التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 434-473
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال في الكافي: واتفق على ذلك قول مالك.
قوله: (بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ) نحوه في المدونة، قال في الجواهر: ويوقف ليتذكر ولا يعجل عليه بالاتفاق لرجاء التذكر وإن طال الأمد ورفعناه ضرب له أجل الإيلاء، ونحوه للخمي وزاد: وقيل: يطلقن عليه من غير أجل.
اللخمي: والصبر أحسن لأنه يرجو أن يتذكر، فإن طلق ونوى التي لم يطلق حلتا للأزواج، وإلا طلق السلطان عليه ونوى التي لم تطلق أي لتحل للأزواج، وعلى هذا فيلزم إذا لم يتذكر أن يطلق التي لم يقع عليها طلاق، فيقول: امرأتي التي لم يقع عليها طلاق طالق.
خلاف قول مالك يطلقن عليه من غير استئناف طلاق، وهو مذهب أبي حنيفة، واستحسنه ابن عبد السلام.
ولعل الخلاف مبني على اختلاف الأصوليين في اختلاط الميتة بالذكية هل يحرمان معاً أو إنما تحرم الميتة؟ فعلى الثاني لابد من استئناف الطلاق.
وَفِي إِحْدَاكُنَّ طَالِقُ، أَوِ امْرَأَتُهُ طَالِقُ، ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً مُعَيَّنَةً- قَالَ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ: يُطَلَّقْنَ، وقَالَ الْمَدَنِيُّونَ: يَخْتَارُ كَالْعِتْقِ .. قال في البيان: المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه أن الجميع يطلقن وقال المدنيون: ويختار واحدة كالمشهور في العتق.
والمشهور أن العتق أحق، لأنه يتبعض ولا يتنجز إذا علق على زمان آت، ويعتق فيه بالقرعة، بخلاف الطلاق، فإن قيل: فلم لم يقل المدنيون في الأولى أيضاً يختار كهذه؟ قيل: لأن الطلاق في الأولى وقع على واحدة معينة، وذلك التعيين مانع من نقله منها إلى غيرها، ولهذا قلنا: إذا تذكر المطلقة لم يلزمه في غيرها شيء، فإذا لم تعلم المطلقة احتجنا إلى طلاق الجميع، بخلاف هذه فإنه إنما ألزم نفسه الطلاق في غير معينة فكان تعيين له.

وفهم من قوله: (ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً) أنه لو نوى معينة لصدق.
ابن بشير: بلا خلاف.
قال في المدونة: ويصدق في القضاء والفتيا وظاهرها نفي اليمين لتسويته بين القضاء والفتيا.
وحكى اللخمي وغيره في ذلك قولين، وهما على الخلاف في أيمان التهم، وقال اللخمي: إن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال، وإن كانت عليه بينة وقال: أردت فلانة وكان كلامه نسقاً صدق بغير يمين، وإن لم يكن نسقاً وقال: نويت الشابة أو الحسنة أو من يعلم منه الميل إليها لم يحلف وإن قال: نويت الأخرى حلف.
ابن بشير: وهذا إن كان التعيين والزوجتان في الحياة، فإن عين بعد الموت فقال: المطلقة هي الميتة، قبل قوله، واستظهر عليه باليمين.
وإن عكس فقال: المطلقة هي الحية، وليس للميتة مال قبل قوله، ولا يمين أيضاً، وإن كان لها مال.
فقال اللخمي لا يقبل قوله، لأنه يريد الميراث، والأصل قبول قوله ويستظهر عليه باليمين، لأنه كان مقبول القول فلا يرجع قبول قوله بموت الميتة.
فَإِنْ شَكَّ أَطَلاقُ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ فَفِي أَمْرِهِ بِالْتِزَامِ جَمِيعِ مَا يَحْلِفُ بِهِ عَادَةً قَوْلانِ يعني: إذا تيقن أنه حلف يميناً ثم نسي ما حلف به، والقول بالأمر مذهب المدونة ففيها من لمي در بها حلف أبطلاق أو عتق أو مشي أو صدقة؟ فليطلق نسائه ويعتق رقيقه، وليتصدق بثلث ماله، وليمش إلى مكة، يؤمر بذلك من غير قضاء، وإذا تأملت كلام المصنف وجدته مخالفاً للمدونة، لأنه في المدونة إنما أمره بالتزام ما يحلف [367/ ب] به عادة كالمصنف، وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر لكنه تبع ابن شاس.
وقال أصبغ: إن لم يدر بأي يمين حلف أبطلاق أو عتاق أو إيلاء أو مشي أو ظهار؟ فإنه تلزمه ولا تجري على لسانه.
واعترضه اللخمي وقال: قول أصبغ أنه يجبر على المشي والصدقة خلاف المعروف من المذهب، ولعل ابن شاس رأى قول أصبغ إلا ما كان منها

ليس من أيمانه، فجعله تقييداً للمدونة وفيه بعد.
وقول اللخمي إن المعروف من المذهب في المشي والصدقة عدم الجبر صحيح إلا أن ينص على الجبر فيهما إذ يحتمل أن يريد بلزوم ما ذكره في القضاء والفتيا أي يقضي عليه بما علم في غير هذا الموضوع أنه يقضي عليه به، وذلك الطلاق والعتق المعين والظهار على أن الصقة ليس لها ذكر في كلام أصبغ.
التَّفْوِيضُ: تَوْكِيلُ، وتَمْلِيكُ، وتَخْبِير يقال: فوض الأمر إليه إذا رده إليه وهذا مشترك بين التوكيل والتمليك والتخيير فلذلك جعل التفويض جنساً والثلاثة أنواعاً له، والفرق بين التوكيل وغيره أن التوكيل يفعل على طريق النيابة بخلاف غيره.
وأما الفرق بين التخيير والتمليك فقيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه، فقولهم: في المشهور كما سيأتي أن للزوج أن يناكر المملكة دون المخيرة إنما ذلك مستفاد من العرف، وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف، وقيل: هو وإن كان تابعاً للعرف إلا أن العرف موافق للغة أو قريب منها؛ لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلاً، فلذلك قلنا أن للزوج أن يناكرها، لأن الأصل بقاء ملكه بيده.
أما التخيير فقال أهل اللغة: خيرت فلاناً بين الشيئين إذا فوضت إليه الخيار، فيكون على هذا معنى تخيير الزوجة أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على ما لا يبقي للزوج معها رجعة.
ففِي التَّوْكِيلِ: يَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ توقِعَ تصوره ظاهر، ونحوه في التلقين وهو مقيد بما إذا لم يتعلق للمرأة حق صرح بذلك ابن بشير كما إذا قال لها إن تزوجت عليك فقد جعلت أمرك بيدك أو أمر الداخلة بيدك توكيلاً لا تمليكاً فهنا قد تعلق للمرأة حق في التوكيل فلا يكون له عزلها وهذا كما قلنا أن للموكل عزل الوكيل ما لم يتعلق به حق الغير.

واقتضى كلام المصنف أنه ليس للموكل له عند وكيله ما لم يتعلق به حق الغير- الرجوع في التمليك وهو كذلك في التلقين ليس له أن يرجع إلى أن يبطل تمليكها.
الباجي: وهو مما انفرد به.
وَالتَّمْلِيكُ: مِثْلُ: مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَطَلاقُكِ بِيَدِكِ، وطَلِّقِي نَفْسَكِ، وأَنْتِ طَالِقُ إِنْ شِئْتِ أَوْ كُلَّمَا شِئْتِ؛ فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا، وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ حَتَّى تُجِيبَ .. هذه صيغة التمليك وقدم (مَلَّكْتُكِ) لأنها صريح هذا الباب فلما كان (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) أقرب في باب التمليك من (طَلاقُكِ بِيَدِكِ) جعل (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) إثر (ملكتك) ولا يقال: لا ينبغي عد (أمرك بيدك) لأن الأمر هو الشأن وشأنها بيدها قيل قوله لأن أمرك بيدك في هذا الباب المراد منه الإنشاء.
وقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) أي إذا ملكها وتخصيصه هذا للتمليك يقتضي أنها ليس لها ذلك في التوكيل وهو ظاهر لأن للزوج عزلها وإذا كان لها المنع فليس لها أن تطول على زوجها وإنما لها ذلك في المجلس وشببهه كما سيأتي.
وقوله: (حَتَّى تُجِيبَ) يحتمل أن يكون غاية للجملة الأخيرة وهي (وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ) ويحتمل أن يكون غاية لها ولقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) وهو الأقرب.
وَالْجَوَابُ قَوْلُ صَرِيحُ وَمُحْتَملُ، وفِعْلُ، فَالصَّرِيحُ يُعْمَلُ بِهِ فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ والطَّلاقِ يعني: وجواب المرأة إذا صدر من الرجل التمليك ينقسم إلى (قَوْلُ .. وفِعْلُ) والقول ينقسم إلى (صَرِيحُ وَمُحْتَملُ) لأنه إذا كان نصاً في المراد فهو صريح وإلا فهو محتمل وينبغي أن يكون الفعل أيضاً ينقسم كذلك لأنه وإن لم تكن له دلالة بالوضع بل بالقرائن المحتفة به فتلك القرائن إما أن تحتمل النقيض أو لا.

ولعل المصنف ترك تقسيمه اكتفاءً بما سيذكره.
وقوله: (فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ) كما لو قالت: رددت ما جعلت إلي أو لا أقبله (والطَّلاقِ) عطف على (رَدِّ) تقديره، وإيقاع الطلاق كما لو قالت: طلقت نفسي أو بنت منك أو بنت مني.
مَا لَمْ تُوقِعْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي قَصْدِهِ عَلَى الْفَوْرِ ويَحْلِفُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ، فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقاً وقع ما زَادَته، فَإِنْ رَجَعَ فَفِي قَبُولِ قولِهِ قَوْلانِ، أَمَّا لَوْ شَرَطَ عِنْدَ نِكَاحِهِ أَوْ قَبْلَهُ- مثل: إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ- فَلا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِي الثَّلاثِ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ .. يريد إذا أجابت صريحاً بالطلاق فإن صرحت بالواحدة إن لم تنو شيئاً وإنما صرحت بمجرد الطلاق وقعت واحدة وإن أوقعت أكثر فله مناكراتها بأن يكون: إنما قصدت واحدة بشروط أن يناكرها بالفور، فإن تراخى أي لزمه ما اوقعته وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عن من ملك امرأته فقضت بالثلاث فلم يناكرها [368/ أ] هل يدخل في مناكرتها بعد المجلس الخلاف الذي في المرأة ببطلان خيارها بانقضاء المجلس أم لا؟ فقال: لا يدخل وسكوته التزام بما قصدت بخلاف المملكة وإلى هذا أشار بقوله (عَلَى الْفَوْرِ).
ثانيها: أن يحلف، فإن لم يحلف ففي المبسوط عن القاضي إسماعيل تلزمه الثلاث.
مالك في العتبية: ولا تنقلب اليمين على المرأة لنكوله، قال في البيان ولا خلاف في ذلك إذا لم يعلم صدقه من كذبه في ما ادعاه من النية، قال وليس في حلفه خلاف.
ابن عبد السلام: وأصله من يمين التهمة.
فرع: ومتى يحلف؟ قال ابن المواز: إن كانت مدخولاً بها حلف مكانه إذ له الرجعة، وإن كانت غير مدخول بها لم يحلف إلا إذا أراد أن يتزوجها ولا يحلف قبل ذلك، إذ لعله لا

يتزوجها قال الباجي وغير: لا يحلف في المدخول بها إلا عند إرادة الارتجاع إذ لعله لا يرتجعها، ولعل ابن المواز إنما ألزمه اليمين ناجزاً لتحقيق أحكام الزوجية الحاصلة في المطلقة طلاقاً رجعياً للنفقة وموارثة واستمتاع عند من يراه.
ثالثها: أن ينوي واحدة عند التمليك، فلوى نوى بعده أو لو لم ينو شيئاص وقع ما أوقعته وإلى هذا أشار في قوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ) وأشار إلى اشتراط القطع من التمليك بقوله أولاً (فِي قَصْدِهِ).
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً) فيه نظر؛ لأنه يقتضي أنه لو نوى اثنتين أن يقع الثلاث ولو كان كما في المدونة إلا أن يناكرها الزوج مكانه فيحلف ويلزمه ما نوى من واحد فأكثر لكان أحسن.
رابعها: أن يقصد بالتمليك الطلاق وإليه أشار في قوله: (فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقاً وقع ما زَادَته) وزادته بالزاي المعجمة وفي بعض النسخ (أرادته) من الإرادة والمعنى متقارب وقوله: (فَإِنْ رَجَعَ .. إلخ) يعني فإن أنكر أن يكون قصد الطلاق فقلنا يلزمك ما أوقعته من الثلاث فرجع وقال إنما نويت واحدة.
فهل تقبل هذه النية منه؟ وهو رواية ابن القاسم عن مالك بعد حلفه أو لا يقبل منه وهو ندم من قائله وهو قول أصبغ.
أصبغ: والقول الأول وهم من ناقله واختاره غير واحد وهو الذي يأتي على المشهور في ما إذا أنكر المودع الوديعة فأقام ربها البينة على الإيداع فقال المودع: رددتها؛ فلا يسمع قوله ولا بينته على الرد وكذلك إذا أنكر المدين الدين أو المشتري الشراء وأقيمت عليهما البنية بالدين والشراء فزعما الوفاء، بل قبول قوله في هذه المسألة أولى من قبول قوله في مسألة التمليك، لأن الوديعة التي قامت على ردها البينة وكذلك الدين وثمن السلعة قد يسوغ في الشرع أو يظن كثير من العوام أنه سائغ ويقول: إنما أنكرت لعلمي أنه لا

شيء له عندي وخفت متى أقررت له بذلك أن يطالبني فأتكلف إقامة بينة وهي الغائبة أو تزكيتها ونحو ذلك.
وأما إنكار إرادة الطلاق بقوله (ملكتك) مع أنه يعلم من نفس إرادة الطلاق، فلا يجهله أحد فناسب ألا يعذر.
أصبغ: وإنما تنفعه النية التي خرج لفظ التمليك عليها لا ما حدث له بعد القول.
محمد: إلا رواية أشهب عن مالك في من ملك امرأته وهو يلاعبها فتقول: قد تركتك؛ فيقول الرجل: كنا لاعبين ولم أرد طلاقاً.
قال مالك: يحلف ما أراد إلا واحدة.
وفي مسألتهم شبهة قيل: أعليه حرج أن يحلف والله يعلم أنه لم يرد شيئاً قال: لا، قد أمر بذلك ويحلف ما أراد الطلاق وتكون واحدة.
محمد: وليس بأصل مالك لأنه ملكها ولم يرد واحدة، والله أعلم.
خامسها: أن لا يكون التمليك مشترطاً عليه في أصل العقد، فإن كان مشترطاً ففي المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق: لها أن تطلق نفسها بالطلاق ولا مناكرة له، بنى أو لم يبن، فإن طلقت نفسها واحدة وقد بنى بها فله الرجعة وإن لم يبن بها فقد بانت وإلى هذا أشار في قوله (أَمَّا لَوْ شَرَطَ ... إلخ) وهذا هو المشهور، وفي سماع عيسى: إن لم يبن بها طلقت نفسها واحدة لا أكثر لأنها تبين بها وقد علمت أن مذهب المدونة إذا طلقت المدخول بها نفسها واحدة أن له الرجعة، وقال سحنون وغيره: لا رجعة له، لأن ذلك مشترط في أصل النكاح وقرره ابن عتاب بأنه راجع إلى الخلع، لأنها أسقطت من صداقها لشرطها، قال: وقوله في المدونة جار على غير أصوله واحترز بقوله: (إلا أن يكون التمليك مشترطاً في أصل العقد) مما لو ملكها فيه طائعاً من غير شرط فإن له مناكرتها.
نص عليه غير واحد.

واختلف إذا لم يحصل التنصيص على الطوع أو الشرط فقال ابن العطار: ذلك على الطوع، وقال أبو الوليد وابن فتحون: ذلك على الاشتراط.
قوله: (أَوْ قَبْلَهُ) أي قبل العقد وهو كالمستغنى عنه لأنه إن استديم إلى عقدة النكاح فلا شك في اعتباره وإن لم يتعرض له في عقدة النكاح ألغي فدار الأمر مع ذكره في عقدة النكاح وجوداً وعدماً.
وَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ثُمَّ لا تَزِيدُ إِلا فِي كُلَّمَا، أَوْ يَكُونُ نَسَقاً لَمْ يَنْوِ بِهِ التَّاكِيدَ كَطَلاقِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ .. يعني: أن المملكة إذا أوقعت واحدة وقعت وليس لها أن تزيد عليها إلا في [368/ ب] صورتين: الأولى: أن تكون الصيغة مقتضية للتكرار.
كما إذا قال: كلما شئت فأمرك بيدك.
والثانية: أن تكون نسقاً فلا تقبل منه المناكرة في غرادة التكرار بخلاف الصورة التالية.
واسم (يَكُونُ) في كلام المصنف يحتمل أن يعود على تمليكه وعلى ذلك مشاه ابن راشد وعليه فيقرأ (يَنْوِ) بالياء المثناة من أسفل.
ويحتمل أن يعود على جوابه وعلى ذلك حمله ابن عبد السلام، وعليه فيقرأ (تَنْوِ) بالتاء المثناة من فوق والوجهان في المدونة.
أما الوجه الأول: ففيها: وإن قال أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك فطلقت نفسها ثلاثاً سئل الزوج عما أراد فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة وإن نوى الثلاث فهي الثلاث وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت من واحدة فأكثر ولا مناكرة له.
وأما الوجه الثاني ففيها: وإن ملكها قبل البناء ولا نية فطلقت نفسها واحدة ثم واحدة ثم واحدة فإن نسقتهن لزمه الثلاث إلا أن تنوي واحدة كطلاقه إياها إذا كان نسقاً

قبل البناء ولا ترقى على الوجه الأول بين أن يعطف تمليكه أم لا، فقد روي عن مالك في من ملك وزجته فقالت كما ملكتني؟ فقال: مرة ومرة ومرة ففارقته فليس ذلك بثلاث إذا حلف ما ملكها إلا واحدة.
التونسي: وهو مشكل بأنه قد أبان بقوله: مرة ومرة ومرة أنه أراد ثلاثاً إلا أن يكون قصد إلى حكاية الألفاظ وأنه تمليك واحد.
قال في البيان: إن قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم كذلك، فإن لم تكن للزوج نية وقع في الثلاث بالاتفاق، وإن قال لم أنو إلا واحدة ففي الموازية عن مالك: تقع الثلاث.
محمد: والأحسن أنها واحدة ويحلف.
وقوله في المدونة: إن ملكها قبل البناء؛ يريد أو بعده من باب الأولى، ولهذا لم يخصص المصنف.
وَالْمُحْتَمَلُ مِثْلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي فَيُقْبَل تَفْسِيرُهَا مِنْ رَدِّ، أَوْ طَلاقٍ، أَوْ بَقَاءٍ .. لما تكلم على الصريح شرع في المحتمل ومثله بثلاثة ألفاظ لأن كل واحد منها يحتمل أن يفسر بالرد أي رد التمليك والاستدامة على العصمة أو بالطلاق أو بالبقاء، أي البقاء على النظر في الأمر ولا إشكال في تفسير كل من الألفاظ الثلاثة بالطلاق والبقاء، وأما التفسير بالرد ففيه نظر بأن القبول ليس موضوعاً للرد وليس الرد من مقتضى القبول بل دافع لمقتضاه وقد يجاب عنه بأنه لما كان الرد من آثار قبول النظر في الأمر صح التفسير به على سبيل المجاز، والله أعلم.
وما ذكره المصنف هو المشهور، وقيل يلزمه الطلاق إذا قالت قبلت أمري ولا تسأل وهل قبلت نفسي كقبلت أمري وهو مقتضى بالطلاق قولان:

وَالْفِعْلُ: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ أَوْ تَنْقُلَ قُمَاشَهَا وتَنْفَرِدَ عَنْهُ، وَمِثْلَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا طَوْعاً فَكَالصَّرِيحِ فِيهِمَا .. (فِيهِمَا) أي في الطلاق والرد، فنقلها لقماشها وانفرادها عنه (فَكَالصَّرِيحِ) في الرد وفيه حذف مضاف أي كاللفظ الصريح وهو يقتضي أنها لو قالت لم ترد بنقل القماش والاستتار عنه والبعد منه الطلاق لم يقبل منها؛ لأن ذلك يجري مجرى جوابها بالطلاق، وكذلك قال مالك على ما نقله اللخمي وعليه اقتصر في الجواهر.
ونقل ابن محرز عن عبد الوهاب وأومئ إلى ترجيحه بأنها لو فعلت ما يدل على رضاها به كما لو قبلته لما كان لها كلام، وإن لم ترد الرضى فكذلك إذا فعلت ما يدل على فراقه.
ونقل ابن محرز عن مالك: أنه لا يكون طلاقاً إلا إذا أرادت به ذلك، وبه قال ابن وهب ومحمد، وهو الذي اقتصر عليه في المقدمات، وإليه يرجع اختيار اللخمي لأنه قال: أرى أن تسأل لم فعلت ذلك؟ فإن قالت: خمرت وجهي كراهية في رؤيته، ونقلت متاعي خيفة أن يحتال علي فيه.
صدقت ولم يكن فراقاً.
وإذا ألزمناه بذلك الطلاق فقال عبد الملك: إن قالت بعد أن خمرت رأسها ونقلت قماشها أردت البتة، فله أن يناكرها ويحلف أنه ما ملكها إلا واحدة.
قال ابن القاسم: لا ينوى.
الباجي: ووجهه أن الظاهر من فعلها البينونة فترك الإنكار عليها في المجلس يقتضي الرضى بالثلاث.
وقيل: عليه أن يحلف يميناً أخرى أنه لم يظن انتقالها وما فعلت يكون طلاقاً بائناً.
ومقتضى قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ أن ذلك يلزمه مع يمينه أنه لم يملك إلا واحدة.

وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئة لجميع ذلك وهذا ليس بخلاف في الظاهر.
انتهى.
وقيد المصنف التمكين بأن تكون طائعةً لأنها لو لم تكن طائعةً كانت على خيارها، وأحرى إذا كانت غير عالمة، ويعاقب الزوج في فعله، نص عليه في المدونة.
وهو وإن كان في المدونة إنما نص على المعاقبة في التخيير، فالتمليك مساوٍ له في ذلك.
ونظير هذه المسألة في عدم السقوط خيارها بالوطء إذا كانت غير عالمة: الأمة تعتق تحت العبد، ومن شرط لها إن تزوج عليها أو تسري فأمرها بيدها وفعل ولم تعلم، قاله في المدونة.
وإن ادعى على المملكة العلم فلا قول لها، فإن [369/ أ] أعلمها وأمكنته وادعت الجهل لم تعذر، فإن اختلفا في الإصابة فالقول قولها، إلا أن تكون هناك خلوة، وإن أصابها وقالت: أكرهني، فالقول قوله مع يمينه، بخلاف إذا قبلها فالقول قولها مع يمينها.
فَإِنْ لَمْ تُجِبْ وتَفَرَّقَا، أَوْ طَالَ طُولاً يُخْرِجُ عَنِ الْجَوَابِ- فَفِي بَقَائِهِ كَالتَّخْبِيرِ رِوَايَتَانِ، وعَلَى بَقَائِهِ يَلْزمُ الْحَاكِم بِالإيقَاعِ أَوِ الرَّدِّ وإِلا أَسْقَطَ الروايتان في المدونة والذي رجع إليه مالك أنه يبقى وإن تفرقا وطال ما لم توقف أو توطأ.
وأخذ ابن القاسم بالقول الأول، أنهما إذا تفرقا من المجلس أو طال بهما حتى يعلم أنهما تركا ذلك، وخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره بحيث يعلم أنهما تركا ما كانا فيه بطل، قال فيها: وعلى هذا جماعة من الناس.
ونقل أشهب أن مالكاً إنما قال ببقائه وإن انقضى المجلس مرة ثم رجع عنه إلى أن مات.
واختار عبد الحميد القول بأنه بيدها وإن تفرقا.
ورأى اللخمي أنها تمهل ثلاثة أيام قياساً على الشاذ في من وجبت له شفعة أنه يمهل ذلك.
وفيه نظر، لأن المملك كالطالب للجواب، بخلاف حق الشفيع فإنه ثابت بالشرع، ولهذا قيل في الشفيع: إن حقه باق أبداً، وعلى القول بالسقوط بانقضاء المجلس فذلك بشرط أن يمكنها القضاء وأما لو ملكها

وأسرع القيام عنها لم يسقط خيارها ولا تمليكها قاله في الجلاب.
واعلم أن هاتين الروايتين إنما هما في التمليك المطلق، أي إذا قال لها: أمرك بيدك.
قال في المقدمات: وأما التمليك المفوض فهو أن يقول لها: أمرك بيدك أن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت أربعة ألفاظ يكون بها التفويض وهي تختلف باختلاف معانيها، فأما متى شئت فلا يختلف أن الأمر بيدها ما لم توقف وإنما يختلف هل يقطع ذلك الوطء أم لا يقطعه فيقطعه على مذهب ابن القاسم، ولا يقطعه على مذهب أصبغ.
وأما: إن شئت، أو: إذا شئت، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: قول مالك أن ذلك كالتمليك المطلق سواء.
والثاني: قول ابن القاسم أن الأمر بيدها ما لم توقف بخلاف مذهبه في التمليك المطلق.
والثالث: لأصبغ إن قال: إن شئت؛ كان الأمر بيدها في المجلس، وإن قال: إذا شئت؛ كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطع ذلك الوطء عنده في: إذا، بخلاف قوله: إن.
واختلف قول ابن القاسم إذا قال: أنت طالق إن شئت، فله في المدونة أن ذلك تفويض والأمر إليها حتى توقف، وله في الواضحة أنه لا قضاء لها إلا في المجلس بخلاف قوله: أمرك بيدك إن شئت، وهو الصحيح.
وقد تأول بعض الناس على ما لابن القاسم في المدونة أن: أمرك بيدك إن شئت.
ليس بتفويض بخلاف قوله: أنت طالق إن شئت.
ووجه ذلك بتوجيه بعيد، حكى ذلك أبو النجاء في كتابه.
انتهى.
وحكى ابن بشير في ما إذا قال لها: أنت مخيرة أو مملكة إن شئت، وإذا شئت، طريقين للمتأخرين: أحدهما: أن في ذلك القولين السابقين في التمليك المطلق.

والثاني: أنه يتفق على أن الخيار لها بعد المجلس، ولا خلاف أنه لو نص المخير أو المملك على أن ذلك لا يكون للمرأة إلا إن اختارت في الحال، أو نص على أن ذلك بيدها وإن تفرقا، أنه يعمل على ذلك.
فرع: الأول: إذا ثبت أن لمالك فيما إذا خيرها ثم انقضى المجلس قولين، فذلك إنما هو إذا ملكها وهي حاضرة، وأما لو خيرها وهي غائبة من المجلس ثم بلغها ذلك فهل تكون بمنزلة ما لو كانت حاضرة؟ فيختلف فيه على قولين.
وهي طريقة اللخمي، وقال: والقول ببقائه أحسن، لأن لفظه هنا لا يقتضي جواباً، أو يتفق هنا على أن لها القضاء وإن انقضى المجلس طريقان، وإلى الأولى ذهب صاحب المقدمات فقال: وأما إن كتب إليها أو أرسل إليها رسولاً فلم يختلف قول مالك أن ذلك بيدها وإن لم تقض ساعة وجب لها التمليك، وقيل: بيمين، وقيل: بغيرها ما لم يطل ذلك حتى يتبين أنها راضية بإسقاط حقها.
والطول في ذلك أكثر من شهرين على ما في سماع ابن القاسم، إلا أن يكون الزوج حاضراً حين التمليك وتمنعه نفسها فيكون ذلك بيدها وإن طال الأمر كالأمة المعتقة تحت العبد.
وروى ابن وهب أن حقها يسقط إذا لم تقض ساعة وجب التمليك كالمملكة التي تواجه بالتمليك.
انتهى.
تنبيه: وإن قالت المرأة في المجلس: قد قبلت أمري فلها أن تقضي بعد المجلس ولا يدخله اختلاف قول مالك، أشار إليه في المدونة، ونص عليه الباجي وغيره.
صاحب البيان: وليس ذلك بالبين إلا إذا قيدت القول بالمجلس فلم ينكر عليها الزوج، ويكون سكوته كالإذن، وأما إن رد عليها وقال لها: إما أن تقضي أو تردي فالمسألة جارية على القولين.

قوله: (وعلى بقائه) أي إذا فرع على قول مالك الثاني فإن الحاكم لا يمهل أمرها ويتركها ولو رضي الزوج بذلك لحق الله تعالى في بقاء [369/ ب] العصمة على الشك بل يوقفها، فإما أن توقع الطلاق أو ترد التمليك.
قوله: (وإلا) أي: وإن لم تفعل أحد الأمرين أسقط الحاكم ما بيدها.
والتَّخْبِيرُ مِثْلُ: اخْتَارِينِي أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ، وهُوَ كَالتَّمْلِيكِ إِلا إِنَّهُ لِلثَّلاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ نَوَيَا أَوْ لَمْ يَنْوِيَا مَا لَمْ يُقَيَّدْ فَيَتَعَيَّنُ مَا قُيِّدَ .. لما انقضى كلامه على التمليك شرع في التخيير وهو كالتمليك أي فيما تقدم من عدم العزل والجواب، ثم استثنى من ذلك أنه الثلاث المدخول بها من غير مناكرة وسواء نوى الزوجان ذلك أم لا.
واحترزنا بالدخول بها من غيرها كالمملكة، فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة، كما سيأتي ومقابل المشهور القولان الآتيان في كلامه.
عياض: والمتحصل من الأقوال في مذهبنا في التخيير ستة أقوال: أشهرها مذهب الكتاب: أن اختيارها ثلاث ولا مناكرة للزوج نوت المرأة الثلاث أم لا، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له.
ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد أم لها القضاء ثانية؟ الثاني: أن لها الثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئاً ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج وهو قول عبد الملك.
الثالث: أنها واحدة بائنة، وهو الذي ذكره ابن خويز منداد عن مالك هو أحد مذهبي علي بن أبي طالب.
وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختياره هو.
الرابع: أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة وهو قول ابن الجهم، وهو الظاهر عندي، من معنى ما حكاه ابن سحنون عن أكثر أصحابنا إلا ما تأوله اللخمي.

الخامس: له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون، وعليه تأولها اللخمي كالتمليك وهو قول عمر وعلي أولاً.
السادس: أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائنة، وهو قول زيد ابن ثابت، وحكاه النقاش عن مالك.
انتهى.
وقوله: (مَا لَمْ يُقَيَّدْ) فيتعين ما قيد، كما لو قال لها: أنت طالق بالخيار في طلقة أو طلقتين وهل عليه يمين إذا قال: اختاري واحدة؟ فلا خلاف في وجوب اليمين أنه ما أراد إلا واحدة لأنك تختارين مرة واحدة، وإن قال: اختاري من الطلاق واحدة أو من الطلاق طلقة، أو اختاري طلقة فلا يمين عليه بلا خلاف، واختلف في وجوب اليمين إذا قال: في أن تطلقي نفسك طلقة واحدة وفي أن تقيمي على قولين، ونسب اللخمي وجوب اليمين لابن القاسم، وقال: عدم اليمين أحسن.
وقد تقدم الفرق بين التخيير في أنه ليس له مناكرة بخلاف التمليك أول الباب.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهَا مَا لَمْ تُوقِعْهُ لأَنَّ الثَّلاثَ مَمْنُوعَةُ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ، وأُجِيبَ بِأَنَّ السَّرَاحَ فِيهَا لا يَقْتَضِي الثَّلاثَ، ولأَنَّ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَرْتَجِعُ .. يعني: أن اللخمي لما رأى أن التخيير مقتضي للثلاث وكان إيقاع الثلاث ممنوعاً قال: ينتزع الحاكم التخيير من يدها لتضمنه للممنوع إلا أن تسبق بالقضاء فيمضي.
عياض: وذهب بعض شيوخنا إلى أنه مباح إذ ليس هو إيقاع الثلاث وإنما هو سبب له والظاهر الآية في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخيير وفعل ذلك.
وهذا هو القول الذي ذكره المصنف بقوله: (وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ) وفي المسألة قول ثالث لأبي عمران يجوز التخيير وكيره للمرأة إيقاع الثلاث.
وآية التخيير المشار إليها هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 28 - 29]. قوله: (وأُجِيبَ .. إلى آخره) هذا جواب اللخمي عن الآية يعني أن قوله تعالى: (وَأُسَرِّحْكُنَّ) يقتضي أنه لم يجعل الطلاق إلى زوجاته وإنما هو المطلق، ولو يعلم أن الزوجة المطلقة فإنما تطلق طلقة لأن السراح لا يقتضي الثلاث لاسيما كونه وصف بالجميل، نعم هو صلى الله عليه وسلم لا يرتجع من اختارت الفراق بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، على أنه ولو سرح بالثلاث لكان ينبغي أن يكون حكمنا بذلك بخلافه لعدم حصول الندم له عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يوحى إليه بخلافنا.
والظاهر هنا هو الجواب الأول، وهو أنه صلى الله عليه وسلم هو المسرح وبه يبطل الاستدلال بالآية الكريمة ويؤيد هذا ما قاله القاضي إسماعيل في الأحكام: وقد ظن قوم أنه عليه الصلاة والسلام خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء منهم أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخير في طلاق ويكون ثلاثاً، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة فإن اخترن الدنيا طلقن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله، ألا ترى إلى قوله: (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) وقاله ابن رشد وعياض، وروى البخاري ومسلم والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام لما أمره الله بالتخيير وبدأ بعائشة وتلى عليها الآية وقال لها: "لا عليك أن لا تستعجيل حتى تستأمري أبويك".
فقالت: أفي هذا [370/ أ] أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
قالت: ثم فعل أزواجه مثل ذلك.
وما وقع في المدونة أن بعض أزواجه اختارت الفراق، اللخمي وعياض وغيرهما: فليس بصحيح.
تنبيه: استدل ابن عبد السلام على أن الطلاق المراد من الآية دون الثلاث لحصول المتعة لأنه لو كان الثلاث لم تكن متعة وليس بظاهر، لأن المذهب استحباب المتعة لكل مطلقة سواء طلقت ثلاث أم لا، إلا ما استثنى وقد تقدم ذلك.

وَقِيلَ: بَائِنَةُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ هذان القولان هما مقابل المشهور المتقدم من كلام المصنف، والقول بأنها بائنة هو الذي حكاه ابن خويز منداد عن مالك كما تقدم.
وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) هو القول الخامس من كلام القاضي عياض، لأن قوله: (ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) يدل على أنه إذا لم يناكرها تقع الثلاث، واعترض ابن عبد السلام عليه القول الأول بعدم وجوده، وقوله أنه يتفق على لزوم الثلاث عند عدم المناكرة ليس بظاهر لما تقدم.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ، وفِي بُطْلانِ اخْتِيَارِهَا: قَوْلانِ يعني: وإذا فرعنا على المشهور أن التخيير للثلاث، فلو أوقعت المرأة واحدة لم تقع لأنها غير الذي جعل لها، وهل يبطل خيارها بعدولها عما جعل لها؟ وهو المشهور أم لا؟ ويكون لها بعد ذلك أن تقضي بالثلاث وهو قول أشهب، واستحسنه اللخمي لأن المرأة لم تترك ما جعل لها إلا على تقدير حصول الواحدة.
ابن المواز متمماً للمشهور: ما لم يتبين منه الرضى بما أوقعت فيلزم ذلك، وهل اللزوم فيما أوقعت من باب الطلاق بالنية أم لا؟ فيه تردد، وعورضت هذه المسالة بما إذا قالت المخيرة: اخترت نفسي إن دخلت علي ضرتي، فقال في المدونة: توقف لتختار أو تترك، ووجه المعارضة بينهما أن المخيرة في الأولى أخذت بعض حقها وهو الواحدة وأسقطت ما زاد عليها، كما أنها أخذت في الثانية حقها في إحدى الحالتين، أعني بشرط الدخول على ضرتها، فإسقاطها لبعض حقها إن كان مقتضياً لسقوط حقها فهو سقوط فيهما وإلا فلا فيهما، ولهذا قال سحنون: يسقط حقها أيضاً في الثانية، وأجيب بأنها في الأولى تركت بعض ما جعل لها.
وللزوج فيه غرض لأنها إذا أوقعت الثلاث تسقط عنه نفقة العدة،

فصارت لذلك الواحدة كأنها أمر آخر بخلاف الثانية فإنها لم تترك شيئاً للزوج فيه غرض، وإنما وقفت لحق الله تعالى في بقاء العصمة على الشك.
فرع: اللخمي: إذا قال: اختاري تطليقتين.
أو من تطليقتين.
أو في تطليقتين فالجواب مختلف فيه فإن قال: اختاري تطليقتين، كان لها أن تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء.
وإن قال: اختاري من تطليقتين قضت بواحدة ولم تستكمل اثنتين.
واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين ففي المدونة تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء.
وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة.
وعن أصبغ إذا قال: اختاري من ثلاث؛ أنها البتة.
قال في المدونة: وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تُوقِعُ الثَّلاثَ فلَهُ نَيِّتُهُ ويَحْلِفُ وإِلا وَقَعَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ .. حاصله أن الحكم في التخيير إذا كانت المرأة غير مدخول بها كالمملكة فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة بالشروط المتقدمة.
فرع: واختلف في المدخول بها هل تعطي شيئاً على أن يخيرها، فقال مالك: تلزمه البتة باختيارها نفسها ولا مناكرة له.
وقال سحنون وابن المواز: له أن يناكرها لأنها تبين بالواحدة.
ابن محرز: وهو أظهر، لأنها تبين بالواحدة فكانت كغير المدخول بها؛ قال: ووجه قول مالك أنها إنما أعطته على الخيار، وحكم الخيار أنه لا مناكرة فيه بعد الدخول.

وَيبْقَى بِيَدِهَا وَإِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ، وإِلَيْهِ رَجَع ولَوْ عُلِمَ أَنَّهُمَا خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى تُجِيبَ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ يَسْقُطُ إِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ .. وهذا كما تقدم في التمليك سواء، ولا يؤخذ من قول المصنف (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ) أن ابن القاسم قال بهذا القول، وقد قمنا أنه قال به ولم يحفظ له غيره.
أَمَّا لَوْ قُيِّدَ الْجَمِيعُ بِوَقْتٍ تَقَيَّدَ بِهِ إِلا أَنْ تَرُدَّ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ (الْجَمِيعُ) أي: التمليك والتخيير ويحتمل أو يريد جميع صيغ التخيير والتمليك سواء كانت تدل على التكرار ككلما، أو على امتداد الزمان كمتى؛ كما لو قال: لك الخيار في هذا اليوم أو إلى شهر أو سنة، تقيد به ولا يتعداه، ففي المدونة وإن قال لها: اختاري اليوم كله فمضى اليوم ولم تختر فلا خيار لها.
واختلف هل هذا على قوليه معاً في التمليك؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد والقابسي وابن الحارث وغيرهم.
ابن محرز وابن يونس: وهو الصواب.
أو اليوم هنا مثل المجلس ويدخله القولان إذا انقضى اليوم، ونقله عبد الحق عن بعض القرويين.
(إِلا أَنْ تَرُدَّ) أي ما جعل لها وتختار زوجها أو يسقط الحاكم إذا اطلع لحق الله [370/ ب] في بقاء العصمة على الشك.
قال في المدونة: وإن قال لها أمرك بيدك إلى سنة وقعت متى علم ذلك ولا تترك تحته، وأمرها بيدها حتى توقف فتقضي أو ترد.
ابن القاسم: وكذلك إذا قال لها إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالق، فإنها توقف إما أن تقضي أو ترد، إلا أن يطلقها في الوجهين وهي طائعة فيزول ما بيدها، وقال ابن شعبان: لا قضاء لها حتى يأتي الأجل وله الوطء إلى ذلك الأجل، وفي بعض الروايات لا يجوز أن

يجعل الرجل الخيار لامرأته في نفسها إلى أجل بعيد إلا أن يكون ذلك اليوم وشبهه، فيوقف عن امرأته في اليوم وشبهه حتى ترجع إليه أو تفارقه.
لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، ونَحْوَهُ مِنَ الظَّوَاهِرِ فَهُوَ الَبَتاتُ لما قدم التخيير من جهة الرجل تكلم على الجواب من جهة المرأة، واعلم أن جوابها قسمان: صريح: كما لو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً، ولا شك في لزوم الثلاث، كما لو قالت: اخترت زوجي، أو رددت ما جعل إلي من التخيير، فلا شك في عدم لزوم الطلاق، ولما كان هذا واضحاً أعرض المصنف عنه.
والثاني ظاهر: كما لو قالت: اخترت نفسي ... ونحوه، قال في المدونة: وإن أجابته بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت نفسي، أو: طلقت نفسي، أو: طلقت نفسي ثلاثاً، أو: بنت منك، أو: بنت مني، أو: قد حرمت عليك، أو: حرمت علي، أو: برئت منك، أو: برئت مني، أو نحو هذا فهو البتات، ولا تسأل فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا في تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك كما وصفنا قبل.
واختلف إذا سؤلت: أي الطلاق أرادت بقولها: اخترت نفسي؟ فلم تكن لها نية، فقال ابن القاسم: مرة واحدة، ومرة ثلاثاً.
وبالأول قال ابن الماجشون.
وبالثاني قال أصبغ، وكذلك إذا قالت اخترت الفراق.
وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي ونَحْوَهُ سُئِلَتْ- فَإِنْ أَرَادَتْ ثَلاثاً وَقَعَتْ، وإِلا لَمْ تَقَعْ هذا مذهب المدونة، واختلف شارحوها إذا لم تكن لها نية فقال صاحب المقدمات: يلزم الزوج ثلاثاً إلا أن يناكرها في التمليك.
وقال عبد الحق: إذا لم تكن له نية ولا لها فهي

طلقة واحدة تلزم في التمليك وسقط في التخيير.
وفي المقدمات: إذا قالت: طلقت نفسي خمسة أقوال: الأول: مذهب المدونة تسأل في المجلس وبعده، في التخيير والتمليك وإن لم تكن لها نية فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك.
والثاني: أنها تسأل في المجلس أيضاً وبعده في التخيير والتمليك، وإن لم تكن له نية فهي واحدة تلزمه في التمليك وتسقط في التخيير.
والثالث: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير، فإن قالت في المجلس أردت ثلاثاً فهي ثلاث، إلا أن يناكرها في التمليك وهو قول ابن القاسم في الواضحة.
والرابع: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي ثلاث إلا أن: تقول في المجلس أردت واحدة فيسقط التخيير، وهو قول أصبغ في الواضحة.
والخامس: أنها لا تسأل في التمليك وهي واحدة إلا أن تريد أكثر من ذلك فيكون للزوج أن يناكرها، وتسأل في التخيير فإن قالت: أردت ثلاثاً صدقت وكانت ثلاثاً، وإن قالت: واحدة أو اثنتين أو لم تكن لها نية أو افترقا من المجلس قبل أن تسأل سقط خيارها.
قال: وأما إن قالت: أنا طالق، فلا تسأل في تمليك ولا تخيير وتكون واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير إلا أن تقول في المجلس: نويت ثلاثاً فتلزم في التخيير ويكون للزوج في التمليك أن يناكرها، ولا أحفظ في هذا نص خلاف.
وأما إن قالت: اخترت الطلاق فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل فيالتخيير والتمليك لأن هذه الألف واللام قد يراد بهما الجنس فتكون ثلاثاً، ويراد بهما العهد وهو الطلاق السني المشروع فتكون واحدة.
فإذا احتمل اللفظ الوجهين وجب أن تسأل أيهما

أردت؟ فإن قالت: لم تكن لي نية كانت ثلاثاً على قول أصبغ في الواضحة.
ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول: قد طلقت نفسي ولا نية لها أنها ثلاث.
وواحدة على قول ابن القاسم في الواضحة في التي تقول: طلقت نفسي ولا نية لها أنها واحدة.
ويحتمل أن يكون الألف واللام للعهد وهو الطلاق الذي ملكها إياه فيكون ثلاثاً.
وقد كان ابن زرب يتوقف في الجواب في هذه المسألة إذ لم يجد في المدونة ولا في العتبية فيها نصاً.
ونحو طلقت نفسي طلقت زوجي، أو أنا مطلقة أو هو مطلق وكذلك ما تقدم من الألفاظ التي في المدونة في التي قبلها.
فَلَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا انْقَطَعَ التَّخْيِيرُ لأَنَّهَا رَضِيَتْ بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ يعني: إذا خيرها ثم أبانها إما بخلع أو بثلاث فإنه إذا تزوجها ينقطع خيارها لأنها رضيت بتزويجه، وإذا كان تمليكها من نفسها دليلاً على إسقاط حقها فإنشاء عقدة النكاح أولى بخلاف ما إذا طلقها طلاقاً رجعياً فإن خيارها لا ينقطع لأن حكمها حكم الزوجة فلها أن تختار.
وَلَوْ جَعَلَهُ بِيَدِ أَجْنَبِيِّ وتفرقا في المجلس فَكَالْمَرْأَةِ فِي الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ سَقَطَ، وإِنْ أَشْهَدَ أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ وجَعَلَهُ إِلَى الزَّوْجَةِ، ورُوِيَ لا [371/ أ] يَسْقُطُ فَيَكُونُ كَالْمولي اختلف أولاً هل له أن يجعل الأمر في الطلاق إلى غير الزوجة؟ وهو مذهب المدونة، وعليه اقتصر المصنف وسواء كان الأجنبي حاضراً أو قريب الغيبة، قال في سماع عيسى كاليومين والثلاثة، وقال في الواضحة عن ابن القاسم: كاليوم وشبهه، ابن القاسم وأما إن كان بعيداً رجع الأمر إليها وليس أن يجعل الأمر إلى غيرها وإن كان حاضراً ويرجع الأمر إليها فتقضي أو ترد، وهو قول أصبغ، وعلى المشهور فإما أن يكون حينئذ حاضراً أو غائباً.

وأنما تكلم المصنف على الحاضر، ثم الحاضر إن لم يغب ففي بطلان ما بيده بالقضاء المجلس القولان السابقان في المرأة وهكذا في المدونة، وزاد فيها أنه إن أمكن المملك من المرأة وزوجها زانل ما بيدها من أمرها، أي على القولين.
وإذا فرع على القول بعدم السقوط بالتفرق فلو مكنت الزوجة ولم يعلم الأجنبي ففي المدونة يسقط خياره.
وقال محمد: لا يسقط، واستحسنه اللخمي قال: وإذا ثبت أن للأجنبي حقاً فلا يكون للزوج أن يطأ الزوجة إلا بعد علم الأجنبي.
وأما إن غاب وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ) على حقه (سَقَطَ) ما بيده، لأن عدم الشهادة دليل على إسقاط حقه، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين الغيبة القريبة والبعيدة، وكذلك كلام ابن بشير وابن شاس.
وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يفرق بين طول الغيبة وقصرها كما في القسم الذي يقابله، وقد يقال إذا لم يشهد كان ذلك قرينة في إسقاط حقه ولا سيما والخلاف في أصل المسألة، أعني: هل يسقط الخيار انقضاء المجلس أم لا؟ وأما إن أشهد أنه باق على حقه ففي الجواهر: إن قربت الغيبة كتب إليه بإسقاط ما بيده وإمضاء ما جعل إليه وإن بعدت، فقيل يسقط ما بيده وينتقل إلى الزوجة لأن المملك كالنائب عنها.
وفي الموازية ذلك بيده ولا يقربها الزوج لأنه قد جعل الأمر في طلاقها إلى غيره فيلزمه ما التزم.
وإذا فرعنا على هذا ثم قامت بحقها في الوطء ضرب لها أجل المولي إذا رجي قدومه واستعلام ما عنده في الأجل، وأما إن لم يكن يرجى ذلك ففي ضرب الأجل قولان للمتأخرين، فقول المصنف في بعيد الغيبة، وأما في قربها فينظر ما عنده.
وقوله: (ورُوِيَ لا يَسْقُطُ) هو ما في الموازية.
مالك: والأجل من يوم ترفعه، وفيه نظر؛ لأن المشهور المذهب عدم ضرب الأجل في حق من امتنع من الوطء بغير يمين إلا أن يقال هذا مبني على الشاذ.

وقول المصنف في القول الأول وجعله إلى الزوجة قد يخرج منه خلاف من رواية علي عن مالك في الذي تزوج امرأة وشرطت عليه أمها في العقد إن نكح عليها أو تسري أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد الأم، ثم ماتت الأم فلا يكون ذلك بيد أحد غير من جعله الزوج بيده، لأنه يقول: لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيدها لنظرها وقلة عجلتها، وهو خلاف المدونة.
وحكي المتيطي وغيره روايتين إذا أوصت الأم به إلى أجنبي وماتت هل ينتقل إلى من أوصت له أم لا؟ فرع: قال اللخمي: وإن ملك غائباً فإن كان قريباً كتب إليه ليعلم ما عنده، واختلف إن كان بعيداً فلمالك في الموازية: يضرب له الأجل من يوم ترفع، فإن قدم وإلا طلقت عليه بالإيلاء.
محمد: فإن قدم في العدة فقضى بالطلاق لزم الزوج مع طلقه الإيلاء، وإن لم يطلق كأن أن يرتجع متى شاء ما كانت فيه العدة، وقال أيضاً: لا يرجع الأمر إليها إذا كان يرجى قدومه في الأجل.
وقد اختلف في هذا الأصل هل يجعل الطلقة الآن لما كان الصبر لا يفيد وهو مضرة عليها؟ أو يصيب رجاء أن ينتقل رأيها إلى الصبر، وإذا طلق بالإيلاء كان له أن يمنعه الرجعة، لأنه ممنوع من الإجابة، وإن انقضت العدة لم يجز له أن يتزوجها لأنه ممنوع منها حتى يقدم فلان، ولا يجوز له أن يتزوج من لا يحل له وطؤها ولا يتعرض بالحائض لأن ما فوق الإزار جائز وهذه ممنوعة جملة.
ولَوْ خَيَّرَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ اعْتُبِرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ بَلَغَتْ حَدَّ الوَطْءِ مقتضى كلامه أن قول ابن القاسم مخالف للأول لعطفه عليه بالواو، وفي النوادر عن الموازية قال مالك: إذا خير زوجته قبل أن تبلغ وقبل البناء واختارت نفسها فهو طلاق إن بلغت في حالها.

ابن القاسم: يريد حد الوطء، فإن ابن القاسم إنما قصد التفسير، لكن وقع لمالك في سماع عيسى أن الطلاق يلزمه وإن لم تبلغ مبلغاً يوطأ مثلها إذا كانت قد عقلت وعرفت ما ملكت فيه.
ومثله أيضاً لابن القاسم أيضاً في سماع أبي زيد فتفسيره ضعيف، لأن الموجود لمالك خلافه.
ولو كانت صغيرة لم تعقل معنى الخيار لاستؤني حتى تعقل ثم تختار قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد.
انتهى.
وقال سحنون في العتبية: لها الخيار وإن لم تبلغ لأنه هو الذي جعل ذلك إليها، ونحوه نقل [371/ ب] اللخمي عن أشهب وعبد الملك، قال في البيان: وقول سحنون: وإن لم تبلغ.
يريد: وإن لم تبلغ الحيض، ومن تأول عليه أن لها الخيار وإن لم تبلغ مبلغاً تعرف فيه معنى الطلاق فقد أبعد، ووقع لعبد الملك في من خير المغمورة فاختارت نفسها قال: إن خيرها وهي مفيقة ثم غمرت فقضاؤها غير جائز، وإن خيرها وهي مغمرة فقضت جاز قضاؤها لأنه في حد رضي لنفسه بقضائها.
قال: وكذلك لو ملك صبياً أمر امرأته لجاز قضاؤه إن كان يعقل ما جعل له وما يجيب به، فإن كان يخلط في كلامه ولا يعقل ما جعل له لم يجز.
واانظر هل قوله في الصبي مخالف لقوله في المغمورة؟ وحكم التَّخْبِيرِ والتَّمْلِيكِ فِي التَّعْلِيقِ كَالطَّلاقِ فِي التَّنْجِيزِ والتَّاخِيرِ مِثْلَ إِنْ مَضَتْ سَنَةُ فَيَتَنَجَّزُ، وإِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَيَتَأَخَّرُ .. تصوره ظاهر، وقوله: (كَالطَّلاقِ) أي وفاقاً وخلافاً.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ غِبْتُ شَهْراً فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ فَغَابَ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ فُسِخَ، وإِلا فَقَوْلانِ- كَمَنْ طَلَّقَ فَتَزَوَّجَتْ وقَدِ ارْتَجَعَ .. قوله: (وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ) أي بقدومه (فُسِخَ).

قوله: (وإِلا) أي: وإن لم تعلم (فَقَوْلانِ) المشهور أنها تفوت بالدخول وهاتان المسألتان من نظائر المفقود وقد تقدمتا.
واعلم أنها تطلق نفسها في المسألة الأولى بعد أن تثبت الغيبة ثم تحلف لقد غاب عنها الغيبة المذكورة ولا يرجع إليها سراً ولا جهراً، ثم إذا فعلت ذلك أباح لها القاضي أن تطلق نفسها.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلانُ فَقَدِمَ ولَمْ تَعْلَمْ ثُمَّ وَطِئَهَا فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا تصوره ظاهر ويعاقب إن علم ووطئها.
الرَّجْعَةُ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلاقٍ قَاصِرٍ عَنِ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرَ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ ووَطْءٍ جَائِزٍ، ولَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَ الْوَطْءِ .. يقال: الرجعة بفتح الراء وكسرها، الجوهري: والفتح أفصح، وأنكر غيره الكسر، ورسمها المصنف بقوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ ... إلى آخره) فرد المعتدة كالجنس، فقال: رد المعتدة؛ لأنه لو تزوج ابتداءً وردها بعد خروجها من عدة الطلاق لم تكن رجعية وعن طلاق لا يخرج به شيء، وإنما ذكره توصلاً إلى قوله: (قَاصِرٍ) إذ لو قال: رد المعتدة عن قاصر لكان قبيحاً، وقولنا لا يخرج به شيئاً لأن رد المعتدة لا يكون إلا عن طلاق.
وقال: (عَنِ الْغَايَةِ) ولم يقل عن الثلاث ليشمل الحر والعبد؛ لأن غاية طلاقه اثنتان فلو قال قاصر عن الثلاث لاقتضى أن العبد إذا طلق اثنتين أن تكون له الرجعة.
وقوله: (ابْتِدَاءً) راجع إلى قوله: (قَاصِرٍ) لا إلى قوله: (طَلاقٍ) لأنه لو رجع إلى قوله طلاق لم ينعكس الحد لخروج الحر إذا طلق زوجته طلقة بائنة لأنه لا يصدق عليه أنه طلاق مبتدأ بخلاف ما إذا أعدناه إلى قاصر فإن الطلقة الثانية قاصرة عن الغاية باعتبار الابتداء.

ويمكن أن يقال ابتداء كالصفة للغاية، ويكون المعنى قاصر عن الغاية الابتدائية لا إلى الانتهائية، فإن العبد إذا طلق طلقه في رقه ثم أعتق فليس له بعد عتقه إلا واحدة تكملة غاية الأولى فانظره.
واحترز بقوله: (غَيْرَ خُلْعٍ) فإنه لا رجعة فيه.
وبقوله: (بَعْدَ دُخُولٍ) من الطلقة قبله فلا رجعة له، والظاهر أن قوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ) يغني عن هذا لأن المطلقة قبل البناء لا عدة عليها، وبـ (وَطْءٍ جَائِزٍ) مما لو دخل بها ووطئها حائضاً أو في نهار رمضان فإنه لا يكون له الرجعة بذلك كما لا يقع به الإحلال والإحصان؛ لأن ذلك الوطء كلا وطء، إذ المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
ولم يشترط ابن الماجشون في الرجعة جواز الوطء، وقوله مقيد بما إذا لم يكن الوطء محرماً بالأصالة، وأما المحرم بالأصالة وهو الوطء في الدبر فإنه يوافق على عدم اعتباره، ووجهه أنه وطء في زوجة يوجب تكميل الصداق فوجب أن يجلب للزوج الرجعة.
وذهب ابن حبيب واللخمي إلى أن خلافه فيما عدا صوم التطوع وقضاء رمضان والاعتكاف وغير المنذور، وأما في الثلاث فيحل اتفاقاً لأن الصوم يفسد في هذا بأول الملاقات بخلاف رمضان والنذر المعين فإنه مخاطب بالإمساك عن التمادي، وذهب الباجي إلى أن الخلاف مطلق.
واعلم أنه متى حصلت هذه القيود كان للزوج أن يرتجع الزوجة أحبت أم كرهت، والإجماع على ذلك، واعترض على الحد الذي ذكره المصنف بأنه غير جامع لأنه المطلق عليه بالإيلاء، أو لعدم النفقة لا تصح لأحدهما الرجعة إلا بعد ذهاب الموجب للطلاق بفينة المولي أو يسر العسر.
واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة ولم يصب قال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة لا تصح رجعتهما وإن رضيت ولا تنهدم عدة ثبتت بطلاق، بمعنى إلا بزوال ذلك المعنى الذي طلقت له.

وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في الواضحة في من حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سنة، فقامت بحقها فطلق عليها بالإيلاء، فله أن يرتجعها [372/ أ] برضاها، قالوا: لأن لها أن تقيم بغير وطء إلى انقضاء السنة، فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة وإن لم يرتفع السبب.
اللخمي: وهو أحسن لأن الطلاق كان لحق آدمين وأيضاً فإن كل طلاق يوقعه الحاكم غير هذين الطلاقين بائن ليس للزوج فيه رجعة مع أن كلام المصنف يقتضي أن تكون له الرجعة في ذلك إذ يصدق عليها أنها معتدة من طلاق قاصر إلى آخره، فكان ينبغي للمصنف أن يزيد بعد قوله: (طَلاقٍ) غير حكمي، لتخرج هذه الصورة وقد يجاب عنهما.
أما المولي والمعسر بالنفقة فلا نسلم أنه ليس لكل واحد منهما الرجعة، بل لهما الرجعة وإنما لصحتها شرط إذ لو ارتجع المعسر بالنفقة ثم أيسر في العدة صحت رجعته، وعن الثاني فإنه إنما سكت عن التنبيه على ذلك لأنه رأى أن قوله (غَيْرَ خُلْعٍ) مغن عنه لاشتراك الجميع في البينونة والله أعلم.
فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ لَهُ، ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلاق، ويَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ .. هذا شروع من المصنف في الكلام على ما احترز به من القيود فقوله (فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ) إلى قوله (بَعْدَ دُخُولٍ) ولم تكن له رجعة، وإن تصادقا على الوطء لأن ذلك ذريعة إلى نكاح بلا ولي ولا صداق، إلا أن يظهر حمل ولا ينكره فتصح الرجعة لأن الحمل قاطع للتهمة وإذا لم يصدقهما فيلزم كل واحد بمقتضى إقراره، فيلزم الزوج بالنفقة والكسوة والسكنة وألا يتزوج أختها أو خامسة، وتلزم المرأة العدة وألا تتزوج غيره.
وهكذا قال في المدونة، زاد فيها: ولا يتوارثان فإن لم يصدق فلا عدة عليها ولا نفقة ولا كسوة.

فَلَوْ خَلا وادَّعَى الْوَطْءَ وأَنْكَرَتْهُ فَفِي ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ ظاهر قوله (خَلا)، أنه لا فرق بين خلوة الاهتداء والزيارة والضمير في قوله (وأَنْكَرَتْهُ) عائدعلى الوطء.
وتصور كلامه ظاهر وفي المدونة: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء صدق إنكاره الوطء ولها نصف الصداق.
فإن أقر ههنا بالوطء وأكذبته فلها أخذ جميع صداقها بإقراره أو نصفه، ولابد لها من العدة للخلوة ولا رجعة له.
انتهى.
ومفهومه أنه لو كانت خلوة بناء أن له الرجعة وكذا قال اللخمي: الظاهر من قول ابن القاسم أنها تصح في خلوة البناء دون خلوة الزيارة.
ونحوه لابن المواز لأنه قال: الموضع الذي يقبل قوله في الصداق يقبل قوله في إيجاب العدة وفي ثبوت الرجعة وفي دعواه دفع الصداق إليها وقاله ابن رشد.
اللخمي: قال مالك في المختصر: لا رجعة له إذا انفرد بدعوى الإصابة وجعل حكم الرجعة لا يصح إلا باجتماعهما على الإصابة كالإحلال.
خليل: وإذا كانت هذه المسألة جارية على الصداق فيتخرج في كل من خلوة البناء والزيارة قولان، والمشهور: يقبل قوله في خلوة الاهتداء دون خلوة الزيارة.
وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ أَوْ غَيْرِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلافِ عَادَتِهَا، وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ .. لما كان الارتجاع إنما يكون في زمن العدة بين المصنف أنها مصدقة في انقضائها سواء كانت بوضع أو حيض، وهو مراده بقوله (أَوْ غَيْرِهِ) وأما الأشهر فهن والرجال سواء.
وقوله (بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ)، هو كقوله في المدونة: وإذا قال لمعتدة: قد راجعتك فأجابته نسقاً لكلامه: قد انقضت عدتي، فإن مضت مدة تنقضي في زمن مثلها صدقت

بغير يمين، وإلا لم تصدق.
وقضى أبان ابن عثمان في مطلقة ادعت بعد خمسة وأربعين يوماً أن عدتها قد انقضت أنها مصدقة وتحلف، وليس العمل على التحليف إذا ادعت ما تحيط في مثله، وهذا لأنهن مأمونات على فروجهن ولا يعلم ذلك إلا من جهتهن ألا ترى قوله تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: 228] فلولا أن قولهن مقبول في ذلك وإلا لما كان لعدم حلية الكتمان فائدة.
وقوله: (وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ) اللخمي: واختلف إذا كانت المدة تنقضي فيها العدة للنادر هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، يسأل النساء فإن كن يحضن ويطهرن لذلك صدقت.
وقال في الموازية: لا تصدق في شهر، وقال أيضاً: لا تصدق في شهر ونصف وما أراها إلا عجلت زمان أقل حيض النساء أن يقمن خمساً، وقال سحنون: لا تصدق في أقل من شهرين وعنه أقل ما تصدق فيه أربعون.
وقال ابن العربي: عادة النساء عندنا أن تحيض في كل شهر مرة وقد قالت الأديان فلا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر.
وَلا يُفِيدُ تَكْذِيبُهَا نَفْسَهَا ولا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ، وَلا رُؤْيَةَ النِّسَاءِ لَهَا فِي وَضْعٍ ولا حَيْضٍ .. يعني إذا قالت: انقضت عدتي؛ ثم أكذبت نفسها أو قالت: إنما قلت إن عدتي انقضت لأني رأيت دماً وظننت أنه يتمادى وقد انقطع بإثر قولي، أو نظر النساء إليها فلم يرين بها أثر حيض ولا وضع فلا عبرة بقولها ولا قولهن، وبانت بقولها الأول وتصديقها [372/ ب] ذريعة إلى إجازة النكاح بغير شروطه، ورتب المصنف هذه الثلاث مسائل ترتيباً حسناً، لأنه حكم أولا بعدم قبول قول المرأة التي أكذبت نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من لم تكذب نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من شهد لها النساء بصدقها.

ولا إشكال في المسألة الأولى لأن خبرها في غاية الضعف، وأما الثانية ففي المدونة ما ذكره المصنف، وفيه إشكال لأن أكثر أصحابنا قالوا أنها لا تحل بدخولها في الحيضة الثالثة إلا بشرط الدوام فينبغي أن يقبل قولها في دعواها الانقطاع وكما هي مؤتمنة فيوجوده أولاً، فكذلك تؤتمن على ماديه وانقطاعه، وكما في قبول قولها داعية إلى إجازة نكاح بغير شروطه ففي عدم قبول قولها إباحتها للغير بالشك.
ولم ينص في المدونة على عدم قبول شهادة النساء إذا شهدن بعدم الوضع، وإنما نص فيها على عدم القبول إذا شهدن بعدم الحيض، لكن الظاهر ألا فرق.
وَإِذَا مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ سَنَةٍ فَقَالَتْ: لَمْ أَحِضْ إِلا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ لَمْ تُصَدَّقْ إِلا إِنْ كَانَتْ مُظْهِرَةً لِلتَّاخِيرِ فَتُصَدَّقُ .. يعني: إذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً ثم مات بعد سنة من يوم الطلاق، وقالت: لم أحض إلا واحدة، فإن كانت مرضعا – اللخمي: أو مريضة- صدقت، لأن الرضاع والمرض يمنعان الحيض، وإن كانت صحيحة غير مرضع فقال في الموازية ما ذكره المصنف: لا تصدق، لأنها تتهم على أخذ الميراث من الزوج بدعوى أمر نادر، إلا أن تكون قبل موت مطلقها تذكر أنها لم تحض إلا مرة واحدة لضعف التهمة حينئذ فتصدق على الأقل.
وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضها بعد انقضاء سنة وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض.
ولعل هذين القولين سابقين في دعوى النادر إلا أن ذلك بحسب قصر العدة وهذا بحسب طولها.
قال في البيان: ولو كانت بقرب السنة لجرت على القولين في السنة وفهم من كلام المصنف أنها لا تصدق فيما دون السنة.
قال في البيان: وينبغي أن تصدق في نحو الأربعة

أشهر وعشر بغير يمين وفي الستة أشهر ونحوه بيمين، قال: وأما إن ادعت بعد موت زوجها بأكثر من العام والعامين أنها لم تستكمل ثلاث حيض ألا تصدق إلا أن تكون ذكرت ذلك في حياته قولاً واحداً.
اللخمي: وإن كان الطلاق بائناً صدقت لأنها معترفة على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه وأما إن كان الزوج حياً فإن صدقها الزوج كانت لها النفقة ولم تكن من الرجعة.
ويختلف إذا كذبها هل يصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة، ويختلف إذا ماتت الزوجة بعد مضي عدتها المعتادة هل تحمل على أنها في العدة ويرثها الزوج، فلمالك في كتاب المدنيين: إن مات بعد ثلاثة أشهر وادعى الزوج أنها كانت حاملاً فإنه يرثها، والبينة على من أراد منعه.
وفي كتاب الاستبراء في من باع أمة ببراءة من الحمل وهو مقر بالوطء ولم يستبرئ فمضى لها بعد البيع قدر حيضة- محمد: وذلك قدر شهر- انتقل الضمان وكانت المصيبة من المشتري.
اللخمي: فنقل الضمان وهو لا يدري هل رأت دماً أم لا؟ بل قال المشتري: لم تحض عندي؛ لم يصدق، وعلى هذا فيحمل من المرأة إذا انقضى الأمد المعتاد على أنها رأت الأقراء ثم ماتت وعلى هذا لا يرثها، وهذه المسألة دخيلة في هذا الباب لأن إرثها ليس في الرجعة بل في الميراث.
والله أعلم.
وَإِمْكَانُ انْقِضَاءِ الأَقْرَاءِ مَبْنِيُّ عَلَى الاخْتِلافِ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ، فِي الْعِدَّةِ والاسْتِبْرَاءِ لما ذكر أن المرأة تصدق إذا ادعت انقضاء العدة ما أمكن- مبني على أقل الطهر، والحيض المذكور في العدة والاستبراء، وأنما قال في العدة والاستبراء لأن الحيض من باب العبادات لا حد له بخلاف العدد كما سيأتي.
وأما الطهر فهو في البابين متحد كما قدمناه في باب الطهارة.

وَلَوْ أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتِ انْقَضَتْ لَمْ يُقْبَلْ لأن سكوتها مع إشهاده كالإقرار له بصحة رجعته، فادعاؤها بعد ذلك أن عدتها كانت انقضت يعد ندماً فلذلك لا يقبل.
وأجرى ابن رشد في هذه المسالة قولاً بأن سكوتها لا يعد إقراراً من خلاف ذكره في هذا الأصل.
وَإِذَا قَالَتْ: حِضْتُ ثَلاثاً فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذِّبُهَا صَحَّتْ رَجْعَتُهُ يعني: إذا أراد المطلق الرجعة فقالت له المطلقة: قد حضت ثالثة وذلك لمدة تنقضي فيها العدة غالباً، فقال الزوج: قد قلت بالأمس: أنك لم تحيضي أو إنما حضت مرة واحدة، فلا يلتفت إلى قوله، أشهب: ولا يقبل تصديقها له إلا أن يقيم الزوج بينة أنها قالت أمس: لم أحض.
وإنما حضت مرة، فتكون له الرجعة إن لم يمض من يوم القول ما تحيض فيه كمال الثلاث.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَمْ يُصَدَّقْ- أَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْه- إِلا بِأَمَارَةٍ مِنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ تَصَرُّفِهِ، أَوْ مَبِيتِهِ، ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ ومِنَ التَّزْوِيجِ إِنْ صَدَّقَتْهُ ولَهَا النَّفَقَةُ .. قال في المدونة: وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك فصدقته أو كذبته لم يصدق، ولا رجعة له إلا أن يقيم على ذلك بينة أو يعلم أنه كان يدخل عليها في العدة ويبيت عندها، فيقبل قوله.
وإن أكذبته ولم يذكر مع قبول قوله يميناً ولا يبعد توجيهها، وقوله: أو يعلم أنه كان يدخل عليها، هو كقول المصنف: (أَوْ تَصَرُّفِهِ) لكن [373/ أ] ظاهر المدونة أنه لابد من مجموع التصرف والمبيت، لعطفه المبيت بالواو خلاف مقتضى كلام المصنف.

ورأى أشهب أنه لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينه أنه جامعها في العدة أي على إقراره بذلك، وقوله في المدونة: أو يعلم أنه كان يدخل عليها.
محمد: هو على أحد قوليه في منع الدخول عليها، وأما على القول بإباحة ذلك إذا كان مما يتحفظ بها فلا حجة له في الدخول والخروج.
عياض: وأما المبيت فإن كان في بيتها وهي في الدار معه وحدها فهي حجة على القولين جميعاً.
وقوله: (ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ) يعني أن الزوج إذا ادعى الرجعة فلزوجته حالتان: إحداهما: تكذيبه، والأخرى: تصديقه.
فإن كذبته فلها أن تتزوج غيره.
وإن صدقته فلا يمكن من ارتجاعها لأن تصديقها له داعية إلى نكاح بغير شروطه، لكن يلزم كل واحد من الزوجين بمقتضى إقراره، فتلزم هي بألا تتزوج غيره لاعترافها أنها في عصمة الزوج، ويلزم هو بالنفقة والكسوة لاعترافه أنها في عصمته، ويمنع من نكاح أختها أو خامسة.
ونحو ذلك لبعض القرويين.
ويلزم كل واحد بمقتضى إقراره إنما هو إذا تماديا على إقرارهما، وأما إن نزعا عن ذلك أو نزع أحدهما فلا يلزمان، وهذا كقولهم في المرأة تدعى أن زوجها طلقها ثلاثاً فلا يقبل منها، ثم بعد ذلك يخالعها زوجها، فيريد بعد المخالعة أن تتزوجه، فإن قالت: كنت كاذبة في قولي أن زوجي طلقني وإنما أردت الزوال عن عصمته، فلها أن تتزوجه وإن كانت متمادية على إقرارها فلا تتزوجه إلا بعد زوج.
وقال غيره من القرويين يؤخذان بما تقدم من إقرارهما، إلا أن يستحدث الزوج طلاقها.
عبد الحق: والقول الأول أصوب.
فَإِنْ قَامَتْ بِحَقِّهَا في الوطء فِي الْوَطْءِ فَفِي تَطْلِيقِهَا بِسَبِبِهِ قَوْلانِ ظاهره أن القولين منصوصان قال اللخمي: واختلف إذا أجرى النفقة وقامت بالطلاق لعدم الوطء فالمعروف ألا مقال لها لأنه لم يقصد ضرراً والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياساً على أحد قولي مالك في من قطع ذكره بعد الدخول.

والطلاق على المرتجع أبين لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن انقطع ذكره يستمتع بغير إصابة.
وَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ لأنا إنما كنا منعناه منها لحق الله تعالى في ابتداء النكاح بغير شروطه، وإذا جدد العقد زال ذلك وليس لها الامتناع لإقرارها أنها في عصمته، وكذلك أيضاً لو أقر سيد الأمة المتزوجة لزوجها برجعته بعد انقضاء العدة لم يقبل لكن للزوج أن يجبر السيد على تجديد عقد بربع دينار.
فَلَوْ تَزَوَّجَتْ فَوَضَعَتْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ رُدَّتْ إِلَيْهِ بِرَجْعَتِهِ ولا تَحْرُمُ عَلَى الثَّانِي لأَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ لا مُعْتَدَّةُ.
يعني: إذا ادعى أنه راجع في العدة فكذبته وتزوجت ثم ولدت (لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ) أشهر من نكاح الثاني لحق هذا الولد بالأول وردت المرأة إلى الأول بدعواه الرجعة أولاً.
(ولا تَحْرُمُ) على الزوج الثاني إذا طلقها الزوج الأول، أو مات عنها؛ لأنا لما ألحقنا الولد بالأول لزم أن يكون تزويج الثاني في عصمة الأول ولم يتزوج معتدة.
وتشارك هذه المسالة ما لو ارتجعها فأجابته بأن عدتها انقضت ثم تزوجت، وما إذا أقام الزوج الأول بينة بعد أن تزوجت ودخل بها الزوج الثاني على أنه كان ارتجعها.
وَلَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمْ تَعْلَمْ بِمُرَاجَعَتِهِ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَكَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ .. تصوره واضح، والقولان هنا منصوصان كما في مسألة المفقود.
مالك: فإذا كان المرتجع حاضراً فرآها تزوجت ودخلت ولم يعلمها برجعته فإنها تمضي زوجة للثاني.

اللخمي: وليس بالبين ولو رأى رجل زوجته تتزوج ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقاً ولو عد ذلك طلاقاً لاحتسب بطلقة أخرى.
وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوِطْءُ السَّيِّدِ كَوِطْءٍ النِّكَاحِ يعني: ولو كانت المطلقة أمة فانقضت عدتها ولم يعلم سيدها بمراجعته ووطئها، فإن وطئه فوت على المشهور كوطء الزوج الثاني في المسألة المتقدمة.
واعلم أن حكمهم بالفوات بالوطء في الأولى أقوى منه في الثانية لاستناده في الأولى إلى عقد ولا يقال الملك يتنزل منزلة العقد في النكاح، لأن عقد النكاح يوجب التحريم على آبائه وأبنائه، وتحرم به الأمهات، وليس بمجرد الملك موجب لذلك بالاتفاق، بل لابد مع ذلك مع الوطء أو ما يقوم مقامه من التلذذ.
وَشَرْطُ الْمُرْتَجِعِ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ ولا يَمْنَعُ مَرَضُ ولا إِحْرَامُ يعني: أن المرتجع يشترط فيه أن يكون أهلاً للنكاح فلا بد أن يكون عاقلاً بالغاً.
قوله: (ولا يَمْنَعُ) أي ولا يمنع من الرجعة ما يمنع ابتداء النكاح، وحاصلة أن المتزوج والمرتجع يستويان في الشروط دون انتفاء الموانع ولا يمنع المرض، لأن المطلقة طلاقاً رجعياً ترث فلم يكن في ارتجاعها إدخال وارث، بخلاف ابتداء النكاح.
قوله: (ولا إِحْرَامُ) يريد سواء كانت هي محرمة أو هو.
وَيَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لأنه لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه، ولأن الرجعية زوجة.
وَتكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِثْلَ: رَجَعْتُ، ورَاجَعْتُ، وارْتَجَعْتُ، وردَدَتُهَا وأَمْسَكْتُهَا أي: (وَتكُونُ) له الرجعة، قوله: (مِثْلَ: رَجَعْتُ) تبين القول وهو ظاهر.

وَالْفِعْلُ مِثْلُ: الْوَطْءِ، والاسْتِمْتَاع تصوره ظاهر، ولم ينص في المدونة إلا على الوطء، لكنه نص في الموازية على القبلة والمباشرة للذة، وما أشبه ذلك كما لو وطئ قال في المقدمات وهو بيان للمدونة.
وفِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ فِي الْفِعْلِ.
لا خلاف إن اجتمعت النية مع الفعل أو القول في صحة الرجعة، واختلف إذا انفرد القول أو الفعل على ثلاثة أقوال: فقال أشهب: ليس ذلك برجعة.
وقال ابن وهب: الوطء رجعة، وإن عري عن النية، فأخذ منه أنه لا يشترطها في القول أيضاً من باب الأولى.
والثالث المشهور: يشترط في الفعل دون القول، لأن الفعل لا دلالة له بالوضع، فلذلك اشترطت معه النية لضعف دلالته، بخلاف اللفظ فإنه يدل بالوضع، ولأنه إذا قال: ارتجعتك، وقال: لم أنو الرجعة.
إما أن يكون كاذباً فتلزمه الرجعة، وإما هازلاً فهزلها جد كالطلاق، وكذلك بنى غير واحد الخلاف في القول المجرد على الخلاف في صحة نكاح الهازل.
قال في المقدمات: وإذا انفرد اللفظ دون النية لا تصح له بذلك الرجعة فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من يرى أن الطلاق يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة، إلا أنه بعيد في المعنى.
واختلف هل يجوز له الوطء إذا التزام الرجعة؟ على القول الذي يرى إنها لا تصح له فيما بينه وبين الله، وعلى أن الوطء بمجرده لا يكون رجعة فليس عليه في وطئه صداق، قاله الباجي.

مالك في المختصر: ولا يطأها إلا بعد الاستبراء من وطئه ولا تكون له الرجعة إلا في بقية العدة الأولى لا في الاستبراء قاله ابن المواز.
فإن انقضت العدة الأولى فلا ينكحها هو أو غيره حتى ينقضي الاستبراء.
أصبغ: فإن فعل فسخ نكاحه ولم تحرم عليه للأبد كما أحرمها على غيره ولو مس؛ لأنها عدة منه، وليس هذا وغيره فيما به سواء، وقيل حكمه حكم المصيب في العدة.
ومنشأ الخلاف: هل التحريم لتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله أو لاختلاط الأنساب؟ وعلى هذا المعنى اختلفوا في من طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها قبل زوج في عدتها؟ فإن قيل: لم يكن وطء المطلق رجعة وإن لم ينوها عند ابن القاسم؟ كما كان وطء مبتاع الأمة بخيار اختياراً وإن لم ينوه.
قيل: لأن البائع جعل له الخيار وأباح له الوطء، فإذا وطئ فقد فعل ما جعل له وتم ملكه ولأنه لو لم يطأ وتمادى على إمساكها حتى ذهبت أيام الخيار عد بذلك مختاراً، والرجعية محرمة على الزوج ولو تمادى على إمساكها حتى انقضت مدة الرجعة لبانت منه.
فرعان: الأول: إذا انفردت النية ففي الموازية لا تصح الرجعة.
ابن رشد: والصحيح أن الرجعة تصح بمجردها، لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس، فإن نوى في نفسه أنه راجعها فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، وأشار إلى أنه يجري على الخلاف في الطلاق بالنية، ونحوه للخمي وعلى أن النية لا تكون بمجردها رجعة، فلو نوى ثم أصاب فإن بعد ما بينهما فليس ذلك رجعة، وإن قرب فأشار اللخمي إلى أنه يجري على الخلاف في تقديم النية في الطهارة.
ونقل عن محمد ما يقتضي اشتراط المقارنة فقال: قال محمد: إن نوى الرجعة ثم قبل أو باشر أو ضم فإن فعل ذلك لكان ما نوى فهي الرجعة.

اللخمي: يريد إذا أصاب ساهياً على الطلاق لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية.
الثاني: سئل أبو عمران عن الذي يطلق امرأته واحدة ثم يتمادى على وطئها من غير أن يريد الرجعة حتى تنقضي عدتها الأولى ثم يحنث بالطلاق الثلاث فهل يلزمه ذلك؟ قال: يلزمه الثلاث؛ لأن ذلك كالنكاح المختلف في فساده يطلق فيه ونقل عن الشيخ أبي محمد أنه لا يلزمه الثلاث والأول أظهر.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح.
وَيُؤْمَرُ بِالإِشْهَادِ وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ المشهور هو مذهب المدونة وهو الذي نقله عبد الوهاب عن المذهب والقول بوجوبه للقاضي أبي بكر بن العلاء وتأوله ابن محرز على ألا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها، وعليه فلا يكون في المسألة خلاف بل الاستحباب راجع إلى أن يكون مقارناً للرجعة، وقول المصنف: (وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ) ينافي حمل ابن محرز.
قال في المقدمات: وليس الإشهاد عند من أوجبه شرطاً في صحة الرجعة وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه.
وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى يُشْهِدَ يعني: أن الإشهاد وإن لم يكن واجباً إلا أن للمرأة أن تمنع نفسها، وقوله في المدونة في المانعة: قد أصابت.
يفيد أن الأولى أن تمنع نفسها، بخلاف قول المصنف: (وَلَهَا).
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ عَلَى نِكَاحِ أَمَتِهِ، وَلا رَجْعَتُهَا لأنه إذا شهد على النكاح كان شاهداً على فعل نفسه وإذا شهد على الرجعة اتهم في ذلك.
ولمالك في العتبية: أنه تقبل شهادة السيد في الارتجاع.
والفرق على هذا بين [374/ أ] الارتجاع والنكاح أن النكاح يوجب للأمة صداقاً فيتهم السيد لقدرته على انتزاعه.

وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلا يَاكَلُ مَعَهَا وَيَنْتَقِلُ عَنْهَا القولان في المدونة وزاد في القول المرجوع إليه أنه لا يدخل عليها وإن كان يريد رجعتها وشرط فيها على قول مالك الأول: أن يكون معها من يحفظها وأهمله المصنف وليس بجيد ولعل هذين القولين ينبنيان على القولين في الرجعة هل هي محرمة أم لا؟ إلا أن الشرط الذي ذكرناه وقلنا إن المصنف أهمله يأبى كون الشاذ مبنياً على الإباحة.
قيل: ولا خلاف أنه لا يجوز أن يرى جسدها متجرداً.
وَالْمُعَلَّقَةُ مِثْلُ إِذَا كَانَ غَداً أَوْ جَاءَ زَيْدُ قَالَ مَالِكُ: لَيْسَتْ بِرَجْعَةٍ، وَقِيلَ: يَعْنِي الآنَ .. يعني: والرجعة المعلقة على شرط سواء كان الشرط محققاً كقوله: إن كان غداً فقد راجعتك، أو محتملاً كقوله: إن جاء زيد فقد راجعتك.
قال مالك في المدونة: ليس ذلك رجعة.
لكن إنما نص فيها على المثال الأول، واختلف الشيوخ فأجراه صاحب النكت على ظاهره فقال إنما لم تكن رجعة لأن الرجعة كضرب من النكاح لأنها تبقي الزوج على العصمة، ووجدنا النكاح إلى أجل لا يصح، فكانت الرجعة إلى أجل كذلك وهذا ظاهر على القول بأن الرجعة محرمة، وأما على أنها حلال فلا.
وقال ابن محرز: يعني لا تكون رجعة الآن ولكنها تكون رجعة غداً؛ لأنه حق له فكان له تنجيزه وتعليقه.
ولما كان في هذا التأويل مخالفة لظاهر كلام مالك قال المصنف فيه (وَقِيلَ) وعده كالأجنبي.
وفهم من عطفه بـ (قِيلَ) أن ثم قول آخر بإجراء قول مالك على ظاهره وقال اللخمي: قول مالك فيما إذا غداً ليس ذلك برجعة: يحتمل أن يكون رأى أن الرجعة إلى

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل