ابن عبد السلام: ويؤخذ من كلامه أن من ألحق أخوة الصداقة بالنسب يختلف، هل يقبلها بشرط التبريز أو بشرط أن لا تتضح التهمة، والدخول تحت هذه العهدة في النقل صعب.
وَفِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَا جَازَ
الجواز لسحنون اعتباراً بالحال؛ لأن شهادته لم تكن لابنته ولا لابنه، والرد لابن القاسم نظراً للمال؛ لأنه أميل لابنه أو ابنته، والثالث حكاه ابن محرز عن بعض شيوخه، واختلف في شهادة الرجل لأبوي امرأته وولدها من غيره وفي شهادة المرأة لولد زوجها، هكذا ألحقه المازري بالخلاف المتقدم.
وَفِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لأَحَدِ وَالِدَيْهِ عَلَى الآخَرِ، وَشَهَادَةِ الأَبِ لأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَيْلُ لِلمَشْهُودِ لَهُ- قَوْلانِ ..
هكذا حكى ابن محرز هذا الخلاف، قال: والصواب الإجازة؛ لأن الشاهد قد استوت حالته فيمن يشهد له وعليه فصار بمنزلة شهادته لأجنبي على أجنبين وشرط بعضهم التبريز في قبول هذه الشهادة.
واحترز بقوله: (إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَيْلُ) مما إ ذا ظهر ميل للمشهود له فإنه يتفق على الرد كما لو شهد للصغير على الكبير، أو للبار على العاق.
ابن محرز: ولو شهد لأبيه على ولده أو لولده وليس في حجره لتخرج على الخلاف في شهادته لأحد أبويه على الآخر، ولو شهد لأبيه على جده أو لولده على ولد ولده لانبغى ألا يجوز اتفاقاً، ولو كان على العكس لانبغى أن تجوز اتفاقاً.
فَإِنْ ظَهَرَ مَيْلُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَأَوْلَى بِالْجَوَازِ
كما لو شهد للعاق على البار.
وقوله: (أَوْلَى) أي: على القول بالجواز، ولا يريد أنه يتفق على الجواز؛ لأن سحنوناً يمنع وإن شهد للأكبر من أولاده على الأصغر، والرشيد منهما على السفيه الذي في ولايته، والعاق على البار، وكأنه رآه حكماً غير معلل وأن المنع في ذلك له.
وقال سحنون في نصراني مات وله ولد نصراني يرثه، وله ولدان مسلمان يشهدان بدين لأبيهما على رجل: إن شهادتهما لا تقبل مع ارتفاع التهمة بموت أبيهما وصيرورة ماله لولده النصراني.
قالوا: ترد شهادة الأب لولده وإن كان عبداً مع كون العبد لا يملك ما شهد له أبوه به ملكاً لا يقدر على انتزاعه.
وزادوا فقالوا: لا تقبل شهادته لسيد ولده ولسيد أبيه؛ لأجل التهمة بأن يصانع لسيد ولده أو سيد أبيه الشهادة ليحسن إلى أبيه أو إلى ابنه، ولذلك لو شهد ولدان على سيد أبيهما أنه باعه أو شهدا أن أباهما العبد جنى على رجل فإن شهادتهما لا تقبل أيضاً؛ لأنهما يتهمان أن يكونا قصدا إنقاذ أبيهما أو ولدهما من سوء مملكة السيد.
فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُمَا مُنْكِرَةً لِلطَّلاقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِلأَبِ عَلَيْهَا
احترز بقوله: (مُنْكِرَةً) من أن تكون مقرة بالطلاق قائمة به- فلا تقبل.
نص عليه أشهب وأصبغ وسحنون، وأطلق ابن القاسم القبول ولم يقيد بكون الأم مقرة أو منكرة، لكن قيده صاحب البيان بقول أشهب ولم يجعل بينهما خلافاً، ولهذا - والله أعلم- لم يتعرض المصنف لقول ابن القاسم، لكن حمله اللخمي على الخلاف.
وقوله: (مُنْكِرَةً لِلطَّلاقِ) يريد: والأب أيضاً منكر، ولا يريد أن الأب مقر؛ لأن الأب لا يحتاج إلى شهادتهما إذ الطلاق بيده.
فإن قيل: لعله أراد إذا كان الأب مدعياً للطلاق على خلع والأم منكرة له.
قيل: إن أراد هذه الصورة لزمه خلاف النقل؛ لأن الذي في النوادر عن ابن سحنون: إذا شهدا أن [670/ ب] أمهما اختلعت من زوجها لم تجز شهادتهما، جحدت الأم أو لا.
ولم يذكر خلاف ذلك.
ولو شهدا أن الأب طلق ضرة أمهما فإن كانت أمهما في العصمة لم تقبل، وإن ماتت قبلت شهادتهما، ومال بعض الشيوخ إلى ردها.
وإن كانت أمهما مطلقة من أبيهما وهي حية فشهد الابنان بطلاق الضرة ففي المذهب قولان؛ منع شهادتهما ابن القاسم، وأجازها أصبغ.
وهذا إذا كانت الضرة منكرة للطلاق، واختلف إن كانت هي القائمة بشهادتهما وأمهما في عصمة الأب؛ فأجازها أصبغ، ومنعها سحنون بعد إجازته لها.
اللخمي: والقياس أن تمنع سواء كانت الأم في عصمة الأب أو مفارقة أو ميتة؛ لأن العادة جارية بين زوجة الأب وربيبها بالعداوة، وإن كانت شابة كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد يشاركه في الميراث أو يميل بماله إليها، ومدار الأمر في هذا الباب على التهمة القوية، فحط الفقيه الالتفات إليها.
الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ، وَلا تُقْبَلُ عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ لَهُ عَكْسَ الْقَرَابَةِ
إنما لم تقبل للتهمة كما في التي قبلها.
فإن قيل: ما الذي أفاده قوله: (عَكْسَ الْقَرَابَةِ) مع تصريحه أولاً بأنها لا تقبل له وتقبل عليه؟ قيل: فائدتين.
الأولى: تقييد العداوة بالبينة كما قيد في القرابة تأكيد الشفقة.
قال ابن كنانة في المجموعة: إن كانت الهجرة في أمر خفيف فشهادة أحدهما تقبل على الآخر، وأما المهاجرة الطويلة والعداوة البينة فلا تقبل عليه.
الثانية: أنه لم يصرح في القرابة بأنها تقبل عليه ولا تقبل له، وهذا المعنى وإن كان مفهوماً مما تقدم فالتصريح هنا به أولى.
فإن قيل: (أل) في: (الْقَرَابَةِ) إما للعهد وهو متنف لعدم تقدم ما هو معهود، أو للجنس وهو لا يصح، وإلا لزم المنع في الأعمام والأخوال.
قيل: هي للعهد، وقد تقدم ما يدل على القرابة من وجهين:
أحدهما: أكيد الشفقة.
والثاني: قوله: (كَالأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ)
فإن قيل: فإن كان هذا عكس الثالث كان ينبغي أن يذكر أولاً في المانع الثالث القرابة دون أكيد الشفقة.
قيل: ذكر أولاً أكيد الشفقة لينبه على العلة الملحوظة، والله أعلم.
وَشَرْطُهُا: أَنْ تَكُونَ عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيِّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ دَيْناً يَتَشَوَّفُ بِهِ عَادَةً إِلَى أَذًى يُصِيبُهُ.
قَالَ سحنون: وَمِثْلُهُ لَوْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ فِي خُصُومَتِهِ.
وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةَ فَلا أَثَرَ لَهَا فَأَوْلَى بِقَبُولِهَا ..
شرط في العداوة المانعة أن تكون دنيوية، كذلك إن كان أصلها ديناً ولكن قويت حتى زادت على القدر الواجب- فإن ذلك القدر الزائد يمنع الشهادة، قاله المازري وعياض.
وهو صحيح؛ فإن تلك العداوة لو كانت لله تعالى لما تعدت القدر المأذون فيه وما حكاه عن سحنون يوهم أنه لو شهد عليه بعد الخصومة لقبل، والذي نقل المازري عن سحنون إذا شهد رجل بشهادة فبعد ذلك بنحو شهرين شهد المشهود عليه على الشاهد الذي شهد عليه: إن شهادته لا تقبل، وأشار المازري إلى أنه لابد من الالتفات إلى بروزهما في العدالة، وكون الشهادة الأولى لم تقع بما يوجب حقداً لاحتقار ما شهد به الشاهد الأول.
وقال أصبغ فيمن شهد على رجل حاضر فلما أتم الشهادة قال للمشهور عليه والقاضي يسمع: "إنك تشتمني وتشبهني بالمجانين" قال: لا نطرح شهادته إلا أن تثبت العداوة من قبل.
هكذا نقل ابن عبد السلام ونقل المازري عن أصبغ رد الشهادة، وعلله بكون الشاهد أقر عن نفسه بعداوة المشهود عليه.
ونقل ابن سهل هذا عن ابن الماجشون، ونقل عن أصبغ أنها لا تبطل إذا كان ذلك منه على جهة الشكوى لا على طلب المخاصمة، وتبطل إن كان على وجه الخصومة.
خليل: ويمكن أن يجمع بين النقلين الأولين بهذا، واستحسن اللخمي ردها، إلا أن يكون الشاهد مبرزاً.
وقوله: (وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةَ) هو مفهو من الشرط أولاً، لكن صرح به هنا لما ترتب عليه بقوله: (فَأَوْلَى بِقَبُولِهَا) وقد حكى الأبهري الإجماع على أن العداوة في الدين لا تبطل الشهادة بدليل جواز شهادتنا على سائر الملل.
فروع:
الأول: إ ذا طرأ بين المسلم والكافر عداوة لأمر حدث فاختلف أصحابنا في قبول شهادة المسلم حينئذ عليه.
عياض: والصحيح عدمه.
الثاني: قال مالك: إذا شهد وجب عليه أن يخبر الحاكم بأنه عدو، وعن سحنون لا يخبر تنفيذاً للحق، ولا يسعى في إبطاله.
ابن رشد: وهو أصح.
الثالث: إذا خاصم الرجل عن غيره ففي مفيد الحكام: تجوز الشهادة عليه في اليسير الذي ليس مثله يورث الشحناء.
وفي المتيطية: الخصم هو الذي يخاصم غيره، وقال ابن وهب: هو الوكيل على [671/ أ] الخصومة.
ومقتضى قول ابن وهب تجوز شهادته على الوكيل مطلقاً.
وَفِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوَّهِ بِمَالٍ وَمَا لا يَلْحَقُ الأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةُ- قَالَ ابن القاسم: لا تَجُوزُ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ أَبِي شُرِيْحٍ وَسْلَيْمَانَ بنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: تَجُوزُ، وَقَالَ ابن الماجشون: تَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وِلايَتِهِ، وَقَالَ أَيْضاً: تَجُوزُ إِنْ كَانَ الأَبُ مَيِّتاً ..
لما ذكر أن العداوة بين الشاهد والمشهود عليه تمنع الشهادة، أخذ يتكلم فيما إذا كانت تسري إليه.
واحترز بقوله: (بِمَالٍ) وبـ (مَا لا يَلْحَقُ الأَبَ فِيهِ مَعَرَّةُ) مما لو شهد عليه بما يلحق أباه منه معرة فإنه يمتفق على رد شهادته، كشهادته بزنى الابن وسرقته؛ لأنه مما يتأذى به الأب، وذكر المصنف أربعة أقوال:
الأول لابن القاسم: عدم الجواز، ولو كان الشاهد في الصلاح قد بلغ النهاية.
ابن يونس: وهو الصواب.
الثاني لمحمد: تجوز وإن كان الأب حياً والابن في ولاية أبيه، هكذا نقل اللخمي عن محمد.
الثالث لابن الماجشون: تجوز الشهادة إذا لم يكن الابن في ولاية أبيه، هكذا نقل اللخمي والمازري وغيرهما هذا القول، ولم يصرحوا فيه بمفهوم الشرط؛ أعني: بعدم القبول إذا كان في ولايته؛ نعم هو مفهوم الكلام.
الرابع لابن الماجشون أيضاً: لا تجوز بمال إذا كان الأب حياً.
اللخمي: يريد: وإن كان رشيداً.
وتجوز على الصبي بعد موت أبيه وأجاز ابن القاسم الشهادة إذا شهد على صبي أو سفيه في ولاية عدوه ومنعها مطرف وابن الماجشون.
وَمَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ ..
هذا ضابط حسن مع اختصار اللفظ وفهم المعنى، فالأب يمتنع أن يشهد لولده، فكذلك يمتنع أن يشهد بتزكية من شهد لولده؛ إذ البينة لا تتم إلا بالتزكية، فكان كأنه شهد لولده، وكذلك يمتنع تجريحه لمن شهد على ابنه، وكذلك العدو تمتنع شهادته عليه، فتمتنع شهادة تزكية من شهد عليه أو تجريح من شهد له؛ لأنه يتوصل بذلك إلى ضرر عدوه.
الْخَامِسُ: الْحِرْصُ عَلَى إِزَالَةِ التَّعْبِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِباً أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ ..
المانع الخامس: أن يحرص الشاهد على دفع ما عير به، والتعيير بالعين المهملة مصدر عير تعييراً.
والباء في قوله: (بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي) للسببية، ثم مثل للأول بـ (كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ .. إلخ) يعني: إذا شهد في حال فسقه أو صباه أو رقه أو كفره فحكم الحاكم بردها ثم زالت موانعم فأدوها فلا تقبل منهم؛ للتهمة بسبب ما جبلت عليه الطباع البشرية من الحرص على دفع المعرة بقبولها منهم بعد ردها.
وقوله: (فِيمَا رُدَّ) تحرز بذلك مما لو شهد بذلك ولم ترد حتى زال المانع- فإنها تقبل لكن بشرط إعادتها بعد زوال المانع.
قاله غير واحد.
واستدل ابن يونس لذلك بما نقله سحنون عن بعض العلماء، وقال: هو قولي، وقياس قول مالك وأصحابه أن العبد والصبي والنصراني إذا أشهدوا عدولاً على شهادتهم ثم انتقلوا إلى الحال التي تجوز فيها شهادتهم قبل أن تنقل عنهم وغابوا أو ماتوا فشهدوا على شهادتهم- أن ذلك غير مقبول، بخلاف أن لو شهدوا في الحال الثانية بما
شهدوا في الحال الأولى، وقول ابن القاسم في عبد حكم بشهادته يظن حريته فعلم بذلك بعد عتقه- أن الحكم الأول يرد، ثم يقوم الآن فيشهددون له.
واحترز أيضاً بقوله: (فِيمَا رُدَّ فِيهِ) مما لو قال القائم بشهادتهم للقاضي: "عند فلان العبد، أو فلان الصغير، أو النصراني" فقال القاضي: لا أجيز شهادة هؤلاء- فإن هذا ليس رداً لشهادتهم، وتقبل شهادتهم بعد ذلك؛ لأن كلامه إنما هو فتوى.
قاله غير واحد.
وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى فِي الزِّنَى اتِّفَاقاً
هذا مثال السبب الثاني، وهو التأسي، وقيده بقوله: (فِي الزِّنَى) لأنها تقبل فيما عداه، وإنما ردت شهادته في الزنى لاتهامه فيها بحرصه على دفع المعرة عنه بأن يجعل غيره مثله، لأن المصيبة إذا عمت هانت، وإذا نزرت هالت، ولهذا قال عثمان رضي الله عنه: "ودت الزانية أن النساء كلهن يزنين".
قال مطرف وابن الماجشون: وكذلك لا تقبل فيما يتعلق بالزنى كاللعان والقذف والمنبوذ.
وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَأَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لا يَنْدَفِعُ عَارُهُ بِالتَّوْبَةِ
هذا مثال ثاني للتأسي.
وقيد بقوله: (فِيمَا حُدَّ فِيهِ) لأن شهادته تقبل إذا تاب فيما عداه، وإنما اختلف في شهادته فيما حد فيه كشهادة السارق بعد توبته وقطع يده في السرقة، وكذا القاذف والشارب فالمشهور عدم القبول، ومقابل المشهور لمالك من رواية ابن نافع، وبه قال ابن [671/ ب] كنانة وصرح صاحب الاستذكار بالمشهور كالمصنف.
المازري: وقول ابن كنانة هو ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: والمحدود إذا ظهرت توبته وحسنت حالته جازت شهادته في الحقوق والطلاق، فالظاهر عموم الحقوق.
ورأى بعضهم أن ظاهر المدونة كالمشهور، ولهذا يقع في بعض النسخ قول المصنف: (وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ) إثر: (الْمَشْهُورِ).
قوله: (وَفُرِّقَ) أي: على القول بالقبول هنا بينه وبين ولد الزنى، بأن ولد الزنى عاره لا يرتفع بالتوبة بخلاف هذه الأشياء فإن معرتها تزول بالتوبة ويصير الفاعل لها كأنه لم يفعل كالكافر إذا أسلم.
وفيه نظر؛ لأنه وإن تاب وحسنت حالته يعلم من الناس أنهم ينظرونه بتلك العين فيجد في نفسه انكساراً فيتسلى بما يصيب غيره من ذلك.
السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، فَفِي التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي لِتَحَمُّلِهَا: لا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعاً أَوْ خَائِفاً.
قوله: (فِي التَّحَمُّلِ) يحتمل أن تكون (فِي) للسبية أو للظرفية، ثم بدأ بالكلام على الحرص في التحمل، وذكر أن المشهور لا يقدح، وبه قال أشهب وعيسى بن دينار، وعليه عامة أصحاب مالك وأكثر أهل العلم.
ومقابل المشهور إما مبني على القول بأنه لا يجوز حتى يقول المشهود عليه للشاهد: اشهد علي- وهو قول لمالك- وإما مبني على القول بجوازها لكن يرى الاختفاء يضر بها.
ابن رشد: وهو قول سحنون، وقول محمد تقييد للمشهور، بل هو من تمامه؛ ففي الموازية قال مالك في رجلين قعدا لرجل من وراء حجاب يشهدان عليه، قال: إن كان ضعيفاً أو مخدوعاً أو خائفاً لم يلزمه، ويحلف: "ما أقر إلا ما ينكر" وإن كان على غير ذلك لزمه،
ولعله يقر خالياً ويأبى من البينة فهذا يلزمه ما سمع منه، قيل: فرجل لا يقر إلا خالياً هل أقعد له بموضع لا يعلم للشهادة عليه؟ قال: لو أعلم أنك تستوعب أمرهما، ولكنني أخاف أن تسمع جوابه لسؤاله، ولعله يقول له في سر: ما الذي لي عليك إن جئتك بكذا؟ فيقول له: لك عندي كذا، فإن قدرت أن تحيط بسرهما فجائز.
وَفِي الأَدَاءِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ، فَفِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ الآدَمِيِّ قَادِحَةُ، فَإِنْ كَانَتْ حَقاً للهِ عَزَّ وَجَلَّ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمِ كَالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَقْفِ وَكَذَلِكَ الْعَفْوُ عَنِ الْقَصَاصِ لَمْ تَقْدَحِ الْمُبَادَرَةُ بَلْ تَجِبُ، وَإِنْ كَانَتْ حَقَّاً لا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلا تَقْدَحُ وَلا تَجِبُ إِلا فِي التَّجْرِيحِ لِمَنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ ..
حاصل كلامه أن الحقوق ثلاثة:
الأول: حق متمحض لآدمي فلا يؤديها قبل أن يسألها، بل رفعه لها قدح في عدالته، نعم قال علماؤنا: يجب عليه أن يعلم صاحبه به إن كان حاضراً، فإن لم يفعل فروى عيسى عن ابن القاسم: ذلك جرحة وتبطل شهادته، وقال مطرف وابن الماجشون: إلا أن يعلم صاحب الحق بعلمهم، وجعله ابن رشد تفسيراً.
وقال سحنون: لا يكون ذلك جرحة إلا في حق الله تعالى؛ لأن صاحب الحق إذا كان حاضراً فقد أضاع حقه، وإن كان غائباً فليس للشاهد شهادة.
ابن يونس: ويلزم على هذا التعليل أنه إن كان حاضراً لا يعلم أن تلك الرباع له مثل أن تكون تلك الرباع لأبيه فأعارها للذي هي بيده، أو أكراها منه فباعها للذي بيده، والولد لا يعلم أن تلك الرباع كانت لأبيه- أن على الشاهد أن يعلم بذلك وإلا بطلت شهادته.
الباجي: وعندي أن ذلك إنما يكون جرحة إذا علم الشاهد أنه إذا كتمها ولم يعلم بشهادته بطل الحق أو دخل بذلك مضرة أو معرة، وأما على غير هذا فلا يلزمه القيام بها؛ لأنه لا يدري لعل صاحب الحق قد تركه.
ونقل في الإكمال قولين آخرين:
أولهما: أن ما يكون جرحة في الشهادة نفسها لا يصلح له أداؤها بعد، قال: وهو الظاهر، والثاني: إنما يكون جرحة إذا سكت حتى رأى صاحب الحق صالح عن حقه واضطر إلى شهادته ولم يعرفه بها حتى بطل حقه.
الثاني: أن يكون الحق لله تعالى يستدام فيه التحريم، كما لو شهد على رجل بعتق عبده أو أمته أو بطلاق زوجته أو بمخالعته لها أو بكونه رضع معها، وقيد ابن شاس الوقف بأن يكون على غير معينين، وأطلق القول فيه الباجي وابن رشد- فهذا تجب مبادرة الشاهد إلى الشهادة، فإن سكت عنها كان ذلك جرحة في حقه.
قال في البيان: ووقع لأشهب في المبسوط أن الشهادة لا تبطل بالإمساك عنها كان الحق بطلاق أو حرية أو بمال.
واستبعده، قال: ويجيء عليه أنه لا يلزمه أن يقوم في ذلك بشهادته حتى يسألها.
الثالث: أن يكون الحق لله تعالى لكن لا يستدام فيه التحريم بأن تكون المعصية قد انقضت كالزنى وشرب الخمر فلا يجب الابتداء بها.
قال في الإكمال: لما جاء في الستر على المسلم، إلا أن يكون مشهوراً بالفسق مشتهراً بالمعاصي مجاهراً بذلك فقد كره مالك وغيره الستر على مثل هذا ورأوا رفعه والشهادة عليه بما اقترف؛ ليرتدع عن فسوقه.
وَفِي الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الآدَمِيِّ، وَفِي مُخَاصَمَتِهِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ [672/ أ] فِيهِمَا قَوْلانِ ..
هذا هو الوجه الثالث من وجوه الحرص، فإذا خاصم الشاهد المشهود عليه في حق الآدمي دل ذلك على تعصبه للمشهود له، وأما إن كانت المخاصمة في حق الله فقد اختلف في أربعة تعلقوا برجل ورفعوه للقاضي وشهدوا عليه بالزنى؛ فقال ابن القاسم:
لا تقبل شهادتهم، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: تقبل، وهو اختيار اللخمي، وكذلك ابن راشد، وقال: إنه أصح؛ لأن أصل المنازعة في سبب الدين.
قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ فِيهِمَا) أي: في حق الله وحق الآدمي، والقول برد الشهادة لابن شعبان، وأخذ ابن رشد من العتبية أنه لا يمنع.
ابن عبد السلام: إلا أن يكون الشاهد من جملة العوام فإنهم يتسامحون في ذلك، فينبغي عندي أن يعذروا بذلك.
السَّابِعُ: الاسْتِبْعَادُ، وَأَصْلُهُا الْحَدِيثُ: "لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ" وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ؛ لأَنَّهَا مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ، فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا أَوْ رَآهمُاَ أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ.
المانع السابع: - وهو آخر الموانع- الاستبعاد، وذلك لأنه يبعد في العادة إشهاد أهل الحاضرة رجلاً من البادية يحتاج إليه، ويترك شهادة الحاضرين المتيسرين.
وقوله: (وَأَصْلُهُا) فيه حذف مضاف؛ أي: وأصل رد هذه الشهادة.
وأعاد الضمير على الريبة المفهومة من السياق على حذف مضاف؛ أي: وأصل اعتبارها، والحديث رواه أبو داود، وقال النسائي فيه: ليس بالقوي.
(وَمَحْمَلُهُ) أي: الحديث.
وكلام المصنف ظاهر التصور، وإنما أخرج الحديث عن عمومه لمعارضته لظاهر قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: 2] فإنه يتناول البدوي وغيره فحملت الآية على شهادة عدلين لا يستراب في شهادتهما، وحمل الحديث على ما يتسراب فيهما جمعاً بينهم.
وقوله: (عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ) قيده اللخمي فقال: إلا أن يعلم أنه مخالط لهما أو يكون جميعهم في سفر، وقيد المنع بالوثائق والصدقات، وأما بالقتل والجراح والقذف وما
أشبه ذلك مما لا يقصد في مثله الإشهاد، أو بمال إذا لم يشهد وقال: "مررت بهما" ونحو ذلك- فتجوز، ومنع ابن وهب شهادة البدوي على الحضري في المال وغيره، وقيد بأن يشهد على حضري لبدوي مثله لما في ذلك من التهمة.
ابن وهب: واختلف في شهادة الحضري على البدوي؛ فرأى قوم أنها لا تجوز، وأنا أرى أنها جائزة إلا أن يدخلها ما دخل شهادة البدوي على الحضري من الظنة والتهمة.
قال في البيان: ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم فإنه وقع في المبسوطة من قول ابن وهب أنه لا تجوز شهادة القارئ على القارئ، يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغضاً، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لا يُقْبَلُ شَهَادَةُ السُّؤَّالِ إِلا فِي التَّافِهِ الَيَسِيرِ؛ لِحُصُولِ الرِّيبَةِ فِيمَا لَهُ قَدْرُ وَبَالُ ..
أتى بهذه المسألة لمناسبتها لما قبلها؛ لأن المانع منها الاستبعاد أيضاً؛ لأن مثل هؤلاء لم تجر العادة باستشهادهم وترك الأغنياء المشهورين، وينبغي أن يقيد هذا بما إذا قصد إلى إشهاده، وأما لو قال السائل، مررت بفلان وفلان وهما يتنازعان فأقر فلان لفلان بكذا فتقبل شهادته كالفرع السابق، وإليه أشار اللخمي.
فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ غَيْرَ سُؤَّالِ أَوْ سُؤَّالاً لِلإِمَامِ أَوْ لِلأَعَيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقاً عَلَى الأَصَحِّ
يعني: فإن كانوا فقراء لا يسألون.
بعض القرويين: أو كانوا لا يسألون ولكنهم يقبلون إذا أعطوا.
(أَوْ سُؤَّالاً لِلإِمَامِ) يعني: وكذلك إن كان يسأل ولم يشتهر بالمسألة، ولكن يسأل عن فاقته الإمام أو الرجل الشريف- قبلت مطلقاً؛ أي: في القليل والكثير.
ومقابل الأصح لابن كنانة: لا تقبل فيما كث بالخمسمائة دينار.
اللخمي: يريد: إذا كان بوثيقة،؛ لأن العادة إنما يقصد بالوثائق غير هؤلاء، وأما إن قال: "سمعته أقر بذلك" فأرى أن تقبل وإن كثر، لكن إنما نقل اللخمي قول ابن كنانة فيما إذا لم يقبل الصدقة قال: واختلف إذا كان متكففاً؛ فقيل: تجوز في اليسير، وقال ابن وهب في العتبية في الرجل الحسن الحال الظاهر الصلاح يسأل الصدقة فيما يتصدق به على أهل الحاجة أو يسأل الرجل الشريف أن يتصدق عليه، وهو معروف بالمسألة ولا يتكفف الناس- لم تجز شهادته، إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، وإذا فرقت وصية رجل، وكذلك المعترض لإخوانه تجوز شهادته.
واستبعد المازري قول ابن كنانة ورأى أنه خارج عن قواعد الشرع، ونقل عن ابن القاسم أنه قال: لا تجوز شهادة السائل في الكثير، وتجوز في القليل إذا كان عدلاً.
وقول ابن القاسم يمكن أن يكون مراد المصنف بمقابل الأصح.
واحترز بقوله: (سُؤَّالاً لِلإِمَامِ) ممن يسأل من هو دونه من الولاة فإن ابن وهب قال: ليس ذلك بعدل لما عرف من حال الولاة.
وَلا يَكْفِي فِي زَوَالِ الْفِسْقِ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ، بَلْ يُرْجَعُ إِلَى قَرَائِنِ الأَحْوَالِ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ بِزَوَالِهَا إِلَى الْعَدَالةِ، وَقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ عَنْ قُرْبٍ وَعَنْ بُعْدٍ لاخْتِلافِ حَالِ الظَّانِّ وَالْمَظْنُونِ فِي الْفِطْنَةِ وَالْغَوْرِ، وَقِيلَ: لابُدَّ مِنْ سَنَةٍ، وَقِيلَ: [672/ ب] سِتَّةُ أَشْهُرٍ ...
لما كان قبول الشهادة متوقفاً على ارتفاع هذه الموانع، وكان بعضها لا يخفى زواله كالصبا والرق، وبعضها قد يخفى زواله كالفسق والعداوة أخذ يتكلم فيما يدل على زواله وذكر أنه لا يكفي مجرد قوله: "تبت" يعني: في الحكم الظاهر بين الناس، وإلا فالتوبة مقبولة، وإنما اختلف العلماء: هل يقطع بقبولها وهو الصحيح، أو يظن وهو قول القاضي؟ والصحيح ما ذكره المازري وغيره أن المعتبر في الحكم بانتقال الفسق ما ذكره المصنف من اختلاف حال الظان والمظنون.
و (الْفِطْنَةِ) راجعة إلى (الظَّانِّ) وحذف مقابله وهو البلادة (وَالْغَوْرِ) راجع إلى (الْمَظْنُونِ) وحذف أيضاً مقابله ويحتمل أن ترجع (الْفِطْنَةِ) و (الْغَوْرِ) إلى كل منهما.
(وَقِيلَ: لابُدَّ مِنْ سَنَةٍ) أي: من حين إظهار التوبة؛ لأن الحكم مرتب عليها في مواضع كالعنين.
والقول بالستة أشهر أضعف من القول بالسنة، قاله المازري.
وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ
يعني: أن زوال العداوة يوجب قبول الشهادة، لكن ذلك يختلف بحسب طول الزمان وقرائن الأحوال، والمنصوص هنا أنهما إذا اصطلحا وطال الزمان قبلت شهادة أحدهما على الآخر، واختلفا مع القرب: فمنعه ابن الماجشون، وفي الموازية القبول مطلقاً، هكذا فهم اللخمي والمازري وغيرهما، وتشبيه المصنف يقتضي جريان الأقوال الثلاثة ويعز وجودها؛ اللهم إلا أن يقال: إنما يقصد المصنف التشبيه في الخلاف إذا لم يعين راجعاً، وأما إذا عينه فإنما يشبه في الراجح، وقد تقدم ذلك.
وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ، بِخِلافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ، وَفِي نَقْضِهِ بِفَاسِقَيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ..
يعني: إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين بعد الفحص عن حالهما ثم ظهر له أنهما عبدان أو كافران أو صبيان نقض الحكم اتفاقاً؛ لأن الحكم إنما كان مستنداً للشاهدين، وقد تبين أن شهادتهما بطلت، وخرج بعض أشياخ المازري خلافاً في العبدين من الفاسقين، بل أولى لوقوع الإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق ووقوع الخلاف في قبول شهادة العبد، ورده المازري بأن الفسق معول القاضي فيه على الظن والاجتهاد فلا يأمن الغلط فيه ثانياً، كاجتهاد ظهر بعد الأول، فلا ينقض الأول له، بخلاف العبد، فإنه مقطوع به، فكان كنص ظهر بعد الاجتهاد.
وقوله: (وَفِي نَقْضِهِ بِفَاسِقَيْنِ قَوْلانِ) القولان لمالك، وهما في المدونة، ففي الشهادات: ينتقض كقول ابن القاسم، وفي الحدود: لا ينقض كقول أشهب، وبقول أشهب قال سحنون، وزاد سحنون فقال: وينتقض أيضاً بظهور أحد الشاهدين مولى عليه.
قال اللخمي: والأحسن ألا ينتقض في المولى عليه؛ لأن الخلاف في شهادته شهير في المذهب، وإن تبين أن قضاء القاضي وقع بشهادة عدوين أو قريبين فأجراه بعضهم على مسألة الفاسقين، ورده المازري بنحو ما قدمنا عنه.
وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ أَدَاءٍ الشَّهَادَةِ بَطَلَتْ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: إِلا بِنَحْوِ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ
ضمير (حَدَثَ) عائد على الفسق المفهوم من فاسقين.
(بَطَلَتْ) أي: الشهادة.
(مُطْلَقاً) سواء كانت مما يستسر به كالزنى والسرقة والشرب أو لا كالقتل والجراح، وقيل: إنها تبطل فيما يستسر به لا الجراح والقتل؛ لأنه يؤمن من القتل والجراح من تقدم ذلك قبل أدائه الشهادة، بخلاف ما يستسر به، وهذا قول ابن الماجشون، والأول لمطرف وأصبغ وابن القاسم.
وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدُ أَوْ ذِمِّيُّ نُقِضَ وَرُدَّ الْمَالُ إِلا أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهَدِ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مَالَهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلا شَيْءَ لَهُ ..
يعني: وإن ظهر المانع في أحد الشاهدين فقط بعد أن قضى بمال بشهادتهمابقي الحكم موقوفاً؛ لأنه بقي مستنداً إلى شاهد واحد، فإن حلف الطالب مع الشاهد الباقي فلا ينتقض، فإن نكل الطالب حلف المطلوب واسترجع المال، هكذا قال في المدونة في باب الرجم، وكمله في كتاب ابن سحنون كما ذكر المصنف فقال: فإن نكل- أي: المحكوم عليه- فلا شيء له، وفي بعض النسخ: (عَلَيْهِ) أي: على الطالب.
وَيَحْلِفُ فِي الْقِصَاصِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِيناً
يعني: إن ظهر أن أحد الشاهدين عبد أو ذمي في غير المال، وكان ذلك في القصاص؛ أي: في النفس.
قوله: (خَمْسِينَ يَمِيناً) حلف ولي الدم، ولا يحلف وحده كسائر الحقوق، بل لابد من رجل آخر معه من عصبته فأكثر، كما سيأتي في بابه أنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين.
وَيَكْفِي فِي كُلِّ يَمِينٍ: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَلا يُزَادُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَيَخْتِمُّ الْحُكْمُ ..
ذكر هذا- والله أعلم- هنا لرفع توهم أن اليمين في القصاص غير اليمين في المال لعظم حرمة الدماء، ولو سكت عنه لكان أحسن؛ لأنه سينبه على ذلك في فصل اليمين.
فَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصَ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ بِأَنَّهَا بَاطِلَةُ، وَفِي الْقِصَاصِ رُدَّتِ الشَّهَادَةُ وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشُّهُودُ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ، وَقِيلَ: عَاقِلَهُ الإِمَامِ، وَقِيلَ: هَدَرُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ؛ وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرُ، وَلا غُرْمَ عَلَى الْعَبْدِ.
لما ذكر الحكم إذا ظهر أن أحدهما عبد أو ذمي وبين ما إذا حلف المقتص له تكلم على ما إذا نكل، وأتى بمسألة القطع تتميماً للفائدة؛ لأن الحكم فيها كالنفس، [673/ أ] وإلا فالمسألة السابقة إنما هي في القصاص من النفس، وفهم من كلامه أنه لو لم ينكل في القطع لتم القصاص، وهكذا سحنون في كتاب ابنه.
وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصَ) اشتمل كلامه على مسألتين كما ذكرنا، ولذلك أجاب الشرط بجواب مركب من جزئين؛ أعني قوله: (حَلَفَ الْمَقْطُوعُ).
و (رُدَّتِ) إلى قوله: (حَلَفَ) راجع إلى مسألة نكول القاطع في القطع، فإذا حلف استحق دية يده، ومفهوم كلام المصنف أنه لو لم يحلف لم يكن له شيء، وإنما حلف المقطوع ليرد شهادة الشاهد الثاني.
وقوله: (وَفِي الْقِصَاصِ) متعلق بـ (رُدَّتْ) و (رُدَّتْ) راجع إلى (الْقِصَاصِ) وإنما ردت شهادة الشاهد الثاني في القصاص من النفسلأن ولي الدم نكل، ولم يبق من ترجع عليه اليمين.
وقوله: (وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشُّهُودُ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ) هو أيضاً من باب اللف والنشر؛ لأن قوله: (فِي الْقِصَاصِ) راجع إلى الشاهد، و (الرَّجْمِ) راجع إلى (الشُّهُودُ) أي: الثلاثة الباقية إذا تبين أن الرابع عبد أو ذمي، والقول بأن ذلك على عاقلة الإمام حكاه ابن سحنون عن بعض الأصحاب، وكذلك القول بأنه هدر لا شيء على الحاكم والبينة والمحكوم له.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ) هو قول رابع.
وقوله: (عَلِمَ الشُّهُودُ) أي: فإن الذي شهد معهم كما ظهر من أمره.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرُ) هو قول خامس.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب؛ لأنه إذا كان الشهود عالمين بأن أحدهم عبد أو ذمي، وبأن شهادته لا تجوز فهم متسببون في قتل المشهود عليه أو قطع يده، وإن لم يعلموا بشيء من ذلك، أو بمجموع الأمرين فلا غرم عليهم، ولا على الحاكم؛ لأن الواجب الاجتهاد وقد حصل.
انتهى.
وبقي على المصنف مذهب المدونة: إن علم الشهود فالدية عليهم وإلا فالدية على عاقلة الإمام، ولا يقال هو القول الرابع؛ لأن الغرم هناك متعلق بالحاكم وهنا بعاقتله.
وقوله: (وَلا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) نحوه في المدونة، وظاهره لا شيء عليه من الحد ولا من الدية، لكن قال فضل معناه: لا شيء على العبد من الدية، وأما حد القذف فذلك عليه، ورأى أصبغ أن العبد يغرم إذا علم، حكاه عنه اللخمي.
وَلَوْ حَدَثَتْ تُهْمَةُ الْجَرِّ وَالدَّفْعِ وَالْعَدَاوَةِ بَعْدَ الأَدَاءِ لَمْ تُبْطِلِ الشَّهَادَةَ
لما تكلم على حدوث الفسق بعد أداء الشهادة تكلم في حدوث التهمة إما بدفع مضرة أو جلب منفعة وفي حدوث العداوة، وذلك كله بعد الأداء، وذكر أن الشهادة لا تبطل، وهكذا قال أصبغ في العتبية في رجل شهد لامرأة وأثبتها القاضي ولم يحكم بها حتى تزوج الشاهد تلك المرأة أنه يحكم بهأ، قال: وليس ذلك كالوصية؛ يعني: مسألة المدونة: إذا أوصى الرجل بمال فلم يمت الوصي حتى صار الموصى له وارثاً فإن الوصية تبطل.
ابن رشد: إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها، مثل أن يشهد الرجل للمرأة ثم يتزوجها فيشهد عليها أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها ونحو ذلك، بدليل قول ابن القاسم في الرجل يشهد على الرجل بطلاق امرأته البتة ثم تزوجها، فأتى المشهود عليه ببينة تشهد أن الشاهد كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها هو: أن شهادته تبطل، ولأصبغ في الثمانية: أن الشاهد إذا خاصم المشهود عليه بعد الشهادة لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن الذي يطالبه به من ذلك كان قبل إيقاع الشهادة.
وَلا يَثْبُتُ حُكْمُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ مُنْفَرِدَةٍ
لما تكلم على الشهادة وشرائطها وموانعها تكلم في مراتبها.
و (مُنْفَرِدَةٍ) صفة لـ (شَهَادَةِ).
واحترز من الحكم بالشاهد واليمين، ولابن القاسم أن المشهور الاكتفاء بالواحد؛ لأنه نائب عن الحاكم، وكذلك الشهدة على الحيازة على القول بالاكتفاء به؛ لأنه كنائب
عن القاضي؛ إذ الأصل حضور القاضي لتحديد ما شهد به شهود استحقاق الأرض، فإذا صعب الحضور على القاضي بعث رجلاً نائباً عنه، وكذلك لا يرد القائف والمرأة الواحدة في الرضاع على أحد القولين؛ لأن القائف على هذا القول مخبر؛ إذ هو مخبر عن علم فكان كالطبيب، ولذلك قالوا: إذا لم يوجد طبيب عدل قبل غيره، وإن لم يوجد مسلم قبل الكافر، وشرط قبول المرأة عن هذا القائل الفشو، وذلك يمنع من انفراد الشهادة.
ويعني المصنف بالحكم في قوله: (وَلا يَثْبُتُ حُكْمُ) هو أحد ما وقع التخاصم فيه وما أشبه ذلك، فلا يحسن أن ينقض عليه بأن الشاهد الواحد في الطلاق والعتاق يوجب على الزوج والسيد اليمين؛ فإن اليمين جزء وشرط في طريق الحكم، وليست بحكم، والله أعلم.
وَهِيَ مَرَاتِبُ: الأُولَى: بَيِّنَةُ الزِّنَى، وَشَرْطُهُا: أَرْبَعَةُ ذُكُورٍ مُجْتَمِعِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ يَشْهَدُونَ بِزِنًى وَاحِدٍ وَرُؤْيَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ..
المرتبة الأولى: بينة الزنى، والإجماع على اعتبار الأربعة، إلا طائفة شاذة اكتفت بثلاثة وامرأتين، وهو خلاف القرآن؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) [النساء: 15] ولقوله فيما يدفع به حد القذف: (ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ) [النور: 4].
وقوله: (مُجْتَمِعِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) هو [673/ ب] المشهور، وقال أشهب: يحد المشهود عليه ولا يضر افتراقهم.
قال: ولا ينبغي للإمام أن يؤخر حد من شهد قبل أن يتم الشهادة، وإن هو فعل ولم يحد الأول حتى تمت الشهادة حد المشهود عليه، وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم لوجب عليه إنظارهم ويجمع الشهادة، وكذلك المشهود عليه.
اللخمي: وهو أحسنها.
وقوله: (غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) ابن عبد السلام: الأقرب أنه نعت لبيان لا تأكيد؛ لأن قوله: (مُجْتَمِعِينَ) لا يفيد إلا مطلق الاجتماع، وهو أعم من أن يكون ذلك في المشهود به أو له وفي زمانه، ثم الشهود هل أدوا شهادتهم مجتمعين أو متفرقين؟ الأمر محتمل لذلك كله بين المصنف بقوله: (غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) أن مراده كونهم أتوا بشهادتهم في وقت واحد.
وقال بعض من تكلم هنا: الأظهر أنه نعت تأكيدي؛ لأن الاجتماع فيه أو في المشهود به مستفاد من قوله: (بِزِنًى وَاحِدٍ) وكذلك أيضاً المشهور اشتراط ما ذكره من الزنى الواحد، وهو الجاري على أصل المذهب أنه لا تلفق الشهادة على الأفعال.
وقال ابن الماجشون: إذا اتفقوا في صفة الرؤية واختلفوا في الأيام والمواطن لم تبطل الشهادة.
وقوله: (وَرُؤْيَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا .. إلخ) أي: لا بد أن يشهدوا بهذه الرؤية المخصوصة ولا خلاف فيه، ويدل عليه قصة عمر رضي الله عنه لما شهد عنده ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالرؤية المذكورة، وقال الرابع: رأيت نفساً تعلو واضطراباً ورجلاها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، فقال: الله أكبر، وأسقط الحد، وحد الثلاثة.
وَلِلْعَدْلِ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ قَصْداً لِلتَّحَمُّلِ
لأنه لا تصح الشهادة إلا بذلك.
واحترز بالعدل من غيره فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأن من لا تجوز شهادته لا فائدة في نظره، وذكر المازري أن جواز النظر هو ظاهر المذهب.
ابن عبد السلام: ومنع ذلك بعضهم فيما أشار إليه بعض الشيوخ، ورأى أنه لا يشهد إلا بنظرة الفجاءة، لأن النظر حرام، والتحمل غايته أداء الشهادة، والأداء غير واجب فوسيلته كذلك، وأشار بعض المخالفين لنا ممن يوافق المذهب على إجازة النظر إلى أنه إنما ينظر لمغيب الحشفة؛ لأنه القدر المحتاج إليه ويكف عن غيره.
فإن قلت: لم اختصت شهادة الزنى بالأربعة؟ قيل: لقصد الستر ودفع العار الذي يلحق الزاني والمزني بها وأهلهما، ولما لم يلحق ذلك في القتل اكتفي باثنين، وإن كان أعظم من الزنى، وقيل: لأنه لما كان لا يتصور إلا من اثنين اشترط أربعة؛ ليكون على كل واحد اثنان، وقيل: لما كان الشهود مأمورين بالستر ولم يفعلوا غلظ عليهم في ذلك ستراً من الله تعالى على عباده.
وَاللَّوَاطُ كَالزِّنَى
أي: في الاحتياج إلى الأربعة، وبقية الأوصاف، وإباحة النظر.
وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنِ السَّرِقَةِ: مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أَخَذَهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ وَإِلَى أَيْنَ؟ وَقَالَ سحنون: إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ ..
فيه حذف معطوف عليه؛ أي: في الزنى والسرقة.
ابن القاسم في المجموعة: ويفرقون في الزنى فقط، وقال أشهب: لا يفرقون إلا أن يستراب في شهادتهم.
ابن المواز: فإن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة أو ماتوا نفذت الشهادة وأقام الحد، قال: وإن كان الشهود أكثر من أربعة فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر، وثبت الحد؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته لثبت الحد ممن غاب، ورأى بعض الشيوخ أن غيبة أربعة منهم لا يمنع سؤال من حضر؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون إذا سئلوا ما يوجب الوقف عن شهادة الغائبين والحاضرين جميعاً.
وقيد اللخمي قول محمد: "إذا غابوا" بما إذا كانوا من أهل العلم بما يوجب الحد، وقول سحنون إنما هو منقول عنه في السرقة، ولعل المصنف أتى به إشارة إلى تخريجه في الزنى، ولا يؤخذ من قول المصنف أن قول سحنون إنما هو منقول في السرقة، والتخريج غير لازم لعظم أمر الزنى، ثم الأقرب هو المشهور؛ لأنهم وإن كانوا عالمين فقد يخالفهم القاضي في رأيهم.
وَفِي قَبُولِ اثْنَيْنِ فِي الإِقْرَارِ بِهِ قَوْلانِ
أي: أو لابد من الأربعة، والقولان هنا كالقولين في الاكتفاء باثنين على حكم القاضي على رجل بالزنى.
وقوله: (بِهِ) أي: بالإقرار بالزنى، وفي بعض النسخ (بِهِمَا) فيعود على الزنى واللواط، لا على السرقة؛ فإنه يكتفي فيها بالاثنين بلا إشكال.
ابن شاس، وهذا الخلاف على القول أنه إذا رجع عن إقراره بغير عذر أنه لا يقبل رجوعه.
الثَّانِيةُ: مَا لَيْسَ بِزَنًى وَلا مَالٍ وَلا آيلِ إِلَيْهِ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتْقَ وَالإِسْلامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْوَلاءِ وَالْعِدَدِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَشَرْطُهُا اثْنَانِ ذَكَرَانِ
المرتبة الثانية من مراتب الشهادة، وعرفها بثلاثة قيود سلبية: ألا تكون بزنى ولا بمال ولا بما يؤول إلى مال، والأولى لو زاد: ولا يختص النساء به بالعادة؛ لتخرج الولادة ونحوها فإن ذلك يثبت بامرأتين.
فإن قيل: لعله سكت عنه اكتفاءً بما يذكره في المرتبة الثالثة.
قيل: فكان يستغنى عن قوله: (مَا لَيْسَ بِزَنًى وَلا مَالٍ).
ولا يقال: ذكر من أمثلة هذه المرتبة العفو عن القصاص وثبوت القصاص وليس من شرطها الذكران؛ لأن العفو يثبت باليمين والنكول، والقصاص يثبت بالشاهد والقسامة وبقية أنواع اللوث.
لأنا نقول: مورد التقسيم في مراتب الشهادة فلا مدخل لما أورد فيها، وإنما كان يلزم السؤال لو جعل مورد التقسيم ما تثبت به الحقوق، وحكى في البيان عن ابن الماجشون وابن نافع: أن النساء يزكين الرجال [674/ أ] إذا شهدوا فيما تجوز فيه شهادتهن، ويلحق
بما ذكره المصنف الشرب والحرابة والسرقة والقذف والإحلال والإحصان والإيلاء والظهار والاستيلاد.
الثَّالِثَةُ: الأَمْوَالُ وَمَا يَؤُولُ إِلْيَهَا كَالأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالإِجَارَةِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مُطْلَقاً، وَجِرَاحِ الْمَالِ مُطْلَقاً، وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ عَتَقَ بِهَا فَيَجُوزُ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
أي: الأموال حقيقة، أو عوارض لها كالأجل إذا ادعى المشتري أنه اشترى لأجل وادعى البائع أنه باع نقداً، أو ادعى أحدهما الخيار والآخر البت.
(وَالشُّفْعَةِ) أي: أن هذا شفيع أو شفيع بتل السنة أو أسقطها.
(وَالإِجَارَةِ) أي: هل أجر منه أم لا؟
(وَقَتْلِ الْخَطَأِ) عده المصنف فيما يؤول إلى المال، وعده غيره مالاً باعتبار الدية.
وقوله: (وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مُطْلَقاً) فسره ابن عبد السلام بجراح الخطأ، وفسر قوله: (وَكَذَلِكَ جِرَاحِ الْمَالِ) بالجراح التي لا يقتص منها في العمد؛ لكونها متالف كالجائفة والمأمومة، وفسر شيخنا ما يتنزل منزلة الخطأ بقتل الصبي والمجنون، وأراد بالإطلاق عدم التفرقة، وجعل جراح المال يعم ما لا يقاد من عمده، وجراح الخطأ وفسخ العقود سواء كان اختياراً كالإقالة أو اضطراراً كالفساد (وأَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ) وإن أدى إلى العتق.
قوله: (وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ) أي: وكله في حياته ليتصرف له.
(وَالْوَصِيَّةُ بِهِ) أي: إذا أوصى بأن يتصرف في أمواله بعد وفاته لا أنه أوصى له بمائة مثلاً فإن هذه مال محقق فلا يجري فيها خلاف، ومقابل المشهور في الوكالة والوصية لعبد
الملك، ومنشأ الخلاف هل ينظر إلى أنها آيلة إلى المال فيقبل، أو إلى أنها شهادة على غير مال؟ وكذلك عكس هذا مما هو مال ويؤدي إلى ما ليس بمال وأجازه مالك مثل أن يشهد على شراء الزوج لزوجته فيحلف وتصير ملكاً له فيجب بذلك الفراق، وكذلك على دين متقدم يريد به العتق، أو يقيم القاذف شاهداً أو امرأتين على أن المقذوف عبد ليسقط الحد.
الرَّابِعَةُ: مَا لا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالاسْتِهْلالِ وَالْحَيْضِ فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ لَهُ وَعَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِيْنٍ ..
المرتبة الرابعة: ما لا يظهر للرجال غالباً، ونبه بذلك على العلة في قبول شهادتهن، ومثله في الولادة، وظاهره أنه لا يحتاج إلى حضور شخص المولود، وهو المشهور خلافاً لسحنون في اشتراط ذلك حتى يشاهده الرجال.
قوله: (وَعُيُوبِ النِّسَاءِ) يتناول الحرائر والإماء؛ أما الحرة فلا ينظرها النساء بل تصدق على المشهور خلافاً لسحنون، وقد تقدم ذلك في بابه.
وأما الإماء فإن كان العيب بفروجهن فقال المازري: وظاهر المدونة قبول شهادة النساء في ذلك لانخفاض رتبتهن عن رتبة الحرة، وإن كان في غير الفرج مما هو عورة، ففي الموازية وغيرها أن شهادة النساء تقبل فيما تحت الثوب، وقيل: بل يبقى الثوب على موضع العيب ويراه الرجال، فعلى هذا لا تقبل شهادة النساء فيه.
وأما الاستهلال فهو أيضاً مما ينفردن به كالولادة.
وقوله: (فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ) أي: لا بامرأة.
المازري: واختلف في الاكتفاء بواحدة إذا أرسلها القاضي وكانت الأمة حاضرة، أما إن ماتت أو غابت فلابد من امرأتين؛ لأنها شهادة بخلاف الوجه الأول عند من اكتفى بالواحدة فإنه نزلها منزلة القاضي كالترجمان والقائف ونحوهما، وهل تقبل هنا شهادة امرأة ورجل؟ ذهب مالك وربيعة وابن هرمز إلى إسقاط شهادة المرأة؛ لأن بحضور
الرجل ارتفعت الضرورة التي لأجلها قبلت شهادة المرأة، وذكر ابن حبيب عمن يرضاه القبول واختاره.
وقوله: (وَيُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ) هو راجع إلى شهادتهن بالولادة والاستهلال.
والضمير في: (لَهُ وَعَلَيْهِ) يعود على المولود، فإن شهدتا أنه استهل ومات بعد أمه ورثها، وورثه والده.
قوله: (بِغَيْرِ يَمِيْنٍ) هكذا قال مالك وأطلق، ولا خلاف في هذا إن كان القائم بشهادتهن لا يعرف حقيقة ما شهدت به البينة، وإن كان القائم بشهادتهن يتيقن صدقها كالبكارة والثيوبة، فحكى اللخمي والمازري في إلزامه اليمين قولين.
ابن عبد السلام: ولا يطرد هذا الخلاف في هذا الفصل كالولادة والذكورة والأنوثة فإن مذهبنا ومذهب علماء الأمصار الاكتفاء بشهادتهما بلا يمين.
وفي الموازية في امرأتين شهدتا أن الزوج أرخا الستر، وكان هو أنكر ذلك أن شهادتهما مقبولة مع اليمين، وطرجد بعض الشيوخ هذا الخلاف في سائر مسائل هذا الفصل ورأى غيره أن الزوج ههنا يحقق الدعوى عليها بأنها كذبت فيحسن تعلق اليمين مع شهادة امرأتين بخلاف بقية مسائل الفصل.
وَفِي قَبُولِهَا فِي أَنَّهُ ابْنُ فُلانٍ قَوْلانِ
أي: اختلف في قبول شهادة المرأتين على أن المولود ذكر؛ فقبلها ابن القاسم لكن بشرط حلف القائم بشهادتهما، وعلله ابن القاسم بأن شهادتهما على مال، وردها مالك في رواية أشهب، واختاره أشهب وسحنون وعلله بأن الجسد لا يفوت والاستهلال يفوت، ولأصبغ قول ثالث: إن طال الأمد حتى [764/ ب] لا يمكنه الاطلاع على حالة المولود لكونه تغير في قبره فإن كان الوارث له بيت المال أو رجلاً بعيداً فإنه يقضي هنا بشهادة النساء، وإن كان ذلك يرجع إلى بعض الورثة دون بعض فكقول أشهب، ورد قوله: بأن
بيت المال كوارث معلوم.
قال في النوادر: وجدت له أنه رجع إلى قول أشهب، وفي بعض النسخ أنه ابن فلان، ولا حاجة إلى زيادة (فُلانِ) والله أعلم.
مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ تَاخِيرُهُ لِلرِّجَالِ
ظاهره أن هذا التقييد لمحل الخلاف، وأنه إن تعذر قبلت بالاتفاق، وبذلك صرح ابن راشد، وهذا التقييد وقع لأصبغ وسحنون وغيرهما.
وَلَوْ شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ
يريد: أو رجل مع يمين الطالب، ولو وصل هذه المسألة بالمرتبة الثالثة كما فعل ابن شاس لكان أحسن؛ لأنها من الأموال، ولهذا قال ابن عبد السلام: لا خلاف في المذهب في هذه، وإنما اختلف هل يضمن ضمان الغصب وهو مذهب ابن القاسم، أو ضمان السارق وهو مذهب أشهب؟
وَكَذَلِكَ قَتْلُ عَبْدٍ عَمْداً، وَيَثْبُتُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ.
أي: وكمسألة السرقة لو شهد رجل وامرأتان على قتل عبد عمداً لثبت المال وهو العبد القاتل؛ إما أن يسلمه ربه أو يفديه بدفع الأرش دون القصاص فلا يقتل العبد المشهود عليه بأنه قاتل، وقد علمت من هذا الكلام أن المصنف أضاف (قَتْلُ) إلى الفاعل، وحذف المفعول.
وَعَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ مَوْتِ أَحَدِ الْوَارِثَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ..
فابن القاسم يثبت المال دون النكاح والنسب، وقال أشهب: لا يصح الميراث إلا بعد ثبوت النكاح ولا يثبت ذلك، وقد تقدم هذا في كلام المصنف في النكاح.
وَعَلَى الْمَوْتِ وَلا زَوْجَةَ وَلا مُدَبَّرَ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ قَوْلانِ
هذا معطوف أيضاً على (السَّرِقَةِ) أي: ولو شهد رجل وامرأتان على المدبر، ونحو المدبر الموصى بعتقه، وتزويج البنات وغير ذلك، والقولان في الوصايا؛ الأول من المدونة، قال: وإن شهدت امرأتان مع رجل على موت ميت فإن لم تكن له زوجة ولا أوصى بعتق عبد ونحوه، وليس له إلا قسمة المال فجائزة شهادتهما، وقال غيره: لا تجوز، وجعل صاحب المقدمات هذين القولين قاعدة فقال: المشهور من المذهب أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة جاز فيها ما أجازته السنة، وقيل: إنها ترد كلها، وذلك قائم من المدونة من قوله في شهادة النساء للموصى: أن الميت أوصى إليه أن شهادتهن لا تجوز إن كان فيها عتق وأبضاع نساء.
ومفهوم المدونة وكلام المصنف أنه لو كان هناك عتق أو زوجة أو نحوهما لم تقبل الشهادة بالاتفاق، قال بعضهم: ويقوم من ذلك مثل ما في الواضحة عن ابن الماجشون في الشاهد العدل يشهد أن فلاناً قتله فلان ونحن في سفر، فمات فقضى ودفناه: أنه لا قسامة فيه بالشاهد العدل.
قال: وإنما تكون القسامة إذا كان الموت معروفاً، أرأيت لو جعلت القسامة بشهادته على القتل الغائب فأقسم الولاة وقتلوا أيعتق أم ولده ومدبره ويفرق بينه وبين زوجته بالواحد؟! هذا لا يكون.
أصبغ: ويستأني السلطان بذلك، فإن جاء ما هو أثبت من هذا وإلا حكم في ذلك بالقسامة مع الشاهد، وبموته وتعتد زوجته وأم ولده وينكحن، قال: وقد قيل: يقسم ولاتته ويقتل قاتله، ولا يموت في المرأة ولا في رقيقه، قال: وهذا أضعف الأقوال.
وَلَوْ أَقَامَ شَاهِداً فَطُولِبَ بِالتَّزْكِيَةِ أُجِيبَ إِلَى الْحَيْلُولَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ
لما فرغ من مراتب الشهادة شرع فيما يترتب عليها قبل تمامها، وكلامه صريح في أن المسألة مفروضة في استحقاق المعينات، واعترض ابن عبد السلام ما ذكره المصنف من
الحيلولة بالشاهد المجهول الحال، وهي إنما تكون بشاهدين باتفاق أو بشاهد واحد مقبول ولم يرد المستحق أن يحلف معه، بل ذكر أن له شاهداً آخر انتهى.
ووقع في بعض النسخ: (شَاهِديْنِ) وهو الذي في الجواهر ولا إشكال عليها، على أنه وقع في كلام عبد الحق وغيره نحو كلام المصنف أنه يحال بالشاهد وإن لم تثبت عدالته، وذكر غير واحد ممن صنف في الأحكام أن الذي به القضاء: لا يكون الإيقاف إلا بشاهدين وحيازتهما لما شهدا به.
واختلف الأندلسيون في الواحد العدل؛ فأوجب ذلك به عبد الله بن يحيى وأبو صالح، وروي عن ابن لبابة وعن سحنون، وبه قال ابن القاسم في سماع عيسى؛ لأنه قال فيمن ادعى زيتوناً بيد رجل وأقام شاهداً: فإن كان عدلاً حلف القائم وأخذه، وإن كان الحاكم ممن لا يقضي بالشاهد واليمين وقف ذلك.
وفي أحكام ابن بطال: لا تجب العقلة إلا بشاهدين، وقاله ابن لبابة أيضاً وغيره.
عياض: وتؤول على قول ابن القاسم، وقال ابن بطال: وهو قول ابن القاسم، ولابن العطار في وثائقه: لا تجب العقلة بشاهد واحد، لكن يمنع من إحداث بنيان أو بيع أو غيره، ولا يخرج عن يده، وفي مسائل ابن زرب: كل ما يغاب عليه من العروض وغيرها يوقف بشاهد عدل، بخلاف الأصول لا تعقل إلا بشاهدين وحيازتهما.
ابن سهل: الذي عليه الفتوى: إن كانت الدعوى في دار اعتقلت بالقفل، وإن كان في أرض منع من حرثها بعد التوقيف، وإن كانت في شيء مما له خراج وقف الخراج، وإن كانت حصته فيدار أو أرض اعتقلت الدار كلها والأرض وجميع الكراء فيما له كراء.
وقيل: يوقف من الكراء ما يقع للحصة المدعى فيها فقط، ويدفع سائره إلى [675/ أ] المدعى عليه، قال: والأول أصوب عندي؛ وكان سحنون يؤجل المعقول عليه في الإخلاء اليومين والثلاثة.
وإن سأله أن يترك فيها ما ثقل عليه إخراجه فعل، ثم يغلقها ويطبع عليها ويكون المفتاح عنده، وإن كانت في غير الحاضرة بعث أميناً يغلقها عليه.
وَلا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَقَارِ.
ابن عبد السلام: لعل معناه إذا سبق عقد الكراء الخصام، وأما إن أراد أن يعقد الكراء بعد الشروع في الخصام فلا يبعد ذلك على ظاهر المدونة، وفي كتب الأحكام خلاف ذلك.
انتهى.
وذكر في غلة المعتقل ثلاثة أقوال:
أولها: أنها للمدعي وهو قول ابن القاسم.
والثاني: مذهب المدونة أن الغلة للذي كانت في يده حتى يقضى بها للطالب؛ لأنها لو هلكت كان ضمانها من المطلوب.
الثالث: في الموطأ أنها للأول إلا أن يثبت حق الثاني.
وَتُحَالُ الأُمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إِلا أَنْ يَكُونَ مَامُوناً عَلَيْهَا، وَقِيلَ: تُحَالُ الرَّابِعَةُ مُطْلَقاً.
يعني: تحال الأمة من يد المدعى عليه إما بالشاهد العدل أو بالشاهدين كما تقدم، وإن لم يطلب ذلك المدعي؛ صيانة للفروج، إلا أن يكون السيد مأموناً فيؤمر بالكف عنها.
وقيل: تحال الرابعة مطلقاً؛ أي: كان أميناً أم لا، وعزاه ابن شاس لأصبغ، وزاد عنه: وإن كانت من الزخش رأيتها كالعبد، وينبغي إن كان مكذباً لمن شهد لخصمه مصمماً على ذلك أن يحال بينهما ولو كان مأموناً؛ لأنه يعتقد أنها حلال له.
وَمَا يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ إِنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيُسْتَحْلَفُ وَيُخَلَّى إِنْ كَانَ شَاهِدُ ..
(وَيُسْتَحْلَفُ) أي المدعى عليه، ما يستحق من هذا شيء.
(وَيُخَلَّى) أي: المدعى فيه تحت يد المدعى عليه، وتبرأ منه بقوله: (قَالُوا) لإشكاله، وذلك لأن الحكم كما يتوقف على الشاهد الثاني فكذلك يتوقف على عدالة الشاهدين؛ فإما أن يباع ويوقف ثمنه فيهما، أو يخلى بينه وبين من هو بيده فيهما.
وأجاب صاحب النكت: بأن مقيم العدل قادر على إثبات حقه بيمينه، فلما ترك ذلك اختياراً صار كأنه مكنه منه بخلاف من أقام شاهدين أو شاهداً ووقف ذلك القاضي لينظر في تعديلهم لا حاجة عليه في ذلك؛ لعدم قدرته على إثبات حقه، وأشار المازري إلى فرق آخر وهو أن الشاهدين المجهولين أقوى من الواحد؛ لأن الواحد يعلم قطعاً الآن أنه غير مستقل، والشاهدان المجهولان إذا عدلا فإنما أفاد تعديلهما الكشف عن وصف كانا عليه حين الشهادة، ويحتمل أن وجه الإشكال الذي أراده ما ذكر ابن عبد السلام مقتصراً عليه فإنه قال: إنما تبرأ منه لأنهم مكنوا من الطعام من هو بيده بعد قيام شاهد ولم يمكنوه منه، بل يباع ويوقف ثمنه إن قام له شاهدان، والشاهد أضعف.
قال: فإن قلت: ولأجل أن الشاهد الواحد أضعف من الشاهدين أبقي الطعام بيد المدعي عليه؛ لأنه إذا ضعفت الدعوى لضعف الحجة ضعف بسبب ذلك أثرها، فإبقاء الطعام بيده ليس هو لما توهم من تقديم الأضعف على الأقوى، بل عين ترجيح الأقوى، وأجاب عن ذلك: بأنه لو كان صحيحاً للزم مثله فيما يخشى فساده أن يحلف من هو بيده ويترك له يفعل فيه ما أحب، قال: ويجاب عن أهل المذهب بأن ما يخشى فساده قد تعذر القضاء بعينه للمدعي لما يخشى عليه من الفساد قبل ثبوت الدعوى، فلم يبق إلا النزاع في ثمنه، فهو إذا كدين على من هو بيده فيمكن منه بعد أن يحلف؛ ليسقط حق المنازع في تعجيله له، ولا يلزم مثل ذلك فيما أقام عليه شاهدان؛ لأن حق المدعي فيه أقوى من حق المدعى عليه.
وَيَشْهَدُ الأَصَمُّ فِي الأَفْعَالِ، وَالأَعْمَى فِي الأَقْوَالِ
قدم المصنف الأصم للاتفاق عليه، وللإيماء إلى الاستدلال على أبي حنيفة والشافعي في عدم قبولهما شهادة الأعمى، والخلاف مبني على أنه هل يمكن أن يحصل له علم ضروري بأن هذا صوت فلان أم لا، واحتج مالك للقبول بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" فأمر بالإمساك عند ندائه وهو لا يعلم إلا بالصوت، وبأن الناس كانوا يأخذون عن أزواجه صلى الله عليه وسلم وهم إنما يسمعون منهن من وراء حجاب.
ربيعة: ولو لم تجز شهادة الأعمى لما جاز وطء أمته ولا زوجته، لأنه لا يعرفها إلا بكلامها.
وَفِي الاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ- خَطُّ الْمُقِّرِ، وَخَطُّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوِ الْغَائِبِ، وَخَطُّ نَفْسِهِ- طَرِيقَانِ: الأُولِ: إِجْمَالُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا: تَجُوزُ فِي الأَوَّلِ خَاصَّةً، وَرَابِعُهَا: وَفِي الثَّانِي.
وَالْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ قِيلَ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: مِثْلُ مَكَّةَ مِنَ الْعِرَاقِ ..
هكذا حكى ابن شاس الطريقين، و (طَرِيقَانِ) مبتدأ خبره (وَفِي الاعْتِمَادِ).
وفي بعض النسخ (الأُولَى: إِجْمَالِيَّةُ) وفي بعضها: (الأُولِ: إِجْمَالي) وهما على تأنيث الطريق وتذكيره، وفي بعض النسخ: (الأُولَى: إِجْمَالِي) أي: طريق إجمالية، وفي بعضها: (الأُولَى: إِجْمَالُ) أي: ذات إجمال.
وقوله: (ثَالِثُهَا .. إلخ) فيكون القول الأول الجواز في الثلاثة، والثاني عكسه، والثالث: الجواز في خط المقر دون الآخرين، والرابع: تجوز في خط المقر وخط الشاهد الغائب أو للميت ولا تجوز في خط نفسه، وقد علمت أن الأول أقواها والثاني يليه؛ لأن كل من قال بالإجازة في الأخير أجاز فيهما.
وفهم من قول المصنف: (الْمَيِّتِ أَوِ الْغَائِبِ) أنها [675/ ب] لا تجوز على الحاضر، وكذلك الغائب القريب، لأن امتناع الشاهد من أداء شهادته مع قرب موضعه من القاضي ريبة، فلذلك اختلف في تحديد الغيبة على ما ذكره المصنف، والتحديد بمسافة القصر لابن الماجشون، والتحديد الثاني لأصبغ.
ابن عبد السلام: والأحسن قول سحنون عدم التحديد إلا فيما ينال الشاهد فيه المشقة، والقاضي يعلم ذلك عند نزوله، هذا ما فهمته من كلامه وجرت العادة عندنا أن اختلاف عمل القضاة يتنزل منزلة البعد، وإن كان ما بين العملين قريباً؛ لأن حال الشاهد يعلم في بلده وعند قاضيه، ولا يعلم حاله في غير بلده، وفيه مع ذلك ضعف؛ فإن الذي يشهد على خطه كالناقل عنه، ولابد أن يعدل الناقل من نقل عنه، أو تكون عدالته معلومة عند القاضي.
الثَّانِيةُ: تَفْصِيلُ؛ أَمَّا عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَجَائِزَةُ كَإِقْرَارِهِ وَلا يَحْلِفُ عَلَى الأَصَحِّ
ظاهره أنه يتفق هنا على القبول، وكذلك قال ابن المواز وابن سحنون.
قال في البيان: لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت، إلا ما روي عن محمد بن عبد الحكم: لا تجوز الشهادة على الخط، وأطلق.
ابن عبد السلام: وما حكاه من الخلاف في اليمين ليس بجيد؛ فإن الذين ذكروا الخلاف في الحلف إنما هم أصحاب الطريق التي ذكروا فيها الخلاف في إعمال الشهادة على خط المقر، ومن رأى الاتفاق على إعمالها لم يحتج إلى زيادة اليمين.
وكان حق المصنف أن يذكر الخلاف في اليمين في الطريق الأول لا في هذه.
وفي الجلاب: إذا ادعى رجل على رجل دعوى فأنكرها فشهد له شاهدان على خطه دون لفظه ففيها روايتان: إحداهما أنه يحكم له بالشهادة على الخط، والأخرى أنه لا يحكم بها.
وإذا قلنا أنه يحكم له بالشهادة على الخط فهل عليه يمين مع الشاهد أم لا؟ فيها روايتان: إحداهما أنه يحكم له بمجرد الشهادة على الخط، والأخرى أنه لا يحكم بمجرد الشهادة على الخط حتى يحلف معها فيستحق حقه بالشهادة واليمين.
ومنشأ الخلاف هل يتنزل الشاهدان على خطه منزلة الشاهدين على الإقرار، أو منزلة الشاهد فقط لضعف الشهادة على الخط؟ وإذا قلنا بإعمال الشهادة على خط المقر ففي الواضحة: عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا تجوز في طلاق ولا عتاق ولا حد من الحدود ولا كتاب قاض إلى قاض، وإنما تجوز في الأموال فقط، قالوا: وحيث لا تجوز شهادة النساء ولا الشاهد مع اليمين فلا تجوز على الخط، وحيث تجوز تجوز، ولمالك في العتبية والمختصر في امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له: إن وجدت من يشهد لها على خطه نفعها.
ابن رشد: فكان من أدركت من الشيوخ يقول: ما حكى ابن حبيب هو مذهب مالك لا خلاف فيه، وأن معنى قول مالك في العتبية والمختصر: "نفعها ذلك" أي: تجب لها اليمين على الزوج، قال: وعندي أن كلام ابن حبيب إنما هو في الشهادة على خط الشاهد لا على خط المقر، بل هي جائزة على خطه أنه طلق أو نكح أو عتق.
وفي أحكام ابن سهل: عن محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع أنه قال: الأصل في الشهادة على الخطوط من قول مالك وأكثر أصحابه أنها لا تجوز في الحقوق والطلاق والأحباس وغيرها.
ابن رشد: ومعنى الشهادة على الطلاق إذا كان الخط بإقراره على نفسه بأنه طلق زوجته، مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه أنه طلق زوجته، أو يكتب إلى زوجته بذلك على هذا الوجه فيشهد لها على خطه، وأما إن كان الكتاب إنما هو بطلاقه إياها ابتداءً فلا يحكم عليه به، إلا
أن يقر أنه كتب به مجمعاً على الطلاق، وفي قبول قوله أنه كتب غير مجمع على الطلاق بعد أن أنكر أن يكون كتبه اختلاف.
فروع:
الأول: قال في البيان: شهادة الرجل على نفسه إقرار عليها، وإقراره على نفسه شهادة عليها، فإذا كتب الرجل شهادته في ذكر الحق المكتوب عليه، أو كتب ذكر الحق ولم يكتب فيه شهادته فقد أقر على نفسه؛ إذ لا فرق بين أن يكتب "لفلان علي كذا، أو لفلان على فلان كذا ويسمي نفسه".
وإن كتب ذكر الحق على نفسه بيده ثم كتب فيه شهادته فهو أقوى في الإقرار؛ لأنه إقرار بعد إقرار، قال: ونزلت في أيام ابن لبابة وأفتى بخلاف معاصريه بعدم الجواز، وحكاه عن مالك من رواية ابن نافع، قال: وهو غلط؛ لأن الموجود في المبسوط من قول ابن نافع وروايته أنها جائزة وإنما الخلاف إذا كتب شهادته في ذكر الحق على أبيه، أو أقر أن شهادته فيه وزعم أنه كتبها بغير حق، أو أنكرها فشهد على خطه فقال مطرف وأصبغ: يؤخذ بالحق؛ لأن مال أبيه لما صار إليه فكأن الشهادة على نفسه، وقال ابن الماجشون: ليس ما شهد به على غيره كما شهد به على نفسه، ولا يؤخذ منه الحق إلا بالإقرار سوى خط شهادته، ومحمله محمل الشهادة لا محمل الإقرار، واختار ابن حبيب الأول.
ابن رشد: والثاني أقيس.
الثاني: إذا ادعى رجل على رجل بمال فأنكر، فأخرج المدعي صحيفة مكتوبة بإقرار المدعى عليه وزعم أنها خطه فأنكره، وطلب المدعي أن يجبر المدعى عليه أن يكتب بحضرة العدول ويقابلوا ما كتبه بما أظهره المدعي فأفتى عبد الحميد بعدم جبره، وأفتى اللخمي بجبره على ذلك على أن لا يطول تطويلاً لا يمكن أن يستعمل فيه خطاً غير خطه، واحتج المازري للأول بأن إلزام المدعى عليه ذلك كإلزامه إحضار بينة تشهد عليه بما قاله خصمه، وهو غير لازم قطعاً، وأشار اللخمي إلى الفرق بأن البينة قد يقطع
بكذبها؛ فلا يلزمه أن يسعى في أمر يقطع ببطلانه، بخلاف الذي يكتب [676/ أ] خطه ويطول تطويلاً يؤمن معه التضييع، ثم البينة تقابل ما كتبه بما أحضره المدعي وتشهد بموافقته أو مخالفته.
الثالث: إذا أقام شاهداً واحداً على الخط فروايتان حكاهما ابن الجلاب، وهما مبنيتان على أنه إذا شهد له اثنان هل يحتاج إلى يمين أم لا؟ فمن قال: لا يحتاج إلى يمين أعمل الشهادة هنا، ومن قال: يحتاج أبطل الشهادة هنا، وإذا قلنا: يحكم له به فيحتاج إلى يمينين، يمين مع شاهده، ويمين أخرى ليكمل السبب.
الشرمساحي في شرح الجلاب: وصح أن يحلف بيمينين في حق واحد؛ لأنهما على جهتين مختلفتين لا على جهة واحدة.
وَأَمَّا الثَّانِي فَرِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا جَائِزَةُ، وَضَعَّفَهَا مُحَمَّدُ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَيْهِا، وَصَوَّبَهُ الْبَاجِيُّ إِلا فِي الأَحْبَاسِ وَنَحْوِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي إِخْبَارِهَا وَلا يَتَسَاهَلُ فِي كِتَابَتِهَا ..
يعني: وأما القسم الثاني وهو الشهادة على خط الشاهد الغائب أو الميت.
وجعل المصنف المشهور من الروايتين أو أشهرهما الجواز على اختلاف النسخ، وتبع في ذلك صاحب البيان؛ لأنه قال: لم يختلف قول مالك في الأمهات المشهورة في إعمالها وإجازتها، وروي عنه أنها لا تجوز، وإليه ذهب محمد.
وقال الباجي: مشهور قول مالك أنه لا تجوز الشهادة على خط الشاهد، وروى ابن القاسم وابن وهب إجازتها، وقاله سحنون، واحتج محمد لما اختاره من رد الشهادة بما ذكره المصنف عنه أن غاية خطه أن يكون كلفظه وهو لو سمعه بنص شهادته لم يجز له نقلها عنه وصوب الباجي تضعيف محمد إلا في الأحباس، وأعاد المصنف الضمير في: (صَوَّبَ) على ما فهم من ضعفها.
و (الْبَاجِيُّ) هنا هو ابن رشد، وإنما التبس على المصنف كعادته، قال في البيان: والذي جرى به العمل عندنا على ما اختاره الشيوخ إجازتها في الأحباس وما جرى مجراها مما هو حق لله تعالى وليس بحد.
وقال ابن أبي زمنين: الذي جرى به العمل أن الشهادة على الخط لا تجوز إلا في الأحباس خاصة.
قوله: (وَالْفَرْقُ .. إلخ) هو رد على كلام محمد؛ لأن محمد قاس رد الشهادة هنا على ردها في سماع الشهادة، ففرق بينهما بأن الشاهد قد يتساهل فيما يخبر به بخلاف التي يكتبها فإنه لا يعضها إلا بعد تحققها.
بعض الشيوخ: ولو كتب مع ذلك الإذن في النقل عنه لما اختلف في قبول الشهادة على خطه.
ابن عبد السلام: لعله يريد أن ينفي خلاف ابن المواز لا نفي الخلاف مطلقاً، فقد علل بعض من منع الشهادة على خط الشاهد أن الخطوط كثيراً ما يضرب عليها، فلا يقع الجزم بها، وهذه العلة لا تنتفي بكتاب الإذن في نقل الشهادة.
وَعَلَى قَبُولِهَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ عَلَيْهَا فَقَوْلانِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ لِمَا قَدْ يَتَسَاهَلُ النَّاسُ فِي وَضْعِهَا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُونَ
يعني: إذا فرعنا على قبول الشهادة على الخط، فلو لم يعرف الشاهد على الخط أن الشاهد الأول وهو المشهور على خطه كان يعرف من أشهده معرفة العين لم يجز له أن يشهد على خطه، وهذا قول ابن زرب، والقول الثاني: الجواز بناءً على أن الشاهد لا يضع خطه إلا على من يعرف.
وقوله: (الْبَاجِيُّ) هو ابن رشد، قال: لا ينبغي أن يختلف في عدم الجواز لما قد يتساهل الناس فيه من وضع شهادتهم على من لا يعرفون.
وعلى هذا فيحتاج الشاهد على الخط أن يضمن شهادته أن المشهود على خطه يعرف من عليه الحق، وهكذا قال أحمد بن سعيد.
تنبيه:
قالوا: ظاهر قول ابن القاسم أن الشهادة على الخط إنما تكون في معرفة الخط، ومعرفة المشهود له كمعرفة الحيوان والنبات وسائر الأشياء لا فرق بين ذلك، ووقع في كتاب القزويني أن الشهادة في ذلك إنما هي على العلم.
فرع:
قال مالك: ولا تجوز الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب حتى يقول: إنه كان في تاريخ الشهادة عدلاً ولم يزل على ذلك حتى توفي؛ احتياطاً من أن تكون شهادته سقطت بجرحة، أو كان غير مقبول الشهادة.
وَفِي قَبُولِهَا فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ قَوْلانِ
القول بأنها تختص بالأموال لمطرف وابن الماجشون وأصبغ، قالوا: ولا تجوز الشهادة على الخط إلا حيث اليمين مع الشاهد، والقول الآخر لمالك وقد تقدم قول ابن سهل نقلاً عن ابن الطلاع، قال: الأصل من قول مالك أن الشهادة على الخط تجوز في الأحباس والطلاق وغيرهما.
وفي البيان: الذي جرى به العمل واختاره الشيوخ أنها تجوز في الأحباس وما جرى مجراها مما هو حق لله تعالى وليس بحد، وذكر ابن عبد السلام عن بعضهم أنه يرى الاتفاق على قبولهم في غير الأموال.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوُ وَلا رَيبَةُ فَلْيُشْهِدْ.
قَالَ مُطَرِّفُ: ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: وَلا يُشْهِدُ حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهَا، وَالأَوَّلُ أَصْوَبُ؛ إِذَ لابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ
يعني: وأما القسم الثالث؛ وهو شهادة الشاهد على خط نفسه ولا يذكر الشهادة فقال مالك أولاً: إذا كان الكتاب نقياً وليس فيه محو ولا ريبة فليشهد، وبه أخذ مطرف وابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب وابن حبيب، وسحنون في نوازله.
مطرف: وعليه جماعة الناس، ثم رجع مالك فقال: لا يشهد حتى يذكر بعضه، وهو قوله في المدونة، قال فيها: [676/ ب] وإذا عرف خطه في كتاب فيه شهادته فلا يشهد حتى يذكر الشهادة ويوقن بها، ولكن يؤدي ذلك كما علم ثم لا تنفع الطالب.
وفي البيان في هذه المسألة خمسة أقوال:
الأول: أنها شهادة جائزة يؤديها ويحكم بها.
والثاني: أنها غير جائزة لا يؤديها ولا يحكم بها.
والثالث: أنها غير جائزة إلا أنه يؤديها، ولا بحكم بها.
والرابع: أنها إن كانت في كاغد لم يجز له أن يشهد، وإن كانت في رق جاز له أن يشهد، قال: يريد والله أعلم: إذا كانت الشهادة في بطن الرق ولم تكن على ظهره؛ لأن البشر في ظهره أخفى منه في الكاغد.
والخامس: إن كان ذكر الحق والشهادة بخطه جاز أن يشهد، وإن لم يكن له بخطه إلا الشهادة لم يشهد.
قوله: (حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهَا) ظاهره أنه إذا عرف خطه وذكر بعض ما فيه أنه يؤديها وينفع، وظاهر المدونة وهو المشهور عندهم أنه يؤديها ولا ينفع، وإنما ينفع إذا ذكرها كلها، وصوب جماعة المرجوع عنه بما ذكره المصنف من أنه لابد للناس من ذكل لكثرة نسيان الشاهد المنتصب، ولأنه لو لم يشهد حتى يذكرها لما كان لوضع رسم خطه فائدة.
تنبيه:
معنى اشتراط انتفاء المحو والريبة: إذا لم يكن معتذراً عنه في الوثيقة، وأما إذا كان معتذراً عنه فهو من ريبة الوثيقة على ما قاله بعض كبار الشيوخ، والتأدية عند من يقول بها مشروطة بأن يكون على بصيرة أنه لم يكتب قط مسامحة، وإن كان في بعض الأزمنة يتسامح في الكتابة، فلا يؤدي شيئاً لا يعلمه، قاله عياض وغيره.
فَعَلَى الأَوَّلِ يُؤَدِّيهَا وَلا يَقُولُ لِلْحَاكِمِ حَالَهُ، قَالَوا: وَإِنْ قَالَهَا فَلا يَقْبَلْهَا، وَعَلَى الثَّانِي قَالَ مَالِكُ: يُؤَدِّيهَا وَيَقُولُ حَالَهُ ..
أي: قول مالك الأول، وقال ابن شاس قالوا: تبرياً منه؛ لأنه كيف يجوز للشاهد أن يكتم الحاكم ما لو أعلمه به لم يقبلها؟ ثم إنهم قالوا: يلزمه أن يؤديها.
وروى ابن وهب في موطأه القبول إذا ذكر الشاهد حاله وهو ظاهر؛ إذ يسلم من الإشكال الذي أشار إليه المصنف.
وقال ابن عبد السلام: ولا يريد بقوله: (فَعَلَى الأَوَّلِ) التفريع على القول الأول؛ فإنه لو كان تفريعاً عليه للزمه البيان ولم ينفعه، وإنما معناه أن الذي ينبغي للشاهد أن يفعله على تقدير أن يكون مذهب القاضي هو قول مالك الأول.
خليل: وهذا كلام ليس بظاهر، ثم هو مخالف لما ذكره صاحب النوادر وابن شاس وغيرهما، وجعل ابن عبد السلام ما ذكره المصنف يقرب من مذهب المدونة، وليس هو في الحقيقة، فإن قوله في المدونة: "لا ينتفع بها الطالب" دليل على أنه يخبر الحاكم بحاله ولابد وإلا لنفعت، وهذا القول الذي حكاه المصنف قال فيه: إنه لا يقول للحاكم حاله، وهذا هو مذهب المدونة، ولكن نقص منه المصنف موضع الحاجة؛ وهو: أنه يؤديها ولا ينتفع.
ابن محرز: وكأنه يقول: هي لا تنفع عندي، ولكن ترفع للقاضي ليجتهد فيها.
وقال ابن المواز: لا يرفعها أصلا.
وجعل ابن رشد قوله في المدونة وقول ابن المواز مفرعين على القول الثاني.
وتعقب المتأخرون مذهب المدونة بأنه كيف يجوز للشاهد أن يحمل القاضي على أن يحكم بما هو عند الشاهد خطأً فيكون معيناً له على الوقوع في الخطأ ولا يجوز؟! وأجيب بأن هذا لا يلزم على القول بتصويب المجتهدين، ولهذا أخذ صاحب البيان من هذا