وَلَوْ مَاتَ فِي أَوَّلِ دَمِهِمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لأَنَّهُ لَهَا كَالْعِدَّةِ
[405/أ] يعني بخلاف الأمة فإنها تعتد به كما تقدم في الشراء.
وما حكاه من عدم الاكتفاء في أم الولد هو المشهور، وفي الاستذكار عن القاضي إسماعيل أنها تكتفي بالحيضة التي مات وهي عليها، وهو جار على أن الحيضة في حق أم الولد استبراء محض.
وَيَجِبُ قَبْلَ تَزْوِيجِ الأَمَةِ، ويُقْبَلُ قَوْلُ السَّيِّدِ
أي ويجب الاستبراء، وهذا مقيد بالموطوءة.
وأما إن لم يطأها ففي المدونة: لا يحتاج فيها إلى استبراء.
وقبل قول السيد في الاستبراء لأنه لا يعلم إلا من جهته.
وَلَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَعِّيِ اسْتِبْرَاءٍ ولَمْ يَطَاهَا جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
يعني: إذا اشترى أمة وزعم بائعها أنه استبرأها قبل بيعها على ما هو الأولى له.
وقوله: (ولَمْ يَطَاهَا) يوهم أن له وطئها بدعوى البائع، وهو لا يجوز حتى يستبرئها.
وقوله: (جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا) على المشهور، لأنه قد انتقل إلى المشتري حكم البائع.
ووجه الشاذ أن البائع كان له ذلك حيث كان له الوطء بخلاف المشتري، وهو قول سحنون.
وقال ابن القاسم فيمن اشترى زوجته قبل البناء فأراد أن يزوجها: ليس له ذلك حتى يستبرئها، لأن بائعها لم يكن له أن يطأها.
وقال سحنون: له أن يزوجها، لأن الوطء له جائز.
وبالجملة فابن القاسم راعى حال البائع، وسحنون راعى حال المشتري.
وَيَجِبُ عَنِ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ كَمَنْ وُطِئَتْ بِاشْتِبَاهٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَمَنْ وَطئ أُخْتَ أَمَةٍ وَطأهَا ثُمَّ حَرَّمَ الأُولَى ....
ابن راشد: ولا خلاف في هذا وتصور كلامه ظاهر.
وَفِي اسْتِبْرَاءٍ الأَبِ أَمَةً لابْنِهِ فَوَطأهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَهَا فَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ قَوْلانِ
يعني: إذا وطئ الرجل جارية ولده فقومت عليه فإن لم يكن استبرأها قبل وطئها لم يطأها حتى يستبرئها، وإن كان قد عزلها عنده واستبرأها ثم وطأها، فالمشهور أنه لا يحتاج إلى استبراء.
والمشهور ومقابله في المدونة، ففيها: ابن القاسم: ومن وطئ جارية ابنه فقومت عليه فليستبرئها إن لم يكن الأب قد عزلها واستبرأها.
وقال غيره: لابد أن يستبرئها لفساد مائه وإن كانت مستبرأة عند الأب إذا تلذذ بجارية ابنه حرمت على الابن ووجب على الأب قيمتها، ولم يكن للابن التمسك بها على المعروف.
وهذه لما كانت مستبرأة عند الأب فبأول وضع اليد عليها وجلوسه بين فخذيها حرمها على الابن ووجبت على الأب القيمة، فصار وطؤه في مملوكه له بعد الاستبراء.
وأشار التونسي إلى أن قول الغير مبني على قول ابن عبد الحكم أن الأب لا يضمن قيمتها بوطئها بل يكون للابن أن يتماسك بها في عسر الأب ويسره.
وحكاية المصنف القولين تدل على أن قول الغير مخالف لقول ابن القاسم وهي طريقة الأكثر، وذلك أن الأكثر فهموا أن قول ابن القاسم إن لم يكن الأب عزلها عنده واستبرأها، أنه لو كان استبرأها قبل الوطء لا يحتاج إلى استبراء بعده.
وخالفهم ابن اللباد وابن الشقاق وفهما قوله: (إن لم يكن عزلها عنده واستبرأها) على أن المراد بعد وطئه.
وصحح هذا ابن مرزوق، وخالفه تلميذه ابن رشد، وصحح مذهب الأكثرين، واحتج لابن القاسم بما احتج به القابسي.
واختار عياض قول ابن اللباد بدليل قول ابن القاسم في آخر المسألة لأنه وطء فاسد.
وَالاسْتِبْرَاءُ لِلْمُرْتَابَةِ قُرْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَيْضَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض)) ومقابل المشهور أنه طهر كالعدة، ولم أره منصوصاً، وإنما خرجه المازري على قول أشهب أن المشتراة في أول دمها لا تكتفي بذلك.
وَالْمُرْتَابَةُ بِتَاخِيرِ حَيْضِهَا، قِيلَ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثَلاثَةً ويَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، فَإِنِ ارْتَبْنَ فَتِسْعَةٌ.
وكَانَ يَقُولُ تَحِيضُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ انْتَظَرَتْهَا ....
يعني: أنه اختلف في استبراء الأمة المرتابة، والقول بأنها تتربص تسعة أشهر لمالك في المدونة ورواية ابن وهب، والقول الذي نقله المصنف عن ابن القاسم بقوله: ثلاثة وينظرها النساء، هو له في العتبية، ورواه ابن القاسم وابن غانم في المدونة.
ابن القاسم: وإن ارتفعت الريبة قبل التسعة حلت.
وسئل ابن مناس: ما فائدة التسعة على هذا القول وهي إن زالت ريبتها قبلها حلت، وإن لم تزل بعد التسعة زادت؟ فأجاب بأن قال: فائدة ذلك إذا لم تزد تلك الريبة بها الحاصلة بالثلاثة وبقيت على حالها، نعم إن زادت بالحس والتحريك زادت على التسعة.
وفصل ابن القاسم بين من تكون عادتها بتأخير حيضتها، كما إذا كانت تأتيها الحيضة في ستة أشهر أو سبعة أو نحو ذلك، وبين من يتأخر حيضها أكثر من تسعة أشهر كما إذا كانت تحيض كل سنة، فالأولى تنتظر الحيضة، والثانية تبرأ بثلاثة [405/ب] أشهر، وقول المصنف وكان يقول: إن كانت تحيض كل ستة أشهر ليس هو على معنى الاشتراط، والمعنى إن كانت عادتها تحيض فيما دون تسعة أشهر، ولكن ذكر المصنف الستة تبعاً للرواية، وهذه الرواية رواها يحيي عنه.
خليل: وانظر على هذا القول إذا كانت عادتها ستة أشهر فانتظرتها ولم تأتها الحيضة فيها، هل تحل بانتفائها كما تقدم في عدة الحرة إذا كانت عادتها أن تحيض كل سنة أو ترجع إلى ستة أشهر غالب أمر الحمل.
وَالْمُرْضِعُ والْمَرِيضَةُ كَذَلِكَ
أي: مثل المرتابة، وظاهر تشبيهه في الخلاف المتقدم، ويحتمل في الاستبراء بثلاثة أشهر، وينظرها النساء فإن ارتبن فتسعة وهو أقرب، لأنه الذي رأيته منصوصاً، ولأن قوله إثر هذه والمستولدة كذلك.
وقيل: (تسعة) يقتضي أنه لم يرد التشبيه في الجميع وإلا لاستغنى عن قوله: وقيل (تسعة).
لكن في كلامه على هذا نظر، فإنه ليس في كلامه ما يدل على أنه أراد بالتشبيه ذلك.
وَالْمُسْتَوْلَدَةُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ
المستولدة هي أم الولد، وتصور القولين بين.
وَالمْسُتْحَاضَةُ: الْمَشْهُورُ: ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ إِلا أَنْ تَشُكَّ فَتِسْعَةٌ، أَوْ تَرىَ مَا تُوقِنُ هِيَ وَالنِّسَاءُ أَنَّهُ حَيْضٌ ....
مقابل المشهور أنه تتربص تسعة ولو ميزت.
وَالصَّغِيرَةُ وَالْيَائِسَةُ: ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
أي: بشرط أن يمكن وطء الصغيرة، ففي البيان: أما التي لا يوطأ مثلها فلا خلاف أنها لا استبراء عليها، وإنما الخلاف في الصغيرة التي يوطأ مثلها ويؤمن الحمل منها، فذهب مالك وعامة أصحابه إلى وجوب الاستبراء فيها والمواضعة إن كانت من ذوات الأثمان بثلاثة أشهر، لأن الحمل لا يتبين في أقل منها.
وقيل: شهران.
وقيل: شهر ونصف.
وقيل: شهر.
وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنها لا يجب فيها استبراء ولا مواضعة.
ونقل بعضهم القول بالشهرين والشهر والنصف في اليائسة أيضاً بعض الموثقين، وكذلك أيضاً يلزم من قال أن استبراء الصغيرة شهران يقول بذلك في اليائسة.
وَالْحَامِلُ: بِوَضْعِ حَمْلِهَا
أي: واستبراء الحامل، وهو ظاهر.
وَالْمُرْتَابَةُ بِحَسِّ الْبَطْنِ أَقْصَى أَمَدِ الْوَضْعِ
يعنى على الخلاف المتقدم.
وَيَحْرُمُ فِي زَمَنِ الاسْتِبْرَاءِ جَمِيعُ الاسْتِمْتَاعِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: لا يَحْرُمُ مِنَ الْحَامِلِ مِنْ ِزنَّى والْمَسْبِيَّةِ إِلا الْوَطْءُ ....
ابن عبد السلام: والأول هو المعروف في المذهب.
وقال ابن حبيب: أما المسبية تقع في سهمه أو يبتاعها في المقاسم فله أن يلتذ منها بالقبلة والمباشرة والتجريب وغيره ما عدا الوطء لئلا يسقي ماءه ولد غيره، وهذه قد تم ملكه فيها، وبيع المقاسم بيع في براءة وإن ظهر بها حمل لم ترد به.
أبو محمد: وهذا الذي ذكر ابن حبيب أنه تدخل البراءة من الحمل في بيع السلطان ليس بقول مالك إلا أن يعني في الوخش.
وقد قال ابن المواز: بيع الرائعة بالبراءة مطلق جائز ولا يدخل في ذلك الحمل، وإن تبرأ منه فسد البيع.
ونقل المازري وصاحب الجواهر عن ابن حبيب في الحامل من زنى مثل ما نقله المصنف وكذلك ابن راشد.
وقال ابن عبد السلام: ما ذكره المؤلف عن ابن حبيب في الزنا لا أحفظه عنه، لكن قال سحنون فيمن اشترى أمة بالبراءة من حمل ظاهر أنه لا بأس أن ينال منها ما ينال من الحائض إذا كان من غير السيد، وكذلك إن قال بعد البيع أن أرضى بحمل إن كان بها ولم يكن البائع يطأ.
ابن يونس: ولعله ترخص في هذا للشيخ، لأنه يملك نفسه كما أرخص له النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة في الصوم، وأما الشاب فلا.
التَّدَاخُلُ: وَإِذَا طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبَراءٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُتَّحِداً بِفِعْلٍ سَائِغٍ انْهَدَمَتِ الأُولَى واسْتَانَفَتْ مَا هِيَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ شُهُورٍ أَوْ حَمْلٍ كَالْمُرْتَجِعِ ثُمَّ يُطَلِّقُ أَوْ يَمُوتُ- مَسَّ أَوْ لَمْ يَمَسَّ- إِلا أَنْ يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ فَتَبْنِي الْمُطَلَّقَةُ مَا لَمْ تُمَسَّ كَمَا تَبْنِي إِذَا لَمْ تُرْتَجَعْ مُطْلَقاً ....
يعني: إذا كانت في عدة أو استبراء ثم تجدد قبل تمام ما هي فيه موجب آخر، فإما أن يكون الموجبان من رجل واحد أو رجلين، وإذا كانا من رجل فإما أن يكونا بفعل سائغ- أي جائز- أم لا.
وذكر المصنف أنه إذا كان الرجل واحداً بفعل سائغ فإن العدة الأولى
تنهدم وتستغني بالثانية عنها، سواء كانت الثانية من نوع الأولى أو من نوع آخر، وهو مراده بقوله: (مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ شُهُورٍ أَوْ حَمْلٍ).
ومثل ذلك بالمرتجع ثم يطلق، يعني إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً ثم ارتجعها ثم طلقها أو مات عنها قبل انقضاء العدة، ولا فرق في ذلك بين أن يمسها بعد ارتجاعه أم لا، ففي الموطأ: والسنة عندنا أن الرجل إذا طلق امرأته وله عليها رجعة فارتجعها ثم فارقها قبل أن يمسها فلا تبني على ما مضى من عدتها، وإنما تستأنف من يوم طلقها عدة مستأنفة.
وقد ظلم زوجها نفسه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، يعني لأن الرجعة تهدم العدة فإن الزوجية تنافي العدة.
[406/أ].
وقوله: إِلا أَنْ يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ) هذا الكلام لابن القصار، وقيد به الطلاق مالك المتقدم، وهو ظاهر، لأنه إذا قصد بهذا الارتجاع التطويل عليها في العدة فيعاقب بنقيض مقصوده، وتبني على العدة الأولى بشرط ألا يكون مسها في الارتجاع.
وقوله: (كَمَا تَبْنِي إِذَا لَمْ تُرْتَجَعْ مُطْلَقاً) يعني إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً ثم أتبعها في العدة طلقة أخرى فإنها تبني على العدة من الطلقة الأولى مطلقاً، سواء تخلل الطلاقين حيض أم لا، وهو أحد قولي الشافعي، فنبه المصنف بالإطلاق على مخالفته في أحد قوليه.
وفي بعض النسخ: (إذا لم ترتجع مطلقاً) وهي واضحة.
وَكَالْمُتَزَوِّجِ زَوْجَتَهُ الْبَائِنَ ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا تَسْتَانِفُ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: إِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَأَقْصَى الأَجَلَيْنِ وضُعِّفَ، أَمَّا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءٍ لَمْ تَنْهَدِمْ ....
هذا معطوف على قوله: (كَالْمُرْتَجِعِ) يعني إذا طلق زوجته طلاقاً بائناً ثم تزوجها وطلقها أو مات عنها فإنها تستأنف، ولا فرق في الموت بين أن يموت عنها قبل البناء أو بعده، بخلاف الطلاق فإنه إن طلقها بعد البناء استأنفت، لأن وطئه هادم للعدة.
وإن طلقها قبل البناء بانت، لأن المطلقة طلاقاً بائناً في حكم الأجنبية.
وإلى مساواة حالها في
الموت أشار بقوله: (أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) وإلى الفرق في الطلاق أشار بقوله: (ثم يطلقها بعد البناء).
ثم صرح بما أفهمه الكلام آخراً فقال: أما لو طلق قبل البناء لم تنهدم.
وروى محمد: إن مات قبله فأقصى الأجلين، أي: وعليها الإحداد في الأربعة أشهر وعشر.
هكذا قال في الرواية.
والمراد بالأجلين الثلاثة قروء والأربعة أشهر وعشر، ومعنى أقصى الأجلين، أي: أبعدهما، فإن انتهت الأقراء أولاً انتظرت الأشهر، وإن انقضت الشهر انتظرت تمام الأقراء.
تنبيه:
وقع في نسخ عديدة: وروى محمد بن مسملة، وكذلك هو في نسخة ابن راشد.
وفي نسخة ابن عبد السلام: (وَرَوَى مُحَمَّدُ) فقط وفسره بابن المواز.
وكذلك هو في ابن يونس فليعتمد عليه هنا، على أنه لا يلزم من أن ابن المواز رواه ألا يكون محمد بن مسلمة رواه.
واعترض أبو عمران ما رواه محمد فقال: إما أن يجعلها تمضي على عدة الطلاق، أو يجعل النكاح قد هم عدة الخلع فتعتد الوفاة فقط.
قال: ويلزمه على هذا أن الحامل إذا خالعها زوجها ثم تزوجها وتوفي عنها قبل الدخول أن يوجب عليها أقصى الأجلين.
وأجاب ابن يونس بما حاصله أن عدة الخلع لما خالفت عدة الوفاة في الجنس لزم ألا تدخل إحداهما في الأخرى، بخلاف الحامل فإن عدتها في الخلع والوفاة وضع حملها، فلم يكن اعتبار أقصى الأجلين.
وَمَا سِوَاهُ فَأَقْصَى الأَجَلَيْنِ كَالْمُعتَدَّةِ الْبَائِنِ يَطَأهَا الْمُطَلِّقُ أَوْ غَيْرُهُ وَطْئاً فَاسِداً بِزِنَى أَوْ اشْتِبَاهٍ أِوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ....
حقيقة أقصى الأجلين إذا كان كل من الأجلين يمكن أن يكون أبعد كالأقصى فيما تقدم، ويطلق مجازاً على معنى آخر وهو المذكور هنا، ومعناه أن المرأة إذا طلقت طلاقاً
بائناً ثم وطئها مطلقها أو غيره وطئاً فاسداً إما بزنى أو اشتباه، أو تزوجها المطلق أو غيره تزويجاً فاسداً.
والفساد في حق غير المطلق ظاهر لأنه نكاح في عدة الغير، وأما المطلق فلا يكون بسبب العدة وإنما يفسد لغير ذلك من وجوه الفساد.
ومعنى أقصى الأجلين أنه يبتدئ من حين الوطء الثاني ثلاث حيض.
وقوله: (كَالْمُعتَدَّةِ الْبَائِنِ يَطَأهَا الْمُطَلِّقُ) يريد وكذلك الرجعية إذا وطأها بغير نية ارتجاع على المشهور فإنها تستبرئ بثلاث حيض، وكأن المصنف إنما خص المعتدة البائن للاتفاق عليها.
وَكَالْمُعْتَدَّةِ فِي وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ تَتَزَوَّجُ ويُدْخَلُ بِهَا.
وقَالَ ابْنُ الْجَلابِ: تُتِمُّ ثُمَّ تَسْتَانِفُ عِدَّةً أُخْرَى.
وهُوَ فِي الْمُوطَّأِ عَنْ عُمَرَ
يعني: وممن هي مخاطبة بأقصى الأجلين على المشهور المعتدة، سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة إذا تزوجت ودخل بها في العدة وفسخ النكاح، وأقصى الأجلين في حق المطلقة مجاز كما ذكرنا بخلافه في المتوفي عنها.
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْجَلابِ) أحسن منه: وفي الجلاب، لأن ابن الجلاب لم يقله وإنما نقل في المسألتين روايتين، إحداهما ما شهره المصنف، والثانية أنها تتم بقية العدة الأولى ثم تعتد بعد ذلك للزوج الثاني عدة أخرى.
ثم كلامه يوهم أن ابن الجلاب ذكر في مسألة الموت والطلاق، وإنما ذكره في مسالة الطلاق.
وَكَالْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ أُوْ يَمُوتُ
يعني: وكذلك يجب أقصى الأجلين على من وجب استبراؤها من الزوجات لأجل وطء فاسد يزني أو اشتباه ثم طلقها الزوج أو مات عنها.
وَوَضْعُ الْحَمْلِ اللاحِقِ بِالنِّكَاحِ الصَّحٍيحٍ يَهْدِمُ غَيْرَهُ
مثاله: إذا تزوجت المعتدة لغير [406/ب] مطلقها أو غصبت أو زنت أو وطئت باشتباه ثم أتت بولد وألحق بالأول، وهو معنى قوله: (بِالنِّكَاحِ الصَّحٍيحٍ) فإن ذلك الوضع (يَهْدِمُ غَيْرَهُ) أي: الاستبراء من الوطء الثاني، لأنه إنما كان خشية الحمل وهو مأمون هنا، ولا خلاف في هذا، قاله عياض وغيره.
وَوَضْعُهُ مِنَ الْفَاسِدِ يَهْدِمُ أَثَرَ الْفَاسِدِ، ولا يَهْدِمُ فِي الْمُعْتَدَّةِ لِلْوَفَاةِ اتِّفَاقاً، فَعَلَيْهَا أَقْصَى الأَجَلْينِ، وفِي الْمُعْتَدَّةِ لِلطَّلاقِ قَوْلانِ.
وَعَلَى أَلا يَهْدِمَ فَقِيلَ: أَقْصَى الأَجَلَيْنِ.
وَقِيلَ: تَاتَنِفُ بَعْدَهُ عِدَّةً ....
يعني: وإن ألحق بالنكاح في العدة فإن كان وطأها بعد حيضة فإن ذلك الوضع يبرئها من الاستبراء، وهو معنى قوله: (أَثَرَ الْفَاسِدِ) ثم هل يهدم هذا الوضع أثر العدة؟ لا يخلو إما أن تكون العدة الأولى من وفاة أو طلاق، فإن كانت من وفاة فقال المصنف وغيره: لا يهدمها هذا الوضع بالاتفاق.
وحكى بعضهم فيها خلافاً كالمعتدة من الطلاق.
وهذه الطريقة أولى لأن المثبت أولى ممن حكى الخلاف.
أبو محمد: عن أشهب فإنه حكى عنه في المنعي لها زوجها أن الوضع من الآخر يبرئها منهما، قال: وهو خلاف قولهم كلهم.
فإن قلت: كيف يصح قوله: (ولا يَهْدِمُ فِي العدة لِلْوَفَاةِ) ولا يمكن أن يكون أقصى الأجلين إلا الحمل، فإن الفرض محكوم له بأنه من الثاني، ولا يحكم به أنه من الثاني إلا بعد كونه آتياً بعد ستة أشهر، وعلى هذا فيكون الحمل هو أقصى الأجلين، ويصح قوله أن: (وَضْعُهُ مِنَ الْفَاسِدِ ... لا يَهْدِمُ فِي الْمُعْتَدَّةِ لِلْوَفَاةِ) فالجواب أنه يتصور في المنعي لها زوجها إذا اعتدت وتزوجت وحملت من الثاني ثم ثبت أنه لم يمت أولاً وإنما مات الآن، وفسخ نكاح الثاني لأنه نكح ذات
زوج، فإن وضعت قبل تمام أربعة أشهر وعشر من يوم موت الزوج الأول لم تحل حتى تنقضي الأربعة أشهر وعشر، وإن انقضت الأربعة أشهر وعشر قبل وضع الحمل بأن تبين موت الأول وهي في أول الحمل لم تحل حتى تضع حملها، والله أعلم.
وقوله: (وفِي الْمُعْتَدَّةِ لِلطَّلاقِ قَوْلانِ) يعني: وهل يهدم الحمل اللاحق بالنكاح الفاسد عدة الطلاق؟ قولان.
والقول بالهدم مذهب المدونة عند غير واحد من الشيوخ، لأن فيها: وأما الحامل فالوضع يبرئها من الزوجين جميعاً، فظاهره وإن كان من الآخر.
وصرح بعضهم بذلك في اختصاره للمدونة، وهو قول ابن القاسم في مختصر ابن أبي زيد، ورواية أشهب في الموازية وضعفه محمد.
والقول بأنه لا يبرئها ولابد لها من ثلاث حيض لأصبغ، والأول أظهر لأن العدة شرعت لبراءة الرحم، ومع الوضع تتحقق البراءة.
ورأى أن عدة الطلاق أيضاً فيها ضرب من التعبد، ولولا ذلك لاقتصر على قرء واحد.
وعلى الأول إنما تبرأ بالحمل إذا كان بشبهة، وأما إذا كان بزنى صراح فإنه لا يبرئها ذلك من عدة وجبت عليها.
وقاله ابن القاسم، لكن اعترضه أبو إسحاق وقال: لا ينبغي أن يفرق في ذلك إذا القصد براءة الرحم.
وقوله: (وَعَلَى أَلا يَهْدِمَ ... إلخ) يعني: وإذا فرعنا على القول بعدم الهدم فعليها أقصى الأجلين، أي لا تكتفي بالحمل وتنتظر بقية الأقراء.
وهذا من المواضع التي أطلق فيها المصنف الأقصى بالمجاز، وهذا القول هو المعروف، والقول بأنها تستأنف ثلاث حيض نقله صاحب النوادر، لكن قال عبد الحق: لا يصح ما نقله أنها تستأنف ثلاث حيض، ولفظه في الأمهات: لم يكن لها بد من بقية الثلاث.
ابن يونس: وهذه العبارة هي الصواب لأن الحمل لا يكون من الآخر إلا أن يتزوجها بعد حيضة وتضعه بعد ستة أشهر فأكثر، فقد مضت لها حيضة فتتم بقية الثلاث حيض.
وفي التنبيهات ما وقع من نقل بعضهم أنها تستأنف ثلاث حيض بعد الوضع فإنما معناه أنها لم
تحض قبل.
قيل: ولا يقول أحد أن الوضع يهدم ما مضى من عدتها، فإن قلت هذا ليس بظاهر لأنه إنما يلحق بالثاني بعد الحيضة.
قيل: يحتمل أن يكون ذلك قبلها ويكون الأول نفاه، فإنه حينئذ يلحق بالثاني كما قال المصنف في المسألة التي تليها.
ابن عبد السلام: القول باستئناف الثلاث ذكره محمد واختاره، وظاهره أن النفاس في هذه الصورة لا يقوم مقام حيضة، وقال بعضهم بل يقوم مقامها، وهو الأظهر عندي.
انتهى.
وَمَهْمَا أَتَتْ غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُهُمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ حَيْضَةٍ لَحِقَ بِالَّثانِي إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باِللِّعَانِ فَيَلْحَقُ بِالأَوَّلِ.
وَلا تُلاعِنُ هِيَ لَأَنَّهُ نَفَاهُ إِلَى فِرَاشٍ، فَإِنْ نَفَاهُ تَلاعَنَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ ....
جرت عادة غير المصنف بفرض هذه المسألة في النكاح في العدة، وأتى المصنف بعبارة شاملة لها ولغيرها، فإن قوله: (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) يدخل فيه النكاح في العدة والموطوءة باشتباه، ولا يقال: يدخل في كلامه الأمة المشتركة إذا وطئها الشريكان كما أشار إليه ابن عبد السلام، لأن قوله بعد: (هَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ) يرده.
وأخرج بقوله (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) الزانية والمغتصبة، ومعناه: إذا تزوجت المعتدة ثم أتت [407/أ] بولد لما يحتمل أن يكون لكل واحد من الواطئين بأن تأتي به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني.
فإن كان وطء الثاني بعد حيضة لحق الولد بالثاني، لأن الحيضة تدل على براءة رحمها من الأول، وهذا مذهب المدونة وهو المشهور.
وروى المدنيون عن مالك: يلحق بالأول ولو وطأها الثاني بعد حيضة أو حيضتين لصحة ماء الأول وفساد وطء الثاني.
وقوله: (إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باِللِّعَانِ فَيَلْحَقُ بِالأَوَّلِ) تصوره ظاهر ولا تلاعن هي لأنه لم يرمها بزنى، وإنما نفاه إلى فراش، فإن نفاه الأول أيضاً التعنت حينئذ، لأنه لم يبق من يلحق به هذا الولد.
وهذا معنى قوله: (فَإِنْ نَفَاهُ تَلاعَنَا).
قوله: (فَإِنْ كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ) أي فيلحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان فينتفي عنه ويلحق بالثاني، ولا تلاعن هي إلا أن ينفيه الثاني أيضاً فحينئذ تلاعن.
وعلى ما رواه المدنيون إذا نفاه الأول تلاعن لأنه لا يلحق بالثاني، وإذا ألحق بالأول فإنها تحرم على الثاني لكونه وطأها في العدة.
قاله في المدونة.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم أن قول (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) يشمل المعتدة والموطوءة باشتباه، ولم أر هذا لحكم في المشتبهة.
الثاني: احترز المصنف بقوله: (يَحْتَمِلُهُمَا) مما لو أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، فإنه لا يلحق بالثاني أصلاً ويلحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان.
ابن القاسم: وفي معنى الستة ما إذا كان الشهر السادس تسعة وعشرين ولا يلحق في أنقص من ذلك.
وقال ابن دينار: يلحق به وإن نقص ليلتين أو ثلاثاً قدر ما بين الأهلة.
عياض: وقد وقعت قديماً بفاس مسألة في امرأة جاءت بولد لخمسة أشهر وأربعة وعشرين يوماً هل يلحق به أم لا؟ واختلف فيها فقهاء بلدنا أيضاً، والصواب ألا يلحق به، إذ لا يصح توالي ستة أشهر نقص، وبه أفتى أحمد ابن القاضي ومحمد بن العجوز وغيرهما، وخالفهما أبو على السبتي.
ثُمَّ مَنِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ بِهِ وَيْحَدُّ إِنْ كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمُلاعِنَ الثَّانِيَ.
وَقِيلَ: الْمُسْتَلْحِقُ مِنْهُمَا يُحَدُّ ....
لا خفاء فيما ذكره أن من استلحقه منهما يلحق به كما في سائر مسائل اللعان.
ابن المواز: فإذا استلحقه أحدهما فلا دعوى للثاني فيه، ولو ادعاه الأول قبل لعان الثاني لم يقبل منه، لأنه ابن الثاني، ولو استلحقه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به وتحرم على الثاني للأبد، سواء التعن أم لا، لأنه ناكح في عدة.
سحنون: ولا تحرم على الأول- وإن التعن- لأنه لم تلاعنه كالتي تغتصب فينفي الزوج حملها، أنه يلاعن ولا تحرم عليه.
وقال أصبغ: إن تلاعنا جميعاً حرمت على الأول والثاني.
وقال عبد الحميد، وابن عبد السلام: إذا استلحقاه فإنه يكون لمن يقتضي الحكم إلحاقه به لو لم يكن لعانٌ، فإن كان بعد حيضة لحق بالثاني، وإن كا قبلها فبالأول.
ابن عبد السلام: هكذا نصوا.
وينبغي أن يحمل على ما إذا استلحقاه في زمان واحد، وأما إن تقدم أحدهما فيلحق بالمستلحق الأول، فانظره مع كلام ابن المواز.
وقوله: (وَيْحَدُّ ... إلخ) يعني: ويحد المستلحق إن كان هو الملاعن الثاني لأنه هو الذي نفاه إلى غير فراش، وأما إن استلحقه الملاعن الأول فإنه لا حد عليه لأنه إنما نفاه لفراش.
وهذا قول محمد.
وقوله: وقيل: (الْمُسْتَلْحِقُ مِنْهُمَا يُحَدُّ) أي: سواء كان الأول أو الثاني.
وهو قول أصبغ واستصوبه التونسي، قال: لأن لعانها لهما.
هَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْقَافَّةُ فَفِي الأَمَةِ يَطَأهَا السَّيِّدَانِ فِي طُهْرٍ
يعني: أن الكم الذي ذكره خاص بالنكاح، وليس في الحرائر قافة وإنما القافة في الإماء، وهذا هو المشهور.
وروي عن مالك أنه يعمل به في الحرائر أيضاً، واختاره اللخمي وغيره.
والقافة جمع قائف.
أبو عمران: وإنما اختصت القافة بالإماء على المشهور لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطأونها في طهر واحد، فقد تساورا في الملك والوطء.
وكذلك ما حكم به عمر رضي الله عنه في وطء الزنا في الجاهلية لتساوي الوطء، وليس أحدهما أقوى من الآخر.
وكذلك الأمة إذا ابتاعها رجل وقد وطأها البائع ووطأها المبتاع في ذلك الطهر، لأنها استويا في ذلك الملك، وأما الحرة فإنها لا تكون زوجاً لرجلين في حالة واحدة، فلا يصح فيها
فراشان متساويان.
وأيضاً ولد الحرة لا ينتفي إلا بلعان، وولد الأمة ينتفي بغيره.
والنفي بالقافة إنما هو ضرب من الاجتهاد، فلا ينقل ولد الحرة من اليقين إلى الاجتهاد، ثم من ألحقته القافة لحق به، فإن قالت: هو منهما.
فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن الاشتراك في الماء لا يصح، ويصير إلى أن يبلغ فيوالي من شاء منهما.
وسيأتي من كلام المنصف من آخر أمهات الأولاد في هذه المسالة أربعة أقوال.
فرع:
فإن قالت القافة: ليس هو لواحد منهما.
قال أصبغ: تغير عليه القافة، فإن استوى كلامهم وهما مقران بالوطء وإلا أيهما [407/ب] شاء.
وقال سحنون: يدعى له آخرون ثم آخرون، هكذا أبداً حتى يلحقه بعضهم بأحدهما، لأن القافة إنما دعيت لتحلق لا لتنفي.
وهل يُجتزأ بقائف واحد، وهو الذي رواه ابن حبيب عن مالك، وشرط في الرواية أن يكون عدلاً، أو لا يجتزأ إلا باثنين، وهو الذي رواه ابن نافع عن مالك بناء على إلحاقه بباب الخبر أو بباب الشهادة؟ بعض الشيوخ: والقياس أن يحكم بقائف واحد وإن لم يكن عدلاً، لأنه علم علم يؤديه وليس من طريق الشهادة، كما يقبل قول النصراني الطبيب فيما يحتاج إلى معرفته من ناحية الطب.
زاد التونسي: وكذلك اختلف في الترجمان والناظر في العيوب هل يُجتزأ بواحد أو لابد من اثنين؟
وَالْمُشْتَراةُ فِي الْعِدَّةِ عَلَيْهَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ
يعني: سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق، أما المعتدة في الوفاة ففي المدونة: إن حاضت قبل شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تنقضي عدتها، وإن تمت عدتها ولم تحض فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، وأما المطلقة فأشار إليها بقوله:
فَلِذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا اعْتَبَرَتْ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ شَرَائِهَا، وإِنْ زَادَتْ عَلَى سَنَةِ الْعِدَّةِ ....
لأنها إذا طلقت وهي مرتابة بتأخير الحيض فعدتها سنة كما تقدم واستبراؤها بثلاثة أشهر كما تقدم فتنتظر أقصى الأجلين، فإن بيعت وقد بقي من العام ثلاثة أشهر فقد دخل الاستبراء في العدة، وإن بيعت وقد بقي من السنة يوم دخل يوم من الاستبراء في العدة.
خليل: ولو قيل: يكتفي بالسنة على الاستبراء لكان قولاً حسناً، لأن الاستبراء معقول المعنى، وقد حصلت براءة الرحم بالسنة، والله أعلم.
وَمَنْ أَعْتَقَ لَمْ يَسْتَبْرِئُ لِنِكَاحِهِ عَنْ وَطْئِهِ
يعني إذا كانت له أمة يطأها ثم أعتقها وأراد أن يتزوجها لم يستبرئ لنكاحه، لأن وطئه أولاً صحيح، والاستبراء إنما يكون عن الوطء الفاسد.
وسمعت ممن أثق به أن في المسألة قولاً آخر بالاستبراء، ولم أره الآن وهو أظهر، ليفرق بين ولده من وطء الملك فإنه ينتفي بمجرد دعواه من غير يمين على المشهور، وبين ولده من وطء النكاح فإنه لا ينتفي إلا بلعانه.
وَمَنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا لِحَلِّ وَطْءِ الْمِلْكِ
يعني: أن الإنسان إذا كان متزوجاً لأمة ثم اشتراها فليس عليه استبراء، لأنه إن لم يدخل بها فواضح إذ لا وطء منه ولا من غيره حتى يجب الاستبراء منه، وإن دخل فوطؤه صحيح والماء ماؤه، وهو ماء صحيح في وطء صحيح.
عياض: وقال ابن كنانة: في غير المدخول بها ويستبرئها.
وانظر ما حكاه القاضي عن ابن كنانة هل معناه وإن كانت بعد البناء لم يحتج إلى استبراء أو إنما تحتاج إليه بعده من باب الأولى، ويكون نبه بالأخف على الأشد وهو الظاهر.
وذكر أن الولد إذا أحدث بعد الملك كانت به أم ولد باتفاق.
واختلف إذا حملت به في النكاح وولدته بعد الشراء هل تكون به أم ولد أو لا؟ فتحتاج إلى الاستبراء ليحصل هل هي أم ولد أو لا؟
فَلَوْ بَاعَ الْمَدْخُولَ بِهَا أَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ وَطْءِ الْمِلْكِ لَمْ تَحِلَّ لِلسَيَّدِ وَلا لِلزَّوْجٍ إِلا بِقُرْءَيْنِ عِدَّة فسخ النِّكَاح، وكَانَ يَقُولُ: حَيْضَةٌ.
ثًمَّ رَجَعَ ....
يعني: فلو باع هذا الزوج الذي اشترى زوجته وكان قد دخل بها أو أعتقها أو مات عنها قبل أن يطأها بالملك، أو كان هذا الزوج مكاتباً اشترى زوجته فعجز فرجعت إلى سيده قبل أن يطأها المكاتب لم تحل واحدة منهن لزوج إن تزوجت أو لسيد إن حصلت سيده قبل أن يطأها المكاتب لم تحل واحدة منهن لزوج إن تزوجت أو لسيد إن حصلت إلا بعد قرءين عدة فسخ النكاح، وكان مالك يقول في كل من اشترى زوجته من حر أو عبد ثم باعها أو أعتقها أنه يستبرئها بحيضة ثم رجع عنه إلى حيضتين.
ذكر ذلك في المختصر الكبير، وكتاب ابن المواز.
وبالمرجوع إليه أخذ ابن القاسم، ولكنه في المدونة إنما ذكر مسألة المكاتب، قيل: وسبب الخلاف هل هي من ملك ولم يفعل كمن فعل، وذلك أن المكاتب ونحوه قد ملك أن يطأ فهل يعد كأنه وطئ أم لا؟
عياض: وقيل سبب الخلاف الخلاف في المطلوب في الفسوخ هل هو استبراء أو عدة؟
أبو الحسن وغيره: وإذا بنينا على القول المرجوع إليه فالحيضة الأولى هي التي للمواضعة ويبرأ بها المبتاع، والثانية إنما هي لتتميم عدة فسخ النكاح وضمانها حينئذ من المشتري.
وكتب ابن عتاب أن المواضعة في الحيضتين معاً، وهو ظاهر ابن أبي زمنين.
ونص ما في كتاب ابن عبدوس: وذلك أنه إن ظهر بها حمل فيهما صارت أم ولد للبائع، وقول المصنف عدة مجرور إما بدل أو عطف بيان من قرءين.
وَبَعْدَهُ بِحَيْضَةٍ لأَنَّ وَطْئَهُ فَسْخٌ لِلْعِدَّةِ.
الضمير المجرور ببعده عائد على الوطء، يعني: وإن باع المدخول بها أو مات عنها أو أعتقها بعد أن وطئها اكتفت بحيضة، لأن وطئه هادم لعدة فسخ النكاح.
ولما كان المطلوب في الفرع الأول على القول المرجوع [408/أ] إليه إنما هو عدة، قال المصنف بقرءين، لأن الأقراء هن الأطهار بخلاف المطلوب هنا فإنه استبراء محض، فلذلك قال بحيضة ولم يقل بقرء، لأنه تقدم أن المطلوب به في الاستبراء حيضة على المشهور.
إِلا أَنْ يَحْصُلَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيْضَةٌ أَوْحَيْضَتَانِ فَتَحِلُّ بِحَيْضَةٍ
الاستثناء راجع إلى صدر المسألة- أعني محل القرءين- والإشارة بذلك عائدة على البيع والعتق والموت، وعجز المكاتب المفهومة من قوله: (فلو باع المدخول بها أو أعتقها أو مات عنها أو عجز المكاتب) يعني إلا أن تحصل قبل انتقال الملك بأحد تلك الوجوه حيضة أو حيضتان فتحل بحيضة، لأنه إن حصل قبل ذلك حيضة كانت هذه الحيضة التي تحل بهما مكملة للعدة ونائبة عن الاستبراء، وإن كان الحاصل قبل حيضتان كانت هذه الحيضة استبراء فقط.
وَمَتَى الْتَبَسَ الأَمْرُ فَالأَحْوَطُ كَالْمَرْأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطَلَّقٌة، ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَتَبَيَّنْ فِيهِمَا فَعِدَّتُهُمَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ فَإِنْ تَبَيَّنَتْ فَكَالْمَطَّلَقةِ ....
الكلام المتقدم في التداخل هو باعتبار موجبين، والكلام الآن إذا كان الموجب واحداً ولكنه التبس بغيره، ثم التباسه إما أن يكون من جهة محل الحكم وإما من جهة سببه، ومثل المصنف للأولين بمثالين أشار إلى الأول بقوله: (كَالْمَرْأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ) وإلى الثاني بقوله: (أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطَلَّقٌة) يعني: إذا كانت له امرأتان إحداهما
بنكاح فاسد كما لو تزوج أختين من الرضاع ولم تدر السابقة منهما، ثم مات الزوج فتعتد كل واحدة منهما بأربعة أشهر وعشر وثلاثة قروء، لأن الحكم فيهما لو علمت السابقة أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، وتعتد الأخرى بثلاثة قروء، لكن لا يعلم ذلك طلب في كل واحدة مجموع الأمرين إذ لا تتحقق حليتهما للأزواج إلا بذلك، والتعليل في المسألة الثانية كالأولى.
وقوله: (ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ) هو عائد للمسألتين معاً.
وقوله: (وَلَمْ تَتَبَيَّنْ) أي: المنكوحة نكاحاً فاسداً أو المطلقة فيهما، أي في المسألتين.
وقوله: (فَعِدَّتُهُمَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ) واضح.
وقوله: (فَإِنْ تَبَيَّنَتْ) أي المنكوحة نكاحاً نكاحاً فاسداً (فَكَالْمَطَّلَقةِ) أي: فإن مات عنها قبل البناء فلا شيء عليها، وإن مات بعده تربصت ثلاثة قروء، ثم أخذ يتكلم على الالتباس من جهة سبب الحكم، فقال:
وَكَالْمُسْتَوْلَدَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ يَمُوتُ السَّيِّدُ والزَّوْجٌ وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَإِنِ احْتَمَلَ مَا بَيْنَهُمَا عِدَّةَ الأَمَةِ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ مَوْتِ الثَّانِي، وحَيْضَةٌ فِيهَا أَوْ إَلَى تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَهَذَاَ عَلَى أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْمُسْتَوْلَدَةِ بِذَلِكَ لا عَلَى أَنَّهُ ثَلاثَةٌ أَوْ سِتَّةٌ وإِنْ لَمْ يَحْتَمِل فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ مَوْتِ الثَّانِي، وَحُكْمُ الْحَيْضَةِ مَا فِي عِدَّةِ الحُرَّةِ لِلْوَفَاةِ، ولابُدَّ مِمَّا تَحِلُّ بهِ الأَمَةُ الْمُعتَدَّةُ مِنَ الْوَفَاةِ مِنْ مَوْتِ الأَوَّلِ ...
يعني: إذا زوج الرجل أم ولد ثم غاب عنها سيدها وزوجها وماتا، وعلم أن أحدهما مات قبل الآخر لكن لم يعلم السابق منهما، فلذلك صورتين:
الأولى: أن يكون بين موتهما أكثر من شهرين وخمس ليال، وهو معنى قوله: (فإن احتمل ما بينهما عدة الأمة).
وانتهى كلامه على هذه الصورة عند قوله: (ثَلاثَةٌ أَوْ سِتَّةٌ) والصورة الثانية: ألا يكون بين موتهما شهران وخمس ليال، وهو معنى قوله: (وإِنْ لَمْ يَحْتَمِل .... إلخ).
وإنما طلبت في الأولى بأربعة أشهر وعشر وحيضة، لأنه على تقدير احتمال موت السيد أولاً لا يلزمها بسببه شيء لأنه مات عنها وهي في عصمة زوج ولم تحل لسيدها، لكن يجب عليها أربعة أشهر وعشر، لأن زوجها مات عنها وهي حرة، وعلى احتمال موت الزوج أولاً تجب عليها العدة منه بشهرين وخمس ليال، لأنه مات عنها قبل سيدها لكن يجب عليها الاستبراء بحيضة، لأنها قد حلت للسيد إذ الفرض أن بين موتهما مقدار العدة، فلأجل ذلك لا تحل إلا بمجموع الأمرين أربعة أشهر وعشر وحيضة، فإن أتتها الحيضة في أربعة أشهر وعشر وإلا انتظرتها إلى تسعة أشهر، فإن لم تأتها ولم تحس بريبة حلت، وهذا معنى قوله: (وحيضة فيها أو إلى تمام تسعة أشهر).
واختلف الشيوخ في الشهرين وخمس ليال، هل لها حكم أكثر منها؟ وبه فسر المدونة ابن يونس، أو الأقل وإليه ذهب ابن شبلون لأنه لم يمض وقت تحل فيه للسيد، ولو جهل مقدار ما بينهما هل أقل أو أكثر لكانت كما لو تحقق أنه أكثر ولزم الأخذ بالأحوط.
قاله بعض الشيوخ.
قوله: (وَهَذَا) أي: ما قلنا من الرفع إلى تسعة أشهر إنما هو إنما هو أن تستبرأ أم الولد إذا توفي عنها سيدها وارتابت بتأخير الحيض تسعة أشهر لا على القول بأنها ترفع ثلاثة أشهر، فإنها على هذا القول تكتفي بأربعة وعشر لدخول الثلاثة فيها ولا على أنها ترفع إلى ستة أشهر فإنها تستغني بستة أشهر.
وهذا القول الذي قدمه عن ابن القاسم بقوله: وكان يقول إن كانت تحيض كل ستة أشهر انتظرتها.
وكلام المصنف يوهم أن ابن القاسم يقصد خصوصية الستة، وإنما قال [408/ب] ذلك على طريق المثال كما تقدم، واعلم أن ما قاله المصنف من أنها على القول بأنها تكتفي بثلاثة أشهر تكتفي هنا بالأربعة أشهر وعشر، هو قول غير واحد من القرويين، ورده ابن يونس بأن القول بالاكتفاء بالثلاثة إنما هو في الأمة القن إذا ارتابت، والحيضة في أم الولد من وفاة سيدها أو عتقه
إياها عدة لقول الاختلاف فيها بخلاف الأمة.
وإذا كانت عليها عدة من سيدها وعدة من زوجها وجب أن تطالب بأقصى الأجلين، كقول ابن القاسم فيمن تزوجت في عدة وفاة ودخل بها، وصححه عياض.
خليل: وإنما يظهر أثر اشتراط الحيضة فيما إذا احتمل على قول من لا يراعى الحيضة في عدة الوفاة، وأما من يعتبرها- كأشهب وأحد قولي ابن القاسم- فإن حيضة استبرائها تدخل في الحيضة المشترطة في العدة.
وقوله: (وإن لم يحتمل) هذه هي الصورة الثانية، يعني فإن لم يكن بين موتهما شهران وخمس ليال بل أقل من ذلك فعليها أربعة أشهر وعشر لاحتمال موت الزوج بعد موت السيد، وعلى احتمال موت الزوج أولاً فعليها شهران وخمس ليال وهي مندرجة في الأربعة، فلذلك اكتفت بالأربعة أشهر وعشر ولم تحتج إلى حيضة الاستبراء، لأنها إنما احتاجت إليها في المسالة السابقة لكونها حلت للسيد، وها هنا لم تحل له، لأنه وإن مات زوجها أولاً فهي معتدة منه.
وقوله: (وَحُكْمُ الْحَيْضَةِ ... إلخ) فيحتاج إليها على قول أشهب، ولا يحتاج إليها على قول عبد الملك، ويفرق على المشهور.
ابن عبد السلام: واختلف حذاق الشيوخ هل طلب الحيضة في عدة الوفاة في حق من كانت عادتها أن تحيض في أقل من زمان العدة عام في كل معتدة أو لا يحتاج إليها هنا لرفع الريبة في تلك العدة فصارت من باب اعتبار الشك المركب، وقد تقدم إطراحه في الفقهيات لأنه من الوساوس؟
قوله: (ولابُدَّ مِمَّا تَحِلُّ بهِ الأَمَةُ الْمُعتَدَّةُ للوفاة).
ابن راشد: هذا الموضع مشكل لأن فرض المسألة أن الأول مجهول، فإن فرضنا أن الأول هو الزوج فهذه تعتد عدة الأمة، وتقدم الخلاف هل لابد من حيضة أو تحل بثلاثة أشهر أو تحل بانقضاء العدة؟
وإن كان السيد هو الأول فعدتها أربعة أشهر وعشر، ويختلف هل تحل أم لا تحل حتى تحيض- كما سبق- فأي فائدة في ذكره فتأمله؟
خليل: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أنها تتربص تسعة أشهر على قول وذلك لأنه قدم أن الأمة، قد لا تحل بمجرد مضي عدتها بل لابد مما تحل به الأمة.
وقد تقدم أن في ذلك قولين: أحدهما أنها تتربص تسعة أشهر.
والثاني أنها تتربص ثلاثة.
فعلى الأول أنها تتربص تسعة لابد لهذه المستولدة من تسعة إذا ضعف أمرها أن تكون كالأمة، والله أعلم.
فرع:
ولا ترث أم الولد من زوجها شيئاً في الصورتين لاحتمال موت الزوج قبل موت السيد.
قاله في المدونة وغيرها.
الإِحْدَادُ: وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ لِلْوَفَاةِ خَاصَّةً وِإنْ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الطلَّاقِ
أبو زيد وأبو عبيد: يقال حدث المرأة فهي حاد، وأحدث فهي محد، ولم يعرف الأصمعي (حدت) وأصله من حاددت الرجل من كذا إذا منعته، ومنه الحدود الشرعية من الجلد والرجم والقطع لأنه تمنع أن يؤتى مثل ذلك الفعل، ومنه أيضاً الحدود للماهيات لأنها تمنع من أن يدخل في تلك الماهية غيرها، ولذلك قيل للبواب حداد لأنه يمنع غيره، والدليل على وجوبه في عدة الوفاة ما في الصحيحين وغيرهم عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قُسطٍ وأظفار)).
قيل: والعصب ثيا من اليمن فيها بياض وسواد، والنبذة- بضم النون- القطعة والشيء اليسير، والقسط- بضم القاف- والأظفار نوعان من البخور، ورخص فيه في الطهر من الحيض لتطييب المحل وإزالة كراهته.
ولهذا الحديث ونحوه قصد مالك الإحداد على عدة الوفاة، وحكمة مشروعيته الإبعاد مما تراه المرأة له صوناً للأنساب.
مطرف وابن الماجشون: وإن ارتابت فعليها الإحداد حتى تنقضي الريبة وإن بلغت إلى خمس سنين.
قال: وكذلك سمعنا مالك يقول.
قوله: (وِإنْ كَانَتْ صَغِيرَةً) يريد وإن كانت في المهند ويجنبها أهلها، لأنها لما وجبت عدة الوفاة على الصغيرة والكبيرة وجب عليها الإحداد، ودخل في قوله: (كُلِّ زَوْجَةٍ لِلْوَفَاةِ) الأمة والحرة، وهو صحيح.
وَفِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ والْكِتَابِيَّةِ قَوْلانِ
المشهور مذهب المدونة وجوب الإحداد عليهما، ولم يوجبه عبد الملك وسحنون على امرأة المفقود، لأن الرجل لم تتحقق وفاته بدليل أنا لا نقسم ميراثه، واختار اللخمي أن
يكون عليها أقصى الأجلين.
والقول بعدم وجوب الإحداد على الكتابية رواه ابن نافع عن مالك، وبه قال هو وأشهب، إما [409/أ] لأنها لم تدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل لامرأة بالله واليوم الآخر)).
وإما بناء على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة كما أشار بعضهم، وقد يقال: إن المشهور وقول ابن نافع مبنيان على الخلاف في عدتها، هل تعتد بأربعة أشهر وعشر أو بثلاث حيض.
فالمشهور مبني على الأول، وقول ابن نافع مبني على الثاني.
وَهو تَرْكُ الزِّينَةِ الْمُعْتَادَةِ فَلا تَتَحَلَّى وَلَوْ بِخَاتَمٍ، ولا تَتَطَيَّبُ، وَلا تَدَّهِنُ بِالأَدْهَانِ الْمَطِّيَبةِ بِخِلافِ الشَّيْرَقِ والزَّيْتِ ....
لما ذكر أن الإحداد واجب أتبعه على حقيقته، ولما كان ترك التحلي والتطيب من نتيجة قوله (تَرْكُ الزِّينَةِ) أدخل الفاء في قوله: (فَلا تَتَحَلَّى وَلَوْ بِخَاتَمٍ، ولا تَتَطَيَّبُ).
عيسي: وسواء كن ذلك الخاتم فضة أو ذهبا.
مالك في رواية محمد: ولا تلبس حالياً ولو كان حديداً.
ولم ينص أصحابنا على الجوهر والياقوت.
الباجي: وهو داخل تحت قوله في الموطأ: ولا تلبس خاتماً ولا خلخالاً ولا غير ذلك من الحلي.
محمد عن مالك: ولا تحضر عمل الطيب ولا تتجز فيه، وإن لم يكن لها كسب غيره حتى تحل.
ولو مات زوجها بعد أن مشطت رأسها فقال مالك: لا تنقض مشطها، أرأيت لو اختضبت.
قال في البيان: إن كانت امتشطت بغير طيب، وأما إن كانت امتشطت بطيب أو تطيب في سائر جسدها فيجب عليها غسله كنزع الثوب المصبوغ إذا توفي زوجها ولا لابسة له، وكما يجب على الرجل إذا أحرم وهو متطيب أن يغسل الطيب عنه.
وقال بعض القرويين: إذا لزمت المرأة العدة وعليها طيب ليس عليها غسله بخلاف الذي يحرم.
عبد الحق: لأن المحرم أدخل الإحرام على نفسه ولو شاء نزع الطيب قبل أن يحرم أو
أخر الإحرام حتى يذهب، فلم يعذر لاختياره بخلاف العدة فإنه لا خيار للمرأة فيها.
والشيرق بكسر الشين المعجمة وآخره قاف، ويقال بالجيم ويقال أيضاً بالحاء المهملة المفتوحة.
النووي: وهو بفتح الراء وليس بعربي، وهو دهن السمسم.
وَلاَ تَمْتَشِطُ بِحِنَّاءٍ ولا كَتَمٍ وَلاَ بِماَ يَخْتَمِرُ فِي رَاسِهَا
قال في المدونة بإثر هذا: وتمتشط بالسدر وبما لا يختمر في رأسها.
عياض: والحناء ممدود، والكتم بفتح التاء الوسمة التي يصبغ بها الشعر.
وقال أبو عبيد: بتشديد التاء.
وهو يذهب حمرة بيان الضعر ولا يسوده كما زعمه بعضهم مما أخطأ في ذلك.
وَلا تَدخُلُ الْحَمَّامَ، ولا تُطْلِي جَسَدَهَا
هكذا قال أشهب أنها لا تدخل الحمام ولا تطلي جسدها بالنورة، ولا بأس أن تستحد.
هكذا نقل اللخمي وابن يونس عن أشهب.
ونقل ابن عبد السلام عن أشهب أنها لا تدخل الحمام إلا من ضرورة.
ونقل عن غيره أنها لا تدخله، قال: وظاهره ولو مع الضرورة.
وأجاز لها ابن لبابة دخول الحمام، وأجاز في السليمانية الإطلاء بالنورة.
مالك في العتبية: ولا باس أن تخرج إلى العرس ولا تتهيأ بما لا تلبسه الحاد ولا تبيت إلا في بيتها، ولا بأس أن تنظر في المرآة وتحتجم وتقلم أظفارها وتنتف إبطيها.
وَلا تَكْتَحِلُ إِلا لِضَرُورَةٍ وَتَمْسَحُهُ نَهَاراً، وقِيلَ: وَلا لِضَرُورَةٍ
قال في المدونة: ولا تكتحل إلا من ضرورة، ولا بأس وإن كان فيه طيب ودين الله يسر.
زاد مالك في الموازية أنها تكتحل ليلاً وتمسحه نهاراً كما قال المصنف.
ولمالك في المختصر أنها لا تكتحل بإثمد فيه طيب وإن اشتكت عينها.
الباجي: ويحتمل ما في المختصر أنها لم تضطر إلى الطيب.
الباجي: وجدت لمالك ولم أتحققه أنها لا تكتحل بالإثمد ولا بشيء فيه سواد ولا صفرة ولا بما فيه طيب وإن اشتكت
عينها.
ومعنى ذلك ألا تدعو إلى ذلك ضرورة، وهذا على تأويل الباجي يرجع إلى الأول.
ونقل ابن عبد الحكم عدم الجواز ولو حصلت الضرورة، ودليله ((أن امرأة توفي زوجها فأتت أمُّهَا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن بنتي اشتكت عينها أفأكحلها؟ قال: لا قالت: إني أخشى أن تنفقئ عينها.
قال: وإن انفقأت)).
عبد الحق: وإسناده صحيح.
وفي الموطأ أنه عليه الصلاة والسلام قال لامرأة معتدة اشتكت عينها: ((اكتحلي بكحل الجلاء بالليل وامسحيه نهاراً)).
ولعل تعارض الحديثين هو سبب الاختلاف هنا.
وَتَلْزمُ الْمَسكَنَ
أي: وتلزم المتوفى عنها المسكن الذي توفي عنها زوجها فيه.
ونبه بهذا على قول ابن عباس وجابر أنها تعتد حيث شاءت.
ودليلنا ما رواه مالك وأبو داود والترمذي وصححه أن الفريعة بنت أخت أبي سعيد الخدري جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبُدٍ له أبقوا له حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)).
فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت، فقال: ((كيف قلت))؟ [409/ب] فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)) واللفظ لأبي داود.
وَلَا تَلْبَسُ مَصْبُوغاً إِلا الأَسْوَدَ وَالأَدْكَنَ وَالأَكْحَلَ إِلا أَنْ لاَ تَجِدَ غَيْرَهُ
هكذا وقع كما ترى أن الأدكن داخل في المستثنى، ونحوه في الجلاب، فإنه قال: ولا بأس بلباس البياض والسواد والدكن والكحليات.
ومذهب المدونة خلافه، ففيها: ولا
تلبس خزاً ولا ما صبغ من ثياب أو جباب حرير أو كتان أو قطن أو صوف وإنه كان أخضر أو أدكن إلا أن لا تجد غيره، وتكون بموضع لا تجد استبدالاً، فإن وجدت بدلاً ببيع فليس ذلك لها.
اللخمي: وكذلك إذا قدرت على تغيير صبغة بسواد.
ولا فرق في المصبوغ الممنوع بين الصوف والحرير وغيرهما.
ابن رشد: ولو رجع في أمر اللباس إلى الأحوال لكان حسناً، فرب امرأة يكون شأنها لباس الخز والحرير فإذا لبست ثوب كتان أي لون كان فلا يكون زينة لها.
خليل: وعلى هذا فتمتنع الناصعة البياض من السواد فإنه يزينها.
وكذلك قال اللخمي: أرى أن تمنع من الثياب الحسنة وإن كانت بيضاء لأنها تزيد في الوضاءة، وتنظر حينئذ لنفسها ويتشوف لها، وكذلك الرفيع من السواد، ولا أرى من تمنع الأخضر والأزرق والزيتي.
وَتَلْبَسُ الأَبْيَضَ- ولَوْ إِبْرِيسَماً- وغَلِيظَ عُصُبِ الْيَمَنِ، وَأَبْيَضَ الْخَزِّ وأِسْوَدَهُ
ما ذكره هو المشهور.
قال في المدونة: وتلبس رقيق البياض كله وغليظه.
ومال غير واحد إلى المنع من رقيق البياض.
وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعِدَّةِ
يعني: وليس الإحداد شرطاً في العدة، بل لو تركته أثمت وحلت بانقضاء العدة.
وَعَلَى مَنِ اشْتَرَى أَمَةً مُعْتَدَّةً إِبْقَاؤُهَا فِي مَوْضِعِ اعْتِدَادِهَا، ويَجُوزُ إِخْرَاجُهَا نَهَاراً لِلْبَيْعِ، وَلاَ تَتَزَيَّنُ بِمَا لا تَلْبَسُهُ الْحَادُّ ....
لأن بقاء المعتدة في موضع اعتدادها مأمور به، فإذا احتاج سيدها للبيع جاز له إخراجها نهاراً كما جاز للحرة أن تخرج لحوائجها طرفي النهار، ولا يتركها تتزين بما لا تتزين به الحاد، وإنما لم يكن للمشتري إخراجها لأنه حل محل البائع.
وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْمَدْخُولِ بها مُطْلَقاً مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ لِعَانٍ السُّكْنَى
يعني: أن للمدخول بها السكنى في العدة مطلقاً سواء كانت من وفاة أو طلاق أو خلع، وعطفه الخلع على الطلاق من باب عطف الخاص على العام، ولأنه قد يتوهم إسقاط السكنى لها لما بذلته، ولينبه على أنه لا فرق في الطلاق بين البائن وغيره.
والمشهور في المتوفى عنها ما ذكره المصنف، وروى ابن خويز منداد عن مالك سقوط السكنى لها، وقاله ابن القصار، لأن ملك الزوج للدار قد زال بموته، وأسقط أحمد بن حنبل السكنى للبائن.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:6] ولم يذكر في ذلك شرطاً.
ثم قال في النفقة: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فشرط وجود الحمل.
وقوله: (أَوْ فَسْخٍ) أي في النكاح الفاسد، لأنها محبوسة من أجله، ولأن الولد يلحق به كالصحيح.
قوله: (أَوْ لِعَانٍ) هو المشهور.
وقال القاضي إسماعيل: لا سكنى لها.
وهو اختيار ابن رشد لانقطاع الزوجية وأسبابها، ولو أتت بولد لم يلحق به.
وَإِنْ نَقَلَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاتَّهَمْ رَجَعَتْ لِلَأوَّلِ
يعني: إذا نقل الرجل زوجته من موضع سكناه المعروف إلى غيره، واتهم على إسقاط حق الله تعالى في السكنى، كما لو طلقها بالقرب فإنها ترجع إلى المنزل الأول، ولم يكتفوا منه هنا باليمين.
فرع:
فإن كانت إقامتها في غير منزلها لحق آدمي مثل أن تكون ظئراً استؤجرت بشرط أن تكون في دار أبوي الصبي، فمات الزوج عنها أو طلقها.
التونسي: فاعرف في هذا أنه تفسخ الإجارة وترجع إلى بيتها بخلاف حق الله تعالى من العكوف والإحرام.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ ِبَها يَمُوتُ زَوْجُهَا فَلا سُكْنَى لَهَا إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْكَنَهَا فَتَكُونُ كَالْمَدْخُولِ بِهَا ....
لأنها إنما تعتد في موضع سكناها إلا أن يكون قد أسكنها فلها السكنى، وسواء كانت كبيرة أو صغيرة لا يجامع مثلها.
قاله في المدونة، وقيده أبو بكر بن عبد الرحمن بما إذا كان قد ضم الصغيرة إليه لا ليكفلها، وأما إن أخذها ليكفلها ثم مات فليس لها.
ابن يونس: وأظن أن ابن المواز ذكره، وهو بين فاعلمه.
ابن حارث: واختلفوا في الصغيرة التي لا يدخل بمثلها إذا أسكنها زوجها في حياته ثم مات، فقال ابن القاسم: هي أحق بالسكنى حتى تنقضي العدة.
قال سحنون: وكيف تكون أولى بالسكنى وإنما هو متطوع لها بها في حياته.
محمد: ولو اكترى لها منزلاً فجعلها فيه ونقد الكراء، أو كان لنفسه فهي أحق به وإن لم يبن.
اللخمي: وليس هو أصل المذهب إلا أن يكون موته بعد أن صارت إلى ذلك المسكن.
وَلا سُكْنَى لِلأَمَةِ مَا لَمْ تَتَبَوَّا بَيْتاً
يعني: إذا لم تتبوأ بيتاً اعتدت في بيت سيدها، وإن تبوأت فكالحرة.
وبالجملة فأحكمها بعد [410/أ] الموت أو الطلاق باعتبار السكنى كحالها في حال الزوجية.
بعض الأندلسيين: وهو يدل على أن سكنى المعتدة تبع لسكنى العصمة، فيؤخذ منه أن الحرة إذا طاعت لزوجها بالسكنى في دارها دون كراء ثم طلقها فطلبت منه كراء أمد العدة أنه لا يلزمه السكنى، وبهذا أفتى أبو عمر ابن المكوي وابن العطار والأصيلي، وذهب ابن زرب وابن عتاب إلى أن عليه الكراء، وإليه ذهب اللخمي، وأفتى به المازري لأن المكارمة قد زالت بالطلاق.
وَلَوْ خَرَجَ بِهَا إِلَى الحْجَ ِّفَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا بَائِناً أَوْ رَجْعِياً رَجَعَتْ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَبْعُدْ أَوْ تُحْرِمْ ....
يعني: ولو سافر الزوج بزوجته فأما إلى الحج أو غيره، فإن سافر بها إلى حجة الفريضة فما قاله المصنف قاله أبو بكر بن عبد الرحمن، وأما غيره: فترجع إن بعدت كالسفر إلى الرباط ونحوه، وسوى غيره بين الفرض والنفل بخلاف العزو والرباط.
عياض: وفرق بين ذلك بفروق ضعيفة، والأول أصوب.
وأشار التونسي إلى أنه ينبغي على الثاني أن يلحق بذلك الغزو ونحوه، وما ذكره من أنها ترجع إذا طلقها أو مات عنها في الثلاثة الأيام نحوه في المدونة، ونص على أن ما قرب من الثلاثة بمنزلتها وأنها ترجع إن وجدت ثقة.
قال: وترجع من ملل وذوي الحليفة من المدينة، وردهن عمر رضي الله عنه من البيداء، ولا يفسخ كراء كريها، ولتكر الإبل فيمثل ما اكترت ولو بعدت كإفريقية من الأندلس أو المدينة من مصر تمادت، وأما إذا أحرمت فلتنفد قربت أو بعدت.
وملل موضع بينه وبين المدينة ثمانية عشر ميلاً.
قوله: (إن وجدت ثقة) يريد محرماً أو ناساً لا بأس بهم.
قاله اللخمي وابن عبد السلام وغيرهما.
وفهم اللخمي من قول مالك أنها ترجع في اليومين والثلاثة أن الحج عنده على التراخي، قال: وعلى قوله أنه على الفور يكون عليها أن تنفد لما خرجت إليه وإن لم تكن بعدت عن بلدها، وكذلك لو لم تكن خرجت لكان عليها أن تخرج.
ابن عبد السلام: وفي قوله: (لكان عليها أن تخرج) نظر، فإنه حينئذ يكون كواجبين تعارضا، لأن مكثها في بيتها فرض، والحج كذلك، فيسلك مسلك الترجيح.
فرعان:
الأول: قال أبو عمران: وإذا طلقها ورجعت فعليه الكراء في رجوعها لأنها إنما رجعت من أجله وحبست له، فذلك بمنزلة ما يجب لها من السكنى عليه.
الثاني: قال أبو الحسن: قوله: وأما إذا أحرمت فلتنفد، ظاهره أنها أحرمت قبل موت الزوج، ولا إشكال في هذا وهي غير عاصية، ولو أحرمت بعد موت الزوج نفدت وهي عاصية، بخلاف المعتكفة فإنها لا تنفد إذا أحرمت بالحج وتبقى على اعتكافها حتى تتمه، إذ لو قيل أنها تخرج إلى الحج الذي أحرمت به لبطل اعتكافها، لأنه لا يكون إلا في المسجد، بخلاف الإحرام فإنه لا يخل بجملة العدة وإنما يخل بالمبيت.
وَتَرْجِعُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ إِنْ كَانَ خَرَجَ لإِقَامَةِ الأَشْهُرِ لا لِلْمُقَامِ إِذَا وَجَدَتْ ثِقَةً، وَإِنَّمَا تُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إِذَا بَقِي لَهَا شَيْءٌ مِنْ عِدَّتِهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَى بَيْتِهَا بِالتَّقْدِيرِ، وَإِذَا كَانَ السَّفَرُ لِلانْتِقَالِ اعْتَدَّتْ فِي أَقْرَبِهمَا أَوْ أَبَعْدِهِمَا أَوْ فِي مَكَانِ الْمَوْتِ إِنْ شَاءَ وأَمْكَنَ ....
يعني: وإن سافر بها في غير الحج فإن ذلك على وجهين: أحدهما: أن يخرج لا للسكنى بل ليقيم شهراً أو شهوراً كما لو خرج لرباط أو زيارة أو تجارة.
والثاني: أن يخرج للإقامة رافضاً لسكناه بمحله.
وذكر المصنف أنها في الوجه الأول ترجع وأطلق، ونص في المدونة على أنها ترجع ولو وصلت إلى المكان الذي خرجت إليه.
واختلف إذا قامت بالمكان الذي خرجت إليه الأشهر أو السنة، فذكر التونسي وغيره قولين: أحدهما: أنها ترجع، وهو ظاهر المدونة.
والثاني: أنها لا ترجع، وهو قول مالك في الموازية.
ابن عبد الحكم: والأول أحسن.
وقال اللخمي: الثاني أحسن.
وقوله: (وَإِنَّمَا تُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ .... إلخ) يعني: وحيث أمرناها، إنما ذلك حيث يكون لرجوعها فائدة بأن تعتد في منزلها، وأما إن كانت لو رجعت لا تدرك منزلها إلا بعد فراغ العدة فلا ترجع لعدم الفائدة حينئذ في الرجوع.
وظاهر كلامه إذا بقي من العدة شيء أنها ترجع ولو أدركت يوماً واحداً، وهو ظاهر المدونة، لكن قيد ذلك اللخمي بأن تدرك ما له قدر، وقال: وإن لم يبق من العدة إلا ما لا قدر له لم ترجع، وتعتد في موضعها إن كانت
في مستعتب أو تنتقل إلى أقرب المواضع إليها وإن كانت في غير مستعتب، ولا مستعتب دون الموضع الذي خرجت إليه فيكون لها أن تبلغه، وإن كان انقضاء العدة قبله، ولا إشكال في التقدير في ذات الأشهر، وأما ذات الحيض فالتقدير في حقها بما عرفته من عادتها.
ثم أخذ المصنف يتكلم على القسم الآخر وهو ما إذا كان خروجه للانتقال، فقال: وإن كان السفر للانتقال ... إلخ.
والضمير في أقربهما أو أبعدهما عائد على المكان الذي خرجت منه والذي خرجت إليه.
وحاصل كلامه أنها تخير في أحد ثلاثة أمور: أن ترجع [410/ب] إلى المكان الأول، أو تذهب إلى المكان الذي خرجت إليه، أو تقييم بالمكان الذي مات فيه زوجها.
قوله: (وأَمْكَنَ) الظاهر عوده على الثلاثة، ويحتمل من جهة اللفظ أن يعود إلى قوله: (أَوْ فِي مَكَانِ الْمَوْتِ) وما ذكره من التخيير في الثلاثة نحوه في المدونة، وعلل ذلك فيها بأنه مات ولا قرار لها لرفض قراره ولم تصل بعد إلى قراره، ونص فيها على أن المطلقة طلاقاً بائناً أو رجعياً كذلك.
اللخمي: ولها أن تعتد في موضع الموت وإن مات في مستعتب، أو تنتقل إلى غيره إذا كان مأموناً، ولا تبعد لأنها وإن كانت لا تتعين عليها العدة في مسكن فلا يسقط خطابها بما تخاطب به المعتدة من الحفظ، وأن لا تبيت عن المسكن الذي تبيت فيه، وإذا كان كذلك لم يكن لها أن تجعل عدتها في أسفار ومناهل وقفار، وإن مات الزوج بعد وصوله إلى البلد الذي أراد سكناه ثم مات قبل أن يتخذ لها مسكناً كالزوجة التي لا مسكن لها، وكانت بالخيار بين أن تعتد في الذي مات فيه أو بغير ذلك من تلك المدينة أو غيرها إذا كانت قريباً، ولو اكترى منزلاً فلم ينتقل إليه حتى مات كانت بالخيار أيضاً حسبما تقدم لو لم يكثر، فإن انتقل إليه تعين عليها فيه العدة.
انتهى.
وقول اللخمي: (لم يكن لها أن تجعل عدتها في قفار .... إلخ) ظاهر، ويلزم عليه أن لا تكون مخيرة في أن تذهب إلى أبعد المكان بل يلزمها أن تذهب إلى الأقرب.
وفي قوله أن لها إذا وصل بها إلى البلد الذي أراد سكناه ولم يتخذ لها به مسكناً أن تخرج من تلك المدينة نظر، وقاله ابن عبد السلام.
وَتَنْتَقِلُ الأَمَةُ مَعَ ساَدَاتِهَا
نحوه في المدونة.
وسواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة.
حمديس: وهو خلاف ما وقع في المدونة أنه لا يجوز بيعها إلا ممن لا يخرجها في العدة، وإذا لم يجز لمشتريها ذلك فبائعها أولى.
ونص ابن القاسم في الموازية على أنها إن تبوأت مع زوجاً بيتاً فليس لسادتها الانتقال بها.
وجمع غير واحد بين مسألتي المدونة على ما في الموازية، فالتي لا تباع إلا ممن لا ينقلها هي التي تبوأت، والتي تنتقل مع سادتها هي التي لم تتبوأ، وإليه أشار أبو عمران بقوله: إن ما في الموازنة لا خلاف فيه.
وأجاب ابن يونس عن معارضة حمديس، وقال: لا يلزم هذا ابن القاسم، لأن بائعها لا يخرجها إلا أن يضطر إلى الخروج، وليس هو بمضطر في بيعها أن يبيعها ممن يخرجها وهو يجد من لا يخرجها لأن المشترين كثير، ولو اضطر بعد شرائه إلى الخروج لأمر حدث لجاز له أن يخرجها كسيدها.
وَلِلْبَدَوِيَّةِ الرَّحِيلُ مَعَ أَهْلِهَا لا مَعَ أَهْلِ زَوْجِهَا
نحوه في المدونة، واحترز من الحضرية فإنها لا تنتوي ولو انتوى أهلها.
قال في المدونة: ولا تنتوىي.
ونص يحيي بن عمر على أن نساء أهل الخصوص يعتددن في البيوت التي كن فيها قبل الطلاق والوفاة.
وعلى هذا فالمراد هنا بالبدوية ساكنة العمود، فسره الباجي.
ابن عبد السلام: وقال اللخمي، وعياض، وابن راشد: المراد سكانة الخصوص والعمود.
خليل: وكلام الباجي أصح لأن أهل الخصوص تلزمهم إقامة الجمعة على الأصح، فدل على أنهم في حكم الحاضرين.
وما ذكره المصنف من أنها تنتقل مع أهلها لا مع أهل زوجها إنما ذلك إذا كان لها ولزوجها أهل، وأما إن لم يكن لها أهل فإنها تعتد حيث كانت مع أهل زوجها وترحل معهم.
تنبيهان:
الأول: قوله: (تنتوي) أي: ترحل وتبعد، من النوى وهو البعد، وهو يدل على ما أشار بعض الشيوخ إنما يكون لها أن تنتوي مع أهلها إذا كان رحيلهم لغير القرب لانقطاعهم عنها وانقطاعها عنهم، وأما إذا كان على قرب بحيث لا تنقطع عنهم وترجع إليهم عند تمام عدتها فتقيم مع أهل زوجها.
الثاني: قوله: (لا مَعَ أَهْلِ زَوْجِهَا).
ابن عبد السلام: إن كان المراد أن الحكم بذلك رخصة وأن الأصل كان أن تنتوي مع أهل زوجها لولا مع عارضه من مشقة الرجوع إلى أهلها عند انقضاء عدتها فظاهر، وإن كان المراد أن هذا هو الأصل عند مالك وأنها لو ارتكبت تلك المشقة وارتحلت مع أهل زوجها لما كان لها ذلك، فلا يتبين وجهه.
وعلى الاحتمال الأول فهمها الشيوخ.
وَلَهَا مُفَارَقَةُ الْمَسْكَنِ بِعُذْرٍ لاَ يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ مَعَهُ لِخَوْفِ سُقُوطٍ أَوْ لًصًوصٍ، ثُمَّ تَلْزَم الثَّانِيَ والثَّالِثَ كَذَلِكَ ....
يعني: أنه يجب على المعتدة الاعتداد في البيت الذي هي فيه في الطلاق والوفاة إلا أن لا يمكنها المقام لعذر فلها حينئذ مفارقته، وذلك إما لخوف سقوط الدار أو خوف لصوص.
اللخمي: أو خوف جار سوء على نفسها، أو وجدت وحشة لانتقال من حولها أو خشية الانتقال من جيرانها.
قال في المدونة: وإن كانت في مدينة فلا تنتقل لضرر جواز ولترفع ذلك إلى السلطان.
اللخمي: وإن حصل الشرك بينها وبين من تسكن معهم وكان الشر منها ارتحلت عنهم، وفي مثل هذا جاء الحديث في فاطمة بيت قيس، وإن كان الشر من غيرها أخرجوا عنها، [411/أ] وإن أشكل أقرع أيهم يخرج، ثم إن انتقلت إلى موضع لمانع صار الموضع الثاني في لزوم السكنى كالأول، ثم إن حصل مانع في هذا الثاني كالأول، وهذا معنى قوله: (ثم تلزم الثاني والثالث كذلك).
ابن عبد السلام: كالحالف أن لا يرتحل من موضعه إلى انقضاء سنة مثلاً فعرض له مانع من سكناه.
بل مسألة العدة جعلوها أصلاً لمسألة اليمين.
وَإِذَا انْتَقَلَتْ لِغَيْرَ عُذْرٍ رُدَّتْ بِالْقَضَاءِ
سواء أذن لها المطلق أم لا، لأن بقاءها في بيتها حق لله تعالى.
وَلاَ كِرَاءَ لَهَا فِيمَا أَقَامَتْ فِي غَيْرِهِ
نحوه في المدونة، ومعناه أن المعتدة إذا خرجت من موضع اعتدادها وسكنت غيره هروباً منه فردها القاضي إلى الأول، أو لم يردها وطلبت كراء البيت الذي هربت إليه، فلا كراء لها لأنها تركت ما كان واجباً لها فلا يلزم غيرها عن ذلك عوض.
وأقاموا من هذه المسألة مسألتين: الأولى: إذا كان له ولد فهربت به إلى موضع لا يعلمه، ثم أتت بعد ذلك تطلب ما أنفقت عليه أنه لا شيء لها.
الثانية: أقام منها ابن الشقاق أنه لا نفقة للناشزة مدة نشوزها ولا رجوع لها بذلك خلاف ما لمالك في الموازية.
وفرق بينهما بوجهين: أولهما لابن رشد أن الكراء
تعين لها في ذلك المسكن لا في ذمة الزوج بمنزلة ما لو دفع النفقة فأتلفتها، ونحوه لأبي بكر بن عبد الرحمن.
ثانيهما لأبي عمران أن البقاء في المنزل حق لله فشدد عليها فيه حتى لا تسقطه، بخلاف بقائها مع الزوج فإنه حق له.
وظاهر المدونة وقول المصنف لا كراء لها فيما أقامت في غيره أنه لا فرق في ذلك بين أن يكري المنزل الذي هربت منه أو يتركه خالياً.
وقال اللخمي: إن خرجت لغير عذر فطلبت كراء المنزل الذي انتقلت إليه لم يكن لها ذلك إن خرجت عن مسكن يملكه الزوج أو اكتراه وحبسه ولم يكره بعد خروجها، وإن أكراه رجعت بالأقل مما اكترت أو أكرى.
وَتَخْرُجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَاراً وطَرَفَيِ اللَّيْلِ
يعني: أن السكنى التي تلزم المعتدة هي أن تلزم مسكنها بالليل، وأما النهار فلا بأس أن تتصرف فيه وكذلك في طرفي الليل.
قال في المدونة: ولها التصرف نهارها والخروج سحراً قرب الفجر وترجع فيما بينها وبين العشاء الآخر.
وهذا هو مراد المصنف بطرفي الليل.
ابن عبد السلام: قال بعضهم: ويدخله قول ابن القاسم أن لها الرجوع إلى ثلث الليل.
ورواية مطرف وقول محمد إلا قدر هدوء الناس، قال: ويدخله قول إلى نصف الليل دليله ما في كتاب الحج لأنه قال: لا دم على من بات في ليالي منى بغير منى إلا ليلة كاملة أو جلها.
واختار اللخمي أن تؤخر الخروج لطلوع الشمس وترجع لغروبها، قال: وهذا في بعض الأوقات أو عند الحاجة، وليس لها أن تجعل هذا عادة تكون سائر النهار في غير الموضع الذي تعتد فيه.
مالك: ولا أحب أن تكون عند أمها النهار كله.
فرع: وتسكن في البيت على حسب ما تسكن فيه مع زوجها وإن كان في الدار بيوتٌ كثيرةٌ وكانت تسكن بيتاً منها وفيه كان متاعها، فقال مالك: لا تبيت إلا فيه في بيتها أو أسطوانها أو حجرتها التي كانت تتصرف فيها أو تتقيظ.
ابن القاسم: ومعنى ذلك أن جميع المسكن الذي كانت فيه تبيت فيه حيث شاءت.
ولم يرد أنها لا تبيت إلا في الذي كان فيه متاعها.
وقال بعض القرويين: معنى ذلك أن تبيت في كل ما لو سرقت منه من دار زوجها لم تقطع.
عياض: وفيه نظر.
قال في المدونة: وإن كان في الدار مقاصير فلا تبيت إلا في مقصورتها.
الباجي وغيره: يريد أن تلك المقاصير لغيرها.
وذهب الأبهري وابن القصار إلى أنها لا تبيت إلا حيث كانت تبيت.
عياض: وهو استحسان.
ولعل كلامه في الكتاب على هذا، واخلف لفظه على المستحب.
وَالْمُعْتَدَّةُ أَحَقُّ مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاِء بِالْمَسْكَنِ الْمَمْلُوكِ لَهُ والْمَنْقُودِ كِرَاؤُهُ
لما قدم أن للمعتدة السكنى في الطلاق والوفاة أخذ يذكر المحل التي تكون فيه أحق في الوفاة، ولا شك في عدة الطلاق أن عليه ألا يخرجها من المنزل، وأما في الوفاة ففي المدونة وغيرها كما قال المصنف أنها أحق من الورثة والغرماء بالمسكن المملوك لزوجها أو المنقود كراؤه.
وإنما ألحق المنقود كراؤه بالمملوك، لأنه إذا نقد كراؤه صار يملك السكنى فيه.
وقيد أبو عمران المنقود كراؤه بما إذا انتقلت إليه، وأما إذا لم تنتقل إليه فلا شيء لها.
ابن زرقون: وروى ابن دينار عن ابن القاسم في المدونة: إن كان المنزل له فلها السكنى، وإن كان بكراء فلا سكنى لها.
وحكى ابن خويز منداد عن مالك أنه لا سكنى لها وإن كان المنزل له، فإن نقد بعض الكراء كانت أحق بمقدار ما نقد، وحكمها في الباقي حكمها فيما لم ينقد.
فَإِنْ كَانَ مُكْتَرىً غَيْرَ مَنْقُودٍ فَفِيهَا: لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ فًتًخْرُجَ إِلا أَنْ يَكْرِيَهَا الْوَرَثَةُ كِرَاءً مِثْلَهُ.
ورُوِىَ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقَّ، وَحَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ ....
يريد: فظاهر المدونة أنها ليست أحق ولو كان فيها التصريح بما قاله [134/أ] المصنف لم يحسن خلاف الشيوخ في معناها، ولفظها: وإن كانت الدار بكراء ولم ينقد
الزوج الكراء وهو موسر فلا سكنى لها في ماله، وتؤدي الكراء من مالها، ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار أو يطلب من الكراء ما لا يشبه فظاهر قوله (ولم ينقد الزوج الكراء وهو موسر فلا سكنى لها) أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الكراء مشاهرة أو وجيبة أي مدة معينة، وعلى هذا الظاهر حمله الباجي وغيره، واحتجوا بأن المسألة وقعت لمالك كذلك في الموازية.
وذكر في النكت عن بعض القرويين أنه حمل المدونة على المشاهرة، وأما الوجيبة فإنها أحق بالسكنى سواء نقد أم لا، واحتج لذلك بقوله في المدونة: إلا أن يطلب منها صاحب المنزل ما لا يشبه، فإن ذلك يدل على أنه لم يكن الكراء لسنة بعينها لأنه لو أكرى لسنة بعينها لكان الكراء قد لزم بما تعاقداه، وليس لرب المسكن أن يطلب غيره.
واحتج لذلك أيضاً في تهذيب الطالب، فإن ابا قرة روى ذلك عن مالك، أي أنها تكون أحق في الوجيبة مطلقاً.
وحمل الأولان قول مالك إلا أن يطلب صاحب المسكن ما لا يشبه على أن مدة الكراء قد انقضت.
تنبيه:
قول المصنف إلا أن يكريها الورثة ليس في المدونة، وانتهى ما حكاه المصنف عنها عند قوله: (لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ).
وقوله: (فًتًخْرُجَ .... إلخ) هو مفرع عليها.
الباجي: وإن رضى الورثة في مدة الكراء أو أهل الدار بعد انقضاء مدة الكراء أن يأخذوا منها الكراء ويقروها على السكنى لم يكن لها الخروج.
قال في المدونة: إلا أن يطلب منها ما لا يشبه من الكراء فلها الخروج ولرب الدار إخراجها.
وقيده عياض بما إذا كان إخراجهم لحاجة لهم بالدار من سكنى أو بناء وشبهه، قال: هكذا فسره ابن كنانة في المدونة والمبسوط، قال: وليس لرب الدار إخراجها إلا لعذر مجحف مخافة على داره إن تركت فيها، وليس لهم أن يتزايدوا عليها في الكراء، والسكنى لها بالكراء الذي كان يتكاراه زوجها، ومعنى ذلك عندي أن يكون ذلك من قبل أنفسهم، وأما لو جاء من
يكتريها بأكثر فلهم إخراجها إلا أن تلزم الزيادة هي أو الزوج، ولا خلاف أن أهل الدار متى تركوها بكراء مثلها أنه لازم للزوج في الطلاق ولها في الوفاة.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ بَيْعُ الدَّارِ إِلا فِي ذَاتِ الأَشْهُرِ، وفِي الْمُتَوَقَّعِ حَيْضُهَا إِذَا اشْتَرَطَهُ قَوْلانِ
نحوه في الجواهر، وعلل ذلك بأن تأخير القرء والحمل غير معلوم بخلاف الأشهر، وكذلك قرره ابن راشد.
والمراد بذات الأشهر الصغيرة واليائسة، وأما المتوفى عنها فستأتي.
وإنما جاز هنا لأنه بمنزلة من باع داره واستثنى منفعتها ثلاثة أشهر.
والقولان في المتوقع حيضها مبنيان على اعتبار الحال أو الطوارئ، فمن نظر إلى الحال أجاز ومن راعى الطوارئ منع.
وقوله: (وفِي الْمُتَوَقَّعِ حَيْضُهَا) أي: كبنت ثلاثة عشر وخمسين.
وَالْحُكْمُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْجوَازٌ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: فَاسِدٌ لِجَوَازِ الرِّيبَةِ
هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: (وقال محمد: فاسد لجواز الريبة) فيكون المراد محمد بن عبد الحكم، لأن هذا القول إنما هو معلوم له لا لمحمد بن المواز.
وقوله: (وَالْحُكْمُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْجوَازٌ) أي: لأن عدتها بالأشهر.
وفسر على قول محمد بن عبد الحكم للتعليل الذي ذكره المصنف وهو أنها قد ترتاب فتطول عدتها، وهذه المسألة ذكرها في المدونة في كتاب العدة وكتاب بيع الغرر، وفرضها في بيع الغرماء دار الميت لدين عليه، وفرضها الباجي في بيع دار الورثة.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر كلام المصنف.
واعترض بعضهم كلام الباجي لما يوهمه من إجازة بيعهم إياها اختياراً، فقال: إنما أجاز ابن القاسم هذا البيع إذا بيعت للغرماء، وأما إذا أراد الورثة البيع في غير دين فلم ينص عليه ابن القاسم.
قال: وعندي أنه غير جائز.
خليل: وفي كلام ابن عبد السلام نظر، وذلك أنه إنما قال هذا الكلام لما تكلم على قول المصنف وليس للزواج بيع الدار، فيوهم أن كلامه في المدونة وقول ابن عبد الحكم في المعتدة بالأشهر، وكلامه في المدونة.
وقول ابن عبد الحكم وكلام الباجي إنما هو في المتوفى عنها.
ثُمَّ إِذَا بِيعَتْ وارْتَابَتْ فَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَحَقُّ بِالْمُقَامِ وأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ ....
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من جواز البيع في المتوفى عنها فارتابت، فقال مالك في الموازية: هي أحق بالمقام، أي: إلى منتهى العدة، لأن ذلك القدر ملك لها لا يجوز لها ولا لأحد إسقاطه، وللمشتري الخيار للضرر الداخل عليه لو ألزم بالبيع.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا خيار للمشتري.
وقال سحنون: لأنه كالذي دخل عليه.
ولهذا لم يجز مالك بالخيار فيما حكاه المصنف عنه بل قال: وأحب.
وذكره الباجي على أنه من لفظه في المدونة، وعن سحنون أيضاً أن الخيار للمشتري.
وَالبَيْعُ بِشَرْطِ زَوَالِ الرِّيبَةِ فَاسِدٌ خِلافاً لِسَحْنُونٍ
يعني: والبيع بشرط المشتري على البائع أن لا [412/أ] تكون له ريبة أو تكون وتزول في زمن العدة، وإن استمرت فلا بيع بيننا- فاسدٌ، وهكذا في الواضحة، وهو اختيار ابن المواز، ولعل سحنوناً قاس ذلك على اشتراط ري الأرض فإنه جائز إذا لم ينقد الثمن، والفرق أن الضرورة ملجئة في بيع الأرض كذلك بخلاف الدار.
وزاد الباجي وغيره في قول سحنون: ولا حجة للمشتري ولو تمادت الريبة إلى خمس سنين.
وروى نحوه أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية.
الباجي: وهو عندى على قول من يرى للمبتاع الخيار في الفرع الذي قبل هذا، وأما على قول من يلزمه ذلك فلا تأثير للشرط.
واعترض التونسي قول ابن المواز هنا أن البيع
فاسد ورآه مخالفاً لقوله بالخيار إذا بيعت الدار واستثنى مقدار العدة ثم حصلت الريبة.
قال: لأنه إذا ملك الخيار في الأخذ أو الترك كان أخذه على أن يسكن بالمرأة إلى انقضاء ريبتها كابتداء الشرط على ذلك إلا أن يكون هذا القول على أحد التأويلين فيمن خير بين شيئين فاختار أحدهما، كمن أمر أن يبيع سلعة بعشرة نقداً فباعها بعشرين إلى أجل فأجاز ذلك رب السلعة بعد فواتها.
ابن عبد السلام: ولا كبير اعتراض فيه إذا تأملته.
وقال صاحب البيان: ل لا أدري ما معنى قول التونسي أ، ذلك يتخرج على أحد التأويلين، إذ لا اختلاف فيها أحفظه، كما أنه لا اختلاف في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل سلعته بعشرة نقدا أو بخمسة عشر إلى أجل على أن البيع لازم له بأحد الثمنين، وإنما يتخرج جواز ذلك على القول بأن من اشترى سلعاً فاستحق منها جلها على العدد فله أن يتماسك بما بقي بما ينوبه من الثمن، وإن كان مجهولاً لا يعرف إلا بعد التقويم.
ويحتمل أن يكون معنى قول محمد يخير بين أن يرد البيع أو يتماسك به على أنه بالخيار في الرد ما لم تنقض الريبة لا على أنه يتماسك به على أن البيع لازم له طالت الريبة أم قصرت.
هذا أولى ما حمل عليه قول محمد.
انتهى.
ابن عبد السلام: وخرج بعضهم من إجازة بيع هذه الدار لغرماء الميت أن من ترك حاملاً وعليه دين أن عقاره يباع في دينه.
وخالف فيه ابن أيمن وقال: لا يباع حتى تضع الحمل.
واختلف إذا أوصى بوصية وثم حمل هل يعطى الموصى له الوصية أو حتى تضع؟ واختلف أيضاً في المرأة إذا كانت حاملاً وطلبت ثمنها عاجلاً.
عياض: ولو اشترط أقصى ما تمسك النساء للريبة لم يجز النقد.
ثم إن ذهبت الريبة بعد هذا الشرط قبل الأجل كانت الدار بقية الأجل للورثة، ولو كان العقد على أن تزول الريبة قربت أو بعدت لم يجز على كل قول للغرر وجهالة وقت قبض الدار.