحب للجنب غسل الميت، وذلك جائز للحائض.
وأجاز محمد بن عبد الحكم للجنب أن يغسله، ورواه ابن نافع عن مالك.
قال في البيان: والأظهر الكراهة؛ لما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب، ولأنه يمكن طهره، قال ابن شعبان: وليكثر الغاسل من ذكر الله تعالى.
والتَّجْرِيدُ مِنَ الثِّيَابِ مَشْرُوعٌ
أي: مستحب؛ لأنه أنقى، ونبه به على خلاف الشافعية أن الميت لا ينزع قميصه.
[105/ ب] وفي أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي أراد أصحابه غسله.
قالوا: والله ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فقولهم: كما نجرد موتانا، دليل على أن ذلك عادتهم، وأن عدم تجريد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مخصوص به لشرفه ورفعته عن جميع خلق الله كلهم.
قال ابن يونس: قال أصحابنا: واختلف لما غسل بالقميص، هل بقى عليه أو نزعوه؟ والحديث يدل على أنهم نزعوه، وهو قوله: كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
انتهى.
وتُسْتَرُ الْعَوْرَةُ
هكذا قال في المدونة، وفهم اللخمي منه أن المراد السوءتان خاصة، قال: وقال ابن حبيب: من السرة إلى الركبة.
واستضعف في التنبيهات قول اللخمي قال: وليس في الكتاب ما يدل على ما قاله.
بل لو قيل فيه ما يدل على قول ابن حبيب لكان له وجه؛ لأنه قال بإثر ذلك: ويفضي بيده إلى فرجه إن احتاج إلى ذلك، فلو كانت العورة هي نفس
الفرج كما قال لما جاء بذكر الفرج بلفظ آخر.
انتهى.
واستحب ابن سحنون أن تُجعل على صدره خرقه.
قال اللخمي: وهو أحسن فيمن طال مرضه.
المازري: وأما غسل المرأةِ المرأةَ فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل من الرجل من السرة إلى الركبة، وعلى قول سحنون تستر جميع جسدها؛ لأنه قال في المرأة تدخل الحمام أنها تدخل في ثوب يستر جميع جسدها انتهى.
والأَشْهَرُ أَنْ يُفْضِيَ الْغَاسِلُ بِيَدِهِ إِلَيْهَا إِنِ احْتِيجَ وإِلا فَبِخِرْقَةٍ وهِيَ مَسْتُورَةٌ
إن أمكن أن يغسل ما هنالك بخرقة فلا خلاف في منع المباشرة، وإن لم يمكن فقال ابن القاسم: يباشر باليد.
وقال ابن حبيب: لا يباشرها إلا وبيده خرقة.
وقول ابن حبيب أقرب، والقول بالإفضاء إنما يأتي على القول بوجوب بالغسل.
والواو من قوله: (وهِيَ مَسْتُورَةٌ) للحال، ولفظة (هِيَ) عائدة على العورة.
قيل: والخلاف إنما هو في غير الزوجين، وأما الزوجان فيباشر أحدهما عورة الآخر عند الضرورة.
ولا يُؤْخَذُ لَهُ ظُفْرٌ ولا شَعْرٌ
زاد في المدونة: وذلك بدعة ممن فعله.
وصرح المازري بكراهيته، قال ابن حبيب وغيره: وإن سقط من ذلك شيء جعل في أكفانه.
قال أصبغ وغيره: وينقي ما تحت الظفر من وسخ بعود أو غيره.
سحنون: ويجوز قص أظفار المريض إذا كان يتأذى منه، وإن كان يُتَهَيَّأ بذلك إلى الموت فلا يفعل.
فرع:
قال ابن القاسم في العتبية: ويعمل بشعر المرأة ما أحبوا من لفه، وأما الظفر فلا أعرفه.
وقال ابن حبيب: لا بأس بظفره.
وقالت أم عطية: قد ضفرنا شعر بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ضفائر، ناصيتها وقرنيها وألقي من خلفها.
والْمُقَدَّمُ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ ولَوْ كَانَ الْخِيَارُ لأَحَدِهِمَا عَلَى الْمَنْصُوصِ.
وخَرَّجَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلافِ فِي الْفَوْتِ بِالْمَوْتِ .....
لأن أسماء بنت عميس غسَّلت زوجها أبا بكر رضي الله عنهما، وغسَّلت أبا موسى زوجته، وغسَّل عليُّ فاطمة، وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا أزواجه.
رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم ينكر عليها أحد.
أشهب: وتغسله زوجته وإن لم يبن بها.
سحنون: وكذلك يغسلها هو.
وهذا حكم النكاح الصحيح، وأما الفاسد مما يفسخ قبل البناء وبعده كالشغار فلا يغسل أحدهما الآخر، وإن كان مما يفسخ قبل البناء فقط غسل أحدهما صاحبه بعد البناء لا قبله.
وقوله: (ولَوْ كَانَ الْخِيَارُ لأَحَدِهِمَا) يريد: بشرط الإسلام.
قال في النوادر: وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ظ ولا تغسله هي إلا بحضرة المسلمين؛ إذ لا تؤمن من إذا خلت به، ونقله المازري أيضاً.
قوله (وخَرُّجَهَا) أي: المسألة.
ولفظ اللخمي: وإن ظهر بأحدهما عيب جنون أو جذام أو برص فلا غسل بينهما.
وهذا يصح على قول ابن القاسم؛ لأنه يقول: إذا وقع الطلاق والموت فات موضع الرد.
وأما على قول عبد الملك فإنه إذا مات الزوج وكان العيب به غسلته؛ لأن الإجازة خير لها فتأخذ الصداق من الميت والميراث، وإن كان العيب بها كان لأوليائه أن يقوموا بالعيب، ويمنعوها الميراث والصداق فلا تغسله، وإن كانت هي الميتة والعيب بها، وقام الزوج بالعيب ليسقط عن نفسه الصداق وكانت فقيرة لم يغسلها، وكذلك إذا كان العيب به وقام أولياؤها بالعيب ليمنعوه الميراث لم يغسلها.
المازري: في هذا التخريج عندي نظر؛ لأن الخيار إذا وقع برد العصمة بعد الموت، فهل يكون [106/ أ] رافعاً لها الآن، أو رافعاً لها من حين العقد؟ هذا أصل مختلف فيه،
فيخرج على هذه الطريقة الاختلاف في هذا الأصل، إلا أن يحتاط للغسل، فيرفع منه الخلاف فلا يباح.
والظاهر من نصوص أصحاب هذه الطريقة أنهم يرون الاختيار إذا وقع بالرد، فكأن العصمة لم تكن في منع الميراث، وما في معناه من حقوق الزوجية.
انتهى.
وكلام المصنف واللخمي يقتضي عموم الخلاف.
وقال ابن عات: إن كان العيب بالحي لم يغسل الميت، وإن كان بالميت ففيه تنازع، والقياس منع الغسل.
نقله ابن هارون.
فرع:
وفي حكم الزوجين، السيد وأمته، ومدبرته، وأم ولده، وضابطه أن إباحة الضبط إلى حين الموت يبيح الغسل من الجانبين، بخلاف المكاتبة والمعتق بعضها والمعتقة إلى أجل، ولا يقضي للأمة المدبرة على الأولياء باتفاق.
وإذ قلنا بالغسل فالمشهور: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه، خلافاً لابن حبيب: إلا أن يحتاج الغاسل منهما إلى معونة غيره، فليستر حينئذ بلا خلاف.
فرعان:
الأول: نص علماؤنا على أنه لا ينبغي أن يحضر مع الغاسل إلا من يعنيه.
الثاني: إذا أجزنا للمرأة غسل زوجها، فقال ابن الماجشون: لها أن تجففه وتكفنه، ولا تحنطه؛ إذ هي حاد إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملا، أو تكون بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا تمس الطيب إلا الميت.
وفِي الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ قَوْلانِ
المشهور: المنع.
وقال ابن نافع بالجواز.
واعلم أن الخلاف جار ولو قلنا أن الرجعية محرمة الوطء.
ابن شاس: وروي عن ابن القاسم في العتبية أنه يغسلها وأنه يحدث بالموت
من إباحة الرؤية لها ما لم يكن في حال الحياة لحق الموارثة.
ولو تزوج أخت زوجته فأجاز ابن القاسم في المجموعة أن يغسلها، ثم كرهه.
وقال أشهب: أحب إلي ألا يفعل.
وقال ابن حبيب: وللزوجة أن تغسل زوجها.
وإن وضعت ما في بطنها وانقضت عدتها.
قال ابن الماجشون: إذا وضعت على سريره فيجوز لها أن تنكح زوجاً غيره، ويجوز لها أن تغسله.
انتهى.
وانظر كلام ابن عبد السلام.
وفِي الْقَضَاءِ لَهُمَا: ثَالِثُهَا: يُقْضَى لِلزَّوْج دُونَهَا.
وعَلَى الْقَضَاء لَوْ كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقاً وأَذِنَ السَّيِّدُ فَقَوْلانِ .....
القضاء لابن القاسم وهو الظاهر؛ لأن من ثبت له حق فالأصل أن يقضي له به.
والثاني حكاه ابن بشير ولم يعزه.
والتفرقة لسحنون؛ لأن الرجل له أولياء يغسلونه، فلو قضينا للزوجة لأسقطنا حقهم بخلاف العكس، فإن أولياءها لا يغسلونها.
اللخمي: وإن لم يكن للزوج ولي أو كان وعجز عن الغسل، أو أحب أن يجعل إلى غيره كانت الزوجة أحق، وقضى لها قولاً واحداً.
انتهى.
قوله: (وعَلَى الْقَضَاء لَوْ كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقاً) القضاء في العبد أيضاً لابن القاسم، ونفى القضاء لسحنون نظراً إلى عدم التوارث.
وإِذَا امْتَنَعَا أَنْ يُغَسِّلا أَوْ غَابَا فَلِلأَوْلِيَاء عَلَى تَرْتِيبِ الْوِلايَةِ
يعني: الزوج، والزوجة.
وكلامه ظاهر
والْبِنْتُ وبِنْتُ الابْنِ لِلْمَرْأَةِ كَالابْنِ وابْنِهِ لِلرَّجُلِ
وهكذا ذكر المسألة اللخمي، وابن شاس، وابن بشير.
وفي بعض النسخ: والبنت وبنت البنت، وعليها تكلم ابن راشد.
خليل: والنسخة الأولى أحسن؛ لأنه لا شك أن بنت الابن أولى من بنت البنت؛ لأنها تتوصل بالبنوة.
فروع:
الأول: قال سحنون: واسع غسل الميت بالماء وحده سخناً وبارداً.
الثاني: استحب أشهب السدر في تنظيف لحيته ورأسه على الغاسول، وغيره.
الثالث: قال ابن القاسم في المجدور ومن غمرته الجراح، ومن إذا مس انسلخ جلده: إنه يصب عليه الماء صباً، ويرفق به.
قاله مالك.
وقال مالك: ومن وجد تحت الهدم قد تهشم رأسه وعظامه، والمجرور، والمنسلخ فليُغسلا ما لم يتفاحش ذلك منهما.
وإذا لم يوجد من الميت إلا مثل الرأس أو الرجل فلا يغسل، ولا يغسل إلا ما يصلي عليه.
قاله مالك.
الرابع: قال ابن حبيب: لا بأس عند الوباء وما يشق على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزئوا بغسلة واحدة بغير وضوء، يصب عليه الماء صباً.
ولو نزل الأمر الفظيع وكثر الوباء جداً وموت الغرباء فلا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم، ويجعل منهم النفر في قبر.
وقاله أصبغ وغيره من أصحاب مالك.
المازري: وهذا الذي قاله ابن حبيب صحيح.
الخامس: لابد من تنشيف الميت قبل تكفينه، وهل ينجس الثوب الذي ينشف به أو لا؟ قولان مبنيان على نجاسة الميت.
قال صاحب البيان وصاحب التنبيهات: والصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت.
السادس: [106/ ب] يستحب التكفين إثر الغسل، فإن غسل بالعشي وأخر التكفين إلى الغد فلا يعاد غسله وقد ترك الأولى.
قاله ابن القاسم في العتبية.
ويَجِبُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ بِسَاتِرٍ لِجَمِيعِهِ، ويُوَارَي شَهِيدُ قِتَالِ الْعَدُوِّ فِي الْمُعْتَرَكِ فِي ثِيَابِه الَّتِي مَاتَ فِيهَا، فَإِنْ قَصَرَت عَنِ السَّتْرِ زِيدَ ...
أما وجوب التكفين فنص عليه المازري وصاحب المقدمات وغير واحد.
وأما قوله (لِجَمِيعِهِ) فهو ظاهر كلامهم.
وفي التقييد والتقسيم أن الزائد على ستر العورة سنة.
وقوله (ويُوَارَي ...) إلى آخره، أي: من غير غسل ولا صلاة.
فإن قيل: فَلِمَ غُسِّلَ الأنبياءُ وصلي عليهم مع أنهم أكمل؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن المزية بأمر لا تقتضي الأفضلية، ألا ترى ما ورد من أنه إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا صلى أقبل يوسوسه.
الثاني: أن الصحابة فهموا الخصوصية في شهيد المعترك فبقي ما عداه على الأصل، ولأن للشرع في إبقائهم على حالهم غرضاً، وهو البعث عليها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، اللون لون دم، والريح ريح مسك".
الثالث: تشريع وأسوة.
ودليل قوله: (فَإِن قَصَرتْ عَنِ السِّتْرِ زِيدَ) حديث مصعب بن عمير أنه قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه شيئاً من الإذخر".
وفِي الدِّرْعِ والْخُفَّيْنِ والْقُلُنْسُوَةِ والْمِنْطَقَةِ قَوْلانِ
اتفق المذهب على أنهم لا يدفنون بالسلاح كالسيف والرمح والسكين.
واختلف فيما ذكر.
فرأى ابنُ القاسمِ الدرعَ من السلاح.
فقال: ينزع.
ولم يره مالك منه فقال: لا ينزع الثوب من الحديد الذى يقيه، ويدفن به إلا المنطقة.
قال ابن القاسم: لا ينزع الفرو، ولا القنسوة، ولا الخفاف.
وفى العتبية عن مطرف: ولا المنطقة إلا أن يكون لها خطب.
وقال
أشهب: ينزع القنسوة والخفاف.
قال فى البيان: ذهب مالك وابن نافع ومطرف إلى أنه لا يُنزع منهم شئٌ مما هو فى معنى اللباس، وإن لم يكن من الثياب قياساً على الثياب حاشا درع الحديد؛ لأنها من السلاح.
وذهب ابن القاسم إلى أنه ينزع منهم ما عدا الثياب تعلقاً بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "زملوهم بثيابهم".
انتهى.
ويُنْزَعُ الْخَاتَمُ بِفَصِّ ثَمِينٍ، وخَرَّجَهُ اللَّخْمِىُّ عَلَى الْمِنْطَقَةِ
تصوره ظاهر، وظاهر قوله: (بِفَصِّ ثَمِينٍ) أنه لا ينزع إذا كان فصه لا خطب له.
وقد نص عليه ابن نافع في العتبية.
ويتعرض على تخريج اللخمي بأن الخاتم ليس من السلاح في شيء، وأما المنطقة ففيها معونة على القتال، فأشبهت الدرع.
ونص التونسي على أن النفقة اليسيرة في المنطقة لا تنزع، بخلاف الكثيرة كفص الخاتم.
وأَمَّا الْمَطْعُونُ والْغَرِيقُ وصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ والْمَبْطُونُ والْحَرِيقُ وذُو الْهَدْمِ وذَاتُ الْحَمْلِ فَكَغَيْرِهِمْ وإِنْ كَانُوا شُهَدَاءَ ...
أي: يغسلون ويكفنون، وهو ظاهر.
وقوله: (وذَاتُ الْحَمْلِ) يدل على أنه ينحو منحى من فسر قوله عليه الصلاة والسلام: "والمرأة تموت بجمع النفاس" وهو الأكثر والأظهر.
قاله ابن عبد البر، قال: واختلف على هذا القول، هل ذلك سواء ماتت والولد في بطنها أم لا؟ ويشترط أن تموت والولد في بطنها وقد تم خلقه.
وقيل: هي التي تموت بكراً لم يمسها الرجل.
وقيل: هي التي تموت قبل أن تحيض وتطمث.
وجمع بضم الجيم وكسرها.
وأَمَّا الْمُحْرِمُ فَكَغَيْرِهِ ويُطَيَّبُ
زاد في الجواهر: وكذلك المعتدة فهي كغيرها، فلا تصان عن الطيب.
والأصل فيه العمل وانقطاع التكليف، وتعليله في الحديث بأنه يبعث ملبياً لا يأخذ منه تعميم ذلك
الحكم؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بالوحي، والنبي صلى الله عليه وسلم لما علم أن ذلك المحرم يبعث ملبياً أمر بما أمر، ونحن لا نعلم ذلك.
قال المازري وغيره: فيه تنبيه على خلاف الشافعي.
وأَقّلُّهُ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِهِ، وأَكْثَرُهُ سَبْعَةٌ، ولا يُقْضَى بِالزَّائِدِ مَعَ مُشَاحَّةِ الْوَرَثَةِ إِلا أَنْ يُوصِيَ بِهِ، ولا دَيْنَ مُسْتَغْرِقٌ فَيَكُونَ فِي ثُلُثِهِ.
وقِيلَ: يُقْضَى بِثَلاثَةٍ مُطْلَقاً.
الكفن من رأس المال، ويقدم على الدين.
قال مالك: وإن كان الكفن مرهوناً فالراهن أحق به.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك، والزائد على السبعة سرف.
ولا يقضي بالزائد على الواحد مع مشاحة الورثة؛ لأن الزائد مستحب، والمستحب لا يقضى به.
وقال عيسى: يجبر الغرماء والورثة على ثلاثة أثواب.
المازري: وهذا لا يقتضيه نظر إلا أن تجري به عادة.
وقال ابن عبد السلام: هو الظاهر؛ لأنه غالب كفن الناس، وهو كلباسه في الحياة.
ووقع لسحنون أنه قال إذا [107/ أ] أوصى بثوب واحد، فزاد بعض الورثة ثانياً أنه لا ضمان عليه إن كان في المال محمل.
ابن بشير: وهو يشعر بأن الاقتصار على الواحد منهي عنه.
قال في البيان: ويكفن في مثل ما كان يلبسه في الْجُمَع والأعياد في حياته، ويقضى به عند اختلاف الورثة فيه.
قوله: (إِلا أَنْ يُوصِيَ بِهِ) فيكون في ثلثه.
قال في الجواهر: لو أوصى بسرف في عدد الكفن، أو جنسه أو الحنوط أو غير ذلك، كان السداد في رأس المال.
واختلفت الرواية في الزائد هل يسقط أو يلزم من الثلث؟ انتهى.
واختار التونسي وغيره السقوط.
قال صاحب البيان: وهو الصواب.
وخُشُونَتُهُ ورِقَّتُهُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، والاثْنَانِ أَوْلَى مِنْ الْوَاحِدِ، والثَّلاثَةُ أَوْلَى مِنَ الأَرْبَعَةِ
أي: يكفن بما جرت به عادته يلبسه في حياته؛ لأن النقص من ذلك، والزيادة عليه خروج عن المعتاد، وينبغي أن يكون الحكم كذلك في الحنوط، وما يتعلق بالدفن.
ولما كان المطلوب في الكفن شيئين: الستر، والوتر، وكان الستر واجباً، والوتر مندوباً كان الاثنان أولى من الواحد؛ لأن الثاني مكمل للواجب، فإن كمال الستر لا يحصل بالواحد، وكانت الثلاثة أولى من الأربعة؛ لحصول الستر، والوتر في الثلاثة.
ولَوْ سُرِقَ بَعْدَ دَفْنِهِ فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُقْسَمْ مَالُهُ أُعِيدَ
القول بلزوم الإعادة لابن القاسم، قال: علي ورثته أن يكفنوه من بقية تركته، وإن كان عليه دين محيط.
ومقابله لأصبغ، والثالث لسحنون، ونص ابن عبد الحكم وابن سحنون على أنه إذا كفن ثم وجد الكفن الأول أنه ميراث.
قال محمد بن عبد الحكم: إلا أن يكون على الميت دين فيكون للغرماء.
وكذلك نص أبو العلاء البصري على عكس هذه المسألة، وهو إذا عدم الميت، وبقي الكفن كما لو أكلته السباع، أن يرجع للورثة.
وفِي الزَّوْجَةِ: ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَعَلَى الزَّوْجِ
أي: وفي كفن الزوجة.
والقول بأنه على الزوج- وإن كانت موسرة- لمالك في الواضحة.
وجعله من ملازم العصمة كالنفقة.
والقول بأنه لا شيء عليه مطلقاً لابن القاسم.
ونسبه ابن شاس لسحنون نظراً إلى انقطاع العصمة.
والقول الثالث نسبه ابن شاس وابن راشد لمالك في العتيبة.
ونسبه في الرسالة لسحنون، وهو استحسان غير قياس.
قاله غير واحد.
وفِي كَفَنِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ كَالأَبِ والابْنِ قَوْلانِ
اللزوم لابن القاسم وابن الماجشون تبعاً للنفقة.
وقال المازري: لا يتبع ذلك الإنفاق.
وقال أصبغ: لا يلزمه ذلك إلا في عبيده.
وصوَّب ابن حبيب اللزوم.
ويُكَفَّنُ الْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ
هذا ظاهر، فإن لم يكن أو كان ولم يتوصل إليه فعلى المسلمين كسائر فروض الكفاية.
وفِي الْحَرِيرِ: ثَالِثُهَا: يَجُوزُ لِلنِّسَاء
يعني: أنه اختلف في جواز التكفين بالحرير وكراهته.
والتفصيل على ثلاثة أقوال: والكراهة مذهب المدونة، ولفظها: يكره في كفن الرجالِ والنساءِ الخزُّ، والمعصفر، والحرير، ويكفن في العصب، وهو الحبر.
والجواز رواه ابن وهب عن مالك.
والتفصيل لابن حبيب.
ولا يخفى عليك وجه كل قول، وانظر هل الكراهة التي في المدونة على المنع أو لا؟ وحمله اللخمي على المنع؛ لأنه نسب للمدونة المنع، وهو ظاهر كلام المصنف؛ لأنه لا يؤخذ من كلامه الكراهة.
وهو أيضاً ظاهر كلام ابن الجلاب لقوله: ولا يكفن في خز، ولا وشي، ولا في ثوب نجس.
أما العلم الحرير في الثوب فلا بأس بالتكفين فيه.
رواه ابن القاسم.
وأَفْضَلُهُ الْبَيَاضُ والْقُطْنُ والكتان، ويَجُوزُ بِالْمَلْبُوسِ السَّاتِرِ ويُكْرَهُ السَّوَادُ
البياض أفضل لموافقته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال الأصحاب: إن القطن أفضل؛ لأنه به كفن صلى الله عليه وسلم.
فقد روى مالك أنه كفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
والسحولية منسوبة إلى سحول؛ بلد باليمن.
وقيل: سحول هو القطن.
وقيل: السحولية: البيض.
وفي حديث آخر يذكر البيض فيكون هو المراد.
قوله أبي بكر رضي الله عنه: الحي أولى بالجديد من الميت؛ يوضح لك إجازة الملبوس.
أشهب: والكفن الخلق والجديد سواء.
ابن عات وابن راشد: ونحو الأسودِ الأزرقُ والأخضر.
وفِي الْمُعَصْفَرِ قِوْلان
كرهه في المدونة؛ لأنه ليس بطيب، ومخالف للمشروع في الكفن وهو البياض، وأجازه في المجموعة.
وأجازه ابن حبيب للنساء، وكرهه للرجال.
ويَجُوزُ بِالْوَرْسِ والزَّعْفَرَانِ
لأنهما من أنواع الطيب.
والْقَمِيصُ والْعِمَامَةُ مُبَاحٌ
المشهور من المذهب أن الميت يقمص ويعمم.
وروى يحيى بن يحيى أن المستحب لا يقمص، ولا يعمم [107/ب] وحكى ابن القصار عن مالك كراهة التقميص، نقله المازري.
وعلى المشهور، وظاهر الرسالة أن التعميم من قبيل الجائز؛ لقوله: ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم.
قال اللخمي وابن يونس: ومن المدونة قال مالك: من شأن الميت عندنا أن يعمم.
فمقتضاه الاستحباب، وعليه فهمها اللخمي.
مطرف: ويعمم تحت لحيته كما يعمم الحي، ويترك منها قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه.
وكذلك يفعل بخمار المرأة لأنه كالعمامة للرجل.
وروى مطرف عن مالك أن أبلغ الأكفان وأحبها خمسة أثواب: قميص، وعمامة، ومئزر، ومدرجان.
وروي عن مالك أنه استحب التكفين في ثلاثة أثواب؛ يريد غير العمامة والمئزر.
قال: ولم يؤزر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمم، وإنما كفن في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجاً.
قال ابن القاسم في العتبية: وهو أحب إليّ.
نقله ابن يونس.
وفي كتاب ابن شعبان: ويخاط الكفن على الميت، ولا يترك بغير خياطة.
أشهب: ويشد الكفن عند رأسه ورجليه، ثم يحل ذلك في القبر، وإن ترك عقده فلا بأس، ما لم تنتشر أكفانه.
ويُسْتَحَبُّ الْحَنُوطُ والْكَافُورُ أَوْلاً
الحنوط: ما يطيب به الميت، ولا بأس فيه بالمسك والعنبر والكافور أولاً، لأنه مع كونه طيباً يشد الأ‘ضاء.
ومَحَلُّهُ مَوْضِعُ السُّجُودِ ومَغَابِنُ الْبَدَنِ ومَرَاقُّهُ وحَوَاسُّهُ ورَاسُهُ ثُمَّ سَائِرُ الْجَسَدِ مِنْ تَحْتِ الْكَفَنِ لا فَوْقِهِ ....
فعل في مواضع السجود تشريعاً لها، وهي السبعة.
ومغابن البدن لسرعة تغيرها وهي ما خفي من الجسد كالإبطين وتحت الركبتين، والمراق قريبة من المغابن.
عياض: وهي بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق من جلده، كالمغابن، والإبط، وعكن البطن.
وقال ابن اللباد: المراق: مخرج الأذى.
وقال العتبي: هي ما بين الإليتين والدبر.
وقال الهروي: هي ما سفل من بطنه ورفغيه، وما هنالك والمواضع التي رق جلدها.
قال: وهذا قريب بعضه من بعض.
والرفغ- بضم الراء وفتحها- أصل الفخذ، وما بينه وبين الفرج.
انتهى.
والحواس: الأذنان، والعينان، والفم، والأنف لما قد يخرج منها، ولهذا يلصق عليها القطن.
قال سحنون: ويسد دبره بقطنة فيها طيب ويبالغ فيها برفق، وإن لم يكفِ الطيب جميع المواضع.
فنقل ابن مزين عن ابن القاسم أنه يبدأ بالسواجد، والحذر الحذر مما يفعله بعض الجهلة من إدخال القطن داخل دبره.
وكذلك يحشون أنفه، وفمه، وذلك لا يجوز.
ولا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
مذهب المدونة جواز حمل السرير على ما أمكن، ولا مزية لعدد على عدد.
والشاذ لابن حبيب، وأشهب: يستحب حمل أربعة لئلا يميل.
قال ابن حبيب: يستحب أن يحمل من الجوانب الأربعة، ويبدأ بمقدم السرير الأيسر- وهو يمين الميت- فيضعه على منكبه الأيمن، ثم يختمه بمقدمه الأيمن- وهو يسار الميت- قال: وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة.
ونقل المازري عن أشهب أنه قال: يبدأ بمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر.
قال المازري: يريد الأيمن، ثم المقدم الأيسر، ثم المؤخر الأيسر.
انتهى.
ابن القاسم: ولا يترك ستر المرأة بقبة في حضر أو سفر إن أمكن.
قال مالك: وأول من فعل بها ذلك زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، واستحسنه عمر إذ ذاك.
وقال الواقدي: أول من فعل به ذلك فاطمة رضي الله عنها.
ابن حبيب: ولا بأس بحملها على دابة إذا لم يوجد من يحملها.
أشهب: وحمل الصبي على الكف أحب إلي من حمله على الدابة والنعش.
قال ابن القاسم في العتبية: كره مالك لمن على غير وضوء أن يحمل الجنازة، لينصرف إذا بلغت.
ويكره إعظام النعش، وأن يفرش تحت الميت قطيفة حرير، ولا بأس بستر الكفن بثوب ساج، ولا بأس أن يجعل على كفن المرأة الرداء الوشي وغيره، ولا أحب الأحمر والملون.
ولا يمشي بالجنازة الهويني، ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته.
ويكره أن يتبع الميت بمجمر.
ولا يقرأ على الجنازة، ولا يصاح خلفها، ولا ينادى استغفروا لها.
وسمع سعيد ابن جبير شخصاً يقول ذلك، فقال: لا غفر الله لك.
قال مطرف عن مالك: ولم يزل شأن الناس الازدحام على حمل جنازة الرجل الصالح.
ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان، وتحت عائشة ثلاثة.
ابن وهب: ولا بأس بحمل الميت من البادية إلى الحاضرة، ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه.
قال المازري: ظاهر المذهب جواز نقل الميت.
وقد مات سعيد بن [108/أ] زيد، وسعد بن أبي وقاص، فحمل إلى المدينة؛ وهذه الفروع كلها من النوادر، وذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص حمل من قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال.
قال في البيان: والنداء بالجنازة في المسجد لا ينبغي، ولا يجوز باتفاق؛ لكراهة رفع الصوت في المسجد، وأما النداء على باب المسجد فكرهه مالك في العتبية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية".
والنعي عندهم أن ينادَى في الناس: ألا إن فلاناً قد مات.
واستخفه ابن وهب، وأما الأذان بها والإعلام من غير نداء فذلك جائز بإجماع.
انتهى.
وفِي التَّشْييعِ: ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: الْمُشَاةُ يَتَقَدَّمُونَ، وأَمَّا النَّسَاءُ فَيَتَأَخَّرْنَ
يعني أنه اختلف: هل الأفضل المشي أمامها لأنهم شفعاء، أو خلفها لأن يعتبر في الموت أو يفصل –وهو المشهور- فيتقدم المشاة ويتأخر الركبان.
قال ابن شهاب: المشي خلفها من خطأ السنة، وعليه العمل كالخلفاء.
وحكى بعضهم رابعاً بالمشي أمامها إلى المصلى، ثم خلفها إلى القبر.
وحكى في البيان خامساً بالتسوية، وهو قول أبي مصعب.
وسادسها بأنهم يمشون خلفها إلا أن يكون ثم نساء فيمشون أمامها لئلا يختلط النساء والرجال، وأما النساء فيتأخرن باتفاق.
فرع:
قال في الجلاب: ولا بأس بالجلوس قبل وضع الجنازة، وليس على من مرت به جنازة أن يقوم.
ومن صحبها فلا ينصرف حتى يأذن له أهل الميت، إلا أن يطول ذلك، فينصرف قبل الإذن.
انتهى.
والدليل على الفرع الأول ما قاله سحنون أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجلسون قبل أن توضع الجنازة عن الرقاب.
ونبه بالفرع الثاني على خلاف من قال أنه يقوم لها.
التلمساني: وقال ابن الماجشون: القيام لها من عمل البر، ولا شيء على من تركه.
قال في البيان: وكان في الأول يقومون للجنازة ثم نسخ.
فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم للجنازة ثم جلس، ثم أمرهم بالجلوس.
قال: وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما نسخ الوجوب، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فمأجور، وأما القيام على الجنازة حتى تدفن فلا بأس وليس مما نسخ.
انتهى.
وأما كراهة الانصراف عنها قبل الصلاة فهو ظاهر المذهب، ورواه ابن القاسم عن مالك في العتبية.
وفي البيان: وقال في سماع أشهب: لا بأس أن يحمل الرجل الجنازة فينصرف، ولا يصلي وهو اختلاف من قوله.
انتهى.
ويَجُوزُ لِلْقَوَاعِدِ، ويَحْرُمُ عَلَى مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ، وفيهِمَا بَيْنَهُمَا الْكَرَاهَةُ إِلا فِي الْقَرِيبِ جِدّاً كَالأَبِ والابْنِ والزَّوْجِ ....
يعني: حكم النساء في التشييع على ثلاثة أقسام: يجوز للقواعد، وهن من قعدن عن المحيض لعلو السن، ويحرم على من خشي منها الفتنة، ويكره لمن فقد منها الوصفان؛ أي: قصر سنها عن القسم الأول، ولا يخشى منها الفتنة إلا أن تعظم مصيبتها لموت أبيها، أو أخيها، أو زوجها فتنتفي الكراهة، هذا قوله في المدونة، وشرط فيها إذا كان مثلها يخرج على مثله، وكره ابن حبيب خروج النساء مطلقاً.
خليل: وهذا عندي أصوب في زماننا.
والصَّلاةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ وَاجِبَةً عَلَى الأَصَحِّ
أي: واجبة على الكفاية؛ وهو قول سحنون، وعبد الوهاب، ومحمد بن عبد الحكم، ومذهب الرسالة.
قال القابسي: لم أجد لمالك فيها نصاً إلا أن إجازة مالك أن تصلى بتيمم الفريضة يدل على أنها ليست كالفرائض التي فرضها القرآن والسنة.
قول أصبغ.
ابن محرز: والوجوب هو الأظهر من المذهب.
المازري: وحكى ابن الجلاب أن مالكاً قال أنها واجبة.
ولعل أبا الحسن لم يقف على هذا الذي حكاه ابن الجلاب.
انتهى.
وفي تلقين الشارقي أنها مستحبة؛ وحكاه ابن عيشون عن مالك.
وإذا حمل على ظاهره كان في المسألة ثلاثة أقوال.
فرع:
إذا سقط حضور الجنازة لقيام غيره بها فذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم إلى أن صلاة النوافل والجلوس في المساجد أفضل من شهود الجنازة مطلقاً.
وذهب سليمان ابن يسار إلى عكسه مطلقاً.
وفصل مالك فقال: الجلوس في المسجد أفضل، إلا أن يكون ممن له حق من جوار أو أحد ترجى بركة شهوده.
قال ابن القاسم: وذلك في سائر المساجد.
قال في البيان: وتفصيل مالك هو عين الفقه.
ولا يُصَلَّى عَلَى شَهِدٍ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ
تصوره ظاهر.
قال أصبغ وغيره: والمرأة [108/ب] والصبي كالذكر البالغ.
وإِنْ كَانَ فِي بلادِ الإِسْلامِ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: لا يصلى على الشهيد إن قتله العدو في بلاد الإسلام على أصح القولين، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وظاهر المدونة.
ابن بشير: وهو المشهور.
ورأى مقابل الأصح أن هؤلاء انحطت درجتهم عن درجة من دخل من المسلمين بلاد العدو، ونقله في الجواهر عن ابن القاسم، والمازري عن ابن شعبان.
ولَوْ كَانُوا نِيَاماً عَلَى الأَصَحِّ
يعني أنه اختلف: هل من شرط ترك الصلاة أن يحاربوا عن أنفسهم أولاً؟ فلا يصلى عليهم، ولو قتلوا نياماً على الأصح، وهو قول ابن وهب وأصبغ.
ومقابله لابن القاسم في العتبية.
ابن يونس: وبالأول أقول، وسواء كانت امرأة، أو صبي، أو صبية.
وقاله سحنون، وهو وفاق لما في المدونة.
انتهى.
ومَنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ ولَمْ يَحْيَ حَيَاةً بَيِّنَةً فَكَذَلِكَ
أي: كالشهيد المقتول في المعترك لا يصلى عليه؛ لأن موته إنما كان من العدو.
وإِنْ لَمْ تَنْفُذْ فَكَفَيْرِ الشَّهِيدِ
أي: فيصلى عليه لاحتمال أن يكون موته من غير القتال.
وفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ
أنفذت ولكن حيا حياة بينة كاليوم وشبهه.
قال في الجواهر: فإن رفع من المعترك ثم مات فالمشهور من قول ابن القاسم أنه يغسل ويصلى عليه، إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما
يكون من غمرة الموت، ولم يأكل، ولم يشرب.
وقال سحنون: إن كان على حال يقتل قاتله بغير قسامة فهو في معنى الميت في المعترك، وإن كان لا يقتل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه.
انتهى.
ونقل المازري عن أشهب أن الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه من مات في المعترك، وأما من حمل إلى أهله فمات فيهم، أو حمل فمات في أيدي الرجال، أو بقي في المعترك حتى مات، فإنه يغسل ويصلى عليه.
قال: وقال مالك: فإن عاش فأكل وشرب غسل وصلي عليه.
وقال ابن القصار: إذا عاش يوماً فأكثر فأكل وشرب غسل وصلي عليه.
ثم نقل عن سحنون القول المتقدم، ثم قال: فتلخص من هذا في أشكال الحياة اختلاف، فأشهب اعتبرها وأخرجه بها عن حكم الشهداء، وسحنون لم يعتبرها.
وما حكيناه عن مالك وابن القصار متقارب.
لكن ابن القصار لم يجعل مجرد الأكل والشرب علماً على الحياة هنا كما جعله مالك حتى حدده، فيمكن أن يكون مالك رأى مجرد الأكل والشرب كافياً في ثبوت الحياة، ولم يره ابن القصار حتى يقدر إليه الزمن الذي ذكره.
انتهى.
ولَوْ كَانَ الشَّهِيدُ جُنُباً فَقَوْلانِ
يعني: أن سحنوناً اشترط في ترك الصلاة على الشهيد سلامته من الجنابة، وأما الجنب فيغسل ويصلى عليه.
وقال أشهب وابن الماجشون: لا يشترط ذلك، فلا يغسل ولا يصلى عليه مطلقاً.
قيل: وهو الأقرب.
فرع:
ولو وُجد بأرض العدو قتيل لا يدرون من قتله، فقال أشهب: يغسل ويصلى عليه.
سحنون: وإذا رموهم بأحجار أو نار، فوجد في المعترك من مات بأحد هذه الوجوه، ولا يدري هل قتله المسلمون أو المشركون هو محمول على أنه من فعل المشركين حتى يظهر خلافه.
ولا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَدْ صُلِّي عَلَيْهِ
هو المشهور.
المازري: وقال الشافعي: تجوز إعادة الصلاة، كمن لم يصل عليه.
وحكى ابن القصار ذلك عن مالك.
ومال ابن العربي إلى الجواز.
ولا عَلَى مَنْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبيِراً
قال في المدونة: ومن اشتَرى صغيراً من العدو أو وقع في سهمه، ثم مات صغيراً فإنه لا يصلى عليه، وإن نوى به سيده الإسلام إلا أن يجيب إلى الإسلام بأمر يعرف.
انتهى.
وذكر في البيان في الصغير من سبي أهل الكتاب هل يجبر على الإسلام أقوالاً.
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: لا يجبر، ولا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب.
قال: وقيل: إنه يجبر على الإسلام، وإن كان معه أبوه.
وهو قول الأوزاعي، والثوري، وظاهر رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة.
واختيار أبي عبيد، قال: لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
وقيل: يجبر على الإسلام إلا أن يكون سُبي معه أبوه –كانا في بلد واحد أو لم يكونا- ولا يلتفت في ذلك إلى أمه؛ وهو قول المدنيين، وروايته عن مالك، ورواية معن بن عيسى.
وقيل: إنه يجبر على الإسلام إلا أن يكون معه أحد أبويه فيكون تبعاً له ما لم تفرق بينهما الأملاك.
وهو قول ابن الماجشون، قال: فإن مات قبل أن يجبر على الإسلام في الموضع الذي يجبر فيه فقيل: يحكم له بحكم الإسلام [109/ أ] لملك سيده إياه، وهو قول ابن دينار، ورواية معن بن عيسى عن مالك.
وقيل: لا يحكم له بحكم بالإسلام حتى ينويه به سيده.
قاله ابن وهب.
وقيل: لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يرتفع عن حداثة الملك شيئاً، ويزينه سيده بزي الإسلام، ويشرعه بشرائعه؛ وهو قول ابن نافع.
وقيل: لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه، ويعقل الإجابة ببلوغه حد الإثغار ونحو ذلك.
وقيل: لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه بعد البلوغ؛ وهو مذهب سحنون.
وأما الصغير من سبي المجوس فلا اختلاف أنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون معه أبواه، أو أحدهما في ملك واحد، أو أملاك متفرقة.
وعلى ما تقدم من الخلاف في سبي أهل الكتاب فإن مات قبل الجبر فعلى ما تقدم من الاختلاف.
واختلف في الكبير من سبي المجوس، هل يجبر على الإسلام أم لا؟ على القولين.
ولم يختلف في الكبير من سبي أهل الكتاب أنه لا يجبر على الإسلام.
ومذهب ابن حبيب فيما ولد للنصراني في ملك المسلمين مثل قول ابن القاسم أنه لا يجبر على الإسلام بخلاف السبي.
وذهب أبو مصعب إلى أنه لا يجبر بالسبي، ويجبر فيما ولد في ملك المسلمين، عكس تفرقة ابن حبيب، فهذا تحصيل الخلاف في هذه المسألة.
انتهى.
ولَوِ ارْتَدَّ مُمَيَّزْ فَقَوْلانِ، ولَوْ أَسْلَمَ ونَفَرَ مِنْ أَبَوَيْهِ فَقَولانِ
هذا الفرع كالبعض من الذي قبله.
وفي المدونة قال: ومن ارتد قبل البلوغ لم تؤكل ذبيحته، ولا يصلى عليه بناء على الحكم بكفره.
وقال سحنون: يصلى عليه لأنه يجبر على الإسلام ويورث.
ونقل ابن عبدوس اتفاق الأصحاب على قتل أولاد المسلمين إذا ارتدوا وتمادوا على الردة بعد البلوغ؛ ذكره المازري.
وقوله: (ولَوْ أَسْلَمَ) أي: أسلم ولد الكافر قبل بلوغه، (ونَفَرَ مِنْ أَبَوَيْهِ) فقيل: يصلى عليه نظراً لحالته الآن.
وقيل: لا لأنه لو رجع إلى دين أبويه لم يقتل.
وذكر المصنف في باب الردة أن الأصح الحكم بإسلام المميز.
وفِي الْمُبْتَدِعَةِ قَوْلانِ
قد تقدم في كفرهم وفسقهم قولان، ولا إشكال على القول بالتفكير أنه لا يصلى عليهم.
ووقع لمالك أنه لا يصلى على القدرية والإباضية وقتلى الخوارج، ولا تتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم، وهذا إما لأنهم عنده كفار- وإلى تأويل المدونة على هذا ذهب بعضهم- أو لأنهم فساق، ولكن تركت الصلاة تأديباً لهم.
وهو تأويل سحنون
وغير واحد، وهو أظهر في مختصر ابن شعبان؛ أنه لا يصلى على من ذكر بالفسق والشر، وروى بعض المدنيين عن مالك أنه قال: من ترك الجمعة لم أرغب في الصلاة عليه إذا مات.
وفي المجموعة عن مالك يصلى على كل مسلم، ولا يخرجه من دين الإسلام حدث أحدثه، ولا جرم اجترمه.
وكذلك قال ابن حبيب: يصلى على كل موحد، وإن أسرف على نفسه بالكبائر.
وأشار المازري إلى أن القول بأنه لا يصلى عليهم محمول على أنه نهي عن الرغبة في الصلاة على مثل هؤلاء، إذا قام يفرض الصلاة غيره، ولهذا قال مالك في رواية ابن وهب في الميت المعروف بالفسق والشر: لا تصلِّ عليه واتركه لغيرك.
قال: وأما إن كان المراد نهي الكل عن الصلاة على مثل هؤلاء فهو خلاف مذهب الأئمة، فلا تحمل هذه الرواية عليه.
وروى ابن شعبان بسنده في مختصره عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلوا على من قال: لا إله إلا الله.
وذكر أيضاً بسنده عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فصلِّ عليه، واستغفر له، وحسابه على الله.
ولهذا الذي أشار إليه المازري أشار المصنف.
ويَنْبَغِي لأَهْلِ الْفَضْلِ اجْتِنَابُ الصَّلاةِ عَلَى مُظْهِرِ الْكَبَائِرِ
فخصص ذلك بأهل الفصل، وهذا هو قول مالك المتقدم خلافاً لابن حبيب.
وإنما لم يصل عليهم أهل الفضل غيرة لله، وردعاً لأمثالهم.
وفِي الإِمَامِ فِيمَنْ قُتِلَ حَدّاً قَوْلانِ
يعني: وفي صلاة الإمام.
والمشهور: العدم.
والشاذ لابن نافع، وابن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: هل صلى عليه الصلاة والسلام على الغامدية؟ وروى اللخمي عكس المشهور، فأشار إلى أنه إذا أقيم عليه الحد فقد حصل له الردع، ومن مات ولم يحد فذلك
الذي يستحب للإمام التخلف عن الصلاة إليه.
ونص أبو عمران على أن الإمام يصلي عليه إذا مات هذا المقدم للقتل خوفاً من القتل قبل إقامة الحد؛ لأن ترك الصلاة من توابع الحد.
[109/ب] ونص في المدونة على أن الناس إذا قتلوا المحارب دون الإمام أن الإمام لا يصلي عليه.
ابن عبد السلام: وكلام المصنف غير واف بالمسألة؛ لأن من قتل قصاصاً يشارك المقتول حداً في هذا الحكم، وكلامه لا يعطي ذلك.
فإن قيل: بل يعطيه لأن مراده بالحد العقوبة، وكأنه يقول من قتل عقوبة.
قيل: الحد حقيقة عرفية في المعنى الذي ذكرناه، فمن أراد استعمالها في غير ذلك وجب عليه البيان.
انتهى.
وقوله: (قُتِلَ حَدّاً) يخرج من لم يكن حده القتل كالزاني البكر، والقاذف، ونحوهما، يموت بسبب ذلك، فقد نص في المدونة على أن الإمام يصلي عليه.
قال المازري: وقد يتخرج على قول من يقول بترك الصلاة على أهل المعاصي ترك الصلاة على هذا.
واختلف في علة ترك الإمام الصلاة على المشهور.
فقيل: للردع والزجر، كما يكره لمن سواه من أهل الفضل الصلاة على أهل الكبائر.
وقيده أنه ينتقم له بقتله، فلا يكون شافعاً له بالصلاة.
انتهى.
قال في البيان: والأول: صحيح في المعنى إلا أنه لا يساعده قوله؛ لتفرقته فيه بين القتل وغيره.
وفي الثاني نظر؛ إذ لا بعد في أنه ينتقم له منه بما شرعه في الدنيا، ويشفع له في العاقبة في الدار الآخرة.
ولا يُصَلَّى عَلَى سِقْطٍ مَا لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ بَعْد انْفِصَالِهِ بِالصُّرَاخِ.
وفِي الْعُطَاسِ، والْحَرَكةِ الْكَثِيرَةِ، والرَّضَاعِ الْيَسِيرِ قَوْلانِ.
وأَمَّا الرَّضَاعُ الْمُتَحَقَّقُ، والْحَيَاةُ الْمَعْلُومَةُ بِطُولِ الْمُكْثِ فَكَالصُّرَاخِ ....
السقط: بضم السين، وفتحها، وكسرها، ثلاث لغات مشهورات، قاله غير واحد.
قال في الجواهر: يورى بخرقة ويدفن.
والخلاف فيما ذكره مبني على خلاف في حال.
والمنصوص عن مالك أنه إذا عطس، أو تحرك، أو رضع لا يحكم له بالحياة.