في قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً ([النور: 33].
عياض: والصحيح أن المراد هنا العقد؛ أي: لا يقدرون على الزواج لعسرهم.
وأما في اللغة فقال ابن راشد: لا خلاف أنه حقيقة في الوطء.
واختلف في إطلاقه على العقد، فقيل: بطرق الحقيقة، وقيل بطريق المجاز، وهو أصح لأن المجاز خير من الاشتراك.
واختلف في هذا المجاز فقال التلمساني في شرح المعالم الفقهية: هو مساو للحقيقة.
وقيل: مجاز راجح، وهو الصحيح.
وحكى ابن عبد السلام خلافاً بين أهل الشرع واللغة، هل هو حقيقة في كل واحد منهما؟ أو في أحدهما؟ وما هو على الحقيقة؟ قال: والأقرب أنه حقيقة لغة في الوطء مجاز في العقد وفي الشرع على العكس.
خليل: ويمكن أن يحمل قول من قال أنه حقيقة في العقد على أنه مجاز راجح كما هو المختار في الحقيقة الشرعية كما تقرر في محله فيتفق ونقل ابن راشد والله أعلم.
وحكم النكاح الندب من حيث الجملة، وقد يجب على من لا ينكف عن الزنا إلا به، ويكره في حق من لا يشتهيه وينقطع به عن عبادته، وفي المقنع لابن بطال: يكره لمن لا يجد طولاً ولا حرفة له ولا صناعة.
ابن بشير: ويحرم على من لا يخشى العنت، وكان يضر بالمرأة في عدم قدرته على الوطء، أو على النفقة، أو يتكسب بموضع لا يحل.
اللخمي: ويباح لمن لا ينسل ولا أرب له في النساء، وأشار إلى أن المرأة مساوية للرجل في هذه الأقسام.
وفي النكاح فوائد أربع: الأولى: دفع غوائل الشهوة عنه.
والثانية: التنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة؛ لأنه إذا ذاق هذه اللذة وعلم أنه إذا عمل الخير نال ما هو أعظم سارع في فعل الخيرات لما هو من جنس تلك اللذة، ولما هو أعظم وأتى وأبقى وهو اللذة بالنظر إلى وجه الله تعالى.
والثالثة: المسارعة في تنفيذ إرادة الله تعالى ورسوله، أما إرادة الله عز وجل فإنه أراد بقاء الخلق إلى يوم القيامة ولا يحصل ذلك إلا بالنكاح، وأما إرادة رسوله صلى الله عليه وسلم فلقوله صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تناسلوا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".
والرابعة: بقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح.
والله أعلم.
أَرْكَانُهُ الصِّيغَةُ، وَالْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ، وَالزَّوْجَةُ، وَالصَّدَاقُ، الصِّيغَةُ لَفْظُ يَدُلُّ عَلَى التَّابِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ وَمَلَّكْتُ وَبِعْتُ وَكَذَلِكَ وَهَبْتُ بِتَسْمِيَةِ الصَدَاقِ ....
يعني أن أركان النكاح خمسة، ثم أخذ يتكلم على الأول منها.
وما ذكره المصنف في الصيغة نحوه لابن شاس، ومقتضاه أنه لا ينعقد بالإشارة والكتابة ونحو ذلك، وهو مقتضى كلامه في الإشراف.
وكذلك قال في الاستذكار: النكاح يفتقر إلى التصريح ليقع الإشهاد عليه ولا خلاف في انعقاده بأنكحت وزوجت.
قال المغيرة: ولا ينعقد بغيرهما.
واختلفت طرق الشيوخ في نقل المذاهب فيما عداهما، فذهب ابن القصار وعبد الوهاب
في الإشراف، والباجي، وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد بكل لفظ يقتضي التأبيد دون التوقيت، فينعقد بملكت وبعت كما ذكر المصنف.
وأشار الباجي في توجيهه لذلك إلى أنه قول مالك.
واستدل جماعة لذلك بما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: "ملكتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية: "أنكحناكها".
وذهب صاحب المقدمات إلى أنه لا ينعقد بما عدا أنكحت وزوجت إلا لفظ الهبة، فاختلف فيه قول مالك، فروي عنه أنه لا ينعقد بها، وروي عنه أنه ينعقد ويلزم فيه صداق المثل كنكاح التفويض، وقد روى ابن حبيب نحوه عن مالك.
انتهى بمعناه.
ومقتضى ما نقله من رواية ابن حبيب أنه يصح، وإن لم يسم صداقاً ونقل في الإكمال عن مالك أنه لا ينعقد بلفظ الهبة.
ابن المواز: وسواء سمي الصداق أم لا.
ومذهب المدونة أنه لا ينعقد بلفظ الهبة إلا بتسمية الصداق كما ذكر المصنف.
ويلحق بها في اشتراط التسمية الصدقة من باب أولى؛ لأن هبة الثواب أحد قسمي الهبة، والصدقة لا عوض لها أصلاً.
ابن القصار: وسواء عندي ذكر المهر في لفظ الهبة والبيع أو لم يذكر إذا علم أنهم قصدوا النكاح.
فانظر هل ما قاله مخالف لما قاله المصنف في لفظ الهبة أم لا؟ لأن قوله: إذا علم أنهم قصدوا [277/ ب] به النكاح يقتضي ثبوت الصداق فكان ذلك بمنزلة ذكره، وكذلك قال ابن راشد: لا ينبغيأن يعد قول ابن القصار خلافاً.
ابن القصار: قال بعض أصحابنا: ويجوز بلفظ التحليل.
وقال الطرطوشي في لفظ الإباحة: قال بعض أصحابنا: إن قصد به النكاح صح.
وقوله: (عَلَى التَّابِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ) احترز بذلك من العارية والرهن والوصية، فإنه لا ينعقد بذلك، نص عليه ابن القصار وعبد الوهاب لاقتضاء الأولين التمليك والتوقيت والثالث التوثق دون التمليك وعدم لزوم الرابع.
تنبيهان:
الأول: قد يقال: إن حد المصنف للصيغة غير مانع لشموله مثل (وقفت وحبست على فلان أو أعمرته) لدلالة ذلك على التأبيد مدة الحياة.
الثاني: ما ذكره المصنف من أن الصيغة لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة صحيح كما بيناه، واعترضه ابن عبد السلام بما حاصله أنه لا يشترط دلالة الصيغة على التأبيد بل ألا تدل على التوقيت، وذكر أن ذلك هو الذي يؤخذ من كلام أهل المذهب.
وذلك أعم من كونها دلالة على التأبيد، وفيه نظر لأن عبد الوهاب صرح في الإشراف بما ذكرالمصنف وكذلك غيره، والله أعلم.
وَمِنَ الزَّوْجِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ
قوله: (مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ) أي: دون صيغة معينة.
ابن عبد السلام: وكذلك الإشارة.
خليل: ولا أعلم نصاً في الإشارة، والظاهر أنها لا تكفي من جهة الزوج، أما أولاً: فلأن النكاح لابد فيه من الشهادة، ولا يمكن إلا مع التصريح من الولي والزوج ليقع الإشهاد عليهما.
وأما ثانياً: فلأن قول المصنف (وَمِنَ الزَّوْجِ) معطوف على مقدر تقديره: الصيغة من جانب الولي كذا، ومن جهة الزوج كذا.
فكان قوله: (وَمِنَ الزَّوْجِ) خبر عن (الصِّيغَةُ) فلا يصدق على الإشارة.
وعلى هذا فالظاهر أن مراده بقوله: (مَا يَدُلُّ) كل لفظ، ولا يشترط فيه تعيين كما في صيغة الإيجاب، فإن قيل: المصنف قد يجعل الإشارة من الصيغة كقوله في باب الوصايا: الصيغة كل لفظ أو إشارة يفهم منها قصد الوصية، قيل: هذا مجاز، والأصل عدمه.
ابن شاس: ويكفي أن يقول الزوج قبلت، إذا تقدم من الولي الإيجاب، ولا يشترط أن يقول قبل نكاحها.
فَلَوْ قَالَ: زَوِّجْنِي؛ فَقَالَ: فَعَلْتُ لَزِمَ، وَلَوْ قَالَ: لا أرْضَى؛ لَمْ يَنْفَعْهُ بِخِلافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ .....
يعني: أنه ينعقد بالاستيجاب كما ينعقد بالإيجاب، وهكذا قال صاحب الجواهر؛ لأن قوله: (زَوِّجْنِي) طلب للتزويج، وهو يقتضي رضاه بالتزويج، وقول الولي: (فَعَلْتُ) يقوم مقام الإيجاب، وهو قوله: زوجتك.
ويؤخذ من كلام ابن عبد السلام أنه فهم من قوله (لا أرْضَى) أن الزوج إن شاء ما يقتضي الرضا بعد قول الولي (فَعَلْتُ) وليس بظاهر؛ لأنا قد بينا أن قول الزوج: (زَوِّجْنِي) يقوم مقام الرضا، وستأتي مسألة البيع التي أشار إليها المصنف في بابها إن شاء الله تعالى.
والفرق بين النكاح والبيع من وجهين: أحدهما: أن هزل النكاح جد على المشهور.
والثاني: أن العادة جارية بمساومة السلع وإيقافها للبيع في الأسواق، فناسب ألا يلزمه ذلك في البيع إذا حلف لاحتمال أن يكون قصد معرفة الأثمان، ولا كذلك النكاح، والله أعلم.
وَالْخطْبَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَمَا قَلََّ أَفْضَلُ
ابن راشد: الخطبة بضم الخاء واحدة الخطب، وأما بكسرها فهي عبارة عن استدعاء النكاح وما يجري من المحاورة وهي مشروعة في العقد.
وما قل منها أفضل.
قال بعض الأكابر: أقلها أن يقول الولي: الحمد لله والصلاة على رسوله والسلام، زوجتك على كذا.
ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسوله والسلام، قبلت نكاحها.
وفي الذخيرة: قال صاحب المنتقى: تستحب الخطبة بالضم عند الخطبة بالكسر وصفتها أن يحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلي على نبيه عليه الصلاة والسلام ثم يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ([آل عمران: 102] (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ([النساء: 1]، (اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ([الأحزاب: 70].
ثم يقول: أما بعد، فإن فلانا قد رغب فيكم وانطوى إليكم، وفرض لكم من الصداق كذا، وفي الجواهر: تستحب عند العقد.
انتهى.
أو إنما استحب ذلك لما رواه الترمذي وغيره من قوله عليه الصلاة والسلام: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بحمد الله فهو أجذم".
أي: ناقص.
وتقليلها أفضل لأن كثرتها من التشدق المنهي عنه لاسيما إن صحب ذلك فخر ومدح للمتزوجين وآبائهما بما ليس فيهم.
الْوَلِيُّ الْمَالِكُ، ثُمَّ الابْنُ وإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الأَبُ، ورُوِيَ: الأَبُ، ثُمَّ الابْنُ، ثُمَّ الأَخُ، ثَمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ.
قَالَ الْمُغِيرَةُ: الْجَدُّ أَوْلَى مِنَ الأَخِ وابْنِهِ.
ثُمَّ الْعَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الإِرْثِ .....
هذا هو الركن الثاني، وخالفنا في ذلك أبو حنيفة، فلم ير الولي ركناً، ودليلنا ما رواه الدارقطني وصححه من حيث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
وقدم المصنف (الْمَالِكُ) لأنه أقوى الأولياء، إذ هو يجبر الكبيرة والصغيرة والذكر.
(ثُمَّ الابْنُ) لأنه أقوى العصبة، ورأى في الرواية الأخرى أن في الأب زيادة [278/ أ] وشفقة.
وابن الابن كالابن في عدمه، فالخلاف في الأخ مبني على هذا الخلاف.
فعلى المشهور يقدم الأخ وابنه على الجد لإدلائهما بالبنوة، وعلى الرواية الأخرى يقدم الجد على الأخ.
وروي عن مالك أن للأخ أن يزوج المرأة الثيب مع وجود الأب.
اللخمي: وهو قول مرغوب عنه.
والمعروف من قول مالك أنه إذا عقد الأخ مضى لا أن له ذلك ابتداء.
قوله: (عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الإِرْثِ) الضمير عائد على الجد والعم وابنه لا على كل من تقدم؛ فإن الجد في باب الميراث أولى من ابن الأخ؛ قاله ابن عبد السلام.
وَفِي تَقْدِيمِ الشَّقِيقِ مِنَ الأَخِ والْعَمِّ وابْنِهِ عَلَى الآخَرِ رِوَايَتَانِ لابْنِ الْقَاسِمِ والْمُدَوَنَّةِ
الروايتان إنما هما منصوصان في الأخ.
ففي اللخمي: اختلف في الأخوين أحدهما شقيق والآخر لأب، ففي الكتاب من رواية علي: هما سواء.
قال مالك وابن القاسم وغيرهما في الواضحة: الشقيق أولى.
ويجري الجواب في أبنائهما وفي العمين أحدهما شقيق والآخر لأب وفي أبنائهما على نحو ذلك، وتقديم الشقيق أحسن.
انتهى.
وكذلك اختار ابن القاسم وسحنون وغيرهما من أصحاب مالك المصريين والمدنيين هذه الرواية قياساً على الإرث والولاء والصلاة عليها، بل جزم سحنون بعدم صحة مقابلها.
والأحسن لو قال: وابنيهما، لكن حذف في الأول ما أثبته في الثاني كأحد الوجهين في قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ([التوبة: 62].
فإن قيل: ليس ما نسبه إلى المدونة صريحاً فيها لاحتمال أن يكون مراده فيها بعد الوقوع، ونصها: قال علي عن مالك في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثم أخوها لأبيها وأمها: إن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، ولا تنكح حينئذ إلا برضاه فقوله في الأخ يزوج أخته يحتمل بعد الوقوع والنزول، ويرجحه قوله بعد ذلك أن النكاح جائز، وأيضاً فإن ما قبل هذا الكلام وبعده في المدونة إنما هو في الأبعد يزوج مع وجود الأقرب، فجوابه أن غاية ما ذكرته أن اللفظ محتمل، لكن قوله: إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق فلا تنكح حينئذ إلا برضاه.
ظاهر أو صريح في أن كلامه في امرأة لم تنكح، ويكفي في رد هذا أن فهم سحنون واللخمي وغيرهما من الأشياخ خلافه.
ثُمَّ الْمَوْلَى الأَعْلَى لا الأَسْفَلُ عَلَى الأَصَحِّ
أي: بعد عصبة النسب تنتقل الولاية إلى المولى الأعلى وهو من له العتاقة.
ابن عبد السلام: وادعاء المصنف أن المولى الأسفل لا ولاية له ليس بصحيح؛ لأن جميع شراح المدونة فسروا جميع ما وقع لمالك في النكاح الأول منها بأن المولى الأسفل أحد الأولياء، ولم يذهب أحد منهم إلى نفي الولاية عنه.
خليل: وقد يقال ليس في المدونة نص على ولايته، وقد قال ابن الجلاب: ولا ولاية للأسفل على الأعلى.
والقاعدة عند الشيوخ أن كل ما أطلق في الجلاب ولم يعزه لنفسه ولا لغيره فهو لمالك، وكلام مالك أولى من كلام غيره.
وفي الكافي: ولا ولية للأسفل على الأعلى.
وقد قيل: إن للمولى الأسفل مدخلاً في الولاية، وليس بشيء.
ونقله ابن شاس، ونقل ذلك ابن زرقون عن الموازية أنه لا ولاية للأسفل على الأعلى وأيضاً فعدم ولاية الأسفل على الأعلى هو القياس؛ لأن الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب.
ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَةُ مُعْتَقِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ
أي: فإن فقد المولى الأعلى انتقلت الولاية إلى عصبته ثم إلى معتق المعتق، ثم إلى عصبته على ما تقدم في ترتيب العصبات وهو ظاهر.
وليس للأخ للأم ولا الجد للأم ولا لذوي الأرحام ولاية عندنا إلا من باب ولاية الإسلام.
ابن وهب: وقاله مالك، وقال علي بن زياد عن مالك: إذا زوج الأخ للأم مضى النكاح، وحكى ابن عبد الغفور في وثائقه.
فَالْمَالِكُ يُجْبِرُ الأَمَةَ والْعَبْدَ، ولا يُجْبَرُ هُوَ لَهُمَا
لما ذكر الأولياء ومراتبهم تكلم على من له الجبر، ولا خلاف عندنا أن السيد يجبر الأمة والعبد بشرط عدم الضرر، ففي العتبية والموازية لمالك: ليس له أن يزوج الجارية الرفيعة من عبد له وغد، وقد قال مالك: وليس ينظر إلى الوغد في المنظر، فرب وغد في المنظر تكون له الخبرة والحال.
قوله: (لا يُجْبَرُ هُوَ لَهُمَا) أي إذا طلبا الزواج وأبى هو ذلك فلا يجبر لأنه يتضرر بالتزويج، قال مالك في الموازية: وإن تبين أن العبد والمكاتب محتاجان إلى النكاح وأن السيد ضار بهما فلا يقضي على السيد بنكاحهما.
عبد الحميد: واختلف في هذه المسألة، فكان بعض الشيوخ يقول: الصواب عندي أن القول قول العبد لاشتداد الضرر به؛ إذ ذاك ضرر في الدين.
وكان بعض المذاكرين يقول: انظر إلى ما قاله ابن خويزمنداد إذا كانت له القدرة له على التسري، وله حاجة إلى النكاح يخاف معها العنت أنه يجب عليه، وإذا كان واجباً عليه فالعبد يشاركه فيها، ولأن بعض أصحابنا أوجبه للأب على ابنه.
انتهى.
والظاهر أنه يؤمر بالتزويج أو البيع لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار".
وَتُوكِلُ الْمَالِكَةُ فِي أَمَتِهَا وَلِيَّهَا أَوْ غَيْرَهُ
وهذا كقوله في الكافي: وإذا أرادت المرأة إنكاح أمتها استخلفت رجلاً يزوجها بإذنها
وَيُوَكِّلُ الْمُكَاتِبُ فِي أَمَتِهِ [278/ ب] وإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ بِشَرْطِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ
هذا كقوله في المدونة: وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل وإن كره سيده، ولكن يلي العقد غيره بأمره ولا يجوز على غير ابتغاء الفضل إذا رده السيد، وإنما جاز ذلك للمكاتب لأنه أحرز نفسه وماله.
وَالْوَصِيُّ يُزَوِّجُ رَقِيقَ الْمُوصَى عَلَيْهِ بِالْمَصْلَحَةِ
هذا ظاهر التصور، وقال هنا: (بِالْمَصْلَحَةِ) لأن المطلوب مصلحة المحجور عليه، وقد تكون بغير المال.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لا يُجْبَرُ ولَكِنَّهُ كَمَالِكِ الْجَمِيعِ فِي الْوِلايَةِ والرَّدِّ
لأن بعض الحر لا تصرف له فيه.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك.
(ولَكِنَّهُ كَمَالِكِ الْجَمِيعِ) أي: ولكن مالك البعض كمالك الجميع في الولاية على الأمة، وفي رد نكاح العبد أو الأمة إن تزوجا بغير إذن السيد.
وَمَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ: ثَالِثُهَا: يُجْبَرُ الذُّكُورُ.
ورَابعُها: يُجْبَرُ مِنْ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهِ
سبب الخلاف النظر إلى تغليب شائبة الحرية: فيمتنع الجبر، أو حكم الرق؛ فيصح والقولان بالجبر وعدمه لمالك.
وفرق في الثالث لأن الذكر قادر على الحل عن نفسه بالطلاق، وهذا القول حكاه ابن بشير.
وعلى الرابع: لا يجبر المكاتب والمكاتبة، وأم الولد والمدبر إذا مرض السيد، والمعتق إلى أجل إذا قرب الأجل.
وذكر ابن بشير عن بعض أشياخه أنه أنكر على اللخمي وجود الرابع، قال: وإنما الذي أرى في هذه الرواية أنه لا يجبر المكاتب لأنه لا يقدر على انتزاع ماله.
فأخذ اللخمي إطلاقاً كلياً، وهو غير صحيح لأنه قد يعلل في الرواية بعلة، فإذا وقف على صورة ليست تلك العلة فيها فقد يجيب فيها معتمداً على مراعاة أخرى، فاعتقد أن انتفاء العلة المعينة توجب انتفاء المعلول مطلقاً، وذلك غير لازم في العلل الشرعية؛ لأنها قد تجتمع على المعلول الواحد علل، فإذا انتفت واحدة منها بقي الحكم مستنداً إلى غيرها.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن حاصله الشهادة على نفي كيف، وقد نقله ابن يونس ولفظ محمد: من له انتزاع ماله فله أن يكرهها ما لم يكن يطلب بذلك ضررها، وهكذا نقله في تهذيب الطالب.
وَالأَبُ يَجْبُرُ الصَّغِيرَةَ
ظاهره ثيباً كانت أو بكراً، ولا خلاف في البكر، وأما الثيب الصغيرة ففيها ثلاثة أقوال: قال سحنون: يجبرها؛ لأن الثيوبة في حال الصغر كالعدم.
قال أبو تمام: لا يجبرها؛
لأن علة الجبر البكارة وقد زالت.
وقال ابن القاسم وأشهب: يجبرها إن كان زوجها قبل البلوغ ولا يجبرها بعده؛ لأنها صارت ثيباً بالغاً.
اللخمي: وهو أحسن.
واستصوبه غيره، وإنما قلنا ظاهر كلامه وإن كانت ثيباً لقوله بعد ذلك: (وفي الثيب تبلغ بعد الطلاق قولان) فمفهومه أنها إذا لم تبلغ تجبر، ولأنه لو لم يحمل كلامه هنا على العموم لزم أن يكون أسقط الكلام على الصغيرة الثيب.
وَالْبِكْرَ الْبَالِغَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا.
وقِيلَ: يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا
أي: ويجبر البكر البالغ.
اللخمي: واختلف في البكر البالغ غير المعنسة، ففي الكتاب: له أن يجبرها، وفي الموازية: وإن شاورها فحسن.
وهو أحوط ليخرج من الخلاف، فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لا يجبرها، ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "والبكر يستأذنها أبوها" أخرجه مسلم.
وقال ابن بشير: حكى اللخمي في استحباب استئذانها قولين، والظاهر أن المذهب على قول واحد في الاستحباب للخروج من الخلاف.
خليل: وفيه نظر؛ لأن حاصله شهادة على نفي.
وقد نقل الباجي عن ابن القاسم أنه أنكر أن يستأمرها الأب، لكن في كلام اللخمي نظر من وجه آخر لأنه نسب القول بعدم الاستحباب للمدونة، وهي لا يؤخذ منها ذلك لأن الذي فيها: ليست المشورة بلازمة، وذلك لا ينافي الاستحباب، والاستحباب أولى، وهو الذي اقتصر عليه ابن الجلاب للخروج من الخلاف، ولتطييب قلبها، ولأنها قد يكون بها عيب فتظهر حينئذ.
ابن عبد السلام: ووقع في بعض الفتاوي المنسوبة للسيوري أن الأب لا يجبرها، واستدل القائل بعدم الجبر بما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها".
وجوابه أن المراد بالبكر اليتيمة، لما خرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز لها".
قال في الاستذكار في تعليل الجبر: ولأنه لا يتهم عليها، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها".
فدل على أن ذات الأب تنكح بغير إذنها.
انتهى.
فإن قيل: فقد روي في بعض الطرق: "والبكر يستأذنها أبوها" قيل: قال أبو داود لما ذكر الحديث: "أبوها" ليس بمحفوظ.
وقال الباجي فيه: صوابه كما رواه مالك وتابعه عليه سفيان: "والبكر تستأذن في نفسها" وقد روي "والبكر تستأمر" وروايته أثبت ممن روى "يستأذنها أبوها"، ويجوز أن يحمل استئذان الأب إن صحت الرواية على الاستئذان المندوب وفي الموطأ أن القاسم وسالماً كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن.
مالك: وعلى ذلك الأمر عننا.
وهذا دليل على عدم استحباب [279/ أ] المشاورة.
تنبيه: الجبر مقيد بما إذا لم يكن ضرر، فإن كان ضرر فلا يلزمها وله أن يزوجها من الضرير، والقبيح، ومن هو أدنى منها حالاً وأقل مالاً، وإن زوجها من مجبوب أو خصي، أو عنين، فقال ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ: ذلك يلزمها إن كان على وجه النظر علمت به أو لم تعلم.
الباجي: ورأيت لسحنون أنه لا يلزمها في الخصي، والأظهر عندي في العنين والخصي والمجبوب وما كان للمرأة أن تفسخ النكاح به من العيوب فليس للأب إلزامها ذلك.
وكذلك اختاره اللخمي، أما إن زوجها الأب من مجنون يخاف عليها منه، أو أبرص متسلخ أو مجذوم متقطع، قد منع من الكلام وتغيرت رائحته فلا يلزمها اتفاقاً.
سحنون: وإن كانت مجنونة وأراد الأب أن يزوجها مجنوناً أو مجذوماً، وقال: أغتفر عيبها لعيبه لم يكن له ذلك لأنها قد تفيق، وللأب تزويجها بربع دينار ولو كان صداق مثلها ألفاً، ولا كلام لها ولا لغيرها، رواه ابن حبيب عن مالك، قال في المدونة: ولا يجوز للسلطان
ولا للوصي ولا لأحد من الأولياء أن يزوجها بأقل من صداق مثلها، وينبغي للولي أن يختار لوليته زوجاً سالماً، وإلى ذلك أشار اللخمي، وقد كره عمر رضي الله تعالى عنه أن يزوج وليته من الرجل القبيح.
وَالْمَجْنُونَةُ والثَّيِّبُ بِعَاِرِضٍ كَالْبِكْرِ
يجوز في (الْمَجْنُونَةُ) النصب بالعطف على (الصَّغِيرَةَ) أي: ويجبر المجنونة وإن كانت كبيرة، ويجوز فيها الرفع على الابتداء.
وينبغي أن يلحق بالأب القاضي، وهذا إن كانت لا تفيق، وأما إن كانت تفيق أحياناً فتنتظر إفاقتها.
وقوله: (بِعَاِرِضٍ) أي زالت بكارتها بغير جماع كوثبة أو عود، فلا خلاف فيما ذكره المصنف.
وَفِي الثَّيِّبِ بِحَرَامٍ قَوْلانِ
إنما عدل عن عبارة أكثر المؤلفين وهي الثيب بالزنا؛ ليدخل في كلامه المغتصبة فإنها مساوية للزانية في هذا الحكم، صرح بذلك صاحب المقدمات واللخمي وغيرهما.
والقول بالجبر مذهب المدونة، والقول بعدمه في الجلاب.
واختلف في تعليل جبرها مع زوال البكارة، فقيل: لأن ذلك لا يزيدها إلا حياءً؛ ولهذا قال عبد الوهاب: ألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزني بها الحياء، فإذا تكرر منها الزنا ارتفع حياؤها، فيرتفع الجبر، فالتزمت ذلك, وقيل: لأنها لما قصدت بالزنا زوال الإجبار عوقبت بنقيض مقصودها.
ورد هذا ابن محرز باتفاق المذهب على ارتفاع الجبر في حق من زوجت نفسها قاصدة لذلك.
وهل قول القاضي تفسير للمدونة، وهو الأظهر، أو خلاف؟ في ذلك للشيوخ مذهبان: قال في المقدمات: واختلف إذا زنت أو غصبت، فقيل: حكمها حكم البكر في جميع أحوالها.
وقيل: حكم
الثيب في جميع أحوالها.
وقيل: حكمها حكم الثيب في أنه لا تزوج إلا برضاها، وحكم البكر في أن إذنها صماتها.
وَالثَّيِّبُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ مِثلُهَا بِالصَّحِيحِ
أي: فلا تجبر لأنها لا حياء يلحقها في ذلك كالزانية، ولأن لواحق النكاح الصحيح ثبتت في هذا من لحوق الولد، ودرء الحد، والاعتداد في بيتها فوجب أن تساويها في عدم الجبر.
وَفِي الْعَانِسِ قَوْلانِ، وَهِيَ الْمُبَاشِرَةُ الْعَارِفَةُ بِالْمَصَالِحِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وسِنُّهَا أَرْبَعُونَ.
وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ثَلاثُونَ ....
القولان لمالك، وروى عنه محمد: يجبرها.
قال في المتيطية: وبها القضاء وعليها العمل.
وروى ابن وهب عنه أنه لا يجبرها.
قوله: (وَهِيَ) تفسير للمعنسة، وهو واضح، ومنشأ الخلاف هل العلة في الجبر البكارة وهي موجودة؟ أو الجهل بالمصالح وهذه عالمة بها؟
قال في المقدمات: وعلى الجبر؛ فللأب أن يرضى بأقل من صداق المثل، وعلى عدمه فالرضى بقليل الصداق وكثيره إليها دونه كالمرشدة.
ابن راشد: وفي معنى المعنسة البكر المرشدة.
المتيطي وغيره: والمشهور أن المرشدة لا تجبر.
وصوب أبو عمر بن عبد البر القول بجبرها نظراً للبكارة، وعلى المشهور فهل يكون إذنها صماتها أو نطقاً؟ فالمشهور من القول، وهو قول ابن الهندي، وابن العطار، والباجي: لا بد من اللفظ.
وقال ابن لبابة: الصمات فيها يجزئ.
وفرق جماعة من الشيوخ، فقالوا: إن كان صداقها أو بعضه عرضاً كلفت الكلام، وإن كان عيناً اكتفي بالصمت.
بعض الموثقين: هذه المسألة اجتمع فيها وجهان: من نظر إلى البكارة اكتفى بالصمت، ومن نظر إلى أن الرضا بالصداق لها، قال: لابد من الكلام.
ورأى في الثالث أن الصداق إذا كان عرضاً أنه لابد من نطقها لأنها بائعة مشترية، والشراء لا يلزم بالصمت.
ابن سهل: ولا وجه لهذه التفرقة.
واختلف في حد التعنيس على سبعة أقوال:
القولان اللذان ذكرهما المصنف.
وقيل: ثلاثة وثلاثون.
وقيل: خمسة وثلاثون وقيل: خمسة وأربعون.
وقيل: خمسون.
وقيل: من الخمسين إلى الستين.
هذا إذا كانت العانس ذات أب، ولا حاجة إلى [279/ ب] ذكر حد التعنيس بالنسبة إلى المهملة هنا، فإن الكلام هنا في الجبر وهو خاص بالآباء، وأنت تعلم أن وجود دليل شرعي على مثل هذا التحديد متعذر.
وَفِي مَنْ طَالَتْ إِقَامَتُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ قَوْلانِ، وَفِي تَحْدِيدِهِ بِسَنَةٍ أَوْ بِالْعُرْفِ قَوْلانِ ....
القول بعدم الجبر مذهب المدونة، ففيها: ومن زوج ابنته فدخل بها الزوج ثم فارقها قبل أن يمسها لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر إن طالت إقامته معه وشهدت مشاهدة النساء، وأرى السنة طولاً؛ فأسقط المصنف قوله مشاهد النساء، ولا بد منه، وإلى ذلك أشار صاحب التنبيهات.
وقيل: معنى قوله مشاهد النساء؛ أي: بالحيض والحمل.
خليل: وفيه نظر؛ لأنها إذا حملت تخرج عن فرض المسألة.
والظاهر أنه أراد الجلوس معهن والتحدث والاجتماع في نحو الولائم.
والقول بالجبر لابن عبد الحكم نظراً إلى البكارة، ورأى في المشهور أنها عرفت مصالح نفسها.
والمشهور تحديد المدة بالسنة؛ لأن المرأة لا تعرف الأحوال إلا بجميعها لاختلاف المآكل والملابس وأحوال القوم في السنة.
والقول بالرجوع في ذلك إلى العرف رواية ذكرها
عبد الوهاب، وهي الأصل، فإن لم يطل مكثها معه كشهر أو شهرين فالمشهور من المذهب أن للأب إجبارها.
وحكى الأبهري قولاً آخر بعدم الجبر.
وأما إن قامت معه ستة أشهر ثم طلقت وقالت: ما جامعني؛ فاستحب في العتبية مؤامرتها؛ فإن لم يفعل وزوجها مضى النكاح.
فرع مرتب:
إذا قلنا بالإجبار مطلقاً أو مع عدم الطول فلابد من إقرارها بذلك قبل العقد، ولا يصدق الأب لئلا يؤدي إلى إنكاح الأب الثيب بغير أمرها، ولا يسمع في ذلك قول الزوج أنه وطئ.
ابن سعدون: ولو أكذبها الأب وهي فقيرة، والأب موسر لكان القول قولها لأنه لا يعلم إلا من جهتها.
انتهى.
وكذلك نقل صاحب المتيطية عن بعض الموثقين.
وقال في البيان بعد قوله: إن زوجها بعد أن قامت ستة أشهر بغير استثمار مضى النكاح: هذا إذا أقرت بذلك على نفسها قبل أن يزوجها أو بقرب تزويجها، وأما إن زوجها وهي غائبة غيبة بعيدة أو حاضرة ولم تعلم حتى طال الأمر فإنها تتهم على إمضاء النكاح بإقرارها على نفسها أن زوجها الذي دخل بها لم يصبها.
فجعل الإقرار بقرب العقد بمنزلة الإقرار قبله، وهو خلاف الكلام الأول.
وفي اللخمي: إذا طلقت بالقرب وادعت البكارة وخالفها الأب كان القول قوله ولا تلزمه نفقتها.
وَفِي الثَّيِّبِ تَبْلُغُ بَعْدَ الطَّلاق قَوْلانِ
تقدم الكلام على هذا الفرع.
فرع: ولا يجبر الأب الثيب السفيهة على المعروف، وحكى المتيطي قولاً بأنه يجبرها.
وَوَصِىِّ الأَبِ وَوَصِيِّهِ بِالإِنْكَاحِ كَالأَبِ وقيل: إلا فِي الإِجْبَارِ، وقَيلَ: إِلا أَنْ يُفْهَمَ الإِجْبَارُ، وَقِيلَ: إِلا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ.
وَقِيلَ: هُوَ وَالْوَلِيُّ سَوَاءُ، وَقِيلَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: كَالأَجْنَبِيِّ ....
أي: ووصى الأب.
ووصي الوصي؛ يريد: وإن بعد بالنكاح كالأب، فحذف بالنكاح من الأول لدلالة الثاني عليه.
قوله: (كَالأَبِ) أي: فيجبر.
وهذا القول ذكر اللخمي أنه المعروف، فقال: الإجباريختص بالآباء وبمن أقامه الأب في حياته أو بعد وفاته إذا عين الأب الزوج.
واختلف إذا لم يعينه الأب، وجعل ذلك إلى اجتهاد من أقامه؛ فقيل: للمقام إجبارها وينكحها ممن يراه أحسن لها قبل البلوغ وبعده.
وهذا هو المعروف من قول مالك.
قوله: (وقيل: إلا فِي الإِجْبَارِ) هذا القول هو الذي يؤخذ من المدونة، ففيها: وللوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كره الولي، ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدوا له لم يجز إلا برضا الوصي، وإن اختلفوا نظر السلطان.
وقال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي، ويشاور الولي.
قوله: (وقَيلَ: إِلا أَنْ يُفْهَمَ الإِجْبَارُ) أي: فيكون له الإجبار، ومقتضاه أن الأول يقول بالجبر وإن لم يفهم الإجبار.
واعترضه ابن عبد السلام وقال: كل من يرى له الجبر لا يقوله إلا إذا نص على الجبر أو على ما يستلزم الجبر.
وعلى هذا فينتفي الأول.
ومقتضى الرسالة أنه لا يزوجها إلا أن ينص له الأب على ذلك؛ لقوله: وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها، وقال قبل ذلك: وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها.
قوله: (وَقِيلَ: إِلا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ) ابن راشد: هو المشهور.
وفهم المدونة عليه، وما قلناه من حمل المدونة على القول الثاني في كلام المصنف أولى؛ لأنا لو حملناها على هذا لزم أنه إذا
زوج الولي معه أن يمضي؛ لأن الذي يفهم من الأولوية أن يكونا كوليين أحدهما أقرب والآخر أبعد، فكان يمضي نكاح الولي مع الوصي، وليس كذلك.
عياض: وظاهر قوله في المدونة: ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدوا له لم يجز [280/ أ] إلا برضا الوصي؛ أن للوصي رده، وكذلك نص في الموازية.
وهل هذا حق للوصي وأنه لا ولاية للولي معه فيها كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلته فينقضه على كل حال، أو حماية للأوصياء لئلا يفتات عليهم ويتسع الأمر فيؤدي إلى إسقاط ما بأيديهم؟ وقال الشيخ أبو إسحاق: ظاهره أنه إن أجازه الوصي جاز.
ونحا بعض الشيوخ إلى أنه إن كان نظراً منع الوصي من فسخه.
وجعل ابن عبد السلام ظاهر المدونة وما نص عليه في الموازية مفرعاً على القول الذي قدمه المصنف، وقال: الأول هو المشهور وعليه فرعوا.
وفيه نظر.
قوله: (وَقِيلَ: هُوَ وَالْوَلِيُّ سَوَاءُ) ابن راشد: لم أقف على هذا القول.
قوله: (وَقِيلَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى) هذا القول حكاه سحنون في السليمانية عن غير ابن القاسم من الأصحاب.
قوله: (وَقِيلَ: كَالأَجْنَبِيِّ) أي: فلا ولاية له.
وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم.
وحكى ابن مغيث في وثائقه عن العتبي أنه ليس للوصي من الإنكاح شيء إذا كان لها ولي.
وكان القاضي ابن السليم يلزم الوصي بأن يأمر الولي بالتزويج ليخرج من الخلاف؛ فإن قلت: يرد على المصنف سؤالان:
الأول: ليس في كلام المصنف تعرض للوصي المطلق لكونه قيده بالنكاح.
وقد نص في المدونة على أن له أن يزوج.
الثاني: مقتضى كلامه أنه إذا أوصاه على ضيعته أو تفرقة ثلثه أنه لا يجوز له أن يزوج.
وقال في المدونة في الوصي على الضيعة وتفرقة الثلث: إذا زوج رجوت أن يمضي.
فالجواب عن الأول: لا نسلم أنه إذا أوصى له وصية مطلقة أنه لم يوص له بالنكاح؛ لأن الإيصاء بالنكاح داخل في الإطلاق، فكلام المصنف شامل لهذه الصورة.
وعن الثاني: أنه في المدونة إنما تكلم بعد الوقوف لا في الجواز ابتداء.
لكن نص أشهب في ديوانه وحكاه عنه فضل أنه إذا أوصاه على ماله أنه يزوج بذلك بناته ما لم يقل: وليس إليه من بناتي شيء.
وقال في البيان: والقياس ما قاله ابن حبيب؛ لأنه قال: إذا قال: فلان وصي على مالي؛ فليس بوصي على الولد في تزويجهم، وإنما يكون وصياً في التزويج إذا قال: فلان وصيي، ولم يزد.
أو قال: على بضع بناتي.
تنبيهان: الأول: مقتضى كلام اللخمي أنه إذا عين الميت الزوج كان له أن يزوجها من غير خلاف، وقد صرح الركراكي بذلك.
اللخمي: وفي كتب ابن أشرس عن مالك أنه إذا عين الأب للوصي ولم يجعل التزويج بقرب موته أنه لا يجبر.
وقال: إذا قال الأب: إذا بلغت ابنتي فزوجها من فلا،، لم يجز ذلك إذا بلغت فكرهت.
الثاني: قال في المدونة بإثر الكلام المتقدم: ويزوج الولي الثيب برضاها وإن كره الوصي، وإن زوجها الوصي أيضاً برضاها جاز وإن كره الولي.
وليس كالأجنبي فيها، وليس لأحد أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصي إلا الأب وحده.
عياض: وذهب بعض المشايخ إلى أن هذه الثيب التي يجوز عليها عقد الولي دون الوصي إنما هي الرشيدة وأما المحجورة فكالبكر إلا أن رضاها بالقول دون الصمت.
وقد وقع هذا أيضاً نصاً لأصبغ في كتاب فضل، وابن مزين، ويحيى بن إسحاق قال: الأولياء في الثيب غير المولى عليها أولى بالبضع من الوصي، غير أنه إذا زوجها الوصي برضاها جاز ذلك على الأولياء- وإن كرهوا- وليس الوصي في ذلك كالأجنبي، وهو
ظاهر ما في النكاح الثاني والوصايا، ويعضده تشبيهه إياها بمسألة: إذا أنكح الأخ أخته الثيب بحضرة الأب وأجاز ذلك.
وقوله: ما للأب ولها واحتجاجه بها على هذه المسألة.
وجعل فضل هذا خلافاً لما في الواضحة من أن الوصي يقوم مقام الأب، وأنه أولى بعقد إنكاحها من الإخوة والأعمام والعصبة والسلطان، وأنه أولى بإنكاح مولاة الموصي من ولد وغيره، وكذلك كل من كانت ولاية تزويجه إلىلموصي من البنات والأخوات والقرابات أبكاراً كن أو ثيبات فإنه يتنزل الوصي منزلته، وكلامه هذا بين في أنه أولى بإنكاح الجائزات الأمر لذكره الموالي والأخوات والقرابات وكل من كان للموصي إنكاحه.
وذكر أنه قول مالك وأصحابه والأخوات والقرابات وكل من كان للموصي إنكاحه.
وذكر أنه قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين.
وقال سحنون: ليس الوصي بولي للثيب الرشيدة.
قال شيخنا أبو الوليد: هذا إذا قال الموصي فلان وصيي ولم يزد؛ يعني ولو قال: على إنكاح بناتي لكان أولى على كل حال.
انتهى.
وهل يزوج الوصي كل من كان الموصي يزوجه؟ قال في البيان: إذا قال: فلان وصيي ولم يزد ففي تزويجه من لا ولاية له عليهن من قرابة الموصي ومولياته، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له أن يزوجهن وهو أولى بذلك من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم وابن حبيب.
والثاني: مثله إلا أن الأولياء أحق بذلك منه، وهو قول أصبغ.
الثالث: أنه ليس له أن يزوج التي لا ولاية له عليها، وهو قول سحنون.
وأما وصي المولى عليه باسمه من رجل أو امرأة فلا تتعدى ولا يته إلى غيره ممن إلى نظره، ولا يزوج أحداً من قرابة الموصي كان محجوره حياً أو ميتاً إذ لا ولاية له على واحدة منهن، ولا اختلاف في هذا [280/ب] غير أن ابن الهندي قال: إن زوج واحدة منهن مضى وهو بعيد، وأما لو قال: فلان وصيي على بضع بناتي لكان ولياً لجميع بناته في النكاح وإن كن
مالكات أمور أنفسهن، وإن رشدت محجورته فإنه يزوجها كما كان أبوها يزوجها وهي مالكة أمر نفسها.
انتهى.
فرع: قال في المتيطية: اختلف في وصي القاضي؛ فقال ابن حبيب: ولي النسب مقدم عليه؛ لأن ولي النسب مقدم على القاضي، فيكون مقدماً على مقدمه من باب أولى.
وقال ابن حارث وإسحاق بن إبراهيم وابن السليم: وصي القاضي مقدم على ولي النسب؛ لأن القاضي لما قدم وصياً صار كالحكم والنظر فيما أغفله الأب من التقديم عليها فينزل منزلة وصي الأب.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِذَا قَالَ فِي مَرَضِهِ إِذَا مِتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي مِنْ فُلانٍ فَمُجْمَعُ عَلَى إِجَازَتِهِ وهُوَ مِنْ وصَايَا الْمُسْلِمينَ ....
قيد سحنون هذه المسألة بأن يقبل الزوج النكاح بقرب الموت.
وقال يحيى بن عمر: سواء طال الأمر أو لم يطل.
قال صاحب البيان: وهو ظاهر ما في العتبية.
ونص ابن بشير على أن مذهب المدونة الصحة ولو حصل القبول بعد الطول، وأن قول سحنون خلاف.
وأشار في البيان إلى تخريج هذه المسألة على ما إذا زوجها بغير إذنها، ثم بلغها فرضيت فإنه يتخرج في هذه الثلاثة الأقوال المذكورة في النكاح الموقوف.
اللخمي وغيره: أما إذا مت فزوجوا ابنتي من فلان فهاهنا يجوز سواء رضيه فلان بالقرب أو لا؛ لأن النكاح في الأولى من الميت.
ولولا الإجماع الذي نقله أصبغ، وإلا فالقياس المنع لأن المرض قد يطول فيتأخر القبول عن الإيجاب بالسنة ونحوها، وكأنهم لاحظوا أن المريض مضطر إلى ذلك، وكذلك اختلف في الصحيح.
وإلى ذلك أشار بقوله:
وَفِي الصِّحَّةِ قَوْلانِ
المنع لابن القاسم، وأصبغ، وابن المواز، والإجازة لأشهب بناء على أنه نكاح مؤقت ولا ضرورة، أو هو جار مجرى الوصية؟
أصبغ: وإن في المرض لمغمز ولكن أهل العلم أجمعوا على إجازته.
صاحب البيان: وقول ابن القاسم أصوب لأنه إذا كان في الصحة فكأنه إلى أجل، ولعل ذلك يطول كالذي يقول إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان.
وقول أشهب عندي أحسن لأنه إذا حمله على الوصية فلا فرق بين الصحة والمرض في ذلك.
انتهى.
فرع: واختلف فيمن قال إن فعلت كذا فقد زوجتك ابنتي؛ فلمالك في العتبية في القائل: إن أتيتني بخمسين ديناراً فقد زوجتك ابنتي: لا يعجبني هذا النكاح ولا تزويج له.
ولأشهب في الموازية في الذي يقول للخاطب: إن فارقتك امرأتك فقد زوجت ابنتي، أن النكاح يجوز؛ فجعله ينعقد بنفس الفراق.
قال: ولو قال: إن فارقت امرأتك زوجتك، كانت عدة ولم يلزمه تزويجه، وأحب إلي أن يفي.
التونسي: والقياس أن يجبر على التزويج لأنه وعد أدخله بسببه في فراق زوجته كما لو قال: بع فرسك والثمن عليَّ، أو اهدم دارك وأنا أعطيك كذا، فإنه يلزمه ذلك.
قال في البيان: وهذا الخلاف عندي إذا أراد إن فعلت ذلك بالقرب، ولو قال: متى فارقت امرأتك لم يجز باتفاق.
وَبَقِيَّةُ الأَوْلِيَاءِ يُزَوِّجُونَ الْبَالِغَ خَاصَّةً، عَلَى الأَصَحِّ بِإِذْنَهَا وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً
أي: ما عدا السيد والأب والوصي إنما يزوجون البكر البالغ خاصة لا غير البالغ، ومقابل الأصح سيأتي إن شاء الله تعالى في اليتيمة، ولهذا كان الأولى أن يسقط هنا قوله: (عَلَى الأَصَحِّ) لأن ما يأتي يغني عنه قوله: (وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً) يعني أن السفيهة لا يسقط وجوب استئذانها لأنه إنما يمنع من النظر في المال، ولهذا لا يكون لوصي المرأة قيام فيما يتعلق بالضرر من زوجها إلا بتوكيل منها على ذلك.
فرع: هل لا يعقد الولي العقد إلا بتفويض من المرأة؟
قال فضل بن سلمة: لا بد أن يذكر في الصداق تفويض المرأة إلى الولي عند نكاحها إذا كان الزوج أخاً أو ولياً أو وكيل السلطان- ما عدا الأب وهو قول ابن القاسم- بكراً كانت أو ثيباً.
وأنكر ابن حبيب ذلك فيهما جميعاً، وقال: هو حق له قد استخلفه الله تعالى عليه، والولي أحق به منها.
المتيطي: وإذا قلنا بقول ابن القاسم فظاهر مذهب الموثقين أنه يكفي في تفويضها صماتها.
وفي المنتقى في بعض توجيهاته أنها إذا أمرت وليها أن يزوجها لم يكن بد من نطقها.
قال: وانظر إذا كانت غائبة عن موضع الولي والزوج وأرادت التفويض إليه فالظاهر أنه لا بد من نطقها ولا ينبغي أن يختلف في ذلك.
انتهى.
وَيُسْتَحَبُّ إِعْلامُ الْبِكْرِ أَنَّ صَمْتَهَا إِذْنُ مَرَّةً، وَقِيلَ: ثَلاثاً، فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ
إنما خصت البكر بالصمات لما يلحقها من الحياء بالنطق لئلا تنسب إذا نطقت بالميل إلى الرجال.
ابن رشد: وجه استئمار البكر في النكاح أن يقول لها الولي بحضرة الشهود: إني أزوجك من فلان فتسكت.
قال صاحب الوثائق المجموعة وغيره: أو يقول لها ذلك الشهود، وصفة ذلك أن يقول لها ذلك الشهود، وصفة ذلك أن يقول لها الشهود أو أحدهم مرة- وقال ابن شعبان: ثلاثاً- إن فلاناً خطبك على صداق مبلغه كذا وكذا، المعجل منه كذا، والمؤجل [281/ أ] كذا؛ فإن كنت رضيت فاصمتي، وبصماتك يلزمك ذلك وبه يستدل على رضاك، وإن كنت كارهة فانطقي.
ابن الماجشون: ويطيلون المقام عندها قليلاً.
قال في العتبية: ولا يسألها الشهود ولا الولي إذا سكتت هل رضيت أم لا؟
قوله: (يُسْتَحَبُّ) أي: لو ترك لم يضر.
ابن عبد السلام: وظاهر قول غير ابن القاسم في المدونة، وهو نص قول مالك ابن مسلمة أن ذلك واجب.
انتهى.
والذي في
البيان: روى محمد بن مسلمة عن مالك أنه ينبغي لهم أن يعلموها، إذ ليس كل بكر تعلم أن إذنها صماتها، وعلى هذه الرواية يأتي قول ابن القاسم في المدونة.
وفي الباجي: بعد أن ذكر أن ظاهر قول غير ابن القاسم كما قال ابن عبد السلام غير أن أصحابنا حملوه على الاستحباب.
عياض: وتردد أبو عمران في قول الغير هل هو وفاق أو خلاف؟ ونقل عن ابن سحنون أن حمله على الخلاف، وإليه ذهب ابن بشير.
قوله: (فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ) هذا صحيح وإلا لم تكن فائدة في استئذانها، ويعلم منعها بالنطق وغيره.
ابن الجلاب: وإن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على إنكارها لم يلزمها.
وفي الموازية أن بكاءها رضاً لاحتمال أن تكون بكت على فقد أبيها، وتقول في نفسها: لو كان أبي حياً لما احتجت إلى ذلك.
بعض الموثقين: وقعت هذه المسألة فحكم فيها بإمضاء النكاح، وأما إن ضحكت فذلك رضاً منها.
وَلَوْ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُ أَنََّ الصَّمْتَ إِذْنٌ لمْ يُقْبَلُ عَلَى الأَصَحِّ
لأنه مشتهر، ولعل مقابل الأصح مبني على وجوب إعلامها، وإلا فلو كان استئذانها مستحباً بلا خلاف لما صح أن تعذر بالجهل.
واختار عبد الحميد أن ينظر إلى هذه الصبية، فإن علم منها البله، وقلة المعرفة قبل منها وإلا فلا.
فائدة: مسائل لا يعذر فيها الجهل؛ منها: هذه.
ومنها: من أثبتت أن زوجها يضربها فتلوم له الحاكم ثم أحضره ليطلق عليه فادعى أنه وطئها سقط حقها ولو ادعت الجهل.
ومنها: الأمة المعتقة إذا وطئها زوجها بعد عتقها وادعت الجهل بالحكم فإنه يسقط خيارها.
ومنها: إذا وطئ المرتهن الأمة المرتهنة؛ فإنه يحد ولا يعذر بجهالة.
ومنها: من سرق ثوباً لا
يساوي ربع دينار وفيه ربع دينار.
ومنها: من ملك زوجته فقضت بالبتة وادعى الجهل بحكم التمليك، فقيل له: يلزمك ما أوقعت.
فقال: ما أردت إلا واحدة.
ومنها: من وجب له على أبيه يمين أو حد فأخذه بذلك فلا تجوز شهادته ولا يعذر بالجهل.
وقيل: لا تسقط بذلك شهادته.
ومنها: الذي يقطع الدنانير والدراهم، فلا تجوز شهادته ولو كان جاهلاً.
ومنها: المرتهن يرد الرهن فتبطل حيازته ولا يعذر بالجهل.
ومنها: قول أصبغ في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب ولا يعذر بجهل.
ومنها: من قذف عبداً فظهر أنه حر.
ومنها: امرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه فترد ما أنفقته من يوم الوفاة.
ومنها: البيوع الفاسدة كلها حكم الجاهل فيها حكم العالم.
ومنها: من ابتاع أحداً ممن يعتق عليه جهلاً فيعتق عليه ولا يعذر بجهل.
ومنها: من دفع زكاته لكافر أو غني يظن الكافر مسلماً والغني فقيراً فلا يجزئه.
ومنها: المظاهر يطأ بالبيع وهو حاضر.
ومنها: المطلقة يراجعها زوجها فتمكث حتى يطأها ثم تدعي أن عدتها قد كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها.
ومنها: المرأة تزوج وهي حاضرة فتسكت ولا تنكر حتى يدخل بها الزوج ثم تنكر النكاح وتقول لم أرض به وتدعي الجهل.
ومنها: الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ولا ينكر ثم يقوم ويدعي أنه لم يرض ويدعي الجهل.
ومنها: من حاز مال رجل المدة التي تكون الحيازة عاملة فيها وادعى أنه ابتاعه منه فإنه يصدق مع يمينه ولا يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل.
ومنها: البدوي يقر بالزنا أو الشرب ويقول: فعلت ذلك جهلاً.
ومنها: من رأى حمل امرأته فلم ينكره ثم أراد أن ينفيه بعد ذلك.
ومنها: من وطئ في اعتكافه وادعى الجهل فلا يعذر.
ومنها: العبد يزني أو يشرب قبل علمه بعتقه فإنه
يحد كالحر ولا يعذر بجهله.
ومنها: كثير من مسائل الوضوء والصلاة والحج وكذلك أكل مال اليتيم، والمتصدي للفتوى بغير علم، والطبيب يقتل بمعاناته وهو جاهل بالطب.
ومنها: الشاهد يخطئ في شهادته في الأموال والحدود.
ومنها: ما في الواضحة فيمن باع جارية وقال كان لها زوج فطلقها أو مات عنها، وقالت ذلك الجارية، لم يجز للمشتريأن يطأ ولا يزوج حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة، وإن أراد ردها وادعى أن قول البائع والجارية في ذلك مقبول لم يكن له ذلك وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك.
ومنها ما قاله أصبغ فيمن اشترى نصرانية فأعتقها في الكفارة أنها لا تجزئه ولا يعذر بالجهل.
ومنها: الغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ذلك ثم يريدون القيام ويدعون الجهل.
ومنها: الرجل يبيع [281/ ب] العبد على الخيار ويتركه بيد المبتاع حتى يطول الأمر بعد انقضاء أيام الخيار.
ومنها: الشاهدان يريان الفرج يستحل والحر يستخدم فيسكتان ولا يقومان بشهادتهما، ثم يقومان ويدعيان الجهل فلا تقبل شهادتهما.
ومنها: ما في سماع عيسى في كتاب التخيير في الذي يملك امرأته أمرها فتقول: قبلت؛ ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت، ثم تقول: كنت أردت ثلاثاً لترجع فيما صالحت به أنها لا ترجع بشيء على الزوج، لأنها حين صالحت علمنا أنها لم تطلق ثلاثاً ولا تعذر بالجهل.
ومنها: المخيرة تقضي بواحدة ثم تريد أن تختار بعد ذلك، وتقول: جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة.
ومنها: التي يقول لها زوجها: إن غبت عنك أكثر من ستة أشهر فأمرك بيدك، فيغيب عنها أو تقيم بعد الستة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت.
ومنها: الرجل يجعل أمر امرأته بيد أجنبي فلا يقضي المملك حتى يطأها ثم تريد أن تقضي، ويقول: جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان لي.
ومنها: المملكة والمخيرة يملكها زوجها ويخيرها فلا تقضي حتى ينقضي المجلس على أول قول مالك ثم تريد أن تقضي بعد، والله أعلم.
وَالْبُلُوغُ بِالاحْتِلامِ أَوِ بِالإِنْبَاتِ أَوْ السِّنِّ وَهِيَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وَتَزِيدُ الأُنْثَى بِالْحَيْضِ والْحَمْلِ ....
حاصله أن للبلوغ خمس علامات، منها ثلاث يشترك فيها الذكور والإناث، ومنها اثنتان تختصان بالأنثى.
وما ذكره من العلامات متفق عليه إلا الإنبات، ففي اللخمي: اختلف في البكر تشارف البلوغ، فقال ابن القاسم: لا بأس إذا جرت عليه المواسي أن تزوج برضاها، وقال مرة: لا تزوج حتى تبلغ.
ونحوه لابن يونس.
وعلى المنع فهل يفسخ مطلقاً؟ وهو قول ابن حبيب، أو لا يفسخ؟
ابن عبد السلام: اضطرب المذهب في اعتبار الإنبات كثيراً.
وقال بعض متقدمي أصحابنا أنه يعتبر في الأحكام التي بين العباد كالقصاص وما ينظر فيه الحاكم من الحدود، ولا يعتبر فيما لا ينظر فيه القضاة كالصلاة والحج فيقتل من أنبت إن قتل، ولا يؤمر بحج ولا صيام.
وقال بعض الشيوخ: إن هذا متفق عليه.
أعني ما ذكروه في الأحكام التي بينه وبين الله تعالى.
وإنما الخلاف في القسم الآخر، ويرى صاحب هذا القول أن ما جاء من الأمر بقتل من جرت عليه المواسي لا يتعدى إلى غيره من الأحكام التي بين العبد وربه تعالى، والمشهرو في السن ما قدمه.
والقول بالخمس عشرة لابن وهب، ولا فرق في هذا الفصل بين الذكر والأنثى.
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا تُزَوَّجُ الْيَتِيمَةُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ- ومِثْلُهَا يُوطَأُ- جَازَ، وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا خِيفَ عَلَيهَا الْفَسَادُ ....
(الْيَتِيمَةُ) من لا أب لها، والرواية المشهورة أنها لا تزوج إلا بعد البلوغ.
قال الأستاذ أبو بكر: وهو المذهب الصحيح.
وقال القاضي أبو محمد: هو أظهر الأقوال وأصح الروايات، والذي يفتى به، وإليه رجع مالك.
اللخمي: وقال مالك في الموازية في صبية بنت عشر سنين ذات حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها وإن كانت صغيرة لم تنبت.
فأباح أن تزوج للحاجة، وهو أحسن، وإليه أشار بقوله: (وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ ومِثْلُهَا يُوطَأُ جَازَ).
وفي المتيطية: وروى محمد بن عبد الحكم عن مالك: أنه رجع عما في الموازية إلى الرواية الأولى، وحكى ابن الجلاب فيه ثلاثة روايات: هاتين الروايتين، والثالثة: أن النكاح جائز ولها الخيار إذا بلغت في فسخه وإمضائه.
وجعل ابن بشير هذا الخلاف يجري في غير المميزة إذا احتاجت.
قال في البيان: ولا يجوز تزويج اليتيمة المميزة لمصالحها كارهةً اتفاقاً.
وقوله: (وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) ظاهره أنه يجوز الإقدام على ذلك، وبه صرح ابن بشير، وهو قريب من الرواية التي حكى ابن الجلاب، وفي هذا القول نظر؛ لأن الخيار عندنا مناف لصحة عقد النكاح، وما حكاه المصنف عن ابن بشير، قال ابن عبد السلام: العمل عندنا ببلدنا اليوم هو الذي عليه بشرط بلوغها عشر سنين ومشاورة القاضي.
قال غيره: وتأذن بالقول ويكون لها ميل إلى الرجال.
قال في المتيطية: وبه جرى العمل عند الموثقين وانعقدت به الفتوى.
وذكر عياض أن الحذاق على الإجبار متى خيف عليها الفساد وإن كانت ثيباً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُفْسَخُ وإِنْ دَخَلَ
هكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها: (ما لم يدخل) وهو كذلك ابن شاس لأنه قال: وإذا فرعنا على الرواية الصحيحة فزوجت فروي: يفسخ النكاح ولا يقران عليه وإن بلغت ما لم يدخل.
وقيل: ينظر فيه الحاكم، فإن رآه صواباً أمضاه وإلا فسخه.
وقيل: الخيار لها، فإن رضيت مضى، وإلا فسخ.
وإنما يكون ذلك بعد بلوغها.
ابن عبد السلام: [282/ أ] الأولى هي الصحيحة، فإن ابن حبيب نقل عن مالك وأصحابه أنه يفسخ وإن ولدت أولاداً ورضيت بزوجها، وقيل: يفرق بينهما ما لم يطل بعد الدخول.
قال أصبغ متمماً لهذا القول: ما لم يطل وتلد أولاداً، ولم ير الولد الواحد والسنتين بعد ذلك طولاً.
وفي المتيطية: المشهور إذا زوجت وكانت غنية أنه يفسخ قبل الدخول وبعده ما لم يطل بعد الدخول، ثم ذكر ما رواه ابن حبيب.
وعلى هذا فتكون نسخة (وإِنْ دَخَلَ) مقيدة بما إذا لم يطل، ويكون قوله في النسخة الثانية: (ما لم يدخل) يريد ويطول بعد الدخول.
قال في البيان: وقال: ابن القاسم لا يفسخ لقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ([النساء: 3] معناه: لا تعدلوا في تزويجهن، وهو دليل جواز العقد عليهن قبل البلوغ، إذ البالغ لا يقال له يتيم.
قال: وقيل: تخير إذا بلغت ما لم يطل الأمر بعد الدخول لأنه حق لها.
وقال مالك: يكره، فإن وقع لم يفسخ.
وَإِنْ تَقَدَّمَ الْعَقْدَ عَلَى الإِذْنِ فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: إِنْ تَعَقَّبَهُ قَرِيباً صَحَّ
معناه: إذا عقد ولي على امرأة نكاحاً قبل أن تأذن ثم بلغها ذلك فرضيت ففي ذلك ثلاثة أقوال، وهي أيضاً فيمن زوج ابنه البالغ ثم بلغه ذلك فرضي، نص على ذلك اللخمي، أما إن لم ترض فلا إشكال في عدم اللزوم.
والثلاثة الأقوال لمالك، إلا جازة مطلقاً في الموازية، والمنع مطلقاً حكاه الجلاب، والمشهور مذهب المدونة، والضمير في (تَعَقْبَهُ) عائد على العقد، والضمير المستتر عائد على الإذن.
واختلفت طرق الشيوخ في هذه المسألة، فحكى ابن زرقون الثلاثة كالمصنف، وذكر في التنبيهات عن بعضهم أن الخلاف إنما هو في البعد.
وقال في البيان: إنما اختلف في القرب وأما مع البعد فلا يجوز النكاح، وإن أجازه باتفاق إلا على تأويل التونسي؛ فإنه تأول أنه لا فرق على أحد قولي مالك بين القرب والبعد، وعلى هذا فيكون في المسألة ثلاثة أقوال.
انتهى.
وجعل الباجي المسألة على وجهين: أحدهما: أن يكون موقوفاً من الطرفين.
والثاني: أن يكون موقوفاً من طرف واحد.
وحكى في الموقوف من طرفين قولين: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً.
قال: وهو الصحيح عندي.
وقد اختاره ابن القصار، قال: وأما الموقوف أحد طرفيه على الآخر، ففي كراهة ما قرب منه قولان، وما بعد قولان: الجواز والإبطال.
وعلى المنع فعن ابن القاسم: يفسخ قبل، ويثبت بعد؛ لأن جل الناس على إجازته.
قال في البيان: واختاره محمد، وفي سماع عيسى عن ابن القاسم: يفسخ ما لم يطل بعد الدخول.
وقال أصبغ: يفسخ أبداً وإن طال.
وقال أصبغ أيضاً: يؤمرون بالفسخ من غير حكم لاختلاف العلماء فيه.
وهذا ما لم يعترف الولي بالافتيات حال العقد، أو يدعي الوكالة؛ فإن اعترف بالافتيات عند العقد فسخ النكاح أبداً اتفاقاً، وإن ادعى الوكالة حال العقد ووافقته الزوجة صح النكاح اتفاقاً.
واختلف إذا أنكرت، فقيل: تحلف، وإن نكلت لزمها النكاح.
وقيل: تحلف، وإن نكلت لم يلزمها النكاح.
واليمين على هذا إنما هي استظهار لعلها تعترف بالوكالة، وقيل: لا يمين عليها.
وأما حد القرب، فقال في المدونة: وإن كانت بغير البلد أو فيه وتأخر إعلامها لم يجز وإن رضيت.
وهذا قول مالك وأصحابه ونحوه لعيسى لأنه حد القرب بأن يعقد في السوق أو في المسجد ثم يسار إليها بالخبر من ساعته، ونحوه روي ابن حبيب عن مالك أنه اشترط ثلاثة شروط، فقال: إن كان الرضا بقرب تزويجه وكانت معه في البلد والموضع قريب جاز، وإن كانت بغير البلد أو كانت بعيدة وإن جمعهما البلد أو تباعد ما بين تزويجه ورضاها وإن كانا بموضع واحد فلا يجوز.
وقال أصبغ وسحنون: اليوم واليومان قريب، والخمسة كثيرة.
وجعل مالك اليوم في رواية
ابن حبيب من حيز الكثير، وعن سحنون: ما بين مصر والقلزم قريب، وما بين مصر والإسكندرية أو أسوان بعيد.
اللخمي: ولا أعلم له وجهاً إلا أن يقول أن الخيار إلى يوم أو يومين جائز.
واعلم أنه إنما يجوز على المشهور بالقرب إذا لم تصرح قبل ذلك بالرد، وأما إن قالت: ما وكلته ولا أرضى.
ثم رضيت فلا يجوز، نص عليه في المدونة والموازية، زاد في الموازية عن مالك: وإن أقرت بعد ذلك بوكالته وأنها كانت راضية فلا يجوز ولا يثبت إلا بنكاح جديج.
وَالصُّمَاتُ هُنَا لَغْوٌ
يعني: إذا رضيت بالنكاح في هذه المسألة فلا يشهد عليها إلا من يسمع نطقها، ولا يكون سكوتها هنا رضا لأن الولي لما تعدى عليها افتقرت إلى التصريح برفع العداء، وهو مذهب المدونة، وقيل: يكتفي منها أيضاً ها هنا بالصمات.
فائدة: هذه إحدى سبع أبكار لا يكون رضاهن إلا بالنطق ذكرها الموثقون والثانية: المرشدة كان الأب أو ولي.
الثالثة: المعنسة، هكذا أطلق ابن راشد القول في المعنسة.
وقال الباجي والغرناطي وابن عبد السلام: اليتيمة المعنسة، وقد تقدم فيها خلاف.
الرابعة: [282/ ب] اليتيمة تزوج لعبد أو من فيه عقد حرية أو لذي عيب إذ ذاك عيب تدخل عليه ويلزمها.
الخامسة: التي عضلها وليها فرفعت أمرها إلى الحاكم.
السادسة: اليتيمة الصغيرة المحتاجة، ذكرها الغرناطي.
السابعة: اليتيمة إذا سيق لها مال نسبت معرفته إليها إذا لم يكن لها وصي.
المتيطي: وحكى ابن لبابة وابن العطار عن كثير من شيوخنا أنه إن كان صداقها عرضاً فلابد من نطقها لأنها بائعة مشترية، والشراء لا يلزم بالصمت فلابد من نطقها لأن الولي إنما له عوض البضع لا الشراء، ثم حصل فيها ثلاثة أقوال: فرق في الثالث بين العرض فلابد من نطقها، وبين العين فيكتفي بالصمت.
فَإِنْ أَقَرَّتْ بِالإِذْنِ، وقَالَتْ: لَمْ يزوجني صُدِّقَ الْوَكِيلُ إِنْ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ كَوَكِيلِ الْبَيْعِ
تصوره ظاهر لأن كلا من الزوجة وصاحب السلعة مقر بالإذن، والوكيل قائم مقامهما، ولا يكلف إقامة البينة على إقامة النكاح والبيع.
ابن بشير: ويختلف إذا عزلته، وقالت: لم يعقد إلا بعد العزل وادعى هو العقد قبله.
وقَالَ مَالِكُ: وَتَكْشِفُ مَنْ لا تُعْرَفُ لِمَنْ يَشْهَدُ عَلَى رُؤْيَتِهَا
يعني: أن المرأة إذا شهد عليها الشهود في النكاح- وفي معناه سائر الحقوق- فإن كان الشهود يعرفونها بالعين والاسم والنسب شهدوا عليها ولا يحتاجون إلى النظر إليها، وإلا فلابد من نظرها، ويحتاج في ذلك إلى أن يكتب من صفاتها في الوثيقة ما تعرف بها، ولا يقول في نص الوثيقة: من يعرفها باسمها، ولكن يقول من يعرفها بعينها.
ولهذا قال في البيان: وينبغي إن وجد من العدول من يعرفها فلا يشهد عليها من لا يعرفها قال: ولا يصح لمن يشهد عليها أن يشهد غيره على شهادته أن فلانة بنت فلان أشهدتهم بالرضا بالنكاح لاحتمال ألا تكون هي التي أشهدتهم فيموتوا ويشهد على شهادتهم فيلزمه نكاح ولم ترض به ولا أشهدت به على نفسها؛ لأن إشهادهم على شهادته بذلك كشهادتهم به عليها عند الحاكم، قال: وأما عند الأداء فلا يحل للشاهد أن يشهد بالإجماع إلا على من يعرف أنه هو الذي أشهده دون شك.
انتهى.
قال بعضهم: وإذا حضر عقد النكاح من يعرف المشهدين، ومن لا يعرفهم كان لمن لا يعرف أن يشهد، ولا يلزمه أن يبين ما يلزمه لو انفرد، قال: وبه جرى العمل عندهم.
وفيه نظر.
فرع: يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد، وللطبيب ونحوه وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره.
قالوا: ولا يباح للخاطب أن ينظر إليها إلا إلى وجهها وكفيها.
ويحتاج في ذلك إلى إذنها في رواية ابن القاسم، وكره فيها أن يستغفلها، وروى محمد بن يحيى: لا بأس أن ينظر إليها وعليها ثيابها.
قال في البيان: يحتمل أن ينظر إليها مستغفلة إذا علم أن عليها ثيابها، ويحتمل أن ينظر إليها بعد إعلامها.
ابن العربي: وينظر إلى المخطوبة قبل العقد لما في أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
فَإِنْ أَذِنَتْ ولَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ فَفِي وُقُوفِهِ عَلَى إِجَازَتِهَا قَوْلانِ، إِلا مِنْ نَفْسِهِ فَيَقْفُ عَلَيْهَا
القولان في المدونة، ففيها: قال مالك: وإن قالت امرأة لوليها زوجني ممن أحببت، فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها منه، ولها أن تجيز أو ترد، وقد قال عبد الرحمن: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه، وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت جاز.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن لأنها وكالة على ما يجوز بيعه، فأشبهت الوكالة على غير ذلك من البياعات وقياساً على توكيل الزوج إذا لم يعين المرأة ولا أعلمهم يختلفون أن ذلك يلزمه.
ويمكن أن يفرق بين الرجل والمرأة بأن الرجل قادر على الطلاق.
واختلفت طرق الشيوخ إذا زوجها من نفسه؛ ففي البيان: لا يلزمها إلا أن تشاء باتفاق.
وحكى اللخمي عن ابن القصار اللزوم.
وبنى ابن بشير ذلك على الخلاف بين الأصوليين، هل يدخل المخاطب تحت الخاطب أم لا؟ قال: وكذلك اختلف في البيع هل له أن يبيع من نفسه أم لا؟ والمشهور ليس له ذلك.
وقد يقال بعدم دخول المخاطب هنا، ولو قلنا أن المخاطب يدخل تحت الخطاب لأن القرينة العرفية هنا تخالفه.
وإذا فرعنا على المنع فهل له أن يزوجها ممن هو في ولايته كابنه ويتيمه؟ أجراه اللخمي على الخلاف في الوكيل على البيع فبيع لولده، فرده ابن القاسم وإن لم تكن فيه محاباة، وأجازه سحنون.
وقوله: (لَمْ تُعَيَّنْ) أي: وأما إن عينت الزوج فإنه يجوز باتفاق إذا وقف على إجازتها، ففي البيان: لها الرضا قرب الأمد أو بعد.
وقال ابن حبيب: إنما يجوز ذلك إذا كان بحدثان العقد، وأما إن لم يكن بحدثانه فليس لها الرضا إلا بنكاح جديد بعد فسخ الأول على قياس المشهور في الولي يزوج وليته الغائبة ثم ترضى، وليس بصحيح لأنهما [283/ أ] مسألتان.
وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَزْوِيجُ الْبَالِغِ إِذَا دَعَتْ إِلَى كُفْءٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ عَضَلَهَا أَمْرٌ فَإِنْ امْتَنَعَ زَوْجَهَا الْحَاكِمُ ....
لأنه لو لم يجب عليه تزويجها مع كونها مضطرة إلى عقده إذ ليس لها أن تعقد كان ذلك من أعظم الضرر بها.
قال صاحب العمدة: ويعقد السلطان لأنه كالحاكم عليه، وإن شاء رده إلى غير العاضل فصرح بأنها تنتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد، وكذلك هو ظاهر كلامهم.
والعضل: المنع من التزويج، يقال: عضل يعضل ويعضل عضلاً.
ابن راشد: ولو عين الولي كفئاً غير الكفء الذي عينته فالأمر في ذلك إليها.
ابن القاسم: ولو رفعت أمرها إلى القاضي فلا يزوجها حتى يسألها هل لها ولي؟ فإن ثبت عنده أنها لا ولي لها من جيرانها وغيرهم زوجها، وإن كان لها ولي فلا يزوجها حتى يسألها هل لها ولي؟ فإن ثبت عنده أنها لا ولي لها من جيرانها وغيرهم زوجها، وإن كان لها ولي فلا يزوجها حتى يدعوه، وإن امتنع من إنكاحها سأله عن وجه امتناعه، فإن رآه صواباً ردها إليه صاغرة ولم يجبره على إنكاحها ممن كره.
وإن رآه ضرراً وكل من يزوجها بعد أن يثبت عنده من أمرها ما يجب.
ابن أبي زمنين وابن العطار: وبه جرى العمل واستمر الحكم.
وَعَضْلُ الأَبِ فِي الْبِكْرِ لا يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ خَاطِبٍ أَوْ خَاطِبَيْنِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ضَرَرُهُ
نحوه في المدونة، زاد فيها: وإذا تبين ضرره قال له الإمام: إما أن تزوجها أو زوجناها عليك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار".
وخص الوالد بهذا الحكم لما جبل عليه من الحنان والشفقة ولجهلها بمصالح نفسها، فربما علم منها ما لا يحسن به حالها مع هذا الخاطب أو علم من حال الخاطب ذلك.
وقال أبو الفرج: هو عاضل برد أول خاطب.
وقال ابن حبيب: ليس للسلطان أن يتسور عليه في ابنته وإن طلبت ذلك الابنة، وقد منع مالك بناته من النكاح وقد رغب فيهن خيار الرجال، وفعل ذلك العلماء قبله وبعده.
والظاهر أن قوله ليس بخلاف للمذهب؛ لأنه شرط في المذهب أن يتبين الضرر.
وليس في كلام ابن حبيب ذلك، بل استشهاده بفعل مالك وغيره من العلماء ويبين ذلكل أنهم لا يقصدون الضرر فضلاً عن أن تبين ذلك منهم.
لكن حمل اللخمي وصاحب البيان وغيرهما قول ابن حبيب على الخلاف.
وقال اللخمي: إن كان الأب من أهل العلم والصلاح لم يعرض له وإن لم يكن سئل الجيران، فإن لم يكن عذر زوجت.
تنبيهان: الأول: المزوج مع عضل الأب الحاكم بلا إشكال، نص عليه المتيطي وغيره، وهو مما يبين أنه إذا امتنع الولي الأقرب ينتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد.
الثاني: قوله في المدونة حتى يتبين ضرره يقتضي أنه إذا جهل أمره لم تزوج عليه.
وكذلك قال في أحكام ابن زياد: في الثيب إذا قالت: عضلني أبي لغير عذر.
وقال الأب: لعذر.
القول قوله، وعلى الثيب إثبات ما ادعت.
وَإِذَا كَانَ أَولياء فِي دَرَجَةٍ فَبَادَرَ أَحَدُهُمْ صَحَّ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فَأَفْضَلُهُمْ ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، فَإِنْ تَسَاوَوْا عَقَدُوا جَمِيعاً ....
لا إشكال في الصحة مع مبادرة أحدهم لكن لا يقدم على ذلك ابتداء، فقد روى ابن وهب عن مالك في امرأة لها وليان في درجة غاب أحدهما فزوجها الحاضر برضاها: لم يكن للغائب كلام، وإن كانا حاضرين ففوضت لأحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه؛ فإن اختلفا في ذلك نظر السلطان فأجاز رأي أحسنهما نظراً لها، ذكره صاحب الكافي والمتيطي وغيرهما، لكن مقتضى قوله في المدونة: وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن ينكح وثم
من هو أولى منه؛ لأن تقديم الأقرب على الأبعد إنما هو من باب الأولى، وأن لبعض الأولياء إذا كان في درجة أن يزوج ابتداء بغير إذن الباقين.
ونقل عياض عن بعض البغداديين أنهم أجازوا إنكاح الأبعد مع وجود الأقرب ابتداءً من غير كراهة.
قوله (فِي دَرَجَةٍ) أي: كإخوة وأعمام.
وما ذكره المصنف من أنه يقدم بالفضل ثم بالسن وأنهم إن تساووا في الفضل والسن عقدوا جميعاً هو لمالك عند ابن حبيب، والذي رواه ابن القاسم وهو مذهب المدونة عند اللخمي والباجي وعبد الحميد وغيرهم أنه ينظر السلطان؛ لأن فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في القعدد سواء نظر السلطان في ذلك.
ففهموا منها العموم.
ابن بشير: وقال سحنون: معناه في الأوصياء، وأما الأولياء فمن قدمته المرأة فهو أحق.
خليل: وفيه نظر؛ لأن سحنون إنما نص على أن ذلك في الأوصياء فقط ولم يتعرض للأولياء، وإنما قال أن المرأة تخير فيمن يتولى العقد عليها بعض القرويين على ما نقله الباجي وابن زرقون وغيرهما، ونقل عبد الحميد عن المغيرة أنه يقرع بين الأولياء إذا تساووا.
وفي الكافي: وإذا تساووا في الدرجة والفضل، وتشاحوا نظر الحاكم في ذلك فما رآه سداداً ونظراً أنفذه وعقده، أو رده إلى من يعقده منهم.
وقد قيل: يأمر أحدهم بالعقد ولا يعقده هو مع ولي حاضر.
ابن راشد: والأول تحصيل المذهب لقوله صلى الله عليه وسلم في الأولياء: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي [283/ ب] من لا ولي له".
فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ
أي: في تعيين الزوج.
فقال بعضهم: لهذا.
وقال الآخرون: بل لهذا.
وأما الأولى
فالاختلاف فيها فيمن يلي العقد مع الاتفاق على الزوج.
قال ابن عبد السلام: وهو فهم حسن من المؤلف للمدونة في المسالة التي قال فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في العقد سواء.
انتهى.
وهو حسن إن ساعدته الأنقال، وقد قال ابن سعدون: إن قوله في المدونة: اختلفوا، يحتمل أن يكون فيمن يلي الإنكاح أو في الزوج.
وَفِيهَا: وَإِذَا أَذِنَتْ لِوَلِيَّيْنِ فَعَقَدَا عَلَى شَخْصَيْنِ فَدَخَلَ الثَّانِي وَلَمْ يَعْلَمْ فَهِيَ لَهُ.
حَكَمَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بحضرة الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَمُعَاوِيَةُ لِلْحَسَنِ عَلَى ابنِهِ يَزِيدَ وَلَمْ ينكروا وَقَالَ ابْنُ عبد الْحَكَمِ: السَّابِقُ بِالْعَقْدِ أَوْلَى ....
نسبها للمدونة لإشكالها حكماً وتصويراً، وللإرشاد إلى الاستعانة على فهمها بشروحات المدونة، أما إشكالها حكماً فلأنه حكم بها للثاني مع أنها زوجة لغيره، وعدم العلم لا يمنع من كونها متزوجة، فيدخل في عموم قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاء ([النساء: 24] ولهذا ذكر عمر ومعاوية رضي الله تعالى عنهما إشارة إلى دليل المسألة، وإلا فليس عادة المصنف ذكر الأدلة، وبقول ابن عبد الحكم قال المغيرة وابن مسلمة، ورواه حمديس عن مالك، وهو اختيار ابن لبابة وهو أقيس، وهو قول الشافعي وأكثر العلماء، وحكى عبد الوهاب مثل المشهور عن علي رضي الله تعالى عنه والحسن.
قال في الجواهر: وبه قال ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وعطاء ومكحول وغيرهم.
فإن قلت: لا يحتج بهذا على الشافعي لأنه لا يرى مذهب الصحابي حجة.
قيل: هذا ليس هو مذهب الصحابي فقط بل هو إجماع سكوتي، وهو حجة على المختار، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه ليس إجماعاً ولا حجة.
وبيان رجحان الأول في علم الأصول.
ودليلنا من جهة القياس أنه قد أجمع على أن من اشترى شقصاً من أرض أن للشريك نقض البيع والأخذ بالشفعة لأجل الضرر الداخل عليه.
وإذا كانت العلة في إبطال عقد المشتري إنما هو ما يلحق الشريك من الضرر لزم أن يكون كذلك في مسألتنا من باب أولى للتطلع على العورات، وفي تغريم الزوج الثاني الصداق وفراقه ممن ذاق عسيلتها ضرر بين.
ثم إن المضرة في مسألتنا واقعة وهي في مسألة الشفعة متوقعة، وأجرى اللخمي الخلاف على الخلاف في الفسخ هل ذلك من الآن أو من البلوغ؟
فمن قال: من البلوغ.
حكم بها للثاني، لأنه نكاح بوكالة، ومن قال بالأول قال: الأول أحق لأن عقد الأول نسخ لوكالة من لم يعقد، فإن قلت: كيف الجواب عما رواه أبو داود عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أيما امراة زوجها وليان فهي للأول" قيل: الجواب حمله على عدم دخول الثاني جمعاً بين الأدلة.
وأما إشكالها تصويراً فلأنها فوضت إلى وليها، وقد علمت أن أشهر القولين في ذلك أنه لا يعقد عليها النكاح حتى يعين لها الزوج، وإذا فعل ذلك تعين الأول.
ويجاب عنه باحتمال أن تكون فوضت إليهما في رجلين معينين أو لما عين لها الثاني نسيت الأول لاسيما إذا بعد ما بين العقدين ولا إشكال إذا لم يدخل الثاني في فسخ نكاحه.
محمد: بغير طلاق.
تنبيه:
ألحق مالك في الواضحة تلذذ الثاني بوطئه في الفوات، وأورد على المشهور أن من وكل رجلين فزوجه كل منهما امرأة وله ثلاث نسوة، فقد قالوا: إن نكاح الأولى هو الصحيح ويفسخ نكاح الثانية، ولو دخل بها وفرق بأن الحاجة داعية في المرأة إلى التوكيل لأنها لا تستقل بعقد النكاح فناسب ألا يفسخ نكاحها بخلاف الرجل فإنه قادر على أن يتولى الزواج بنفسه.
ورده صاحب الاستلحاق؛ لأنه لو صح لاطرد، فيلزم ألا يعذر مالك السلعة إذا وكل على بيعها، ثم تولى هو بيعها مع أن المشهور إمضاء البيع.
الثاني: إن اتصل به القبض.
ابن بشير: وفرق المغيرة بين البيع والنكاح، فقال: الثاني أحق في النكاح لا البيع.
وأكثر الشيوخ لا يفرقون في هذه المسألة بين أن تفوض لوليين معاً أو لأحدهما بعد الآخر.
وقال الباجي: إن فوضت لأحدهما بعد الآخر فالنكاح للأول ويفسخ نكاح الثاني ولو دخل.
أَمَّا لَوْ دَخَلَ بَعْدَ عِلْمِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ الدُّخُولُ وَكَانَتْ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا
يعني: أن من شرط كونها للثاني أن يدخل وهو غير عالم بالأول لتقوى شبهته، وأما لو دخل بعد علمه أنه ثان فلا، وهذا بين إن قامت بينة الآن على أنه كان عالماً، وإن لم يعلم إلا من قوله فقال ابن يونس وصاحب اللباب: يفسخ نكاحه بطلقة بائنة ولها الصداق كاملاً.
قال في المقدما: وهو الصحيح.
وقال عبد الملك: يفسخ بغير طلاق.
وانظر على قول عبد الملك هل ترد للأول؟ محمد: ولو أقر المزوج آخراً وهو الأب أو الوكيل أنه كان عالماً [284/ أ] بتزويج الأول لم يصدق على الزوج إلا أن تشهد بينة على إقراره بالعلم قبل العقد من الثاني فيفسخ بغير طلاق.
وَإِنْ كَانَ مُطَلِّقاً بَعْدَهُ أَوْ مَيِّتاً بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ ولَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ فَكَذَلِكَ
يعني: أن الثاني إذا دخل عالماً لا يفيده ولو كان الأول مطلقاً بعده، أي: بعد دخول الثاني، فإن تطليق الأول لا يصحح نكاح الثاني لعلمه بأنه ثان.
وكذلك لو مات الأول بعد دخول الثاني أو قبل دخول الثاني بشرط عدم انقضاء عدة الأول؛ لأن الثاني حينئذ ناكح في عدة، وحينئذ تحرم عليه على التأبيد لما سيأتي.
وفي كلامه نظر؛ لأنه يقتضي أنه إن دخل الثاني بعد انقضاء العدة أنه لا يفسخ، وليس بظاهر لأن المقتضي للفسخ علمه بالأول.
ولو كان دخوله بعد انقضاء العدة مصححاً لزم أن يكون كذلك إذا طلقها الأول قبل دخول الثاني، لأن الأول طلقها قبل البناء فلا عدة عليها.
وقد نص صاحب العمدة على أنه لا يفيده.
وعلى هذا التقدير الذي ذكرناه، فإن (إِنْ) من قوله: (وَإِنْ كَانَ مُطَلِّقاً) بمعنى لو واسم كان عائد على الزوج الأول، والضمير في قوله: (بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ) عائد على دخول الثاني.
ووقع في بعض النسخ بزيادة (فَكَذَلِكَ) بإثر الكلام المتقدم (فإن) على هذا هي شرطية وجوابها: قوله: (فَكَذَلِكَ) ويكون هذا الكلام ابتداء مسألة، ويكون المعنى أنه: ولو كان الزوج الأول مطلقاً بعد دخول الثاني أو ميتاً بعد دخوله أو قبل دخوله، ولم تنقض عدتها من الأول حتى دخل الثاني (فَكَذَلِكَ) أي: فتكون للثاني.
وهذه النسخة أحسن لأن ابن المواز ذكرها كذلك، وتكلم الشيوخ عليها، فحمل كلام المصنف عليها أولى، ففي ابن يونس: قيل لابن المواز: فإن مات الأول منهما، أو طلق قبل أن يدخل الآخر، ثم دخل بها الآخر بعد موته أو بعد طلاقه؟ قال: فإ، لم يعلم بذلك حتى دخل ثبت نكاحه كما لو دخل بها والأول حي لم يمت، ولم يطلق، ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه.
وفي المقدمات: إن عثر على ذلك بعد دخول الثاني وقد كان الأول مات أو طلق، فلا يخلو إما أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه، أو يكون عقد ودخل بعد موته أو طلاقه.
فأما إن كان عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه فينفذ نكاحه بمنزلة الذي لم يمت ولا طلق على مذهب ابن القاسم.
وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه فهو في الموت متزوج في عدة، فيفسخ نكاحه وترث زوجها الأول، وفي الطلاق نكاحه صحيح لأنه في غير عدة.
وقال ابن الماجشون: إن كان الذي زوجها منه آخراً بعد طلاق الأول هو الأب؛ فلا يفسخ نكاحه مطلقاً وإن لم يدخل، فإن كان الوكيل هو الذي زوجه فسخ نكاحه إلا أن يدخل.
ووجه قوله أن الأب مطلق على النكاح والوكيل على النكاح تنفسخ ولايته بتزويج الأب قبله،