التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

  • عَلَم: خليل بن إسحاق الجندي
  • الكتاب: التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
  • المؤلف: خليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي المالكي المصري (المتوفى: 776هـ)
  • المحقق: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب
  • الناشر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث
  • الطبعة: الأولى، 1429هـ - 2008م
  • عدد الأجزاء: 8 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما الْمِيَاهُ أَقْسَامٌ

الماء اسم جنس، يقع على القليل والكثير، فحقُّه أن لا يُجمع، لكن جمعه باعتبار اختلاف أنواعه، كاللحوم.
وأقسام جمع قِسْمٍ بكسر القاف، والمراد به النوع، ومرادُه بالأقسام ثلاثةٌ، كما سيأتي.
قيل: وكان ينبغي للمصنف أن يقول: الماء أقسام؛ لأن الجنس يُفرد، ولا يقال للجنس المياه؛ لأنه يلزم عليه وجود المياه في كل نوع؛ لأن النوع يستلزم الجنس وزيادة؛ ولأنه كان يسلم من الإخنبار بالأخصِّ عن الأعم؛ فإن المياهَ جَمْعُ كَثرة، والأقسامَ جمعُ قِلَّةٍ، وإنما يُخبر بالأعمِّ والمساوِي، أما أخص منه فلا.
وكون الماء جنساً هو باصطلاح الفقهاء؛ لأن النوع عندهم جنس، وأما الجنسُ عند الأصوليين فهو ما اجتمع على كثيرين مختلفين بالحقيقة.
والماءُ ليس كذلك، ولعل المصنف- رحمه الله- جَمَعَه ليُنبه على أن كل صنف منه ينقسم إلى الثلاثة الأقسام، وهذا لا يَدْفَعُ كونَ الإفرادِ أَوْلَى.
الْمُطْلَقُ طَهُورٌ؛ وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى خِلْقَتِه

أي القسم الأول: (الْمُطْلَقُ) ومرادُه بالمطلق ما لم يُضَفْ إليه شيء أصلاً، ولذلك قال في الجواهر: الباقي على أوصاف خِلْقَتِه مِن غيرِ مُخالِطٍ.
وليس المطلق عند المصنف مرادفاً للطَّهور؛ لأنه جَعل ما تغيّر بما لا يَنفكُّ عنه غالباً مُلحقاً بالمطلق، والملحقُ بالشيء خلافُه.

وعلى هذا فالطَّهورُ أعمُّ مِن المطلق، وتفسيرنا المطلق لا يَرِدُه اعتراضُ مَن اعتَرض بأنه يَخرج عنه ما انتقل مِن عذوبةٍ إلى ملوحةٍ، وبالعكس؛ إذ هو لم يُخالطه شيءٌ، لكن كلامَ القاضي عبد الوهاب يقتضي أن المطلقَ مرادِفٌ للطَّهورِ، فإنه قال: الماءُ ضربان: مطلقٌ ومضافٌ، والتطهيرُ بالمطلق دونَ المضافِ، والمطلقُ هو ما لم تتغير أحدُ أوصافِه بما لا ينفك عنه غالباً مما ليس بقَرارٍ له ولا متوَلِّدٍ عنه، فيدخل في ذلك الماءُ القَرَاحُ، وما تَغيَّر بالطينِ لأنه قَرارُه، وكذلك ما يجري على الكِبْرِيتِ، وما تغيَّر بطولِ المُكْثِ؛ لأنه متولِّدٌ عنه، وما تغير بالطُّحْلُبِ؛ لأنه مِن مكثِه، وما انقلبَ مِن العذوبة إلى الملوحة؛ لأنه مِن أرضِه وطولِ إقامته، ويَدخل فيه المستعملُ على كراهة مِنَّا لَهُ، وكذلك القليلُ الذي لم تُغيره النجاسةُ.
والمضافُ نقيضُ المطلقِ، وهو ما تغيرتْ أوصافُه وأحدُها مِن مخالطةِ ما يَنفك عنه غالباً، انتهى.
فأنت ترى كيف جَعل ما يُطهر به مطلقاً.
وقوله: (وَهُوَ) أي المطلقُ، وقدَّم حكمَه على تَصَوُّرِه، وإِنْ كان على خِلافِ الأَوْلَى، لأن المقصودَ بالذاتِ الحكمُ، فكان أهمَّ، وما ذكرَه ابنُ عبد السلام، بأنه قال: إنما ذَكَر ذلك لأنه أَلحق بالمطلق أنواعاً أُخَرَ، فلو ذّكر جميعَها قبلَ الخبرِ لحصَل للناظرِ تشويشٌ- ليس بظاهرٍ؛ لإمكانِ ذِكْرِها بعد الخَبَرِ.
وَيُلْحَقُ بِهِ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِمَا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِباً كَالتُّرَابِ وَالزِّرْنِيخِ الْجَارِي هو عَلَيْهِمَا، وَالطُّحْلُبِ وَالْمُكْثِ ...

إنما أُلحق المتغيرُ بهذه الأشياء بالمطلقِ لمشقةِ الاحترازِ مِن المُغَيِّرِ المذكورِ، وقد حكى ابنُ المنذرِ الإجماعَ على طهورية المُتَغَيِّرِ بالمُكْثِ.
والطُّحْلب بضمِّ اللام وفَتْحِها، وقد حكَى ذلك الجوهريُّ وغيرُه، وهو خضرةٌ تَعْلو على الماءِ لِطُولِ المُكْثِ، والمكثُ: طُولُ الإقامةِ.

ونَقَلَ سندٌ عن مالك كراهةَ المتغيرِ بالطحلبِ مع وجودِ غيرِه.
واحتَرَزَ بالغالب مما غَيَّرَ وليس بغالبِ، كورقِ الشجرِ، وفيه قولان: الجوازُ لشيوخِنا العراقيين، والمنعُ للإِبِّيَانِيِّ، حكاهما الباجيُّ.
وكذا المتغيرُ بأرواثِ الماشيةِ، فإن مالكاً قال مرة: لا يُعجبني، ولا أُحرِّمُه.
اللخمي: والمعروفُ من المذهب أنه غيرُ مطهِّرٍ.
قال سند: ليس الأمر على ما قاله اللخميُّ، بل إنما تردّد مالك في ذلك أنه رآه غالباً.
ويخرج بقولنا: (غَالِباً) المتغيرُ بحبل السَّانِيَةِ، فإنه يَضُرُّ، ففي أسئلة ابن رشد في الإناء الجديد، والحبل الجديد: إذا كان التَّغَيُّرُ يسيراً- جاز الوضوء به، وإن تغيّر تغيراً بَيِّناً لم يَجُزِ الوضوءُ به، نقلَه سندٌ.
وأما رائحةُ القَطِرَانِ تبقى في الوعاءِ وليس له جسمٌ يُخالطُ الماءَ- فلا بأسَ به، ولا يُستغنى عنه عند العرب وأهل البوادي، فأما إذا أُلْقِيَ في الماء، وظَهر عليه، فإِنْ راعينا مُطلقَ الاسم- قلنا بجواز الوضوءِ به، وإن راعينا مجرد التغيير- منعناه.
قال: والأَوَّلُ عندي أرجحُ كما قال أصحابُ الشافعيِّ.
ابنُ راشد: ونُقل عن بعض المتأخرين الجوازُ في القِرَبِ للمسافر بها للحج للضرورة.
وأَبْرَزَ الضميرَ في قوله: (الْجَارِي هو) لكَوْنِ الصِّفَةِ إذا جَرَتْ على غيرِ مَن هي له- فمذهبُ البَصريين وجوبُ إبرازِه مطلقاً [1/ب]، وعند الكُوفيين إنما يجب عند اللَّبْسِ.
وَالْمُتَغَيِّرُ بِالْمُجَاوَرَةِ أَوْ بِالدُّهْنِ كَذَلِكَ

صورة التغير بالمجاورة أن تكون جِيفَةٌ بإزاءِ ماءٍ فتنقُلُ الريحُ رائحةَ تلك الجيفةِ إلى الماء فيتغيرُ، ولا خلافَ في هذا.

حكى المازَرِيُّ في المُبَخَّرِ بالمَصْطَكَى ونحوِها قولين للمتأخرينَ بنَاهما على أنه مجاورٌ فلا يَسلب الطهوريةَ، أو مُخالِطٌ فيسلب، والظاهرُ أنه مخالِطٌ، ولم يَحْكِ اللخمي غيرَه.
وأما الدُّهْنُ، فقد أُنكر ما ذَكره المصنفُ؛ لأن المعروفَ مِن المذهب أن الدهنَ يَسلب الطهوريةَ، وممن ذكر أنه يسلب الطهورية ابنُ بشير، وعلى هذا يُحمل كلامه على ما إذا كان مجاوِراً لسطح الماء، وإليه أشار ابنُ عطاء الله.
وقال ابن راشد: ولا يُقال: يَلزم عليه التكرارُ، وكان يستغني بالمجاورة؛ لأنَّا نقول: أراد أن يُبين أن المجاور الذي لا يَضُرُّ قسمان: قسمٌ غيرُ ملاصِقٍ، وقسمٌ ملاصقٌ.
وقال بعضُهم: أراد ما يَصعد على الماءِ الراكِد بِطُولِ المكثِ مما يُشْبِهُ الدهنَ.
وقال آخرون: أراد بالدهنِ الماءَ القليل، أو المطرَ القليلَ.
والدهنُ يُطلق على ذلك لغةً، ولا يَخْفَى ضعفُه.
وَمِثْلُهُ التُّرَابُ الْمَطْرُوحُ عَلَى الْمَشْهُور

الضمير في (مِثْلُهُ) عائدٌ على (ما) أي: ومثل ما لا يَنفك عن الماء غالباً الترابُ المطروحُ على المشهور، والمرادُ بـ (الْمَطْرُوحُ) المطروحُ قصداً، لا ما ألقته الريحُ، فإنه لا خلافَ فيه أنه لا يَضُرُّ.
ووجهُ مقابلِه أن الماءً منفكٌّ عن هذا الطارئِ فيسلبه الطهورية كالمطعومات.
وليس الخلافُ خاصّاً بالتراب، بل هو جارٍ في المُغْرَةِ والكِبْرِيتِ ونحوِهما.
وخصَّصَ الترابَ بالذكر- والله أعلم- تبعاً لابن شاسٍ.
وقد ذَكَرَ مجهولُ الجلّابِ أن المشهورَ في الترابِ وغيرِه واحدٌ، وهو عدمُ سلبِ الطهورية.
لكن قال ابن يونس: الصوابُ في المِلْحِ سلبُ الطهورية.

فائدة: قاعدةُ ابنِ الحاجب وغيرِه مِن المتأخرين أَن يَستغنوا بأحد المتقابلين عن الآخَرِ، ومقابلُ المشهورِ شاذٌّ، ومقابلُ الأشهرِ مشهورٌ دونَه في الشهرةِ، وكذلك في الصحيح والأصحِّ، والظاهرِ والأظهرِ، ويُقابل المعروفَ قولٌ غيرُ معروفٍ، ولم تَطَّرِد للمصنف- رحمه الله- قاعدةٌ في مقابلِ المنصوصِ، فقد يكون منصوصاً، وقد يكون تخريجاً وهو الأكثرُ.
وكلما قال: (وفيها) فمرادُه المدونةُ وإِنْ لم يتقدم لها ذِكْرٌ؛ لاستحضارِها ذِهْناً عند كلِّ مَن اشتغلَ في المذهَبِ.
ولهذا قال ابنُ رُشْدٍ: نِسْبَتُها إلى كتبِ المذهَبِ كنسبةِ أمِّ القرآن إلى الصلاةِ، يُستغنى بها عن غَيْرِها، ولا يُستغنى بغيرها عنها، ولا يأتي بقولِه فيها في الغالبِ إِلّا لاستشهادٍ أو استشكالٍ.
وإذا قال: (ثالثها) فالضميرُ عائدٌ على الأقوالِ المفهومةِ مِن السياقِ.
وحيث أَطلقَ الروايةَ- فالمرادُ بها قولُ مالكٍ.
و (القولُ) يحتملُ أنْ يكونَ للإمامِ أو غيرِه.
ومِن قاعدته أيضاً أن يَجعل القولَ الثالثَ دليلاً على القولين الأوَّلَيْنِ، فيَجعل صَدْرَه دليلاً على الأول، وعَجُزَه دليلاً على الثاني، إلا في النادر، وسأنبه عليه.
ومِن قاعدتِه أنه إذا ذَكر قسمةً رباعيةً أن يبدأ بإثباتين ثم بنفيين، ثم بإثبات الأول، ونفي الثاني، ثم بعكسه.
ومِن قاعدتِه أنه إذا صَدَّرَ بقولٍ ثم عَطَفَ عليه بقيل- أَنْ يكون الأول هو المشهورُ.
ومِن قاعدتِه إذا حكَى الاتفاقَ- فمرادُه أهلُ المذهبِ، وإذا حكى الإجماعَ فمرادُه إجماعُ الأُمَّةِ.

ومِن قاعدتِه إذا ذَكَرَ أقوالاً وقائِلِينَ- أَنْ يَجعل الأوَّلَ مِن الأقوال للأوَّلِ مِن القائِلِين.
وسيتضحُ لك ما ذكرتُه بالنظرِ في كلامِه، إِنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
والإشارةُ في هذا الكتاب: بالراء لابن راشدٍ، وبالعينِ لابن عبدِ السلامِ، وبالهاءِ لابن هارونَ، وإذا ظَهَرَ لي شيءٌ أشرت إليه بالخاءِ.
وَفِي الْمِلْحِ ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْدِنِيِّ وَالْمَصْنُوع

أي: الملحُ المطروحُ، وأما ما كان مِن القَرَارِ- فقد تقدَّمَ أنه يُغتفرُ اتفاقاً، فَوَجْهُ القولِ بعدمِ تأثيرِه أنه مِن جِنْسِ الأرضِ، فكان كالترابِ، وهو قولُ ابنِ القَصَّارِ، وابنِ أبي زيدٍ، وابنِ راشدٍ.
ووَجْهُ القولِ بتأثيرِه أَنَّهُ يُشبِه المطعومَ، وهو قول القابِسِيِّ.
وتفرقُه الثالثِ ظاهرةٌ، وهكذا حَكَى المازريُّ الثلاثةَ، ووَجَّه الثالثَ بأنَّ المعدنيَّ حكمُه حكمُ الترابِ في جوازِ التيممِ؛ فلم يُؤَثِّرَ، ونَسَبَ سندٌ الثالثَ للباجي، وفي ذلك نظرٌ؛ لأن الباجي لمي َجزم به، وإنما ذَكَرَه على طريقِ الاحتمالِ، فقال بعد أَنْ حكَى عدمَ التأثيرِ عندَ ابنِ القصارِ: يحتملُ أن يكون ذلك في الملحِ المعدنيِّ، وأما المصنوعُ فلا.
سندٌ: والأَوْلى عكسُه؛ لأن المصنوعَ أصلُه ترابٌ، بخلافِ المعدنيِّ، فإنه طعامٌ، وفيه نظر.
ونقلَ ابنُ بَشِيرٍ خلافاً: هل القولُ الثالثُ تفسيرٌ أم خلافٌ؟ فرع: حكَى ابنُ رشدٍ في طَهوريةِ ماءِ الملحِ الذائبِ في غيرِ موضعِه بعد أنْ صارَ ملحاً- ثلاثةَ أقوالٍ للمتأخرين: أحدُها: أنه على الأصلِ، لا يُؤثر فيه جمودُه.
والثاني: أنَّ حُكمَه

حُكمُ الطعامِ فلا يُتَطَهَّرُ به، ويَنْضَافُ به ما غَيَّرَ مِنْ سائرِ المياه.
والثالثُ: أن جمودَه إنْ كان بعنايةٍ وصنعةٍ- أَثَّرَ، وإِلَّا فلا.
وَالْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِه

فلا كراهة فيه، وفيه تنبيهٌ على خلافِ الشافعيةِ [2/أ]، فإِنَّهم يَكرهون المُسَخَّنَ في الشمسِ لِلطِّبِّ، واقتصرَ عياضٌ- في بعضِ كُتُبِه- وسندٌ في المشمس على الكراهةِ.
الثَّانِي: مَا خُولِطَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَالْكَثِيرُ طَهُورٌ بِاتِّفَاقٍ، وَالْقَلِيلُ بِطَاهِرٍ مِثْلُهُ.
وَوَقَعَ لابْنِ الْقَابِسِيِّ: غَيْرُ طَهُورٍ ...

إن كان مرادُه بالكثيرِ ما اتفقتِ الأُمَّةُ على كثرتِه- فصحيحٌ، وإِنْ كان مرادُه ما هو كثيرٌ عندَ قومٍ دونَ قومٍ- فلا يَصِحُّ؛ لأن ابنَ رشدٍ قال في البيان في الماء إذا لم يُغَيِّرْهُ مخالِطٌ: إنه طَهورٌ، إلا على روايةِ ابنِ نافعٍ عن مالكٍ، وهي كمذهبِ أبي حَنِيفَةَ.
وأُجيبَ بأنَّ المصنفَ إِنَّما ذَكَرَ الاتفاقَ في الكثيرِ، ومالكٌ في روايةِ ابنِ نافعٍ هذه لا يَرى هذا الماء كثيراً، وأُورِدَ على المصنِّفِ أنَّ ما خُولِطَ ولم يتغير مُطْلَقٌ، لا سيما الكثير، فلا يكون هذا القسمُ قَسيماً للمطْلَقِ، وتفسيرُنا أوَّلاً المطلَقَ يَدْفَعُ هذا، لكن على هذا كان ينبغي أن يذكر هذا في القسم الأول، ويجعلَه مما أُلحق بالمطلقِ.
والعبارةُ التي حكاها عن القابسيّ حكاها الباجيّ وابنُ شاسٍ، وحكى ابنُ بَشيرٍ وغيرُه كراهتَه خاصَّةً، وأشار صاحبُ النُّكَتِ إلى أنه خَرَّجَه على قولِ مَن رَأَى أَنَّ الماءَ القليلَ إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ ولم تُغَيِّرْهُ- أنه غيرُ طَهورٍ.
ابنُ عبدِ السلامِ: وإنْ كان هذا هو الصحيح فقد يُقال: لا يَلْزَمُ مِن تنجيسِ الماءِ اليسيرِ عدمُ طهوريةِ الماءِ بما أُضيف إليه؛ لأ، مُسْتَنَدَ مَن حَكَمَ بالنجاسةِ قولُه صلى الله عليه وسلم: "إِذا بَلَغَ الماءُ قُلًّتَيْنِ لم يَحْمِلْ خَبَثاً".

ومفهومُه أَنَّ ما دُونَ القُلتين يَحْمِلُ الخبثَ، ولا يَلزمُ مِن تأثيرِ النَّجِسِ تأثيرُ الطاهرِ؛ لأنَّ النجسَ يَسْلُبُ وَصْفَيْ الطَّهوريةِ والطهارةِ، والطاهرُ إنما يَسلب الطهوريةَ فقط، فهو أضعفُ، ولا بُدَّ في الكلام مِنْ حَذْفٍ، أي وَقَعَ لابنِ القابسي فيه.
وَفِي تَقْدِيرِ مُوَافِقِ صِفَةِ الْمَاءِ مُخَالِفاً نَظَرٌ

يعني: إذا خالط الماءَ أجنبيٌّ يُوافقُ أوصافَه الثلاثةَ ولم يُغيره، فهل يُقَدَّرُ مخالفاً أو لا؟ وفيه نظرٌ.
والنظرُ في وجودِ التغيرِ وعَدَمِه، وَجْهُ النظرِ تَعَارُضُ مُدْرَكَيْنِ قويين سيأتيان، وعلى هذا فلا نَصَّ في المسألةِ، ولذلك قال ابنُ عطاء الله: إنه لم يَقِفْ في هذه المسألةِ على شَيْءٍ.
قال: والذي أَراه أَنه إِن وَجَدَ غيرَه- لم يَسْتَعْمِلْه، وإن لم يَجِدْ غيرَه- تَوَضَّأَ به وتَيَمَّمَ.
ابنُ راشد: ومِن ابنِ عطاء الله أَخَذَ المصنفُ، وعلى هذا مَشَّاهُ ابنُ هارونَ وابنُ عبد السلام.
وقد تَرَدَّدَ سندٌ فيمن وَجَدَ مِن الماءِ دونَ ما يَكفيه، وخَلَطَه بماءِ الزَّرْجُونِ أو غيرِه مما لا يُغَيِّرُهُ، هل يَتطهر به لأنه ماءٌ لم يَتغير، أو لا؟ لأنه تَطَهَّرَ بغيرِ الماءِ جَزْماً.
قال: والظاهرُ أنه لا يُتطهر به.
ثم نَقَلَ عن بعضِ الشافعيةِ التفرقةَ بينَ ذلك وبينَ مَن معه مِن الماءِ ما يَكفيه، وخَلَطَ به قَدْرَه مِن المائِعِ، فقال بالإجْزَاءِ في هذه دُونَ الأُولَى، ثم إذا فُرض أنه مخالفٌ- فيُنظر في الواقعِ إما أن يكون طاهراً أو نجساً، وإما أن يكون الماءُ قليلاً أو كثيراً- أَجْرِهِ على ما تقدم.
فإن قيل: لِمَ لا حَمَلْتَ كلامَه على أن النظرَ في كيفيةِ التقديرِ؟ إذ لا يُدرَى بأي نوع يُلحقه من المخالفات، أو على أن استَشكل قولَ مَن جَزَمَ بوقوعِ التقديرِ في المذهبِ؟.
فجوابُه: أنه منعني مِن الحَمْلِ عليهما كوني لم أَرَ نقلاً يُوافِقُهما، والله أعلم.
ابنُ عبد السلام: ويكون ذلك في صورتين: إحداهما: أَنْ يُخالطَه موافقٌ لصفةِ الماءِ كماءِ الريحانِ المقطوعِ الرائحةِ.
والثاني: أن يكون متغيراً بما لا يَنْفَكُّ عنه غالباً، فيُخالِطُه مائعٌ موافقٌ لِصِفَتِه.

ووجهُ النظرِ هو أنْ يُقال: يَصْدُقُ عليه أنه ماءٌ باقٍ على خِلْقَتِه، وذلك يقتضي إباحةَ استعمالِه.
أو يقال: لا نُسَلِّمُ أنه باقٍ على خِلْقَتِه؛ لأن اللونَ والطعمَ الموجودَين- والحالةُ هذه- إنما هما وَصْفانِ للمخالِط والماءِ، وأدنى الأمورِ الشكُّ في هذا، وذلك يقتضي تَجَنُّبَ هذا الماءِ.
خليل: هذان المُدْرَكانِ اللذان قلنا: سيأتيان.
ثم قال ابنُ عبد السلام: واعلمْ أنَّ الأصلَ التمسكُ ببقاءِ أوصافِ الماءِ حتى يُتحققَ زوالُها- أو يُظنَّ- كما لو كان المخالطُ للماء هو الأكثرُ، ولا تُقدر الأوصافُ الموافقةُ مخالفةً لعدمِ الانضباط مع التقدير؛ إذْ يَلزمُ إذا وقعتْ نقطةٌ أو نقطتان مِن ماءِ الزَّهْرِ مثلاً أَلَّا تُغير، ولو كان مِن ماءِ الورْد لأَثَّرَ، وكذلك ربما غَيَّرَ مقدارٌ مِن ماءِ الوَرْدِ ما لم يُغيره مِن ماءٍ آخرَ مِن مياه الوردِ لرداءتِه، فلو رُوعي مثلُ هذا لَمَا انْضَبَطَ، والشريعةُ السمحةُ تَقتضي تَرْكَ ذلك، انتهى بالمعنى.
وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا قَدَّرْنَاه بالوَسَطِ- كما هو الأصح عند الشافعية- وجعلنا الماءَ كأنَّه غيرُ مُغَيَّرٍ في صورةِ ما إِذَا كان مُغَيّراً بِقَرَارِه- لم يَلْزَمْ ما ذُكِرَ، والله أعلم.
فرع: ذَكَرَ المازريُّ إذا شُكَّ في المغيّر هل أَثَّرَ أم لا، أنّه لا تأثيرَ لذلك.
قال: ولا يُنْقَلَ الماءُ عن أصلِه- استصحاباً للأصلِ- حتى يَتحقَّقَ وجودُ ما مِن شأنِه أَن يُؤثر فيه.
وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ طَهُورٌ، وَكُرِهَ لِلْخِلافِ، وَقَالَ: لا خَيْرَ فِيهِ.
وَقَالَ فِي مِثْلِ حِيَاضِ الدَّوَابِّ: لا بَاسَ بِهِ.
أَصْبَغُ: غَيْرُ طَهُورٍ.
وَقِيلَ: مَشْكُوكٌ فيه فَيَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِصَلاةٍ وَاحِدَةٍ ....

المستعملُ في الحَدَثِ ما تَقَاطَرَ مِن الأعضاءِ، أَوْ ما اتَّصَلَ بها، والمشهورُ أنه طَهورٌ، ولكنه مكروهٌ مع وجودِ غيرِه للخلافِ.
وتقييدُه بالحَدَثِ يُخرجُ المستعملَ في غيرِ حدثٍ إذا لم يرفعْ حَدَثاً، كالمستعملِ في الأَوْضِيَةِ المستحبةِ، وغسلِ الجمعةِ.

وظاهرُ قولِه في المدونة: لا يُتوضأ بما قد تُوُضِّئَ به مرةً.
دخولُ الأوضيةِ المستحبةِ، وقد عُلِّلَتِ [2/ب] الكراهةُ في هذه المسألةِ أو المنعُ بأوجهٍ غيرِ ما قاله المصنفُ: الأول: أنه أُدِّيَتْ به عبادةٌ، الثاني: لكونه أزال المانعَ، الثالث: لكونه لا تُعلم سلامتُه من الأوساخِ.
قال القرافي في الذخيرة: قال بعض العلماء: وعلى الأوَّلَيْنِ تَجوز الرابعةُ بلا إشكالٍ، ويُنظر على التعليلِ الثالثِ هل كان نظيفَ البَدَنِ أم لا؟ وعلى الثاني: يَجوز المستعملُ في الأوضيةِ المستحبةِ، والعكسُ في غَسْلِ الذِّمِّيَّة، انتهى.
الرابع: أنه قد ذهبتْ قوتُه في عبادةٍ فلا تُفْعَلُ به أُخْرَى.
الخامس: لأنه ماءُ الذنوبِ.
السادس: لأنه لم يُنقل عن السلفِ جَمْعُ ما سَقَطَ مِن الأعضاء واستعمالُه مع كونهم بالحجازِ والماءُ قليلٌ.
وفي كل هذه التعاليلِ المذكورةِ إشكالٌ لا يَخفى عليك.
وذَكَرَ سندٌ أنَّ مشهورَ المذهبِ كراهةُ استعمالِ ماءٍ استُعْمِلَ في الحَدَثِ فقط دونَ التجديدِ.
فقد قال في المدونة في الجنبِ يغتسلُ في القَصْرِيَّةِ: لا خَيْرَ فيه.
وقال في الطاهِرِ: لا بأسَ به.
وهذا يُوافق كلامَ ابنِ الحاجبِ، لكن ما ذكره سندٌ إنما يأتي على أحدِ التأويلاتِ، وقد ذَكَرَ عياضٌ في هذه المسألة ثلاثةَ تأويلاتٍ: أحدُها: أنَّ قولَه في القصرية: لا خير فيه.
محمولٌ على أنه دَخَلَها قبلَ غسلِ ما به مِن الأذى، وذكره ابنُ أبي زَمَنِينَ عن بعضِ شيوخِه.
ثانيها: أن جوابَه قَبْلَ الفِعْلِ، فلذلك شَدَّدَ ابتداءً عليه لما وَرَدَ مِن النهيِ عن الاغتسالِ في الماءِ الدائمِ.
ولو سُئل عَمَّن فَعَلَ ذلك لكان جوابُه فيها كجوابِه في مسألة الحوضِ، أنه إِذا غسل ما به من الأذى وإِلَّا أَفْسَدَها، ذكره عن بعضِ الشيوخِ.

ثالثُها: وهو الذي يَأتي عليه ما قاله سندٌ- ما قاله أبو محمد مِن أنَّ المسألةَ محمولةٌ على الإطلاقِ- وإن لم يَكُنْ في بدنِه أذىً- لقولِه: كماءٍ تُطُهِّرَ به مَرَّةً.
قال القاضي: وهو أسعدُ؛ لأنه كجوابِه في الماءِ المستعملِ سواءٌ.
ولتعلمْ أنّ الخلافَ الذي ذكره المصنفُ إنما هو في حقِّ مَن سَلِمَتْ أعضاؤه مِن النجاسةِ وغيرِها، وأما إِنْ كان نجسَ الأعضاءِ- فهو ماءٌ حَلَّتْه نجاسةٌ، وأما إِنْ كان وَسِخَ الأعضاءِ- غيرَ نجسِها- فهو ماءٌ حلّته أوساخٌ طاهرةٌ فَأَجْرِهِ على ما تقدم.
وعلى كلٍّ مِن التعاليلِ لا يَنبغي أنْ يُؤتى بالمستعمل في قسمِ ما خُولِطَ ولم يتغير، إلا على الثالث، فقد يُؤتي به، وقد لا يؤتي به، إذ لا تَلزَمُه المخالطةُ في حقِّ الخارجِ مِن الحمَّامِ مَثَلاً.
ونَصَّ ابنُ القاسم بعد قولِ الإمامِ مالكٍ (لا خَيْرَ فِيهِ) على أنه إذا لم يَجِدْ غيرَه- أَنَّهُ يتوضأ به.
وحَمَلَ غيرُ واحدٍ مِن الشيوخِ المختَصِرِين قولَ مالكٍ (لا خَيْرَ فِيهِ) على معنى: لا خيرَ فيه مع وجودِ غيرِه، فإذا لم يُوجد غيرُه- فكما قال ابنُ القاسم؛ فهما متفقان.
عياضٌ: وعلى ذلك أكثرُ المختَصِرِينَ.
وقال ابنُ رشدٍ: هما مختلفان، ورَجح بأنّ ظاهرَ (لا خَيْرَ فِيهِ) التحريمُ؛ لأن المكروهَ لا يُنفى عنه الخيرُ نفياً عامّاً، وقوله (وَقَالَ فِي مِثْلِ حِيَاضِ الدَّوَابِّ: لا بَاسَ بِهِ) أي لكثرته.
وقوله: (أَصْبَغُ: غَيْرُ طَهُورٍ) أي قال أصبغُ: هو غيرُ طهورٍ.
وقال اللخميُّ وغيرُه: هو قولُ مالكٍ في مختصرِ ابن أبي زيد، ومذهبُ ابنِ القاسم في كتاب ابنِ القَصَّار؛ لأن ابن القصار حَكَى عنه أنه يتيممُ مَن لم يَجِدْ سِواه.
وحكى بعضُهم عن الأَبْهَرِيِّ أنه تأوَّل ما وَقَعَ لابنِ القاسم في كتابِ ابنِ القصارِ- على أنه يَتوضأ به ويتيمم.
وقوله: (وَقِيلَ: مَشْكُوكٌ فيه) لم يُصرِّح قائلُ هذا القولِ- وهو الأبهري- فيما حكاه ابنُ القصار بأنه مشكوكٌ فيه، كما ذَكَرَ المصنفُ، وإنما قال: يتوضأ به ويتيمم.
قال اللخميُّ: وأَراه في معنى المشكوكِ وفي حُكمِه.
وصرّح ابنُ عطاء الله بأنه قولٌ ثالثٌ في المسألة- كما

ذكر المصنف- واعْتَرَضَه ابنُ راشدٍ بأن الأبهري إنما ذَكَرَه مفسِّراً لقولِ ابن القاسم، والتفسيرُ لا يُعَدُّ خِلافاً.
فائدة: كثيراً ما يّذكر أهلُ المذهبِ: الحُكْمُ كذا، مراعاةً للخلافِ.
ويقولون: هل يُراعَى كُلُّ خلافٍ أو المشهورُ؟ وهل المشهورُ ما قَوِيَ دليلُه، أو كَثُرَ قائلُه؟ خلافٌ.
وكذلك اختُلِفَ في المشهور في مذهبِنا، والذي ذهبَ إليه المغاربةُ أنه مذهبُ المدونةِ.
ابنُ عبد السلام: والذي يَنبغي أَنْ يُعتمد أنّ الإمام- رحمه الله تعالى- إنما يُراعي ما قَوِيَ دليلُه، وإذا قَوِيَ فليس بمراعاةِ خلافٍ، وإنما هو إعطاءُ كلٍّ مِن الدليلين ما يَقتضيه مِن الحُكْمِ مع وجود المُعَارِضِ، فقد أجازَ الصلاةَ على جلودِ السباعِ، وأَكْلَ الصيدِ وإنْ كان أَكَلَ الكلبُ منه، وأباح بيعَ ما فيه حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ غيرِ الطعامِ قَبْلَ قَبْضِهِ مع مخالفةِ الجمهورِ فيها، فَدَلَّ على أنَّ المرَاعَى عنده إنما هو قوةُ الدليلِ.
فرع: وأما الترابُ إذا تَيمم عليه مَرَّةً- فيَجُوزُ أنْ يَتيمم عليه مرةً أخرى، ولا يُكره ذلك.
نَص عليه في العتبية، وفَرَّق بينه وبين الماءِ المستعملِ عبدُ الحقِّ وابنُ رشد بأنّ الماءَ لابُدَّ أنْ يتعلق به أوساخٌ بخلافِ الترابِ.
وَالْقَلِيلُ بِنَجَاسَةٍ: الْمَشْهُورُ: مَكْرُوهٌ.
وَقِيلَ: نَجِسٌ.
وَفِيهَا: فِي مِثْلِ حِيَاضِ الدَّوَابِّ أَفْسَدَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى- أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، فَحُمِلَ عَلَى النَّجَاسَةِ لِلتَّيَمُّمِ، وَعَلَى الْكَرَاهَةِ لِلْوَقْتِ، وَعَلَى التَّنَاقُضِ.
وَقِيلَ: مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيَتَوَضَّأُ بِهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِصَلاةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ لِصَلاتَيْنِ، فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدُ فَعَلَهُمَا لِصَلاةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .... اختُلف في مقدارِ القليلِ، فوقع لمالكٍ أنه آنيةُ الوضوءِ والغسلِ.
وفي كلام عبد الوهاب أنه الحُبُّ والجَرَّةُ، وقال بعضُ المتأخرِين: إنه القُلَّتَانِ، على ما جاء في الحديث.
والقلتان:

خمسُمائة رَطْلٍ بالبَغْدادي.
وقال بعضُهم: ليس له حَدٌّ بمقدارٍ، [3/أ] بل بالعادةِ.
هكذا حكى ابنُ عبد السلام هذه الأقوالَ.
وقال ابنُ راشدٍ: ليس في المذهبِ في القليلِ حَدٌّ.
ورأيتُ لابن رُشْدٍ أنَّ اليسيرَ قدرُ ما يَتوضأُ به ويَغتسلُ.
قال: والمعلومُ مِن قولِ ابنِ القاسم وروايتِه عن مالكِ: أَنه مِثْلُ الجرةِ.
وإن لم يَفْسُدْ مِن قطرةِ البولِ فإنه يَفسد بما هو أكثرُ مِن ذلك، وإن لم يتغيرُ بخلافِ الجُبِّ والمَاجَلِ فإنه لا يَفسد بما وقع فيه إلا أَنْ يَتغير.
وحاصلُ ما ذَكَرَ المصنفُ ثلاثةُ أقوالٍ: المشهورُ أنه طَهورٌ إلا أنه يُكره استعمالُه مع وجودِ غيرِه؛ لما رواه أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ: قيل: يا رسول الله، أنتوضأُ مِن بئرِ بُضَاعَةَ، وهي بئرٌ تُلقى فيها الجِيفَةُ والنَّتْنُ ولحومُ الكلاب؟ قال: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنْجِسُه شيء" صحَّحه الإمامُ أحمدُ وحسَّنَه الترمذيُّ.
ولا يُعارِضُه حديثُ القُلتين، فإنه إنما يَدُلُّ بالمفهومِ، وأيضاً فإنَّ المفهومَ إنما يُعمل به إذا لم يَكُن ثَمَّ دليلٌ أرجحُ منه.
وقد اختَلف الناسُ في صِحَّةِ حديثِ القُلتين، فصحَّحه الدارقطنيُّ وابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ حِبَّانَ، وتَكلم فيه ابنُ عبد البر وغيرُه.
وقيل: الصوابُ وَقْفُهُ.
ومِنْ ثَمَّ وَقَعَ في المذهبِ قولٌ أَنَّهُ غَيْرُ مكروهٍ، حكاه اللخميُّ ولم يَعْزُهُ.
ثم قال: ورَوى أبو مصعبٍ عن مالكٍ أنه قال: الماءُ كلُّه طاهرٌ إلا ما تَغَيَّرَ لونُه أو طعمُه أو رِيحُهُ بنجاسةٍ حَلَّتْ فيه مَعِيناً كان أو غَيْرَ مَعِينٍ.
وقال: فعلى هذا يُتوضأ به مِن غيرِ كراهةٍ.
وذَكَرَ ابنُ بَشير أن اللخمي حكاه عن أبي مصعب، وليس بظاهرٍ؛ لأنه لم يُصَرِّحْ به عن أبي مصعبٍ، ثُم رَدَّه ابنُ بَشير لعدمِ وجودِه في المذهبِ، وليس رَدُّ ابنِ بشير بشيءٍ؛ لأنَّ حاصلَه شهادةٌ على نَفْيٍ.
وأَوْرَدَ ابنُ راشد سؤالاً، وهو أن المكروهَ ليس في فعلِه ثوابٌ، وقد صحَّ الوضوءُ به، والصحةُ تستلزمُ الثوابَ، فكيف يُجمع بينهما؟ انتهى.

القول الثاني: أنه نَجِسٌ، وهو قولُ ابنِ القاسم، واختاره صاحبُ الرسالة.
وقوله: (وَفِيهَا) أتى بما في المدونة- والله أعلمُ- للترددِ، لقوله: (أَفْسَدَهَا) هل معناه أَنْجَسَها، أو معناه يُجتنب مع وجودِ غيرِه، أو يُجمع بين الماءِ والتيمم؟ وأَتَى بقولِ ابنِ القاسم ليَذكر ما قيل فيه، وتَصورُه مِن كلامِه واضحٌ.
واعترضَه ابنُ راشد بأنَّ ابنَ القاسم لم يَقُلْ ذلك فيما تَحَقَّقَ وقوعُ النجاسةِ فيه، وإنما قاله في سُؤْرِ ما يأكلُ الجِيَفَ إذا لم تَتَحَقَّقْ بِفِيهِ نجاسةٌ، ولا يَلزمُ تساوي الغالبِ بالمحقَّقِ.
وقوله: (فَحُمِلَ عَلَى النَّجَاسَةِ لِلتَّيَمُّمِ ...) إلى آخره، أي أن الأشياخَ اختلفوا في حَمل كلامِ ابنِ القاسمِ، فحملَه عبدُ الحميد والسُّيُورِيُّ على أَنَّ الماءَ عنده نجسٌ، وجَعَلَ الإعادةَ في الوقتِ مراعاةً للخلافِ، وحَمَلَه ابنُ رشد على أنَّ الماءَ عنده نجسٌ، وجَعَلَ الإعادةَ في الوقتِ مراعاةً للخلافِ، وحَمَلَه ابنُ رشد على أنَّ الماءَ عنده مكروهٌ؛ لكونِه أَمَرَه بالإعادةِ في الوقتِ، وإلى هذين التأويلين أشارَ بقوله: (فَحُمِلَ عَلَى النَّجَاسَةِ لِلتَّيَمُّمِ، وَعَلَى الْكَرَاهَةِ لِلْوَقْتِ).
ومِن الأشياخِ مَن عَدَّه تناقُضاً، وإليه أشار بقوله: (وَعَلَى التَّنَاقُضِ) وحمله عبد الوهاب على أنه يَجمعُ بينَ الماءِ والتيممِ، وضَعَّفَه عياضٌ بِبُعْدِه عن اللفظِ.
قال في المقدمات: ولم يفرّق ابنُ القاسم في الإعادةِ في الوقت بينَ أن يكون جاهلاً أو متعمداً، أو ناسياً.
وقال ابنُ حبيب في الواضحة: إن كان عامداً أو جاهلاً- أَعَادَ أبداً.
وقَيَّدَه أبو محمدٍ والبراذعيُّ في اختصارِهما: الإعادةُ في الوقتِ بعَدَمِ العِلْمِ.
وتُعُقِّبَ ذلك عليهما لِعَدَمِ وجودِه في الأَصْلِ، وكأنهما عَوَّلا في ذلك على ما في كتابِ الصلاةِ الأوَّلِ منها، وذلك أنه قال في باب ما تُعاد الصلاةُ منه في الوقتِ: قال مالكٌ فيمَن تَوضأ بماءٍ غيرِ طاهرٍ وصَلى وهو يظن أنه طاهرٌ، ثم عَلِمَ به، قال: يُعيد ما دام في الوقتِ، فإنْ مضَى الوقتُ لم يُعِدْ، ويَغسلُ ما أصاب ذلك الماءُ مِن جسدِه ومِن ثوبِه.

وقوله: (وهو يظن) يَدُلُّ على أنه كان غيرَ عالِمٍ، لكنَّ أبا سعيدٍ لم ينقل هذه المسألةَ في كتابِ الصلاةِ، ولا أَتى بها على ما هي عليه في كتابِ الوضوءِ، قاله عبدُ الحق.
والقولُ الثالث- مما حكاه المصنفُ- أنه مشكوكٌ فيه، أي لا يُتَحَقَّقُ هل هو نجسٌ أو طاهرٌ؟ ثم اختُلِفَ على هذا القول على قولين.
الأول: لابن الماجِشُونِ: يتوضأ أوّلاً ثم يتيمم للصلاة الواحدة، وإلى تقديم الوضوء- قبل التيمم- أَشار بقوله: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) فإِنّ ثُمَّ للترتيبِ.
والثاني: لسُحْنُونٍ: أنه يتيمم أوّلاً ثم يُصلي، ثم يتوضأ ويصلي ثانياً؛ ليكون قد صَلَّى صلاةً مُتَيَقِّناً فيها السلامةَ مِن النجاسةِ.
وقوله: (فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدُ فَعَلَهُمَا) هو فرعٌ على قولَيْ مَن قال بالشكِّ، أي إذا أَحْدَثّ بعد أن فَعَلَ بمقتضى كلٍّ مِن القولين، فإنهما يتفقان على أنه يتوضأ ثم يتيمم لصلاةٍ واحدةٍ؛ لأن ما كان يخاف منه- على القول الثاني- وهو تلطيخُ أعضائِه بالنجاسةِ قد حَصَلَ.
اللخمي: وكذلك لو لم يُحدث فإنه يتيمم ويصلي.
واعترض ابنُ رشد هذا القولَ، أي قولَ مِن قال: إنه مشكوك فيه.
وقال: الشكُّ ليس بمذْهَبٍ، وإنما هو وَقْفُ حَيْرَةٍ، وإنما المشكوكُ فيه ما شَكَّ في تغيره بالنجاسة، أو في حلولها فيه عند مَن يَرَى مُطْلَقَ الحُلولِ مانعاً وإنْ لم يتغير، ففي هذين الوجهين يُعتبر الشكُّ.
ابن هارون: وفيه عندي نظرٌ؛ لأن الشكَّ في الحكمِ قد يَحصل بتعارضِ الأدلةِ عند المجتَهِدِ فيرَى بالاحتياطِ.
وَالْجَارِي كَالْكَثِيرِ إِذَا كَانَ الْمَجْمُوعُ كَثِيراً، وَالْجَرْيَةُ لا انْفِكَاكَ لَهَا أي: والماءُ الجاري إذا وقع فيه مُغَيِّرٌ نجساً كان أو طاهراً، يُريد: والمستعملُ تحتَ الواقعِ، وأما لو كان فوقَه لم يَضُرَّ وإن كان يسيراً.
ابن هارون: إلا أن يقرب منه جداً.
انتهى.

وهذه المسألةُ على وجهين: أحدُهما: أنْ يَجري الماءُ بذلك المغيِّرِ الحالٍّ- مع بقاءِ بعضِه في محلِّ الوقوعِ- إلى محل الاستعمالِ، ففي هذا الوجهِ يُنظر إلى مجموع ما بين محلِّ [3/ب] الوقوع والاستعمالِ، فقد يكون يسيراً، وقد يكون كثيراً، والحالُّ أيضاً إما أن يكون نجساً أو طاهراً، أَجْرِهِ على ما تقدم، ولا تَعتبر هنا المجموعَ مِن محلِّ النجاسةِ إلى آخِرِ الجِزْيَةِ.
والوجه الثاني: أَنْ يَنْحَلَّ المُغَيِّرُ، وفي هذا الوجهِ يُنظر إلى مجموعِ ما بين محلِّ الوقوعِ ومحلِّ تأثيرِ ذلك التغييرِ، فلو كان مجموعُ الجريةِ كثيراً، ومِن محل الوقوعِ إلى محل الاستعمال يسيراً- جاز الاستعمالُ، لكونِ المغَيِّرِ قد ذَهب في جميعِ ذلك، ولا كذلكَ الوجهُ الأولُ.
ابنُ هارون: واعتُرض على المصنف بأنَّ اشتراطَ عدمِ الانفكاكِ لا معنى له إذا كان المجموعُ كثيراً؛ لأنه مع الكثرة لا يُجتنب إلى المتغيرُ دون غيرِه، انقطعتْ جِريتُه أو اتصلتْ، وأُجيب بأنه تأكيدٌ لقوله: إذا كان المجموع كثيراً.
انتهى.
وهذا ما ظَهر لي مِن البحث في كلامه، ولم أَرها منصوصةً للمتقدِّمين هكذا؛ نَعَمْ قال أبو عمر بنُ عبد البرِّ في كافِيهِ: إنّ الماءَ الجاريَ إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ جَرَى بها فما بعدَها منه طاهرٌ.
وأشار عياضٌ في الإكمالِ لَمَّا تكلم على قولِه عليه الصلاة والسلام: "لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ" إلى أنَّ الجاري كالكثير، والله أعلم.
الثَّالِثُ: مَا خُولِطَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الرِّيحَ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ التَّغْيِيرَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَفِي التَّطْهِيرِ بِالْمَاءِ بَعْدَ جَعْلِهِ فِي الْفَمِ قَوْلانِ ... تصورُه ظاهرٌ، ومعنى حُكمه كمغيِّره، أي: إِن كان المغيِّر نجساً كان الماء نجساً، وإن كان المغيرُ طاهراً كان الماء طاهراً غيرَ مطهِّرٍ، وانظرْ إذا خالطَه مشكوكٌ فيه.
وروى بعضُهم أنَّ سببَ الخلافِ بينَ ابنِ الماجشونِ والمذهبِ الخلافُ في زيادةِ العَدْلِ؛ لأنَّ (الرِّيحَ) لم يَقَعْ في كلِّ الطُّرُقِ.

واعتُرض على قولِ مَن قال: ولعلَّه قصدَ التغييرَ بالمجاورة.
لأنه لا يَصِحُّ لقيامِ الدليل على امتناعِ انتقالِ الأَعْرَاضِ، فلا بُدَّ مِن انتقالِ أجزاءٍ يَقع تغيرُ الريحِ بها.
وأُجيب بأَنَّا لا نعني بتغيير المجاورَة إلا أنا لا نُشاهد الحالَّ الذي وقعَ التغييرُ بسببه.
قيل: ووقع كلامُ ابن الماجشون في مختصر الثَّمانِيَةِ صَريحاً فيه أَنه لا يَعتبر الريحَ، بما لا يَقبل هذا التأويل.
والقولان في الماءِ بعد جعلِه في الفم راجعان إلى خلافٍ في حال: هل يمكن أن ينفك عنه الماء بصفته أم لا؟ والجوازُ رواه موسى بن معاوية عن ابن القاسم، والمنعُ رواه أشهب في العتبية، واتفقا على أنه لو تَحقق التغييرُ لأَثَّرَ.
وَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجَاسَةِ فَقَوْلانِ بِخِلافِ الْبِئْرِ تَزُولُ بِالنَّزْحِ يعني: أنه اختُلف إذا زال تغيرُ النجاسة بنفسِه على قولين، فمَن رأى أن الحكمَ بالنجاسة إنما هو لأجل التغيير وقد زال، والحكمُ يدور مع علته وجوداً وعدماً- حَكَمَ بالطهوريةِ، ومَن رأى أنَّ الأصلَ أن النجاسةَ لا تزولُ إلا بالماء، وليس هو حاصلاً- حَكَم ببقاءِ النجاسةِ، وصَوَّب هذا الثاني ابنُ يونس.
ابن راشد: وسمعت بعضَ الفقهاء يقول: الخلافُ إنما هو في الماء الكثير، وأما اليسيرُ فهو باقٍ على التنجيس بلا خلافٍ.
قال شيخُنا- يعني ابن دقيق العيد-: والخلافُ أيضاً في البولِ نفسِه إذا زالتْ رائحتُه.
ويُؤيد ما قاله الخلافُ في بول المريض الذي لا يَستقر الماءُ في معدتِه، ويَبُوله في صِفَتِه.
انتهى.
فإنْ زال تغيرُ النجاسة بكثرة المطلَقِ كان طَهوراً اتفاقاً، وإليه أشار بقوله: (بِخِلافِ الْبِئْرِ تَزُولُ بِالنَّزْحِ) أي: فلا خلافَ في طَهوريته.

وَأَمَّا الْمَاءُ الرَّاكِدُ كَالْبِئْرِ وَغَيْرِهِ تَمُوتُ فِيهِ دَابَّةُ بَرٍّ ذَاتُ نَفْسٍ سَائِلَةٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَيُسْتَحَبُّ النَّزْحُ بِقَدْرِهَا بخِلافِ مَا َلْو وَقَعَ مَيِّتاً ... الراكد هو الواقف، وقوله: (تَمُوتُ) احترازاً مما لو وقع ميتاً، فإن حكمَه مخالفٌ.
وقوله: (دَابَّةُ بَرٍّ) احترازاً من دابة البحر، فإنها إذا لم تغير لا يُستحب النزحُ.
وقوله: (ذَاتُ نَفْسٍ سَائِلَةٍ) احترازاً مما ليس له نفسٌ سائلةٌ كالعقربِ والزنبورِ، فإنهما إذا وقعا في ماء فماتا فيه فإنه- إذا لم يَتغير- لا يُستحب النزحُ، والمرادُ بالنفسِ السائلةِ الدمُ الجاري.
وقوله: (وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) احترازاً مما لو تغير، فإنه يجب نزحُه حتى يزول تغيرُه.
وقوله: (بِقَدْرِهَا) أي: بقدر الميتة، ويتحمل بقدر البئر.
وفي بعض النسخ: بقدرهما.
وهو أظهرُ.
ولمراعاتهما قال ابنُ الجلاب: على قدرِ كثرةِ الماء وقلته، وصِغَرِ الدابةِ وكبرِها.
وعلى هذا فالصورُ أربعٌ: تارةً يكثُر الماءُ وتصغُر الدابةُ، فيقلَّلُ مِن النَّزْحِ، وتارًة يَقِلُّ الماءُ وتكبُر الدابةُ، فيُزادُ في النزحِ، وتارة يُتَوَسَّطُ، إما لكِبَرِ الميتةِ وكثرةِ الماء، وإما لقلةِ الماء وصِغَرِ الميتةِ.
وإنما يُستحب النزحُ لأن الله تعالى أجرَى العادةَ أن الحيوانَ عند خروجِ رُوحه تنفتح مَسَامُّه، وتَسيل رُطوباتُه، ويَفتح فاه طلباً للنجاة فيدخل الماء ويَخرج برطوباته، وذلك مما تَعافُه النَّفْسُ، فأُمِرَ بالنزح ليزول ذلك، ولهذا قال بعضُهم: إذا نَزَحَ فيُنقص مِن الدلوِ شيئاً يسيراً؛ لأنه إذا مُلِئَ تطفو الدُّهنيةُ فيُنزلها الماءُ فلا يَكون النزحُ مُعتبراً.
وما ذكره المصنف مِن استحبابِ النزحِ إذا لم يتغيرْ هو ظاهرُ المذهب، وحكى الباجي قولاً عن مالك بوجوب النزحِ، وهو ظاهر المدونة في مواجِلِ بُرْقَةَ، فإنه قال: لا يُشرب منها، ولا بأس أن تُسقى منه المواشي.

سحنون: وينجس بولُ الماشية الشاربةِ.
فلذلك حَمل أبو الحسن ما في المدونة على أن الماءَ تَغير، واستدل لذلك بكلام سحنون، وفي كلام ابن عبد السلام هنا نظرٌ.
وقوله: (الرَّاكِدُ) يشملُ كل ما له مادةٌ، وما لا مادةَ له.
وقوله: (كَالْبِئْرِ) يُخَصِّصُ ما له مادةٌ.
وذكر ابنُ شاسٍ في الماء إذا تغير- ولا مادة له- وذهب التغيرُ بنزحِ [4/أ] بعضِه: أَنَّ في طهوريةِ الباقي قولين.
وقوله: (بخِلافِ مَا َلْو وَقَعَ مَيِّتاً) أي: فإنْ تغير وَجَبَ نزحُه، وإن لم يتغير لم يجب ولم يُستحب، لِفَقْدِ العلةِ التي ذُكرت للاستحباب إذا مات في الماء، والمخالفةُ إنما هي في عدمِ التغير، وأما مع التغير فالحكمُ متساوٍ، وهو وجوبُ النزح، وفي المذهب قولٌ أنَّ ما وقع ميتاً بمنزلةِ ما مات فيه.
وَالْجَمَادَاتُ- مِمَّا لَيْسَ مِنْ حَيَوَانٍ- طَاهِرَةٌ إِلا الْمُسْكِرَ يريد بقوله: (مِمَّا لَيْسَ مِنْ حَيَوَانٍ) ما قال ابن شاس وغيره، ويعني بالجمادات ما ليس بذي روحٍ، ولا منفصلٍ عن ذي رُوحٍ، وإنما أخرجنا المنفصلَ عن الحيوانِ لأنَّ منه ما هو نجسٌ، كما سيأتي.
وقوله: (إِلا الْمُسْكِرَ) أي: فإنه نجسٌ، وسواء كان من العِنَبِ أو من غيرِه، وهذا هو المشهورُ خلافاً لابنِ لُبابَةَ وابنِ الحَدَّادِ فإنهما قالا بطهارةِ الخَمْرِ، والأوّلُ أظهرُ، لقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة: 90].
والرجسُ النجسُ، ولأن القول بطهارتِها يَستلزم جوازَ استعمالِها.
وقصدُ الشَّرْعِ الإبعادُ عنها بالكُلِّيَّةِ.
فائدة: تنفع الفقيهَ يَعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرَقِّدِ، فالمسكرُ ما غيّب العقلَ دون الحواسِّ مع نشوة وفرح، والمفسدُ ما غيّب العقل دون الحواس لا مع نشوة وفرح كعسل البلادر، والمرقد: ما غيب العقل والحواس كالسَّيْكَرانِ.

وينبني على الإسكارِ ثلاثة أحكام دون الآخرين: الحدُّ والنجاسةُ، وتحريمُ القليل.
فإذا تقرر ذلك فللمتأخرين في الحشيشة قولان: هل هي من المسكرات، أو من المفسدات المرقدات؟ مع اتفاقهم على المنع مِن أكلها.
واختار القرافي أنها من المفسدات المرقدات، وقال: لأني لم أَرَهُم يميلون إلى القتال والنصرة، بل عليهم الذلة والمسكنة، وربما عَرَضَ لهم البكاءُ.
وكان شيخنا- رحمه الله تعالى- الشهير بأبي عبد الله المَنُوفي يختار أنها من المسكرات، قال: لأنا رأينا مَن يتعاطاها يبيع أموالَه لأجلِها، فلولا أن لهم فيه طرباً ما فَعَلوه، بدليل أنا لا نجد أحداً يبيع داره ليأكل بها سيكراناً، وهو واضح.
وَالْحَيَوَانَاتُ طَاهِرَةٌ، وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْخِنْزِيرُ وَالْكَلْبُ نَجَسٌ.
فَقِيلَ: عَيْنُهُمَا.
وَقِيلَ: سُؤْرُهُمَا لاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ ... المشهور أن جميعَ الحيوانات طاهرةٌ حتى الكلبُ والخنزيرُ خلافاً لسحنون وابن الماجشون، ثم اختُلف على قولهما هل المرادُ حقيقة الكلام؟ ويكون المراد عينُهما، أي ذاتُهما نجسةٌ كمذهب الشافعيِّ، أو مرادُهما المجازُ، وأطلق النجاسة عليهما والمراد سؤرهما، والأولُ أظهرُ؛ لأن الأصلَ في الكلام الحقيقةُ، وأيضاً فلا تجدهم يطلقون هذا اللفظِ على غيرهما مما يُشاركهما في نجاسة السؤرِ، وأطلق في الكلب ولم يقيده، وكذلك نقل في الإكمال فقال لما تكلم في الولوغ: وخالفَ الشافعيُّ في نجاسة الكلب، وحُكي هذا عن سحنون وعبد الملك.
ونقل اللخمي عن سحنون التفرقةَ، وأنه قال: كلُّ كلب لم يُؤْذَنْ في اتخاذه نجسٌ، وكلُّ كلب أذن في اتخاذه فهو طاهرٌ.
وحصل في المقدمات في سؤر الكلب أربعةُ أقوال: الأول: الطهارة، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة.
والثاني: النجاسة.
الثالثُ: الفرقُ بين الكلب المأذون في اتخاذه وغيرِ المأذون في اتخاذه.
الرابع:

الفرق بين البدوي والحضري، وهو قول ابن الماجشون في رواية ابن أبي زيد عنه.
انتهى.
قال في الإكمال: والثلاثةُ الأُوَلُ لمالكٍ.
وَالْمَيْتَاتُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إِلا دَوَابَّ الْبَحْرِ، وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ كَالْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ ...

يعني: أن الميتات كلها نجسة إلا ميتتين: دوابّ البحر لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
رواه مالك.
وما لا نفسَ له سائلٌ، والمراد بالنفسِ السائلةِ ما له دمٌ.
وربما قالوا: وليس بمنقولٍ.
فإن الذباب مما لا نفس له سائلة، وقد وُجد فيه دمٌ.
وهذا على أحد القولين وسيأتيان.
ونقل سند عن سحنون أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسةٌ، ولكن لا تُنَجِّسُ غيرَها، واستدل علماؤنا بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنه يؤخر الدواء".
أخرجه البخاري.
وفي غمسِه تعريضٌ لتلفه المستلزمِ تنجيسَ ما يُغمس فيه لو كان نجساً.
عياضٌ: والزنبور بضم الزاي.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَا فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَمَاتَا فِيهِ لَمْ يَفْسُدْ الضمير في وقعا عائد على ميتة الماء، وما لا نفس له سائلة، وقوله: (لَمْ يَفْسُدْ) أي: لم ينجس.
وهل يجوز استعماله؟ أما لو وقعتْ فيه دابةُ بحرٍ فإن لم يتغير فطهورٌ، وإلا فطاهر فيستعمل في العادات، وأما البريّ الذي لا نفس له سائلة فإن لم يتغير فطهورٌ، ولا يقال إنه مما خالطته ميتةٌ؛ فإن المذهبَ افتقارُ ما لا نفس له سائلة إلى الذكاة، كما قال ابن هارون؛ لأن المشهورَ طهارة هذه الميتة، ولو بنينا على الشاذِّ فغايتُه أن يكون ماءً خالطتْه نجاسةٌ ولم تغيره، وما كان كذلك فلا يُمنع استعماله، وإن تغير الماء لم يستعمل في العبادات اتفاقاً.

نقله في التنبيهات، قال: وهل ينجسُ الماءُ المتغيرُ بما لا نفس له سائلة؟ اختُلف فيه.
ومذهب أشهب تنجيسُ ما خالطه بطبخٍ أو شبهه، وأنكره عليه سحنون، والصواب أنه لا ينجس ما لا نفس له سائلة، قال: وأما أكل الطعام إذا تحلل فيه أو طبخ فيه، فاختلف فيه أيضاً، والصوابُ أنه لا يؤكل إذا كان مختلطاً به وغالباً عليه، وإن تميز الطعامُ عنه أُكِلَ الطعامُ دُونَه، ولا يُؤكل الخَشاشُ على الصحيح من المذهب إلا [4/ب] بذكاةٍ، وإن كان بعضُ الشيوخ خرّج أكله بغيرِ ذكاة على الخلاف في الجرادِ، وإليه ذهب عبد الوهاب، وفيه نظر.
انتهى كلام صاحب التنبيهات.
وزعم أبو الحسن الصغير أن في كلام عياض تناقضاً؛ لأنه قال: لا ينجس بالموت.
ثم قال في الطعام والشراب: والصوابُ أنه لا يؤكل إذا كان مختلطاً به.
خليل: وليس بِبَيِّنٍ، وإنما يثبت ذلك إذا كان بينَ عَدمِ الأكل والنجاسةِ ملازمةٌ، فتأملْه.
وقد نقلَ ابنُ بَشير الاتفاقَ على أنه لا يَنجس بالموت، وفيه نظرٌ لما تقدم مِن حكاية عياضٍ وسندٍ فيه الخلافَ.
وَفِي الآدَمِيِّ قَوْلانِ أي: وفي نجاسة الآدمي الميتِ قولان: القول بالنجاسة لابن القاسم وابن شعبان، والقول بالطهارة لسحنون وابن القصار، واختاره عياض، وذكر عياض عن بعضِ المتأخرين التفرقةَ بتنجيس الكافر بخلاف المسلم، وقصَر بعضُهم الخلافَ على المسلم، قال: أما الكافر فلا يختلف في نجاسته.
وأنكره بعضهم، وكذلك روى بعضهم أن ما أُبِينَ منه في حال الحياة لا يُخْتَلَفُ في نجاسته.
ابن عبد السلام: وليس كذلك؛ قال: فمذهبُ المدونة في كتاب الرضاعِ النجاسةُ.
وقال بعضُ العراقيين: ظاهرُ المذهب الطهارةُ.
وهو الذي تعضده الآثارُ مِن تقبيله صلى الله عليه وسلم عثمانَ بن مظعون، وكذلك صلاته على ابنِ بيضاء في المسجد، وكذلك

الصحابةُ بعده صلوا على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في المسجد، وكلامُ عائشة رضي الله تعالى عنها الْمَشْهُورِ من أجل سعد بن أبي وقاص.
انتهى.
وهذا الخلافُ عندي لا يدخل فيه أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكيف بجسده صلى الله عليه وسلم.
وَالْمَشْهُورِ أَنَّ السُّلْحُفَاةَ وَالسَّرَطَانَ والْضِّفْدِعَ وَنَحْوَهُ مِمَّا تَطُولُ حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ بَحْرِيٍّ كَغَيْرِهِ ...... قوله: (تَطُولُ حَيَاتُهُ) قال ابن القاسم في رواية عيسى: وإن كان يرعى في البر.
وقوله: (بَحْرِيٍّ كَغَيْرِهِ) أي كغيره من سائر البحريات، فلا يفتقر إلى ذكاة، ولا ينجس بالموت، ومقابل الْمَشْهُورِ لابن نافع.
وانظر هل هذا الخلاف خاصٌّ بما إذا مات بالبر أو هو جارٍ إذا ماتَ في البر والبحر.
قال الجوهري: والسحلفاة - بفتح اللام - واحدةُ السلاحف.
وحكى الرُّؤَاسِي سُلَحْفِيَة، والأفصح في الضفدع كسر الضاد والدال، وفيه لغة ثانية بفتح الدال ذكرهما الجوهري وغيره.
وَالْمُذَكَّى الْمَاكُولُ طَاهِرٌ وَغَيْرُهُ سَيَأتِي وفي بعض النسخ "وغيره ميتة" يعني أن الحيوان المأكول إذا حصلت فيه ذكاة فهو طاهر، ولا شك في ذلك.
وقوله: (وَغَيْرُهُ) يدخل فيه ثلاثة أقسام: المذكي غير المأكول كالسباعِ، وميتة المأكولِ، وميتة غيرهِ.
وعلى نسخةِ (سَيَأتِي) لا إشكالَ، والنسخةُ الأخرى (ميتة) وهي الموجودة عند ابن عبد السلام- يَلْزَمُ عليها نجاسةُ جلود السباعِ، والمذهب خلافه، وعلى هذا فالصحيحُ نسخة (سَيَأتِي).

ابن عبد السلام بناءً على ما وقع في نسخته: وعدل عن أن يقول: (وغيره نجس) إلى (ميتة) لأن لفظَ الميتةِ لا يدلّ على نجاسةِ الشعورِ كما هو المذهب، ولو قال: (نجس) لفُهِمَ منه نجاسةُ الشعور.
وَمَا أُبِينَ مِنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ مِنَ الشَّعَرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ طَاهِرٌ، وَقِيلَ: إِلا مِنَ الْخِنْزِيرِ، وَقِيلَ: وَالْكَلْبُ .... الضمير في (مِنْهُ) عائد على الحيوان المفهوم من السياق، وقد وقع في بعض النسخ ظاهرًا غيرَ مضمر، وحاصل ما ذكره ثلاثة أقوال: الْمَشْهُورِ طهارةُ جميع ما ذكره.
الثاني: استثناءُ شعر الخنزير.
الثالثُ: استثناء شعر الخنزير والكلب.
والمراد بالشعر الطاهر ما جُزَّ، وأما ما نُتف، فهو غيرُ طاهر لِمَا تَعَلَّق به مِن أجزاءِ الميتة، نص عليه ابن المواز.
وَالْقَرْنُ وَالْعَظْمُ وَالظَّلْفُ وَالسِّنُّ نَجِسٌ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: طَاهِرٌ.
وَقِيلَ بالْفَرْقِ بَيْنَ طَرَفِهَا وَأَصْلِهَا.
وَكَذَلِكَ نَابُ الْفِيلِ: وَقِيلَ: إِنْ صُلِقَ طَهُرَ والقرنُ والعظمُ معلومان، والظلفُ للبقرة والشاة والظبي، والظفر للبير والإوز والدجاج والنعام ونحوها، يعني أن هذه الأشياء الأربعة نجسة من الحيوان الميت على الْمَشْهُورِ لقوله تعالى: ﴿يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 87].
فإن قيل: هو على حذف مضاف.
أي: أصحاب العظام، قيل: الإضمارُ على خلاف الأصل.
واعتُرض بأن الإحياء في الآخرة، وأما في الدنيا الإنشاء، وأجيب بالإجماع على أن النشأة الثانية كالأولى، وإنما غاير بين اللفظين في الآية تنبيهًا على أن القادرَ على الأصعب قادرُ على الأهون.
ابن عبد السلام: انظر تحقيقَ هذا الإجماعِ، فقد جاء أن أهل َ الجنة طولُ أحدهم ستون ذراعًا، وأن الكافر يعظم جسمه في جهنم حتى يكون كأُحُدٍ، ولا مانع من أن يحيي الله تعالى منه ما كان ميتًا في الدنيا تكميلاً لنعيمه أو عذابه.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن زيادة

أهل الجنة بعد دخولهم الجنة، وذلك لا ينافي أن يكونوا في المحضر على صورتهم في الدنيا، وكذلك القول في أهل النار.
انتهى.
وقال ابن وهب: الجميعُ طاهرٌ بناءً على أن الحياة لا تحله كالشعر، وقيل بطهارة طرفِ القونِ دون أصلِه.
وقوله: (وِكِذَلِكَ نَابُ الْفِيلِ) ففيه الثلاثة، وكأنه إنما أفره لاختصاصه بالطهارة بالسلق، وإلا فهو قرن، وليس القول خاصًا به بل هو عامّ، حكى الباجي والتلمساني عن ابن وهب أنه إذا سلقت عظامُ الميتة جاز بيعُها، وكأنه يرى السلقَ هنا كالدباغ في الجلد.
وما ذكره المصنفُ في نابِ الفيل مِن أنه نجس - هو كقول ابن بشير: الْمَشْهُورِ أنه لا يُستعمل ولا يُتَّجَرُ فيه.
وفي المدونة: وكره الادَّهان في ناب الفيل.
اللهم إلا أن تكون الكراهةُ محمولةً على التحريمِ.
[5/ أ] وفي الرسالة: وكُرِه الانتفاعُ بأنيابِ الفيلِ، وقد اختلف في ذلك.
فرع: فإذا ذُكِّيَ الفيل فقال أبو بكر الأبهري: يُنتفع بجلده وعظمه مِن غيرِ دبغٍ كجلود السباع وعظامها.
وَالرِّيشُ شَبِيهُ الشَّعَرِ كَالشَّعَرِ، وَشَبِيهُ الْعَظْمِ كَالْعَظْمِ، وَمَا بَعُدَ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ والريش ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فشبيهُ العظم حكمُه حكمُ العظم.
قال ابن شاس: حكمُ الريش الطهارةُ في شبيه الشعر، وأما ما فيه مِن شبه العظم فما أصله الدم والرطوبة- كالعظم، وما بَعْدَه فعلَى القولين.
وشبيهُ الشعر هو الزُّغْبُ المكتنفُ للقَصَبَةِ.
وقوله: (وَمَا بَعُدَ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ) أي: المتقدمَين في أطراف القرون.

وَالدَّمْعُ وَالْعَرَقُ، وَاللُّعَابُ وَالْمُخَاطُ مِنَ الْحَيِّ طَاهِرٌ أي: كل ما لا مَقَرَّ له يَسْتَحِيلُ فيه.
وَالْقَيْءُ الْمُتَغَيِّرُ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ نَجِسٌ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إِنْ شَابَهَ أحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ يعني أن القيءَ على ثلاثةِ أقسام: إن كان باقيًا على هيئة الطعام لم يَحُلْ فهو طاهرٌ اتفاقًا.
ابن عبد السلام: على أنه قلَّ أن يخلو مِن الأخلاطِ عادةً المحكومِ لها بالنجاسة.
وحكى القرافي عن سند: إن المعِدَةَ عندنا طاهرةٌ لعِلَّةِ الحياةِ، والبلغمُ والصفراءُ، ومرائرُ ما يؤكل لحمه طاهرةٌ، والسوداءُ والدمُ نجسان.
وهكذا نقل في قواعده في الفرق الرابع والثمانين أن السوداءَ والدمَ عند المالكية وغيرهم نجسان، والبلغمُ والصفراءُ طاهران من الآدمي وغيرِه، وإن شَابَهَ أحدَ أوصاف العَذِرَةِ فهو نجسٌ اتفاقًا، وإن لم يشابِه فظاهرُ المدونة أنه نجسٌ، وخالف في ذلك اللخمي، قاله ابن عطاء الله وابن هارون.
وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ نَجِسٌ، وَغَيْرُهُ طَاهِرٌ.
وَقِيلَ: قَوْلانِ كَأَكْلِهِ اعلم أن فضلة الحيوانات على قسمين: قسم منه لا مقر له يستقر به كالدمع، وهو محكوم له بالطهارة وقد تقدم.
وقسم له مقر يَستحيل فيه، وهو على قسمين: قسم يستحيل إلى صلاحٍ كاللبن والبيض، وسيأتي حكمهما.
وقسم يستحيل إلى فسادٍ كالدم والعذرة.
أما الدم فالمسفوح - أي الجاري - نجس إجماعًا، وغيرُ المسفوح - كالجاري في العروق - نقل المصنف فيه طريقتين: الأولى: أنه طاهر بلا خلاف.
والثانية: أن فيه قولين: أي قول بالطهارة، وقول بالنجاسة، وهذه طريقة ابن شاس.
وأما الأُولَى فمل أَرَها لغيرِ المصنف؛ أعني الحكمَ بطهارته فقط لوجودِ الخلافِ، نعم القولُ بنجاستِه شاذٌّ، والْمَشْهُورِ الطهارة لقول عائشة رضي الله عنها: لو حُرِّمَ غيرُ المسفوحِ لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم على عهد رسوال الله صلى الله عليه وسلم والبُرْمَةُ تعلوها الصُّفرةُ.

وقوله: (كَأَكْلِهِ) أي في الأكل أيضاً الطريقان، وأفاد بالتشبيه الحكمَ، وقد يفعل المصنفُ مثل هذا في كتابه، أي يُشبه بشيء لإفادة الحكم وإن لم يتقدم له ذِكْرٌ، كما قال: ويسر كالإمام والمتفرد وسيأتي.
والمِسْكُ وفَارَتُه طاهران بإجماع الأُمة، نقله الباجي، لكن إنما حكاه المازري عن الجمهور، وحكى عن طائفة قليلة أنهم يقولون بالنجاسة.
قاله في أول كتاب البيوع.
واعلمْ أنَّ الطريقَ عبارةٌ عن شيخ أو شيوخ يَرون أن المذهب كله على ما نقلوه، فالطرقُ عبارةٌ عن اختلافِ الشيوخِ في كيفيةِ نقلِ المذهبِ، والأوْلَى الجمعُ بين الطرق ما أمكن، والطريقةُ التي فيها زيادةٌ - راجحةٌ على غيرها؛ لأن الجميعَ ثقاتٌ، وحاصلُ دعوى النافي شهادةُ نفي.
وَدَمُ السَّمَكِ مِثلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: كسائر الدماء، مسفوحُه نجسٌ، وغيرُ مسفوحِه طاهرٌ، ومقابلُ الْمَشْهُورِ أنه طاهر مطلقاً، وهو قول القابسي، واختاره ابن العربي، قال: لأنه لو كان نجسًا لشرعتْ ذكاته.
وجوابه منعُ تعليل الذكاة بما ذكره؛ لاحتمال مشروعيتها لإزهاق النفس بسرعة.
وكأن المصنف إنما ذكر هذا الفرغ لإفادةِ الشاذِّ.
وَفِي دَمِ الذُّبَابِ وَالْقُرَادِ قَوْلانِ.
وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ نَجِسٌ ظاهرُ قوله في المدونة: الدم كله سواء وأنه لا يُعفى عنه.
والقول الآخر أنه مَعْفُوٌّ عنه، ولا خالف في نجاسةِ القيحِ والصديد، نقله ابن راشد.
فرع: ألحق ابنُ القصار البرغوثَ بما له نفسٌ سائلةٌ لوجود الدم فيه، وألحقه سحنون بما لا نفس له سائلةً، ومنشأُ الخلافِ النظرُ إلى أصل الدم أو طُرُوِّه، قاله المازري.
وفي الطراز:

إذا مات البرغوث أو القملة في الطعام - ألحقه ابنُ القصار بما له نفس سائلة، وخالفه سحنون ابن عبد البر، هذا إذا لم يكن فيهما دمٌ، فإن كان فيهما دمٌ وافق ابنُ عبد البر ابنَ القصار في التنجيس.
وأكثرُ أصحابنا يقولون: لا يُؤكل طعامٌ مات فيه أحدُهما؛ لأن عَيْشَهما مِن دمِ الحيوان.
ومنهم مَن قضَى بنجاسة القملة لكونها مِن دم الإنسان بخلافِ البرغوثِ فإنه مِن التراب، ولأنه وَثَّابٌ يعسر الاحترازُ منه.
فتحصل لنا فيهما أربعة أقوال.
وذكر ابن عبد السلام في باب الصلاة أن الْمَشْهُورِ في القملة أنها مما لا نفس له سائلة.
وَالْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ مِنَ الآدَمِيِّ وَالْمُحَرَّمِ الأَكْلِ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي يَصِلُ إِلَى النَّجَاسَةِ، وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ وَنَحْوُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ ......... يعني: أن البول والعذرة من الآدمي [5/ ب] مطلقاً ذكرًا كان أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا نجسان، ويستثنى من ذلك الأنبياء صلوات الله عليهم فإن الظاهر طهارة ما يخرج منهم لإقراره عليه الصلاة والسلام شاربةَ بولِه.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي يَصِلُ إِلَى النَّجَاسَةِ) أي: فكذلك ورثُ المباح الذي يأكل النجاسة وبولُه، وهذا مذهب المدونة.
وحكى ابن رشد في لبنِه وعرقِه وروثِه أربعةَ أقوال: أحدها: أن ذلك كله طاهر، وهو قول أشهب.
الثاني: أن ذلك كله نجس، وهو قول سحنون.
الثالث: أن الألبان طاهرة، والأعراق والأبوال نجسة.
الرابع: أن الأبوال نجسة، والألبان والأعراق طاهرة.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ) المراد بالدواب الحمير، انظر هل أراد بنحوها البغال فقط، أو مع الخيل؟ ويعضد هذا الثاني قوله في المدونة: والخيل والبغال والحمير لا تشرب ألبانها، ولا تؤكل لحومها.

وَقِيلَ: إِلا بَوْلَ مَنْ لم يَاكُلُ الطَّعَامَ مِنَ الآدَمِيِّ.
وَقِيلَ: إِلا مِنَ الذُّكُورِ هذان القولان راجعان إلى أصل المسألة، يعني أن في بول الآدمي ثلاثةَ أقوالٍ: الْمَشْهُورِ النجاسةُ، والثاني: طهارةُ بول من لا يأكل الطعام، رواه ابن شعبان والوليد بن مسلم عن مالك.
والطعام يحتمل أن يريد به لبن أمه، ويحتمل أن يريد به غير لبن أمه؛ لأنه الطعام عرفًا، والحديث الصحيح هو أنه صلى الله عليه وسلم أُتي بصبي صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
قال الباجي وغيره: يحتمل الوجهين؛ لأنهم كانوا إذا وُلِدَ لهم مولودٌ أتوا به النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليدعو له، ويتفلَ في فِيهِ لكون ذلك أولَ شيءٍ يَدخل في جوفه.
ويؤخذ من كلامه في الاستذكار أن المرادَ بالطعامِ الطعامُ المعتاد، فإنه قال: أجمعوا على أن بولَ كلِّ صبي يأكلُ الطعامَ نجسٌ، واختلفوا في بول الصبي والصبية اللذين يرضعان ولا يأكلان الطعام.
ثم ذكر الخلافَ، واقتصر ابنُ بطال على أن المراد بالطعام اللبن.
والقول الثالث لابن وهب أنه يغسل بول الأنثى، وينضح بول الغلام، كذا نقله في الإكمالِ وكذا نقله بعض من تكلم على التهذيب، ولم يتحقق ابنُ عبد السلام نضحَ بول الغلام عن ابن وهب، وهذا الخلافُ إنما هو في بوله، وأما عذرتُه فنجسةٌ باتفاق.
وَطَاهِرٌ مِنَ الْمُبَاحِ.
وَمَكْرُوهٌ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَقِيلَ: نَجِسٌ أي: البولُ والعذرةُ من مباح الأكل طاهران؛ لطوافه صلى الله عليه وسلم بالبعير، ولتجويزه صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابض الغنم، رواه مسلم.
ومقتضى كلام المصنف أن الْمَشْهُورِ في بول المكروه أنه مكروهٌ لتصديره به، وعطفه عليه بقيل.
وقال ابن عطاء الله: هذا مذهبُ العراقيين.
وكذلك قال اللخمي.
فالْمَشْهُورِ أن ذلك نجس، وهو ظاهر المدونة، ووجهه أن مقتضى القياس أن تكون الأرواثُ والأبوالُ

نجسةً مِن كل حيوانٍ، كما قال المخالفُ لما فيه مِن الاستقذار، وخرج بدليلٍ ما يؤكل لحمُه، فبقيَ ما عداه على الأصلِ.
انتهى.
وكذا ذكر ابنُ عبد السلام أن الْمَشْهُورِ النجاسةُ، وانظرْ هل يَتخرج على قولِ مَنْ قال بالنجاسةِ مِن المكروهِ قولٌ بالكراهةِ في المباح.
وَفِيهَا: وَيُغْسَلُ مَا أَصَابَ بَوْلُ الْفَارَةِ فهذه المسألةُ لاحتمالها لكلِّ مِن القولين، أو للاستشهادِ لنجاسةِ بولِ المكروه، إذ الفأرةُ مكروهةٌ.
وظاهر قوله: (َيُغْسَلُ) الوجوب.
ابنُ حبيب: كره مالكٌ بولَ الفأرة مِن غيرِ تحريمٍ، ونصَّ سند على أن بول الفأرة مكروه.
وحكى ابنُ عبد السلام في باب الذبائح وغيرِه في الفأرة ثلاثة أقوال: بالتحريم، والإباحة، والكراهة.
ورأيت في مجهول التهذيب أن الْمَشْهُورِ التحريمُ، ولا ينبغي أن يؤتى بهذه المسألة هنا؛ لأنه تقدم أن بولَ المباح الذي يصل إلى النجاسة نجسٌ، فما بالُك ببول المكروهِ والمحرمِ المحكومِ بنجاستهما وإن لم يصلا إلى النجاسة.
ومقتضى ما رواه ابن القاسم في العتبية نجاسةُ بول الفأرة، فإنه روى أنه مَن صلى ببول الفأرة يُعيد في الوقت.
قال في النودار: وقال سحنون: لا يُعيد.
وقد أجازت عائشة رضي الله عنها أكلها.
وقال أبو بكر بن اللباد: إن كانت في موضع لا تصل إلى النجاسة فلا بأس ببولها.
ومن الواضحة لابن حبيب: بولها وبول الوطواط وبعرُهما نجسٌ.
انتهى كلامه في النودار.
وقال سندٌ: قولُ ابن حبيب موافقٌ لما رواه ابن القاسم.
وعلى هذا يُحمل قوله في الرواية: أعاد في الوقت.
على الناسي، وأما العامد فيُعيد أبداً.
وفي الوجيزِ لابن غلاب إلحاقُ الوطواط بالفأرة في البول واللحم، ولعله من هنا أخذه.

وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ نَجِسٌ قال ابنُ شاس: المذي نجسٌ بإجماع، وفي معناه الودي.
ابن هارون بعد حكاية الإجماع: يحتمل أن يكون ذلك من الآدمي والمحرَّم، وأما المباح ففيه نظر، إن أجرينا ذلك مجرى بوله فيكون طاهرًا، وإن أجريناه مجرى المني فيختلف فيه على قولين كما سيأتي.
والمذي بالذال المعجمة، وفيه لغتان: سكون الذال وتخفيف الياء، والثانية كسر الذال وتشديد الياء.
والوذي أيضاً بالوجهين مثله.
ويقال بالدال المهملة أيضاً.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَنِيَّ نَجِسٌ، فَقِيلَ: لأَصْلِهِ.
وَقِيلَ: لِمَجْرَى الْبَوْلِ.
[6/أ] وَعَلَيْهِمَا مَنِيُّ الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ .... يعني: اختُلف في المني هل هو نجسٌ أو طاهرُ الأصلِ ولكنه تَنَجَّسَ لَمِمَرِّهِ على وضعِ البولِ؟ ويَنبني على القولين مَنِيُّ المباحِ، فعلى القولِ الأولِ يكون نجسًا، وعلى الثاني يكون طاهرًا، وكذلك المكروهُ.
فإن قلت: ما فائدةُ نسبةِ هذه المسألةِ إلى المذهبِ؟ وهل ذلك إشارةٌ إلى خلافِ أو للتَّبَرِّي لإِشكالها كما يقول؟ قالوا: فالجواب: أنا لا نَعلم في المذهب خلافًا، ويحتمل أن يكون ذلك لإشكالِ مأخذِ المسألة، فإنه وإن اختلفت الآثار عن عائشة رضي الله عنها في غسلِها له وفركِها، فالغسلُ يكون لما هو أعمُّ مِن النجاسة، إذ يكون للنظافة، ولا إِشعارَ للأعمِّ بالأخصِّ.
على أنه قد يقال: لا دلالةَ في منى نبينا صلى الله عليه وسلم لادِّعاءِ أنه مِنْهُ طاهرٌ، وإن كان مِن غَيْرِه نجسًا.

وينبغي أن يكون ما بَعْدَ الدَّفْعّةِ الأولى- على رأي مَن يقول بالنجاسة لمجرى البول - طاهرًا؛ لأن ما عدا الماء مِن المائعات قد يُزيل عينَ النجاسةِ ويُبقي حكمَها، ثم على مذهب الجمهور لا يَنْجُسُ ما لاقى محلَّ النجاسةِ، وإليه أشارَ ابنُ عبدِ السلام، وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
وَلَبَنُ الآدَمِيُّ وَالْمُبَاحِ طَاهِرٌ، وَمِنَ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ، وَمِنْ غَيْرِهمَا الطَّهَارَةُ وَالتَّبَعِيَّةُ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمُحَرَّمِ .... أي: أن اللبن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ لا خلاف في طهارته، وهو لبنُ مباحِ الأكلِ، وجنسِ الآدميِّ امرأة كان أو رجلاً إذا دَرَّ، ولعل المصنف إنما قال: (الآدَمِيُّ) ولم يقل الآدمية ليندرج الذَّكَرُ في كلامِه.
الثاني: لا خلافَ في نجاسته وهو لبنُ الخنزيرة، واختُلف فيما عدا ذلك كالسباعِ والأُتنِ، والكلابِ على ثلاثة أقوال: الأول: طهارةُ الجميعِ، لأنه قد استَحَال إلى صلاحٍ.
الثاني: تبَعِيَّةُ اللبنِ لِلَّحْمِ، لأنه ناشئٌ عنه، فما حَرُم لحمُه فلبنُه نجسٌ، وما كُره لحمُه فلبنُه مكروهٌ، وهو ظاهرُ المذهب، قاله عياضٌ وغيره.
الثالث: أنه أخفُّ مِن اللحم، فيُقال بكراهة لبن المحرَّم، والظاهر أنه يقول بالإباحة من مكروه اللحم.
ونَقْلُ المصنفِ موافقٌ لِنَقْلِ ابنِ شاسٍ، وحكى ابنُ بَشير والقاضي عياض عن المذهبِ ثلاثةَ أقوالٍ في لبن ما لا يؤكل لحمه سوى الخنزير، الطهارةَ والنجاسةَ والكراهةَ.
والضميرُ في (غَيْرِهِمَا) عائد على القسمين: أحدُهما: الآدمنيُّ والمباحُ الأكلِ، والثاني: الخنزيرُ، وفي بعض النسخ (غيرهم) فيَعُودُ على الثلاثةِ.

وَالْبَيْضُ طَاهِرٌ مطلقاً لأَنَّ الطَّيْرَ كُلَّهُ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى نَجَاسَةٍ قوله: (وَالْبَيْضُ) أي: من الطير؛ لقوله: (لأَنَّ الطَّيْرَ كُلَّهُ مُبَاحٌ) ومرادُه بالإطلاق سواءٌ أَكان مِن سباعِ الطير أو لا؟ وانظر - على القول بتحريم سباع الطير- هل يَحْرُمُ أكلُ بيضِه أم لا؟ وأما بيضُ الحشراتِ فأشار ابنُ بشير إلى أنه يُلحق بلحمِهما، وسيأتي بيانُ ذلك في كتاب الذبائحِ إِن شاءَ الله تعالى.
وقوهل: (مَا لَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى نَجَاسَةٍ) أي: يَفْسُد ويَصير دمًا، وينبغي أن يكونَ اللبنُ كذلك - إذا استحال إلى الدم- أن يكون نجسًا.
وَفِي لَبَنِ الْجَلاَّلَةِ وَبَيْضِهَا وَالْمَرْأَةِ الشَّارِبَةِ وَعَرَقِ السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ قَوْلانِ الذي اختاره المحققون كعبد الحق، والمازري، وابن يونس وغيرهم الطهارةُ.
قال ابنُ رشد: وهو قولُ ابنِ القاسم في اللبنِ.
والجلالةُ في اللغة هي البقرةُ التي تَستعمل النجاسةَ، والفقهاءُ يستعملونها في كل حيوانٍ مستعمِلٍ للنجاسةِ.
والخلافُ في عرقِ السكرانِ في حالِ سكرِه، أو بعد صحوِهِ قريبًا، وأما لو طال العهدُ بالسُّكْرِ فلا خلافَ في طهارةِ عَرَقِه.
وقوله: (وَشِبْهِهِ) كالنصراني.
فرع: وكذلك اختُلف في الزرعِ إذا سُقِيَ بالماء النجسِ، والظهرُ الطهارةُ، وهو قول يحيى ابن عمر.
وَهُمَا جَارِيَانِ فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ تَغَيَّرَتْ أَعْرَاضُهَا كَرَمَادٍ الْمَيْتَةِ، وَمَا تحَجَّرَ فِي أَوَانِي الْخَمْرِ وَشِبْهِهِ مِمَّا يَنْتَقِلُ قَرِيباً ..... كذا ذكر ابن شاس وابن بشير.
وذكر المازري أن رماد الميتة والعذرة وما في معنى ذلك لا يَطْهُرُ عند الجمهور مِن الأئمة بخلافِ الخمر؛ لأنها معللة بمعنى، وهي الشدة

المطْرِبَةُ، فإذا ذهبتْ ذهب التحريمُ.
قال: وقد تناع الناسُ في دخان النجاسة إذا أُحرقتْ، هل هو نجسٌ كرمادِها أو طاهر؛ لأنه بُخارٌ بخلافِ الرَّمَادِ؟ انتهى.
ووقع في بعضِ النُّسَخِ خلطُ هذه المسألةِ بما تقدم، وهذه أَولى.
سُؤْرُ مَا عَادَتُهُ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ إِنْ رُئِيَتْ فِي أَفْوَاهِهَا نَجَاسَةٌ عُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تُرَ وَعَسُرَ الاحْتِرَازُ كَالْهِرِّ وَالْفَارَةِ فَمُغْتَفرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْسُرْ كَالطِّيْرِ وَالسِّبَاعِ وَالدَّجَاجِ وَالإِوَزِّ الْمُخَلاَّةِ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ لاسْتِجَازَةِ طَرْحِ الْمَاءِ .... عياضٌ: سؤر الدواب وغيرها- مضموم الأول مهمل السين مهموز وقد يسهل- وهو بقيةُ شُربها، وقد يُقال أيضاً في بقية الطعام.
انتهى.
قال الجوهري: الفأر- مهموز- جمعُ فأرة.
عياضٌ: الإِوَزُّ بكسر الهمزة وتشديد الزاي.
وحاصلُه أن الحيوانَ المستعمِلَ للنجاسةِ له حالتان: حالةٌ تُرَى على فِيه النجاسةُ وقتَ شُربه، وهو مرادُه بقوله: (إِنْ رُئِيَتْ) وحالة لا تُرى، فأما الحالةُ الأُولى فإن تغيّر الماءُ حُكِمَ نجاستهِ، وإن [6/ب] لم يتغير فلا يخلو إما أن يكون قليلاً أو كثيرًا.
أَجْرِه على ما تقدم.
وأما الحالة الثانية: وهي التي لم تُر على فيه- وقت شربه- نجاسةٌ، فهو أيضاً إلى ينقسم إلى قسمين: إِنْ عَسُرَ الاحترازُ منه اغتُفِرَ للمشقةِ، وإن لم يَعْسُر فثلاثةُ أقوالٍ: الحملُ على النجاسة نظرًأ إلى الغالب، والحملُ على الطهارة نظرًا إلى الأصل، واختاره ابن رشد.
والثالث: يُطرح الماءُ دُونَ الطعامِ؛ لأَنَّ الماءَ يُستجازُ طَرْحُه على الْمَشْهُورِ، وهو مذهبُ المدونة، قال فيها: قال مالك: وِنْ شَرِبَ مِن إناءٍ فيه ماءُ ما يأكلُ الجيفَ مِن الطَّيْرِ والسباعِ والدجاجِ والإوزِّ المخلاةِ وغيرِها- فلا يُتَوَضَّأُ به.
قال ابن القاسم: ويُطْرَحُ ويتيمم مَنْ لم

يَجِدْ سِواه، ومَن تَوضأ وصلى - أَعَادَ في الوقت.
وإذا شربتْ أو أكلتْ مِن طعامٍ فإنه يُطرح إذا تَيقنت أن في أفواهها وَقْتَ شربِها أذى، وما لم يُرَ ذلك فلا بأس به بخلافِ الماءِ لاستجازةِ طَرْحِه.
وَسُؤْرُ الْكَافِر وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَسُؤْرُ شَارِبِ الْخَمْرِ وَشِبْهِهِ ومِثْلُهِ مقتضى كلامِه أن في سؤرِ الكافرِ وسؤرِ شارب الخمر وشبهه- أي: كل مسكر- الثلاثةَ؛ لأن الضمير في (مِثْلُهِ) عائدٌ على ما يَسْتَعْمِلٌ النجاسةَ ويُمكن التحرزُ منه، وقد صَرَّحَ بإجراءِ الخلافِ ابنُ شاس وسندٌ وأبو الحسن الصغيرُ.
وفي المسألةِ قولٌ رابعٌ لمالكٍ في العتبية والمجموعة: لا يُتَوَضَّأُ بفَضْلِ وَضوء النصراني، ولا بأس بفَضْلِ شرابِه.
كأنه رأى أنَّ ما يَجعل في فيه يَذهب إلى جَوفِه، ولا يَرجع إلى الإناء، بخلافِ ما أَدخل يدَه فيه.
ومذهبُ المدونة مِن هذه الأقوال أنه لا يُتوضأ بسؤره، ولا بما أَدْخَل يدَه فيه كما تقدم.
قال في البيان: وهو يحتمل ألا يتوضأ به مع وجودِ غيرِه، فإن توضأ به مع وجود غيرِه أعادَ في الوقت، وإن لم يجدْ غيرَه توضأ به على كلِّ حالٍ، والتأويلُ الأولُ أَوْلَى وأظهرُ.
انتهى.
وحاصلُه هل تَجنُّبُ الماءِ على الوجوب أو الاستحباب؟ وقد صرّح المازريُّ بهذين الاحتمالين فقال: وهل النهيُ عن استعمالِه على الاستحباب أو الوجوب؟ قولان قد بناهما على أَنَّ الغالبَ هل هو كالمحقَّقِ أم لا؟ وبالتأويل الثاني قال ابن حبيب.
واعلم أنَّ محلَّ الخلافِ إنما هو إذا لم تُتَحَقَّقْ طهارةُ الفمِ واليدِ ولا نجاستُهما، بذلك صرح في البيان، وكذلك صرح غيره.
قال في البيان: إن تيقنت طهارة يده وفيه- جاز استعمال سؤره وما أدخل يده فيه وإن وجد غيره، وإن تيقنت نجاستهما لم يجز استعمال

شيءٍ من ذلك وإن لم يجد غيره.
وإنما الخلاف إذا لم يعلم طهارتهما من نجاستهما فقيل: إنهما يحملان على الطهارة.
وقيل: يحملان على النجاسة.
وقيل يحمل سؤره على الطهارة، وما أدخل يده فيه على النجاسة.
وقيل في سؤره: إنه يكره، ولا يحمل لا على طهارةٍ ولا على نجاسةٍ، وهذا على رواية المصريين في الماء اليسير تفسده النجاسة اليسيرة وإن لم تغير وصفًا من أوصافه.
وأما على رواية المدنيين في أن الماء قل أو كثر لا تفسده النجاسة إلا أن تغير وصفًا من أوصافه، فسؤر الكافر، وما أدخل يده فيه- وإن أيقن بنجاسة يده- مكروه مع وجود غيره ابتداءً مراعاةً للخلاف، ووجب استعماله مع عدم سواه.
فالذي يتحصل في سؤر النصراني وما أدخل يده فيه: إنه إن توضأ به وهو يجد غيره ففي ذلك ثلاثة أقوالٍ: أحدها: لا إعادة عليه لصلاته، ويُعيد وضوءه لما يستقبل.
والثاني: أنه يُعيد وضوءه وصلاته في الوقت.
والثالث: الفرق بين سؤره وما أدخل يده فيه، فيُعيد صلاته في الوقت إن توضأ بما أدخل يده فيه، ولا يُعيد إن توضأ بسؤره إلا وضوءه لما يستقبل: وأما إن لم يجد غيره، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يتوضأ به ولا يتيمم، فإن تيمم وتركه أعاد أبداً.
والثاني: أنه يتيمم ويتركه، فإن توضأ به أعاد في الوقت خاصةً، وقيل: لا إعادة عليه.
وقيل: يُعيد من ماء أدخل يده فيه، ولا يُعيد من سؤره.
وبالله التوفيق.
انتهى كلام صاحب البيان.
والظاهرُ طهارةُ ذلك؛ لأن الله تعالى أباح لنا طعامَهم، ومِن لازِمِ طعامِهم خولُ أيديهم فيه، وشربُهم منه.

وَلا يُصَلَّي بِلِبَاسِهِمْ بِخِلافِ نَسْجِهمْ، وَلا بِثِيَابِ غَيْرِ الْمُصَلِّي بِخِلافِ لِبَاسِ رَاسِه، وَلا بمَا يُحَاذِي الْفَرْجَ مِنْ غَيْرِ الْعَالِمِ، بخِلافِ ثَوْبِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ... وفي بعض النسخ: (بخلاف سؤر الجنب والحائض) والنسختان معناهما صحيح، لكن الأولى يساعدها سياق الكلام، وعلى نسخة (سؤر الجنب والحائض) فهو الاستثناء من قوله: (وسؤر الكافر) وكأنه - والله أعلم - أخرها؛ لأنه لو قدمها لتوهم أن قوله بعد ذلك (لا يُصَلَّي بِلِبَاسِهِمْ) عائد على الحائض والجنب.
وما ذكره المصنف في لباس الكافر هو الْمَشْهُورِ، وأجاز ابن عبد الحكم أن يصلي فيما لبسه النصراني.
[7/أ].
قال في البيان: ووجهه أنه حمله على الطهارة حتى يُتيقن فيه بالنجاسة، ومعنى ذلك عندي فيما لم يطل مغيبه عليه ولباسه؛ لأنه إذا طال مغيبه عليه ولباسه إياه- لم يصح أن يُحمل على الطهارة؛ لأن الظن يغلب على أنه لم يسلم من النجاسة، وقد اختلف إذا أسلم هل يُصلي في ثيابه قبل أن يغسلها؟ فعن مالكٍ في ذلك روايتان، قال: وإذا أيقن بطهارتها فالخلاف في وجوب غسلها يجري على الخلاف في طهارة عرق السكران والمخمور.
وقوله: (وَلا يُصَلَّي بِلِبَاسِهِمْ) أي: لا يُصلى بلباس الكافر وشارب الخمر بخلاف نسجهما.
قال في المدونة: مضى الصالحون على ذلك.
أي على عدم الغسل؛ ولأنا لو أمرنا بغسله لأدى إلى الحرج والمشقة؛ ولأنهم يصونون ذلك لغلاء الثمن.
وقوله: (وَلا بِثِيَابِ غَيْرِ الْمُصَلِّي) لعدم توقيه للنجاسة، ولا تصل غالبًا إلى رأسه.

وقوله: (وَلا بمَا يُحَاذِي الْفَرْجَ مِنْ غَيْرِ الْعَالِمِ) أي: القبل والدبر، يريد من المصلي؛ لأنه قل من يتقن أمر الاستبراء.
وفهم من التقييد بما يحاذي الفرج الجواز فيما لا يحاذيه من المصلي.
اللخمي وابن بشير: ويلحق بما يحاذي الفرج ما ينام فيه ولو من المصلي؛ لأن الغالب أن النجاسة فيه.
والمراد بالعالم العالم بأمور الاستبراء، ولا يشترط أن يكون عالمًا بغيره، وكل من ولي أمرًا في الشريعة فإنما يُطلب منه العلمُ بذلك فقط.
فرعان: الأول: من باع ثوبًا جديدًا وبه نجاسةٌ، ولم يُبين ذلك كان عيبًا فيه؛ لأن المشتري يَحِبُّ أَنْ يَنتفع به جديدًا.
قاله اللخمي.
سندٌ: وكذلك إن كان لبيسًا وينقص بالغسل كالعمامة والثوب الرفيع والخف، وإن كان لا ينقص من ثمنه فليس عيبًا.
الثاني: قال في النوادر: وعلى من اشترى رداءً من السوق إن قدر أن يسأل عنه صاحبه فعل، وإلا فهو من غسله في سعةٍ.
انتهى.
وقال اللخمي: وأما ما لبسه المسلمُ فإن علم أن بائعه ممن يُصلي فلا بأس بالصلاة فيه، وإن كان ممن لا يصلي - فلا يصلي به حتى يغسله، وإن لم يعلم بائعه فينظر إلى الأشبه ممن يلبس مثل ذلك، فإن شك فالاحتياط بالغسل أفضلُ.
انتهى.
ونص سند على أن ما اشترى من مسلمٍ مجهولِ الحال ِ على السلامة، قال: وإن شُك فيه نُضح.
انتهى.
قال اللخمي بإثر كلامه المتقدم: وهذا في القمص وما أشبهها، وأما ما على الرأسِ فالأمرُ فيه أخف.
قال: وتُحمل قُمُصُ النساءِ على غير الطهارة؛ لأن الكثيرَ منهن لا يُصلي.

وَفِي قَليلِ النَّجَاسَةِ فِي كَثِيرِ الطْعَامِ الْمَائِعِ قَوْلانِ أي: وفي تأثيرِ قليلِ النجاسةِ وعدمِ التأثير كالماءِ، وعلى التأثيرِ فرِّقَ بينه وبين الماء؛ لأن الماء َ له مزية التطهير للغير.
الباجي: والْمَشْهُورِ التأثيرُ، وكلامُ ابنِ رشد في البيان يدل على عدم الخلاف، لأنه قال: لم يقل أحد بأن يسير النجاسة لا يُنجس الطعام الكثير إلا داود.
وقد رُوي عن سليمان بن سالم الكندي من أصحاب سحنون أنه كان يقول: إذا وقعت القملة في الدقيق ولم تخرج في الغربال- لم يؤكل الخبز، وإن ماتت في شيءٍ جامدٍ طرحت كالفأرة.
وكذلك قال غيره في البرغوث، وفرق بعضهم بينهما.
وبالحملة فالخلافُ هنا على ما تقدم، وهو هل ينجسان بالموت أم لا؟ واستشكل في البيان تنجيس العجين إذا كان كثيرًا.
قال: لأن القملة لا تنماع في جملة العجين، وإنما تختص بموضعها منه، فلا ينبغي أن يحرم الكثير منه، كمن يعلم أن له أختًا ببلدٍ من البُلدان لا يعلم عينَها، فإنه لا يَحْرُمُ أن يتزوج من نساء تلك البلدة بخلاف اختلاطها بعددٍ يسيرٍ.
قال شيخُنا- رحمه الله تعالى: ولو فرق بين ما يَعسر الاحتراز منه- كروث الفأر- فيعفى عنه، وبين ما لا يعسر الاحتراز منه كبول ابن آدم فلا يُعفى عنه فينجسُ- لما بعد.
ويفهم من قوله: (قَليلِ) أن النجاسة لو كانت كثيرةً أفسدت وإن كان الطعام كثيرًا.
وَأَمَّا الْجَامِدُ كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ الْجَامِدَيْنِ فَيَنْجُسُ مَا سَرَتْ فِيهِ خَاصَّةً قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، فَتُلْقَى وَمَا حَوْلَهَا بِحَسَبِ طُولِ مُكْثِهِ وَقِصَرِهِ لما أخرجه البخاري أنه عليه الصلاة والسلام: سئل عن فأرةٍ ماتت في سمنٍ فقال: ((أَلْقُوها، وما حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ، وكُلُوا سَمْنكُمْ)).

وقيد سحنونٌ هذه المسألةَ بما لم يَطُلْ مقامها فيه، وأما إن طال فإنه يُطرح كله.
وذكره السمن والعسلَ مع كاف التشبيه لئلا يتوهم قصر الحكم على السمن كما ذهب إليه أهل الظاهر.
وقوهل: (قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً) يقع في بعض النسخ بإضافة قليل وكثير إلى هاء الضمير، وفي بعضها بتاء التأنيث عوضًا عن الضمير، ومعناهما مُتَقَارِبٌ.
وَفِي اسْتِعْمَالِ النَّجِسِ لِغَيْرِ الأَكْلِ كَالْوَقُودِ وَعَلَفِ النَّحْلِ وَالدَّوَابِّ قَوْلانِ، بِخِلاَفِ شَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْعَذِرَةِ عَلَى الأَشْهَرِ ..... أي: وفي جواز استعمال النجس لغير الأكل، وأما أكله فلا يجوز اتفاقًا، والوقود مقيد بغير المساجد، فأما المساجد فلا يجوز ذلك فيها اتفاقًا، والْمَشْهُورِ من القولين الجواز لمالكٍ، والشاذ لابن الماجشون.
وقوله: (بِخِلاَفِ شَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْعَذِرَةِ عَلَى الأَشْهَرِ) أي: الأشهر في شحم الميتة أنه لا يجوز استعماله في طلاء السفن، ولا غيرها، ولكونه نجس الأصل فهو أقوى مما طرأت عليه النجاسة.
وذكره للشحم تمثيلاً؛ لأن الخلاف في اللحم، ومقابل الأشهر يجوز كالمتنجس.
وَفِي طَهَارةِ الزَّيْتِ النَّجِسِ وَنَحْوِه وَاللَّحْمِ يُطْبَخُ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَالزَّيْتُونِ يُمَلَّحُ بمَاءٍ نَجِسٍ، وَفِي الْفَخَّارِ مِنْ نَجِسٍ [7/ب] غَوَّاصٍ كَالْخَمْرِ- قَوْلانِ قال ابن بشير: الْمَشْهُورِ في ذلك كله أنه لا يَطْهُرُ، وبَنَى الخلافَ على الخلافِ في شهادةٍ: هل يُمكنُ إزالةُ ما حَصَل مِن النجاسةِ أَوْ لا؟ ونحوُ الزيت كل دُهْنٍ، وكيفية تطهيره- على القول به- بأن يُؤخذ إناءٌ فيُوضَعُ فيه مِن الزيتِ ويُوضَعُ عليه ماءٌ أكثرُ منه، ويُثقب الإناء مِن أسفلَ ويَسُدُّ الإناء بيدِه أو

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل