في رقبته أم لا؟ قال ابن يونس: الصواب أنها جناية في رقبته؛ لأنه لم يتطوع بدفعها له، وإنما دفعها لقوله: أنا حر.
قال: ولا ينبغي أن يختلف في ذلك.
وَالأَوْلَى الاسْتِنَابَةُ وقَدْ تَجِبُ
الأولى للإنسان ألا يتولى تفرقة زكاته خوفاً من المحمدة، وقد تجب الاستنابة إذا علم من نفسه محبة المحمدة ويدخله الرياء، أو لكونه لا يعلم المصارف، أو لجهله المستحق.
وَتُؤَدَّى بمَوْضِعِ الْوُجُوبِ نَاجِزاً
أما إخراجها بموضع وجوبها، فنص في الجواهر أن نقلها غير جائز.
وأما كونها ناجزاً، فنص ابن بشير، وابن راشد وغيرهما على أنه إذا وجد سبب الوجوب وشرطه وانتفاء المانع وجب الإخراج على الفور.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَوْ فَضَلَ نُقِلَ إِلَى الأَقْرَبِ وَلا يُدْفَعُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ
فإن لم يجد في بلده من يعطيه الزكاة أو وجده لكن فضل عنهم، فإنها أو ما بقي ينقل إلى أقرب المواضع، قاله مالك في المدونة، وهذا هو الأصل.
ابن عبد السلام: وربما قالوا بمقدار ما يحل حولها عند وصولها، أو إنما يرسلها عند الوجوب؟ في المذهب قولان: الأول لابن المواز، والثاني للباجي.
ثم إذا أرسلها ففي أجرة النقل قولان، واختلف أيضاً في الإمام إذا احتاج إلى نقلها، فقال مالك: يستأجر عليها من الفيء.
وقال ابن عبد الحكم: تباع ويبتاع مثلها في موضع الحاجة.
فَإِنْ أُدِّيَتْ بِغَيْرِهِ لِمِثْلِهِمْ فِي الْحَاجَةِ، فَقَوْلانِ
أي: فإن نقلت من موضع الوجوب إلى موضع آخر مساو له في الحاجة.
ابن عبد السلام: المشهور [148/ ب] الإجزاء.
انتهى.
ونسبه الباجي لابن اللباد.
وقال سحنون: لا تجزئه.
وجه الأول عموم الآية، ولم يخص فيها فقيراً دون فقير.
ووجه الثاني حديث معاذ، وفيه: "فترد على فقرائهم".
فَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ، فَقَالَ مَالِكٌ: تُنْقَلُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لا تُجْزِئُ
أي: وإن كان ثم بلد أشد حاجة من البلد الذي وجبت فيه الزكاة، فقال مالك في المدونة: فليعط الإمام أهل البلد الذي جيء فيهم ذلك المال ويوجه جله إلى الموضع المحتاج.
فظاهره أنه لا بد من صرف شيء منه في بلد الزرع، وعلى هذا فيقرأ كلام المصنف (ينقل) بالياء المثناة من أسفل، وأما إذا قرئ بالتاء المثناة من فوق، فيقتضي أنها تنقل كلها فيصير مخالفاً للمدونة، وقول سحنون يستلزم تحريم النقل.
قال ابن بشير: وأما إذا كان بأهل موضعها حاجة من غيرهم ليسو بمنزلتهم لم تجز.
تنبيه:
كلام المصنف يدل على منع النقل إذا كانت حاجة غيرهم مساوية أو أضعف الباجي: هو المشهور.
وفي المجموعة: لا بأس أن يبعث الرجل ببعض زكاته إلى العراق، ثم إن هلكت في الطريق لم يضمن، وعلى رواية المنع يضمنها.
فرع:
فإذا قلنا: إنه لا يجوز نقلها من بلد إلى بلد إلا من عذر، فإنه لا بأس أن ينقل زكاته إلى ما يقرب ويكون في حكم موضع وجوبها؛ لأنه لا يلزمه أن يخص بذلك أهل بلد محلته ولا جيرانه، بل يجوز له أن يؤثر أهل الحاجة من أهل بلده، فكذلك ما قرب منها.
وروى ابن نافع عن مالك: أن ذلك لمن يكون زرعه على أميال، فلا بأس أن يحمل من زكاته إلى ضعفاء عنده بالحاضرة.
وقال سحنون: إذا كان مقدارُ لا تقصر فيه الصلاة، وأما ما تقصر في مثله الصلاة فلا تنقل إليهم الزكاة.
انتهى.
وَلَوْ غَابَ عَنْ مَالِهِ وَلا مُخْرِجَ وَلا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ فَفِي وُجُوبهَا بِمَوْضِعِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا كان المسافر معه مال ناض زكاه، فإن كان له مال غائب عنه ببلده وليس لرب المال وكيل على إخراج الزكاة، ولا ضرورة على رب المال بإخراجها بالموضع الذي هو فيه، فهل يخرجها أم لا؟ قولان وهما لمالك، بناء على مراعاة المالك أو المال.
قال صاحب تهذيب الطالب: فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: فإن كان ماله كله ناضاً حاضراً معه فلا شك فيه، ولا اختلاف أنه يزكى بموضعه، وهو وجه.
والثاني: أن يكون بعض ماله ببلده وبعضه حاضر معه فيزكيه، وأما الغائب عنه ففيه الاختلاف.
والوجه الثالث: أن يكون جميع ماله غائباً عنه ببلده، فهذا يكون فيه الاختلاف من قوله: هل يزكيه بموضع هو به أو يؤخره حتى يرجع إلى بلده.
وإنما ذلك إذا كان رجوعه قريباً قبل الحول كما قال أشهب.
انتهى.
واحترز بقوله: (وَلا مُخْرِجَ) مما لو وكل من يخرجها عنه، فلا يؤمر حينئذ بالإخراج اتفاقاً؛ لئلا يخرج مرتين.
قال اللخمي: ويلزمه إذا أراد سفراً بعيداً يعلم أنه لا يعود منه حتى يحل الحول أن يوكل من يخرج عنه.
واحترز بقوله: (وَلا ضَرُورَةَ) من أن يكون على رب المال ضرورة في إخراجها، فإنه لا يلزمه إخراجها حينئذ بالاتفاق.
وَفِي إِخْرَاجِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ قَوْلانِ، وَحُدَّ بِشَهْرٍ، وَنِصْفِ شَهْرٍ، وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَثَلاثَةٍ ..
ابن هارون: المشهور الجواز.
والشاذ رواه ابن نافع عن مالك، وهو قول ابن نافع.
قال: لا يجزئ قبل الحول ولو ساعة.
خليل: وقوله: المشهور الجواز.
إنما نقل صاحب الجواهر والتلمساني وغيرهما الخلاف في الإجزاء وهو أقرب؛ لأنه لا شك أن المطلوب ترك ذلك ابتداء، والجواز قد يوهم خلاف
ذلك، واختلف في حد القرب، فقيل: اليوم واليومان ونحو ذلك، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه العشرة الأيام ونحوها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
والثالث: الشهر ونحوه، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم.
والرابع: الشهران ونحوهما، وهو قول مالك في المبسوط، هكذا ذكر ابن رشد في البيان والمقدمات.
ابن راشد: والقول بنصف شهر لم أره معزواً.
انتهى.
ونقله اللخمي وصاحب التنبيهات ولم يعزواه وكان ينبغي أن يقول بنحو الشهر وبنحو الخمسة الأيام.
فرعان:
الأول: إن أخرجها قبل الحول فضاعت فإنه يضمن، قاله مالك في الموازية.
قال محمد: ما لم يكن قبله باليوم واليومين، وفي الوقت الذي لو أخرجها فيه لأجزأته.
قال في التنبيهات: قيل معنى تجزئه ولا يلزمه غيرها بخلاف الأيام، وذهب ابن رشد إلى أنه متى هلكت قبل الحول بيسير أنه يزكي ما بقي إن كانت فيه زكاة.
قال ابن رشد: يأتي عندي على جميع الأقوال، وإنما تجزئ إذا أخرجها بالرخصة والتوسعة، وأما إذا هلكت ولم تصل إلى أهلها ولا بلغت إلى محلها، فإن ضمانها ساقط عنه، ويؤدي زكاة ما بقي عند حلوله إلا ما تؤول على ما قاله ابن المواز كاليوم واليومين.
انتهى كلامه في التنبيهات.
الثاني: ما ذكرناه من الإجزاء في التقديم اليسير.
قال ابن العربي: هو خاص بالحيوان والعين، وأما زكاة الزرع فلا يجوز تقديمها؛ لأنه لم يملك بعد، نقله في الجواهر.
وَفِيهَا: وَلَوْ زَكَّى دَيْناً أَوْ عَرضاً قَبْلَ قَبْضِهِمَا لَمْ يُجْزِه، وثَالِثُهَا: يُجْزِئ فِي الدَّيْنِ لا فِي الْعَرْضِ ....
أي: ولو زكى عرض الاحتكار بعد الحول وقبل البيع، [149/ أ] أو ديناً بعد الحلول أو قبل القبض، فمذهب المدونة عدم الإجزاء فيهما؛ لأنه هنا قد يطول قبض الدين وبيع
العرض.
وقال أشهب: يجزئ فيهما قياساً على إخرجها قبل الحول بيسير.
وقيل: يجزئ في الدين لا في العرض، لأن رب الدين له تسلط على قبضه، بخلاف البيع فإنه لا قدرة له عليه.
صَدَقَةُ الْفِطْرِ الْمَشْهُورُ وُجُوبُهَا
مقابل المشهور السنة، والمشهور أظهر؛ لما في الموطأ عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم