مثاله المسألة التي ذكرها المصنف: رجل توفي وترك ابنين وابنتين، المسألة من ستة، لِكُلِّ ذَكَرٍ سهمان، ثم مات أحد الابنين وترك امرأة وابنة وثلاثة بني ابن، ففريضته من ثمانية، ومنها تصح؛ للزوج سهم، وللابنة أربعة، ولكل ابن ابن سهم، وسهام الميت الثاني اثنان يوافقان فريضته بالنصف، ووفقها أربعة تضربها في الفريضة الأولى بأربعة وعشرين، ومنها تصح، فمن له شيء من الأولى أخذه مضروباً في أربعة وفق الثانية، ومن له شيء من الثانية أخذه مضروباً في وفق سهام الميت الثاني، وهو واحد؛ لأن نصف السهمين اللذين له واحد.
فَإنْ لَمْ يَتَوَافَقَا ضَرَبْتَ مَا صَحَّتْ مِنْهُ مَسْأَلَتُهُ فِيمَا صَحَّتْ مِنْهُ الأُولَى، كَابْنَيْنِ وَابْنَتَيْنِ مَاتَ أَحَدُ الابْنَيْنِ وَتَرَكَ ابْنَاً وَبنْتاً ...
يعني: وإن لم يوافق سهام الميت الثاني فريضته، ضربت جميع سهام الفريضة الثانية في الأولى، مثاله ما ذكره المصنف، فالفريضة الأولى من ستة؛ لكل ابن سهمان، وفريضته من ثلاثة، فتضرب ثلاثة في ستة بثمانية عشر، ومنها تصح، فمن له من الأولى شيء أخذه مضروباً في الثانية، وهو ثلاثة، ومن له شيء من الثانية أخذه مضروباً في سهام الميت الثاني، وهو اثنان.
تنبيه:
وهذا كله إنما هو إذا كانت التركة عقاراً، أو عرضاً مقوماً، وأما إن كانت عيناً أو عرضاً مثلاً فلا عمل، ويقسم ما حصل للميت الثاني على فريضته.
وَكَذَلِكَ ثَالِثٌ وَرَابِعٌ وَخَامِسٌ
يعني: وأكثر من ذلك، والأمثلة كثيرة في المطولات.
وَفِي قِسْمَةِ التَّرِكَةِ عَلَى السِّهَامِ طُرُقٌ أَقْرَبُهَا أَنْ تَنْظُرَ نِسْبَةَ سِهَامِ كُلِّ وَارِثٍ مِنَ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ تَاخُذَ نِسْبَتَهَا مِنَ التَّرِكَةِ ...
قيد القسمة على السهام؛ لأن القسمة قد تكون على الأجزاء كإعطاء الربع لصاحب الربع والنصف لصاحبه.
وذكر المصنف أن أقرب الطرق أن تنظر سهام كل وارث، ثم تأخذ تلك النسبة من التركة، وإنما تكون الأقرب إذا قلت سهام الفريضة، وأما إذا كثرت فهي أصعب الطرق؛ لأنها مبنية على النسب التي هي قسمة القليل على الكثير.
وأسهل الطرق أن تقسم عدد التركة إن كانت مثلياً أو قيمتها إن كانت مقومة على العدد الذي صحت منه الفريضة، فتعلم نسبة ما يخرج لكل سهم، ثم تضرب هذا الخارج فيما بيد كل وارث.
كَزَوْجٍ وَأُمِّ وَأُخْتٍ لأَبيهِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ؛ لِلزَّوْجِ ثَلاثَةٌ، وَالتَّرِكَةُ عِشْرُونَ، فَنِسْبَةُ الثَّلاثَةِ مِنَ الثَّمَانِيَةِ رُبُعٌ وَثُمُنٌ، فَتَاخُذُ رُبُعَ وَثُمُنَ الْعِشْرِينَ وَهُوَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ ...
أصل المسألة من ستة وعالت لثمانية، وكلامه ظاهر التصور، والأخت كالزوج.
فَإِنْ كَانَ مَعَ التَّرِكَةِ عَرْضٌ فَأَخَذَهُ وَارِثٌ بحِصَّتِهِ - فَاجْعَلِ الْمَسْأَلَةَ سِهَامَ غَيْرِ الآخِذِ، ثُمَّ اجْعَلْ لِسِهَامِهِ مِنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ، فَمَا حَصَلَ فَهُوَ ثَمَنُ الْعَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ الْعَرْضَ بحِصَّتِهِ فَاجْعَلِ الْمَسْأَلَةَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ لِكُلِّ سَهْمٍ أَرْبَعَةً ثُمَّ اجْعَلْ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةً فِي ثَلاثَةٍ تَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ، وَهُوَ ثُمُنُهُ؛ فَتَكُونُ التَّرِكَةُ اثْنَيْنِ وَثَلاثِينَ ...
يعني: فإن كان في التركة عرض وتسامح بلفظ (مَعَ)
ومراده بـ (ثَمَنِ الْعَرْضِ) ما أنفق عليه الورثة، لا ما يساويه في السوق، وكلامه ظاهر.
فَإِنْ زَادَ مَعَ الْعَرْضِ خَمْسَةٌ فَزِدْهَا عَلَى الْعِشْرِينَ، ثُمَّ اقْسِمْهَا كَذَلِكَ؛ فَيَكُونُ لِكُلِّ سَهْمٍ خَمْسَةٌ، ثُمَّ اجْعَلْ لِلزَّوْجِ خَمْسَةً فِي ثَلاثَةٍ، ثُمَّ زِدْ عَلَيْهَا خَمْسَةً؛ فَتَكُونُ عِشْرِينَ، فَيَكُونُ ثُمُنَ الْعَرْضِ ...
قوله: (اقْسِمَهَا) أي: الخمسة الزائدة، والعشرين كذلك؛ أي: على خمسة وهو ظاهر.
فَإِذَا أخَذَ الزَّوْجُ مَعَ الْعَرْضِ خَمْسَةً فَأَنْقِصْهَا، ثُمَّ اقْسِمْ كَذَلِكَ؛ فَتَكُونَ لَكَ سَهْمُ ثَلاثَةٍ، ثُمَّ اجْعَلْ لِلزَّوْجِ ثَلاثَةً فِي ثَلاثَةٍ بتِسْعَةٍ، وَهُوَ نَصِيبُهُ، ثُمَّ انْقُصْ مِنْهَا خَمْسَةً تَبْقَى أَرْبَعَةٌ، وَهُوَا ثَمَنُ الْعَرْضِ ...
يعني: فإن أخذ الزوج من التركة مع العروض خمسة، بقيت خمسة عشر، تنقسم على خمسة؛ لكل سهم ثلاثة، وكلامه ظاهر.
وَإِذَا أَقَرَّ وَارِثٌ بوَارِثٍ وَأَنْكَرَهُ آخَرُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَمْ يُعْطَ الْمُقَرُّ بهِ إِلا مَا أَوْجَبَهُ الإِقْرَارُ مِنَ النَّقْصِ عَلَى حِصَّتِهِ ...
يعني: أن الوارث إذا كان أكثر من واحد، فأقر بعض الورثة بواحد، ولم يثبت ما أقر به؛ لعدم العدالة، أو لعدم بلوغ النصاب- لم يُعْطَ المقر به إلا من المُقِرِّ، على ما أوجبه الإقرار.
وَطَرِيقُهُ أَنْ تُعْمَلَ فَرِيضَةَ الإِنْكَارِوَفَرِيضَةَ الإِقْرَارِ ثُمَّ تَنْظُرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّمَاثُلِ وَالتَّدَاخُلِ وَالتَّوَافُقِ وَالتَّبَايُنِ، ثُمَّ اقْسِمْ عَلَى الإِنْكَارِ، فَمَا زَادَ عَلَى فَرِيضَةِ الإِقْرَارِ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ بهِ ...
ضمير (طَرِيقُهُ) عائد على العمل، فتعمل فريضة الإنكار وفريضة الإقرار؛ فإن تماثلت الفريضتان أجزأتك واحدة، وإن دخلت إحداهما في الأخرى أجزأتك الأخرى.
وإن اتفقتا ضربت الوفق في الوفق.
وإن تباينتا ضربت الكامل في الكامل.
ثم مثل المصنف للأقسام فقال:
التَّمَاثُلُ أُمٍّ وَأُخْتٌ لأَبٍ وَعَمٍّ، أَقَرَّتِ الأُخْتُ بأُخْتٍ شَقِيقَةٍ
الإنكار من ستة؛ للأم الثثل، وللأخت النصف، والباقي للعم.
وكذلك فريضة الإقرار؛ للأم سهم، وللأخت الشقيقة ثلاثة، وللأخت للأب سهم، وللعم سهم، فينقص نصيب المقر على الإنكار بسبب الإقرار سهمان، فتدفعهما للشقيقة.
التَّدَاخُلُ: أُخْتَانِ شَقِيقَتَانِ وَعَاصِبٌ، أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بأُخْتٍ شَقِيقَةٍ فَتَسْتَغْنِي بالتِّسْعَةِ ...
لأن فريضة الإنكار من ثلاثة، وتصح منها.
وفريضة الإقرار من ثلاثة، وتصح من تسعة؛ لانكسارها على الأخوات، والثلاثة داخلة في التسعة؛ لأنها ثلثها، فتستغني بها، وتقسم على الإنكار يكون لكل أخت ثلاثة، وعلى الإقرار لكل أخت سهمان، فتدفع المقرة سهماً للمقر بها.
التَّوَافُقُ: ابْنٌ وَابْنَتَانِ، أَقَرَّ الابْنُ بابْنٍ آخَرَ- فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي سِتَّةٍ
لأن الإنكار من أربعة والإقرار من ستة؛ فيتوافقان بالأنصاف، فتضرب نصف أحدهما في الآخر باثني عشر، ثم تقسم على الإنكار؛ فللابن ستة، ولكل بنت ثلاثة، وعلى الإقرار؛ للابن أربعة، فيدفع السهمين للمقر به.
التَّبَايُنُ: أُخْتَانِ شَقِقَتَانِ وَعَاصِبٌ، أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بأَخٍ شَقِيقٍ؛ فَتَضْرِبُ ثَلاثَةً فِي أَرْبَعَةٍ؛ لِلْمُقِرَّةِ فِي الإِنْكَارِ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الإِقْرَارِ ثَلاثَةٌ فَالزَّائِدُ سَهْمٌ لِلْمُقَرِّ بهِ.
لأن فريضة الإنكار من ثلاثة، ومنها تصح.
وفريضة الإقرار من أربعة وهما متباينان فتضرب إحداهما في الأخرى باثني عشر، وتقسم على الإنكار، لكل أخت أربعة.
وعلى الإقرار للمقرة ثلاثة، فتدفع السهم للمقر به.
وَكِذَلِكَ لَوْ تَعَدَّدَ الْمُقِرُّ أَوِ الْمُقَرُّ بهِ أَوِ الْقَبيلانِ كَابْنٍ وَبنْتٍ أَقَرَّ الابْنُ ببنْتٍ وَأَقَرَّتِ الْبنْتُ بابْنٍ فالإِنْكَارِ مِنْ ثَلاثَةٍ، وَإِقْرَارُ الابْنِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَإِقْرَارُ الْبنْتِ مِنْ خَمْسَةٍ تُضْرَبُ أَرْبَعَةٌ فِي خَمْسَةٍ بعِشْرِينَ، ثُمَّ فِي ثَلاثَةٍ بسِتِّينَ؛ فَيَرُدُّ الابْنُ عَشَرَةً لِلْمُقَرَّةِ بهَا، وَالْبنْتُ ثَمَانِيَةٌ لِلْمُقَرِّ بهِ ...
تصوره ظاهر؛ لأنا إذا قسمنا الستين على الإنكار، يكون للابن أربعون، ولها عشرون، ثم على إقرار الابن يكون له ثلاثون، فيعطي عشرة للمقر بها، ثم على إقرارها يكون لها اثنا عشر، فتعطي ثمانية للمقر به.
وَسُئِلَ أَصْبَغُ عَنْ أَخَوَيْنِ وامْرَأَةٍ حَامِلٍ، أَقَرَّتْ هِي وَأَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَلَدَتِ ابْناً حَيّاً -فَقَالَ: مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ.
الإِنْكَارُ يَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَالإِقْرَارُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ فَتَسْتَغْنِي بأَحَدِهِمَا وَفَرِيضَةُ الابْنِ عَلَى الإِقْرَارِ مِنْ ثَلاثِةٍ فَتَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةٍ؛ لِلْمُنْكِرِ تِسْعَةٌ، وَلِلْمُقِرِّ فِي الإِنْكَارِ تِسْعَةٌ، وَفِي الإِقْرَارِ سَبْعَةٌ، فَيَرُدُّ اثْنَيْنِ، وَلِلأُمِّ ثَمَانِيَةٌ ..
لأن فريضة الإنكار تصح من ثمانية، وأصلها من أربعة؛ للزوجة الربع وللأخيون ما بقي، وهو لا ينقسم عليهما؛ فتضرب اثنين في أربعة، وفريضة الإقرار من ثمانية، ومنها تصح.
ثم توفي الابن وترك أمه وعميه؛ للأم الثلث، وللعمين ما بقي، المسألة من ثلاثة، وسهام الميت لا تنقسم عليها ولا توافقها؛ فتضرب ثلاثة في ثمانية بأربعة وعشرين، فتقسمها على الإنكار؛ للزوجة ستة، ولكل من الأخوين تسعة، وعلى الإقرار؛ للزوجة من الأولى ثلاثة، ولا شيء للأخوين، وللابن أحد وعشرون توفي عنها؛ للأم سبعة، ولكل عم سبعة، فقد نقص المقر من الأخوين سهمان، فيدفعهما للأم مع الستة الواجبة لها في الإنكار.
وَإِذَا أَوْصَى بجُزْءٍ شَائِعٍ كَنِصْفٍ أو ثُلُثٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْ أَحْدَ عَشَرَ-فَصَحِّحْ الْمِيرَاثِ ثُمَّ خُذْ عَدَدَ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ وَأَخْرِجِ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ كَانَ مَا بَقِيَ مُنْقَسِماً وَإِلا فَوَفَّقْ بَيْنَ مَا بَقِيَ وَبَيْنَ مَا صَحَّ مِنْهُ، ثُمَّ اضْرِبِ الْوَفْقَ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ كَابْنَيْنِ وَأَوْصِي بالثُّلُثِ؛ فَيَصِحّ فِي الْمِيرَاثِ مِنِ اثْنَيْنِ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَلاثَةٍ فَتَسْتَغْنِي ...
احترز بالشائع مما لو أوصى بمعين؛ فإنه لا عمل حينئذٍ، وقال: (أَوْ جُزْءٍ مِنْ أَحْدَ عَشَرَ) لينبه على أنه لا فرق بين الأجزاء الصم وغيرها، فتُعْمِل الفريضة ثم تنظر مقام جزء الوصية؛ الثلث من ثلاثة، والربع من أربعة كذلك فتخرج الوصية.
وانظر ما بقي، فإن انقسم على المسألة فقد خرجت الفريضة والوصية من مخرج الوصية كالمثال الذي ذكره المصنف.
وإن لم تنقسم بقية الأجزاء على المسألة كانت كسهام انكسرت على صنف فإن وافقتها ضربت وفق المسألة في مخرج الوصية، وإن لم توافقها ضربت المسألة في مخرج الوصية ومن الخارج تصح، ثم تقول: من كان له شيء من الوصية أخذه مضروباً في وفقها إن وافقت وفي كاملها إن لم توافق، ومن له شيء من الفريضة أخذه مضروباً في وفق السهام إن وافقت، وفي كاملها إن لم توافق.
فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً ضَرَبْتَ اثْنَيْنِ فِي ثَلاثَةٍ
هذا مثال لقوله: (وإلا فَوَفِّقْ) أي: إذا أوصى بالثلث وخلف أربعة فمخرج الوصية من ثلاثة؛ للموصى له سهم، والباقي سهمان لا ينقسمان على الورثة، لكن يتوافقان بالنصف، فتضرب وفق المسألة؛ وهو اثنان، في مخرج الوصية بستة، ومن له شيء من الوصية أخذه مضروباً في وفق المسألة، ومن له شيء من الفريضة أخذه مضروباً في وفقها.
فَإِنْ أَوْصَى بسُدُسٍ وَسُبُعٍ فَاضْرِبْ سِتَّةً فِي سَبْعَةٍ باثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ؛ فَالْبَاقِي تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ لا تَصِحُّ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَلا تُوَافِقُ؛ فَتَضْرِبِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فِي أَرْبَعَةٍ بمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ ...
يعني: فلو كانت المسألة؛ وهي أن الأولاد أربعة، فأوصى بالسدس والسبع ضربت مقام السدس في مقام السبع لتباينها، باثنين وأربعين فتأخذ سدسها وسبعها، وذلك ثلاثة عشر، تبقى تسعة وعشرون وهي لاتنقسم على أربعة؛ سهام الفريضة، ولا توافقها؛ فتضرب أربعة في اثنين وأربعين بمائة وثمانية وستين، من له شيء من اثنين وأربعين أخذه مضروباً في أربعة، ومن له شيء من أربعة أخذه مضروباً في تسعة وعشرين.
واقتصرنا على حل كلام المصنف هنا؛ لأنه الأهم هنا، وغيره يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِ هذا الفن.
الْمَوَانِعُ مِنْهَا اخْتِلافُ الدِّينِ كَالْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ...
للحديث: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
وفي الصحيح: "لا يتوارث أهل ملتين".
وقوله: (كَالْمُسْلِمِ) على حذف مضاف؛ أي: كدين المسلم؛ ليوافق قوله: (اخْتِلافُ الدِّينِ).
وقوله: (وَالْيَهُودِيِّ ...) إلى آخره.
يعني: وكذلك اختلافا لدين بين اليهودي والنصراني مانع من الإرث إن تحاكموا إلينا، وإن لم يتحاكموا فلا نعرض لهم، وهكذا قال مالك: إن اليهودية ملة، والنصرانية ملة، وما عداهما من الكفر ملة.
وَأَمَّا مَنْ يُظْهِرُ الإِسْلامَ ثُمَّ اطَّلِعَ عَلَى إِسْرَارِهِ زَنْدَقَةً أَوْ كُفْراً أَوْ غَيْرَهُمَا فَقُتِلَ بهَا أَوْ مَاتَ-فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَرَوَى ابْنُ نَافِع أنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ ..
في كلامه نظر؛ لأن قوله: (إِسْرَارِهِ زَنْدَقَةً أَوْ كُفْراً) يقتضي أن الزندقة إسرار غير الكفر، وليس كذلك.
ومراده بـ (غَيْرِهِمَا) السحر.
والأظهر رواية ابن نافع؛ لأنا نقتله لأجل الكفر، واختار رواية ابن القاسم أصبغ، والشيخ أبو إسحاق؛ اعتبار بما كان يظهره.
قال القاضي أبو الوليد: ورواية ابن القاسم تقتضي أنه يقتلحداً، ورواية ابن نافع تقتضي: أنه يقتل كفراً.
وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا وَرَثَةُ كَافِرٍ وَتَرَاضَوْا كُلُّهُمْ- حَكَمْنَا بحُكْمِ الإِسْلامِ، فَإِنْ أَبَى بَعْضُهُمْ لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ إِلا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ أَسْلَمَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ يُحْكَمُ لَهُمْ بحْكْمِهِمْ عَلَى مَوَارِيثِهِمْ إِذَا كَانُوا كِتَابيِّينَ، وَإِلا فَبحُكْمِ الإِسْلامِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: بحُكْمِ الإِسْلامِ ...
يعني: أنَّ ورثة الكافر إما أن يبقوا على دينهم، أو يسلم بعضهم بعد موت موروثهم؛ والأول يحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا بحكم الإسلام بشرط رضا جميعهم.
وهل يشترط رضا أساقفتهم؟ قولان.
وأما الثاني فيحكم بينهم؛ لأجل وجود المسلم.
ثم هل يقسم بينهم على حكم الإسلام مطلقاص، وهو قول سحنون، أو بشرط أن يكونوا غير كتابيين، وأما الكتابيون فعلى مواريثهم؟
وَالتَّظَالُمُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَحْكُمُ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمْ فِيهِ
أي: وإن لم يتراضوا، وكما يجب عليه منع المسلمين من ظلمهم كذلك بعضهم من بعض.
وَمِنْهَا الرِّقُّ؛ فَلا يَرِثُ رَقِيقٌ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ كَالْقِنِّ لا يَرِثُ وَلا يُورَثَ، وَمَالُهُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرِّقَّ مِنْهُ ..
لا خلاف في هذه الجملة عندنا.
وَمِنْهَا الْقَتْلُ؛ فَلا يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ مِنْ مَالٍ وَلا دِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ خَطَأَ وَرِثَ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ ...
يريد: إلا الولاء فإن المذهب أن قاتل العمد وقاتل الخطأ يرثان الولاء، ويرثه عنهما من يرثهما، وحيث لا يرث فلا يحجحب، وإن ورث من المال حجب فيه.
وهكذا روى الدارقطني؛ لكنه حديث ضعيف؛ وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم فتح مكة فقال: "لا يتوارث أهل ملتين، وترث المرأة من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمداً؛ فلا يرث من ماله ومن ديته شيئاً، وإن قتل صاحبه خطأً ورث من ماله، ولم يرث من ديته" رواه محمد بن سعيد عن عمرو بن شعيب، قال: أخبرني أبي عن جدي: قال عبد الحق: ومحمد بن سعيد أظنه المصلوب، وهو متروك عند الجميع.
وفي مراسيل أبي داود: "ولا يرث قاتل عمد ولا خطأ شيئاً من الدية".
وَمِنْهَا اللِّعَانُ؛ فَيَبْقَى الإِرْثُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَالتَّوْءَمَانِ شَقِيقَانِ بخِلافِ تَوْءَمَي الزِّنَى فَإِنَّهُمَا لأُمِّ، وَفِي تَوْءَمَي الْمُغْتَصَبَةِ قَوْلانِ ...
لعله ذكر اللعان ليرتب عليه ما بعده؛ لأن المانع إنما يكون إذا كان السبب موجوداً، وأما مع عدمه فلا.
والأظهر في توءمي المغتصبة أنهما كالزنى؛ إذ لا أب لهما شرعاً، ولا يترقب ثبوت نسبتهما منه في المستقبل كما يترقب في توءمي الملاعنة، وكذلك اختلف في توءمي المسبية والمستأمنة.
وَمِنْهَا اسْتِبْهَامُ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَالْمَوْتَى فِي سَفَرٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ؛ فَيُقَدَّرُ كُلُّ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ، وَلَوْ عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ وَجُهِلَ التَّعْييْنُ كَانَ كَذَلِكَ
يعني: إذا مات قرائب ولم يعلم المتقدم من المتأخر، فذلك يمنع الميراث، وكذلك لو علم المتقدم ولكن جهل تعيينه؛ لأن الميراث لا يكون بالشك.
وهكذا نقل مالك عن غير واحد من علماء المدينة أنه لم يتوارث مَنْ قُتِلَ يوم الجمل ويوم صفين ويوم الحرة ويوم قديد إلا مَنْ عُلِمَ أنه مات قبل الآخر.
وقد تقدم في الجنائز أن أم كلثوم رضي الله عنها مات وابنها زيد في فور واحد، وأنهما لم يتوارثا.
وَمِنْهَا مَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ عَاجِلاً؛ وَهُوَ الإِشْكَالُ فِي الْوُجُودِ أَوْ فِي الذُّكُورِيَّةِ أَوْ فِيهِمَا.
الأَوَّلُ: الْمُنْقَطِعُ خَبَرُهُ؛ فَيُعَمَّرُ مُدَّةً لا يَعِيشُ إِلَيْهَا غَالِباً، قِيلَ؛ سَبْعُونَ، وَثَمَانُونَ، وَتِسْعُونَ، وَمِائَةً وَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مَيَّتاً ...
في إدخاله الإشكال في الذكورية هنا نظر؛ لأن مراده بذلك: الخنثى المشكل، وهو لا يمنع من الصرف عاجلاً، بل يوجب نقص الميراث، إلا أن يريد: أنه يتأخر النظر فيه لينظر في أمره.
قوله: (الأوَّلُ) قد تقدم ما في هذه المسألة من الخلاف بأوسع مما ذكره المصنف في باب العِدَّد.
فَلَوْ مَاتَ مَوْرُوثٌ لَهُ-قُدِّرَ حَيّاً وَمَيِّتَاً، وَوُقِفَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ وَلَمْ يَسْتَبنْ فَكَالْمَوْتَى فِي الْهَدْمِ، فَإِذَا تَرَكَتْ زَوْجاً وَأَمّاً وَأُخْتاً وَأَباً مَفْقُوداً فعَلَى أَنَّهُ حَيٍّ مِنْ سِتَّةٍ، وَعَلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ، وَتَضْرِبُ الْوَفْقَ فِي الْكَامِلِ بأَرْبعَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلأُمِّ أَرْبَعَةٌ، وَتُوْقِفُ أَحَدَ عَشَرَ، فَإِنْ ثَبَتَ حَيَاتُهُ أَخَذَ الزَّوْجُ ثَلاثَةٌ، وَالأَبُ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ أَوْ مَضَى التَّعْمِيرُ أَخَذَتِ الأُخْتُ تِسْعَةً، وَالأُمُّ اثْنَيْنِ ...
قوله: (فَكَالْمَوْتَى فِي الْهَدْم) أي: فيرث الميت أحياء ورثته، وبَيَّنَ المصنف العمل بقوله: (فَإِذَا تَرَكَتْ ...) إلى آخره.
يريد: أن بتقدير حياة الأب تكون الفريضة إحدى الغراوين؛ للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي.
وبتقدير موت الأب؛ يكون للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، الفريضة من ستة وتعول إلى ثمانية، والثمانية موافقة للستة بالنصف؛ فتضرب نصف أحدهما في كامل الآخر، بأربعة وعشرين.
فبالضرورة للزوج في حياة الأب أكثر من موته؛ لأن له في الحياة النصف من فريضة غير عائلة؛ فيعطى الحق، وهو ثلاثة أثمان الأربعة والعشرين، وهو تسعة.
والأم لها في الفريضة غير العائلة أقل، وذلك سدس؛ وهو أربعة فتبقى أحد عشر، ولا يخفى عليك ما ذكره المصنف.
الثَّانِي: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ.
فَإِنْ بَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَسْبَقَ، أَوْ نَبَتَتْ لِحْيَةٌ، أَوْ خَرَجَ ثَدْيٌ، أَوْ حَيْضٌ، أَوْ مَنِيٍّ-فَلَيْسَ بمُشْكِلٍ إِلا أَنْ يَجْتَمِعَ
هذا هو القسم الثاني من أقسام النوع الأخير، ومذهبنا وهو مذهب الأكثر ثبوت خنثى مشكل، وكلام المصنف ظاهر التصور.
وأنكر بعضهم سبقية البول وكثرته.
قيل: ولم يصح عن مالك فيه شيء.
وروي عنه أنه قال: ذَكَرٌ زاده الله فرجاً.
وروي عن قاسم بن أصبغ عن أبيه: أنه رأى بالعراق خنثى ولد له من صلبه وبطنه.
أبو عبد الله بن قاسم: ورأيت لمالك في بعض التعاليق: إن مثل هذين لا يتوارثان؛ لأنهما لم يجتمعا في ظهر ولا بطن؛ فليسا أخوين لأب ولا لأم.
ابن القاسم: ويمنع النكاح من الجهتين، واختلف في جواز النظر للفرج وعدمه.
وَحَيْثُ حُكِمَ بالإِشْكَالِ فَمِيرَاثُهُ نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فَتُصَحِّحُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى التَّقْدِيرَاتِ، ثُمَّ اضْربِ الْوَفْقَ أَوِ الْكُلِّ إِنْ تَبَايَنَتْ، ثُمَّ فِي حَالَتَي الْخُنْثَى، ثُمَّ خُذْ مِنْ كُلِّ نَصِيبٍ جْزْءاً يُسَمَّى مُفْرَدُ التَّقْدِيرَاتِ ...
وقوله: (عَلَى التَّقْدِيرَاتِ) أي: تقدير كونه ذكراً ثم كونه أنثى، ثم خذ جزءاً (يُسَمَّى مُفْرَدُ التَّقْدِيرَاتِ) من الاثنين النصف، ومن الأربعة الربع فما اجتمع فهو نصيب كل وارث، وطريقه أن تعمل المسألة على أنه ذكر، ثم تعملها على أنه أنثى، ثم تنظر بين المسألتين بالتوافق والتباين كما تقدم، ثم ما حصل تضربه في حال الخنثى، ثم تقسم لى حال التذكير، ثم التأنيث، ثم تجمع ما حصل لكل وارث، وتنسب واحداً إلى الأحوال الحاصلة، فتعطى لكل وارث.
فلو ترك خنثى وذكراً عاصباً فعلى التذكير من اثنين، وعلى التأنيث من ثلاثة، فتضرب ثلاثة في اثنين بستة، فللخنثى في التذكير ثلاثة، وفي التأنيث اثنان، فيعطى نصفها وهو اثنان ونصف، وكذلك الآخر.
فَلَوْ تَرَكَ خُنْثَيَيينِ وَعَاصِباً فَأَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ تَنْتَهِي إِلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَحَدَ عَشَرَ وَلِلْعَاصِبِ سَهْمَانِ ...
فريضة التذكير من اثنين، وفريضة التأنيث من ثلاثة؛ لهما الثلثان وللعاصب سهم، وكذا إذا قُدِّرَ أحدهما ذكراً والآخر أنثى وبالعكس فتتماثل ثلاث فرائض، فتستغني بأحدها فتضربها في الأخرى بستة، ثم في الأحوال؛ وهي أربعة، بأربعة وعشرين، ثم تقسم؛ فلكل خنثى في التذكير اثني عشر، ولكل منهما في التأنيث ثمانية.
وله في تذكيره دون صاحبه ستة.
عشر، وفي العكس ثمانية، تحصل له في الأربعة أربعة وأربعون، فيأخذ ربعها؛ وهو أحد عشر، وكذلك العاصب إنما يصح له في حال واحدة ثمانية، فيأخذ ربعها؛ وهو اثنان.
الثَّالِثُ؛ فِي حَمْلِ الزَّوْجَةِ، فَقِيلَ: يُوقَفُ الْجَمِيعُ وَوَصَايَاهُ حَتَّى تَضَعَ، وَقِيلَ؛ يُتَعَجَّلُ بتَعْجِيلِ الْمُتَحَقَّقِ.
قَالَ أَشْهَبُ؛ وَهُوَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وَعَلَيْهِ يُوقَفُ مِيرَاثُ أَرْبَعَةِ ذُكُورٍ؛ لأَنَّهُ غَايَةُ مَا وَقَعَ وَلَدَتْ أُمُّ وَلَدِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ مُحْمَّداً، وَعَمْرَ، وَعَلِيّاً، وَإِسْمَاعِيلَ، بَلَغَ الأَوَّلُونَ الثَّمَانِينَ ...
هذا هو النوع الثالث؛ وهو الشك في الوجود والذكورية، والقول الأول هو المشهور، والثاني أظهر كما قال أشهب.
وليس لقوله: (حَمْلِ الزَّوْجَةِ) مفهوم، بل وكذلك الأمة، وعلى ما اختاره أشهب "يوقف لأربعة ذكور" كما ذكرها المصنف؛ لأنه أكثر ما وقع، والقصة التي ذكرها المصنف هي في الزاهي.
الخاتمة:
وهذا آخر ما قصدنا والله أعلم، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، أعوذ بك من شر هؤلاء الأربع.
اللهم تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي.
أسألك بجاه النبي صلى الله عليه وسلم عيشة سوية، وميتة نقية، وأن تذهب عني الشكوك والاعتراضات، وتعافي قلبي من الوساوس والنزغات، وأن تسلك بنا مناهج أهل السنة.
أسألك التأييد بروح من عندك فيما نريد، كما أيدت أنبيائك ورسلك، واكسنا جلابيب العصمة في الأنفاس واللحظات، واقلع من قلبي حب الدنيا، وأمتني على الإسلام والشهادة، وكذلك كل من كتبه، أو قرأه، أو شيئاً منه، أو سعى فيه.
آمين آمين آمين يا رب العالمين.
والله أسأل أن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.