التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 297-316
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وقوله: (وَخَارِجِه) الأقرب أنه مجرور بالعطف على ما قبله، ولهذا وقع في بعض النسخ: (وبخارجه)، وجعل ابن عبد السلام خارجه مرفوعاً بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: خارجه حرز لما فيه، ولا حاجة لذلك.
قال في البيان: ولا خلاف أنه حرز وإن غاب عنه هله؛ لأنه قد صار الموضع الذي ينزله من الفلاة منزولاً، وحرز المقاعد لا شركة لأحد فيه، وإن كانوا جماعة مسافرين ضربوا أخبيتهم، فسرق بعضهم بعضاً قطع السارق، ويريد ما لم يكونوا من أهل خباء واحد.
ونقل اللخمي عن محمد بن عبد الحكم عدم القطع، وإن لم يكونوا من أهل خباء واحد، ويؤخذ من كلام اللخمي في سرقة الخباء قولان، فإنه قال: قال مالك في المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجاً عن خبائه، وذهب لاستقاء ماء أو لحاجة وترك متاعه قطع سارقه.
قال: ومن ألقى ثوبه في صحراء، وذهب لحاجة وهو يريد الرجعة ليأخذه فسرقه رجل، فإن كان منزلاً نزله قطع سارقه وإلا لم يقطع.
وقال أشهب في الموازية: إن طرحه بموضع ضيعةفلاقطع فيه، وإن طرحه بقرب منه أو من خبائه أو خباء أصحابه فإن كان سارقه من أهل الخباء قطع.
وقاله يحيى بن جبير.
وقال سحنون: إنما الأمر في الخباء، فإن لم يكن في الخباء فلا قطع.
وَالْقِطَارُ كَذَلِكَ سَائِرَةً أَوْ وَاقِفَةً القطار: الإبل المربوطة بعضها ببعض.
وقوله: (كَذَلِكَ) أن من سرق منها أو ما عليها قطع، وإن غاب أهلها، هذا مقتضى التشبيه، ولا يشترط كذلك مقطورة، فلمالك في الموازية: وإذا سيقت الإبل غير مقطورة فمن سرق منها قطع، والمقطورة أبين، وكذلك الرواحل، قال: وكذلك الإبل إذا سيقت والدواب إلى المرعى.

وَالسَّفِينَةُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا إِذَا أُرْسِيَتْ أَوْ كَانَ مَعَهَا أَحَدٌ حاصله: أن السفينة حرز لأحد أمرين، إما بالإرساء سواء كان معها أحد، سواء كانت مرساة أم لا، وليس بجيد لأن هذا إنما هو في سرقتها نفسها، وأما في سرقة ما فيها فلا، وحكمها حكم صحن الدار مشتركة بين السكان فيها قاله في البيان، فإن سرق بعد الرقاب من بعض وهو على متاعه قطع وإن لم يخرج من السفينة، وإن قام نه لم يقطع وإن خرج به عنها، وإن سرق منها أجنبي وصاحب المتاع على متاعه، فأخذ السارق قبل أن يخرج منها قطع على اختلاف، وإن لم يكن على متاعه لم يقطع اتفاقاً، وأما إن خرج بما سرق منها فإنه يقطع كان صاحب المتاع معه أم لا، وأما سرقة السفينة فكما ذكره المصنف إن أرسيت للمرسى، أو على قرية تصلح للمرسى.
اللخمي: واختلف إذا أرسيت في قرية، وقال ابن القاسم: إذا نزلوا منزلاً ربطوها فيها، وذهبوا لحاجتهم ولم يبق منهم أحد قطع، وقال أشهب في الموازية: لم يقطع كالدابة إذا ربطت في موضع لم تعرف فيه.
وَالْمَطَامِيرُ فِي الْجِبَالِ وَغَيْرِهَا ظاهره سواء اكنت بالحضرة أو لا والمنقول عن مالك في العتبية والموازية خلافه، بقوله: أما ما كان في الفلاة قد أسلمه صاحبه، فلا أرى فيه قطعاً، وأما ما كان بحضرة أهله معروف، فعلى من سرق منها ما قيمته ثلاثة دراهم القطع.
وَالْقَبْرُ حِرْزٌ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ نحوه في المدونة؛ أي: فيقطع من أخرج منه من الكفن ما قيمته ثلاثة دراهم، وهو قول عائشة رضي الله عنها، قالت: سارق موتانا كسارق أحيائنا، ونقل مالك في الموأ العمل عليه، وبه قال الجمهور خلافاً للحنفيةن وأقام بعضهم من مسألة المطامير قولاً بأنه لا يقطع في القبر إلا أن يكون قريباً من الديار.

وَالْبَحْرُ لِمَنْ رُمِيَ فِيهِ كَالْقَبْرِ لأنه رمي فيه على وجه الحفظ فأشبه القبر.
وَالْجَيْبُ وَالْكُمُّ حِرْزٌ لِمَا فِيهِمَا وكذلك الكف وسواء كانت مصرورة أم لا، وهذا مقيد بغير أهل الصنع، فإنه ليس الكم حرزاً مع بعضهم بعضاً، رواه ابن وهب وأشهب عن مالك وقاله ابن الماجشون، ونص على القطع إذا سرق أحد المصلين من كم الآخر؛ لأنه لم يأذن أحدهما للآخر في الكون هنا والأحكام جرت إليه، واختار اللخمي القطع في المنع إذا سرق من كم صاحبه، قال: وإن سرق نعلين من جملة النعال لم يقطع؛ لأنه مأذون له ومؤتمن عليه معها وإن يسيرة من جملتها فيصير خائناً.
وَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ صَاحِبِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهُوَ مُحْرَزٌ هو ظاهر ويقع في بعض النسخ قبل هذه كلية أخرى: (وكل شيء له مكان فمكانه حرز) وهي أيضاً ظاهرة.
اللخمي: والأحرازثلاثة: أحدها: ما حده الغلق وشبهه كالدور والحوانيت، والثاني: الإنسان لما عليه أو معه أو كرسيه وهو يقظان أو نائم، فمن سرق من هذين قطع بلا خلاف، والثالث: ما عداهما كالذي يجعل في الأفنية وعلى الحبل ففيه اضطراب.
فرع: في المدونة: ومن جر ثوباً منشوراً على حائط بعضه في الدار وبعضه خارج إلى الطريق لم يقطع؛ لدرء الحد بالشبهة، إذ بعضه في موضع الإباحة، وروي عن ابن القاسم وغيره أنه يقطع بمنزلة ما [737/ب] على البعير، واختلف عن مالك فيما على حبل الصباغ

والقصار، وقال في الغاسل: يخرج الثياب إلى البحر يغسلها وينشرها، وهو معها يسرق منها أنه يقطع بمنزلة الغنم في مراحلها.
وَالْحَمَّامُ بالْحَارِسِ حِرْزٌ، وَبِغَيْرِهِ حِرْزٌ عَنِ النَّقْبِ وَالتَّسَوُّورِ يعني: أن الحمام إما أن يكون بحارس أم لا، فإن كان فهو حرز.
أبو عمران: وسواء أقامه صاحب الثياب أو صاحب الحمام؛ لأنه أقيم للحفظ فيهما، وقيده اللخمي بما إذا لم يأذن له الحارس في تقليب الثياب، فقال: إن سرق من الحارس من ليس له عنده ثياب قطع، إلا أن يوهمه أن له عنده ثياباً فأذن له في النظر في الثياب فلا يقطع، وإن كان له عنده ثياب فناوله إياه الحارس، فمد يده إلى غيرها قطع.
ابن رشد: وحيث قلنا بالقطع فذلك ما لم يدع أنه أخطأ، فإن ادعاه صدق إذا أشبه، قال: وإن كان معها من يحرسها فلا قطع حتى يخرج بها إن كان داخلاً يتحمم لأنه أذن له، وإن دخل للسرقة فأخذ قبل أن يخرج فيجري على الاختلاف في سرقة الأجنبي من بعض بيوت الدار المشتركة، وأما إن لم يكن بحارس، ففي المدونة كما قال المصنف: (وَحِرْزٌ عَنِ النِّقْبِ وَالتَّسَوُّرِ) أي: لأنه لا يؤذن له في الدخول على هذا الوجه، وإنما أذن له في الدخول من الباب.
عياض: وقد تشكل هذا المسألة على كثير ممن لم يذاكر، فيظن أنه إنما يقطع من نقب الحمام، ولم يدخل من بابه وليس كذلك، بل كل من دخل الحمام وسرق من نقب أو غيره ممن لم يدخل مع الناس داخل الحمام، أو اعترف أنه جاء لقصد السرقة فإنه يقطع؛ لأن العلة في سقوط القطع الإذن العرفي بالتصرف في ثياب بعضهم فتنحيها ليسعون لأنفسهم أو ثيابهم، بخلاف من اعترف أنه لم يدخل الحمام إلا للسرقة فإنه أذن له.
انتهى.
ولهذا قال اللخمي بالقطع بالثياب التي في الطيقان سواء كان ممن دخل الحمام أم لا؛ لأنه لا إذن له فيها، وإنما هي لمن سبق إلا أن تكون لهم عادة في المشاركة التوسع في ذلك طيقاناً كباراً.

وَالْمَسْجِدُ حِرْزٌ لِبَابِهِ وَسَقْفِهِ لم يذكر في ذلك خلافاً، لكن اختلف في بلاط المسجد هل يقطع سارقه، ويعسر الفرقبينه وبين باب المسجد، وكلامه يقتضي أنه لا يقطع حتى يخرج بذلك من المسجد؛ لجعله المسجد حرزاً، والصواب لو قال: وموضع الباب والسقف حرز؛ لأنه يجب القطع وإن لم يخرج من المسجد، نص عليه صاحب البيان وغيره، ونص عليه مالك في الواضحة في البلاط والحصر والقناديل.
وَفِي الْقَنَادِيلِ ثَالِثُهَا: حِرْزٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهَا غَلْقٌ القول بالقطع كان عليها غلق أم لا لمالك، وسُوِّي بين الليل والنهار، وقاله ابن الماجشون وأصبغ، ومقابله لأشهب نظراً إلى الإذن، ورأى في الأول أن الإذن لي سمن قبيل المالك حتى يكون كالضيف، وإنما هو شيء أوجبه الحكم، فلا يرفع القطع، والقول الثالث: لم أرَهُ هنا منصوصاً، نعم أشار اللخمي إلى تخريج قول ابن القاسم الذي في الحصير: إن سرقها نهاراً لم يقطع وإن تعدى عليه ليلاً يقطع، ولما أخذ يوجب ذكره على نحو ما ذكره المصنف، فجعل الليل عبارة عن الغلق.
وَفِي الْحُصْرِ إِنْ رُبطَ بَعْضُهَا ببَعْضٍ القطع لمالك، ومقابله لأشهب كما ذكرنا، والثالث لابن القاسم، والرابع لسحنون فرق بين ما يخف نقلها وما لا يخف.
اللخمي: وعلى قوله: لا يقطع في القناديل ويقطع في بلاطه.
وَالْبُسُطُ الْمَتْرُوكَةُ فِيهِ كَالْحُصْرِ بخِلافِ مَا يُحْمَلُ وَيُرَدُّ إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا حَافِظٌ ظاهره أن الأقوال الأربعة جارية هنا، ولعلها بالتحريم إذ ليست منصوصة هنا، ويحتمل أن يكون مراده بحكايته التشبيه الواقع في رواية ابن الماجشون، قال في الرواية: إذا

كانت الطنافس تترك فيها ليلاً ونهاراً فهو كالحصر، وأما طنافس تحمل ترد وربما نسيها صاحبها فلا يقطع فيها وإن كان على المسجد قفل؛ لأن الغلق لم يكن من أجله ونحوه لابن القاسم.
فرع: نقل ابن الماجشون عن مالك: القطع في حلي باب الكعبة، مالك: ولا قطع فيما سرقه من حلي الكعبة، قال الشيوخ: معناه إذا سرق في قوت فتحه، وإن سرق منه في وقت لم يؤذن فيه ولم يفتح قطع، مالك: وإن كان في المسجد بيت لحصره أو لزكاة الفطر أو غير ذلك، فلا قطع من دخله بإذن، ويقطع من لم يدخله بإذن إذا أخرجه إلى المسجد، وإن وضعت زكاة الفطر في المسجد؛ يعني: وليس ببيت لا يقطع إلا أن يكون معها حارس، قاله مالك واختاره ابن حبيب، ونقل في البيان قولاً آخر بأنها كالحصر يقطع فيها وإن لم يكن لها حارس، وأشار اللخمي إلى أنه يدخل على هذا الخلاف الذي في الحصر.
ابن القاسم: وإن جعل ثوبه قريباً منه، ثم قام يصلي فسرقه رجل قطع إذا أخذ وقد قبضه قبل أن يتوجه به، قال: ولو قلت لا يقطع حتى يتوجه، لقلت لا يقطع حتى يخرج من المسجد.
وَلا يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إِلا فِيمَا [738/أ] حُجِرَ عَنْهُ فِي مَسْكَنٍ آخَرَ قد تقدم في هذا خلاف في الدار الثالث من كلام ابن رشد.
عياض: ولا خلاف فيما سرقه أحد الزوجين من صاحبه فيما لم يغلقه دونه ولم يحجره عنه، ولا خلاف في القطع في سرقة أحدهما من الآخر ما هو خارج عن مسكنه ما لم يؤذن له في التصرف فيه.
وَيُقْطَعُ وَلَدُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَعَبْدُهُ فِيمَا حُجِرَ عَنْهُ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِهِ هذا الفرع من بعض النسخ وهو الأظهر؛ لأنه إذا قطع أحد الزوجين فيما حجر عنه، فأن يقطع ولد أحدهما أو عبده من باب أولى.

وَلا يُقْطَعُ الْعَبْدُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ يعني: وإن سرق من موضع محجور وهذا هو المشهور، وقال أبو مصعب: يقطع إذا سرق من موضع حجب عنه، وفي مختصر الوقار نحوه، والأول مذهب الجمهور، وقاله عمرو ابن مسعود رضي الله عنهما.
ابن عبد البر: ولا أعلم لهما مخالفاً من الصحابة والتابعين، ورجح أيضاً بأن للعبد شبهة في مال سيده بالاتفاق عليه منه، وليس معاوضة كالزوجة، ولأن القطع حفظ المال، فوي القطع هنا زيادة عليه في المال، قال في الموازية: كذلك لا يقطع العبد المشترك إذاسرق من أحد سيديه، والمكاتب كالعبد نص عليه في المدونة.
وَلا يُقْطَعُ الضَّيْفُ، وَلا مَنْ دَخَلَ فِي صَنِيعٍ هذه هي الدار الرابعة المتقدمة من كلام ابن رشد، الصنيع: الطعام يعمل سواء كانلقوم مخصوصين أم لا.
وَلا قَطْعَ فِي تَمْرٍ مُعَلَّقٍ حَتَّى يُؤْوِيِيهِ الْجَرِينُ قد تقدم هذا في الحديث، وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن يكون في حائط عليه غلق أم لا، وهو قول ابن الماجشون قال: إذا كان الحائط محصناً مغلقاً على ما فيه، وفيه التمر والودي واللَّقَط، فما سرق من تمر علىلنخل أو دي أو لقط فلا قطع فيه، ويقطع فيما كان من المربد من قبل أن اللَّقط بمنزلة ما في رؤوسها، وقال ابن المواز: إنما يريد بالحديث في التمر الحرز، قال: ولو دخل السارق داراً فسرق من تمرها المعلق في رأس النخلة، أو كان مجدوداً في منزله لقطع، إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار، وألزمه اللخمي إذا كان النخل والكرم وغيرها عليه غلق، وعلم أنه احتيط عليه من السارق أنه يقطع؛ لأنه جعل الوجه وجود الحرز وعدمه، وظاهر قوله: (حَتَّى يُؤْوِيهَا الْجَرِينُ) أنه

لا قطع فيه حتى يؤويه الجرين، واختلف إذا سرق منه بعد حصاده، وهو في موضع لينقل منه إلى الجرين على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يضم بعضه إلى بعض فيجب القطع أو لا فلا قطع، لا خلاف في القطع إذا كان عليه حارس، وأيضاً لا خلاف في القطع إذا سرق منه في حال نقله من أجل أنه حامله، وهل لا يقطع في الجرين إلا أن يكون قريباً من البيوت أو يقطع مطلقاً قولان.
وَلا فِيمَا عَلَى صَبيِّ أَوْ مَعَهُ مِنْ حُلِيِّ أَوْ ثِيَابٍ إِلا بحَافِظٍ هذا مقيد بقيدين: أولهما: ألا يضبط الصبي ما بيده أو معه، وقال في المدونة: وإذا كان مثله يحرز ما عليه، قطع سارقه مستسراً.
وثانيهما: ألا يكون في حرز كدار أبويه، فإن كان في دارهما قطع، إلا أن يكون السارق أذن له في الدخول.
وقوله: (إِلا بحَافِظٍ) ظاهر، ولا خلاف فيه، ابن القاسم: وإن أخذ ذلك على وجه الخديعة كسرقة الصبي أو كافر، كان فيه الأدب، والمجنون كالصبي، وجعل اللخمي النائم مثله، قال: وليس في حديث صفوان حيث توسد رداءه فسرق أنه كان نائماً.
وَلَوْ نَقَلَهُ وَلَمْ يُخْرِجُهُ لَمْ يُقْطَعْ هذا راجع إلى قوله: (مُخْرَجاً)؛ يعني: ولو نقل السارق المتاع في الحرز من مكان إلى مكان، أو عقده ليرفعه ثم أخذ لم يقطع، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وَلَوْ نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ فَإِنْ كَاناَ مُتَّفِقَيْنِ قُطِعاَ وَإِلا فَلا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذا تعاونا فإن فعلهما كفعل واحد، ولا يبعد أن يخرج فيها قول بقطع الخارج فقط، كما قيل: إذا ربطها أحدهما وأخرجها الآخر، واما إذا لم يتعاونا فقال ابن شاس وغيره: لا قطع

على واحد منهام كما قال المصنف، ووجهه: أن مجرد النقب لا يوجب القطع، ولما حصل النقب لم تبقَ حرزاً، والظاهر أنه خلاف ما في المدونة، ففيها: ولو قربه أحدهما إلى باب الحرز أو النقب فتناوله الخارج، قطع الخارج وحده؛ إذ هو أخرجه ولا يقطع الداخل.
اللخمي: وقال أشهب في الموازية: يقطعان جميعاً، فإن قيل مسألة المصنف؛ لأنه قال في المدونة: ولو قربه قيل: التقريب وصف طردي لا تأثير له بالنسبة إلى الخارج.
وَلَوِ اتَّفَقَا فِي النَّقْبِ خَاصَّةً فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ إن تعاونا في النقب خاصة، وإن تولى أحدهما بعد ذلك الإخراج قطع وحده؛ لأن الإخراج لم يحصل منه إلا النقب.
فَلَوْ نَاوَلَهُ الآخَرُ خَارِجَهُ فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ لا إشكال في قطع الخارج لإخراجه المتاع من حرزه، وفي الداخل قولان، قال ابن القاسم في المدونة وغيرها: لا يقطع لإعانته في الحرز، وقال أشهب: يقطعان، واختلف إذا ناول من هو في أسفل الدار من هو في أعلاها: هل يقطع الأسفل؟ واختار [738/ب] اللخمي: عدم القطع.
كَمَا لَوْ رَبَطَهُ بحَبْلٍ فَجَذَبَهُ أي: فجذبه الخارج، ومذهب المدونة أنهما يقطعان، وقال اللخمي عن مالك: إنه يقطع الخارج.
اللخمي: والصواب في هذين السؤالين يعني في هذا والذي قبله، والذي حمل على ظهره وما أشبه ذلك من كل معونة كانت داخل الحرز لا قطع عليهن وأن القطع على الخارج وحده.

وَلَوِ الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْبِ قُطِعَا هكذا قال في المدونة: إذا التقت أيديهما في المناولة وسط النقب، أنهما يقطعان، اللخمي: وكان الأصل على قول ابن القاسم، ألا يقطع الداخل؛ لأن معونته في الحرز، والنقب من الحرز ونحوه للتونسي.
فَلَوْ أُخِذَ دَاخِلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْمَتَاعِ خَارِجَهُ تَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ، وَالْمَشْهُورُ: يُقْطَعُ عبر في المدونة بلفظ الشك لا بلفظ الوقف، ولهذا يقال: إن مالكاً شك في المدونة في مسألتين: الأولى: هذه والثانية: إذا خلف ألا يكلمه الدهر ففيها: وأخذ في الحرز بعد إلقاء المتاع خارجه فقد شك فيه مالك بعد أن قال يقطع، وأنا أرى أن يقطع، وروى عنه أشهب وابن عبد الحكم القطع، وهو الذي في الجلاب، فلذلك شهره المصنف، وهو الأظهر؛ لأنه قد أخرج المال من حرزه.
اللخمي: واختلف إذا رمى المسروق فوقع في نار أو كان زجاجاً فتكسر، هل لا يقطع كما لو هلك في الحرز أو يقطع؟ اللخمي: وهو أحسن، ونقل ابن يونس عن عبد الملك أنهإن قصد إتلافه فلا قطع عليه، وما اكن على غير هذا يرى ليخرج فيأخذه، فإنه يقطع هلك أو بقي في الحرز.
وَلَوِ ابْتَلَعَ دُرَّةً وَخَرَجَ قُطِعَ وهكذا الدينار ونحوه لأن ابتلاعه ليس استهلاكاً له، بخلاف الطعام يأكله في الحرز قيمته ربع دينار فأكثر، فلاقطع لاستهلاكه في أمرين وكذلك لو دهن رأسه ولحيته بدهن يساوي ربع دينار لا قطع عليه إلا أن يساوي بعد سلته ربع دينار، وكذلك الشاة يذبحها ثم يخرجها مذبوحة.

وَلَوْ أَشَارَ إِلَى شَاةٍ بالْعَلَفِ فَخَرَجتْ مِنَ الْحِرْزِ فَقَوْلانِ القطع لمالك واختاره اللخمي وابن رشد، وبه قال ابن القاسم وأشهب في العتبية، قال عبد الملك: لأنه في معنى من دخل فأخرجها، ونفى القطع لمالك في العتبية، واختاره ابن المواز وأنكر الأول؛ لأنه لا يتحقق أنه المخرج لها، في معنى هذه المسألة من أشار إلى صبي أو أعجمي.
وَلَوْ حَمَلَ عَبْداً غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ خَدَعَهُ فَأَخَذَهُ قُطِعَ بخِلافِ الْمُمَيِّزِ قال في البيان: لا خلاف في الصبي الصغير الذي لا يعقل إذا دخل إليه فأخرجه من حرز أنه يقطع إذا كان عبداً.
وقوله: (أَوْ خَدَعَهُ) ظاهره أنه عائد على الصغيرِ والأعجميُّ مساوٍ له في ذلك، ففي المدونة أن من سرق عبداً كبيراً فصيحاً لم يقطع وإن كان أعجمياً قطع، وكذلك لو أخدعه؛ أي قال له مثلاً: سيدك أرسلني، وفي الموازية: لا يقطع إذا أخدعه، ابن نافع: وإن راطنه بلسان حتى خرج إليه طوعاً لم يقطع.
اللخمي: يريد إذا دعاه ليخرج إليه ويذهب به فأطاعه، ولو غره فقال له: سيدك بعثني لآتيه بك، لقطع، وكذلك قال أبو مران: إذا راطنه فقال: إني اشتريتك، قطع.
وَلَوْ أَخَذَ اخْتِلاساً أَوْ مُكَابَرَةً عَلَى غَيْرِ حِرَابَةٍ فَلا يُقْطَعُ هذا راجع إلى القيد الآخر وهو الاستسرار، والمكابرة إذا كانت على غير وجه المحاربة راجعة إلى الغصب والغاصب لا يقطع.
وَلَوْ أُخِذَ فِي الْحِرْزِ فَهَرَبَ بمَا مَعَهُ لَمْ يُقْطَعْ وسواء علم أهل البيت بما سرقه أم لا، سواء أمسك السارق، وقد كان اتَّزر بإزار ثم هرب وهو عليه؛ لأنه لم يخرج به على وجه السرقة، وإنما خرج به على وجه الاختلاس.

وَلَوْ تَرَكَهُ وَأَحْضَرَ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَلَوْ شَاءَ لَمَنَعَهُ فَثَالِثُهَا: قَالَ مَالِكٌ: إِنْ شَعَرَ بهِ فَهَرَبَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِلا قُطِِعَ ... فقد أخذ المتاع مستسراً لا يعلم أن أحداً أبداه، لكن في نسبته لمالك نظر، ولم أره وإنما نسبه ابن شاس لبعض المتأاخرين لعله ابن يونس، فإنه قال: إن رآهم السارق فهرب فهو مختلس، وإن خرج من الدار وهو لم يرَهم فهو سارق يجب قطعه.
ابن عبد السلام: وهو التحقيق.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ فَسَرِقَةُ الْحُرِّ الصَّغِيرِ إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ حِرْزِ مِثْلِهِ وَقَالَ بهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةَ .... المشهور ما ذكره بشرط ألا يعقل مثل الصغير ما يراد منه، وروى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل يسرق الصبيان ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يده، فقال: انفرد به عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، وهو كثير الخطأ على هشام ضعيف الحديث، وإذا وجب القطع لحفظ المال فحفظ النسب أولى، ورد الأبهري قول من قال أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب القطع في المال، فوجب ألا يقطع إلا فيما له قيمة؛ لأن الحر له بدل وهي الدية، وقال عبد الملك من أصحابنا: لايقطع لأنه ليس بمال، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهما.
الباجي: ومعنى الحرز هنا أن يكون في دار أهله، رواه ابن وهب [739/أ] عن مالك.
محمد: وكذلك إذا كان معه من يخدمه، واستشكل اللخمي كون الدار حرزاً؛ لأنه لا يقصد بها حفظاً إلا أن يكون البلد يخشى فيها سرقة الأطفال، ويقصد بمكانه في الدار حفظه.

وَهُمْ: سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَارِجَةُ بنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ... هكذا في بعض النسخ.
وَشَرْطُ السَّارِقِ: التَّكْلِيفُ فَيُقْطَعُ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالذَّمِّيُّ، وَالْمُعَاهَدُ وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ لِمِثْلِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا ... لما فرغ من الركن الأول وهو المسروق شرع في الثاني وهو السارق، وشرط في مؤاخذته التكليف، والمراد به العقل والبلوغ فلهذا يقطع الحر والعبد والذمي والمعاهد لأنهم مكلفون، وما ذكره في المعاهد هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: لا قطع عليه إن سرق، ولا على من سرق منه وإن سرق ثم جُنَّ لم يقطع حتى يفيق، وكذلك لو طرأ له سكر، وقال اللخمي: لو قطع في سكره لكان له وجه، وليس القطع كالضرب؛ لأن المقصود في الضرب الألم، والطافح لا يجد الألم بخلاف القطع فإنه يقصد به النكال والعظة لغيره وفيه نظر، فإن الألم أيضاً مقصود فيه.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ لِمِثْلَهِمْ) يعني: أن العبد يقطع وإن سرق العبد، وكذلك الذمي، وكذلك المعاهد، وفي بعض النسخ: (لمثلهما) فيعود على المعاهد والذمي، وفي بعض النسخ: منهما وهي بمعناها، وأما إن كان قطع السارق من باب دفع الفساد لم يشترط في سرقة بعضهم من بعض المرافعة؛ لأن ذلك إنما يشترط في الأحكام.
وَتَثْبُتُ بالإِقْرَارِ وَبالشِّهَادَةِ أعاد الباء مع الشهادة ليعيد استقلال كل واحد منهما بالثبوت.

فَإِنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ ثَبَتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ، وَفِي غَيْرِ شُبْهَةٍ رِوَايَتَانِ هذا كما تقدم في الإقرار بالزنى، واختلف فيمن أقر بتهديد على أقوال: الأول: لا يقطع وهو مذهب المدونة ففيها: ومن أقر بشيء من الحدود بوعيد أو سجن أو قيد أو ضرب، قيل: وذلك كله إكراه، وإن تمادى على إقراره بعد زوال الإكراه حبس حتى يستبرأ أمره، فإن تمادى على إقراره بعد أن أمن أو أتى بما يعرف صدقه، مثل: أن يعين المسروق ونحوه فإنه يحد وإلا لم يحد في قطع ولا غيره كأن الذي كان من إقراره أول مرة قد انقطع، وهذا كأنه إقرار حادث، وإن أخرج السرقة والقتيل في حال التهديد لم أقتله ولم أقطعه حتى يقر بعد ذلك آمناً، زاد اللخمي عن ابنا لقاسم أن يضاف إلى ذلك من أخباره ما يدل على صحة ذلك مثل أن يقول: اشتريت وفعلت كذا على صفة كذا، فيذكر من بساط الأمر كذا وابتدائه كذا وانتهائه ما يعلم أنه خارج عن إقرار المكرَه، وقال مالك في الموازية: يقطع إذا عين السرقة إلا أن يقول دفعها إليَّ فلان، وإنما أقررت لَمِا أصابني من الألم، قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها لا يقر بعينها، وقال أشهب: إذا أخرج السرقة قطع وإن بَعد سجن وقيد ووعيد، وإن نزع لم يقبل نزوعه، وأما إن لم يعين فلا يحد أبداً، وإن ثبت على إقراره؛ لأنه يخاف أن يعاد إلى مثل الأول، وقال سحنون: إذا أقر في السجن أو حبسه السلطان في حق وكان من أهل العدل لزمه إقراره، وقال: وليس من حبس في حق أو باطل سواء، فإن عدد كالزيادة التي زادها.
اللخمي: وعن ابن القاسم وفاقاً له لو لم يكن في المسألة إلا أربعة، وإلا فهي خمسة وإليه ذهب اللخمي وغيره.
وَلَوْ رُدَّ الْيَمِينُ فَحَلَفَ الطَّالِبُ ثَبَتَ الْغُرْمُ يعني: لو رد المدعى عليه السرقة اليمين التي توجهت عليه بسبب دعوى السرقة، فحلف المدعي لزم المدعى عليه الغرم دون القطع، ولم يبين المصنف الذي تجب فيه اليمين

على المدعى عليه، وفي المدونة: ومن ادعى علىرجل أنه سرقه لم أحلفه إلا أن يكون متهماً متصفاً بذلك، فإنه يحلف ويهدد ويسجن والألم يعرض له، فإن كان من أهل الفضل وممن لا يشار إليه بهذا أدب المدعي، ومتهم معروف بمثل هذا فيحلف ويهدد ويسجن على قدر اجتهاد الحاكم، ومتوسط الحال بين هذين فعليه اليمين فقط، وقال ابن يونس في كتاب الغصب: لا يمين على المتوسط، قيل: وهو أظهر.
وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الْقَطْعَ دُونَ الْغُرْمِ لأن الحد لله ولا يتهم العبد فيه بخلاف المال، فإنه حق للسيد، ومتهم البد في إخراجه عن السيد والمكاتب والمدبر وأم الولد كالعبد إذا عينوا السرقة بعض القرويين، وكذلك إذا لم يعينوه وتمادوا على الإقرار، ولعل المصنف أراد بالعبد ما هو أعم من القن، وإن كذبهم وقال: بل ذلك متاع، فالقول قول السيد مع يمينه، إلا في المكاتب والعبد الأذون له، وما ذكره من إعمال قول العبد في القطع.
اللخمي: هو المعروف، ولأشهب في الموازية: إذا أقر العبد بالقتل وعينه، وقال: ها هو ذا وأنا قتلت، أنه لا يقبل قوله، وإن عين إلا أن يكون معه أو يرى يتبعه ونحوه.
وَيَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ برَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثَبَتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ ... يحتمل أن تكون تثبت [739/ب] بالتاء السرقة، أو بالياء القطع، ولا تقبل الشهادة مجملة، بل لابد أن يسأل الشهود عن السرقة وما هي ومن أين أخرجها وإلى أين، وكلامه ظاهر؛ لأن المرأتين أوا لرجل واليمين لا يفيدون في الحدود.

وَمُوجَبُهُ: الْقَطْعُ وَالْغُرْمُ مَعَ قِيَامِهِ، فَإِنْ تَلِفَ وَهُوَ مُوسِرٌ مِنْ حِينِ السِّرِقَةِ إِلَى حِينِ الْقَطْعِ غَرِمَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلَى حِينِ الْقِيَامِ وَإِلا لَمْ يَغْرَمْ.
وَقِيلَ؛ يَغْرَمُهُ مُطْلَقاً ... أي: موجب الثبوت، وفي بعض النسخ: (وموجبها)؛ أي: السرقة القطع بنص الآية، ورد المال مع قيامه بالإجماع، نقله صاحب المقدمات.
قوله: (فَإِنْ تَلِفَ) أي: المال المسروق، والسارق متصل اليسار من حين السرقة إلى حين القطع غرمه، وإن كان عديماً أو عدم في بعض المدة سقط عنه الغرم؛ لأنه لا تجتمع عليه عقوبتان قطع يده وإتباع ذمته، بخلاف اليسار المتصل فإنها كالقائمة وليس ثم عقوبة ثانية، ورأى أشهب أنه لا غرم عليه إلا أن يتساوى يسره بعد القطع إلى يوم يحكم عليه بالقيمة، فإن كان متصل اليسار إلى القطع ثم أعسر بعده وقبل الحكم لم يغرم؛ يعني: وإن لم يتصل اليسار إلى حين القطع على قول ابن القاسم، ولا إلى حين القيام على قول أشهب لم يقطع، وقيل: يغرم مطلقاً؛ أي: اتصل يساره أم لا؛ لأن القطع حق لله تعالى، والغرم حق للآدمي، فلا يسقط أحدهما الآخر، وهو مذهب الشافعي وأحمد وعبد الوهاب، وقال بعض شيوخنا: والقيمة م لاقيمة استحسان، والقياس لا يلزمه شيء؛ لأنه لو لزمه مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون أخذ لها ثمناً واختلط بماله وهذا القياس، قال أبو حنيفة: وله ما خرجه النسائي عن عبد اله بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لاَ يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ".
أبو عمر: إلا أنه حديث ليس بالقوي.
فروع: الأول: اعتبار اتصال اليسر، لو سرق لجماعة واتصل يسره لتحاصَّ الجميع فيما بيده وإن تخلل ذلك عسر، سقط حق من سرق ماله قبل العسر.

الثاني: لو لم يقم للطالب إلا شاهد واحد، وقال: سرقت من حرز، وقال السارق: بل من غيره، أو ذهبت يمين السارق بأمر من الله تعالى، فقال ابن القاسم: يضمن السارق ضمان الغاصب، وقال أشهب: يضمنها على ما تقدم.
اللخمي: وكذلك إن اعترف أنه سرق من حرز ثم رجع وسقط عند الحد، فيها القولان أيضاً، إن كانت السرقة من غير حرز أقل من ربع دينار لأتبع بها في الإعسار باتفاق.
الثالث: لو باع السارق السرقة فاستهلكها المشتري، فإن أجاز بها البيع لم يتبع السارق بالثمن إلا أن يتصل يسره كما تقدم، وإن لم يجزه وأخذ قيمة المبيع من المشتري وكالاستحقاق، فللمشتري أن يرجع على السارق، فإن كان المشتري عديماً رجع بها على السارق؛ لأنه غريم غريمه، ولو كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من لاثمن الذي باع به السارق وأخذ المسروق منه القيمة، وكان الفاضل للمشتري تبيعه هو به، وإن كانت القيمة أكثر من الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده واتبع المشتري بفاضل القيمة.
وَتُقْطَعُ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ وتُحْسَمُ بالنَّارِ ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُغَرَّبُ وَيُحْبَسُ ... الإجماع على قطع اليمنى أولاً وحسمت بالنار خوف الهلاك وكلامه ظاهر، وذكر المصنف أنه في الخامسة يعزر ويحبس وهو المشهور، وقال أبو مصعب: يقتل، وروى النسائي حديثاً كقوله إلا أنه ضعيف، وقال: لا أعلم في ذلك حديثاً.
وَلَوْ كَانَتْ شَلاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الأَصَابِعِ أَوْ أَكْثَرِهَا فَكَالْعَدَمِ، فَيَنْتَقِلُ، وَقِيلَ: إِنْ سَقَطَ الانْتِفَاعُ ... أي: كانت اليمنى شلاء أو ناقصة، وجمع المصنف مسألتين وأجاب بأنها كالعدم، فلا يقطع وينتقل إلى غيرها، وفهم من قوله: (أَوْ أَكْثَرِ) وهو ثلاثة أصابع أنها لو كانت

ناقصة الأقل لقطعت، وهو صادق على صورتين: إذا نقصت أصبعاً أو أصبعين والمنقول في الأصبع القطع، واختلف قول مالك في الأصبعين.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ سَقَطَ الانْتِفَاعُ) خاص باليد الشلاء وهو لابن وهب؛ لأنه قال في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع اليد الشلاء إن كنات ينتفع بها، وعن أبي مصعب: تقطع اليد الشلاء مطلقاً.
وَعَلَى الانْتِقَالِ فَقِيلَ: يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقِيلَ: رِجْلُهُ الْيُسْرَى وإذا فرعنا على الانتقال، وفي معنى ذلك إذا سرق ولا يمين له، والقولان في المدونة قال: تقطع رجله اليسرى ثم أمر بمحوه، وقال: اقطع يده اليسرى.
ابن القاسم: وأراه تأول قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: 38] وبالأول أخذ، وعارض اللخمي ما أخذ به ابن القاسم هنا بقوله في الموازية: إذا قطعت اليمنى في قصاص أو غيره أنه يقطع يده اليسرى، والأول أليق؛ لأن اليد الجانية، وهذه إحدى ممحوات الأربع.
وَلَوْ قَطَعَ الْجَلادُ أَوِ الإِمَامُ الْيُسْرَى عَمْداً فَلَهُ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ باقٍ، وَخَطَأً يُجْزِئُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ عَقْلُهَا وَالْحَدُّ بَاقٍ ... يعني: إذا كان [740/أ] قطع اليمنى فأمر الإمام بقطع اليسرى متعمداً مع علمه بأن سنة القطع في اليمنى، أو قطعها الجلاد أيضاً متعمداً، لم يرفع القطع عن السرقة وتقطع اليمنى، ويكون له أن يقتص منهما، وإن كان خطأ فقال: تجزئ ولا تقطع يمينه ولا شيء على الإمام والجلاد، وقال ابن الماجشون: لا تجزئ، قال: وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجب الله فيه القطع، ويكون عقل الشمال في مال السلطان خاصة إن كان هو المخطئ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو المخطئ، قال: وإليه

رجع مالك وهو الأقرب؛ لأن تقديم اليمنى على اليسار إن كان واجباً فقد تم المطلوب، وإن كان مستحبًّاً لزم الإجزاء في مسألة العمد، ولو تعمد ذلك السارق ودلس على الإمام والجلاد، ففي الموازية يجزئ.
اللخمي: وعلى ما في الواضحة لا يجزئه.
وَعَلَى الإِجْزَاءِ لَوْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْيُسْرَى عِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ ... أي: وإذا فرعنا على القول الأول فلو سرق ثانياً، فقال ابن القاسم في المدونة: تقطع رجله اليمنى لطلب المخالفة؛ لأن سنة القطع الخلاف، وقال ابن نافع: تقطع رجله اليسرى؛ لأن قطع اليد اليسرى أولاً كان على وجه الخطأ فلا يتعمد موافقته.
وَلَوْ سَقَطَتِ الْيُمْنَى بآفَةٍ سَقَطَ الْحَدُّ إذا ذهبت اليمنى بأمر من الله تعالى، زاد اللخمي: أو تعمد من إنسان، فقال مالك: لا يقطع منه شيء؛ لأن القطع قد كان وجب فيها.
اللخمي: وعلىقياس قوله أن الشمال تجزئه ألا يسقط عنه القطع وتقطع شماله أو رجله، وكذلك لو أخطأ الإمام فقطع رجله اليسرى مع وجود اليمنى فإنها لا تجزئه.
وَمَا تَكَرَّرَ مِنَ السَّرِقَةِ قَبْلَ الْحَدِّ فَكَمَرَّةٍ، كَتَكَرُّرِ الزِّنَى، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ واحترز بقوله: (قَبْلَ الْحَدِّ) مما لو تكرر بعده فيجب تكرره كما تقدم، وسواء كان من ملك واحد أو متعدد.
وقوله: (فَكَمَرَّةٍ) أي: فلا يقطع إلا عضو واحد.
أبوعمر: ولا أعلم فيه خلافاً ثم قاس ذلك على تكرار الزنى أو الشرب والقذف، وفهم منه أيضاً الحكم في المسائل.

وَتَتَداخَلُ الْحُدُودُ الْمُتِّحِدَةُ وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا كَحَدِّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، بخِلافِ الزِّنَى وَالْقَذْفِ أَوِ الشُّرْبِ ... وقوله: (وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا) بكسر الجيم أي سببها كحد الشرب والقذف، وحاصله أنه إن اتحد ولا التفات إلى تعدد السبب، وإن اختلف الحد تعدد كحد الزنى م القذف أو مع الشرب، وخرج اللخمي تعدد الحد في القذف والشرب من أحد القولين إذا قذف جماعة.
ابن عبد السلام: وهو تخريج صحيح.
ابن عبد السلام: وقد يقال إنما قيل بالتعدد بالقذف لما يلحق كل واحد من المعرة بخلافه هنا، ونقل عن عبد الملك أنه إذا زنى وشرب وقذف يحد مائة، ويدخل القذف والشرب في الزنى.
وَيَاتِي الْقَتْلُ عَلَى حَدِّ الزِّنَى وَالقَطْعِ وَالشُّرْبِ وَلا يَاتِي عَلَى حَدِّ الْقَذفِ يعني: إذا لزمه قتل وحدود فالقتل يأتي على ذلك كله إلا القذف، فإنه يحد له أولاً ثم يقتل لعار المقذوف إن لم يحد له.
وَلا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بالتَّوْبَةِ وَلا بالْعَدَالَةِ وَلا بطُولِ الزَّمَانِ مَعَهَا هذا مخصوص بما سيذكره في الحرابة حيث قال: تسقط الحرابة بالتوبة قبل الظفر، لا يقال: الحد لم يثبت في الحرابة حتى يسقط فلا يحتاج إلى استتابة؛ لأنا نقول: الحرابة هي سبب وجود الحد وقد وجد، ويدل على ما ذكره المصنف حديث الغامدية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن توبتها وأقام الحد عليها.

الْحِرَابَةُ: كُلُّ فِعْلِ يُقْصَدُ بهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ تَتَعَذَّرُ الاسْتِغَاثَةُ عَادَةً مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ حُرَّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأَمَنٍ ...

عبر ب

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل