الذي ليس خلعاً أكثر ما يتكلم فيه على الألفاظ ومدلولها والمعنى أشرف، فكان تقديم الكلام عليه أولى.
ونقل اللخمي وغيره عن مالك جواز الخلع ابتداءً.
ابن يونس: قال مالك: ولم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر الصداق لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: 229] ولإباحته عليه السلام أن يأخذ قيس بن شماس من زوجته حبيبة بنت سهل ما أعطته إذ كرهته، وقد زادت على حديقته التي أخذتها منه.
وقال ابن القصار: هو مكروه.
واقتصر عليه صاحب المقدمات وجعله من طلاق البدعة، ولعل الاختلاف في كون طلاق الخلع ليس سنياً هو المقتضي لتقديم الكلام على القسم الآخر عند من قدمه.
ولم يفصل المصنف فيما افترق بالعوض وسمى الجميع خلعاً.
وفي المدونة: والمبارئة هي التي تباري زوجها قبل البناء فتقول: خذ الذي لك واتركني، والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها، وكذلك المصالحة.
وروي المبارئة التي تأخذ شيئاً ولا تعطي شيئاً، والمختلعة التي تعطيه ما أعطاها وتزيد من مالها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها وكذلك المصالحة.
وقيل: المبارئة تترك ما لها عليه من الحق، أو يترك كل واحد منهما ما له على صاحبه على الطلاق والمفتدية التي تترك جميع ما أعطاها، ولعل المصنف لما لم ير بهذا جدوى ومعنى تركه.
وقوله: (وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ) لأن المرأة إنما أعطته على ذلك، وهذا هو المعروف.
قال في البيان: وكان ابن عتاب يفتي بأن من باري امرأته المباراة التي جرى بها عرف الناس ثم طلقها بعد ذلك أن الطلاق يرتدف عليها ما لم تنقض العدة، وذلك استحسان على غير قياس مراعاة لقول من رآها طلقة رجعية.
المتيطي: والمشهور أن الزوج يملك العوض ملكاً تاماً لا يفتقر فيه إلى حيازة لأنه أخذه في مقابلة عوض فأشبه البيع، وفي الموازية ما يدل على افتقاره إلى الحيازة؛ وهو قوله: إذا حال الزوج رجلاً بدين على المرأة فيما خالعها به فماتت قبل أن يقبض المحال دينه فله الرجوع على الزوج، فهذا دليل على بطلانه بالموت.
فَلَوْ وَقَعَ النَّصُّ عَلَى رَجْعِيَّةِ بِبِدَلٍ فَبَائِنُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا أعطته شيئاً على أن يطلقها طلقة رجعية فالمشهور- وهو مذهب المدونة- أنه يقع بائناً لأن حكم الطلاق على العوض البينونة فلا ينتقل عنه، وروي عن مالك [341/ أ] أنه يقع رجعياً، وبه أخذ سحنون عملاً بالشرط.
وَعَكْسُهُ لَفْظُ: الْخُلْعُ مِنْ غَيْر بَدَلَ، ثَالِثُهَا: ثَلاثُ، وفِيهَا: سُئِلَ مَالِكُ عَنِ الْمُطَلِّقِ طَلاقَ الْخُلْعِ أَوَاحِدَةُ بَائِنَةُ أَوْ رَجْعِيَّةُ أَمِ الْبَتَّةَ؟ فَقَالَ: بَلِ الْبَتَّةَ لأَنَّهُ بَائِنُ ولا يَكُونُ باَئِناً إِلا بِخُلْعٍ، أَوِ الأَقْصَى ..
يعني: وعكس الفرع الذي قبله عدم البدل مع وجود لفظ الخلع، اتفق فيه على وقوع الطلاق، واختلف فيما يلزمه على ثلاثة أقوال:
الأول: لمالك وابن القاسم تلزمه طلقة بائنة، وكأن الزوج أسقط العوض، المتيطي: وبه القضاء.
والقول الثاني: أنها طلقة رجعية، ونصه عند ابن يونس، وقال مطرف: قوله: أنت طالق طلاق الخلع كقوله: أنت طالق واحدة لا رجعة لي عليك فيها فهي واحدة، وله الرجعة؛ لأن الخلع لا يكون إلا بشيء أخذه منها، ابن حبيب: وبه أقول.
اللخمي: وهو قول أشهب وابن عبد الحكم.
والقول الثالث: تلزمه الثلاث ووجهه ما ذكره المصنف.
وكلام المصنف ليس بظاهر لإبهامه، أن المذهب لزوم الثلاث؛ لأنه هو الذي حكاه عن المدونة دليلاً وتقوية على عادته، ولم يبين كما فعل فيها أن هذا قول غير ابن القاسم، أي ابن الماجشون، ومذهب ابن القاسم ومالك هو ما قدمناه.
عياض عن بعضهم: وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها، وأما غيرها فلا خلاف أنها واحدة.
تنبيه
وهذا ما لم يقل: أنت طالق طلقة بائنة، وأما لو قال ذلك لزمه الثلاث نص عليه في المدونة وقيل: تلزمه واحدة وقيل: بائنة، وقيل: رجعية.
وَفِيهَا فِيمَنْ طَلَّقَ وأَعْطَى: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: رَجْعِيَّةُ
لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، قال في التهذيب: وروي عن مالك أنها واحدة بائنة وفرق ابن المواز فقال: إن كان ذلك على وجه الخلع فهي طلقة بائنة، وإن لم يجر بينهما ذلك فله الرجعة.
وتأول ابن الكاتب القول الذي وقع في المدونة بالبينونة عليه.
أبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الحق: وهذا الاختلاف إنما هو في موطأ ابن وهب، والأسدية، والموازية فيمن صالح وأعطى، ليس فيمن طلق وأعطى.
قال في النكت: وهذا هو الصحيح والنقل الذي في المدونة ليس بصحيح، ولا خلاف فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة؛ لأنه إنما وهبها هبة وطلقها وليس من الخلع في شيء.
ابن عبد السلام: ونقل عن غير واحد أنهم صححوا الأقوال الثلاثة، أي: المتقدمة في الخلع من غير عوض في ثلاث مسائل وهي: إذا طلقت طلاق الخلع من غير عوض، وإذا صالح وأعطى، وإذا طلق وأعطى.
ولَوْ أَعْطَتْهُ مَالاً فِي الْعِدَّةِ عَلَى أَنْ لا رَجْعَةَ فَقَالَ مَالِكُ: أَرَاهُ خُلْعاً بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ.
وقَالَ أَشْهَبِ: لَهُ الرَّجْعَةُ ويَرُدُّ مَالَهَا.
وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَبِينُ بِالأُولَى ..
تصور كلامه ظاهر، فوجه قول مالك أن عدم الرجعة ملزوم للطلاق البائن، والأولى قد وقعت فصار كأنه أوقع أخرى، ورأى أشهب وابن وهب أن ما فعله ليس صريحاً في الطلاق ولا من كنايته غير أن أشهب رأى أن هذا شرط مخالف للرجعة التي ثبتت بالطلاق الأول فيلغي، فإذا ألغي لزم أن يرد المال إليها، ورأى ابن وهب أن الرجعة حق للزوج فكان له أن يسقطها على عوض كما لو أسقطت حقها في القسم لشيء تأخذه.
وَشَرْطُ الْمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ زَوْجاً مُسْلِماً مُكَلَّفاً أَوْ وَلِيّاً لِصَغِيرٍ أَباً أَوْ غَيْرَهُ بِخِلافِ السَّفِيهِ الْبَالِغِ ولَوْ كَانَ أَباً وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ..
اعلم أن الخلع خمسة أركان: الموجب، والقابل، والمعوض، والعوض، والصيغ’.
وتكلم المصنف على الأول: ومراده بـ (الْمُوجِبِ): الزوج، واشتراطه الإسلام مع كون المرأة مسلمة لا يظهر له كبير معنى، وأخرج بقوله: (مُكَلَّفاً) الصبي والمجنون.
وشمل كلامه السفيه والرشيد لكنه لما تكلم على السفيه بعد هذا بمفرده علم أن مراده هنا بالمكلف الرشيد.
وقوله: (أَوْ وَلِيّاً) عطف على قوله: (زَوْجاً) وقوله: (أَوْ غَيْرَهُ) أي: تجوز مخالعة ولي الصبي عنه كان أباً أو وصياً أو حاكماً إذا كان على وجه النظر، ونقل بعضهم الاتفاق على أن للأب والوصي والسلطان أن يخالعوا عن الصغير، وإنما اختلف هل يطلقون عليه بغير عوض، والذي ذكره اللخمي عن مالك وابن يونس عن ابن القاسم أنهم لا يطلقون عليه بغير عوض.
قوله: (بِخِلافِ السَّفِيهِ) فيه حذف مضاف تقديره ولي السفيه، يدل عليه قوله: (ولَوْ كَانَ أَباً) يعني: وليس لولي السفيه ولو كان أباً أن يخالع عنه على المشهور؛ لأن الطلاق بيد السفيه، والذي شهره المصنف في السفيه هو مذهب المدونة، لكن نص اللخمي على أنه من قول ابن الماجشون.
قال: وأجاز ابن القاسم في العتبية للوصي أن يخالع عن السفيه.
ابن عبد السلام: واتفق على أنه ليس للأب والوصي أن يطلقا عليه بغير عوض.
وقوله: (وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ) أي فليس له أن يخالع عنه على المشهور.
ابن عبد السلام: ومراده العبد البالغ.
ثم قال: وحكم العبد البالغ حكم السفيه البالغ.
وقال ابن بشير: وهل [341/ ب] يجوز الخلع عن العبد والأمة بغير اختيارهما؟ قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه، وهما خلاف في النظر إلى الجبر على النكاح وهذا من توابعه كون العبد قد استقل ولا حكم للسيد فيه؛ ولهذا رأى أبو الحسن اللخمي أنه يخالع عن الأمة التي ليست العصمة بيدها دون العبد.
انتهى.
فانظره مع كلام ابن عبد السلام، إلا أن يكون مراد ابن بشير العبد الصغير، وقد نص في المدونة على أن العبد الكبير ليس للسيد أن يخالع عنه، ولم أقف على القول بأن للسيد أن يخالع عنه، وإن ثبت فهو مشكل.
وفي المدونة: إذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له.
روى ابن نافع عن مالك فيمن زوج وصيفه أو وصيفته ولم يبلغ أنه جائز، فإن فرق السيد بينهما على النظر والاجتهاد جاز ذلك ما لم يبلغا.
وقال
ابن نافع: لا يجوز ذلك إلا ما كان على وجه الخلع.
فظاهره أنه يتفق على جواز المخالعة ويختلف في طلاقه عليه بغير عوض.
عياض: ومذهب ابن القاسم في الكتاب في تطليق السيد على عبده الصغير طلاق السنة عند غير واحد، وروايته عن مالك مثل مذهب ابن نافع أنه لا يجوز إلا ما كان على وجه الخلع، فإن رواية ابن نافع تخالف ذلك إذا لم يشترط الخلع، ويجوز إذا كان نظراً بغير خلع إ ذا حمل على ظاهره وهو قول أكثرهم، وحمل بعضهم الكل على الوفاق.
وقال ابن لبابة: وقيل: لا يجوز وإن كان على وجه الخلع، لأن للسيد انتزاعه، فكأنه أخذه لنفسه.
تنبيه:
وفهم من هنا أن ما يفعله الأب في خلع الصغير لازم له، وكذلك هو النص، لكن عورض ذلك بالنكاح إذا عقد على شروط، فقد قال ابن القاسم: إذا بلغ ونزع عنها أنه لا يلزمه.
قيل: وقول ابن وهب باللزوم فيها أقيس.
وَفِي خُلْعِ السَّفِيهِ قَوْلانِ
نحوه في الجواهر، زاد: وإذا صححناه فلا يبرأ المختلع بتسليم المال إليه بل إلى وليه، والظاهر صحته لأنه إذا كان له أن يطلق من غير عوض فلأن يكون له ذلك مع العوض أولى.
واقتصر المتيطي وغيره على هذا القول.
وَخُلْعُ الْمَرِيضِ نَافِذُ
عبر بالنفوذ ولم يعبر بالجواز لأن الإقدام عليه لا ينبغي لأنه طلاق في المرض، قال في المدونة: ومن خالع زوجته من مرضه جاز له ما أخذ منها، فإن مات في مرضه ذلك ورثته، وإن ماتت هي لم يرثها، وكذلك إذا ملكها في مرضه أو خيرها، وكذلك أي طلاق طلقها فإنها ترثه ولا يرثها.
محمد وأبو عمران: وترث مما اختلعت به، لأنه من جملة تركته، وروى مالك أنها لا ترث منه.
أبو عمران: والأول مذهب المدونة، وروى زياد بن جعفر في المملكة في المرض لا ترث، وهو مذهب المغيرة في المخيرة، وخرج بعضهم منه قولاً آخر بعدم الميراث في المختلعة، وهو ظاهر لأن سبب الطلاق في جانب المرأة في مسألة الخلع أقوى منها في مسألة المملكة لبدلها المال.
القَابِلُ شَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ الْتِزَامِ الْمَالِ فَيَلْزَمُ فِي الأَجْنَبِيِّ والْمَالُ عَلَيْهِ
يعني بـ (القَابِلُ) من يدفع العوض، وذلك جائز من كل ما فيه أهلية التزام المال من أجنبي أو غيره، فقد نص في المدونة على أن من قال لرجل: طلق زوجتك ولك علي ألف، أنه إذا طلقها يلزمه الألف.
واحترز بقوله: (أَهْلِيَّةُ) من المحجور عليه، وينبغي أن يقيد ما قاله أهل المذهب في الأجنبي بما إذا كان في ذلك حصول مصلحة أو درء مفسدة مما لا يقصد به إضرار المرأة، وأما ما يفعله بعضهم من التزام الأجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط نفقة العدة فلا ينبغي أن يختلف في منعه وفي انتفاع المطلق به بعد الوقوع نظر، قاله ابن عبد السلام.
فَإِنْ وَكَّلَتْهُ فَكَوَكِيلِ الشِّرَاءِ
أي: فإن وكلت الزوجة من يخالع لها (فَكَوَكِيلِ الشِّرَاءِ) أي: فإن خالع بخلع المثل فأقل لزمها الخلع ودفع العوض، وإن خالع بأكثر لم يلزمها.
ويفهم من قوله: (كَوَكِيلِ الشِّرَاءِ) أيضاً أن العوض وعهدته عليه إلا أن يشترط أن ذلك عليها.
ابن راشد: وإذا وكلته على عدد فزاد عليه غرم الزائد.
وَلا يَلْزَمُ فِي الأَمَةِ والسَّفِيهَةِ والصَّغِيرَةِ، ويَقَعُ الطَّلاق ويُرَدُّ الْمَالُ، ولا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الصَّغِيرَةِ يُبْنَى بِهَا: يَنْفُذُ إِنْ كَانَ يُصَالَحُ بِهِ مِثْلُهَا ..
أي: ولا يلزم دفع العوض إذا خالعته الأمة أو الصغيرة أو السفيهة، لكن يقع الطلاق بائناً.
قاله في المدونة.
وينبغي أن يفهم قول المصنف: (الأَمَةِ) على كل من فيها شائبة رق، غير أن أم الولد والمدبرة إذا خالعها في مرض السيد وقف المال؛ فإن مات السيد صح الخلع لعدم منفعة السيد، وإن صح بطل ورد المال.
ابن عبد السلام: وهذا هو المشهور في أن السيد يمنع من انتزاع مالها في مرضه.
قال في المدونة: ويجوز ما خالعت به المكاتبة أو وهبت من مالها بإذن السيد.
سحنون: وذلك في الشيء السيير التافه، وأما ما له القدر فلا؛ لأن ذلك داعية إلى عجزها.
قوله: (ولا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ) ابن عبد السلام: أي الإذن في التجارة؛ لأن إذن السيد لأمته في التجارة [342/ أ] لا يستلزم الإذن في الخلع لعدم منفعة إذن السيد به.
وقد نقل في البيان: الاتفاق على أنه لا يجوز للمأذون لها أن تخالع بغير إذن سيدها.
وفي الإشراف: المأذون لها في التجارة يمضي خلعها إذا وقع.
فكأنه يرى أن ذلك ليس بمجرد عطية، لأنه قد يكون طلاقها من ذلك الرجل أحسن لها ولسيدها.
خليل: وانظر هل يمكن أن يكون الإذن راجعاً إلى الخلع كما تقدم أن السيد لا يكون ضامناً للمهر بمجرد الإذن في التزويج، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر فإنه قال: القابل شرطه التزام المال والتزام الأمة فاسد وخلعها بإن السيد صحيح ولا يكون السيد ضامناً للمال.
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) يعني أن المشهور: لا ينفذ خلع الصغيرة.
وقال ابن القاسم في العتبية: ينفذ.
ابن اللباد: المعروف الأول.
وكذلك صاحب البيان والمتيطي أن الأول هو المشهور، زاد المتيطي: وبه العمل.
وحكى في الطراز أن العمل على قول ابن القاسم.
واختار اللخمي التفصيل في الصغيرة فيمضي الخلع إن كان الفراق لها أحسن وترد المال وينفذ الطلاق إن كان بقاؤها زوجة أحسن.
وكذلك اختلف في رد خلع السفيهة غير المولى عليها بناء على أن رد التصرفات للسفه أو للحجر.
ولسحنون قول ثالث بالتفصيل: يمضي خلع البالغة السفيهة دون البكر الصغيرة.
خليل: وينبغي على قول ابن القاسم بلزوم خلع الصغيرة أن يمضي خلع السفيهة، ولو كانت مولى عليها.
وَصُلْحُ الأَبِ عَنِ الْمُجْبَرَةِ بِالصَّدَاقِ كُلَّهِ نَافِذُ بِخِلافِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ
أما صلح الأب عن ابنته البكر الصغيرة أو البالغة فجائز.
الباجي: بلا خلاف.
وألحق اللخمي بها البكر المدخول بها إذا لم تطل إقامتها وطلقت قبل المسيس، لأن له الجبر على النكاح والصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ على القول بجبرها، ولعل المصنف عبر بالمجبرة لهذا.
وفي بعض النسخ وصف المجبرة بالصغيرة، وفيه نظر لأنها تقتضي لو كانت بالغة لم يمض خلعه عليها، وليس كذلك.
وقوله: (بِخِلافِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: فليس له أن يخالع عن البكر على المشهور.
الباجي: وهو مشهور قول ابن القاسم ورواية عن مالك أنه لا يجبرها على النكاح إلا الأب وحده.
ومقابل المشهور رواه ابن نافع عن مالك أن الوصي يخالع عن اليتيمة، وهو لابن القاسم، وألحق السلطان بالوصي في ذلك، وأنكر سحنون رواية ابن نافع وأسقطها عند السماع.
عياض: وهي ثابتة في روايتنا وكتب الأندلسيين.
وقال ابن لبابة: رواية ابن نافع أحسن، ولم أر أحداً تعجبه رواية ابن القاسم أنه لا يبارئ عنها إلا برضاها.
ابن عبد السلام: وعلى الشاذ فاختلف في إذنها إذا كانت بالغاً على قولين.
وَعَنِ السَّفِيهَةِ قَوْلانِ
أي: وفي صلح الأب عن ابنته البالغة الثيب السفيهة قولان، الأول لابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين: لا يجوز له ذلك إلا بإذنها.
وقال ابن أبي زمنين وابن لبابة: جرت الفتيا من الشيوخ بجواز ذلك، ورأوها بمنزلة البكر ما دامت في ولايته على المشهور.
اللخمي: وهو الجاري على قول مالك في المدونة.
ابن راشد: والأول هو المعمول به.
ابن عبد السلام: وهو أصل المذهب.
واختلف في خلع الوصي عنها برضاها، وفي ذلك روايتان لابن القاسم، والقياس المنع في الجميع.
وَصُلْحُ الْمَرِيضَةِ لا يَمْضِي إِلا قَدْرَ مِيرَاثِهِ، فَفِي تَعْيينِ يَوْمِ الْمَوْتِ أَوْ يَوْمِ الْخُلْعِ قَوْلانِ، وفَائِدَتُهُ الرُّجُوعُ لَهُ وعَلَيْهِ، ولا يَتَوَارَثَانِ.
وقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً.
وقِيلَ: خُلْعُ الْمِثْلِ ..
هذه مسألة المدونة ففيها قال مالك: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها.
ابن القاسم: وأنا أرى أنها إذا اختلعت منه على أكثر فله قدر ميراثه، فإما على قدر ميراثه منها أو أقل فذلك جائز ولا يتوارثان.
وكذلك قال ابن نافع وحمل ابن المواز قول مالك لا يجوز، على أنه خلاف لقول ابن القاسم، وأنه أبطله على الإطلاق، ولم يجز منه شيئاً كالمرأة تهب جميع مالها أنه لا يجوز منه إلا الثلث على المشهور، والمسألة عند محمد على ذلك.
عياض: وأكثرهم يرون قول ابن القاسم مفسراً لقول مالك.
وكذا جاء في العتبية من رواية ابن القاسم عنه كقول ابن القاسم في المدونة، وإذا فرعنا عن قول ابن القاسم فهل يعتبر قدر ميراثه يوم الموت؟
اللخمي: وهو قول ابن القاسم في الموازية.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة أو يوم الخلع؟ اللخمي: وهو قول ابن القاسم في العتبية لأنه موجب للتهمة.
اللخمي وغيره: والأول أصوب؛ إذ لو أعطى يوم الخلع ثم تلف المال لكان هو الوارث وحده، وإن نقص كان أخذ أكثر من ميراثه، ولأجل أن هذا مفرعاً على قول ابن القاسم أتى المصنف بالفاء المؤذنة لذلك.
قوله: (وفَائِدَتُهُ) أي: فائدة هذا الخلاف تظهر في اختلاف ما لها ما بين زماني الخلع والموت.
فرع: وهل يوقف قدر الميراث أو يعجل؟ قال ابن نافع في المدونة: يوقف.
واختلف قول أصبغ في ذلك وقول صاحب النكت ذلك على الخلاف المتقدم، أي: إن اعتبر يوم الخلع عجل وإن اعتبر يوم الموت وقف، ورأى اللخمي أنه إذا كان الخلع على دنانير أو دراهم لا توقف وإن على عبد أو دار وقف ومنعت من بيعه والتصرف فيه، فإن صحت أخذه
وإن ماتت كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوه أو يردوه [342/ ب] ميراثاً، لأنهم شركائه ويكون على حقه في الميراث على الوفاء شائعاً، وإن كانت قيمة ما خالع أقل من ميراثه لأن الزوج لم يترك الفضل إلا لغرضه في عين ما خالع عليه، وإن كان ذلك العبد أو الدار أفضل مالها كان أبين في رد الورثة.
ابن عبد السلام: وتعطي قوة كلام المصنف أن المال المخالع به إذا كان مثل الثلث فأقل أن يدفع للزوج بدليل قوله: (الرُّجُوعُ لَهُ وعَلَيْهِ) وقوله: (وقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً) أي: يمضي خلعها مطلقاً سواء كان قدر الميراث أو أكثر.
وذكر في الجواهر: أن هذا القول رواه ابن وهب عن مالك، والقول بأن له خلع المثل رواه ابن الحكم.
اللخمي: وقال عبد الوهاب: له ما خالعها عليه إذا حمله ثلثها يريد أن الطلاق كان بطوعه فسقط أن يكون وارثاً وصح أن يأخذ من الثلث على أحكام أفعال المريض فيما لم يأخذ له عوضاً مع غير الوارث، ورأى مالك أنها معاوضة لأنها اشترت نفسها.
وعلى هذا فيتحصل في المسألة خمسة أقوال.
البطلان مطلقاً، وهو مذهب الموازية، وأخذ التأويلين على قول مالك.
والثاني: أن لها الأقل، والثالث: الإمضاء مطلقاً، والرابع: خلع المثل، والخامس: أنه يكون من الثلث.
وَلَوْ خَالَعَتْهُ لِظُلْمِهِ أَوْ لِضَرَرِهِ فَلَهَا اسْتِرْجَاعُهُ، ويَنْفُذُ الطَّلاق
يعني: إذا خالعته ثم ادعت أنها خالعته لظلمه لها في بدنها أو لضرره بها كما لو كان يمنها من زيارة والدها على أن الظلم والضرر كالمترادفين، ولعله تبع في عطفه الضرر على الظلم المدونة، فإن فيها: كذلك فإن أثبتت ذلك فلها استرجاع مالها، وينفد الطلاق بائناً لأن الله تعالى شرط في حلية ما تدفعه أن يكون عن طيب نفس فقال تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) [النساء: 4]
ابن القاسم: وليس من الإضرار بها البغض لها، وإنما الإضرار الإيذاء بضرب أو إيصال شتم في غير حق أو أخذ مال من غير مشاورة.
مالك: وليس عندنا في قلة الضرر وكثرته شيء معروف.
وروى ابن القاسم عن مالك في من علم من امرأته الزنا فليس له أن يضارها حتى تفتدي؛ وقال ابن القاسم في الناشزة تقول: لا أصلي ولا أصوم ولا أغتسل من جنابة؛ لا يجبر على فراقها إن شاء فارقها وأحل له ما افتدت به.
قال في البيان: وله أن يؤدبها على ترك الصلاة ويمسكها.
قال ف يالمقدمات: ولا يحل له أن يضيق عليها وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء، قال: ولا خلاف بين مالك وجميع أصحابه في ذلك، ورأيت في بعض كتب أصحابنا المغاربة عن ابن القاسم أنه يجوز له المضارة في تركها حتى تخالعه.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ
أي: على الضرر.
والمعمول به عند الشيوخ وهو قول ابن القاسم أن الشاهد يشهد فيه بالقطع، وغمز ذلك ابن القاسم وقال: من أين للشهود القطع بمعرفة ذلك؟ ولهذا قال أصبغ أن الشاهد يقول: أحاط بذلك علمي وصح عندي.
ابن القاسم: وصفة الشهادة أن يقولوا: سمعنا سماعاً فاشياً مستفيضاً على ألسنة النساء والخدم والجيران.
قال: ويكفي في ذلك عندي عدلان، والعدول الكثير أحب إلي.
ابن راشد: وهذا هو المشهور والمعمول به.
وعندي أيضاً أن السماع إنما يكون من العدول إلا في الرضاع فيجوز أن يكون على يقين القرابة والأهلين والجيران وإن لم يكونوا عدولاً كالنساء والخدم.
وعن مالك: تجوز شهادة السماع في ضرر الرجل بامرأته إذا سمع بذلك الرجال والنساء سماعاً فاشياً وإن لم يسمع بذلك الرجال والنساء فليس بفاش.
وإِنْ شَهِدَ وَاحِدُ أَوِ امْرَأَتَانِ بِالضَّرَرِ حَلَفَتْ واسْتَرْجَعَتْ لأَنَّهُ عَلَى مَالٍ
يعني: وإن شهد واحد على أنه يضر بها أو شهد لها امرأتان بذلك حلفت على ذلك واسترجعت المال.
وقوله: (لأَنَّهُ عَلَى مَالٍ) جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلاً قال: شهادة الرجل أو المرأتين مع اليمين إنما تفيد في المال، وإضرار الرجل بامرأته ليس بمال.
فأجاب عن ذلك بأنه وإن لم يكن مالاً ولكن آيل إلى المال، وهذا أصل مختلف فيه في المذهب، وإن شهد لها بالضرر ولم يقيد أنها خالعته طائعة أعذر للرجل في الشهادة، فإن سلمها وادعى مدفعاً فعجز عن إثباته حكم عليه وإن اعترفت في عقد الخلع بالطوع وكانت استرعت فلها الرجوع بالاتفاق، وكذلك إن لم تسترع وقامت لها بينة لم تكن علمت بها، وأما إذا كانت تعلم بها ففيه نظر.
والذي قاله ابن الهندي وابن العطار وغيرهما أن لها الرجوع ولا يضرها ذلك، ولا يضرها أيضاً إسقاط البينات المسترعيات وغيرها، وهو أصوب لأن ضرره بها يحملها على أن تعترف بالطوع، ومن ابتلي بالأحكام يكاد يقطع بذلك.
ابن بطال: وإذا كان لفظ الطوع لا يفيد فلا معنى لذكره في العقد.
فرع:
وإن خالعها وأخذ منها حميلاً بالدرك فقال ابن العطار: إذا أثبتت الضرر لا تسقط التبعات عن الحميل، لأنه غير مكره، وقد أدخل الزوج في زوال العصمة ولا يرجع الحميل عليها بشيء.
وإليه ذهب بعض فقهائنا الصقليين، وذكر ابن يونس في ذلك خلافاً بين القرويين، وأن منهم من يقول هكذا، ومنهم من يقول: إذا أثبتت
المرأة [343/ أ] الضرر يسقط الطلب عن الحميل، لأنه إذا سقط المال عن الأصل تسقط عن الحميل المطالبة.
وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَهُ عَلَى إِمْسَاكِهَا أَوْ يُعْطِيهَا عَلَى الأَثَرَةِ، ولا إِثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ رِضَاهَا بِشَيْءٍ أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ ..
أي: إذا أراد أن يطلقها فأعطته شيئاً على أن يترك طلاقها فإن ذلك جائز، وكذلك يجوز أن يعطيها على الأثرة، أي: يعطيها ليؤثر ضرتها عليها في المبيت وكلامه ظاهر التصور.
فرع:
وإذا أعطته مالاً على أن يمسكها ثم فارقها عاجلاً فقالوا: لها الرجوع، وأما إن كان بعد طول بحيث يرى أنها بلغت الغرض في مقامها لم ترجع، وإن طال ولم تبلغ ما يرى أنها دفعت المال لأجله كان له من المال بقدر ذلك على التقريب فيما يرى، وهكذا قال مالك فيمن أسقطت صداقها عن زوجها على أن لا يتزوج عليها فطلقها بحضرة ذلك أن لها أن ترجع، وإن طلقها بعد ذلك فيما يرى أنه لم يطلقها لمكان ذلك لم ترجع.
أصبغ: إلا أن يكون الطلاق بحدثان الإسقاط ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين فلا شيء عليه.
ورأى اللخمي أن لها الرجوع ولو كان الطلاق ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين، وقد تقدم لهذه المسالة نظائر عند الكلام على شروط النكاح.
الْمُعَوَّضُ شَرْطُهُ مِلْكِيَّةُ الزَّوْجِ فَلا يَصِحُّ خُلْعُ الْبَائِنَةِ والْمُرْتَدَّةِ وشِبْهِهِمَا بِخِلافِ الرَّجْعَيَّةِ ..
هذا هو الركن الثالث، فإذا كانت الزوجة في عصمته أو طلقها طلاقاً رجعياً جاز له أن يخالعها لأن البضع في حكمه، وأما البائن والمرتدة ومن كان نكاحها مفسوخاً فلا ملك
له عليه فلا يصح له أخذ العوض عنه، ولهذا الشرط وقع في الموازية وكتاب ابن سحنون في امرأة فقدت فبذل أبوها لزوجها مالاً على أن يطلقها ففعل ثم قال الأب: لعلها ماتت قبل هذا فرد علي ما أخذت.
فإنه يوقف المال ويؤخر أمرها إلى وقت لا تجيء إلى مثله فذلك للزوج، فإن تبين أنها ماتت قبل الفراق أخذه الأب وورثها الزوج، وإن مات الزوج قبل كشف ذلك لم يوقف لها من ميراثه لها شيء، لأنه مات بعد أن طلق إن كانت حية أو مات بعد موتها.
وقال ابن المواز: لا أرى أن ينزع ذلك من يد الزوج حتى يتبين باطل ما قبض بأن تقوم بينة بموتها قبل الطلاق، ألا ترى أنها لو كانت رابعة ما منعته نكاح غيرها لأن فراقه بائن، فإن قيل: لم قلتم إذا خالعها ثم تبين أنه كان أبانها يرد المال بخلاف ما إذا كاتب عبده وتأدى منه ثم تبين أنه كان أعتقه وهو منكر فيهما؟ قيل: لأن للسيد أن ينزع مال عبده ويستسعاه، ولا يزيل ملكه عنه إلا بالحكم عليه، والزوجة ليس له سبيل إلى مالها وهو أجنبي، فلا يصل إليه إلا بحق، فإذا ثبت طلاقه قبل ذلك فقد أخذه بغير حق.
والله أعلم.
العِوَضُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَوَّلاً
أي: الذي تدفعه الزوجة عوضاً عن عصمتها، والمراد بالمتمول ما يصح تملكه، ليحترز من الخمر ونحوه، وليس المراد أن غير المال لا يصح فإنه لو خلعها على أن تعتق عبدها جاز، قاله مالك، قال: وإن جعل خلعها خروجها إلى أمها فذلك لازم.
وَيُغْتَفَرُ الْغَرَرُ والْجَهَالَةُ كَعَبْدٍ آبِقٍ، أوْ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، أَوْ مُعَيَّنٍ غَائِبٍ، أَوْ نَفَقَةِ حَمْلٍ إِنْ كَانَ أَوْ جَنِينٍ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلافِ الصَّدَاقِ ..
قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى جميع ما تقدم لا إلى الجنين وحده.
ومقابل المشهور عدم الجواز كالنكاح.
والفرق للمشهور أن الأصل أنه لا يستباح البضع إلا بعوض
بخلاف الطلاق فإن الأصل فيه عدم العوضية.
وانظر عطف المصنف نفقة الجنين على نفقة الحمل، وإنما قلنا: مقابل المشهور عدم الجواز.
وإن كان اللخمي حكى ثالثاً بالكراهية لأن المنع هو الذي يقابل الاغتفار حقيقة.
وحكى في البيان رابعاً بالجواز في الغرر الذي يقدر على إزالته وبالمنع في الذي لا يقدر على إزالته، وعلى التحريم فلو وقع فقال مالك مرة: لا شيء.
وقال مرة: يرجع إلى خلع المثل إن بطل الجميع، وإن بطل البعض رجع بما ينوب ذلك البعض.
وحكى بعضهم ثالثاً: أنه يرجع بقيمة ما خالع عليه ولو جاز بيعه.
قوله: (بِخِلافِ الصَّدَاقِ) تقدم، ونظير هذه المسألة في جواز الغرر فيها الهبة والرهن على المشهور إلا في الجنين، فإنه يمتنع رهنه على المشهور.
واختلف هل يجوز الغرر في صلح العمد؟ والمنع هو قول ابن القاسم.
وَلا يَجُوزُ بِحَرَامٍ كَخَمْرٍ وشِبْهِهِ اتِّفَاقاً ويَنْفُذُ
لما قدم أنه يجوز بالغرر خشي أنه يتوهم جوازه بالخمر ونحوه فبين أن ذلك لا يجوز بالاتفاق، ولعل مراده بشبه الحرام المغصوب، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر.
فإن قلت: كلامه هذا يلزم منه تحصيل الحاصل، لأنه قدم أن شرط العوض أن يكون متمولاً.
قيل: الكلام الأول يحتمل أن يكون في جواز الإقدام أو في النفوذ، فكان مجملاً بخلاف هذا فإنه صريح في عدم الجواز ابتداءً.
فرع:
وتكسر الخمر وتقتل الخنازير كان ذلك في يده أو في يدها، فإن تخللت في يده فقال ابن القاسم: عادت حلالاً كانت الزوجة مسلمة أو كتابية.
وقوله: (ويَنْفُذُ) أي الطلاق بائناً.
وحكى بعضهم عن مطرف أنه يقول في هذا الأصل: إنه إذا لم يصح ما عاوض عليه [343/ ب] تكون الطلقة رجعية.
والنَّصُّ: ولَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءُ
هكذا وقع في بعض النسخ، ونحوه في الجواهر لقوله: أما لو خالعت بخمر أو خنزير أو بمغصوب فلا يختلف المذهب في منعه ابتداء ونفوذه إذا وقع.
والمنصوص أنه لا شيء للزوج فيه.
واستقرأ اللخمي إيجاب خلع المثل من خلع المريضة، وأفادت الواو من قوله: (ولَيْسَ) أن المنصوص أيضاً نفوذ الطلاق، و (فِيهِ) من كلام المصنف تحتمل الظرفية والسببية.
وكَذَلِكَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْكَنِ أَوْ عَلَى أَنْ تُسْلِفَهُ أَوْ تُعَجِّلَ لَهُ دَيْناً مُطْلَقاً
يعني: ومثل المخالعة بالخمر، لأن سكنى المعتدة في موضعها من حق الله تعالى فلا يجوز إسقاطه على عوض ولا غير عوض، فالمعاوضة عليه كالمعاوضة على الخمر، وأما إن أراد كراء المسكن فذلك جائز.
قوله: (أَوْ عَلَى أَنْ تُسْلِفَهُ) لأنه سلف جر منفعة، وهو ملكها لعصمتهأ.
قال في المدونة: ويمضي الطلاق ويرد السلف.
قوله: (تُعَجِّلَ لَهُ دَيْناً مُطْلَقاً) أي: من بيع أو سلف كان مما يجبر على قبوله أم لا، وعلة المنع فيها أيضاً السلف بزيادة؛ لأن من عجل ما أخر عد مسلفاً على المشهور، فتصير المرأة مسلفة، وازدادت العصمة.
أَوْ يُعَجِّلَ لَهَا مَا لا يَجِبُ قَبُولُهُ
لأن فيه حط الضمان وإن بدت العصمة.
أَمَّا لَوْ عَجَّلَ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ فَقَدْ طَلَّقَ وأَعْطَى
ظاهر التصور، ومن الشيوخ من تأول منع هذا؛ لأنه في المدونة: إذا كان لأحد الزوجين قبل الآخر دين فتخالعا على تعجيله قبل محله يقع الطلاق ويرد الدين إلى أجله.
ولم يفرق بين أن يكون الدين مما يجب قبوله أم لا.
فمن الأشياخ من حمل ذلك على إطلاقه، ومنهم من فصل كما ذكر المصنف، وعلل ابن الكاتب المنع في تعجيل الزوج الدين فإنه سلف جر منفعة، إذا كانت مدخولاً بها، لأنه انتفع بذلك في إسقاط نفقة العدة.
وكَذَلِكَ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرَ دَيْناً.
لأن من أخر ما عجل عد مسلفاً اتفاقاً، فصارت مسلفة وازدادت، وهذا على أن تؤخر بالتاء المثناة من فوق.
ويصح أن يقرأ ويؤخر بالياء المثناة من تحت ويكون التشبيه في قوله: (وكَذَلِكَ) عائد على قوله (أَمَّا لَوْ عَجَّلَ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ فَقَدْ طَلَّقَ وأَعْطَى) لأنه إذا طلق وأخر يكون قد طلق وأسلف، والسلف كالإعطاء.
وخَرَّجَ اللَّخْمِيّ خلْعَ الْمِثْلِ مِنْ خلْعِ الْمَرِيضَةِ.
أي: في الصور الممنوعة بجامع المنع فيها، وهو مقابل قوله: (والنَّصُّ: ولَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءُ) كما تقدم، ولا حاجة إلى هذا التخريج لأنه أحد القولين عن مالك كما تقدم.
وَلَوْ خَالَعَهَا بِحَلالٍ وحَرَامٍ سَقَطَ الْحَرَامُ
كما لو خالعته بسلعة وزق خمر فإن له السلعة ولا شيء له في زق الخمر.
ابن المواز: ومن تزوج بعشرة نقداً وعشرين إلى أجل فصالحته قبل البناء على إن عجل العشرة النقد وأسقطت العشرين لم يجز ذلك، وجاز الطلاق، وترد إليه خمسة
تأخذها منه إذا حل الأجل، فالوضعية حلال والتعجيل حرام، فترد إليه الخمسة لتأخذها منه عند الأجل.
ولَوْ خَالَعَهَا بِمَالٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَانَ حَالاً
نحوه في المدونة، وزاد فيها: كمن باع إلى أجل مجهول فالقيمة فيه حالة.
وظاهر كلام المصنف أنه يجب للرجل جميع ما خلعت به حالاً وهو أحد التأويلين على المدونة.
ووجهه أن المال في نفسه حلال وكونه إلى أجل مجهول حرام فيبطل الحرام، والتأويل الثاني أنها تدفع القيمة، ووجهه أن في الأول ظلماً للمرأة لأنها لم تلزمه حالاً، وبأن الأول خلاف ما يقتضيه التشبيه.
ابن محرز: وقوله هنا بالحلو مخالف للأصل، وهو جواز الخلع بالغرر.
قال: فينبغي أن يكون لها خلع أو قيمة ما خالع به.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى ويَزِيدُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ جَازَ بِخِلافِ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِياً لِلأَلْفِ أَوْ أَقَلَّ فَكَمَا لَوْ خَالَعَ مَجَّاناً أَوْ خَالَعَ وأَعْطَى ..
يعني: يجوز اجتماع الخلع والبيع، بخلاف اجتماع النكاح والبيع كما تقدم، فإن كان العبد يساوي أكثر من الألف فلا شك أنه خلع، وإن كان مساوياً للألف فكما لو خالع مجاناً- أي: بغير شيء- فتأتي فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، وإن كان مساوياً للألف أو أقل من ألف فكما لو خالع وأعطى فأكثر الروايات أنها طلقة رجعية، وما ذكره المصنف نحوه في المدونة.
ابن بشير: واعترض ذلك اللخمي، ورأى أن الواجب كونه خلعاً صحيحاً مطلقاً، لأنه قد يعطي في العبد فوق قيمته لغرض له فيه، وما قاله بين، وقد علمت أن في كلام المصنف لفاً ونشراً فإن قوله: (كَمَا لَوْ خَالَعَ مَجَّاناً) راجع إلى قوله: (مُسَاوِياً لِلأَلْفِ) وإن قوله: (خَالَعَ وأَعْطَى) راجع إلى قوله: (بأقل).
فَإِنْ كَانَ آبِقاً رُدَّتِ الزِّيَادَةُ وكَانَ لَهُ نِصْفُهُ.
وقَالَ مُحَمَّدُ: وكَانَ لَهُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الأَلْفِ بِتَقْوِيمِهِ بَعْدَ وِجْدَانِهِ، وإِلا فَلا شِيْءَ لَهُ ..
أي: فإن كانت المسألة بحالها إلا أن العبد آبق لا تجوز المعاوضة عليه في البيع ردت المرأة الزيادة وهي الألف، وكان للزوج نصف العبد، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة.
وقال محمد: إنما له ما زاد على الألف بتقويمه بعد وجدانه، فإن كانت قيمته ألفين كان له النصف، وإن كانت ألفاً وخمسمائة كان له الثلث، وإن كان ألفاً ومائتين كان له السدس.
قوله: (وإِلا فَلا شِيْءَ لَهُ) أي: وإن لم يزده على الألف فلا شيء للزوج في العبد، وهذا الخلاف [344/ أ] مبني على الخلاف في الشيء المعلوم إذا وقع في مقابلة معلوم ومجهول هل يكون بينهما على السواء؟ ففيكون نصف العبد في مقابلة الخلع ونصفه في مقابلة البيع، فإذا أنقص ما قابل البيع لزم أن يكون له نصفه، وهو قول ابن القاسم هنا، وفي الشقص المصالح به عن موضحتي العمد والخطأ وإنما يكون المعلوم في مقابلة معلوم، فإن فضل شيء كان في مقابلة المجهول، وعلى هذا يأتي قول محمد، وهو مذهب ابن نافع فيمن صالح بشقص عن موضحتي العمد والخطأ.
ونقل ابن راشد عن بعضهم أنه جعل قول محمد تفسيراً، ولم أر إلا من حمله على الخلاف.
وفهم من قول المصنف: (بِتَقْوِيمِهِ بَعْدَ وِجْدَانِهِ) أن القيمة إنما تعتبر عند محمد يوم وجدان الآبق.
محمد: وكذلك الجنين يوم خروجه والثمرة يوم تجذ.
قال في الجواهر: وهو المشهور وقال أصبغ: القيمة في الآبق يوم الخلع وكذلك الثمرة القيمة يوم الصلح إن كانت مؤبرة، وإن لم تؤبر فيوم تؤبر، ووافق في الجنين أن قيمته يوم ولد.
اللخمي: والقيمة في جميع ذلك يوم الصلح أحسن، لأن فيه وقع البيع.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا فَوَجَدَهَا فَارِغَةً أَوْ كَالْفَارِغَةِ فَفِي لُزُومِ الطَّلاق قَوْلانِ، فَلَوْ وَجَدَ فِيهَا مُتَمَوّلاً لَزِمَهُ ..
أي: إذا كانت يدها مقبوضة فخالعها على ما في يدها، فإن وجد فيها ما له قدر كالدينار وشبهه لزم، وإن وجدها فارغة أو كالفارغة مثل أن يجد حجراً أو وجد فيها درهماً فحكى اللخمي وغيره ثلاثة أقوال:
اللزوم لابن الماجشون وسحنون؛ لأنه طلق بشيء يأخذه أو لا يأخذه.
محمد: وهو أحب إلي لأنها لم تخدعه.
ونفي اللزوم وحكاه ابن حبيب عن مالك، قال: وهذا مما لا يجوز على أحد.
والثالث: لأشهب بالفرق، فإن وجدها فارغةً أو وجد فيها حجراً لم يلزم وإن وجد فيها درهماً لزمه.
وظاهر كلام المصنف أنه إذا وجد في يدها الدرهم يتفق على اللزوم لأن الدرهم مما يتمول، وحكى ابن حبيب عن مطرف أنه إن كان في يدها ما ينتفع به كان خلعاً وإن كان مما لا ينتفع به فليس بخلع وتكون طلقة له فيها الرجعة.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ لَزِمَهُ ويَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَها فِيهِ شُبْهَةُ فَفِي لُزُومِ الطَّلاق فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ قَوْلانِ ..
يعني: إذا خالعها على عبد فاستحق فإن كان لها فيه شبهة لزم الخلع ورجع بقيمته، وسواء استحق إلى رق أو إلى حرية.
وحكى في الجواهر قولاً بعدم الرجوع إذا استحق إلى حرية ويرجع على المشهور بالقيمة ولم يرجع لخلع لأنه لم يدخل عليه.
وحكى ابن عبد السلام عن ابن عبد الحكم أنه يرجع بخلع المثل.
أبو الحسن: وهنا سبع مسائل يرجع فيها العبد بعده، ومن نكح بعبد بعينه فاستحق أو صالح من دم عمد على عبد، أو باع السيد عبده من نفسه بعبد، أو باع السيد قطاعة مكاتب له بعبد أو كان عوضاً عن عمد أو صالح على الإنكار وإن لم تكن لها فيه شبهة، كما لو قالت: أخالعك علي هذا العبد أو الدار، فإذا بالعبد أو الدار كغيرهما، ولا شبهة لها في ذلك، فقال عبد الملك: لا يلزمه الطلاق؛ لأنه طلق على أن يتم له ذلك.
ولم يحك الباجي وابن يونس وصاحب الجواهر وغيرهم هذا القول، والقول باللزوم بعيد وهو للخمي، قال: ويلزمه الطلاق وتغرم القيمة إن كانت موسرة، وإن كانت فقيرة فحينئذ تعود زوجته.
وقول المصنف: (فَيَرْجِعُ) عطفه بالفاء ليؤذن أن ذلك مرتب على القول بلزوم الطلاق.
ولَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى دَرَاهِمَ أَرَتْهُ إِيَّاهَا فَوَجَدَهَا زُيُوفاً فَلَهُ الْبَدَلُ كَالْبَيْعِ
كذا في المدونة، وقيدها بعضهم بأن تصالحه على دراهم طيبة، ولو اشترطت عليه أنك تأخذها دون تقليب لما لزمها بدل.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَلا سُكْنَى لَهَا فَإِنْ أَرَادَ كِرَاءَ الْمَسْكَنِ وهُوَ لِغَيْرِهِ لَزِمَ، وإِنْ كَانَ لَهُ وسَمَّى الْكِرَاءَ لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لَمْ يَلْزَمْهَا ...
فاعل (لَزِمَ) في الموضعين من كلام المصنف عائد على الكراء، أي لزمها الكراء ووقع الخلع.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لَمْ يَلْزَمْهَا) أي: الخروج وأما الطلاق البائن فقد وقع.
اللخمي: وقال ابن القاسم في المدونة في التي خالعت على أن لا سكنى لها: إن كانت في مسكن الزوج لم تخرج، ولا شيء للزوج عليها.
قال: لأن مالكاً قال: إذا وقع الخلع بحرام مضى الخلع ورد الحرام.
اللخمي: وأرى أن لا يرجع عليها بالأقل من كراء المسكن أو ما كانت تكري به، لأن أخذ العوض عن السكنى يجوز، وهو بمنزلة من خالع على شيء فاستحق من يده، إلا أن يكون انتقالها إلى أبيها أو إلى مسكنها، وهو الآن لا كراء له لأنها لم تنتفع بشيء.
وفهم ابن عبد السلام أن فاعل (لَزِمَ) عائد على الخلع، واعترض كلام المصنف وقال: إنما قال في المدونة: جاز، وهو أحسن؛ لأن تسمية الكراء شرط في جواز الخلع ابتداء لا في لزومه، لأنه لازم؛ سمى الكراء أو لم يسمه.
وعلى ما قررناه يندفع هذا على أن قوله: تسمية الكراء، شرط في جواز الخلع إنما اعتمد فيه على مفهوم المدونة.
وقد يقال: هذا المفهوم غير مراد، لأن غايته إذا لم يسم الكراء يكون غرراً، والخلع بالغرر جائز إلا أن يفهم قوله فيها سمى الكراء على أن المراد ذكر الكراء لا ذكر قدره، ويكون احترز بذلك مما لو أراد إسقاط الكراء.
والله أعلم.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى [344/ ب] أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عِنْدَهُ لَزِمَ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهِ ..
وقعت هذه المسالة هنا في أكثر النسخ، ولا حاجة إليها، وستأتي من كلام المصنف بأتم من هذا، فلنترك الكلام على هذه لذلك.
ولَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ وتُنْفِقَ عَلَيْهِ حَوْلَيْنِ وَتَحْضُنَهُ صَحَّ
قوله: (حَوْلَيْنِ) أي حولي الرضاع، وليس المراد حولين مطلقاً.
وقوله: (صَحَّ) أي الخلع، ولا إشكال في ذلك.
ونقل في التنبيهات عن ابن وهب أنه قال في المبسوط: إنما يجوز من ذلك صلحها في الحولين على الرضاع وحده، وأما على نفقته فلا يجوز في الحولين ولا بعدهما.
فَإِنْ أَضَافَ إِلَيْهِ نَفَقَةً مُدَّةً أُخْرَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ سَقَطَتْ، وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: لا تَسْقُطُ، وصُوِّبَ ..
أي: فإن زيد على نفقة الولد ورضاعه نفقة مدة أخرى، إما على الطفل وإما على الزوج، فمذهب المدونة سقوط الزائد، وقال اللخمي والمغيرة وابن الماجشون وأشهب وابن نافع وسحنون: لا تسقط.
وهو صواب عند جماعة الشيوخ حتى قال ابن لبابة: والجل على خلاف ابن القاسم وروايته.
المتيطي: قال غير واحد من الموثقين والعمل على هذا القول، ووجهه ظاهر لأن غايته أنه غرر، والغرر جائز هنا، ولذلك أقام بعضهم من المدونة خلافاً في جواز المخالعة على الغرر، وقال: هذه تدل على المنع.
وفرقوا بين هذه وغيرها من الغرر بفروق ضعيفة لم أرتض شيئاً منها.
وفي المسألة قولان آخران:
الأول: رواه ابن زياد عن مالك: أنه يجوز في العامين وما قاربهما لا فيما كثر.
الثاني: قال أصبغ: أكرهه ابتداءً، فإن وقع أمضيته.
اللخمي وغيره: وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع الخلع على ذلك ولم يشترط ثبات ذلك إن مات الولد ولا سقوط وأما إذا اشترط الأب نفقة الولد مدة معلومة عاش الولد أو مات فيجوز عند ابن القاسم وغيره، وإن مات الولد أخذ الأب ذلك منها مشاهرة حتى يتم الأجل وكذلك الأب.
وعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ مَاتَتِ الأُمُّ قَبْلَهُمَا فَفِي مَالِهَا، وَلَوْ مَاتَ الطِّفْلُ فَقَوْلانِ
(قَبْلَهُمَا) أي: قبل الحولين.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي مذهب المدونة: إذا خالعها على رضاع ولدها ونفقته مدة حولي الرضاع، لو ماتت الأم قبل تمام الحولين وقف منمالها بقدر مؤنة الولد إلى انقضائهما لأنه دين ترتب في ذمتها فوجب أن يكونفي تركتها كسائر الديون، فإن مات الطفل فالمشهور وهو مذهب المدونة عدم الرجوع.
مالك في المدونة: ولم أر أحداً طلبه.
وكأنه سلم أن القياس الرجوع إلا أن العرف عدم الرجوع فترك القياس لذلك.
محمد- موجهاً لهذا القول-: بمنزلة من صالح على أن عليها نفقة الحمل ورضاعه فأسقطته سقطاً فلا تتبع.
والقول الثاني: رواه أبو الفرج عن مالك، ولا شك أيضاً على قول المخزومي أنها إذا ماتت أنه يكون ما بقي في مالها، ولا أعلم إذا مات الطفل ما يقوله المخزومي؟ ولعل المصنف لهذا خصص التفريع على المشهور.
فروع:
الأول: قال ابن المواز لو ولدت في المسألة المتقدمة ولدين لزمها إرضاعهما، ولا تعذر إن قالت: لا أقدر على رضاعهما.
الثاني: إذا انقطع لبنها لزمها أن تشتري له لبناً.
نقله ابن راشد.
الثالث: قال محمد: لو شرط عليها أن تكفل ولده بعد فطامه ثلاث سنين ولا تتزوج، لم يلزمها ذلك قربت المدة أو بعدت، كما لا يلزم الزوج اشتراط ذلك عليه، وأما لو اشترط ألا تنكح حتى تفطم ولدها، فنقل ابن رشد عن مالك: ليس لها النكاح.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا كان يضر بالصبي منعت.
وقال الأبهري: لها أن تتزوج وشرطه باطل، ولعله محمول على إذا لم يضر ذلك بالطفل فيتفق مع قول ابن القاسم.
وحكى ابن عبد السلام أن لها أن تتزوج وإن ضر ذلك بالصبي ولم يعزه، وهو بعيد، قالوا: ومذهب المدونة ليس لها أن تتزوج وإن لم يشترط عليها عدم التزويج إذا شرط إرضاعها الصبي كما قال في المرأة إذا أجرت نفسها ظئراً.
ابن عبد الغفور: فإن تزوجت قبل أمر الحضانة فسخ قبل البناء.
الرابع: اختلف إذا خالع امرأته على أنها إذا ولدت فعليها نفقته في الحولين، فقال مالك في المبسوط: ليس لها أن تطلبه بنفقة الحمل.
وقال ابن القاسم وابن الماجشون والمغيرة: لها نفقة الحمل.
واختاره اللخمي لأنهما حقان أسقطت أحدهما وبقي الآخر، زاد الباجي في قول مالك: وليس لها أن تطلبه بالصداق.
وكذلك نقل عن المغيرة، ووجه قولهما لما لم تشترط بقاء الصداق كان الظاهر إسقاطه لأنه لم يرض منها بترك ما كان في ذمته حتى زادت نفقة الحمل.
فَإِنْ عَجَزَتْ فَعَلَيْهِ ويَتْبَعُهَا
يعني: فإن عجزت المرأة عما التزمته من النفقة على الطفل في الحولين، فعلى الأب أن ينفق عليه لأن نفقته بالأصل على أبيه، فله أن ينقلها عنه بشرط أن لا يضر ذلك بالطفل فإن عجزت رجعت إلى الأب وإلا لحصل الضرر للطفل.
وإذا أنفق فهل يتبع الأم بما أنفقته إذا أيسرت؟ وهو قول مالك في العتبية.
قال ابن يونس: وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك لأنه أدى عنها حقاً قد لزمها، أو لا يتبع وهو قول ابن القاسم أيضاً وأصبغ.
واقتصر المصنف على الأول، ووجه الثاني أن الأم [345/ أ] إنما التزمت نفقة الولد على الوجه الذي كان يجب على الأب فتسقط بالعسر.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَسْقُطَ حَضَانَتُهَا فَالْمَشْهُورُ: تَسْقُطُ إِلا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ، وتَنْتَقِلُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ.
وقِيلَ: لا تَسْقُطُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقُّ لَهَا أَوْ لِلْوَلَدِ ..
هذا هو الذي ذكرناه أنه أتم مما قبله ومعناه: أن الأم مقدمة في حضانة ولدها، فإذا خالعها على أن تسقط حضانتها فإن كان في ذلك ضرر إما لعلوق الولد بأمه أو لأن مكان
الأب غير حصين لم تسقط حضانتها بالاتفاق ويقع الطلاق بائناً، وهكذا قال في المدونة.
وأقام الشيوخ منها أن من طلق امرأته وله منها ولد رضيع فتزوجت وطلب الأب الولد أنه إن خيف على الولد إن نزع من أمه لم يكن له ذلك حتى ينتفي الضرر كما هنا، وإن لم يكن في ذلك ضرر فالمشهور سقوط حضانتها.
ابن يونس: وقال عبد الملك: لا تسقط.
وقاله في كتاب المدنيين، ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف: هل الحق للحاضنة فيكون لها إسقاطه، أم للولد فلا يكن لها الإسقاط؟ واختار اللخمي قول عبد الملك إن كان الصبي رضيعاً ونحوه.
خليل: لأنه حينئذ لا يقوم به أحد كأمه، والمشهور وهو مذهب المدونة الحجة لأحد القولين في باب الحضانة إذا ترك من له الحق في الحضانة حقه إلى من هو في ثالث درجة أنه لا يكون للثاني القيام.
أبو عمران: والقياس خلافه وعارض فضل قوله في المدونة أن الحضانة حق للحاضن برواية ابن القاسم، يمنع أن يبيع الرجل الأمة برضاها على أن يفرق بينها وبين ولدها الذي لم يثغر، فمنعه من البيع مخالف للمشهور، وموافق لقول عبد الملك ففرق بينهما بأن الولد انتقل في مسألتنا إلى من له الحضانة وهو الأب، بخلافه في مسألة البيع فإنه ينتقل إلى من لا حضانة له.
ونَفَقَةُ الآبِقِ والشَّارِدِ عَلَى الزَّوْجِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وفِي نَفَقَةِ ثَمَرَةِ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا قَوْلانِ ..
مراده بالنفقة الجعل على طلب الآبق والشارد، وإلا فالنفقة عليهما مع الجهل بموضعهما أو مع عدم القدرة على تحصيلهما بحال.
وقوله: (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أي على المرأة فيكون عليها، وهذا متفق عليه.
والقولان في نفقة الثمرة التي لم يبد صلاحها لشيوخ عبد الحق.
أحدهما: أن ذلك أيضاً على الزوج، لأن الملك قد انقتل ولا جائحة في الثمرة هنا فلا موجب لكونها على المرأة.
وثانيهما: أن ذلك على المرأة كالبيع، لأن الشرع لما اغتفر الغرر هنا صار الخلع على من يبدو صلاحه، يتنزل منزلة البيع فيما بدا صلاحه.
قال هذا القائل: وليس للمرأة أن تجبر الزوج على جذ الثمرة، لأنه إنما دخل على بقائها.
ابن عبد السلام: وأشار بعض من سلك هذه الطريقة إلى إلزام حكم الجائحة.
وسكت المصنف عن نفقة الأم إذا خولع على جنينها، قال غير واحد: والنفقة في ذلك على المرأة إلى خروج الجنين.
ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي أن يكون السقي على المرأة إذا كانت الثمرة لم تؤبر أو لم تخلق.
ابن المواز: وإذا خالعها على جنين في بطن أمه فهو له إذا خرج ويجبر على الجمع بينهما فيباع مع أمه.
وَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ النِّكَاحِ إِجْمَاعاً رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وفِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ قَوْلانِ.
لأن ما أجمع على فساده يفسخ بالاتفاق فلا ملك للزوج في البضع لأنه يفسخ بغير طلاق، والخلع طلاق فلا يمكن الجمع بينهما، وأما المختلف فيه فالقولان فيه مبنيان على الخلاف في أن الفسخ فيه هل بطلاق فيلزم الخلع؟ أو بغير فلا يلزم.
والقولان في المدونة، لأن في إرخاء الستور إذا خالعها ثم تبين أنه تزوجها وهو محرم أنه يرد المال، وفي النكاح الثاني إذا تزوجها بغرر أو بغير ولي وخالعها قبل البناء قولان: أولهما: كما في إرخاء الستور، والثاني: أنه لا يرد المال.
ابن القاسم: ولو رأيت الخلع فيه غير جائز ما أجزت الطلاق.
يريد: ولكن الطلاق فيه لازم.
فَإِنْ تَبَيَّنَ بِهِ عَيْبُ خِيَارٍ رَدَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ومَضَى الْخُلْعُ
يعني: أن الخلع متفق على إمضائه، بمعنى أنه يقع الطلاق البائن، وإنما اختلف في رد ما أخذه، والمشهور رده، وهو مذهب المدونة، وهو في كتاب إرخاء الستور.
وقول المصنف: (عَيْبُ خِيَارٍ) يشمل العيوب الأربعة.
وقوله: (بِهِ) احترزاً مما لو تبين بها فإنه لا يرد ما أخذه، صرح بذلك في المدونة، وعلل ذلك فيها بأن له أن يقيم على النكاح.
ابن المواز: وليس له الرجوع بالصداق على من غره لعيب ذهب وعارض سحنون هذه المسألة بما قاله في النكاح الثاني في الذي تزوج بغرر أو بغير ولي قبل البناء أن له ما أخذ وقال: هذه ترد إلى ما في كتاب الخلع ووجه المعارضة أنه إذا كانت تأخذ منه ما دفعت إليه في العيب الذي لها الرضى به والمقام على ذلك النكاح فلأن يكون لها أخذه بما دفعت إليه حيث يكونان مجبورين على الفسخ- أولى.
وقد يعارض بين المسألتين على العكس فيقال: إذا كان للزوج ما دفعت إليه في النكاح الفاسد المجبور على فسخه، فلأن يكون له ذلك في النكاح الصحيح أولى.
وقد يعارض بين المسألتين على العكس فيقال: إذا كان للزوج ما دفعت إليه في النكاح الفاسد المجبور على فسخه، فلأن يكون له ذلك في النكاح الصحيح أولى.
وأجيب بأن ما في إرخاء الستور إنما هو لعبد الملك وأنه لا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن يظهر العيب بالزوج أو بالزوجة لا يرد المال في الوجهين، وحينئذ تسقط المعارضة [345/ ب] لعدم اتحاد القائل لكن قال عياض: وكلام سحنون برد مسألة النكاح إليها يدل على خلاف ذلك حينئذ تتحقق المعارضة وقد يجاب عنها بأنه لما اتفق العلماء على الرد بعيوب النكاح صار كالمجمع على فسخه، فلذلك قال ابن القاسم برد المال بخلاف إنكاح المرأة نفسها فإن أبا حنيفة يخالف في ذلك بخلاف النكاح بالغرر فإن الخلاف عندنا فيه شهير.
والقول بأنه لا يرد إذا كان به عيب خيار لابن المواز قال: وإن تزوجها بغرر أو بغير ولي ثم خالعها قبل البناء فإنه يرد ما أخذ منها كقول سحنون وجعله ابن يونس ثالثاً قال: وهو أبينها.
والله أعلم.
وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا بِمائَةٍ فَنَقَصَ لَمْ يَقَعْ طَلاقُ، وَلَوْ قَالَتْهُ فَزَادَ وَقَعَ وَالزِّيَاَدةُ عَلَى الْوَكِيلِ ..
يعني: إذا وكل رجل من يخالع له زوجته بمائة مثلاً فإن خالعها بها أو زيد فلا شك في وقوع الطلاق البائن، فإن نقص لم يقع الطلاق، لأنه معزول عن ذلك، وهو ظاهر في النقص الكثير، وأما اليسير فينبغي أن يختلف فيه كالبيع.
قوله: (وَلَوْ قَالَتْهُ) أي ولو قالت المرأة ما قاله الرجل فقالت: خالع لي زوجي بمائة، فإن خالعه بها أو أقل لزمها ذلك، وإن زاد وقع الطلاق البائن، وكانت الزيادة على الوكيل وينبغي أيضاً أن يقيد الزيادة بالزيادة الكثيرة، وأما اليسيرة فيلزمها كالوكيل على شراء سلعة.
وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا فَنَقَصَ عَنِ الْمِثْلِ حَلَفَ أَنَّهُ أَرَادَ خُلْعَ الْمِثْلِ
أي: لو وكل الزوج رجلاً على أن يخالع له زوجته فإن خالعها بخلع المثل فأكثر لزمه، وإن نقص عن المثل.
ففي الجواهر: القول قوله أنه أراد خلع المثل ولم يذكر يميناً، ولم يذكرها أيضاً مالك في المجموعة.
ابن عبد السلام: ولا تكاد تجد النص على اليمين، قال: وظاهر الرواية سقوط اليمين كما في البيع وهو الأقرب، وقد يقال بثبوتها هنا، لأن السلعة في البيع لها قيمة كالمعرفة ولا قيمة هنا.
خليل: والظاهر أن اليمين هنا يجري الخلاف في توجيهها على الخلاف في أيمان التهم، وقد نص مالك في العتبية على اليمين في من قال لامرأته: إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك فأنت طالق فدعته إلى دينار فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت نصف ما تملكينه.
فقال: لا يلزمه الخلع، ويحلف ويخلى بينه وبينها.
ابن القاسم: وإن لم تكن له نية فلم يجبها حنث.
لكن قال في البيان: قوله: (يحلف) يدل على أنه لم يكن مستفتياً في يمينه وإنما كان مخاصماً ويحلف لأنه ادعى نية تخالف ظاهر اللفظ، ولو كان مستفتياً لقبل ذلك منه بغير يمين.
ونقل ابن بشير مسألة العتبية هذه وذكر أنه لم يجب عليه في الرواية يميناً قال: وقد تجري على أيمان التهم.
وعند ابن شعبان: له أن يطالبها بجميع ما تملكه، وأنكره اللخمي ورأى أن ذلك ليس من مقاصد الناس، وإنما يقصدون بعض المال لا كله، وانظر قول ابن بشير مع ما تقدم ولم يوجب في الرواية يميناً إلا أن يكون حمل ما في الرواية على المرافعة كما ذكر صاحب البيان.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي أَصْلِ الْعِوَضِ حَلَفَتْ وَبَانَتْ بِقَوْلِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَتَحَالَفَانِ وَتَعُودُ زَوْجَةً ..
إذا اختلفا على الطلاق وقال الزوج: كان على عوض ولم تدفعيه لي.
وقالت الزوجة: إنما كان على غير عوض، فقال مالك وابن القاسم: القول قولها مع يمينها ولا شيء عليه.
ابن راشد: وهو المشهور.
وقال عبد الملك: القول قوله وتعود زوجته بعد أن يحلف الزوج أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه كان طلاقاً بغير عوض.
اللخمي: والأول أحسن، ولا يرتفع الطلاق بعد وقوعه ومنشأ الخلاف هل تتبعض الدعوى ويؤخذ الزوج بما أقر به أم لا؟ ولأصبغ ثالث: إن أقر بالخلع وسبق إقراره بقوله: إنما أردت أن لا يتم حتى تعطيني، فالقول قوله، وإلا فالقول قولها.
وَفِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ حَلَفَتْ وَبَانَتْ
(وَفِي جِنْسِهِ) أي فإن اتفقا على الخلع واختلفا في جنس ما وقع الخلع به كما لو قال: بعبد.
وقالت: بل بدينار أو قدره كما لو قال: بدينارين.
وقالت: بل بدينار، حلفت وبانت لأنه مقر بالطلاق ومدع عليها فإن نكلت حلف وأخذ ما ادعاه.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي وَقْتِ مَوْتِ غَائِبٍ خُولِعَ عَلَيْهِ، أَوْ عَيْبِهِ فَهْيَ مُدَّعِيَةُ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ فَلا عُهْدَةَ بِخِلافِ الْبَيْعِ ..
هكذا قال ابن القاسم ونص ما نقله ابن يونس عنه: قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا صالحته على عبد غائب فمات أو وجد به عيباً، فقالت: كان ذلك به بعد الصلح.
وقال هو: قبل الصلح.
فالمرأة مدعية وعليها البينة، وإن ثبت أنه مات بعد الصلح فلا عهدة فيه بخلاف البيع.
وإلى هذا أشار بقوله: (فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ) أي الموت أو العيب بعد الخلع فلا عهدة على الزوجة.
وقوله: (بِخِلافِ الْبَيْعِ) ظاهره أن المخالفة راجعة إلى قوله: (ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ) ووجه المخالفة على هذا أنها بائعة للعبد بالعصمة فكان ينبغي أن يكون الضمان منها، لأن المشهور أن ضمان المبيع على الصفة من البائع، إلا أن يشترطه على المشتري، ويحتمل أن تعود المخالفة إلى قوله، فتكون مدعية، ويكون وجهها على هذا أن يجعل الزوج هو البائع للعصمة فكان ينبغي أن يكون الضمان منه، لأن المشهور في المبيع الغائب، وإطلاق البائع عليه أولى، لأن لها أن تخالع عوضاً عن العبد بدارهم وحينئذ لا يقال عرفاً أنها باعت الدراهم، وهذا [346/ أ] يعين أن يكون قول المصنف: (فَهْيَ مُدَّعِيَةُ) ثابتاً في متن كلامه كما في الجواهر وكلام ابن القاسم المتقدم.
وسقط ذلك في بعض النسخ وليس يجيد فإن قيل: ما الفرق على هذا بين البيع والخلع؟
فالجواب: إنما لم نقل أن الضمان منه لكونه لا يدفع العبد، بخلاف البائع في البيع.
هذا ما ظهر لي، ولم أجزم بمراد المصنف، والمراد هنا بالعهدة عهد الدرك والاستحقاق لا عهدة الثلاث وعهدة السنة.
والله أعلم.
وَلَوْ ثَبَتَ مَوْتُ الآبِقِ قَبْلَهُ فَلا عُهْدَةَ؛ لأَنَّهُ عَلَيْهِ دَخَلَ، إِلا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ ..
يعني: أن ما قدم هو في الغالب غير الآبق، وأما الآبق يتبين بعد الخلع أنه مات قبل الخلع فلا شيء عليها وهو معنى قوله: (فَلا عُهْدَةَ) أي على المرأة لأن الموت بعض ما دخل عليه الزوج وهو معنى قوله: (عَلَيْهِ دَخَلَ) إلا أن تكون حين المخالعة علمت بموته فتكون غارة، وتعد كالملتزمة بقيمته، وهكذا نقل عبد الحق عن غير واحد من شيوخه.
الصِّيغَةُ: وهُوَ كَالْبَيْعِ فِي الإِيجَابِ والْقَبُولِ.
هذا هو الركن الخامس وهو كالبيع أي في أنه لابد من الإيجاب والقبول ولا يشترط فيه أن يكون بصيغة خاصة بل تكفي المعاطاة، قال في المدونة: وإن أخذ شيئاً منها وانقلبت، وقالت ذلك بذلك ولم يسميا طلاقاً فهو خلع.
إِلا أَنْ يَقَعَ مُعَلَّقاً مِنْهُمَا فَلا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ نَاجِزاً ولَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مِثْلَ: مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفاً فَأَنْتِ طَالِقُ، أَوْ مَتَى طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفُ ..
قوله: (مِنْهُمَا) أي منه أو منها ولابد أن يكون التعليق وقع منهما جميعاً.
وقوله: (مَتَى أَعْطَيْتِنِي)، تعليق من جهة الزوج و (مَتَى طَلَّقْتَنِي) تعليق من جهتها، وذكر المثالين مما يبين لك أن مراده بقوله: (مُعَلَّقاً مِنْهُمَا) ما ذكرناه.
وقوله: (فَلا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ نَاجِزاً) يقتضي أنه إذا لم يكن معلقاً يحتاج إلى القبول ناجزاً وهو كذلك كما في عقود المعاوضة.
وفي المدونة: إن قال لها أنت طالق على عبدك هذا فإن قبلت قبل التفرق لزمها وإلا فلا قبول لها.
عبد الحق: وسألت بعض القرويين: هل هذا على أحد قولي مالك في التمليك؟ فقال: لا يدخل الاختلاف هنا لأن هذا ضرب من المبايعة فيقتضي الجواب في الحال، فإذا افترقا ولم يجب فلا كلام لها.
وقال في الجواهر: إذا علق بالإقباض والأداء والإعطاء لم يختص بالمجلس، إلا أن يدل ليل على اختصاصه به وإن كان يقتضي الجواب ففي بقائه لها وإن تفرقا خلاف.
اللخمي: وإن قال: أنت طالق على عبدك أو إن اعتني أو إذا أعطيتيني أو متى أعطيتني عشرة دنانير فأنت طالق، كل ذلك لازم إذا أعطته، ويفترق الجواب في الوقت الذي إذا أعطته لزمه أخذه، والطلاق؛ فإن قال: أنت طالق على عبدك فلم ترض في المجلس لم يلزمه شيء لأنه يقتضي المجاوبة في الحضرة، وإن قال: إذا أو متى؛ كان ذلك بيدها وإن افترقا ما لم يطل ويرى أنها تاركة أو يمضي ما يرى أن الزوج لن يجعل التمليك إلى ذلك الوقت.
واختلف إذا قال: إن أعطيتني هل يحمل ذلك على المجلس وإن افترقا؟ وأرى أن ذلك بيدها إذا قالت: نعم وانصرفت على ذلك وإن سكتت ضعف قولها انتهى.
ابن راشد: اختلف إذا تراخى القبول عن الإيجاب في البيع، أشار ابن العربي في ذلك ثم قال: والمختار جواز تأخير ما تأخر، ومقتضى هذا أن يجوز ذلك في الخلع أيضاً لأنه قال في الأصل: هو كالبيع في الإيجاب والقبول فتأمله.
ابن عبد السلام: ومراد المصنف بالقبول دفع المال لا التزام دفعه من المرأة والرضى بذلك من الرجل، فإن ذلك لابد منه عند سماع كلام من طلب ذلك منهما، إلا أن المؤلف تجوز في العبارة فعبر بالقبول الذي هو سبب عن دفع المال الذي هو مسبب.
وَمِثْلَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفاً خَالَعْتُكِ، إِنْ فُهِمَ الالْتِزَامُ لَزِمَ، وَإِنْ فُهِمَ الْوَعْدُ وَدَخَلَتْ فِي شِيْءٍ بِسَبَبِهِ- فَقَوْلانِ ...
(لَزِمَ) أي الطلاق البائن بدفع المال إن فهم الالتزام.
ابن راشد: بلا خلاف وإن فهم الوعد ودخلت في شيء بسببه كما لو باعت قماشها أو كسرت حليها فقولان: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يلزمه.
ابن عبد السلام: وهو المعروف.
وقيل لا يلزمه ويحلف ما أردت طلاقاً، ومفهوم كلامه أنها إن لم تدخل في شيء بسبب الوعد فلا يلزمه الطلاق وهو جار على المشهور في عدم الوفاء بالوعد، وعلى الشاذ بلزوم الوفاء يلزم الطلاق هنا، قال في البيان: وعليه فيحلف.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي مَا أُخَالِعُكِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ بِالتَّافِهِ، وَيَلْزَمْ بِالْمِثْلِ عَلَى الأَصَحَّ
يعني إذا قال: إن أعطيتني ما أخالعك به فقد خالعتك أو فأنت طالق لم يلزم بالتافه.
قال في المدونة: ويخلى بينه وبينها، ولم يوجب عليه يميناً وفي قوله: (بِالتَّافِهِ) نظر.
والذي قاله ابن بشير: فأعطته نصف دينار.
وقال اللخمي: فأعطته دينار وأما لو أعطته ما يخالع به مثلها فقال المصنف: الأصح اللزوم، لأنه إذا تقيد الكلام بالعرف وخرج عنه القليل فكذلك يتقيد بالعرف إذا طلب هو الزائد عن خلع المثل، ومقابل الأصح لابن شعبان: أن القول قوله إلى قدر ما تملكه المرأة وليس بالبين ولا يؤخذ مقابل الأصح من كلام المصنف.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْداً لَزِمَ بِمُسَمَّى عَبْدٍ
قال في الجواهر: وإن قال إن أعطيتني عبداً؛ بغير تقييد بصفة، طلقت بكل [346/ ب] ما يطلق عليه اسم عبد من السليم، فقيده بأن يكون سليماً ولابد من ذلك، وظاهر كلامه في الجواهر وكلام المصنف أنه لا فرق في اللزوم بين أن يكون العبد قليل القيمة أو لا وفي المدونة: ولو خالعته على ثوب مروي ولم تصفه جاز وله ثوب وسط من ذلك، فانظر هل يؤخذ من هذا أنه يشترط في العبد أن يكون وسطاً؟
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْداً لَزِمَ بِمُسَمَّى عَبْدٍ
لأنه لما عينه بالإشارة ودفعته إليه لم يقدح في ذلك خطاه على نفسه لتفريطه في ذلك.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ الْمَرْوِيَّ فَإِذَا هُوَ هَرَوِيُّ لَزِمَ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ثُمَّ خَالَعَهَا فَالْمَنْصُوصُ يَرُدُّ مَا أَخَذَ، وأَجْرَاُه اللَّخْمِيّ عَلَى الشَّاذُّ فِي: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرُّ، وتَبِينُ ثَلاثاً فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ فَطَلْقَتَانِ وأَجْرَاهُ اللَّخْمِيّ عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ أَتْبَعَ الْخُلْعَ طَلاقاً
يعيني: إن علق طلاقها على خلعها ثم خالع فإن كانت يمينه باثلاث ففي المدونة وغيرها أنه يرد ما أخذ منها ويقع عليه الطلاق الثلاث، وقاسها في الموازية على قول مالك في القائل لعبده: إن بعتك فأنت حر، وكذلك أجراه اللخمي في الخلع قولاً بعدم الرد من الخلاف في القائل إن بعت عبدي فهو حر، ثم باعه.
والمشهور أنه يرد البيع ويعتق على البائع، والشاذ أن البيع ماض ولا عتق لأنه إنما يلزمه العتق إذا حصل في ملك المشتري ولا يمكن إلزامه العتق وهو في ملك الغير.
اللخمي: فجعل هذا القائل البيع يسبق الحنث، وكذلك يكون الطلاق الثلاث بعد الخلع فلا يكون عليه رد المال، وهو أحسن لأن الفاء للتعقيب.
والمشهور جار على أن الشرط والمشروط يقعان معاً.
ابن راشد: والحق هو المشهور لأنه لما علق على فعله لا على فعل غيره لقوله: إن بعتك فأنت حر وبيعه إنما هو صدور الإيجاب، وصدور الإيجاب هو السبب في العتق لكن لا يتحقق كونه سبباً إلا بقبول المشتري فإذا قبل المشتري تحققنا تقدم سبب العتق فلذلك قلنا بفسخ البيع وإمضاء العتق.
كذلك مسألة الخلع فقوله: (إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً) علق الطلاق على خلعه فتبين إن صدر منه الإيجاب وصدر منها القبول وقع الطلاق مستنداً لإيجابه لا لقبولها.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن المعلق علق بوجود البيع وحقيقة البيع لا تحصل إلا بمجموع الإيجاب والقبول.
قوله: (فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ) يعني وإن يقيد يمينه بالثلاث بل قال: إن خالعتك فأنت طالق فقال في المدونة وغيرها يلزمه طلقتان واحدة بالخلع وأخرى باليمين وأجرى اللخمي قولاً بلزوم واحدة فقط من الشاذ فيمن أتبع الخلع طلاقاً، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق.
وقد يفرق بينهما، فإن قوله: إن خالعتك فأنت طالق قد يقال فيه بوقوع الشرط والمشروط معاً، وذلك أن المعلق عليه علة شرعية للمعلق أجراها العلماء مجرى العلة العقلية، فكما أن العلة العقلية لا يتأخر عنها معلولها في الزمان كحركة الخاتم والإصبع، فكذلك العلة الشرعية بخلاف من أتبع الخلع طلاقاً، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق.
فإن وقعت الطلقة الثانية متأخرة عن الأولى بالزمان، ثم في القياس على من أتبع الخلع طلاقاً- نظر؛ وذلك أن الخلاف ليس منصوصاً فيمن اتبع الخلع طلاقاً، إنما الخلاف فيمن قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق.
والصحيح عن أهل الأصول المنع من قياس فرع على فرع مقيس على أصل، وبيان ذلك في محله، وقوله: (طَلْقَتَانِ) يعني ولا يرد العوض.
وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ وَاحِدَةً عَلَى ثلثه لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ قَبِلَتْ بِأَلْفٍ وقعت ...
إنما لم يقع إذا قبلت واحدة على ثلث الألف لأن الزوج يقول لم أرض بخلاصك مني إلا بالألف، وأنت إذا قبلت واحدة بثلث الألف تريدين أن تتخلصي مني بدون
ذلك، ولأن الزوج قد يكون مقصوده في مجموع الألف، ولهذا قلنا باللزوم إذا قبلت واحدة على الألف لأن مقصوده حصل ولا يتعلق بوقوع الثلاث غرض شرعي.
وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاثاً عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ واسْتَحَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا لأَنَّ مَقْصُودَهَا حَصَلَ ..
يعني: إذا سألته أن يطلقها ثلاثاً على ألف فطلقها واحدة على ذلك، أو سألته أن يطلقها واحدة على ألف فطلقها ثلاثاً على ذلك، وهو معنى قوله: (أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ) أي الطلاق البائن فيهما.
(واسْتَحَقَّ ذَلِكَ) الألف (عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا) أي: الفرعين.
والصورة الأولى منصوصة في الموازية، والثانية في المدونة وغيرها إلا أنه فرضها في المدونة إذا سألته طلقتين، وعلل المصنف ذلك بأن (مَقْصُودَهَا حَصَلَ) أي: مقصودها في الأولى البينونة وقد حصلت والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعي، ولا شك في حصول مقصودها في الثانية بل وزيادة، وقال اللخمي: أرى إذا أعطته على أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثاً أن ينظر إلى سبب ذلك، فإن كان راغباً في إمساكها وهي راغبة في الطلاق لا مقال لها، وإن كان راغباً في طلاقها فأعطته على أن يكون طلاقه واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته، لأنها إنما أعطته على ألا يوقع إلا اثنتين لتحل إن بدا له من قبل من الزوج، وكذلك إن أعطته على أن يطلقها [347/ أ] ثلاثاً فطلقها واحدة، ينظر فإن كان عزاماً على طلاقها واحدة كان لها أن ترجع بجميع ما أعطته لأنها للاثنين أعطت، وإن كان راغباً في إمساكها فأعطته على أن يطلق ثلاثاً جرت على قولين فيمن شرط شرطاً لا ينفعه هل يوفى له به أم لا؟
وحكى ابن عبد السلام: في قوله: جرى على القولين في شرط ما لا يفيد: فقد يقال في هذا الوجه أنه من شرط ما يفيد، لأنه إذا كان راغباً فيها وهي كارهة كان مقصودها من
إعطاء العوض البعد عنه على أتم الوجوه بحيث لا يبقى له فيها طلب، وذلك إنما يحصل مع الثلاث، وأما الواحدة فقد يتوسل إلى مراجعتها بمن لا يمكنها رده، قال وقول اللخمي مقابل للمنصوص الذي أشار إليه المصنف، إلا انه لا يفهم من كلامه مفصلاً، ويحتمل أن يريد المصنف بمقابل المنصوص في الصورة الأولى ما قاله عبد الوهاب في الإشراف فإنه قال بعد أن نقل عن ابن المواز ما تقدم من اللزوم إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فقال: طلقتك واحدة بالألف، قال: عندي أن النظر أن الخلع يقع ولا يستحق شيئاً من الألف.
وَالطَّلاقُ الُّسنِّيُّ: أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَاحِدَةً، وهِيَ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
لما قدم أن الطلاق على ضربين أحدهما بعوض، وفرغ منه شرع في الكلام على الضرب الآخر وهو الخالي عن العوض، وليس المراد بالسني أنه راجح الفعل كما هو المتبادر إلى الذهن من النسبة إلى السنة، بل على أنه الذي أذنت فيه السنة مقابلاً للبدعي ونحوه لعبد الوهاب وغيره.
وطلاق البدعة: ما وقع على غير الوجه المشروع، والطلاق مباح من حيث الجملة.
وقال بعض الشيوخ: إنه مكروه لما في أبي داوود عنه عليه الصلاة والسلام: "أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الطَّلاَقُ".
ولا إشكال أنه قد يعرض له الوجوب والتحريم والندب، وثبت أنه عليه الصلاة والسلام طلق حفصة واحدة ثم راجعها وطلق العالية بنت سفيان وهي التي كانت تدعى أم المساكين.
وذكر المصنف لطلاق السنة أربعة قيود: