التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 539-578
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الموضوع أن مالكاً يرى أن كل مجتهد مصيب، واختلف كيف يؤديها على القول بأنه لا ينتفع بها؛ فروى أشهب أنه يقول: إن كتاباً يشبه كتابي، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي ولا أني كتبتها، وقال ابن القاسم: يقول: هذه شهادتي بخط يدي ولا أذكرها.
وَمَنْ لا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلا يَشْهَدُ إِلا عَلَى عَيْنِهِ لئلا يضع غير اسمه عليه.
قال مالك في العتبية: وأحب إلي أن يشهد على من لا يعرف فإن عرفه بعضهم ففيه بعض السعة، وهكذا قال في البيان: إن شهد عليه جماعة فلمن لا يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه، وهو من ذلك في سعة؛ إذ قد أمن بمعرفة بعضهم له أن يكون قد تسمى باسم غيره، وأما إذا لم يعرفه أحد فيكره لهم أن يضعفوا شهادتهم عليه؛ مخافة أن يكون تسمى باسم رجل فيقر أنه قد باع داره من هذا، أو يقر له على نفسه بحق فيكتبون شهادتهم عليه، فيشهد على خطوطهم بعد موتهم فتجوز الشهادة، وتؤخذ الدار من صاحبها أو الحق بغير حق، قال ذلك مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وذلك على مذهب من يحيز الشهادة على خط الشاهد.
انتهى.
ونقل ابن مزين عن بعضهم: أنه إن كان معروفاً اكتفي باسمه واسم أبيه وقبيلته، وإن كان مجهولاً كتب اسمه واسم أبيه وجده وقبيلته ومسكنه.
ابن مزين: وليس بشيء؛ لأن المجهول قد يخاف أن يتسمى بغير اسمه وينتمي إلى غير قبيلته وإلى غير مسكنه، قال: والصواب في المجهول أن ينعت بنعته ويكتب اسمه واسم أبيه وقبيلته، فإذا جهله الشاهد حلاه بتحليته ووصفه بصفته، فإن كان حاضراً قطع عليه الشهادة، وإن كان ميتاً أو غائباً فعلى صفته، وعلى هذا اقتصر المصنف.
وَلا يَشْهَدُ عَلَى مُتَنَقَّبَةٍ حَتَّى تَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا [677/ أ] عِنْدَ الأَدَاءِ قد تقدم قريب من هذا من كلام المصنف في كتاب النكاح، وهذا مخصوص بالنكاح.
وقال في البيان في النكاح والحقوق بخلافه، فقد قال مالك: لا أرى أن يشهد

الرجل على من لا يعرف، ومثله لأصبغ في الخمسة، قال: وأما الحقوق من البيوع والوكالات والهبات ونحو ذلك فلا يشهد عليها في شيء من ذلك إلا من يعرفها بعينها واسمها ونسبها.
والفرق بين النكاح وما سوى ذلك أنه يخشى وإن لم يشهد على شهادتهم في الحقوق أن يموتوا فيشهد على خطوطهم فتلزم باطلاً بما لم تشهد به على نفسها.
وعلى ما جرى به العمل عندنا أنه لا يقضى بالشهادة على الخط إلا في الأحباس، ونحوها يكون النكاح والحقوق سواء.
فرع: في كتاب ابن سحنون عن أبيه: ولو شهد على امرأة بإقرار أو نكاح أو براءة وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها وقالوا: "شهدنا عليها على معرفة منا بعينها ونسبها، ولا ندري هل نعرفها اليوم وقد تغيرت حالها" أو قالوا: "لا نتكلف ذلك" - أنه لا بد أن يخرجوا عينها، فإن شكوا أو أيقنوا أنها بنت فلان، ولم يكن لفلان إلا بنت واحدة من حيث شهد عليها إلى اليوم جازت الشهادة، وإن قالت البينة: "شهدنا عليها متنقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب" فهم أعلم بما تقلدوا؛ إن كانوا عدولاً وعينوها قطع بشهادتهم، وانظر هذا مع قول المصنف: ولا يشهد على متنقبة حتى تكشف وجهها.
وقال ابن دينار فيمن شهد على امرأة بإقرار أو بيع ولم يعرفوها بعينها، وعرفوا الاسم والنسب وقالوا: "إن كانت فلانة بنت فلان فقد أشهدتنا" فإن شهد غيرهم أنها فلانة بنت فلان حلف رب الحق على ذلك وثبت حقه.

وَلَوْ عَرَفَهَا رَجُلانِ فَفِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَيْهِا قَوْلانِ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ وَلَوْ بِامْرَأَةٍ فَلا إِشْكَالَ .. يعني: إذا دعي الرجل ليشهد على امرأة لا يعرفها لكن شهد عنده رجلان أنها فلانة، فقال ابن القاسم: لا يشهد بذلك عليها إلا على شهادتهما؛ فيكون نقل شهادة عنهما فينتفع عند تعذر أدائها ويسميهما ليعذر فيهما.
وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك.
صاحب البيان: والذي أقول به: إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين ليشهدا عليها بشهادتهما عنده أنها فلانة بنت فلان فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فليشهد عليها وهذا كله ما لم يحصل عنده العلم، أما لو حصل عنده العلم ولو بامرأة لجاز أن يشهد كما ذكر المصنف؛ لأن خبر الواحد قد تحتف به قرينة فيفيد العلم.
وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ فَلا يُسَجَّلُ عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ يعني: فلا يكون للقاضي أن يسجل على بنت زيد حتى تثبت بالبينة أنها بنت زيد وكذلك لا يشهد الشهود أنها بنت زيد، وهو ظاهر؛ لاحتمال أن تكون انتسبت إلى غير أبيها.
خليل: وينبغي أن يكون الرجل كذلك قال إنه فلان ابن فلان والله أعلم.
وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنْ الْمُغَلَّبَةِ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ، وَالإِعْسَارِ بِالْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ، وَقَالَ ابن القاسم: تَجُوزُ فِي الضَّرَرِ بِالسَّمَاعِ مِنَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ يعني: أنه يجوز للشاهد في هذه الصورة أن يعتمد فيما يشهد به على الظن القوي؛ لأنه المقدور على تحصيله غالباً، ولو اشترط العلم تعطلت الأحكام غالباً، وقد تقدم الكلام على ما يعتمد عليه العدل في التعديل.

ويعتمد في الإعسار على صبره على الجوع ونحوه مما لا يكون إلا مع الفقر وضرر الزوجين، وإن كان قد يمكن فيه القطع لكونه من الجيران أو القرائب لكنه نادر، وقول ابن القاسم ظاهر، وقد تقدم نحوه من كلام المصنف في باب الطلاق.
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الْفَاشِي عَنِ الثِّقَاتِ فِي الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ وَالْمَوْتِ لِلضَّرُورَةِ.
شهادة السماع تنقسم إلى قسمين: أولها: تفيد العلم وسيأتي، والثاني: تفيد الظن، ولابد فيه من الفشو كما ذكر المصنف.
وقوله: (عَنِ الثِّقَاتِ) كذا قال ابن المواز، وظاهره أنه لا يقبل إذا كان غير الثقات، وهو قول مطرف وابن الماجشون، قالا: ولا يجوز من غير أهل العدل من سامع أو مسموع عنهم، وظاهر المدونة نفي اشتراط العدالة في المنقول عنهم إلا في الرضاع.
المازري: ولعله إنما استثنى الرضاع لأن شرط شهادة المرأتين فيه الفشو والانتشار، وهذا لا يشترط فيه النقل عن العدول؛ لأن الأخبار التي يقع بها العلم لا يشترط فيها أن يكون المخبرون عدولاً كخبر التواتر، وقيل: لابد من السماع من غير العدول مع العدل؛ لأن قصر السماع على العدل يخرجه إلى نقل الشهادة عن المعينين، وذلك باب آخر.
وأشار المصنف بقوله: (لِلضَّرُورَةِ) إلى علة قبول هذه الشهادة؛ لأن الأصل أن الشاهد لا يشهد إلا بما استفاده من الحواس، وذكر ثلاثة مواضع: أولها: الملك؛ أي: المطلق، قال في الجواهر: إنما يشهد بالملك إذا طالت الحيازة وكان يتصرف فيه تصرف المالك من الهدم [677/ ب] ونحوه ولا ينازعه أحد.
ولا يكتفي بشهادتهم أنه يحوزها حتى يقولوا: إنه يحوزها لحقه وأنها له ملك، وأما من يشتري شيئاً من سوق المسلمين فلا يجوز أن يشهد بالملك؛ لأنه قد يشتري من غير مالك.

المازري: والملك لا يكاد يقطع به، ومن الناس من حاول صورة فيها القطع؛ وهي: إذا صاد صيداً بحضرة بينة، ورد باحتمال أن يكون ند ممن صاده ولم يتوحش.
وحاول بعضهم أخرى؛ وهي: إذا غنم من الكفار، ورد بجواز أن يكون المغنوم وديعة أو من أموال المسلمين، واشترط بعضهم أن يستفيض الخبر والحديث بكون هذا الشيء ملكاً لمن هو في يده، ومنهم من لم يشترطه.
ثانيها: الوقف نص عليه في المدونة.
قال بعض الأندلسيين: ولو شهدوا على أصل الحبس لم يكن حبساً حتى يشهدوا بالملك للمحبس يوم حبس، وتجوز شهادتهم على السماع، ولا يسمون المحبس، ولا يحتاج إلى إثبات ملك.
ثالثها: الموت، وقيد الباجي الشهادة فيه على السماع فيما بعد من البلاد، وأما ما قرب أو ببلد الموت فإنما هي شهادة بالبت، وإن كان سبب هذه الشهادة السماع، إلا أن لفظ شهادة السماع إنما يطلق عند الفقهاء على ما يقع به العلم للشاهد، ولذلك يؤدي على أنه سمع سماعاً فاشياً، وأما إذا تواتر الخبر حتى وقع له العلم فإنما يشهد على علمه.
انتهى.
تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن شهادة السماع تكون بالملك في الانتزاع، والذي نص عليه أصحابنا أنه لا يخرج بها شيء من يد حائز، وإنما يصح للحائز كما لو ثبت على حائز لدار أنها لأبيه أو لجده، وهذا الطالب غائب فيقيم الذي هو في يده بينة على السماع في تطاول الزمان أنه اشتراها من أبي هذا القائم أو جده أو ممن صارت إليه عنهم فيثبت له بقاؤها بهذه الشهادة، واشترط في المدونة في قبول شهادة السماع لبقاء الدار في يد الحائز أن يقول الشهود: سمعنا أنه اشتراها هو وأبوه أو جده من هذا القائم فيها أو من أبيه، ولو قالوا: سمعنا أنه اشتراها ولا ندري ممن اشتراها منه لم ينتفع بهذه الشهادة؛ لجواز أن يكون

اشتراها من غاصب، وكذا قال ابن المواز: لا تجوز شهادة السماع إلا لمن كان الشيء بيده، ولا يستخرج بها من يد حائز، وحكى ابن الحبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ ما يقتضي أنه يستخرج بها من اليد.
وهل يستحق بها ما ليس في حوز أحد كعفو من الأرض؟ قولان عندنا، بناهما المازري على اختلاف المذهب في بيت المال هل يعد حائزاً لما لا مالك له أم لا؟ بِشَرْطِ طُولِ الزَّمَانِ وَانْتِفَاءِ الرِّيَبِ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُلانِ عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلِ مِائَةُ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لا تُعْرَفُ لَمْ تُقْبَلْ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ وَبَاءُ فَهِيَ طُولُ، وَلا يُسَمُّونَ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَيَكُونَ نَقْلَ شَهَادِةٍ، قَالَ التُّونُسِيُّ: بَعْدَ يَمِينِهِ؛ إِذَ لَعَلُّهُ عَنْ وَاحِدٍ، وَيُجْتَزَأُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَرْبَعَةُ؛ لأَنَّهَا كَالنَّقْلِ فَاحْتِيطَ فِيهَا .. اعلم أن لشهادة السماع شروطاً.
أولها: طول الزمان.
مالك: ولا تجوز شهادة السماع في ملك الدار بخمس سنين.
ابن القاسم: وإنما تجوز فيما أتت عليه أربعون أو خمسون سنة، حكاه صاحب المفيد.
ابن زرقون: وهو ظاهر المدونة، ونقل عن ابن القاسم عشرون سنة.
ابن رشد: وبه العمل بقرطبة.
واختلف في الخمس عشرة على الثلاثة الأقوال التي ذكرها المصنف، والقول بأنها طول لمطرف وابن الماجشون وأصبغ، ومقابله لابن القاسم في الموازية، والثالث نقله التونسي، وجعله بعضهم تقييداً للثاني.

الشرط الثاني: السلامة من الريب فلذلك لو شهد اثنان بالسماع وفي القبيل مائة رجل من أسنانهما لم تقبل شهادتهما ولو طال الزمان، إلا أن يكون علم ذلك فاشياً فيهم، وأما إن شهد بذلك شيخان وقد باد جيلهما لقبلت شهادتهما وإن لم يشهد بذلك غيرهما، قاله ابن القاسم، وهو مأخوذ من مفهوم كلام المصنف، وعارض بعضهم عدم القبول هنا فيما إذا انفرد شاهدان برؤية هلال رمضان في الصحو، وفرق بأن السماع لا كلفة فيه على السامع ولا داعية تدعو للسماع، بخلاف الهلال؛ فانظره.
وقوله: (وَلا يُسَمُّونَ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ) هو ظاهر التصور.
الشرط الثالث: أن يحلف، قاله غير واحد؛ لاحتمال أن يكون أصل السماع عن شاهد واحد ولا يقوم به الحق إلا مع اليمين، ونسبة المصنف اليمين للتونسي ليست بظاهرة، وليس ذلك في التعليقة، ولعله لما رأى ابن شاس ذكر اليمين بعد كلام نسبه للتونسي أعتقد أن ذلك للتونسي، وقد بين ابن شاس أن ابن محرز هو الذي نص على اليمين.
الرابع: أن يشهد بذلك اثنان ويكتفي بهما على المشهور، واشترط عبد الملك أربعة كما ذكره المصنف عنه.
وَالْمَشْهُورُ جَرْيُهَا فِي النِّكَاحِ وَالْوَلاءِ وَالنَّسَبِ.
أَصْبَغُ: يُؤْخَذُ الْمَالُ وَلا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ .. يعني: أن المشهور جريها في هذه الثلاث مسائل، ومقتضى كلامه أن المشهور ثبوت النسب والولاء.
ونحوه [678/ أ] ذكره ابن المواز فقال: اختلف قول مالك في شهادة السماع في الولاء والنسب، وذهب أصبغ إلى أنه يثبت المال دون النسب والولاء، وقال نحوه ابن القاسم، ولا يعجبنا هذا، وقول مالك وابن القاسم أنه يقضي له بالسماع بالنسب والولاء، نقله أبو محمد في كتاب الأقضية.

وقال في البيان: مذهب ابن القاسم أن شهادة السماع إذا لم تفد العلم لا تعمل؛ لأنه لم يقض بها في الولاء وإنما حكم بها في المال لأنه ليس له طالب، ولا تفيد فيا لحبس إلا مع القطع على المعرفة أنه محترم بحرمة الأحباس، ولا في الأشرية القديمة إلا مع الحيازة.
وهذا الذي نسبه لابن القاسم هو مذهب المدونة ففيها: وإن شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى لفلان هذا لا يعلمان له وارثاً غير هذا، أو شهد شاهد واحد أنه مولاه أعتقه- استؤني بالمال، فإن لم يستحقه غيره قضي له به مع يمينه، ولا يجر بذلك الولاء.
ونقل عن أشهب أنه يجر الولاء، لكن قيد المدونة بعض القرويين بما إذا كانت الشهادة في غير بلد الموت، قال: لاحتمال أن يستفيض ذلك عن رجل واحد، وأما بالبلد فيبعد استفاضة ذلك عن رجل واحد فيقضي في ذلك بالمال والولاء؛ أي: كما في الموازية، وهذا يؤدي تشهير المصنف؛ فاعلمه.
أبو الحسن: وانظر من أين أخذ مذهب ابن القاسم في الحبس، ثم قال: قوله في المدونة: والشهادة على السماع في الأحباس جائزة لطول زمانها، يشهدون: "إنا لم نزل نسمع أن هذه الدار حبس تحاز حوز الأحباس" فانظر قوله: "إن هذه الدار حبس" هل عرفوا أنها تحاز فتكون كما قال ابن رشد؟ والظاهر أن قوله: "إنها حبس تحاز" مسموع كله لا معروف، وفي الأمهات: "أن هذه الدار حبس، وأنها تحاز كحوز الأحباس" فانظر هل يظهر منه تأويل ابن رشد؟ أبو عمران: ويشترط في شهادة السماع على النكاح أن يكون الزوجان متفقين عليه، وأما إذا أنكر أحدهما فلا، ومسائل قبول شهادة السماع كثيرة، وينسب لابن رشد وولده شعر يتضمن تلك المسائل.

ابن عبد السلام: ولست أدخل تحت عهدة نسبة القطعتين إلى من ذكر، ولكن أكثر ما احتوتا عليه منقول.
والذي نسب لابن رشد: أَيَا سَائِلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... وَيَثْبُتُ سَمْعاً دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ بَعْدَهُ ... وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدِ ذَلِكَ كُلِهِ وَفِي الْبَيْعِ وَالإِحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ ... وَالرَّضَاعِ وَخُلْعٍ وَالنِّكَاحِ وَضِدِّهِ فِي قِسْمَةٍ أَوْ نَسَبٍ وَوِلايَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُضِرِّ بِأَهْلِه

وزاد عليه ولده ستاً فقال: وَمِنْهَا الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ فَاعْلَمَنْ ... وَمِلْكُ قَدِيمُ قَدْ يُضْمَّنْ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلادَةُ وَمِنْهَا حِرَابَةُ ... وَمِنْهَا الإِبَاقُ فَلْيُضَمَّ لِشَكْلِهِ فَدُونَكَهَا عِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدِ ... تَدُلُّ عَلَى حَذْقِ الْفَقِيهِ وَنُبْلِهِ أَبِي نَظَمَ الْعِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... فَأَتْبَغْتَهَا سِتاً تَمَاماً لِفِعْلِه

فهذه سبعة وعشرون موضعاً.
قوله: "أو ضد ذلك كله" يعني: الإسلام والرشد والعدالة.
وقوله: "والوصية" يريد: ما حكاه في الكافي: إذا شهد أنه لم يزل يسمع أن فلاناً كان في ولاية فلان وأنه كان يتولى النظر له والإنفاق عليه بالإيصاء من أبيه أو بتقديم قاض عليه، وإن لم يشهد أبوه بالإيصاء ولا القاضي بالتقديم، ولكنه علم ذلك بالاستفاضة من العدول وغيرهم- أن ذلك جائز، ويصح بذلك تسفيهه.
وزيد الملا والعدم والأسر والعتق واللوث الموجب للقسامة.
وفي المتيطية عن ابن عتاب: أن شهادة السماع في خطوط الشهود الأموات، وفي حياطة الأحباس جائزة.

وَأَمَّا السَّمَاعُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ فَقَالَ ابن القاسم: هُوَ مُرْتَفِعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ مِثْلَ أَنَّ نَافِعاً مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهِ عَنْهُمَا، وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلاً فَقِيلَ له: أَيَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ لا يَعْلَمُ أَبَاكَ، وَلا أَنَّكَ ابْنُهُ، فَقَالَ: نَعَمْ وَيَقْطَعُ بِهَا وَيَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ .. هذا هو النوع الثاني من شهادة السماع المفيد للعلم، وهو متفق على قبوله، وظاهر كلام الفقهاء فيه عموم حكمه في الأصوات، وأنه من العلم التواتري، وقد علم أن خبر التواتر يشترط فيه أن يكون خبراً عن أمر محسوس.
وَالتَّحَمُّلُ حَيْثُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يعني: أن تحمل الشهادة حيث يفتقر إليه فرض على الكفاية؛ أما أنه فرض فلأنه لو تركه الناس كلهم أدى إلى إتلاف الحقوق، وأما أنه على الكفاية فلأن الفرض يحصل بالبعض.
وإذا كان على الكفاية فيتعين في حق من انفرد كما في سائر فروض الكفاية.
وضمير (إِلَيْهِ) عائد على التحمل، واحترز من أن يدعى الشاهد إلى تحمل شهادة لا يتعلق بها حكم، ودليله قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) بعد قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: 2] وظاهره في التحمل.
وأما قوله تعالى: (وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) فقد اختلف فيه هل المعنى: إلى الأداء وهو تأويل مالك، أو إلى الشهادة أو إليهما- على ثلاثة أقوال؟ واستظهر الثاني؛ لأن الآية [678/ ب] إنما وردت فيما يفعله المتبايعان وقت البيع، ولأن عقبه: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ) [البقرة: 282] والكتاب إنما هو عند التحمل، ويرجح قول مالك بأن الشاهد حقيقة إنما هو من تحمل لا من دعي لها، ذكره أهل الأصول في مسائل الاشتقاق.
ويجاب عنه بما قاله بعضهم من أن التفصيل في المشتق إنما هو إذا كان الوصف محكوماً به، وأما إذا كان متعلق

الحكم كقوله سبحانه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 5] فهو حقيقة في الجميع فيما حصل وفيما سيحصل.
وَالأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ إِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلا تَحِلُّ إِحَالَتُهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَزِئِ الْحَاكِمُ بِاثْنَيْنِ فَعَلَى الثَّالِثِ .. لقوله تعالى: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: 283] وشرط في الوجوب شرطين: أولهما: أن يكون قريباً من موضع الحاكم كالبريدين، ونحوه لسحنون.
ثانيهما: أن يكونا اثنين، فلو كانوا أكثر بقي على الكفاية لحصول الغرض بالبعض، فإن لم يكتف الحاكم باثنين؛ إما لريبة وإما لمانع في أحدهما تعين على من بقي حتى يثبت الحق.
وقوله: (وَلا تَحِلُّ) يعني: ولو كان على الحق شاهدان فامتنع أحدهما وأحال المشهود له على اليمين مع صاحبه لم يحل ذلك؛ لأنه أدخله في عهدة اليمين وألزمه ما لا يلزمه.
وَلا يَلْزَمُ مِنْ أَبْعَدَ هذا تصريح منه بمفهوم قوله: (نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ) وهذا التحديد لا يقوم عليه دليل، والأصل أن ما لا كبير مشقة فيه على الشاهد يجب الأداء منه بخلاف ما عظمت المشقة فيه.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ فِيمَا لَزِمَهُ إِلا فِي رُكُوبِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَابَّةُ وَعَسُرَ مَشْيُهُ يعني: إذا كان على نحو البريدين لم يجز له أن ينتفع بشيء، واستثنى من ذلك ركوب الدابة بشرطين: ِأن لا يكون للشاهد دابة وأن يعسر مشيه، فإن لم يحصل الشرطان فنص سحنون على سقوط شهادتهم.

وَيَجُوزُ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَامَ بِمَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ دَابَّةٍ وَنَفَقَةٍ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَعْجَزْ، وَقِيلَ: لا تَجُوزُ فِيهِمَا وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ فِي غَيْرِ الْمُبَرِّزِ.
ضمير التثنية المجرور بـ (في) راجع إلى حالتي العجز وعدمه والأقرب جواز ذلك في الوجهين ليسارة المنفعة، ولأن الشاهد لم يستفضل شيئاً في ذلك، ولنأت بكلام سحنون وكلام صاحب البيان عليه فهو الذي حكاه ابن شاس وقصد المصنف اختصاره لما فيه من الفوائد، قال سحنون في الشهود يدعون إلى الشهادة في غير البلد فيقولون: " يشق علينا النهوض إلى الحاضرة" فيعطيهم المشهود له دواباً وينفق عليهم: فإن كانوا على مثل البريد أو البريدين وهم يجدون الدواب والنفقة فلا يأخذوا ذلك منه، فإن فعلوا سقطت شهادتهم، وإن كانوا لا يجدون جاز ذلك وقبلوا، ولو أخبروا بذلك القاضي كان أحسن، وإن كان على مثل ما تقصر فيه الصلاة فأكثر لم يشخص الشهود من مثل ذلك ويشهدون عند من يأمرهم القاضي به في تلك البلاد، ويكتب بما يشهد به عنده إلى القاضي.
ابن رشد: وخفف ذلك ابن حبيب إذا كان قريباً، وكان أمراً خفيفاً، وينبغي أن يحمل على التفسير؛ فالقريب على قسمين: قريب جداً تقل فيه النفقة ومؤنة الركوب- لا يضر فيه الشاهد ركوب الدابة ولا أكل الطعام، وغير قريب جداً فهذا يبطل الشهادة إن ركب دابه المشهود له وله دابة أو أكل طعامه عند سحنون.
وقيل: لا يبطل ذلك وهو ظاهر قول أصبغ ومطرف في الشاهد في الأرض النائية يحتاج إلى تعيينها بالحيازة لها: أنه لا بأس أن يركب دابة المشهود له ويأكل طعامه.
ابن رشد: وهو الأظهر؛ إذ ليس هذا مما يتمول ليسارته، وإن كان الشاهد لا يقدر على النفقة، ولا على اكترائه دابة، ويشق عليه الإتيان راجلاً فلا تبطل شهادته إذا لم يسقط عن نفسه ما هو واجب، وقد قيل: تبطل، وأما إن كان من البعد بحيث لا يلزمه الإتيان ولم يقم القاضي من يشهد عنده بالموضع الذي هو به فلا يضره أكل طعام المشهود له وإن كان

له مال، وكذلك إن احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره أن ينفق عليه المشهود له ما أقام منتظراً له إذا لم يجد من يشهد على شهادته ثم ينصرف، وقد قيل: تبطل بذلك لتوفير نفقتهم، قال: وهو الأظهر، قال: فانظر على هذا أبداً إذا أنفق المشهود له على الشاهد في موضع لا يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه جاز، وإن أنفق عليه في موضع يلزمه ذلك فلا يجوز إلا فيما يركب إذا لم تكن له دابة ولم يقدر على المشي، فلا اختلاف أنه يجوز للشاهد أن يركب دابة المشهود له إذا لم تكن له دابة وشق عليه جملة من غير تفصيل بين قريب ولا بعيد، ولا موسر ولا معسر، وإنما يفرق ذلك حسبما ذكر في النفقة والركوب إذا كانت له دابة.
وَتَثْبُتُ الأَمْوَالُ وَحَقُوقُهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ لما رواه مالك مرسلاً، ومسلم وغيره مسنداً أنه عليه الصلاة والسلام قضى باليمين مع الشاهد.
قال صاحب الاستذكار: وقد أسنده جماعة ثقات عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه يرفعه، وقد صح من حديث ابن عباس مرفوعاً، وروى ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، [679/ أ] ولم يرو عن واحد مخالفته، وقاله جماعة من التابعين منهم الفقهاء السبعة، وخالف في ذلك أبو حنيفة ويحيى بن يحيى من أصحابنا وزعم أنه لم ير الليث يفتي به، وخصصناه بالأموال؛ لأن عمرو بن دينار راوي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وذلك في الأموال.
وقوله: (وَحَقُوقُهَا) أي: كالغصب والتعدي والجنايات والشركة والإبراء من الدين والمصالحة عليه والإجارة وهبة الرقاب والمنافع.

وقامت المرأتان مقام الرجل لأن الله تعالى جعلهما عوضه فقال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) [البقرة: 282]. وَيُطَالَبُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتْقِ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ فَإِنِ امْتَنَعَ فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا إِلا أَنْ يُحْكَمَ بِالشَّهَادِةِ، وَقَالَ ابن القاسم: يُحْبَسُ سَنَةً، وَقَالَ سحنون: أَبَداً .. أي: إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق، أو ادعى العبد على سيده العتق لم يطالب بتلك الدعوى إلا أن يقيم كل واحد منهما شاهداً أو امرأتين فحينئذ يكلفه القاضي إما بالإقرار أو بالحلف، فإن لم يقر وحلف برئ، ومساواته النكاح لهذين خلاف المعروف، نعم حكى ابن الهندي في وثائقه قولاً بوجوب اليمين في النكاح كما يجب في غيره؛ لأن النكاح أشب الأشياء بالبيوع، واستقرأ أيضاً مما لابن القاسم في الموازية ومما في الواضحة، أما الموازية فلأن فيها في دعوى الرجل على المرأة نكاحاً، أو دعوى المرأة على الرجل نكاحاً: إن اليمين ساقطة ما لم يقم لذلك شاهد واحد، فظاهره أنه إذا أقام شاهداً حلف المدعى عليه، ولعل المتيطي لما قوي عنده هذا الأخذ نقله صريحاً عن الموازية، وأما الواضحة فلأن فيها فيمن زوج رجلاً أو امرأة وزعم أنه وكله أو وكلته على ذلك فأنكر المدعى عليه الوكالة: إنهما يحلفان، فاستقرأ اللخمي منها وجوب اليمين مع الشاهد، قال: وإذا حلف بدعوى الوكالة مع كون الوكيل يدفع التعدي عن نفسه فلأن يحلف مع الشاهد من باب أولى.
ورده المازري بأن المدعى عليه الوكالة لو صدقها لكان النكاح منعقداً؛ لأن النزاع في إذنه في الوكالة؛ لأن العقد قد ثبت بشاهدين بين الوكيل والزوجة.
عبد الملك: وإن أقام شاهداً على رجل أنه زوجه ابنته البكر حلف الأب، فإن أبى سجن حتى يحلف، ولا مقال لابنته في ذلك، ولو كانت ثيباً فليس عليه يمين.

وقال أصبغ: ليس عليه يمين بحال.
قوله: (فَإِنِ امْتَنَعَ) أي: امتنع من الإقرار والحلف فلمالك روايتان؛ لأن الأخيرة تستدعي الأولى.
(يُحْبَسَ لَهُمَا) أي: للطلاق والعتاق، ويحتمل للمرأة والعبد المفهومين من السياق لا أن يحكم بالشهادة، وأتى بهذا ليعلم أن الرواية الأولى الحكم لهما، ودليل كلامه أن الحكم لهما مستند إلى الشهادة فقط، وليس كذلك، بل على هذه الرواية إنما يثبت الطلاق بمجموع الشاهد والنكول.
وبين صاحب الجلاب ذلك حيث فرق بين الشاهد واليمين أنه لا يقضي بهما في الطلاق بخلاف الشاهد والنكول على هذه الرواية؛ لأن الشاهد والنكول من جهتين فقويا لذلك، بخلاف الشاهد واليمين فإنهما من جهة المدعي فقط، وقد يجاب عنه بأن في كلام المصنف ما يقتضي اعتبار النكول؛ لأنه قال: (فَإِنِ امْتَنَعَ) وامتناعه هو نكوله.
وقوله: (فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا) لم يبين أمد الحبس، وقد بين ذلك في المدونة بقوله: فإن طال سجنه دين ويخلى بينه وبينها، والقول بالسنة نقله ابن يونس عن مالك أيضاً أواخر العتق الثاني، وقول سحنون أيضاً لمالك، ولعل المصنف وابن شاس لما رأيا أن الطول في كلام مالك غير محدد واحتمل أن يريد أحد القولين تركاه لذلك.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ.
فضل: فإما لأنه ليس بمال محض بل مركب من مال وغيره، ومثل لذلك بمسألتين: الأولى: أن يدعي سيد الأمة أن زوجها ابتاعها منه وأنكر الزوج فأقام السيد على دعواه شاهداً فإنه يحلف معه ويثبت البيع، وهو مال، ويترتب عليه فسخ النكاح، وهو

ليس بمال، وإنما حكمنا فيها بذلك لأنا لو لم نحكم بذلك لأدى إلى أحد أمرين كل منهما باطل؛ إما رد شهادة الشاهد وقد دل الحديث على قبولها، وإما بقاء الزوجة في عصمة مالكها ولا يصح ذلك إجماعاً.
والمثال الثاني: أن يقوم للمكاتب شاهد على أداء نجوم الكتابة فيثبت الأداء وإن ترتب عليه العتق، وقد علمت أن في قول المصنف: (وإن ترتب عليه الفسخ والعتق) لفاً ونشراً.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ لا تُمْضَى.
وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ بِغَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ.
فصلها بـ (أَمَّا) لأنها عكس ما قبلها؛ لأن الشهادة في اللتين قبلها على مال ويؤول إلى غيره، وهذه بالعكس ومعنى كلامه: إذا ادعى رجل على آخر أن القاضي حكم له عليه بمال فأنكر، فأقام عليه شاهداً بذلك فهل له أن [679/ ب] يحلف مع شاهده؟ المشهور لا، وتعقب ابن عبد السلام حكاية الخلاف في الشهادة على حكم القاضي فقال: والذي حكاه الباجي وغيره أن القولين في كتاب القاضي بشاهد ويمين، وذلك لأنه حق ليس بمال ويؤول إلى مال، وأما دعوى أحد الخصمين على الآخر أن القاضي حكم عليه بمال فدعوى مال حقيقة، ولا ينبغي أن يختلف فيها، ورد بأن الخلاف أيضاً موجود في حكم القاضي، حكاه فضل.
والقول بقبول الشاهد لمطرف وأصبغ، ومقابله لابن القاسم وابن الماجشون: لا يقبل في ذلك إلا شاهدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، وأخذ به ابن حبيب ولعل المصنف شهره إما لأخذ ابن حبيب به، وإما لأنه قول ابن القاسم، وإما لكون الشهادة فيه باشتر مالاً وإما للمجموع.
خليل: وانظر ما الفرق على قول ابن القاسم بين هذه المسألة وبين ما إذا قامت المرأة شاهداً على النكاح بعد الموت، فإنه قال: تحلف وترث، والجامع بينهما الشهادة على ما ليس بمال

ويؤول إليه, وقد يفرق بأن يقال: يمكن هنا إثبات المال بنكول المطلوب كما ذكر المصنف، بخلاف النكاح فإن الضرورة داعية فيه إلى القبول، والله أعلم.
قوله: (وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ) هو تفريع على المشهور؛ أي: إذا فرعنا على المشهور في أن الشاهد مع اليمين على حكم القاضي لا يمضي؛ فيكون للطالب استحلاف المطلوب إن القاضي لم يحكم عليه بمال.
وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ) أي: المطلوب.
(لَزِمَهُ) أي: المال (بِغَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ) وفي بعض النسخ: (بَعْدَ يَمِينِهِ) أي: الطالب وهي الصواب.
وفي الأول نظر لوجهين.
أولهما: كيف يمنع على ما ذكره المصنف الشاهد واليمين، ويقبل فيه النكول واليمين، والثاني أضعف على أصل المذهب.
ثانيهما: أنها خلاف المدونة؛ لأن فيها في الأقضية: وللطالب أن يحلف المطلوب بالله أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها، فإن نكل حلف الطالب وثبتت له الشهادة، ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزول، وفي كتاب ابن سحنون أيضاً عن أبيه: أن المطلوب يحلف على ما في ديوان القاضي من شهادة أو إقرار أو قضاء، فإن نكل حلف الطالب وثبت له ما ادعى.
وَالسَّفِيهُ وَالْعَبْدُ كَالرَّشِيدِ لا كَالصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: إذا شهد للسفيه والعبد شاهد فإنهما يحلفان الآن كالرشيد، وليس كالصبي على المشهور، وفهم منه أن الصبي لا يحلف، وهو المعروف، وعن مالك أن الصبي يحلف.
ابن رشد: وهو غريب.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: في العبد والسفيه، وظاهره أن الشاذ يراهما كالصبي، وذكر الباجي والمازري الشاذ في السفيه وأخذاه من رواية ابن حبيب عن مطرف، قال: يحلف المطلوب ويؤخر، فإذا رشد السفيه حلف مع شاهده.

وأنكر ابن زرقون الخلاف في السفيه ابتداءً وقال: لم يختلف ابن القاسم ومطرف أن السفيه يحلف مع شاهده، وإنما اختلفا إذا نكل وحلف المطلوب ثم رشد السفيه؛ فقال مطرف: يحلف بعد رشده ويقضى له، وقال ابن القاسم: قد ينفذ الحكم للمطلوب ولا تعاد اليمين للسفيه، قال: وهكذا هو منصوص في الواضحة.
ابن عبد السلام: وأما العبد فلا أعلم فيه خلافاً، وما أظن نقل المؤلف فيه إلا وهماً.
انتهى.
ولعله خرجه من السفيه، على أن يحتمل على بعد أن يكون قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الصبي، ويكون إشارة إلى ما حكاه ابن رشد عن مالك.
الباجي: وإذا قلنا يحلف السفيه مع شاهده؛ فإنه إن حلف قبض ما استحقه بيمينه الناظر له.
ابن شعبان: والاختيار أن يقبض ما حلف عليه، فإذا صار بيده قبضه من الناظر؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئاً إلا من الذي قبضه.
وَلَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ أَتَى الطَّالِبُ بِشَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يُضَمَّ هَذَا الثَّانِي إِلَى الأَوَّلِ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي اعْتِبَارِهِ لِيَحْلِفَ مَعَهُ قَوْلانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَفِي تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ قَوْلانِ .. يعني: أن من أقام شاهداً ولم يحلف معه، ثم ردت اليمين على المدعى عليه فحلف، ثم أتى الطالب بشاهد آخر- لم يضم هذا الثاني إلى الأول اتفاقاً؛ لأن شهادة الأول قد بطلت بنكوله ويمين المطلوب.
والاتفاق ليس بظاهر؛ فقد روى ابن الماجشون وابن عبد الحكم عن مالك الضم، وبه قال أصبغ، نقله اللخمي وصاحب البيان وغيرهما، لكن قال ابن كنانة: وهو وهم، وقد كان يقول: لا يضم إلى الأول، قال: وإنما هذا في المرأة تقيم شاهداً على طلاق فيحلف الزوج، ثم تجد شاهداً- أنه يضم إلى الأول؛ لأنه لم يوجد منها نكول.
وعلى عدم

الضم فهل للطالب أن يحلف مع هذا الثاني؛ إذ يظهر له الآن ما يقدم معه على اليمين أو لا، وهو قول ابن كنانة، وقول ابن القاسم في المبسوط، لأنه قد ترك حقه بنكوله أولاً؟ وعلى أن الطالب يحلف، فلو نكل فهل يحلف المطلوب مرة ثانية لأنه لم يستفد باليمين الأولى سوى إسقاط الشاهد الأول، أو يسقط حقه بدون يمين المطلوب، لأن يمينه قد تقدمت، فلا تكرر اليمين عليه؟ حكى المصنف وغيره في ذلك قولين: الأول في الموازية والثاني لابن ميسر، وجمع بعضهم المسألة من أصلها مع فرعها فقال: فيهما أربعة أقوال: أولها: إن أتى بشاهد ثان استؤنف له الحكم وهو قول ابن القاسم في الموازية، واختلف إن نكل هل يحلف المطلوب ثانية؟ وثانيها: إن أتى بشاهدين قضى له بهما، وإن أتى بشاهد أضيف إلى الأول، وأخذ حقه بلا يمين، وهو رواية ابن الماجشون عن مالك.
وثالثها: أن نكوله أولاً قطع لحقه، فلا يكون له شيء، وإن أتى بشاهدين غير الأول، وهو قول ابن القاسم وابن كنانة في المبسوط.
ورابعها: إن جاء بشاهدين غير الأول قضى له بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء، حكاه ابن رشد ولم يعزه.
فَلَوْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الاسْتِقْبَالِ كَالشَّاهِدِ لِصَبِّي وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَالْمَنْصُوصُ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبْ بِحِصَّةِ الصَّبِيِّ، فَإِذَا حَلَفَ فَفِي وَقْفْ الْمُعَيَّنِ قَوْلانِ .. اعلم أن اليمين على أربعة أحوال: الأولى: أن تكون ممكنة وهي التي تقدم حكمها.
والثانية: أن تكون ممتنعة في الحال مرجوة الاستقبال.
والثالثة: أن تكون ممتنعة [680/ أ] غير مرجوة.
والرابعة: أن تكون ممكنة من بعض ممتنعة من بعض.

وأخذ المصنف يتكلم على هذه الثلاثة؛ يعني: إذا قام شاهد بحق لصبي وحده أو بحق له مع بالغ فلا يحلف الصبي الآن، وهذا على المعروف كما تقدم، لكن رأى الأصحاب أنه لابد للشهادة من أثر ناجز، فالمنصوص في المذهب أن المطلوب يحلف الآن، وأشار بمقابله إلى ما فهمه الباجي من قول مالك في الموازية: أن المدعى عليه لا يحلف الآن، وإنما يوقف للصبي حقه حتى يحتلم فيحلفه كما يفعل في حق المغمى عليه، ويمكن أن يفرق بقرب إفاقة المغمى عليه، أشار إلى ذلك المازري.
قوله: (فَإِذَا حَلَفَ) أي: المطلوب، وكان المدعى فيه معيناً كدار وثوب، وزاد اللخمي: أو كان غنياً والمدعى عليه يخشى فقره فاختلف المذهب على قولين: أحدهما: وقف المدعى فيه حتى يبلغ الصبي.
والثاني: أنه لا يوقف ويسلم للحالف، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وعليه فإذا بلغ وحلف أخذه بعينه إن كان قائماً، وبقيمته إن كان فائتاً، والأول هو ظاهر الموازية وكتاب ابن سحنون.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر؛ لأن شهادة الشاهد لم تبطل رأساًن وإنما حلف المدعى عليه ليتأخر الحكم، وبنى المازري الخلاف في الإيقاف على الخلاف في إسناد الحكم إلى الشاهد فقط.
واليمين كالعاقد، فيحسن الإيقاف أو إليهما فيضعف الإيقاف.
فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبِ فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ تَمْلِيكاً أَوْ وَقْفاً قَوْلانِ لما ذكر الحكم إذا حلف المطلوب ذكره إذا نكل وأشار إلى أنه يؤخذ منه الشيء المنازع فيه لنكوله، ثم اختلف هل يؤخذ منه أخذ تمليك كما لو كانت الدعوى على كبير وقام عليه شاهد ونكل عن اليمين، وهو مذهب الموازية، بل زعم صاحب البيان الاتفاق عليه أو أخذ وقف، وهو منسوب للواضحة لأنه قال: إذا بلغ الصغير ونكل عن اليمين فإن الحق يرد إلى من أخذ منه، وهو ظاهر؟ والفرق بين الصغير والكبير في هذا ما قاله المارزي

أنه معذور في نكوله هنا؛ لأنه يقول: إنما حملني الآن على النكول أن يميني الآن لا يتم لي بها الحكم لأني لو حلفت لم يفدني ذلك فائدة في مذهب من رأى الوقف ولا كبير فائدة على مذهب من لا يرى الوقف؛ لأن للصبي أن يحلف بعد بلوغه ويتم له الحكم.
وَعَلَى وَقْفِهِ أَوْ يَمِينِهِ يُسَجِلُّ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ لِيَسْتَحْلِفَ الصَّبِيَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ وَاِرثَهُ قَبْلَهُ .. أي: وإذا حلف المدعى عليه أو نكل ولم يحكم عليه فإن الحاكم يكتب شهادة الشاهد ويثبتها ويسجلها للصغير؛ صيانة لحقه خوفاً من موت الشاهد أو تغيير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي، ولو مات الصبي قبل بلوغه لحلف وارثه الآن واستحق.
فَإِنْ نَكَلَ اكْتُفِيَ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ.
يعني: فإن بلغ الصبي ونكل عن اليمين أو نكل وارثه، وقد كان المدعى عليه حلف فإنه يكتفي بتلك اليمين التي حلفها على المشهور، وفي بعض النسخ: (نَكَلَا) ليعود على الصبي ووارثه، ومقابل المشهور أنه يستحلف ثانياً، حكاه في البيان صريحاً.
وقال الباجي: المشهور مبني على أن يمين المطلوب ليوقف الحق بيده، خاصة لما تعذر يمين الطالب، فإذا حلف الطالب أخذ، وإن نكل حلف المطلوب يمين الاستحقاق؛ إذ لو كانت يمينه أولاً يمين استحقاق لوجب إذا نكل عنها أن ينفذ القضاء عليه ولا يحلف المدعي يميناً بعدها، وهذا أصل متنازع فيه.
فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الصَّغِيرِ مَعَهُ أَوَّلاً وَكَانَ قَدْ نَكَلَ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْمَنْصُوصِ؛ لأَنَّهُ نَكَلَ عَنْهَا .. يعني: فإن كان الشاهد شهد بحق لصغير وأخ كبير فنكل الكبير واستؤني الصغير، ثم مات الصغير قبل بلوغه فكان أخوه الكبير وارثه فليس له أن يحلف؛ لأنه قد نكل أولاً

فلا ترجع عليه يمين، وهذا لبعض شيوخ صاحب النكت: وقال ابن يونس: والذي يظهر لي أن يحلف على نصيبه؛ لأنه إنما نكل أولاً عن حصته، ألا ترى أنه لو حلف أولاً وأخذ مقدار حصته ثم إنه ورث الصغير- لم يأخذ نصيبه إلا بيمين ثانية، ولما حكى المازري فيها القولين للمتأخرين قال: ولا نص فيه للمتقدمين، وعلى هذا فتعبير المصنف على الأول بالمنصوص ليس بظاهر.
وَلَوْ كَانَ الأَبُ مُنْفِقاً وَالصَّبيُّ فَقِيراً فَفِي قَبُولِ حَلِفِهِ قَوْلانِ يعني: إذا قام للصغير شاهد بحق ورثه من أمه ونحو ذلك فهل للأب أن يحلف؟ قولان.
وقيد الخلاف بقيدين: أولهما: أن يكون الأب منفقاً على الصغير.
والثاني: أن يكون الابن فقيراً؛ لأنه إذا كان غنياً فالنفقة عليه من مال نفسه فلا يمكن؛ لأنه يحلف ليستحق غيره من غير فائدة تحصل له، فالقول بالحلف في كتاب المدنيين، والقول بنفيه لمالك في الموازية، قال: لا أظن ذلك.
قال في البيان: وهو المشهور المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقيد الخلاف بما إذا لم يل الأب أو الوصي المعاملة، فأما ما وليه فاليمين واجبة عليه؛ لأنه إن لم يحلف غرم.
فَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ مُمْكِنَةً مِنْ بَعْضٍ مُمْتَنِعَةً مِنْ بَعْضٍ كَالشَّاهِدِ عَلَى رَجُلٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ بَطْناً بَعْدَ بَطْنٍ فَرَوىَ مُطَرِّفُ أَنَّهُ [680/ ب] إِذَا حَلَفَ وَاحِدُ ثَبَتَ الْجَمِيعُ، وَرَوَى ابن الماجشون: إِذَا حَلَفَ الْجُلُّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ وَغَيْرُهُ: كَمَسْأَلَةِ الْفُقَرَاءِ.
وَقِيلَ: يَثْبُتُ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبُهُ .. هذه هي الحالة الثانية؛ وهي: أن تكون اليمين ممكنة من بعض دون بعض؛ يعني: فإن قام شاهد بحق لقوم بعضهم معين وبعضهم غير معين كما لو قام شاهد بوقف على بني رجل فاليمين ممكنة من الأولاد الموجودين، ممتنعة ممن لم يوجد من أعقابهم فأربعة أقوال:

الأول لمالك من رواية مطرف وابن وهب: أنه إذا حلف واحد من البطن الأول مع الشاهد ثبت الحبس للجميع.
الثاني لمالك من رواية ابن الماجشون على ما ذكره صاحب النوادر والباجي والمازري: أنه إذا حلف الجل من أهل هذه الصدقة ثبت جميعها.
الثالث: نقله ابن المواز عن أصحابنا فقال: الذي يذهب إليه أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق، ويكون كما لو شهد على وقف للفقراء وهم مجهولون.
والحكم في الفقراء على ما نص عليه اللخمي أن يحلف المشهود عليه، فإن نكل لزم الحبس.
وفي قول المصنف: (وَقَالَ مُحَمَّدُ) نظر؛ لأن محمداً إنما نقله عن غيره، ولأنه لا يؤخذ من كلام المصنف الحكم؛ لأنه لم يذكر الخلاف في الفقراء.
وقول ابن عبد السلام أفاد تشبيه المصنف بالفقراء فائدتين؛ الإعلام بالحكم في مسألة الفقراء، وبيان الحجة في مسألة الحبس ليس بظاهر.
القول الرابع لبعض القرويين، ورجحه اللخمي وغيره بمنزلة الشاهد يشهد بحق لحاضر وغائب أو حمل.
وسبب الخلاف أن الشهادة اشتملت على ما تصح اليمين معه وما لا تصح، فمن التفت إلى جانب تعذرها أبطل الحبس، ومن التفت إلى جانب الصحة صحح الحبس.
ثم اختلف على القول بالتصحيح هل يكتفى بالجل؛ لكونهم يقومون مقام الكل، أو يكتفي بواحد؛ لأن يمينه تنسحب على حق غيره لكون الشهادة بشيء واحد لا تتبعض في الحكم؟ المازري: وربما هجس في خاطري تعليل آخر؛ وهو: أنه إذا حلف واستحق نصيبه طالبه بقية طبقته بنصيبهم مما أخذ؛ إذ حقهم فيه على الشياع وهو مقر لهم، فإذا أخذ منهم شيئاً

عاد اليمين لإكمال نصيبه، فلا يزال هكذا حتى يؤخذ الحبس كله فاكتفى بيمينه وحده يميناً واحدة؛ لأنه حلف على الجميع لحق نفسه.
فَلَوْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقَّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَوَّلِينَ أَوِ الْبَطْنِ الثَّانِي أَوْ مَنْ حَلَفَ أَبُوهُ خِلافُ .. هذا تفريع على القول الرابع؛ وهو: أن من حلف من البطن الأول استحق نصيبه، فلو حلف واحد منهم ونكل باقيهم ثم مات الحالف وبقي إخوته الناكلون فذكر المصنف في هذا ثلاثة أقوال، والمازري إنما جعلها كالاحتمالات، وعلى هذا فاستحقاق بقية البطن الأول مبني على أن نكولهم عن نصيبهم لا يمنع من استحقاق نصيب الأخ الصغير إذا مات على أحد القولين، واستحقاق البطن الثاني مبني على بطلان حق الإخوة بنكولهم، وأن البطن الثاني إنما يتلقونه عن جدهم المحبس، واستحقاق من حلف أبوه خاصة مبني على أن استحقاق البطن الثاني له من قبل آبائهم كالوراثة، فمن نكل أبوه بطل حقه.
ثُمَّ فِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَوْلانِ يعني: أن من وجب له أخذه من بقية البطن الأول أو من البطن الثاني فقيل: يأخذه بغير يمين بناء على أنه كالوراثة.
وقيل: يأخذه بيمين بناء على أنه يستحقه عن جده، وصرح المازري بالخلاف في البطن الثاني، لكن إنما نقل القول باليمين عن الشافعية، وقال إنه القياس، وأجرى الخلاف في يمين بقية البطن الأول، ونقل الباجي القول بسقوط اليمين عن المغيرة.
وَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ قَوْلانِ هما في المدونة، ففي الشهادات منها: وكل جرح فيه قصاص فإنه لا يقتص فيه بشاهد ويمين، وكل جرح لا قصاص فيه مما هو متلف كالجائفة والمأمومة وشبههما

فالشاهد واليمين فيهما جائزة؛ لأن العمد والخطأ فيها إنما هو أموال.
وفي الديات: من أقام شاهداً عدلاً على جرح عمداً أو خطأ فليحلف معه يميناً واحدة، ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطأ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكاً في ذلك فقال: إنه لشيء استحسناه وما سمعنا فيه شيئاً، وقد تبين لك بهذا السياق رجحان ما في الشهادات، وزاد في البيان ثالثاً بأنه يقضى بالشاهد مع اليمين فيما صغر من الجراح لا فيما عظم منها كقطع اليد وشبهه، وهو قول ابن الماجشون وروايته، واختاره سحنون، ونص سحنون على أن المرأتين كالعدل في القصاص، قال: لأن من أصلنا أن كل شيء يجوز فيه شاهد ويمين تجوز فيه شهادة امرأتين، وأجرى صاحب المقدمات على هذا الخلاف خلافاً في حد القذف هل يثبت بالشاهد مع اليمين؟ نص في البيان على أن المعروف عدم ثبوته إلا بشاهدين.
وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تَجْرِي فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُا أَنْ يَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَوْ يَرَاهُ يُؤَدِّيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ: يَتَعَيَّنُ الأَوَّلُ .. (فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ) أيك من حد أو طلاق أو عتاق.
ونبه على قول أبي حنيفة [681/ أ] أنها لا تقبل في العقوبات التي هي حق لله تعالى، وتقبل في العقوبات التي هي حق للخلق إلا القصاص، وعن الشافعي القولان.
ومنشأ الخلاف هل النقل شبهة تدفع الحد؟ (وَشَرْطُهُا) أي: وشرط تحملها أن يقول شاهد الأصل للفرع: اشهد على شهادتي، أو يراه يؤديها عند الحاكم، وأما لو سمعه يخبر أن فلاناً أشهده بكذا فلا يشهد.
قال في البيان: باتفاق؛ لما علم من تساهل الناس في الأخبار ولو كانوا في غاية الورع، وإنما يتحرزون في الإشهاد والتأدية عند الحاكم.
وقال محمد: يتعين الأول، فلا يجوز فيما إذا رآه يؤديها عند الحاكم.
والأول أظهر، وهو اختيار ابن حبيب وقول مطرف، وبالثاني قال

أشهب وأصبغ وابن يونس وهو أشبه بظاهر المدونة.
واختلف أيضاً إذا سمعه يشهد غيره هل يشهد بذلك أم لا؟ مطرف: ولا يشهد بقول القاضي: ثبت عندي لفلان كذا حتى يشهده، حكاه في المفيد.
فرع: من شرط شهادة النقل أن يسمي الناقلون من نقلوا عنه؛ لاحتمال أن يكونوا إذا سموهم حضروا.
قاله المازري.
فَلَوْ طَرَأَ فِسْقُ أَوْ عَدَاوَةُ أَوْ رِدَّةُ امْتَنَعَتْ يعني: فلو تغير حال شاهد الأصل، وكان يومئذ في النقل عنه عدلاً لا عداوة بينه وبين المشهود عليه ففسق قبل أداء الشهادة عنه أو ارتد أو حدثت بينه وبين المشهود عليه عداوة فلا يجوز للفرع أن يؤديها حينئذ؛ لأن المعتبر حال الشاهد وقت الأداء، وذكر المازري أن بعض الأصحاب أشار في الفسق إلى الفرق بين ما يخفى كالزنى وما لا يخفى كالقتل كما تقدم، وهو كلام صحيح.
ولو تغيرت حالة الشاهد الأصل بعد الفسق إلى العدالة فهل للناقل الذي أشهده في حال العدالة الأولى أن ينقل الآن عنه من غير تجديد إذن الأصل في النقل عنه؟ المازري: فيه خلاف بين الناس.
ولم يصرح هل هو في المذهب أو خارجه؟! وَالْجُنُونُ مِنْ كُلِّ لا يَمْنَعُ أي: في كل من الأصل والفرع؛ لأن الجنون غير قادح فيما تقدمه، ولا يظهر لذكر الجنون بالنسبة إلى الفرع كبير فائدة؛ لأنه إن جن قبل أداء الشهادة لم يبق نقل، وإن جن بعده فواضح عدم اعتباره كموته.

وَلا تُسْمَعُ إِلا بِمَوْتِ الأَصْلِ أَوْ غَيْبَتِهِ بِمَكَانٍ لا يَلْزَمُهُ الأَدَاءُ مِنْهُ، قَالَ مُحَمَّدُ: لا يَكْفِي فِي الْحَدِّ مَسَافَةُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثِةِ ... هذا شرط في أدائها والأول في تحملها؛ يعني: شرط النقل تعذر الشهادة من الأصل؛ لأن تأخره مع القدرة ريبة في شهادته، ولأن الظن في شهادة الأصل أقوى؛ فلا يعدل إلى الأضعف مع القدرة على الأقوى والمرض مقيد بأن يشق معه الحضور.
واختلف في حد الغيبة فقيل: أن يكون على مسافة لا يلزم الشاهد منها الأداء.
اللخمي: وقال ابن القاسم في الموازية: إن كانت الشهادة في الحدود لم تنقل عنهم إلا في الغيبة البعيدة، وأما اليومان والثلاثة فلا، ويجوز ذلك في غير الحدود، وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر في مثلها الصلاة أو الستين ميلاً كتب القاضي إلى رجل تشهد عنده البينة، ولم يفرق بين أن تكون الشهادة في مال أو حد.
انتهى.
ونقل ابن يونس عن الموازية نحو ما نقله اللخمي.
المازري: وأشار في المدونة إلى كون الثلاثة أيام في غير الشهادة بالحدود قريبة فقال: من أراد أن يستحلف خصمه لكون من شهد له على مسافة ثلاثة أيام فإنه لا يمكن من ذلك حتى يسقط القيام بالبينة، وجعلها في حكم الحاضرة، والظاهر أن مراد المصنف بقوله: (وقَالَ مُحَمَّدُ) نظر؛ لأنه إنما رواه، وحمل ابن عبد السلام قول المصنف في الحد على أن المراد حد المسافة، ولم أر نقلاً يساعده.
وَيُنْقَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ بِحُضُورِهَا، وَقَالَ مُطَرِّفُ: لَمْ أَرَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةً قَطُّ أَدَّتْ، وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَنْهَا .. يعني: أن ما ذكره من اشتراط غيبة شاهد الأصل إنما هو في الرجل، وأما المرأة فينقل عنها مع حضورها؛ لما طلبت به من الستر، ولو فرق بين من عادتها الخروج وغيرها كما قيل في اليمين لما بعد.

وَلَوْ زَكَّى النَّاقِلُ الأَصْلَ جَازَتِ الشَّهَادَتَانِ أي: شهادة النقل وشهادة التعديل، ولا خلاف فيه، بل شرط أبو حنيفة والشافعي في صحة القضاء بالشهادة المنقولة أن يعدل شاهد الفرع شهود الأصل، والمذهب صحة النقل عمن لم يعرف حاله بجرحة أو عدالة، ويكون البحث في ذلك على القاضي؛ نعم لا ينبغي لهما أن ينقلا عمن لم يعلما جرحته؛ لأن في ذلك تغريراً للقاضي وتلبيساً عليه، قاله المازري وغيره.
وَتُنْقَلُ الْمَرْأَتَانِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ أي: من الأموال وما يؤول إليها كالوكالة والوصية، وما تختص به كالولادة وهذا هو المشهور، ووافق أصبغ إلا فيما يتخصص به، فأجاز فيه نقل امرأتين عن امرأتين.
قال في الجواهر: وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز نقلهن للشهادة بوجه لا في مال ولا في غيره؛ إذ النقل لا يجوز فيه الشاهد واليمين، وإنما تجوز شهادتهن حيث يحكم بالشاهد واليمين، ومنشأ الخلاف أن النقل ليس بمال ولكنه يؤدي إلى مال، فهل يعتبر المال أم لا كما تقدم.؟ وَيَشْهَدُ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ اثْنَانِ لا يَكُونُ أَحَدُهُمَا شَاهِدَ الأَصْلِ وَيُكْتَفَي بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الآخَرِ، قَالَ [681/ ب] عَبْدُ الْمَلِكِ: لابُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ.
يعني: أنه يكتفي في صحة نقل الشهادة- فيما عدا الزنى- أن يكون الناقلان اثنين شهد كل منهما على كل من الأولين على المشهور، بشرط أن لا يكون أحدهما شاهد في الأصل؛ لأنه إذا كان أحد الناقلين ممن شهد في الأصل كان الحق- كما قال ابن المواز- كأنه إنما يثبت بشاهد واحد، وقال عبد الملك: لا يقبل في النقل أقل من أربعة يشهد على كل واحد اثنان.

وَأَمَّا الزِّنَى فَيُكْتَفَى بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ، فَلَوْ شَهِدَ ثَلاثَةُ عَلَى ثَلاثَةٍ وَوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَمْ تَتِمَّ، وَرَوَى مُطَرِّفُ: لابُدَّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ ابن الماجشون: يَكْفِي أَرْبَعَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا فَثَمَانِيَةُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَرُوِيَ يُكْتَفَى بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ .. يعني: وأما الشهادة على الشهادة في الزنى فيحتاط في نقلها كما احتيط في أصلها، وذكر المصنف فيها أربعة أقوال: الأول وهو المشهور: يكتفى بأربعة يشهد كل واحد من الأربعة على كل من الأربعة، أو يشهد على كل اثنين اثنان، فلذلك لو شهد ثلاثة على ثلاثة وواحد على أربعة لم يتم الحكم؛ لأن الرابع لم يشهد على شهادته اثنان.
وروى مطرف أنه لا بد من ستة عشر؛ على كل شاهد أربعة غير الأربعة الذين شهدوا على غيره.
قوله: (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ .. إلخ) يدخل في قول ابن الماجشون صورة لا تدخل على المشهور؛ وهي: إذا شهد اثنان على ثلاثة واثنان على واحد، وإنما لا تدخل على المشهور لأنه اشترط أن يكون على كل اثنين اثنان، فإن تفرقوا على قول ابن الماجشون فثمانية وإنما اكتفي في الاجتماع بأربعة لبعد الغلط حينئذ، ويفهم من حكايته عن عبد الملك أنه يعتبر ثمانية من غير تفصيل، والتزكية على رواية مطرف وقول ابن الماجشون تابعة للنقل؛ أي: لا يكتفي بأربعة، وروي عن مالك أنه يكفي في النقل اثنان كغير الزنى.
تنبيه: وقع في بعض النسخ إثر قول ابن الماجشون: (وَقَالَ مُحَمَّدُ: يَكْفِي أَرْبَعَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ) والظاهر أنه راجع إلى القول الأول، اللهم إلا أن يكون معنى قول محمد أنه لا يقبل أن يشهد كل من الأربعة على كل من الأربعة، لكن لم أر نقلاً يساعده.

وَيُلَفَّقُ الأَصْلُ مَعَ النَّقْلِ كَاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ شَهِدُوا بِالرُّؤْيَةِ، وَاثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ .. أما التلفيق فهو متفق عليه.
قوله: (وَاثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ) راجع إلى قوله: (كَاثْنَيْنِ بِالرُّؤْيَةِ).
وقوله: (أَوْ وَاحِدٍ) راجع إلى قوله: (أَوْ ثَلاثَةٍ) وهو تفريع على قول ابن القاسم لا على قول من اشترط أربعة على كل واحد.
وَإِذَا كَذَّبَ الأَصْلُ الْفَرْعَ قَبْلَ الْحُكْمِ بَطَلَتْ، وَبَعْدَهُ ثَلاثَةُ؛ ابن القاسم: يَمْضِي وَلا غُرْمَ، ابْنُ حَبِيبٍ: يُنْقَضُ، مُحَمَّدُ: يَمْضِي وَيَغْرَمُ الأَصْلُ لِرُجُوعِهِمْ.
يعني: أن لتكذيب الأصل الفرع حالتين: الأولى: أن يكذب شهود الأصل الفرع قبل أن يحكم القاضي بالشهادة فتبطل.
ابن عبد السلام: بلا خلاف؛ لأنه كرجوعهم عن الشهادة قبل الحكم.
ومفهوم قوله: (إِذَا كَذَّبَ) أنه إذا لم يكذبوهم بل شكوا عدم البطلان، والذي نص عليه ابن المواز أن الشك كالإنكار، وخرجه في البيان على اختلافهم في الحديث إذا شك الأصل، والفرع جازم.
والحالة الثانية: أن يكون التكذيب بعد الحكم فحكى المصنف في المسألة ثلاثة أقوال: أولها: لابن القاسم في العتبية، وبه قال مطرف: أن الحكم ماضٍ ولا غرم؛ لأن الحكم عن اجتهاد ولا قطع بكذب الشهود، فلا ينقض.
الثاني: لمالك في الواضحة أن الحكم ينقض؛ لأن بتكذيب الأصل صار الحكم مستنداً إلى غيره شهادة، ولأن شهود الأصل إذا صدقوا بطلت الشهادة، وإن كذبوا بطل أيضاً لتكذيبهم ونسبة المصنف هذا القول لابن حبيب ليست بظاهرة.

والثالث: أنه يمضي ويغرم شهود الأصل، وهذا ليس نصاً، بل استقرأة اللخمي من قول محمد في رجلين نقلا عن أربعة: إنهم أشهدونا أنهم يشهدون على فلان بالزنى، ولم يحد الناقلان حتى قدم الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم- قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف ويسلم الاثنان؛ لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف.
اللخمي: فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعاً.
ولو أن الشهود الذين شهدوا عند القاضي وحكم بشهادتهم أكذبوه بعد أنوقع الحكم فيه ففي المجموعة: ينظر السلطان في ذلك؛ فإن كان القاضي عدلاً أمضى الحكم ولا يلتفت إلى تكذيب من حكى القاضي أنهم شهدوا عنده.
وفي الموازية في قاض حكم لزيد على عمرو بمائة، فأتى الشهود فأنكروا ذلك ونسبوا الغلط إليه وقالوا: إنما شهدنا عندك بأن لعمرو على زيد مائة بعكس ما حكمت عنا" فإن القاضي إذا كان على يقين لم ينقض الحكم، ولكن يغرم لعمرو مائة بشهادة هؤلاء عليه أنه أتلف مال من حكم عليه.
المازري: ومقتضى قولنا أنه لو رفع إلى غيره والقاضي معسر لا ينزع ممن قضى له به.
ابن المواز: ولو أن القاضي شك في صدقهم وجوز كونه غلطاً لنقض الحكم بنفسه.
وَلِلرُّجُوعِ ثَلاثُ صُوَرٍ؛ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلا قَضَاءَ لما شبه في القول الثالث بالرجوع حسن أن يأتي بأحكام الرجوع.
وقوله: (فَلا قَضَاءَ) أتى بالنفي العام ليعم المال وغيره.
فَإِنْ قَالا: وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: سَقَطَتَا مَعاً يعني: فإن لم يرجعا عن المشهود له وإنما رجعا عن المشهود عليه وقالا: إنما الحق على هذا، فقال ابن القاسم وأشهب في الموازية: لا تقبل شهادتهما على واحد منهما، وهو معنى

قوله: [682/ أ] (سَقَطَتَا) وراه ابن القاسم عن مالك، وعلله أشهب بأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة لإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك.
فَإِنْ قَالَ: شَكَكْتُ ثُمَّ قَالَ: زَالَ الشَّكُّ فَقال المازري: هِيَ مِثْلُ الشَّكِ قَبْلَ الأَدَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: تَذَكَّرْتُهَا فَالْوَاضِحُ قَبُولُهَا، وَثَالِثُهَا لِمَالِكٍ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَاً قُبِلَتْ .. قال المازري: إذا وقع بعد أدائها تشكك فعاد إلى القاضي وقال له: توقفت في قبول شهادتي، ثم عاد بعد ذلك وقال: ذهب عني الشك فإن من الناس من ذهب إلى أن ذلك على قولين، ولا يبعد أن يجري في هذا التشكيك بعد الأداء ما كنا حكيناه عن المذهب إذا جرى ذلك من الشاهد قبل الأداء، والذي حكاه المازري قبل ذلك أن مالكاً سئل عمن يسأل عن شهادته فلم يذكرها، ثم عاد فقال: تذكرتها- فقال: تقبل شهادته ولا يضر بشرط التبريز، ويشترط ألا يمضي ما يستنكر فيه صحة ما اعتذر به.
المازري: والظاهر قبولها من غير اشتراط التبريز؛ لأن التوقيف يعرض للعالم بالشيء ثم يذهب عنه ويعود إلى اليقين، ثم قال المازري: قال سحنون: وإن قال أنا أتذكر فيها، ثم عاد فقال: تذكرتها فإنها تقبل منه إذا كان بارز العدالة، وإن قال: لا أعلمها، ثم قالت: تذكرت فعلمتها فإن قول مالك اختلف في ذلك.
المازري: وكأن سحنوناً أشار إلى أنه من الفرع الأول لما قال: "أنا أتذكر، ثم قال: علمت" لم يأت في قوله ثانياً بما ينافي الأول، بخلاف ما إذا قال: "لا أعلمها" فإنه كالمنافي بعد ذلك لقوله: "قد علمتها".
وقول المصنف: (فَالْوَاضِحُ) أي: فيما إذا شك قبل الأداء؛ لأن المازري إنما قال ذلك فيها لا فيما إذا تقدم نفي العلم على الأداء، وعلى هذا فالثلاثة الأقوال إنما هي في الشك بعد الأداء والقولان اللذان حكاهما سحنون والفرق بين المبرز وغيره، وأما إذا شك قبل الأداء فلم يحك المازري وغيره قولاً في ذلك بعدم القبول مطلقاً.

الثَّانِيةُ: بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الاسْتِيفَاءِ، قَالَ ابن القاسم: يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ، وَقَالَ أَيْضاً وَغَيْرُهُ: لا يُسْتَوْفَى؛ لْحُرْمَةِ الدَّمِ .. هذه الصورة الثانية؛ وهي: أن يرجع الشهود عن شهادتهم بعد أن حكم القاضي وقبل الاستيفاء، فإن كان الحكم بمال مضى اتفاقاً، وإن كان بقصاص أو حد فقال ابن القاسم: لا ينقض الحكم كما في المال، فقوله: (كَالْمَالِ) أتى به للاستدلال، ونقل المصنف هذا القول عن مالك، وقال ابن القاسم أيضاً وغيره: لا يستوفى الدم أيضاً لحرمته، وتجب الدية، هكذا نقل المازري، وكان ابن القاسم يقول أولاً بالأول، ثم رجع واستحسن الثاني، قال: والأول القياس، وحكى المازري عن أصبغ ثالثاً أنه لا ينقض الحكم ولا دية فيه، وعلى وجوب الدية فقال بعض الشيوخ: لم يذكر على من تكون هل هي على الشهود؛ لأنهم أبطلوا الدم؟ وإن أراد ذلك فلم يبين أيضاً هل عليهم دية الذي شهددوا باستحقاق إراقة دمه أو دية الثاني الذي وجب عليه القصاص إن كان القاتل رجلاً والمقتول امرأة أو بالعكس؟ قال: ويمكن أن يريد: أن العقل يجب على القاتل الذي شهدوا أن القصاص يجب عليه حتى لا يبطل الدم عنه قال: وهذا عندي أظهر.
وَمِثْلُهُ لَوْ رَجَعَ شُهُودُ الإِحْصَانِ لَجُلِدَ جَلْدَ الْبِكْرِ يعني: ومثل رجوع شهادة القتل رجوع شهادة الإحصان فيمضي رجمه على أحد القولين ولا يمضي على القول الآخر هكذا قال ابن عبد السلام، والأظهر أن المراد: ومثل القول الثاني؛ لقوله: (لَجُلِدَ جَلْدَ الْبِكْرِ).
الثَّالِثَةُ: بَعْدَ الاسْتِيفَاءِ فَيَغْرَمَانِ الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلا يُغَرَّمَانِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ .. الصورة الثالثة: أن يرجع الشاهد بعد استيفاء الحكم فلا خلاف أن الحكم تام وإنما النظر في الغرامة، ثم لهما حالتان:

الأولى أن يقولا: "غلطنا" فقال ابن القاسم وأشهب: يغرم الشاهدان؛ لأن الخطأ والعمد بالنسبة إلى ضمان أموال الناس سواء، وقال ابن الماجشون: لا يغرم الشاهدان؛ لأنهما لو غرما في الخطأ مع كثرة الشهادة عليه لتورع الناس عنهما، وبالأول قال مطرف وأصبغ، قيل: وهو ظاهر المدونة في كتاب السرقة، وبالثاني قال المغيرة وابن دينار وابن أبي حازم، وحكي عن أصبغ قول ثالث أن الدية على عواقلهما.
فَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا فَالدِّيَةُ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقِصَاصُ لأَشْهَبَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: لا نَصَّ لِمَالِكٍ فِي التَّغْرِيمِ إِلا أَنَّ أَصْحَابَهُ اتَّفَقُوا عَلَى تَغْرِيمِ مَا أَتْلَفُوهُ بِالتَّعَمُّدِ.
تصور المسألة ظاهر، والأقرب قول أشهب؛ لأنهم قتلوا نفساً بغير شبهة، والقاضي والولي معذوران، وقول محمد راجع في المعنى إلى قول ابن القاسم على أن الأولى أن يعاد قول محمد على غير النفس كما لو أتلفوا بشهادتهم مالاً، وإن كان ظاهر كلام المصنف خلافه؛ لأنا لو أعدناه على الدية لم يصح؛ لأن المازري حكى عن مالك روايتين كقول ابن القاسم وأشهب، وقال: الأشهر عند أصحابه الغرم، اللهم إلا أن يقال: إن محمداً لم يطلع على الرواية بعدم الدية.
وَلَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ وَحَكَمَ وَلَمْ يُبَاشِرِ الْقَتْلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ هكذا حكى [682/ ب] المازري وابن شاس، وظاهره أنه تجب الدية عند ابن القاسم كالأول.
وفيه نظر؛ ففي آخر الرجم من المدونة: وإن أقر القاضي أنه رجم أو قطع الأيدي أو جلد تعمداً للجور أقيد منه.
وهو ظاهر في لزوم القود له وإن لم يباشر، وعلى ذلك حمله بعضهم.
ابن عبد السلام: ولا أظنه يختلف في ذلك، وظاهره أن القود يجب في السوط وهو أحد القولين.

وَأَمَّا لَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ قَذْفٍ أَوْ شَتْمٍ وَشِبْهِهِ فَالأَدَبُ لا غَيْرُ أي: ولا غرامة هنا، وقد نقل سحنون الاتفاق على ذلك، قال: ولا تقع المماثلة في اللطمة والسوط، وقد يسبق إلى الذهن أن من يرى القود في السوط من أصحابنا يرى أن للمشهود عليه هنا أن يقتص من الشهود، وهذا إنما يتم لو كان أشهب الذي يوجب للمشهود عليه القصاص من الشهود يقول بالقود في السوط.
وَقَدْ قال المازري: لا خِلافَ فِي تَعَلُّقِ الْغَرَامَةِ بِهِمْ إِذَا شَهِدُوا عَلَى قَتْلٍ عَمْدٍ فَاقْتُصَّ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيُّ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الْبِدَايَةِ وَفِي الرُّجُوعِ فَقَالَ ابن القاسم: يَبْدَأُ بِالشُّهُودِ فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَمِنَ الْقَاتِلِ، وَقِيلَ: الْمُسْتَحِقُّ مُخَيَّرُ ليست هذه المسألة من مسائل الرجوع لأن الشاهدين لم يرجعا، وإنما تبين كذبهما من جهة غيرهما، لكنه ذكره في فصل الرجوع لاشتراكه معه في تعلق الغرامة.
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) نحوه في الجواهر وعزاه لسحنون أيضاً، وإنما عزاه المازري لسحنون، وهو الظاهر؛ لأن الذي نقله في النوادر عن ابن القاسم في رجلين شهدا أن هذا الرجل قتل ابن هذا عمداً فقضى بقتله ثم قدم ابن الرجل حياً: أنه لا شيء على الإمام ولا على عاقلة الأب، ويغرم الشاهدان ديته في أموالهما، وقاله أصبغ، ولم يذكر عن ابن القاسم الرجوع على القاتل إذا كانوا فقراء، وإنما قال سحنون: أنه يرجع على القاتل ولا يكون له على الشهود رجوع.
المازري: وروي نفي الترتيب، وأن ولي الدم مخير إن شاء تبع الشاهدين بالدية، وإن شاء تبع ولي القاتل، ثم إن بدأ بطلب الشهود لم يكن له العدول عنهم إلا أن يجدهم فقراء فيطلب الأب القاتل، وإن اختار البدأة بالأب فليس له الرجوع عنه ملياً كان أو معدماً.

وَفِي الرُّجُوعِ قِيلَ: إِنَّمَا يَرْجِعُ الشُّهُودُ بِمَا أَدَّوْا عَلَى الْقَاتِلِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لا رُجُوعَ .. قال: (إِنَّمَا) ليفيد أنه على هذا القول لا يرجع القاتل عليهم، وهذا من كمال القول بتخيير المستحق، هكذا ذكر المازري.
وقوله: (وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ) لم أره، والقول الثالث ينفي رجوع أحدهما عن الآخر، ذكره ابن شاس وغيره عن سحنون.
فَلَوْ كَانَتْ عَلَى قَتْلٍ خَطَأٍ فَأُخِذَتِ الدَّيةُ مِنَ الْعَاقِلَةِ لَرُدَّتْ فَإِنْ أُعْسِرَ فَعَلَى الشُّهُودِ، وَلا رُجُوعَ .. يعني: فإن كانت الشهادة بقتل الخطأ فأخذت الدية من العاقلة ثم قدم المشهود بقتله حياً لردت الدية، فإن أعدم أحدهما غرمها الشهود؛ لأنهم السبب في تمكين أخذه منها، وهذا قول ابن القاسم، وقيل: يبأ بالشهود فتأخذ منهم العاقلة ما أخذه الولي، فإن كانوا فقراء رجعت على الولي بما أخذ منهم ثم لا يرجع الغارم من الشهود على الولي، ولا الولي على الشهود، وقيل: بل العاقلة تخير بين أن ترجع على الشهود أو على الأب، فإن وجدت الشهود فقراء رجعت بما غرمت على الولي، وإن اختارت البداءة بالولي فليس لها الرجوع على الشهود، وإن وجدت الولي فقيراص فأخذت من الشهود رجعوا على الولي، وإن أخذت من الأب لم يرجع على الشهود.
المازري: فتخلص من هذه أن المذهب لم يختلف في أن الطلب يتوجه على الأب القابض للدية وعلى الشهود؛ لأنهم هم مكنوا الأب منها، ولكن إن كان أحد الصنفين فقيراً طلب الموسر بغير خلاف، وإن كانا مليين فاختلف هل تخير العاقلة بين طلب الأب أو طلب الشهود أو يقع على الترتيب؟ وعلى الترتيب فاختلف بمن يبدأ؛ فقيل: بالأب، وقيل: بالشهود ثم في رجوع الشهودعلى الأب خلاف، وأما الأب إذا غرم فلا يرجع عليهم.

وَعَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ رُجِمَ بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مَجْبُوبُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ .. قال أشهب: إلا أن يقولوا رأيناه يزني قبل جبه فتجوز شهادتهم، ولا حد عليهم على كل حال.
وقوله: (وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ) أي: عليهم الدية مع وجيع الأدب وطول السجن، هكذا قال في كتاب الرجم، زاد: ولا حد على الشهود؛ إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زان، قال جماعة: يريد إذا جب قبل البلوغ لأن بذلك يظهر كذبهم.
ونبه بقوله: (عَلَى أَصْلِهِ) على مخالفة أشهب لأصله، لأن أصله القصاص، ولقصد مناقضة أشهب والله أعلم صدر المصنف المسألة بقول أشهب، وإلا فشأنه تقديم قول ابن القاسم إذا كان في المدونة، وزعم بعضهم وجوب الدية هنا، قال: لأن المشهود عليه قادر على أن يظهر الجب، وأجرى بعض الشيوخ فيها الخلاف المتقدم في مسألة الرجوع عن الشهادة، ووقع في بعض النسخ عوض (وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ) (وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى عَاقِلَةِ الشُّهُودِ) والأول أصح؛ لموافقته المدونة، ولا يبعد أن يخرج مما في حريم البئر من المدونة قول كالنسخة الثانية، لأن فيها: وأما من حفر بئراً في غير ملكه لماشية فلا يمنع فضلها من أحد وإن منعوه حل قتالهم، وإن لم يقو المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشاً فدياتهم على عواقل المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب.
فرع: قال محمد بن عبد الحكم في رجل [683/ أ] قيد عبده وحلف لا ينزعه شهراً، وحلف أيضاً بحريته إن وزن العبد عشرة أرطال، فشهد شاهدان أن وزنه ثمانية، فحكم القاضي بحرية العبد لأجل شهادتهما بحنث السيد، ثم نزع السيد القيد عند الأجل،

فوجد كما حلف عليه، أن الحكم ينقض ويرد العبد إلى الرق، وقال أبو حنيفة: الحكم ماض ولا يرد العبد إلى الرق، ويغرم الشهود قيمة العبد كما يغرمان ذلك إذا رجعا عن شهادتهما، وفرق ابن عبد الحكم بأن رجوع البينة محتمل للكذب فلا ينتقض الحكم بالاحتمال، ومسألة العبد تيقن كذبهما فيها.
وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى فِي الصُّوَرِ كَلِّهَا أي: في الثلاث صور، إذا رجعوا قبل الحكم وبعده وقبل الاستيفاء وبعدها.
فَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ حُدُّوا، وَبَعْدَ إِقَامَتِهِ حُدَّ الرَّاجِعُ اتِّفَاقاً دُونَ الثَّلاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدُ حُدُّوا أَجْمَعُونَ.
يعني: إذا رجع أحد الأربعة فإن كان رجوعه قبل الحكم حد الجميع، وإن كان بعد إقامة الحد أو بعد الحكم على المشهود عليه حد الراجع اتفاقاً؛ لاعترافه على نفسه بالقذف دون الثلاثة على المشهور، وهو مذهب المدونة؛ لأن الحكم قد نقل شهادتهم وهم باقون عليها، والشاذ أنهم يحدون أيضاً.
قوله: (وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدُ حُدُّوا أَجْمَعُونَ) نحوه في المدونة والفرق أن الرق وصف ظاهر لا يشك فيه، وأما الرجوع فيحتمل لفسق طرأ أو لميل مع أحد الخصمين أو نحو ذلك، ولهذا ألحقوا بالعبد الكافر والأعمى وولد الزنى والمولى عليه.
فَلَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ لَمْ يُحَدَّ الْبَاقُونَ؛ لاسْتِقْلالِهِمْ وَلا الرَّاجِعَانِ؛ لأَنَّهُمَا كَقَاذِفَيْنِ شَهِدَ لَهُمَا أَرْبَعَةُ إِلا أَنْ يُكَذِّبَا الشُّهُودَ .. تصوره ظاهر، واختلف قول ابن القاسم في حد الراجعين فقال مرة هو وعبد الملك: لا يحدان للعلة التي ذكرها المصنف؛ أنهما كقاذفين شهد لهما أربعة بالزنى، وقال مرة: يحدان؛ لاعترافهما على أنفسهما بالقذف.

المازري: وإن قال: "انفردت أنا بالكذب، ولا أعتقد كذب من شهد معي" لم يحد، وكلام المصنف راجع إلى هذا.
فَلَوْ رَجَعَ ثَالِثُ حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ وَغَرِمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ وَإِنْ رَجَعَ رَابِعُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ .. أي: رجع ثالث مع الاثنين اللذين رجعا قبل، ففي الموازية: يغرم هو والراجعان قبله ربع الدية بينهم أثلاثاً.
والحد على كل واحد منهم، قال: سواء رجعوا معاً أو مفترقين.
قوله: (وَإِنْ رَجَعَ رَابِعُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ) أي: على هذا الراجع، وعلى الثلاثة الذين قبله بالسواء، ولذلك إن رجع خامس كان على الراجعين ثلاثة أرباع الدية، وإن رجع السادس كانت الدية على الستة، وهذا معنى قوله: (وَعَلَى ذَلِكَ).
فَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَ رُجُوعِ اثْنَيْنِ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدُ فَقَالَ مَالِكُ: يُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَيُغْرَمَانِ رُبُعَ الدِّيَةِ، وَحُدَّ الْعَبْدُ بِغَيْرِ غَرَامَةٍ .. يعني: لو رجع اثنان من الستة، ثم ظهر بعد رجوعهما أن أحد الأربعة الذين لم يرجعوا عبد ففي الموازية ما ذكره المصنف، وفي كتاب الرجم من المدونة: وإن علم بعد الرجم أو الجلد أن أحدهم عبد حد الشهود جميعاً، وإن كان مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن الشهادة قد تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، ولم تتم في العبد، ويصير من خطأ الإمام، فإن لم يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، وإن علموا فذلك على الشهود في أموالهم ولا شيء على العبد في الوجهين.
فإن قيل: هل ما في الكتابين متخالف فيتخرج في المسألتين خلاف، أو لا؟ قيل: يحتمل أن يقال: مسألة المدونة انتقض الحكم فيها بظهور كون الرابع من الشهود عبداً، وإذا انتقض وجب حد الثلاثة الباقين، وأما مسألة الموازية فإن الحكم

ينتقض لأن قصارى الأمر أنه شهد خمسة وأقيم الحد، ورجع منهم اثنان، وذلك غير موجب لنقض الحكم، فلهذا لم يحد الثلاثة الباقون فيها.
فإن قلت: فكان ينبغي على ما في الموازية أن يسقط الحد عن العبد.
قيل: قذف العبد للمشهود عليه سابق على حد الزنى، فلعله لما كان مطالباً به وقد ظهرت الشبهة في زنى المشهود عليه فرجع بعض الشهود استصحب القذف ووجب حد العبد، والمسألة مع ذلك مشكلة.
وَقَالَ مُحَمَّدُ: لَوْ رَجَعَ وَاحِدُ مِنَ السِّتَّةِ بَعْدَ أَنْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ثَانٍ بَعْدَ مُوضِحَةٍ ثُمَّ ثَالِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي مِثْلُهُ وَخُمُسُ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ، وَقِيلَ: مُضَافاً إِلَى السُّدُسِ وَالْخُمُسِ .. يعني: لو شهد ستة على رجل بالزنى فأمر القاضي برجمه لأنه كان محصناً فرجع واحد منهم بعد أن فقئت عين المرجوم، ثم رجع ثان بعد أن أوضحه موضحة فلا غرامة على الراجعين لبقاء أربعة يشهدون بالزنى، ولا حد عليهم على أحد قولي ابن القاسم كما تقدم، ثم إن رجع ثالث بعد قتله وجب على الأول سدس دية العين؛ لأنها فقئت بشهادة ستة هو أحدهم، وكذلك على الثاني مع خمس دية الموضحة، ولا شيء على الأول في الموضحة؛ لأنه رجع قبلها ولم يشارك فيها، واختلف فيما يجب على الثالث؛ فقيل: يجب عليه ربع دية النفس فقط.
وقيل: بل يضاف إلى ذلك مثل ما على الأولين.
ابن المواز: والأول أصح؛ أي: لأن القتل يندرج تحته الجراح، وهذا الفرع الذي ذكره محمد [683/ ب] مبني على مذهبه أن رجوع الشهود بعد الحكم وقبل الاستيفاء يمنع من الاستيفاء، وأما على القول الذي رجع إليه ابن القاسم أنه يستوفي فينبغي أن يكون على

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل