وَهُوَ: شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ بِالأَهِلَّةِ، وَإِنِ انْكَسَرَ تَمَّمَ الْمُنْكَسِرَ ثَلاثِينَ مِنَ الثَّالِثِ، وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ...
كونه شهرين متتابعين هو نص الآية، وإن صام بغير الهلال تمم المنكسر ثلاثين من الشهر الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال، ويمكن تخريج [388/ب] الخلاف مما ذكره المصنف في العدد، وهو قوله: (فَإِنِ انْكَسَرَ) الأول تممه ثلاثين من الرابع، وقوله: (وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ) ظاهر.
وَتَجِبُ نِيَّةُ الكَفَّارَةِ وَنِيَّةُ التَّتَابُعِ
لأن الكفارة والتتابع واجبان، والواجب لابد له من نية، وقد تقدم للمصنف ما يدل على الخلاف في وجوب النية للكفارة في الزكاة.
وَإِذّا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ اسْتَانَفَ
لأن الله تعالى اشترط التتابع؛ لقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، ثم أخذ المصنف في بيان ما يقطع التتابع، فقال:
وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ وَيَبْطُلُ مُتَقَدِّمُ الإِطْعَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ- وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ- بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا وَلَوْ لَيْلاً- نَاسِياً أَوْ غَالِطاً- بِخِلافِ غَيْرِهَا لَيْلاً فِي الصِّيَامِ، ولَيْلاً وَنَهَاراً فِي الإِطْعَامِ ...
نوع رحمه الله العبارة في الصيام: (وَيَنْقَطِعُ) تتابعه، وفي الإطعام: (يَبْطُلُ)؛ لأن الإطعام لا يوصف بالتتابع، وقوله: (بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا) متعلق بينقطع؛ يعني أن التتابع ينقطع بوطء المظاهر منها، وكذلك يبطل متقدم الإطعام على المشهور بوطء المظاهر منها، فقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الإطعام فقط، وأما الصوم فلا يبطل باتفاق.
وقوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) مبالغة على المشهور؛ أي يبطل ما تقدم من الإطعام على المشهور ولو لم يبق عليه إلا مسكين، وهذه النسخة أحسن مما وقع في بعضها من تقديم قوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) على قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ)؛ لإيهامه حينئذٍ أن الشاذ إنما يخالف فيما إذا لم يبقَ إلا مسكين واحد، وليس كذلك، وليس الشاذ هذا؛ لأن ابن الماجشون يرى أن الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقاً، قال: وأحب إليَّ أن يستأنف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في العتق والصيام، ولم يقله في الإطعام، وقيد في المشهور الإطعام بأن يكون قبل المماسة، كالأولين.
وفي الشاذ نظر؛ لأنه يلزم عليه حِليَّة وطء المظاهر قبل الإطعام إذا كان هو الكفارة، ولا يحل ذلك بالإجماع، نقله بعض الأئمة، وقوله: (وَلَوْ لَيْلاً نَاسِياً)؛ يعني أنه يبطل الصوم بوطء المظاهر منها، ولو ليلاً ناسياً أو غالطاً؛ لأن الله تعالى اشترط في الكفارة أن تكون قبل المماسة، ونبه بذلك على خلاف الشافعية في قولهم: إن وطء المظاهر منها ليلاً لا يبطل ما تقدم من الصيام، فإن قيل: الحكم ببطلان الصوم والإطعام بالوطء مشكل؛ لأن سبقية بعض الكفارة على الوطء أولى من تأخير جميعها عنه، وقد قلتم بالإجزاء لو تقدم الوطء على الجميع، فالجواب أن المماسة المطلوب تقديم الكفارة عليها هي المماسة المباحة؛ لأن تقدير الآية: فصيام شهرين متتابعين من قبل أن تباح له المماسة، والمماسة الواقعة في خلال الكفارة ليست بمباحة، فاستؤنفت كفارة أخرى لتحصل كفارة مستأنفة سابقة على مماسة مباحة.
فرع:
واختلف إذا قبَّل المظاهر بإثرها في أثناء الكفارة، وقد تقدم ذلك، وقوله: (بِخِلافِ وطء غَيْرِهَا لَيْلاً فِي الصِّيَامِ)؛ أي فلا يبطل الصيام لصحته ليلاً أو نهاراً في الإطعام؛ لأن عدم المماسة مشروط في حق المظاهر منها فقط، والله أعلم.
وَما يُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِهِنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ، ولَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ
أي: إذا ظاهر من أربعٍ بكلمة واحدة، وقلنا: إنه تجزئ كفارة واحدة، فإنه يبطل متقدم الصيام والإطعام بوطء إحداهن، ولو حين الكفارة لغيرها؛ لأن الكفارة لما كانت تجزئ على الجميع لم تتعين، وقوله: (فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ) فيه حذف الموصوف؛ أي حكم المرأة الواحدة، وقوله: (ولَوْ عَيَّنَهَا)؛ أي عين المرأة أو الكفارة.
وَبِفْطِرِ السَّفَرِ بِخِلافِ الْمَرَضِ والْحَيْضِ، إِذَا قَضَى قَضَى مُتَتَابعاً
هذا معطوف على وطء تقديره: وينقطع التتابع بوطء المظاهر منها، وبفطر السفر؛ لأنه سبب اختياري غالباً بخلاف المرض، فإنه لا يقطع التتابع؛ لأنه غير اختياري، ثم إذا قلنا بعدم قطعه يقضي ما أفطر متصلاً بصومه، وإن لم يتابعه ابتداء، وهو معنى قوله: (قَضَى قَضَى مُتَتَابعاً)، وليس كقضاء رمضان، واستشكل ذكر المصنف الحيض هنا؛ لأن صوم الظهار إنما يخاطب به الرجل، وأجيب بأن المصنف قصد أن يذكر ما يقطع التتابع، وما لا يقطعه من حيث الجملة، وقوله: (والْحَيْضِ)؛ يعني فيمن قتلت خطأ وصامت.
وَالْمَرَضُ يُهَيِّجُهُ السَّفَرُ كَالسَّفَرِ
يعني: إذا حصل له مرض بسبب سفر، فإنه يقطع التتابع بمنزلة السفر، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: يجزئه البناء وإن هيج عليه السفر المرض؛ لأن السفر مباح، وقال محمد: إن أفطر في السفر ابتداءً استأنف، وإن مرض بنى.
وفِي الْخَطَأِ والسَّهْوِ- ثَالِثُهَا: يَنْقَطِعُ بِالْخَطَأِ، والْمَشْهُورُ: لا يَنْقَطِعُ ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا، ويَقْضِيهِ مُتَّصِلاً ....
يعني: أنه اختلف، هل ينقطع التتابع بالفطر سهواً، كمن أفطر في يوم ناسياً أو أخطأ [389/أ] كمن صام تسعة وخمسين ثم أصبح مفطراً، معتقداً أنه كمل الصوم، وكمن
اعتقد أن الشمس غربت فأكل، أو الفجر لم يطلع فأكل، ثم تبين له خلاف ما اعتقده على ثلاثة أقوال:
والأول: ينقطع في السهو والخطأ، وهو لمالك في الموازية نص فيها على القطع بالفطر ناسياً.
اللخمي وغيره: وعليه فينقطع بالفطر خطأ، وفي البيان: مشهور المذهب أنه لا يعذر بالنسيان في كفارة القتل والظهار.
والقول الثاني: أنه لا ينقطع بهما، قال المصنف: (وهو المشهور)، وإنما عزاه اللخمي وصاحب البيان وغيرهما لابن عبد الحكم، وقوله: (ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا)، إذا عذر في الوطء فأحرى في الأكل والشرب.
والقول الثالث: أنه لا ينقطع بالسهو؛ لأنه يعرض في كل جزء الصوم فيعسر التحرز منه بخلاف الخطأ، وبعضهم يرى هذا الثالث ظاهر المدونة، ذكره فيها إذا أصبح مفطراً بعد تسعة وخمسين يوماً معتقداً التمام، وقوله: (ويَقْضِيهِ مُتَّصِلاً)؛ أي إذا فرعنا على عدم القطع وهو ظاهر.
وَلَوْ أَفْطَرَ ثَانِياً مُتَعَمِّداً انْقَطَعَ
ولو أفطر ثانياً متعمداً في يوم إفطاره سهواً أو خطأ، انقطع التتابع؛ لأنه لما عذر بالنسيان صار وجود ذلك الأكل كعدمه، فصار فطره ثانياً كفطره أولاً متعمداً، هكذا مشَّى ابن راشد هذا المحل، ويحتمل لو أفطر في قضاء ما أفسده من صيام التتابع متعمداً فإنه يبطل صومه من أصله؛ إذ يلزمه في القضاء ما يلزمه في الأداء، والتمشيتان صحيحتان.
بِخِلافِ أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنَّه لا يَحْرُمُ فِطْرُهُ ثَانِياً كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، بِخِلافِ رَمَضَانَ والنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وصَوْمِ التَّطَوُّعِ ...
أي: في بقية اليوم؛ لأنه لا حرمة للزمان، ولا يفسد بفطره ثانياً كقضاء رمضان، بخلاف رمضان والنذر المعين، وصوم التطوع صحيحاً، وإنما دخل على أنه واجب، فتبين أنه غير واجب، وقضاء رمضان مشارك له في هذا المعنى.
وقوله: (لا يَحْرُمُ) وقع في بعض الروايات (ويكره) وهو ظاهر؛ لأنه دخل بنية القربة، فاستحب له إتمامها، بخلاف رمضان والنذر المعين وصوم التطوع، فإنه يحرم الفطر في الثلاثة، إذا أفطر أولاً ناسياً، أما الأولان فلتعين زمانهما، وأما الثالث، فلأن الفطر على سبيل النسيان، لما كان لا يفسده، صار فطره ثانياً عمداً كفطره أولاً.
وَيَنْقَطِعُ بِالْعَمْدِ، وفِي الْجهلِ: قَوْلانِ
هكذا في بعض النسخ (بالعمد) وهو بيّن، وفي بعضها (بالعيد)، فيحمل كلامه على إذا ما إذا ابتدأ في شهر العيد عالماً به، وأما الجاهل فقد أشار إليه بقوله: (وفي الجاهل) قولان، قال في المدونة: وإذا صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه، أو قتل نفساً خطأ لم يجزه إلا من فعله بجهالة، وظن أنه يجزيه، فعسى أن يجزيه، وما هو بالبين، وأحب إليَّ أن يبتدئ، ونحوه لابن وهب إن كان عالماً ابتدأ، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه، وقال أشهب وسحنون: لا يجزئه.
عياض: هل الجهالة التي عذره بها في المدونة الجهالة بالحكم، أو الجهالة بالعدد وتعين الشهر، وغفلته أن فيه فطر، فيكون كالناسي؟ وأشار إلى أن في المبسوط والمدونة ما يبين أن المراد الثاني لأجل الحكم، واختلف في تأويل المدونة من الإجزاء، فقال أبو محمد: يريد:
ويقضي أيام النحر التي أفطر فيها وفصلها، وقال غيره: لا يجزئ إلا أن يفطر يوم النحر خاصة، ويصوم أيام التشريق، وروى نحوه عن مالك ابن يونس، وهو أصوب.
ابن القصار: لأن صوم هذه الأيام إنما هو على الكراهة، وقال ابن الكاتب: معنى مسألة المدونة أنه صام يوم النحر وأيام التشريق، ويقضيها ويبني، وأما لو أفطرها لم يجزه البناء؛ لأنه صوم غير متوالٍ، بخلاف إذا لم يأكل فيها ونوى صيامها، وإن كانت لا تجزئه.
ابن يونس: وهو أضعفها.
ابن عبد السلام: ولا يحتمل كلام المصنف هذا القول الثالث بخلاف الأولين.
ابن حبيب: وإن صام شعبان عن ظهاره ثم صام رمضان لفطره، ثم أكمل ظهاره بشوال أجزأه.
ابن يونس: يحتمل أن يكون وفاقاً لقول مالك فيمن جهل فصام القعدة وذا الحجة لظهار عسى أن يجزيه، وقال بعض شيوخنا: لا يجزيه؛ لأنه تفريق كثير، والأول أولى؛ لأن الجهل عذر كالمرض في غير وجه.
وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ لِكَفَّارَتِهِ وَفَرِيضَةً لَقَضَى ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ
يعني: قضاء رمضان واستئناف الكفارة، أما رمضان فلتشريكه فيه، ويلزم من بطلان رمضان بطلان شعبان، قال في المدونة: ومن صام شعبان ورمضان ينويهما لظهاره، ويريد أن يقضي رمضان في أيام أخر، لم يجزه لفرضه ولا لظهاره، واختلف هل يدخلها الخلاف المذكور في مسألة من صام رمضان قضاء عن رمضان آخر فتجزئه الكفارة منها على رواية من روى هناك إجزاءه، وعليه قضاء الآخر (بكسر الخاء)، فيقضي هنا رمضان فقط، وعلى رواية من روى هناك الآخر (بفتح الخاء)، يجزئه هنا الصوم عن رمضان [389/ب] وحده، وإليه ذهب بعضهم، أو لا يدخله الخلاف؛ لأن ما بين الكفارة ورمضان أشد مما بين رمضان ورمضان آخر، وإليه ذهب صاحب النكت.
وعلى القطع بالنسيان لَوْ صَامَ أَرْبَعَةً عَنْ ظِهَارَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ يَوْمَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ لا يَدْرِي مَوْضِعَهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصُومُ يَوْمَيْنِ يَصِلُهُمَا ثُمَّ يَقْضِي شَهْرَيْنِ، وقَالَ سَحْنُونُ: يَوْماً وشَهْرَيْنِ ...
يعني: إذا فرعنا على أن النسيان يقطع التتابع، لو ذكر أنه أفطر يومين مجتمعين ناسياً لا يدري موضعهما، هل هما من الأولى أو من الثانية، أو أحدهما آخر الأولى، والثاني أول الثانية، فقال ابن القاسم: يصوم يومين يصلهما، ثم يقضي شهرين، وقال سحنون: لاحتمال أن يكونا من الأخيرة، فلا ينتقل عنها، وهو قادر على تمامها، ثم يقضي شهرين لاحتمال أن يكونا من الأولى، أو أحدهما من الأولى والآخر من الثانية، ورأى سحنون أنهما إن كانا من الأولى فقد صحت الثانية، وإن كانا من الثانية فقد صحت الأولى، وعلى هذين الاحتمالين يبدأ بالشهرين اللذين أمر بإتيانهما، ولم يبقَ إلا احتمال واحد، وهو أن يكمل كل يوم من واحد، فيصوم يوماً ثم يقضي شهرين.
فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُهَا، وقَالَ سَحْنُونُ: يَصُومُ شَهْرَيْنِ، وهُمَا عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ ذَكَرَ سَجْدَةً مِنْ إِحْدَى رَكْعَتَيْنِ .....
فوجه قول ابن القاسم كما تقدم، وأما سحنون فهو إنما أمره باليوم في الأولى لاحتمال الثالث، وهو منتفٍ هنا، وقوله: (وهُمَا عَلَى الْخِلافِ) هو إشارة إلى تنظير المسألة بمسألة قد قدمها في سجود السهو، وهو ما إذا ذكر في آخر صلاته سجدة، ولا يدري من أي الركعات هي، فقال ابن القاسم: يسجد الآن سجدة لاحتمال أن تكون من الأخيرة، ثم يأتي بركعة لاحتمال أن تكون من غيرها، وقال أشهب وأصبغ: يأتي بركعة فقط، والمصنف وإن لم يقدم عن سحنون في مسألة الصلاة شيئاً، لكن كلامه هنا يدل على أن سحنون موافق لأصبغ، وهذا إن ثبت النقل فواضح، وإن كان المصنف أخذ من قول سحنون أنه موافق لأصبغ في الصلاة، وقد يفرق بينهما بقوة حرمة الصلاة، فيجوز أن
يوافق هناك على الإتيان بالسجدة، ولتأكيد حرمة الصلاة أنه لو افتتح الصلاة بالتيمم، ثم طرأ عليه الماء لم يجز له القطع، بخلاف من شرع في الصوم هنا، ثم أيسر، فإنه يجوز له الانتقال إلى العتق، والله أعلم.
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ اجْتِمَاعَهُمَا فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وفِي الْيَوْمَيْنِ الْقَوْلانِ
تصوره لا يخفى عليك، لكن إنما يحتاج إلى الأربعة أشهر على قول سحنون، إذا شك في أمسه هل هو من اليومين، وإما إن تحقق أن اليومين سابقان على ذلك فيستحب بالعدد الذي صامه، ولم يتخلله فطر، والله أعلم.
تنبيه:
كلام ابن القاسم وسحنون هنا مبني على أن بدء النسياني قطع، وهو دليل لما شهره صاحب البيان من أن النسيان يقطع؛ لأنه قل أن يخالف المشهور، والله أعلم.
وترك المصنف التفريع على القول بأن النسيان لا يقطع لوضوحه؛ لأنا إذا بنينا عليه يأتي بما نسيه فقط، واختلف عليه لو ذكر يومين مثلاً من الأولى في أثناء الثانية، فقيل: يتم الثانية، ثم يصومها؛ لأنه معذور، بما تشبث به من صيام الكفارة التي هو فيها، وقضاء الكفارة الأولى على الخلاف فيمن ذكر صلاة في صلاة، هل تفسد الأولى، وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنه يجوز له أن يقضي اليومين في أثناء الكفارة، ويبني على صيامه، ولا يعد بذلك مفرقاً لصيامه؛ إذ لم يتخلله فطر، على ما قال ابن حبيب، فيمن صام شعبان وشوال، ولا يضره ما تخلل من صوم رمضان.
الإِطْعَامُ: وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ غَلَبَ ظَنُّ قُدْرَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَفِي وُجوُبِ التَّاخِيرِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ .....
قوله: (وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ) هو نص الآية الكريمة، وقوله: (فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ)؛ أي: هل يعتبر العجز يوم الأداء أو يوم الوجوب؟
قوله: (فَلَوْ غَلَبَ ... إلخ)؛ يعني فلو عجز في الحال عن الصيام، إما لمرض أو حد وغلب على ظنه أنه سيقدر عليه في المستقبل، فهل يجب عليه التأخير؟ قولان، وفهم من قوله: (فلو غلب على ظنه) أنه لو آيس من القدرة على الصيام لأطعم اتفاقاً، وهو صحيح.
اللخمي: وينتظر إذا رجا الصحة بالقرب، واختلف إذا رجا ذلك بعد طول، وقوله: (ظن قدرته) يقتضي أنه لو شك لأطعم، ويتبين لك ما في هذا بسياق مسألتي المدونة، وذكر بعض من تكلم عليها، فالأولى: قال ابن القاسم: ومن صام عن ظهاره شهراً ثم مرض وهو لا يجد رقبة، لم يكن عليه أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهر لم يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه غير مضارٍّ، وينتظر إفاقته، فإن صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصيام بعده، فيصير حينئذٍ من أهل الإطعام.
وقال أشهب: إذا مرض صار من أهل الإطعام.
والثانية: ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من أمثالها الناس، فلينتظر حتى يصح ثم يصوم، إذا كان لا يجد رقبة [390/أ] وكل مرض يطول بصاحبه، ولا يدرى أيبرأ منه أم لا، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم، وليصب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام؛ لأن مرضه كان إياساً، وقال أشهب: إذا طال مرضه وإن وجد برأه، وقد احتاج إلى أهله، فليطعم بظهار الأولى، إن ظن القدرة في المستقبل، والتردد في ذلك يمنع الإطعام عند ابن القاسم، ولا يمنع عند أشهب، وظاهر الثانية أن التردد لا يمنع من الإطعام عند ابن القاسم؛ لقوله: ولا يدري أيبرأ منه أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ والقائلون بأنها ليست خلافاً للأولى، فرقوا بينهما بأن المكفر في الأولى دخل في الصيام، وفي الثانية لم يدخل، وللدخول في العمل تأثير في التمادي، وإلى هذا ذهب ابن شبلون، وبعض من ذهب إلى حمل المسألة على الخلاف، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:
الأول: إذا أخذه المرض، انتقل إلى الإطعام، وهو قول أشهب في الأولى، والثاني: لا ينتقل حتى يعلم صاحب ذلك المرض أنه لا يقدر على الصوم، وإن أفاق، وهو قول ابن القاسم في الأولى، الثالث: إن طال مرضه انتقل، وهو قول أشهب في الثانية، الرابع: أنه لا ينتقل حتى يشك هل يبرأ أم لا، وهو قول ابن القاسم في الثانية، ويمكن الجمع بين المسألتين على غير الوجه المتقدم، ولنتركه خشية الإطالة، واستحسن قول أشهب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾؛ لأنه يصدق على المريض أنه غير مستطيع، وقياساً على وجود الرقبة في الحال، ولو روعي حال المستقبل لزم ألا يكفر أحد بالصيام؛ لأنه ما من أحد إلا وهو يرجو أن يملك رقبة أو ما يساويها في المستقبل.
وَعَدَدُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أَحْرَاراً مُسْلِمِينَ مُرَاعىً
أي: واجب، وتصوره ظاهر.
لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَمُدُّ هِشَامٍ: مُدٍّ وَثُلُثَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ، وقِيلَ: بِمُدِّ الْيَمِينِ .....
قوله: (فِيهِمَا)؛ أي في كونهما بمد هشام، وكون مد هشام مداً وثلثين، ومقابل المشهور في مقدار مد هشام هو قوله: (وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ).
ابن بشير: وقيل مد ونصف، واعلم أن من ذهب إلى أنها بمد اليمين اختلفوا، فقال بعضهم: بمد واحد، وأنكر أن يكون بمد هشام لفظاً ومعنى، وقال: متى كان هشام يعتبر مده، وبعضهم أنكره لفظاً فقط، وقال: بل يقال: يطعم مداً وثلثين بمده صلى الله عليه وسلم، وروى مطرف عن مالك: لكلمسكين مدان بمده صلى الله عليه وسلم، وإنما قلنا على المشهور أنه لا يكتفي هنا إلا بمد وثلثين؛ لأنها مطلقة في القرآن لم تقيد بالوسط ككفارة اليمين بالله تعالى فحملت على الشفع الكامل، كفدية الأداء، واستصوب
الباجي القول بأن مد هشام مدان، قال: وهي رواية البغداديين عن معن بن عيسى، وهو الصحيح؛ لأن معن مدني، وهو أعلم بذلك لطول مقامه بالمدينة، وقد شاهدت بالمدينة هذا المد، وحققته فوجدته كما قال مدين.
فَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَعِشْرِينَ نِصْفاً نِصْفاً كَمَّلّ لِسِتِّينَ مِنْهُمْ وَإِلا اسْتَانَفَ
تصوره ظاهر.
اللخمي: وإذا كان الطعام قائماً بأيديهم، وعلى أنه كفارة عن ظهار انتزع من ستين منهم، وأكمل الستين، والانتزاع بالقرعة؛ لأنه ليس أحدهم أحق بالانتزاع من الآخر، ومن فوت الطعام لم يرجع عليه بشيء، واختلف شارحو المدونة، هل من شرط التكميل بقاء النصف المأخوذ أم لا؟، وقوله: (وَإِلا اسْتَانَفَ)؛ أي: وإن لم يمكن التكميل ستين، فإنه يستأنف الكفارة.
وَإِذَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ فَلَمْ يَجِدْ إِلا مَسَاكِينَ الأُولَى، فَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يُطْعِمَهُمْ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ مُخَالِفَتَهَا؛ كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى، إِلا أَنْ يُحْدِثَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ ....
(لا يُعْجِبُنِي) محمول على الكراهة، وهي غاية ما يمكن هنا، ولهذا قال محمد عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه، وفي الأسدية الجواز.
ابن عبد السلام: وهو أظهر، وإن كان بعضهم لم يعد خلافاً للمدونة، وحمل المدونة على الحكم قبل الوقوع، والأسدية بعده.
والْجِنْسُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ
نحوه في الباجي، فقال: والذي يجزئ هنا هو على حسب ما تقدم في اليمين بالله تعالى، وقد تقدم أن المصنف شبه اليمين بالله تعالى بزكاة الفطر، وعلى هذا فتُخرج من التسعة الأصناف، وعلى قول ابن حبيب: تخرج من عشرة، وقال ابن عبد السلام: الأقط، لا أعلم من قال بجواز إخراجه هنا.
خليل: وظاهر كلامه جواز إخراجه لتشبيبههم ذلك بكفارة اليمين بالله، وبزكاة الفطر، فإنه قد نص في البيان على أنه تُخرج من كل ما تُخرج منه زكاة الفطر، وفي كلام المصنف إشارة إلى شيء آخر، وهو إذا اقتيت غير التسعة كاللحم والقطاني، فإنه قدم في زكاة الفطر أن المشهور الإجزاء.
فَإِنْ كَانَ عَيْشُهُمْ تَمْراً أَوْ شَعِيراً أَطْعَمَ عَدْلَ شِبَعِ مُدِّ هِشَامٍ مِنَ الْحِنْطَةِ
حاصله: إن كان عيشهم القمح أخرج منه مداً هشامياً، وإن كان عيشهم تمراً أو شعيراً أو نحوه، أطعم عدل شبع مد هشام من الحنطة، قاله في المدونة.
عياض: قيل معناه [390/ب] إذا أشبع الرجل مد حنطة، كم يشبعه من غيرها؟
خليل: وفيه نظر؛ لأنا لم نعتبر بالحنطة، بل أصل الحديث إنما ورد في التمر، وبين ذلك أن أهل التمر لا يقال في زكاة الفطر أخرجوا ما يشبع صاع القمح.
ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ: يراعى الشبع سواء زاد على مد هشام، فيزاد، أو نقص عن مد هشام فينقص.
وَفِيهَا: ولا أُحِبُّ أَنْ يُغَدِّيَ أَوْ يُعَشِّيَ فِيهَا ولا فِي فِدْيَةِ الأَدَاء
هذا كما قال في المدونة: إن الغداء والعشاء لا يبلغ المد الهشامي، وأحرى فدية الأداء.
اللخمي: وقال ابن الماجشون: إن غدى وعشى أجزأه، فجعلهما ككفارة اليمين بالله تعالى.
انتهى.
ونص ابن المواز على أنه لو غدى وعشى لا إعادة عليه، وعلى هذا فتكون أحب على بابها، ويحتمل أن يراد بها عدم الإجزاء، ولعله نسب المسألة للمدونة، لهذا التردد الذي في قوله: (ولا يُعْجِبُنِي)، ولإشكالها أيضاً، وذلك أن الحامل لهم على التقدير بالمد الهشامي إنما هو تحصيل الشبع في يوم، وقد حصل ذلك.
وَلا يُجْزِئُ قِيمَةٌ فِي كَفَّارَةٍ، وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ
أما عدم إجزاء القيمة فقد نص في المدونة وغيرها على ذلك، وأجري في ذلك الخلاف في الزكاة.
وقوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) ظاهره أنه قيل هنا بإجزاء القيمة، كما في اليمين بالله تعالى، وفي هذا نظر؛ لأن المصنف لم يقدر القيمة تجزي في كفارة اليمين بالله، ولا يقال: إن المصنف شبه لإفادة الحكم؛ لأن المصنف لم يذكرها هنا حكماً، والأقرب أن في هذا المحل أن يكون معنى قوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي في إجزاء الغداء والعشاء، وهو قول ابن الماجشون، كما ذكرنا، وقد يقال على بعد (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي: إذا قلنا فيه مد بمده صلى الله عليه وسلم، فهل يزاد مثل ثلث المد أو نصفه.
اللِّعَانُ: يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِزِنىً أَوْ نَفْيٍ نَسَبٍ، ويَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ
هي مشتقة من اللعنة التي في خامسة الزوج، ولم يسمى بالغضب، وإن كان يصدر من المرأة في الخامسة، لأن القاعدة تغليب المذكر، ولأنه لما كان لعان الرجل سابقاً وسبباً في لعانها، غلب ما يصدر منه، واللعن: البعد والطرد، ومعنى لعنه الله، أي أبعده الله من رحمته، وكانت العرب إذا تمرد الشرير منهم طردوه وأبعدوه عنهم لئلا يؤاخذوا بجرائره، وسموه لعيناً، وقول المصنف: (يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ) أي على رمي زوجته (بِزِنىً) مخرجاً لرميها بمقدمات الجماع ونحو ذلك، فإنه لا لعان في ذلك، ومخرج أيضاً حلف الزوج على زوجته في الحقوق المالية، أو غيرها، وقال: (أَوْ نَفْيٍ نَسَبٍ) ليدخل فيه إذا نفى الولد، بل هذه الصورة هي المقصود الأهم من