أولها: أنه لا يمكن من ذلك إلا الأب والابن ومن له قرابة قريبة، ثم إذا مكنه من المخاصمة فلا يخرج الملك من يد حائزه، ولا يزيل العيب الذي أحدث؛ لاحتمال أن يقر به الغائب أو يقر بأنه أعلم بما حدث، وإنما يشهد بذلك خوفاً من موت الشهود ثم ينظر الغائب، ولو أقر من بيده العقار أو غيره أنه للغائب أخرجه عنه وجعله بيد ثقة، ويقطع العيب إن اعترف بإحداثه.
ثانيها: أنه يمكن من ذلك القريب والأجنبي، قاله ابن القاسم أيضاً، وذهب سحنون إلى أن القاضي يوكل من ينوب عن الغائب، وهو أحد قولي ابن الماجشون وقاله أصبغ.
وثالثها: أنه يمكن من إقامة البينة ولا يمكن من الخصومة.
ورابعها: أنه لا يمكن من إقامة البينة ولا من الخصومة إلا بتوكيل الغائب، قاله ابن الماجشون ومطرف في الواضحة.
وخامسها: أن القريب والأجنبي يمكن من الخصومة في العبد والدابة والثوب دون توكيل؛ لأن هذه الأشياء تفوت وتحول وتغيب، ولا يمكن من الخصومة في غير ذلك إلا الأب والابن، حكاه ابن حبيب عن مطرف.
وعلى القول بالتمكين فهل ذلك في القريب والبعيد، أو في القريب خاصة؟ قولان: قال سحنون: في القريب الغيبة دون بعيدها.
وقيل: في البعيد، وهو الظاهر من رواية أشهب وقول ابن الماجشون.
الشَّهَادَةُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ حُرّاً مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً عَدْلاً مُسْتَعْمِلاً لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ، وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُوَلَّى عَلَيْهِ لِسُوءِ نَظَرِهِ فِي الْمَالِ لا لِجُرْحَةٍ خِلافُ
أي: وشرط قبولها؛ لأن تحملها يكون بدونه.
واحترز بالحر من الرقيق القن ومن فيه شائبة من شوائب العتق؛ [633/ ب] لأن الشهادة مرتبة شريفة فسلب العبد أهليتها لنقصه عن المناصب الشريفة جرياً على ما ألف من محاسن العادات، وعلل بعضهم المنع بأن الرق أثر كفر فمنع كأصله.
واحترز بالمسلم من الكافر لقوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: 282] والكافر ليس بمرض، والإجماع على عدم قبول شهادتهم على المسلمين، وكذلك شهادة بعضهم على بعض عندنا، خلافاً لأبي حنيفة في قبوله شهادة الكفار بعضهم على بعض، وخلافاً للشعبي وقتادة في قولهما: تقبل شهادة كل كافر على من شاركه في كفره.
وبالبالغ من الصبي؛ لاحتمال كذبه؛ لعلمه بعدم التكليف.
وبالعاقل من المجنون، وبالعدل من الفاسق.
وباستعماله مروءة مثله ممن ليس كذلك، وسيأتي تفسيرها، ولم يجعل المصنف المروءة داخله في العدالة تبعاً للمازري وابن محرز وغيرهما، وجعلها عياض داخلة فيها، والأمر في ذلك قريب.
وقوله: (وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُوَلَّى عَلَيْهِ لِسُوءِ نَظَرِهِ فِي الْمَالِ) القول بإجازة شهادته لمالك من رواية أشهب وابن عبد الحكم.
وقال أشهب: لا تجوز؛ لأن المحجور عليه مخدوع، والمخدوع لا تجوز شهادته، وإن كان مثله لو طالب بماله أخذه.
محمد: وهو أحب إلي.
قال في البيان: وهو الذي يأتي على المشهور المعلوم من المذهب من قول مالك وأصحابه أن المولى عليه لا تنفذ أقواله.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر كتاب الشهادات من المدونة.
وَالْعَدَالَةُ: الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ، وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةُ؛ فَإِنَّهَا فِسْقُ ..
تعرض لتفسير العدالة ولم يتعرض لما قبلها لوضوحها، واحترز بالمحافظة الدينية من المحافظة على ما ذكره المصنف؛ لتحصيل منصب دنيوي ونحوه، كما هو الموجود في كثير من أهل زماننا.
والمراد بـ (الدِّينِيَّةُ) أن يكون الحامل على هذه الأوصاف الأمر الديني كخوف الله تعالى وطلب ثوابه، وانظر لو كان فعل الإنسان هذه الأوصاف بجبلته، والأقرب أنه لا يقدح، وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أشج عبد القيس بخصلتين جبله الله عليهما، وهما: الحلم والأناة.
واحترز بالديني من الدنيوي كالرياء وطلب المنزلة.
ابن عبد السلام: وعطف الكبائر على الكذب وإن كان منها لكونه أهم ما يطلب في الشهادة، وغاير بين الصغائر والكبائر على مذهب الأكثرين خلافاً لمن عدها كلها كبائر، وظاهر الأدلة الشرعية مع الأكثرين، ولكن اضطربوا في الطرق التي بها تمتاز إحداهما عن الأخرى فمنهم من عدها.
قال المصنف في أصوله: وقد اضطرب في الكبائر فروى ابن عمر رضي الله عنهما: "الشرك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، والزنى، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد في الحرام" وزاد أبو هريرة رضي الله عنه:
"أكل الربا" وزاد علي رضي الله عنه: "السرقة وشرب الخمر" ومنهم من سلك طريقة الحصر بالضوابط، ففي الإكمال عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كل ما نهي عنه فهو كبيرة.
وسئل: أهي سبع؟ فقال: إلى السبعين أقرب، ويروى إلى سبعمائة أقرب.
وقال أيضاً: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" ونحوه عن الحسن، وقيل: هي ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا، وقال ابن مسعود وجماعة رضي الله عنهم: هي جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) [النساء: 31] وقيل: ما عظمت مفسدته فهو كبيرة وما لم تعظم فهو صغيرة، وقيل: كل ما أسقط العدالة فهو كبيرة.
وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى الدور؛ إذ سقوط الشهادة فرع عن كونها كبيرة، ثم إن العدالة قد تسقط بصغائر الخسة، وقال ابن عبد السلام: قال الشافعي: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهو من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهو من الكبائر.
وعد من الكبائر شتم الرب والرسول، والاستهانة بالرسل، أو تكذيب واحد منهم، وتلطيخ الكعبة بالعذرة، وإلقاء المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة.
ابن دقيق العيد: وهذا الذي قاله عندي داخل فيما نص الشرع عليه بالكفر، قال: ولابد مع هذا من أمرين:
أحدهما: أن المفسدة لا توجد مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فإنه قد يقع الغلط في ذلك، ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر وتشويش العقل، فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه ألا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة؛ لخلائها عن تلك المفسدة، ومع ذلك فإنها كبيرة؛ لما اقترن بها من مفسدة التجرؤ على شرب الكثير الموقع في تلك المفسدة، فبسبب هذا الاقتران تصير كبيرة.
الأمر الثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الصغائر مساوياً لبعض الكبائر وزائداً عليها، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلماً معصوماً لمن يقتله فهو كبيرة وأعظم مفسدة من أكل الربا وأكل مال اليتيم مع كونهما منصوصاً عليهما في الكبائر، وكذلك لو دل على [664/ أ] عورة من عورات المسلمني تفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم كان ذلك أعظم من فراره من الزحف، وفراره من الزحف منصوص على أنه كبيرة.
خليل: وهذا الثاني مندرج في كلام ابن عبد السلام؛ فتأمله.
وظاهر قوله: (وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ) العموم، لكنه سيخصصه بقوله: (وَلا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرُ).
وقيد المصنف في أصوله الصغائر بصغائر الخسة، وكذلك قال الأبهري: إن العدل: المتوقي لأكثر الصغائر.
قوله: (وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ) وهو مندرج في الكبائر باعتبار ضده، وهو الخيانة؛ لأن الشارع قد نص عليها فكان الأولى تركها، وأجاب ابن عبد السلام: بأن الكبائر من قبيل ما هو مطلوب الترك، وأداء الأمانة من قبيل ما هو مطلوب الفعل؛ فلا يدخل أحدهما تحت الآخر، ورد بأن الكبائر تعم الأفعال والترك، ولو كانت خاصة بمطلوب الترك لزمه أن يذكر جميع الأفعال التي يكون تركها كبيرة كالصلاة والزكاة ونحوهما.
قوله: (وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ) ابن عبد السلام: هو شرط في العدالة؛ لأن الإنصاف من نفسه في ما عليها والاقتصار على مالها من لوازمه.
والضمير في قوله: (لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةُ) عائد على العدالة.
انتهى.
ويحتمل عوده على المحافظة واحترز بذلك مما لو كان حافظاً لدينه لكن يصحبه مع ذلك بدعة من الاعتزال ونحو ذلك، وعلل ذلك بأن البدعة فسق، ومن يقول بالتكفير فالمنع على قوله واضح.
ابن شعبان: ولا تقبل شهادة المبتدع وإن لم يدع إلى بدعته، وزاد الأبهري في شروط الشاهد: أن يكون متوسط الحال بين البغض والمحبة.
ابن محرز: يريد: لأن الفرض في المحبة يقوي تهمة من شهد له كالآباء والأزواج، والفرض في البغض كالعدو والخصم يقوي تهمته، وترك المصنف هذا اكتفاءً بما سيذكره في الموانع.
وَلا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَلا تَاوِيلٍ كَالْقَدَرِيِّ وَالْخَارِجِيِّ
لما ذكر أن البدعة تمنع من قبول الشهادة بين هنا أنه لا فرق في البدعة بين أن يكون صاحبها متعمداً أو جاهلاً أو متأولاً، ومثل الجاهل والمتأول بالقدري والخارجي ويحتمل أن يكون القدري مثالاً للجاهل؛ لأن أكثر شبههم عقلية والخطأ فيها يسمى جهلاً، والخارجي مثالاً للمتأول؛ لأن شبههم سمعية فالخطأ فيها يسمى تأويلاً، ويحتمل أن يريد بالجاهل المقلد من الفريقين، والمتأول: المجتهد منهما.
وَلا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرُ
هكذا في الجواهر لأنه قال: قال علماؤنا: وليست العدالة أن يمحض الرجل الطاعة حتى لا تشوبها معصية، وذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر حاله وأغلبها عليه وهو مجتنب للكبائر محافظ على ترك الصغائر فهو العدل.
وهذا الكلام مخصص لقوله أولاً: (وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ) وعلى هذا فالمراد: لا يشترط انتفاء جميع الصغائر، وإلا فالكبائر لابد من اجتنابها كلها، ويدل على ذلك قوله: (فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرُ) لأن تجنب الكبائر لا يتعذر.
وَلَكِنْ رُبَّ مَعْصِيَةٍ لا يُحَافِظُ مُرْتَكِبُهَا عَلَى دِينِهِ عَادَةً
لما ذكر أنه لا يشترط انتفاء جميع المعاصي خشي أن يتوهم أن ارتكاب أي معصية من الصغائر لا ينافي العدالة؛ فاستدرك ذلك بأن بعض المعاصي وإن كانت صغيرة يشترط انتفاؤها لوصف اقترن بها يدل على أن مرتكبها لا يبالي بدينه.
المصنف في أصوله: كصغائر الخسة، كسرقة لقمة والتطفيف بحبة.
فروع:
الأول: اختلف في شهادة القارئ بالألحان.
الباجي: وأحب إلي ألا تجوز.
الثاني: الباجي: البخيل الذي ذمه الله ورسوله هو الذي لا يؤدي زكاة ماله، فمن أدى زكاة ماله فليس ببخيل ولا ترد شهادته.
وقال بعض أصحابنا: شهادة البخيل مردودة وإن كان مرضي الحال يؤدي زكاة ماله؛ لأنه ساقط المروءة.
انتهى.
الثالث: من ترك واجباً كالصلاة والصوم حتى خرج وقته سقطت شهادته، وهذا ما كان من العبادة على الفور، وأما ما كان على التراخي فلا تبطل شهادته إلا أن يترك ذلك المدة الطويلة التي يغلب على الظن تهاونه بها مع تمكنه من أدائها، فقد قال سحنون فيمن كان صحيح البدن متصل الوفر منذ بلغ عشرين سنة إلى أن يبلغ ستين فلا شهادة له وإن كان من أهل الأندلس؛ يريد: إن ترك الحج.
وأما ترك المندوب فما كان منه يتكرر ويتاكد كالوتر وركعتي الفجر وتحية المسجد وما قد واظب عليه الناس فإن كان ذلك مرة أو مراراً لعذر أو لغير عذر فلا تسقط عدالته، وأما من أقسم ألا يفعله أو تركه جملة فإن ذلك يسقط شهادته، قاله الباجي.
المازري: واختلف المذهب عندنا في التجريح بترك صلاة الجمعة؛ فقيل: لا يجرح به؛ لأن الأعذار القاطعة قد تخفى على الناس فتوكل إلى أمانة الناس، إلا أن يتحقق أنه تركها لغير عذر.
وقيل: بل يجرح؛ لأن الظاهر أن تركها معصية، والأعذار نادرة حتى تثبت، ثم حكى الخلاف على هذا القول هل يجرح بالمرة أو لابد من ثلاث؟ انتهى.
وعزى الباجي القول بالمرة لأصبغ، ووجهه القياس على سائر الفرائض، قال: وهو ظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم.
والقول بأن العدالة لا تسقط إلا بتركها ثلاثاً لسحنون ورواه مطرف عن مالك، قال: وأما إن تركها جملة فعدالته ساقطة.
وَفِيهَا: لَوْ ثَبَتَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ شَرَبَةُ خَمْرٍ أَوْ أَكَلَةُ رِباً أَوْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ أَصْحَابُ قِيَانٍ، أَوْ مُجَّانُ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطَرَنْجِ فَذَلِكَ يُسْقِطُهُ وَمَا يُشْبِهُهُ.
هكذا وقع في [664/ ب] التهذيب في باب السرقة، إلا الكذب ففي باب الشهادة: والشربة: جمع شارب، وكذلك الأكلة، وفي معنى الشرب هنا بيع الخمر وعصرها، ولا يشترط أكله الربا، بل يكفي بيعه به وشراءه.
(أَوْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ) الظاهر أن قوله: (مَعْرُوفُونَ) يغني عن قوله: (فِي غَيْرِ شَيْءٍ) ولهذا لم يذكر في المدونة إلا قوله: (فِي غَيْرِ شَيْءٍ) ومقتضى كلامهم أنه لا يجرح بالكذبة الواحدة، وهو الذي في الرسالة لقوله: "أو مجرب في كذب".
فإن قلت: ينبغي أن تكفي الكذبة الواحدة؛ لأن الكذب كبيرة فلا تشترط الكثرة قياساً على الشرب وغيره.
قيل: لعل الفرق أن التحرز منه عسير إلا على من وفقه الله، والله أعلم.
والقينة- عند الفقهاء-: الأمة المغنية، وصرح الجوهري بأنها الأمة مطلقاً، سواء كان مغنية أم لا، قال: وبعض الناس ظنها المغنية خاصة وليس كذلك.
ثم الغناء إن كان بغير آلة فهو مكروه عندنا، نقله المازري وغيره، وإذا كان مكروهاً فلا يقدح في الشهادة بالمرة الواحدة بل لابد من تكراره، وكذلك نص عليه ابن عبد الحكم؛ لأنه حينئذ يكون قادحاً في المروءة، وفي المدونة: ترد شهادة المغني والمغنية، والنائح والنائحة إذا عرفوا بذلك.
المازري: وأما الغناء بآلة فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور فممنوع، وكذلك المزمار، والظاهر عند بعض العلماء أن ذلك ملحق بالمحرمات، وإن كان محمد أطلق في سماع العود أنه مكروه، وقد يريد بذلك التحريم، ونص ابن عبد الحكم على أن سماع العود ترد به الشهادة إلا أن يكون ذلك في عرس أو صنيع وليس معه شراء يسكر فإنه لا يمنع من قبول الشهادة، قال: وإن كان ذلك مكروهاً على كل حال.
وقد يريد بالكراهة التحريم كما قدمنا.
وقوله: (أَوْ مُجَّانُ) جمع ماجن.
الجوهري: والمجون ألا يبالي الإنسان ما صنع، وقد مجن بالفتح يمجن مجوناً ومجانة فهو ماجن، والجمع مجان.
وقوله: (مُجَّانُ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ) أحسن منه ما في المدونة: أو مجان، أو أنهم يلعبون بالنرد؛ لأن مجرد المجانة قادحة، وفي مسلم أنه عليه السلام قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه".
ابن عبد السلام: وأما الشطرنج فقد جاءت فيه أحاديث غير صحيحة تتضمن ذمه، وقد اختلف العلماء في إباحته ابتداءً إذا كان لعبه من غير قمار؛ فمذهب مالك أنه ممنوع فتارة يعبر عن ذلك بالكراهة، وتارة يقول: هو شر من النرد، وهو نص على التحريم.
انتهى.
خليل: وقد يقال: في هذا نظر؛ لأن ما ذكره عن مالك من قوله: "هي ألهي من النرد" هو له في المدونة، مع أنه نص فيها على أنه لا يجرح إلا بالإدمان، ولو كان حراماً ما اشترط الإدمان، ولعل مالكاً إنما قال: "هي ألهى" لأنها تفتقر إلى حساب وفكرة بخلاف النرد، لا أنها مثلها في الحرمة.
وفي الجواهر النص على الكراهة في الشطرنج، وفي إجرائه على ظاهره أو التحريم خلاف، ثم قال: وقيل: الإدمان عليه حرام؛ وقيل: إن لعبت على وجه يقدح في المروءة كالمحترم يلعبها على الطريق ومع الأطراف والأوباش فلا يحل ذلك، وإن لعبت في الخلوة مع الأمثال والنظراء من غير إدمان ولا في حالة تلهي فيه عن العبادات والمهمات الدينية والدنيوية فهي مباحة، وعلى هذا فلا شك أن النرد أشد من الشطرنج؛ لعدم الاختلاف فيه.
هذا هو الذي يؤخذ من كلام الأصحاب، وقال المازري: حكم النرد في ظاهر المذهب كحكم الشطرنج، قال: وهو المعروف، وأشار محمد بن عبد الحكم إلى مخالفة حكمهما فقال: إن الشطرنج لا يوجب رد الشهادة إلا إذا ترك اللاعب بها الصلاة في الجماعة، وأما النرد فإنه لا يلعب به في زماننا إلا أهل السفه وتاركوا المروءة.
انتهى.
قوله: (وَمَا يُشْبِهُهُ) أي: من سائر اللعب المؤذن بترك المروءة.
وَيُشْتَرَطُ الإِدْمَانُ فِي التَّجْرِيحِ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى الأَصَحِّ
اشتراط الإدمان لمالك في أول شهادات المدونة، وذلك للخلاف في إباحتها ابتداء فقد روي عن جماعة من التابعين أنهم كانوا يلعبون بها، وذكر الشافعي أن سعيد بن جبير كان يلعب بها استظهاراً؛ أي: من غير نظر فيه وإنما يأمر غيره بما يفعل، ولم يقيد اللعب به في المدونة في كتاب السرقة والرجم بالإدمان، واختلف هل هو خلاف لما في الشهادات أو هو مقيد به؟
فعلى الخلاف يكون القولان في المدونة، ونقل ابن يونس وغيره مقابل الأًح عن بعضهم أنه لا تجوز شهادته، وإن لم يكن مدمناً، وقال ابن عبد الحكم: لا ترد به الشهادة إلا أن يكثر اللعب بها حتى يشغله عن الصلاة في الجماعة.
فرع:
إذا اشترطنا الإدمان ففسره أحمد بن نصر بأن يلعب بها في السنة مرة.
نقله صاحب النكت، وقال بعض الأصحاب: أن يلعب بها في السنة مرتين.
وَالْمُرُوءَةُ: الارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يُرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لا يُحَافِظُ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَاماً كَالإِدْمَانِ عَلَى لَعِبِ الْحَمَامِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَكَالْحِرْفَةِ الدَّنِيَّةِ مِنْ دِبَاغَةٍ وَحِجَامَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَاراً مِمَّنْ لا يَلْيقُ بِهِ، فَأَمَّا أَهْلُهَا أَوْ مَنِ اضْطُرَّ فَلا يُقْدَحُ ..
ابن محرز: ولسنا نريد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة الركوب وجودة الآلة وحسن الشارة، ولكن المراد بها التصون والسمت والحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم تكن في نفسه جرحة، كالإدمان على لعب الحمام والشطرنج وإن لم يقامر عليها.
انتهى.
وفي آخر كتاب الرجم: ولا تجوز شهادة لاعب الحمام إذا كان يقامر عليها.
واختلف الشيوخ هل يقيد ما قاله في غير هذا الموضوع بهذا القيد؛ أي: [665/ أ] المقامرة، أو هو خلاف.
أخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: "شيطان يتبع شيطانة".
وما ذكره المصنف في الحرف نحوه في الجواهر، وألحق بعض أهل المذهب وغيرهم بمن اضطر إلى هذه الحرف من قصد باستعمال هذه الصنائع كسر نفسه ومباعدتها عن الكبر، وتخليقها بأخلاق الفضلاء كما قد اشتهر ذلك عن جماعة.
تنبيه:
ذكر المصنف أن الدباغة والحجامة والحياكة ممن لا تليق به تقدح في المروءة، وهذه لا يقال: إن صاحبها لا يحافظ معها على دينه؛ فانظره، وإليه أشار ابن راشد.
وَلا يُقْبَلُ عَبْدُ وَلا كَافِرُ مُطْلَقاً
قد تقدم هذا.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: هِيَ السُّنَّةُ، وَمَا أَدْرَكْتُ الْقُضَاةَ إِلا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا ..
هذا كالتقييد لقوله أولاً: (بالغاً) ولما كان قبول شهادتهم على خلاف الأصل ذكر دليله وهو إجماع أهل المدينة، ومن جهة المعنى أنهم يندبون إلى تعليمهم الرمي والثقاف والصراع ليدربهم على حمل السلاح والكر والفر، والغالب أن الكبار لا يحضرون معه فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى إلى إهدار دمائهم غالباً.
قوله: (فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً) ومراده بالدماء: القتل والجراح، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: لا تقبل فيها على الأصل وقال أشهب: تقبل في الجراح دون القتل؛ لعظم أمره.
وفي قوله: (إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) نظر؛ لأن صاحب الاستذكار نقل عن القاسم وسالم أنهما لم يجيزاها.
وستأتي شروط قبول شهادتهم.
بِخِلافِ النِّسَاءِ فِي الْمَآتِمِ وَالأَعْرَاسِ عَلَى الأَصَحِّ
أي: فلا تقبل، والأصح لمالك، ومقابله في الجلاب عن بعض الأصحاب، واعتبرها بشهادة الصبيان بعضهم على بعض، وألحق بالأعراس الحمام.
والفرق للمشهور أن
الصبيان مندوبون إلى الاجتماع بخلاف النساء؛ لأن شهادة الصبيان على خلاف الأصل فلا يصح قياس عليها.
و (الْمَآتِمِ) بالتاء المثناة، الزبيدي: هو الجماعة من النساء والرجال في حزن.
الجوهري: وهو عند العرب: النساء يجتمعن في الخير والشر، والجمع المآتم، وعند العامة: المصيبة.
وَاشْتُرِطَ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَاراً مَحْكُوماً بِإِسْلامِهِمُ، اثْنَيْنِ فَصَاعِداً، مُتَّفِقَيْنِ غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ، قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ، إِلا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ ...
لما ذكر أن شهادة الصبيان مقبولة في الدماء شرع في شروطها:
الأول: أن يكونوا أحراراً فلا تقبل شهادة العبيد.
أشهب: ولا من فيه بقية رق؛ لأنه إذا لم تجز شهادة كبارهم فأحرى صغارهم، وهذا هو المعروف، وحكى عبد الوهاب في شرح الرسالة عن بعض متأخري أصحابنا أن شهادة العبيد الصغار جائزة.
الثاني: أن يكونوا محكوماً بإسلامهم، قال في البيان: لا أعلم فيه خلافاً.
الثالث: أن يشهد منهم اثنان فصاعداً قياساً على الكبار، ولا تجوز شهادة الواحد عند مالك وابن القاسم، ولا تكون معه قسامة، ولذلك قال المغيرة: لا يحلف معه في الجراح، وقال ابن نافع في كتاب ابن مزين: يقسم بشهادة الصبي الواحد في العمد، وقال ابن الماجشون في المبسوط: يحلف ولي الصبي في الجراح مع شهادة الصبي الواحد، قال في البيان: وقيل: يحلف الصبي المشهود له إذا بلغ مع شهادة الصبي.
الرابع: أن تكون شهادتهم متفقة.
وقوله: (مُتَّفِقَيْنِ) مثنى لاثنين؛ لأنهما إذا اختلفا لم يحصل النصاب، ويحتلم أن يكون جمعاً لكنه يكون الاختلاف مقيداً بما تبطل بمثله شهادة الكبار، كما لو شهد اثنان منهم أن فلاناً شج فلاناً، وقال آخران: بل شجه فلان، فقال مالك: تبطل شهادتهم.
الباجي: ولو اختلفوا اختلافاً يقتضي في الكبار الأخذ بشهادة أحدهما لم تبطل، وقال ابن الماجشون: لو شهد صبيان أن صبياً قتل صبياً وشهد آخران أنه لم يقتله وإنما أصابته دابة قضى بشهادة من شهد بالقتل، وقال بعض القرويين: بل هو اختلاف يوجب سقوط شهادتهم.
وروى ابن وهب عن مالك في ستة صبيان لعبوا في البحر فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهما أغرقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم أغرقوه- أن العقل على الخمسة؛ لأن شهادتهم مختلفة، وقال مطرف وابن المواز: لا تجوز لاختلافهم.
وقوله: (غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ) نعت تأكيدي لمتفقين.
الشرط الخامس: أن تكون شهادتهم قبل تفرقهم؛ لأن تفرقهم مظنة تخبيبهم وتعليمهم؛ فلا تقبل إلا أن يشهد العدول على شهادتهم قبل تفرقهم.
وَفِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ قَوْلانِ
الشرط السادس: الذكورية، وهي شرط عند مالك في المدونة، وهو المشهور، وبه قال ابن القاسم في شهادات المدونة، وبه قال ابن الماجشون وأشهب وسحنون، وأجاز المغيرة شهادتهن.
أبو عمران: يعني في الجراح والقتل، وقال ابن محرز: الأظهر أنه يجيزها في الجراح فقط، وعلى القبول فروى معن بن عيسى ومطرف عن مالك اشتراط ذكر معهن، فقال: يقبل غلام وجاريتان، وقال ابن الماجشون: لا يجوز غلام وجارية، ولا جوارٍ وإن كثرن.
ابن رشد وغيره: عن ابن الماجشون أنه تجوز شهادة الصبيات وحدهن دون صبي.
التونسي: وهو ظاهر أحد قولي ابن القاسم.
وَفِي قَبُولِهَا فِي الْقَتْلِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
قد تقدما على القبول، فقال غير واحد من أصحاب مالك: لا تجوز حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولاً.
وَلا يَقْدَحُ [665/ ب] رُجُوعُهُمْ وَلا تَجْرِيحُهُمْ
يعني: لا يقدح رجوعهم عما شهدوا به ولو كان قبل الحكم كما يقدح ذلك في شهادة الكبار؛ لأن الظاهر أن ما شهدوا به أولاً هو الواقع وأن الثاني من التعليم، أما لو تأخر الحكم بشهادتهم حتى بلغوا وعدلوا ثم رجعوا فإن رجوعهم يقبل، قاله في الموازية، قال: ولو شكوا بعد بلوغهم لم يضر حتى يوقنوا أنهم قد شهدوا بالباطل.
وأما تجريحهم فقال ابن المواز: لم يختلف أنه لا ينظر إلى ذلك؛ أي: لأن رأس أوصاف العدالة قد عدم منهم؛ وهو البلوغ.
وَفِي قَدْحِ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ قَوْلانِ
الشرط السابع: وهو مختلف فيه، وهو أن لا يكون الشاهد قريباً للمشهود له، ولا عدواً للمشهود عليه، والقول بالقدح بالقرابة لابن القاسم.
ابن المواز: وعلى قوله فلا يجوز مع العداوة، ونقل ابن يونس القبول فيهما عن ابن المواز، ولعبد الملك المنع بالقرابة فقط؛ فإن القرابة توجب المخالطة والمحاماة من سن الصغر.
وأما العداوة فلا يظهر سببها للصغير، واختار جماعة قول ابن القاسم؛ لأنا علمنا بالعادة من حال الأطفال الميل إلى القريب والبغض للعدو.
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى كَبِيرٍ لِصَغِيرٍ وَلا عَلَى عَكْسِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: أَمَّا عَلَى صَغِيرٍ بِقَتْلِهِ فَتَجُوزُ.
الشرط الثامن: أن تكون شهادة بعضهم على بعض؛ فلا تجوز شهادتهم لصغير على كبير ولا بالعكس؛ لاحتمال التعليم من الكبير، وقال مطرف وابن الماجشون: شهادتهم جائزة لصغير على كبير وبالعكس، والأول أظهر، وقول محمد بن المواز له وجه؛ لأن معناه أن شهادتهم مقبولة على صغير أنه قتل كبيراً؛ لأن بموت الكبير يؤمن تعليمه بخلاف العكس فإنهم متهمون بالدفع عن أنفسهم، وقول المصنف في قول محمد بقتله احترازاً مما لو جرحه فإنه لا تقبل عنده، ولهذا زاد في قول محمد: لأنه لم يبق حتى يعلمهم، قال بعضهم: يريد: قتل قصاص.
والقصاص: الموت مكانه، ذكره الجوهري.
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ حُضُورِ كَبِيرٍ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ
الشرط التاسع: أن لا يحضر معهم كبير، ولم يخالف في ذلك إلا سحنون في أحد قوليه.
فَإِنْ كَانَ فَاسِقاً أَوْ كَافِراً أَوْ عَبْداً فَقَوْلانِ
إذا كان الكبير الحاضر ممن لا تجوز شهادته كالكافر والفاسق والعبد فقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا يضر حضورهم شهادة الصبيان.
المازري: ولا خلاف منصوص فيه عندنا، وقاله سحنون في كتاب ابنه ثم توقف.
فالقول بعدم الإجازة على هذا ليس بمنصوص، إلا أنه لازم في التعليل بالتخبيب، ثم التخبيب في حق هؤلاء أشد، والأول مبني على أن عدم قبول شهادة الصبيان مع حضور الكبير إنما هي لأجل ارتفاع الضرورة بشهادة الكبير، والله أعلم.
وبقي عليه من الشروط: أن يكون الشهود والمشهود عليهم في جماعة واحدة.
المازري: المعروف من المذهب أنه لا تقبل شهادة صغار على صغار لم يكن الشهود في جملتهم، وانفرد ابن مزين فقبل ذلك في المارين بهم، وأن يكون الصغار ممن يعقل الشهادة؛ لأن الشهادة من شروطها الضبط، إلا أن يقال: استغنى المصنف عن هذا الأخير بقوله أولاً: (المميز).
فرع:
اللخمي: واختلف إذا شهد صبيان أن هذا الصبي قتل صبياً وشهد عدلان أنه لم يقتله هل يؤخذ بقول الصبيين لأنهما أثبتا حكماً، أو بقول الرجلين وهو الأحسن؟
وَيَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَى عِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ اتِّفَاقاً
ذكر المازري أنه لا خلاف فيه، وعلى هذا فالمسألة مجمع عليها لا تحتاج إلى دليل، وفرق بينه وبين غيره بأن العدالة وضدها يشارك القاضي فيها غيره فلا تقع تهمة، بخلاف العلم بإقرار رجل وإنكاره فإنه لو لم يحكم بعلمه في عدالة من شهد عنده لافتقر إلى عدلين آخرين وهكذا فيتسلسل، ولا يقال: إن ذلك ينقطع بأن يكون العدلان ظاهري العدالة؛ لأنا نقول: اتفاق مثل هذا نادر، فلو توقفت الأحكام على مثله لكانت تضيع.
سحنون: ولو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة وأنا أعلم خلاف ما شهدا به لم يجز لي أن أحكم بشهادتهما، ولم يجز لي ردها لظاهر عدالتهما، ولكن أرفع ذلك للأمير الذي هو فوقي، وأشهد بما علمت، وغيري بما علم فيرى فيه رأيه.
قال: ولو شهد عندي رجلان ليسا بعدلين على أمر أعلم أنه حق فلا أقضي بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكمي بعد أن صحت عندي عدالتهما: وإنما صحت عندي جرحتهما.
ومثله لابن كنانة وابن الماجشون.
وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ الْعَدَالَةُ وَالْجُرْحَةُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِزْكَاءُ مَهْمَا شَكَّ
الاستزكاء: طلب التزكية، وحاصله إنما يطلب الحاكم التزكية إذا شك في أمره، وأما إن علم عدالته وجرحته فإنه يعمل على ذلك، وهكذا قال في المدونة والعتبية وغيرهما.
وشهد ابن أبي حازم عند قاضي المدينة أو عاملها فقال: أما الاسم فعدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم.
قال في النوادر: وأعجب ذلك مشايخنا.
وقوله: (وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِزْكَاءُ) أي: على القاضي، وإذا وجب هذا على القاضي فلا يجوز له أن يقبل المسلم المجهول الحال، خلافاً لأبي حنيفة رضي الله عنه.
وأجاز [666/ أ] ابن حبيب قبول شهادة الغرباء على التوسم فيهم، وأجاز بعض المتأخرين مثل ذلك في أهل البلد في اليسير من الحقوق، واختار ابن عبد البر وجماعة من العلماء قبول رواية طلبة العلم، وجعل الأصل فيهم العدالة حتى يظهر خلافه؛ لقوله عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" أي: ويقبل الكافر بإثر إسلامه على ظاهر المذهب؛ لأنه محيت عنه الآثام، وتوقف ابن القصار في قبولهما حتى يظهر من حاله ما يوجب قبولها.
ابن عبد السلام: ورأيت في بعض التعاليق مما ينسب لأبي عمران أنه ينظر إلى صفات هذا الشاهد قبل إسلامه، فإن كانت لم ينقص منها إلا وصف الإسلام قبلت، وإن كانت على غير هذا أو جهل أمره توقف القاضي عنها.
وَلَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً
يعني: إذا أقر المشهود عليه بأن الذي شهد عليه عدل فإن الحاكم يحكم عليه لإقراره بعدالته، وحكى في الكافي عن أصبغ أنه لا يحكم عليه إلا بالتزكية ولو رضي الخصم بعدالته.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يتأول ما ذكره المصنف على أن الخصم أقر بعدالة الشاهد بعد أدائه الشهادة، وأما لو أقر قبل أدائها ففي لزومها له نظر؛ فقد قالوا إذا قال أحد الخصمين: "كل ما شهد به علي فلان حق" فشهد عليه أنه لا يلزمه ما شهد به؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بحق.
انتهى.
وفرق بينهما بأنه إذا أقر بعدالته أقر بأمر متقدم بعلمه منه، بخلاف من التزم ما شهد به؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بالحق.
وقوله: (خَاصَّةً) أي: ولا يحكم بها على غيره.
ظاهره: ولو تضمنت شهادته هذه حقاً على المشهود له، وفيه نظر؛ لأن ابن لبابة قال في منتخبه: الذي نعرفه من فتيا من أدركنا من الشيوخ أن المشهود له يلزمه ما شهد له به وعليه شاهده إذا كان لا يصل إلى حقه إلا بشهادته.
قالوا: ويقال له: إن قلت: "صدق الشاهد" فيلزمك ما شهد به، وإن قلت: "كذب في بعض" فقد جرحته" فلا تعطى بشهادته شيئاً.
ابن الماجشون: في اليهودي يشهد المسلمون أنه رضي بشهادة اليهودي فيحكم عليه حكامهم ثم يرجع عن الرضا بهم فذلك له.
ابن القاسم: ولو رضي المسلمون بشهادة المسخوطين فيما بينهم لزم، وليس لمن رضي بذلك الرجوع عنه كما لو رضيا بغير شهادة، ولو رفعا ذلك إلى حاكم لم يحكم بينهما بشهادتهما.
وفي المتيطية: روي عن مالك في الرجل يشهد لابنه بحق فيدفع المشهود عليه الحق بشهادته بغير حكم، وفي الرجل يقوم له شاهد واحد فيدفع المشهود عليه الحق بشهادته خاصة، وفي الرجل يطلق امرأته- يريد: طلاقاً بائناً- فتدعي عليه حملاً غير ظاهر فينفق عليها ثم ينفش الحمل: إن ذلك كله أصله واحد لا رجوع لواحد منهم، ولو شاءوا لتثبتوا.
وَلا يُقْبَلُ فِي التَّعْدِيلِ إِلا الْفَطِنُ الَّذِي لا يُخْدَعُ، قَالَ سحنون: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ، وَلا يُقْبَلُ إِلا الْعَارِفُ بِوَجْهِ التَّعْدِيلِ وَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الْمِحْنَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ لا بِالتَّسَامُعِ، وَقَالَ سحنون: فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، قَالَ مَالِكُ: وَإِذَا صَحِبَهُ شَهْراً فَلَمْ يَعْلَمْ إِلا خَيْراً فَلا يُزَكِّيهِ بِهَذَا ..
هذا كالمتفق عليه، ووجهه أن التصنع كثير؛ فلذلك لا يقبل في التعديل كل من شهد، بل من يطلع على عور الناس، وكذلك لا يقبل أيضاً إلا بطول المعاشرة، قال سحنون: تقبل تزكية كل من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره ممن صحبه طويلاً وعامله في السفر والحضر، وعلى هذا ففي نقل المصنف لقوله نقص.
ابن كنانة وسحنون: ومن عدل رجلاً لم يعرف اسمه فليقبل تعديله.
مالك: ويجب على من عرف عدالة شخص أن يزكيه؛ لأنه من جملة الحقوق، إلا أن يجد غيره فهو في سعة، ورخص في ذلك ابن نافع؛ لأن العدالة لا يقطع بها بخلاف سائر الحقوق.
ويجب التجريح إذا خاف إن سكت أن يحق بشهادة المجروح باطلاً أو يفوت حقاً.
وَلا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُدُولُ
لأن ترك أهل محلته وسوقه ريبة، قاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، لكنهم قيدوه بما إذا كان غير مشهور العدالة، قالوا إلا أن يكون معدلوه أهل برازة في العدالة والفضل، وإن لم يكن فيها عدول فأقرب البلدان إليهم.
وَفِي الْمُدَوَّنةِ: وَلا يُقْبَلُ فِي الْبَلَدِيِّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلافِ الْغَرِيبِ
هذه مسألة كتاب اللقطة، ومعناها أنه إذا شهد عند القاضي ولا يعرفه وطلب تعديله فعدله قوم لم يعرفهم القاضي ولكن وجد من يعدلهم ممن يعرفهم القاضي بالعدالة فالشاهد الأول إن كان من أهل البلد فشهادته ساقطة؛ لأن جهل أهل بلده بحاله ومعرفة
غيرهم به ريبة، والريبة هنا أشد من المسألة السابقة، وإن كان الشاهد الأول غريباً، فإن ذلك جائز لعدم الريبة، وألحق بعضهم بالغريب النساء في هذا.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَزَأَ بِتَعْدِيلِ الْعَلانِيَةِ بِخِلافِ السِّرِّ
يعني: أنه يستحب في التعديل الجمع في ذلك بين السر والعلانية، وهكذا صرح الباجي وغيره بأن الأفضل الجمع بينهما، وإن اقتصر على العلانية جاز، وهذا مذهب [666/ ب] المدونة، وقال ابن الماجشون: لا يقبل التعديل في العلانية فقط.
اللخمي: وهو أحسن؛ لأن الناس يتقون أن يذكروا في العلانية ما يعلمونه من السر خيفة العداوة.
وقوله: (بِخِلافِ السِّرِّ) أي: فإنه يجوز الاكتفاء به، ولا خلاف فيه.
قال في الاستذكار: وأول من سأل سراً ابن شبرمة قال: كان الرجل إذا قيل له: هات من يزكيك فيأت القوم فيستحيون منه فيزكونه، فلما رأيت ذلك سألت في السر، فإذا صحت شهادتهم قلت: هات من يزكيك في العلانية.
قَالَ مَالِكُ: وَلا أُحِبُّ أَنْ يَسَأَلَ فِي السِّرِّ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ؛ فَلا بَاسَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَحْدَهُ.
يعني: أن مالكاً استحب في تزكية السر اثنين، مع أنه أجاز الواحد، وهذا لأن أصل المذهب أن كل ما ابتدأ القاضي فيه بالسؤال اكتفي فيه بالواحد.
وفي النوادر: وكل ما يبتدئ القاضي السؤال عنه والكشف من الأمور فله أن يقبل فيه قول الواحد، وما لم يبتدئ به هو وإنما يبتدئ به في ظاهر أو باطن فلابد من شاهدين فيه.
وحكى الباجي عن سحنون أنه قال: لا يقبل في السر إلا اثنان.
ابن رشد: حمل الباجي القولين على الخلاف، وهو أظهر، وذهب غيره إلى أنه ليس بخلاف، وأنه لا خلاف أن الشاهد الواحد يجزأ في تعديل السر، وإن كان الاختيار اثنين.
وسكت المصنف عن تزكية العلانية لأنها على الأصل في أنها لا يقبل فيها إلا اثنان.
وحكى ابن بطال في أحكامه عن ابن لبابة أن التزكية لا تكون بأقل من ثلاثة، وظاهر المذهب أن شهود الزنى كغيرهم، وهو قول ابن الماجشون ومطرف أنه لا يكفي تزكية شهود الزنى إلا أربعة، وكذلك المشهور قبول التزكية مطلقاً.
وقال أحمد بن عبد الملك: لا تكون عدالته في الدماء.
ابن زرقون: ولم يصحب هذا القول عمل.
وحكى في المتيطية قولاً بقبول تزكية النساء فيما تجوز فيه شهادتهن.
مطرف وابن الماجشون: وينبغي للحاكم أن يستكثر من المعدلين، ولا يكتفي باثنين إلا في مثل الثابتين في العدالة والعلم بالتعديل.
وَيَسْمَعُ التَّجْرِيحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَيَسْمَعُ فِي الْمُبَرِّزِ الْقَدْحَ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشِبْهِهِ، وَفِي قَبُولِ تَجْرِيحِهِ فِي الْعَدَالَةِ ثَلاثَةُ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانُوا مِثْلَهُ أَوْ أَعْدَلَ قُبِلَ ..
يعني: أن القاضي إذا رفعت إليه بينة وزكيت أو قبلها لعلمه بعدالتها فلا يحكم على الخصم إلا بعد الإعذار إليه على ما استمر عليه العمل، ويجب الإعذار في البينة وفيمن زكاها، صرح بذلك ابن القاسم الموثق وصاحب المعين وغيرهما.
فإذا أعذر للخصم فأما المتوسط فتسمع فيه المطاعن كلها من تجريح وعداوة وقرابة.
وقول المصنف في التجريح يحتمل أن يكون اقتصر على التجريح لأن العداوة والقرابة أولى، ويحتمل أن يكون أطلق الجرح على ما هو أعم.
وأما المبرز فتسمع فيه القوادح ما عدا التجريح على المعروف، وروي عن مالك أنه لا يباح تجريح المبرز بعداوة وقرابة ولا غيرهما، واستبعدها ابن رشد.
وظاهر كلام المصنف أنه يسمع في المبرز القدح بالعداوة والقرابة ممن هو مثله ودونه، وبذلك صرح في البيان.
وحكى المصنف في قبول تجريحه ثلاثة أقوال، وقد علمت من قاعدته أن الثالث يدل على الأولين، وأن الأول من الأقوال للأول من القائلين؛ فالقبول لمطرف، وعدمه لأصبغ، والتفصيل لابن عبد الحكم: إن كان المجرحون مثل الشاهد أو أعدل قبل، وإن كانوا دونه لم يقبل، واختار اللخمي وابن عبد السلام قول مطرف، كما لو شهد عليه بموجب حد وغير ذلك، وبقول مطرف قال ابن الماجشون.
أحمد بن محمد: ويجرح في العداوة من هو دون الشهود في العدالة ومن يزكي ولا يقبل بفسقه.
أحمد بن سعيد: ولا بأس أن يجرح في العداوة والخصومة من لا تقبل شهادته إلا بتعديل، وكذلك أيضاً ذكر صاحب الوثائق المجموعة وغيره، ولم أر ما يخالف ذلك.
خليل: وينبغي أن يقيد تجريح من يزكي بأن يكون من يجرح ليست عدالته بينة، فإن بعض الشيوخ أشار إلى أنه يتفق على أنه لا يقبل تجريح من يزكي البين العدالة؛ لأن الحاكم لما نصبه للعدالة كان الاعتماد على قوله أولى.
عياض: والمبرز بكسر الراء المشددة؛ أي: ظاهر العدالة سابقاً غيره متقدماً فيها، وأصله من تبريز الخيل في السبق، وتقدم سابقها، وهو المبرز لظهوره وبروزه أمامها.
فرع:
ما ذكرناه من الإعذار هو المعمول به، وصفة ذلك أن يقول: "شهد عليك فلان، فإن كان عندك مدفع ادفع عن نفسك" ويعلمه أن له التجريح إن كان يجهل ذلك، قيل: وهذا الخلاف فيه.
واختلف هل يقول له: دونك والجرح؛ فقال مالك: لا يقوله له، وفي ذلك توهين للشهادة.
وقال ابن نافع: إذا عدل الشاهد فيقول القاضي للمطلوب: دونك والجرح وإلا حكمت عليك، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن كنانة.
وقال أشهب: يقول له ذلك إن قبل الشهود بالتزكية، [667/ أ] ولا يقوله في المبرز.
وقال ابن القاسم: يقول له ذلك إذا كان ممن لا يدري ذلك كالمرأة والضعيف.
ابن راشد: والأول أصوب.
ابن عبد السلام: وظاهر المدونة إن طلب ذلك الخصم مكنه وإن لم يطلبه، فإن لم يظن به جهلاً أو ضعفاً دعاه إليه وإلا فلا.
وَيُؤَجِّلُ الْخَصْمَ لِلتَّجْرِيحِ ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ
يعني: فإن ادعى المدعى عليه أن عنده تجريحاً أجله في إثباته، ولم يذكر المصنف مقدار الأجل، وهو الأصل؛ لأنه ينبغي أن يوسع لمن لا يعلم منه اللدد، ويضيق على من علم منه ذلك، لكن جرى العمل على أحد عشر يوماً، فمن القضاة من يجمعها، ومنهم من يؤجله ثمانية أيام ثم يرفعه، فإن طلب الزيادة أجله ثلاثة.
ابن راشد: وعلى التفرقة جرى العمل.
وَقِيلَ لابن القاسم: أَيُجْرَحُ الشَّاهِدُ سِرَّاً؟ قَالَ: نَعَمْ
هو ظاهر؛ لما يحصل في الإظهار من العداوة.
وَلَوْ سَأَلَ ذُو الْحَقِّ عَنِ الْمُجَرِّحِ فَعَلَى الْحَاكِمِ إِخْبَارُهُ
لأنه قد يكون بين المجرح وصاحب الحق عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة.
واختلف إذا كان صاحب الحق ممن يتقى شره هل يعلم بالمجرح أم لا؟ حكى المتيطي وغيره في ذلك قولين، وقد تقدم عن ابن بشير أنه عمل بالقول بعد الإخبار.
ابن عبد السلام: وإنما يلزم عندي الإخبار إذا كان التجريح من بينة، وأما إن كان المعول في القدح على أن القاضي سأل الشاهد عن ذلك سراً فحصل عنده ما يقدح في شهادته فلا يلزمه أن يخبر بذلك الحق؛ إذ لا إعذار في ذلك على أظهر القولين.
وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ: "أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلُ رِضاً" وَقِيلَ: أَوْ أَعْلَمُهُ أَو أَعْرِفُهُ، وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ عَدْلاً رِضاً ...
ويكفي: "هو عدل رضا" هو اختيار مالك وأصحابه؛ لأن العدالة تشعر بسلامة الدين، والرضا يشعر بالسلامة من البله والغفلة.
واختار الشافعي أن يقول: "عدل جائز الشهادة أرضاه لي وعلي".
وليس ذلك بتزكية عندنا.
قاله عبد الوهاب؛ لأنه قد يرضى بغير العدل وبالمتهم لغرض له فيه ولا يرضى بالعدل، وقولنا موافق للقرآن لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: 2] وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: 282] وظاهر كلام المصنف أنه لا يكفي أحد اللفظين، وهو الذي صرح به في الجلاب، قال في الكافي: وهو تحصيل مذهب مالك، وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب خلافه، وأنه لو اقتصر على أحد اللفظين من العدالة والرضا أجزأ، وهو معلوم لمالك وسحنون وغيرهما، واختار اللخمي التفصيل: فإن قال إحدى الكلمتين ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل؛ لأن العدل من رضي للشهادة، والرضا عدل، وقد ورد القرآن بقبول شهادة من وصف بإحدى الكلمتين، ولو سأل عن الأخرى فوقف كان ذلك ريبة في تعديله ويسأل عن السبب في وقوفه فقد يذكر وجهاً لا يقدح في العدالة، أو وجهاً يريب فتقف عنه.
وقوله: (وَقِيلَ: أَوْ أَعْلَمُهُ أَو أَعْرِفُهُ) يعني: أن القول الأول يشترط أن يقول: "أشهد" وهو القول: يكفي عنده أشهد، أو أعلمه عدلاً رضاً، أو أعرفه" وهو لمالك من
رواية ابن كنانة، وزاد بعد: "عدل رضا" "جائز الشهادة" ولا يقبل منه: "لا أعلمه إلا عدلاً رضاً".
وقوله: (وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ) ابن عبد السلام: لمطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أنه يجزيه عندي: "عدل رضا" وليس عليه أن يقول: "هو عند الله رضاً" ولا أن يقول: "أرضاه علي ولي".
ورواه أشبه عن مالك رحمه الله، والأقرب أن مراد المصنف بهذا القول ما لمالك في المجموعة قال: إذا قال المزكي: "لا أعلم إلا خيراً" ليس هذا بتزكية حتى يقول: "أعلمه وأراه عدلاً" لأن قول المصنف: (أَوْ أَرَاهُ) يقتضي أن هذا القائل يوافق على: "أعلمه أو أعرفه" ولم يقع في قول مطرف أعلمه ولا أعرفه.
فإن قيل: لم يقع أيضاً في المجموعة "أعرفه" قيل: هي في معنى أعلمه، والله أعلم.
وَلا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ
لأن التعديل إنما يكون بعد الصحبة الطويلة واختبار الأفعال الكثيرة وذكر ذلك يطول، وقد تعسر العبارة دونه فيسقط لما فيه من المشقة ولهذا لم يختلف فيه كما اختلف في ذكر سبب الجرح؛ لأن الجرح يكفي فيه الشيء الواحد.
وَفِي سَبَبِ الْجَرْحِ ثَالِثُهَا لِمُطَرِّفٍ: إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَجْهِهِ لَمْ يَجِبْ، وَرَابِعُهَا لأَشْهَبَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَرِّزٍ لَمْ يَجِبْ ..
تصور الأقوال لا يخفى عليك، والأقرب أنه لابد من ذكر سببه؛ لاختلاف العلماء في أسبابه مع غموض بعضها، وقد جرح أقوام من المحدثين ونسبوا إلى أشياءٍ هم منها براء، واستفسر من جرحهم فذكر ما لا يصلح؛ لأن بعضهم قال: رأيته يبيع ولا يرجح في الميزان، وقال آخر: رأيته يغتاب بحضرته ولا ينكر، وقال بعضهم: رأيته يبول قائماً، فقيل: وإذا بال قائماً، قال: يتطاير عليه بوله، فقيل له: فهل رأيته صلى بعد ذلك؟ قال: لا؛ فظهر غلطه في التجريح لما كوشف عن سببه.
والتفت أشهب إلى حال المجرح بفتح الراء؛ فإن كان غير مبرز لم يجب على من جرحه ذكر السبب، وإن كان مبرزاً وجب.
وذكر اللخمي وابن شاس وغيرهما هذه الأربعة.
وذكر المازري في شرح [667/ ب] البرهان في الأصول له أن الخلاف إنما يحسن إذا وقع ذلك من عالم بالجرح والتعديل، قال: ولا يحسن أن يذهب محصل إلى قبول ذلك مطلقاً من رجل غمر جاهل لا يعرف ما يجرح به ولا ما يعدل، وعلى هذا فلا يبقى في المسألة إلا ثلاثة أقوال.
وَلَوْ شَهِدَ فَزُكِّيَ ثُمَّ شَهِدَ فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُغْمَزْ فِيهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَجْ، وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْمُزَكَّي مُبَرِّزاً لَمْ يَحْتَجْ ..
يعني: أن الشاهد إذ زكي ثم شهد مرة أخرى، فروى أشهب أن شهادته تقبل بالتزكية الأولى، وقال سحنون: لا تقبل، ويكلف التزكية كلما شهد حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته.
قال في البيان: وهو إغراق في الاستحسان، قال: لأنه قد لا يعرفه غير الذين عدلوه أولاً وقد ماتوا أو غابوا؛ فيبطل حقاً وقد شهد به من قد زكي وثبتت عدالته.
والثالث لمالك في الواضحة من رواية مطرف وابن الماجشون: أنه لا يحتاج إلى تعديل آخر إلا أن يغمز فيه بشيء أو يرتاب منه.
والرابع لابن كنانة: إن زكاه من هو مشهور بالعدالة في تزكية لم يحتج إلى إعادة التزكية، هكذا نقل ابن راشد هذا القول، وعليه فيضبط المزكي في القول الرابعمن كلام المصنف بالكسر اسم فاعل، وضبطه بعض من تكلم على هذا الموضع بالفتح على أنه اسم مفعول، وهو مقتضى نقل الباجي لأنه قال: وقال ابن كنانة: المشهور بالعدالة يجزئ فيه التعديل الأول حتى يجرح بأمرين، والذي ليس بمعروف يتوقف فيه على تعديل ثان.
والضبط الأول أظهر؛ لأن المبرز إنما يقال لمن هو ثابت العدالة.
ولابن القاسم في العتبية: إن كانت الشهادة قريبة من الأولى ولم تطل جداً لم يكلف تزكية، وإن طال فيكشف عنه ثانية، طلب ذلك المشهود عليه أم لا، والسنة طول.
ولأشهب في المجموعة: إن شهد بعد خمس سنين ونحوها سئل عنه العدل الأول، فإن مات عدل مرة أخرى، وإلا لم يقبل.
وَإِذَا عُدِّلَ وَجُرِّحَ فَفِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ أَوِ التَّنَافِي قَوْلانِ
القول بتقديم الجرح لابن نافع وسحنون.
قال في البيان: وهو دليل ما في السرقة من المدونة ورواية عيسى عن ابن القاسم.
قوله: (أَوِ التَّنَافِي) وهو القول الثانيز
ابن عبد السلام: فلا يريد بالتنافي سقوط الشهادتين معاً؛ لأن هذا تغليب للجرح؛ لأنه إذا سقطت الشهادتان يبقى كالمجهول، وإنما مراده أن يصار إلى الترجيح بزيادة العدالة أو زيادة العدد عند من جرح به، ولهذا كان ما وقع في بعض النسخ عوض التنافي (وَالأَرْجَحُ أَحْسَنُ).
ولمطرف وابن وهب أن بينة التعديل أولى؛ لأنها شهدت بفضل؛ فهي أولى من القول بالشر، واختار ابن رشد وغيره تقديم الجرح؛ لأنها علمت ما لم يعلم المعدلون، وقيد الخلاف بما إذا قال المعدلون: "هو جائز الشهادة" وقال المجرحون: "هو غير جائزها".
ولمطرف وابن وهب أن بينة التعديل أولى؛ لأنها شهدت بفضل؛ فهي أولى من القول بالشر، واختار ابن رشد وغيره تقديم الجرح؛ لأنها علمت ما لم يعلم المعدلون، وقيد الخلاف بما إذا قال المعدلون: "هو جائز الشهادة" وقال المجرحون: "هو غير جائزها".
وأما إن فسر المجرحون الجرحة فلا خلاف في تقديمهم.
وأشار المازري إلى أنه ينبغي أن يتفق على التجريح إذا اجتمعت البينتان على إثبات شيء وضده كقول المجرحين: "رأيناه عاكفاً ليلة كذا على شرب الخمر" ويقول المعدلون: "شاهدناه تلك الليلة عاكفاً على الصلاة" فيقطع بكذب إحداهما.
ابن عبد السلام: والمسألة عامة فيما إذا تساوى عدد المعدلين والمجرحين أو اختلفا، وإن كان القاضي الباقلاني حكى الإجماع إذا تساوى عدد المعدلين والمجرحين، أو كان عدد المجرحين أكثر على تقديم شهادة المجرحين، وقصر الخلاف على ما إذا كان المعدلون أكثر، وأنكر هذا غيره، والصحيح في النقل ما قدمناه انتهى.
فرع:
إذا اتفق شاهدان على تجريح شاهد، لكن اختلفا في سببه كما لو شهد أحدهما بخيانته وآخر بزناه، فاختلف قول سحنون في تلفيقها، وبالتلفيق قال ابن عبد الحكم.
الْمَوَانِعُ: الأَوَّلُ: التَّغَفُّلُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَدْ يَكُونُ الْخَيِّرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفاً عَقْلُهُ لِغَفْلَتِهِ فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَقِيلَ: إِلا فِيمَا لا يَكَادُ يُلَبَّسُ فِيهِ ..
قول ابن عبد الحكم ظاهر، ومثال ما لا يلبس فيه أن يقول: "رأيت هذا قبل هذا، أو سمعت هذا قال لزوجته: أنت طالق" بخلاف ما كثر من الكلام وأبطل بعضه ببعض، ولهذا يعتمد أكثر أهل الزمان في تزكيتهم الشاهد في قضية ثم لا يزكونه في أخرى، ولم يذكر المازري وابن شاس هذا على أنه خلاف بل ساقاه على أنه تقييد، وهو كذلك إن شاء الله تعالى خلاف ما قاله المصنف.
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ بِهَا أَوْ يَدْفَعَ كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَوْرُوثِهِ الْمُحْصِنِ بِالزِّنَى أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيراً، أَوَ كَمَنْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْداً يُتَّهَمُ فِي وَلائِهِ، وَكَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ جَرَحَ مَوْرُوثَهُ، وَكَوَصِيَّ شَهِدَ بِدَيْنِ لِلْمَيِّتِ، وَكَمُنْفَقٍ عَلَيْهِ شَهِدَ لِمُنْفِقٍ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلانِ ..
المانع الثاني: أن يجر بشهادته نفعاً لنفسه أو يدفع عنها ضرراً، وذكر للجر أمثلة.
أولها: أن يشهد على موروثه المحصن بالزنى أو بقتل العمد؛ لأنه يتهم أن يكون قصد قتله ليرثه.
وقوله: (مَوْرُوثِهِ) أعم من أن يكون أباً أو غيره.
وقيد الموروث بالإحصان وبأن لا يكون فقيراً احترازاً من البكر [668/ أ] ومن الفقير؛ لعدم التهمة فيهما.
وهكذا قال أشهب في أربعة أولاد عدول شهدوا على أبيهم بالزنى وهو فقير: أنه يرجم، وحمله ابن رشد على أنهم ممن يعذر بجهل في شهادتهم بالزنى على أبيهم، أو أنهم دعوا إلى شهادة عليه كأن يقذفه رجل بالزنى فيسأل شهادتهم ليسقط عنه حد القذف، وأما إن جهلوا ولم يدعوا فذلك عقوق منهم؛ لأنهم مأمورون بالستر فلا تجوز شهادتهم، ونقل أبو محمد عن ابن اللباد قولاً آخر أنها لا تجوز وإن كان الأب فقيراً؛ لأنهم يتهمون بإسقاط نفقته اللازمة لهم، وهذا لا يكون إلا في الأب وإنما يتم إذا كان الأب عاجزاً عن التكسب، وأما إن كان قادراً عليه ويتكسب فلا، وقال ابن لبابة: شهادتهم عليه بما يوجب قتله جائزة ملياً كان أو معدماً، قال: ولا يتهم العدول بالميراث ولا بطرح النفقة.
ابن رشد: وله وجه في المبرز.
المثال الثاني: أن يشهد أن موروثه أعتق عبداً فلا تجوز شهادته؛ لأنه يتهم في قصد ولايته وشرط في المدونة أن يكون هذا ممن يرغب في ولائه، وأن يكون في الورثة من لا حق له في الولاء كالبنات والزوجات، وأن تكون التهمة حاصلة الآن بأن يكون لو مات حينئذ ورثه، وأما إن كان الولاء قد يرجع إليهما يوماً ما فتجوز، ولو لم يتهم الولدان في ولائه لدناءتهم جازت شهادتهما، والتهمة في هذه المسألة ضعيفة؛ لأن هذه الشهادة إنما يجوز الابنان بها المنفعة بتقدير أن يموت العبد قبلهما، وقد يموت عن غير بال.
المثال الثالث: أن يشهد رجل أن رجلاً جرح ابن عم الشاهد أو غيره ممن يرثه الشاهد لو مات؛ لأنه إذا مات يقسم هذا الشاهد ويستحق الدية، أما لو شهد له بجرح خطأ وقد برأ الجرح، فيعود إلى الشهادة بالمال وهي جائزة ما لم تقرب القرابة بينهما كما سيأتي.
المثال الرابع: إذا شهد الوصي بدين للميت لم تجز شهادته؛ لأنه يجر بذلك النظر في المال، وهذا بشرط أن يكونوا صغاراً.
قال في المدونة: وإن كانوا كباراً يلون أنفسهم فتجوز شهادته؛ لأنهم يقبضون لأنفسهم.
المثال الخامس: أن يشهد المنفق عليه للمنفق، وهذا المثال هو أول مسألة من شهادات المدونة، والتهمة فيها للشاهد قوية؛ لأنه يخشى من تركه الشهادة أن يقطع عنه النفقة.
قوله: (وَفِي عَكْسِهِ قَوْلانِ) أي: عكس الخامس، وهي شهادة الشاهد لمن في نفقته؛ أجازها ابن حبيب، ومنعها بعض القرويين إذا كان من قرابة الشاهد كالأخ ونحوه؛ لأن تركه للنفقة عليه إذا كان فقيراً معرة، فيتهم أن يشهد له ليقطع عنه النفقة.
ابن يونس: وهو استحسان.
وعلى هذا فالخلاف مخصوص بالقريب، ولا يعم الأجنبي، وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وكذلك اختلف في شهادة الوصي على الطفل الذي في ولايته، فالمشهور جوازها، وفي الجلاب قولاً آخر بعدم الجواز؛ لأنه يتهم أن يكون كارهاً في النظر لمحجوره فيضيع ماله.
فَلَوْ شَهِدَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي وَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَ مَا لَهُ كَثِيراً لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ يَسِيراً فَثَالِثُهَا: يُقْبَلُ لِغَيْرِهِ دُونَهُ ..
احترز بالوصية من أن يشهد لنفسه ولغيره في غير وصية فلا تصح له ولا لغيره على المشهور؛ لأن الشهادة إذا بطل بعضها للتهمة بطل جميعها، وأجازها في الموازية في غير الوصية أيضاً إذا كان ما شهد به له يسيراً جداً، والفرق بينهما على المشهور أن الموصي قد يخشى معالجة الموت ولا يحضره إلا الموصى له فيضطر إلى إشهاده بخلاف غيرها، والمشهور مقيد بما إذا كان الجميع في ذكر حق على ما قاله الشيوخ، ولو كانت في حقين لجازت للأجنبي، وكذلك لو أدى الشهادة لفظاً؛ إذ لا يقدح ذكر ما له عليه وإدخاله ذلك في شهادته بما شهد به لغيره إذا لم يكن حقاً واحداً.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ مَا لَهُ كَثِيراً) أي: في الوصية، و (مَا) موصولة، وما قاله من عدم القبول إذا كان الذي له في الوصية كثيراً هو المشهور، وفي الجلاب رواية أخرى بالجواز لغيره فقط، وأما إن كان نصيبه يسيراً فحكى المصنف ثلاثة أقوال:
الأول: يقبل له ولغيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة، ورواه مطرف عن مالك.
الأبهري: وهو استحسان، فإن لم يكن في الوصية شاهد غيره حلف الموصى له مع شهادته ويأخذ هو ما له فيها بغير يمين؛ لأنه يسير في حكم التبع.
والقول الثاني: عدم القبول له ولغيره، رواه ابن وهب عن مالك، وعلله الأبهري بأنه جار لنفسه، قال: وهو القياس.
والثالث: يقبل لغيره ولا يقبل له، وهو أيضاً لمالك، وبه قال ابن الماجشون.
وعليه فإن لم يكن إلا شاهد حلف الموصى له واستحق، وإن كانا شاهدين كل منهما شهد له ولغيره أخذ الموصى له بغير يمين، وحلف كل واحد منهما واستحق مع شهادة صاحبه.
[668/ ب] وحكى في المقدمات رابعاً: أن شهادته تجوز له ولغيره إن كان معه شاهد غيره فتثبت الوصية بشهادتهما ويأخذ ما له فيها بغير يمين، وإن لم يكن معه غيره فتجوز لغيره ولا تجوز له، ويحلف الغير مع شهادته.
وفي المدونة: عن يحيى بن سعيد: إن كان معه غيره جازت له ولغيره، وإلا جازت لغيره فقط.
سحنون: يريد: إذا كان معه غيره أخذ ما شهد به لنفسه بلا يمين إذا كان تافهاً، كما لو شهد رجلان في وصية أوصى لهما فيها بتافه- أخذاه بغير يمين.
وقال بعض القرويين: يحتمل أن يريد: إن كان وحده جازت شهادته لغيره مع يمينه ولم يأخذ الشاهد شيئاً، وإن كان معه غيره أخذ الغير بغير يمين؛ لأنه اجتمع عليه شاهدان، وأخذ الشاهد بيمين؛ لأن شهادته لنفسه ساقطة.
وخصص صاحب المقدمات هذا الخلاف بما إذا كانت شهادة الشاهد في وصية مكتوبة، قال: وإن شهد على الوصية لفظاً بغير كتاب فإن شهد لنفسه بيسير فلا تجوز لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره مع يمين الغير إن لم يكن إلا ذلك الشاهد، وإن شهد آخر كذلك أخذ غيرهما بغير يمين، وأخذ كل من الشاهدين بشهادة صاحبه بشرط أن يحلف، وقد يقال: لا تجوز له ولا لغيره على قول مطرف وابن الماجشون، ولا تجوز على ما في سماع أشهب من كتاب الشهادات.
وَأَمَّا شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلآخَرِ فَجَائِزَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ
لما تكلم على من شهد لنفسه ولغيره شرع فيمن شهد لمن شهد له، وذكر أن المشهور جواز الشهادتين، وظاهره سواء كان المشهود عليه بالحق واحداً أو لا، في مجلس واحد أو مجلسين متقاربين أو متباعدين، وهو قول ابن القاسم في العتبية فيمن شهد لرجل بعشرة دنانير وشهد المشهود له للذي شهد له على آخر- أن ذلك جائز، وقاله سحنون، والشاذ منعها، وإليه رجع سحنون.
اللخمي: وقال مطرف وابن الماجشون: إن شهد بعضهم لبعض على رجل واحد في مجلس واحد لم يجز، وإن كان شيئاً بعد شيء جاز جميعها وإن تقارب ما بين الشهادتين، وإن كان على رجلين مفترقين جاز ذلك في مجلس أو مجلسين، وأرى أن ترد جميعاً، وسواء كانت على رجل أو رجلين في مجلسين أو مجلس بلفظ أو كتاب؛ لأنهما يتهمان على: "اشهد لي وأشهد لك" إلا أن يطول ما بينهما.
انتهى.
وقول مطرف ثالث، واختيار اللخمي راجع إلى المنع مطلقاً، ولم يحك المازري في اختلاف المجلس خلافاً في القبول لأنه قال: إن شهد رجلان لرجلين بدين لهما على زيد، ثم شهد المشهود لهما للشاهد الأولين بحق آخر على زيد بعينه فإنه إن كان ذلك في مجلسين متقاربين أو متباعدين جازت الشهادة، وإن كان ذلك في مجلس واحد فظاهر المذهب على قولين: المنصوص منهما لمطرف وابن الماجشون رد الشهادة، وظاهر كلام أصبغ إمضاؤها، ثم أشار إلى أنه ينبغي أن يلتفت في هذا إلى التبريز في العدالة وحقارة المشهود فيه، وأنه بحيث لا يتطرق فيه طلب المجازاة في شهادة بشهادة.
وَفِيهَا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ
هي في المدونة في كتاب المحاربين، وعلله فيها بأنه لا سبيل إلى غير ذلك، ونص فيها على القبول إذا كانوا عدولاً سواء شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولعل المصنف أتى بها استشهاداً للمشهور الذي قدمه، ولم يعتبر تعليله في المدونة بالضرورة، وما قدمه مطلق.
فإن قتل: القبول هنا مخالف لما قالوه في المجتلبين أنه لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يكون النفر الكثير عشرين فأكثر، وأباه سحنون في العشرين.
قيل: فرق بينهما ابن سهل بأن المجتلبين تذكرهم حمية البلد فلذلك رد شهادتهم.
وَأَمَّا الدَّفْعُ فَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً
لما ذكر أمثلة ما يجر به الشاهد لنفسه نفعاً شرع في تمثيل ما يدفع به عن نفسه ضرراً وذكر المثالين:
الأول: أن يشهد عدلان أن فلاناً قتل فلاناً خطأ فشهد عدول من العاقلة التي وجب عليها القيام بالدية بتجريح شاهدي القتل فلا تقبل؛ لأنها تدفع ما لزمها من الدية.
ابن عبد السلام: وقد أطلقوا القول برد هذه الشهادة مع أن الفقير لا يلزمه شيء، والمقدار الذي يلزم الغني يسير جداً على ما يتبين في موضعه، وقد تقدم حكم من شهد لنفسه في وصية أو غيرها، ورد بأن الكلام فيمن يلزمه أداؤها فلا يرد الفقير، وتهمة الدفع أقوى؛ لأن كثيراً من الناس لا يسهل عليه إخراج شيء وإن [669/ أ] قل.
وَكَشَهَادَةِ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ
هذا هو المثال الثاني: والمديان بكسر الميم وتخفيف الدال: الذي عليه الدين.
احترز بالمعسر مما لو كان موسراً فإنه تجوز شهادته، قاله ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن الماجشون.
والضمير في: (لِرَبِّهِ) عائد على الدين المفهوم من المديان، وعلله مطرف بأنه كالأسير في يده، وقيده الباجي: بأن يكون الدين حالاً أو قرب حلوله، وما إن كان بعيداً فيجيء على مذهب سحنون جواز الشهادة، وعلى قول ابن وهب ردها.
وفسر الغني بأن لا يستضر بإزالة هذا المال عنه، وأما إن كان يستضر بأخذه منه فترد شهادته.
ابن زرقون: وتجوز شهادته فيما عدا المال- قاله مطرف- ولما يرجو أن يكافئه على ما شهد له به إما بصبر عليه أو بتخفيف عنه من دينه، فلا فرق بين المال وغيره من الحقوق، وربما كان غير المال أهم عند المشهود له من المال.
خليل: وينبغي أن يقيد العسر هنا بأن يكون إعساره ثابتاً عند الحاكم، والله أعلم.
وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ جَارُّ
معناه أن يشهد رب الدين لمديانه بمال فإن شهادته ترد؛ لأنه يتهم أن يكون شهد له به ليقضيه، وما قدرنا به المسألة بالمال هو كذلك في المازري وغيره، وكأن المصنف استغنى عن ذلك بقوله: (لأَنَّهُ جَارُّ) وهذا مذهب ابن القاسم، وأجازها أشهب وإن كان المديان
معدماً، وأشار بعضهم إلى التفرقة بين أن يكون المديان ملياً فتجوز، أو معدماً فيمتنع، ولعل المصنف إنما أخر هذه المسألة ولم يقدمها في أمثلة الجر للاختصار، والله أعلم.
واختلف في شهادة العامل لرب المال؛ فقال سحنون: إن كان المال عيناً ردت وإن كان في سلع جازت، وقال ابن وهب: وإن كان ملياً قبلت وإن كان معدماً ردت، وقال ابن القاسم: هي جائزة ملياً كان أو معدماً.
بعض الشيوخ: وكذلك شهادة رب المال للعامل فيه الثلاثة الأقوال.
الثَّالِثُ: أَكِيدُ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ أَوِ السَّبَبِ كَالأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْبُنُوَّةِ مِنْ ذَكَرٍ وَانْثَى وَإِنْ سَفَلَتْ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ فِيْهِمَا ...
المانع الثالث: الشفقة الأكيدة لا مطلق الشفقة؛ إذ تجوز شهادة بعض الأقارب لبعض؛ لأنه لا يوجد في جميعهم أكيد الشفقة، والباء في: (بِالنَّسَبِ) للسببية، ومراده بالنسب القرابة، وبالسبب الزوجية كما يفعل الفرضيون.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد بالنسب عمودية الأعلى والأسفل، وبالسبب من يدلي بهما، وذكر الزوجية على طريق التكملة.
خليل: وفيه بعد، وضمير (عَلَوْا) عائد على الآباء والأمهات؛ فيندرج الأجداد والجدات، وغلب المصنف في علو المذكر.
وضمير (سَفَلَتْ) عائد على البنوة.
سحنون: ولا تجوز شهادة ابن الملاعنة للذي نفاه، واستدل مالك على هذا الأصل في المجموعة بقول عمر رضي الله عنه: "لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين" وجعله في المدونة من قوله عليه الصلاة والسلام.
وحكى بعض الشافعية عن مالك قبول شهادة الولد لأبيه دون العكس، وهي حكاية مستنكرة وربما كانت وهماً.
ابن رشد: شهادة الأب عند ابنه، أو الابن عند أبيه، وشهادة كل واحد منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل منهما مع شهادة صاحبه- الحكم فيها كل سواء، والاختلاف فيها كلها واحد، قيل: إن ذلك جائز، وهو قول سحنون؛ لأنه أجاز شهادة الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وأجاز هنا شهادته عنده بشرط التبريز، قال: وينبغي هذا الشرط عندي في بقيتها، وهو قول مطرف؛ لأنه أجاز شهادة كل واحد منهما على شهادة الآخر.
وقيل: ذلك لا يجوز، وهو قول أصبغ؛ لأنه لم يجز شهادة كل منهما على شهادة الآخر وكذلك الذي يأتي على مذهبه في بقيتها، وفرق ابن الماجشون بين شهادته معه وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله؛ فأجازها في الأوليين، وردها في الأخرى، قال: وذلك تناقض، وأما تعديل كل منهما لصاحبه فلا يجوز عند واحد منهم إلا ابن الماجشون فإنه قال: إذا لم يكن نزعه وليس له قام، وإنما الذي نزعه وقام به أحيا شهادته، فلا بأس أن يصفه بالذي تتم به شهادته من عدالته.
ابن رشد: وفيه بعد.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ) فيهما الإشارة إلى الأبوة والنبوة.
وقوله: (فِيْهِمَا) عائد على الزوجين المفهومين من السياق؛ أي: لا تجوز شهادة كل منهما لصاحبه.
ابن عبد السلام: وأشار إلى خلاف النخعي في قوله: تقبل شهادة الزوج لزوجته دون العكس، وقال شيخنا: الضمير عائد على الجر والرفع.
فرع:
فلو كانت الشهادة بغير مال كما لو شهد الزوج أن سيد زوجته أعتقها، وشهد معه غيره لم تقبل شهادته لاتهامه على إخراجها من الرق؛ ليكون ولده منها حراً.
وهل يمكن من وطئها؟ عندنا [669/ ب] قولان: أحدهما أنه لا يحل له ذلك؛ لكونه يرق ولداً يعتقد
أنه حر، فيكون وطؤه سبباً لارتقاق ولده، وكذلك لو كان الزوج عبداً لكان لها فراقه؛ لاعترافه أن الفراق صار بيدها لما عتقت.
وإن رضيت بالبقاء فهل يمكن من وطئها؟ ففيه قولان.
وإذا قلنا: يمكن الزوج من وطئها إذا ردت شهادته فقال بعض الأشياخ: يشتريها ليفرق بين ولده الرقيق وولده العتيق.
وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بِتَوْكِيلِهِمْ غَيْرَهُمْ بِخِلافِ تَوْكِيلِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ
يعني: أن الأب والولد والزوج والزوجة تجوز شهادتهم على بعضهم بعضاً بأنهم وكلوا غيرهم إذا كانت المنفعة للغير؛ لأنها شهادة عليهم.
ولا تجوز شهادتهم على الغير بأنه وكلهم، ولهذا قال في المدونة في الشفعة: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريب فلا يجوز أن يشهد أن فلاناً وكله على شيء، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره؛ فأتى بلفظ (له) حيث منع الشهادة، وبلفظة (عليه) حيث أجازها.
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَخِ غَيْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لأَخِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَاً، وَقِيلَ: فِيمَا لا تَتَّضِحُ فِيهِ التُّهْمَةُ.
احترز بغير المنفق عليه من أن يكون الأخ الشاهد في نفقة أخيه فلا تجوز شهادته، فإن كان الشاهد هو الأخ المنفق فقد تقدم فيه خلاف.
وقوله: (تَجُوزُ) يريد: في الأموال وما في معناها لأن المازري وغيره نقل اتفاق أهل المذهب على رد شهادة الأخ لأخيه بما يكتسب به الشاهد شرفاً وجاهاً، أو يدفع به معرة، أو تقتضيه الحمية والعصبية، مثل أن يشهد لأخيه وهو نازل القدر أنه تزوج امرأة لها قدر ممن يتشرف بنكاحها، أو يشهد أن فلاناً قذفه، أو يجرح من جرح أخاه، وكذلك رأى غيره أنه يتفق على رد شهادته له بالمال الكثير الذي يحصل له به الشرف.
والمشهور أنه لا تجوز شهادته له في جرح العمد خلافاً لأشهب، والقول بالجواز وقع في بعض ألفاظ المدونة، والقول
باشتراط التبريز هو الذي في شهادات المدونة، واختلف الشيوخ؛ فحمله الأكثرون على أنه خلاف كما فعل المصنف، ورأى بعضهم أن ما في أول الشهادات مقيد لغيره.
وفي الرسالة: وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه، وظاهره عدم اشتراط التبريز.
قال صاحب المقدمات والبيان: مذهب ابن القاسم اشتراط التبريز في ستة مسائل: هذه أولها، الثانية: إذا زاد في شهادته أو نقص منها بعد أن شهد بها، والثالثة: شهادة الأجير لمن استأجره إذا لم يكن في عياله، والرابعة: شهادة المولى لمن أعتقه، والخامسة: شهادة الصديق الملاطف لصديقه، والسادسة: شهادة الشريك المفاوض لشريكه في غير مال المفاوضة، وزاد في المقدمات التزكية.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَاً، وَقِيلَ: فِيمَا لا تَتَّضِحُ فِيهِ التُّهْمَةُ) ليس هذا خلافاً على ما تقدم من حكاية المازري الاتفاق، لكن حكاه ابن شاس على أنه خلاف؛ لأنه قال: وأما شهادة الأخ لأخيه فأجازها في الكتاب من رواية ابن القاسم، إلا أن يكون في عياله.
وقال بعض أصحابنا: لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز على شرط، ثم اختلف في تحقيق ذلك الشرط؛ ففي الموازية: لا تجوز شهادته إلا أن يكون مبرزاً.
وقيل: تجوز إذا لم تنله صلته.
وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير إلا أن يكون مبرزاً فتجوز في الكثير.
وقال غير هؤلاء: تقبل الشهادة للأخ إلا فيما تتضح فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب به الشاهد شرفاً وجاهاً أو يدفع به معرة أو تقتضي الطباع والعصبية فيه الغضب والحمية، كشهادته بأن فلاناً قتله، أو يجرح من جرحه.
انتهى.
وقال اللخمي بعد أن ذكر أنه لا تجوز شهادته له فيما تقدم من كلام المازري أنه لا تجوز شهادته فيه: واختلف في شهادته له في الأموال على أربعة أقوال: فقيل: جائزة، وقيل: لا تجوز، وقيل: إن كان مبرزاً جازت وإلا فلا، وقيل: لا تجوز في اليسير دون الكثير.
وقال صاحب البيان: لا خلاف أن شهادته له في الأموال جائزة إذا لم يكن في عيال المشهود له، قيل: مطلقاً، وقيل: بشرط التبريز، وألزم أشهب على قوله بالإجازة في جراح العمد أن يجيزها له في القتل والحدود، قال: إذا لم يراع في جراح العمد ما يقع في ذلك من الحمية.
وقال عياض: قد اختلف في شهادته له في الحدود والقصاص وغير المال مما هو مستور.
وَفِي جَوَازِ تَعْدِيلِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
الجواز لابن القاسم وهو ظاهر المدونة بشرط التبريز؛ لقوله فيها: "إذا لم يكن الأخ والأجير في العيال تجوز شهادتهما إذا كانا مبرزين في الأموال والتعديل؛ وعلى هذا الظاهر حمله الأكثرون، وروى ابن زياد وابن نافع عن [670/ أ] مالك جواز تعديله، وقال بعضهم: المراد بالتعديل هنا تعديل من شهد لأخيه فيكون من باب المال، وبقول أشهب قال ابن نافع وأصبغ وعبد الملك وهو الظاهر؛ لأنه يتشرف بعدالة أخيه له.
وعلى الأول يجرح من جرحه، وعلى الثاني لا يجرح من جرحه، ولابن الماجشون ثالث أنه يعدله ولا يجرح من جرحه واختاره ابن حبيب، وظاهر كلام ابن رشد وغيره أن الخلاف في تجريحه إنما هو إذا جرح بالإسفاه، وأما إذا جرح بالعداوة فيجوز أن يجرح من جرحه، ونقل المازري عن بعض الأشياخ أنه مال إلى رد شهادته وإن جرح بالعداوة؛ لأن في تجريحه بها نقصاً.
المازري: ولعمري إن التهمة فيه لا تتضح اتضاحها إذا ردت شهادة أخيه من ناحية كونه فاسقاً.
وَفِي إِلْحَاقِ أُخُوَّةِ الصَّدَاقَةِ بِأُخُوَّةِ النَّسَبِ قَوْلانِ
المشهور قبول شهادته لصديقه إذا كان ليس في نفقته، ولا يشتمل عليه بره وصلته، وقال ابن كنانة: يقبل في اليسير فقط، وحكى الباجي عن مالك في القبول والرد روايتين، إذا كان الشاهد هو الذي يصل بالمعروف صديقه المشهود له.
وقد تقدم أن ابن القاسم يشترط في ستة مسائل التبريز منها هذه.