الوجه الثالث: أن يدخل بالثانية، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينها، ويكون لها صداقها، ويكون له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد إن كانت البنت، وإن كانت الأم لم تحل له واحدة منهما، ولا يكون لواحدة منهما ميراث.
الوجه الرابع: أن يدخل بواحدة منهما معروفة، ولم يعلم أهي الأولى أو الثانية، فالحكم فيه إن كانت الأم هي المدخول بها منهما أن يفرق بينه وبينها، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وإن كانت البنت البنت هي المدخول بها فرق بينهما، ثم يتزوج البنت إن شاء بعد استبرائها بثلاث حيض، ويكون للتى دخل بها صداقها بالمسيس، وإن مات الزوج فيكون على المدخول بها من العدة أقصى الأجلين، ويكون لها جميع صداقها.
ابن حبيب: ونصف الميراث.
وقال ابن الموز: لا شيء لها من الميراث.
قال فى المقدمات: وهو الصواب.
وأما التي لم يدخل بها فلا عدة عليها ولا شيء لها من الصداق ولا من الميراث.
وَإِنْ لَمْ تَعْلَمِ السَّابِقَةُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ بَنَى بهِمَا فَلا مِيرَاثَ، ويَجِبُ كُلَّ الصَّدَاقِ
أما سقوط الميراث فلأن نكاحهما مفسوخ، وأما وجوب الصداق فللدخول.
وَإِنْ لَمْ يَبْنِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا، ولِكُلِّ نِصْفُ الصَّدَاقِ
وأما وجوب الميراث فلأن نكاح إحداهما صحيح، [298/أ] وأما أن لكل واحدة نصف صداقها فلأنه قد وجب عليه صداق كامل بالموت وهو غير معلوم.
وقوله (نِصْفُ الصَّدَاقِ) يعنى سواء اتفق الصداقان أم لا، هكذا صرح به فى المدونة.
قال فى المقدمات: والقياس أن يكون عليه الأقل من الصداقين، يقسم بينهما على قدر مهريهما.
تنبيه:
لم يذكر المصنف ما إذا كان الزوج حياً.
وقد ذكره فى المقدمات، فقال: وإن لم تعلم الأولى منهما.
يريد: وقد تزوج واحدة بعد واحدة ولم يدخل بهما فرق بينهما، ويتزوج
البنت أن شاء وتكون عنده على طلقتين، ويكون لكل واحدة منهما نصف صداقتها، وقيل: ربع صداقتها.
والقياس أن يكون لكل واحدة منهما ربع أقل الصداقين، وذلك إذا لم تدع كل واحدة منهما أنها الأولى، ولا ادعت عليه معرفة ذلك، فإن ادعت عليه كل واحدة منهما أنه علم أنها هي الأولى، قيل له: احلف أنك ما تعلم أنها هي الأولى.
فإن حلف على ذلك وحلفت كل واحدة منهما أنها هي الأولى كان لهما نصف الأكثر من الصداقين يقتسماه بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما.
وإن نكلتا عن اليمين بعد حلفه كان لهما نصف الأقل من الصداقين فاقتسماه كالأول.
وإن نكلت إحداهما وحلفت الأخرة بعد حلفه كان للحالفة نصف صداقها.
وإن نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعاً كان لكل واحدة نصف صداقها.
وإن حلفت إحداهما ونكلت الثانية بعد نكوله كان للحالفة نصف صداقها ولم يكن للناكلة شئ.
وإن نكلتا جميعاً بعد نكوله لم يكن لهما إلا نصف الأقل من الصداقين يقسم بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما.
وإن أقر لإحداهما أنها هي الأولى حلف على ذلك وأعطاها نصف صداقها ولم يكن للثانيه شيء.
ولو نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعاً غرم لكل واحدة منهما نصف صداقها.
وإن حلفت الواحدة ونكلت الأخرى بعد نكوله كان للتى حلفت نصف صداقها، ولم يكن للتى نكلت شيء لأن الحالفة قد استحقت نصف الصداق بيمينها.
انتهى.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَعْلَمِ الْخَامِسَةُ
أي: فإن كان بنى بالجميع فلكل واحدة صداقها، ولهن الميراث؛ لأن نكاح أربع صحيح، وإن لم يبن بواحدة فلهن الميراث وعليه أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقتهن.
وإن دخل بأربع فللمدخول بهن أربعة أصدقة ولغيرهن نصف صداقها؛ لأنها إن كانت رابعة استحقت الصداق كاملاً، وإن كانت خامسة فلا شئ لها، فيقسم الصداق بينهما وبين الورثة.
وإن دخل بثلاث فلهن ثلاثة أصدقة وللأخرتين صداق ونصف، ثم كذلك.
وَأَمَّا الْعَالِمُ فَفِيهَا: إِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ وَوَطِئَهَا يُحَدُّ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَوَطئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ ....
هذا قسم قوله اولا (فإن ترتبنا غير عالم)
وقوله (إِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ وَوَطِئَهَا) أي: بعد عقده على البنت.
وقوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَوَطئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ) قيد ذلك بأن يكون بعد وطء الأم؛ لأنه لو لم يطأها لم يجد لأجل وطئه البنت؛ لأنها ليست محرمة عليه على التأييد.
وَإِذَا جَمَعَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ جَازَ، وَأَيَّتَهُمَا وَطِئَ حَرُمَتِ الأُخْرَى
لأن وطء الملك كوطء النكاح، ومقدمات الوطء كالوطء.
فإن جَمَعَ إِحْدَاهُمَا بِالنِّكَاحِ وَالأُخْرَى بِالْمِلْكِ حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ نَاجِزاً، فَإِنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ، أَوْ كَانَتِ الصُّغْرَى حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ أَبَداً
قوله: (حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ نَاجِزاً) يعنى: واستمر على الزوجة أما كانت أو بنتاً، ثم إن دخل بالزوحة، أو كانت الزوجة البنت، وإن لم يدخل بها، وهو مراده بالصغرى، حرمت المملوكة على التأييد، وأما إن لم يدخل بالزوجة وهي الكبرى فله إذا أبانها أن يطأ البنت لأن العقد على الأم لا يحرم البنت.
وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ إِذَا وَطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَداً عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَضَاءِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ....
هذا راجع إلى ما تقدم فى الموانع من قوله: (وَالْمُعْتَدَّةُ).
وقوله: (أَوْ شِبْهِهِ) يحتمل أن يريد به الاستبراء من الأنكحة الفاسدة التى تفسخ بعد البناء، ويحتمل أن يريد به استبراء أم الولد من وفاة سيدها، فإنه سوى فى المدونة بينهما وبين المهتده من نكاح.
وقوله: (إِذَا وَطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ) ظاهر.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) يعني أن المشهور تحريمها على التأبيد.
وقيل: لا تحرم، وله أن يتزوجها بعد ذلك.
والمشهور ومقابله لمالك.
ففي الجلاب: ومن نكح امرأة في عدتها من طلاق أو وفاة وهو يعلم بتحريمها، ودخل بها، فراويتان: إحداهما: أنه زان، وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها.
والرواية الأخرى: أن الحد ساقط عنه، والمهر له لازم، والولد به لاحق، ويفرق بينه وبينها، ولا يتزوجها أبدًا.
وعين صاحب الاستذكار وغيره المشهور كما قال المصنف.
وأما إن وطئها جاهلاً فلا أعلم خلافاً في التحريم.
ابن حبيب: وإن تزوج في العدة ووطئ، أو قبَّل، أو باشر، [298/ ب] أو غمز، أو نظر على وجه اللذة، فعليهما العقوبة، وعلى الولي والشاهد إن عُلم أنها في عدة، إلا إن جُهل.
وقال ابن المواز: يحد الزوجان إن تعمدا ذلك.
الباجي: فيحمل قول ابن حبيب على من علم بالعدة وجهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور، وعلى ذلك ضربه عمر بالمخفقة، وعلى قول ابن المواز على أنهما علما بالتحريم وتعمدا ارتكاب المحظور.
وقوله (لِقَضَاءِ عُمَرَ) أي: بالتأبيد من غير مخالف.
هكذا ذكر القاضي عبد الوهاب أنه لم يخالف عمر غيره، وأن عليًا وافقه.
لكن ذكر في الاستذكار أنه روي عن علي خلاف ذلك من وجوه، وأنه يتزوجها بعد العدة، قال: روي عن ابن مسعود مثله.
قال: وروى الثوري أن عمر رجع عما ذكر عنه المصنف.
وما ذكره المصنف من القضاء هو في الموطأ.
وَفِي غَيرِ الْبَائِنِ قَوْلانِ
القول بأنها لا تحرم لابن القاسم؛ لأن الرجعية زوجة، وكان ذلك بمنزلة من وطئ زوجة الغير.
قال في المدونة: وقال غير ابن القاسم: هو نكاح في عدة.
مالك: وللأول الرجعة قبل فسخ نكاح الثاني وبعده.
فَإِنْ لَمْ تُوطَا أَوْ وُطِئَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَفِي التَّأبِيدِ قَوْلانِ
أي: فإن حصل العقد فقط، فهل تحرم بذلك على التأبيد؟ حكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتين، ولا شك في فسخ النكاح، وما إذا عقد في العدة ووطئ بعدها فذكر المصنف قولين، وهما في المدونة، ففيها: قال مالك وعبدالعزيز: ومن نكح في العدة وبنى بعدها فسخ نكاحه، وكان كالمصيب فيها.
وقال المغيرة لا يحرم عليه نكاحها إلى بالوطء في العدة.
وقال ابن القاسم: عن مالك: يفسخ هذا النكاح وما هو بالحرام البين.
قال في الكافي: وقول مالك وعبدالعزيز هو تحصيل المذهب.
ولا يخفى عليك توجيه هذه الأقوال.
فرع: فإن تزوج امرأته المبتوتة في عدتها، فقال ابن نافع: تحرم عليه كالنكاح في عدة الغير.
وقلل ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك: لا تحرم؛ لأنه لم يكن ممنوعًا للعدة بل لكونها لم تتزوج غيره.
وَفِيهَا: فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِلأَبَدِ
يعني: في العدة؛ لأن مقدمات الوطء كالوطء.
واختلف قول ابن القاسم في الموازية، فقال مرة: تحرم.
وقال مرة: أحب إليَّ ألا ينكحها بغير قضاء.
وقال: في الموطأ نفسه اختلاف، فكيف بما دونه.
محمد: وإن أرخيت الستور ثم تقررا أنه لم يمسها، لم تحل أبدًا.
وفي البيان أن القبلة والمباشرة بعد العدة لا يقع التحريم بهما اتفاقًا.
خليل: وفيه نظر؛ لأنه قد تقدم أن عبدالوهاب حكى رواية بأنها تحرم بمجرد العقد، فكيف بالمباشرة والقبلة بعد العدة؟ قال: وقد حكى صاحب البيان هذا القول إلا أن يقال: لعل مراده بالاتفاق اتفاق من عدا هذا القول، والله أعلم.
فَإِنْ كَانَ مِنْ زِنىً أَوْ مِلْكٍ فَقَوْلانِ
يعني: إذا نكح المستبرأة من زنا أو ملك فقولان.
والقول بالتحريم في المستبرأة من زنا لمالك، وبه أخذ مطرف؛ لأن العلة وهي الاستعجال قبل الأوان واختلاط الأنساب حاصلة.
والقول بعدم التحريم لابن القاسم وابن الماجشون، لأن الزاني لا يلحق به الولد فلم يكن وطء هذا يدخل اشتباهًا في الولد.
ابن القاسم: وسواء كانت حاملاً أو لا.
ثم رجع فقال: أما في الحمل فتحرم عليه ولا تحرم على غيره.
وروي ذلك عن مالك.
وقال أصبغ: أكرهه في الحمل.
والقياس أنه وغيره سواء، ولا أحب أن يتزوجها في ذلك كله.
قال في البيان: والقول الذي رجع إليه ابن القاسم لو عكس لكان أصوب؛ لأن فيه إذا وطاء غير الحامل اختلاط الأنساب، وأما من زنت زوجته فوطئها زوجها في ذلك الماء فلا شيء عليه.
ابن المواز: ولا ينبغي أن يطأها في ذلك الماء.
وقال أشهب: الحامل من زوجها حملاً بينًا إذا وطئت غصبًا لم أر بأسًا أن يطأها زوجها فيه.
أصبغ: أكرهه، وليس بحرام، وأرى مالكًا كرهه.
ابن حبيب: وإن لم تكن بينة الحمل فلا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض.
أما القولان فيمن وطاء المستبرأة من ملك اليمين فالمشهور وهو مذهب المدونة أنه إذا دخل نكاح على ملك أو ملك على نكاح فهو كالمصيب في العدة.
وقاله سحنون، وروي أيضاً عنه أنه ليس كالتزويج في العدة فرده في الأول إلى نكاح على نكاح، وفي الثاني إلى ملك على ملك.
فَإِنْ وُطِئَتْ بِمِلْكٍ فَقَوْلانِ
المشهور التحريم كما ذكرنا.
فَإِنْ وُطِئَتْ بِزِنىً أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ لَمْ يَتَأَبَّدْ
يعني: فإن زنا بالمعتدة أو وطاء المشتري المستبرأة من البائع (لَمْ يَتَأَبَّدْ) وهو ظاهر.
تنبيه:
الصور أربع: نكاح على نكاح، وملك على ملك، ونكاح على ملك، وملك على نكاح.
والمصنف تكلم على الأربعة، فأشار إلى النكاح على النكاح بقوله أولاً: (والمعتدة من نكاح ... إلخ).
وأشار إلى الملك على الملك بقوله: (أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ)، وإلى النكاح على الملك بقوله: (وإن كان من زنى أو ملك فقولان)، وإلى عكسها بقوله: (فإن وطئت بالملك فقولان) والله أعلم.
وَتَصْرِيحُ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، والتَّعْرِيضُ [299/أ] جَائِزٌ.
قَالُوا: ومِثْلُ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، ولَكِ مُحِبٌّ، وَبِكِ مُعْجَبٌ: تَعْرِيضٌ ...
قوله: (الْمُعْتَدَّةِ) يشمل كل معتدة من وفاة أو طلاق، وحرم التصريح لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235].
فتضمنت الآية الكريمة إباحة التعريض، وما يضمره في النفس، والمنع من المواعدة بالنكاح.
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿سِرًّا﴾.
فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والشعبي والسدي وقتادة وسفيان: لا يأخذ ميثاقها وهي في عدتها ألا تتزوج غيره.
وقيل: السر ههنا الزنا.
اللخمي: وليس بحسن؛ لأن الزنا محرم في العدة وغيرها.
الماجشون.
ورأى في الأول أن الركون لا يحصل من غير تقدير الصداق؛ لأن اختلافهما عند تقدير الصداق كثير.
والتعريض: ضد التصريح، مأخوذ من عرض الشيء وهو جانبه، وهو أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلا أن إشعاره بالمقصود أتم، ويسمى تلويحًا، والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض ما ذكرناه، والكناية هي التعبير عن الشيء بلازنه كقوله في كريم: شخص طويل النجاد كثيرُ الرماد.
ابن عبد السلام: والمذهب جواز التعريض في كل معتدة سواء كانت من وفاة أو طلاق، وأجازه الشافعي في عدة الوفاة، ومنع منه في عدة المطلقة طلاقًا رجعيًا.
واختلف قوله في عدة الطلاق الثلاث.
وتبرأ المصنف بقوله (قَالُوا) لإشكاله؛ لأن هذه الألفاظ قريبة من التصريح، وكهذه الألفاظ: إن النساء من شأني، وإنك علي لكريمة، وإذا حللت فأذني لي، وإن قدر الله خيراً يكن، وإن الله لسائق إليه خيراً، وإنك لنافعة.
وأشد من ذلك ما أجازه مالك من الإهداء لها، ورآه من التعريض، قال: ولا أحب أن يفتى به إلا من تحجزه التقوى عما وراءه.
ومنع ابن حبيب الإهداء إلا لذوي النهى.
المتيطي: والذي يكره وجهان: أحدهما: العدة.
والثاني: المواعدة.
فأما العدة فهي أن يعد أحدهما بالتزويج دون أن يوعده الآخر بذلك، وهي تكره ابتداءً باتفاق مخافة أن يبدو للواعد منهما فيكون قد أخلف العدة، فإن وقع وتزوجها بعد العدة مضى النكاح ولم يفسخ، ولا يقع به تحريم بإجماع.
وأما المواعدة فهي التي نهى الله تعالى عنها، وهي أن يعد كل واحد منهما صاحبه، وهي مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين.
ثم ذكر ما ذكره المصنف.
فَإِنْ صَرَّحَ كُرِهَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ
لأجل ما ارتكبه من النهي.
وعلى القول بفسخ هذا النكاح يكون تزويجها ممنوعًا، وسيأتي.
ابن المواز: ومواعدة الأب في ابنته البكر والسيد في أمته كمواعدة المرأة، وأما الولي الذي لا يزوجها إلا بإذنها فيكره، وإن وقع لم يفسخ.
فَإِنْ تَزَوَّجَ فَالْمَشْهُورُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ فِرَاقُهَا بِطَلاقِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنْهُ إِنْ دَخَلَ، ثُمَّ يَخْطُبُهَا إِنْ شَاءَ.
ورَوَى أَشْهَب: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ...
أي: فإن تزوج من صرح لها بالخطبة في العدة، وتصوره ظاهر.
وقوله في رواية أشهب: (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أي: وجوبًا، علم ذلك من مقابلته له بالمشهور، قال في الرواية: ولو دخل.
المتيطي: قال أشهب: ولا تحلُّ له أبدًا.
وذكر ابن يونس وغيره أن قول ابن القاسم اختلف في هذه المسألة في غير المدونة، فقال مرة: يفسخ بقضاء.
وقال مرة: بغير قضاء.
وَتَحْرُمُ خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ لِلْغَيْرِ، وإِنْ لَمْ يُقَدَّرِ الصَّدَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وذَلِكَ فِي الْمُتَقارِبَيْنِ، فَأَمَّا فَاسِقٌ وصَالِحٌ فَلا ...
لما في الموطأ وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه)).
واشترط الركون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح خطبة فاطمة بنت قيس لأسامة وقد كان خطبها معاوية وأبو جهم، وأيضًا فلأنها لما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية وأبا جهم خطباها، ولم ينكر ذلك عليه الصلاة والسلام، ومن العادة أنهما لا يخطبان دفعة دل ذلك على جواز الخطبة على الخطبة، وقد يقال: إن أسامة لم يخطب وإنما أرشدهما صلى الله عليه وسلم لنكاحه، فإذا نكحها لم تنكح من خطبها على خطبة غيره، والركون: ظهور الرضا.
والقول باشتراط تقدير الصداق لابن نافع، وهو ظاهر الموطأ، والمشهور قول ابن القاسم، وابن وهب، عبد الحكم، ومطرف، وابن الماجشون.
ورأى في الأول أن الركون لا يحصل من غير تقدير الصداق؛ لأن اختلافهما عند تقدير الصداق كثير.
فقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى قوله: (وإِنْ لَمْ يُقَدَّرِ الصَّدَاقُ).
وقوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) إلخ، تصوره ظاهر.
وقد تقدم أن للمرأة ومن قام لها فسخ نكاح الفاسق.
فرع: قال مالك في سماع ابن أبي أويس: أكره إذا بعث الرجل رجلاً يخطب له امرأة أن يخطبها الرسول لنفسه وأراها خيانة، ولم أر واحداً رخص في ذلك.
فإن عَقَدَ فَثَالِثُهَا: يُفْسَخُ قَبْلَهُ لا بَعْدَهُ
القول بالفسخ [299/ ب] قبل البناء وبعده لابن القاسم، ومقابله لسحنون.
والثالث: قال في الاستذكار والكافي: هو المشهور.
والأقوال الثلاثة لمالك على عدم الفسخ.
قال ابن وهب: يستحب للعاقد أن يتوب ويعرضها على الخاطب أولاً، فإن حلله رجوت له في ذلك مخرجًا، فإن أبي فليفارقها، فإن أنكحها الأول وإلا فلهذا أن يستأنف نكاحها وليس يقضى عليه بالفراق.
عيسى: وإن لم يطلقها فليستغفر الله ولا شيء عليه.
وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وهُوَ حَرْبيٌّ أَوْ مُسْتَامَنٌ فأسلمت فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لأَنَّهَا أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، وهِيَ ووَلَدُهَا ومَالُهُ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، وقِيلَ: وَلَدُهُ الصِّغَارُ تَبَعٌ، وكَذَلِكَ مَالُهُ إِلا أَنْ يُقْسَمَ فَيَسْتَحِقّهُ بِالثَّمَنِ ....
قد تقدم هذا في الجهاد، وتقدم لنا فيه كلام على الولد والمال.
والاستثناء في قوله: (إِلا إِذَا سُبِيَتْ) وأخرنا الكلام على فسخ النكاح إلى هنا، وفيه أربعة أقوال:
ابن راشد: والمشهور ما ذكره المصنف وهو أن السبي يهدم النكاح سواء سبيا معاً أو أو مفترقين، قدم أحدهما بأمان أم لا، ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد.
انتهى.
وفهم المدونة على هذا ابن لبابة وأبو إسحاق.
والثاني: أن السبي يبيح فسخ نكاحهم إلا أن يقدم أحدهما بأمان، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
والثالث: أنهم على نكاحهم إلا أن
تسبى هي فيفوتها سيدها بوطء قبل أن يقدم زوجها.
وهو قول محمد، وفهم أبو بكر بن عبد الرحمن المدونة على هذا.
الرابع: إن سبيا معاً أو سبي هو واستبقي من القتل فهو على نكاحهم، وإن سبيت هي قبل حلت لمالكها.
وهو مروي عن مالك أيضاً.
ودليل المشهور قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24] وهن ذوات الأزواج ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] وهن المسبيات.
وقال جماعة من أهل التفسير: المحصنات هن جماعة من النساء لا يحللن إلا بالتزويج أو بملك اليمين.
والأول هو الظاهر لما في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدواً فقاتلوهم وظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24].
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وكُلِّ محرمتين– محرِّمٌ، وضَابِطُهُ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَرَابَةِ أَوِ الرِّضَاعِ مَا يَمْنَعُ نِكَاحَهُمَا لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا– وزِيدَ: مِنَ الْقَرَابَةِ؛ لأَجْلِ الْمَرأَةِ مَعَ أُمِّ زَوْجِهَا وَمَعَ ابْنَتِهِ– فَتَحْرُمُ أُخْتُهَا وعَمَّتُهَا وإِنْ عَلَتْ لأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وخَالَتُهَا كَذَلِكَ.
هذا راجع إلى قوله في المحرمات: (والمحرمة الجمع) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23].
وروى الترمذي وصححه أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن تنكح المرأة على عمتها، والعمة على بنت أخيها، والمرأة على خالتها، والخالة على بنت أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى.
والعلة في المنع كونه يؤدي إلى التقاطع والتدابر للغيرة التي بين الضرائر.
وضبطه
أصحابنا بما ذكره المصنف وهو (كُلُّ امْرَأَتَيْنِ ... إلخ) ولم يكتف بالضابط عن ذكر الأختين أولاً؛ لأن الأختين هما الأصل في هذا الباب، لأنهما متضمن الآية الكريمة، وشأن العلماء ذكر الأصول أولاً كقول ابن الجلاب: يستحب لمن استيقظ من نومه غسل يديه قبل أن يدخلهما في إنائه، وكذلك كل منتقض الطهارة.
وقوله (وزِيدَ: مِنَ الْقَرَابَةِ) يعني: وزيد في الضابط قولنا (مِنَ الْقَرَابَةِ)، لتخرج المرأة مع أم زوجها، لأنك لو قدرت أم الزوج ذكراً لم يجز له أن يتزوج المرأة لأنها حليلة ابنه لكن ليس بينهما قرابة، وكذلك المرأة مع بنت زوجها فأنك لو قدرت البنت ذكراً لم يجز له أن يتزوج المرأة لأنها حليلة أبيه لكن ليس بينهما قرابة.
فزاد قوله (مِنَ الْقَرَابَةِ) ليخرج هاتين الصورتين، فإن الجمع فيهما جائز.
وأخرج عبد الوهاب هاتين الصورتين بغير هذه الزيادة، فقال: لو قدرت كل واحدة ذكراً.
لأنك إذا قدرت أن المرأة في المثال الثاني ذكراً جاز له أن يتزوج البنت لأنها ابنة رجل أجنبي.
وقوله: (فَتَحْرُمُ أُخْتُهَا وعَمَّتُهَا وإِنْ عَلَتْ لأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وخَالَتُهَا كَذَلِكَ) أتى بالفاء لأنها كالنتيجة عما قبله.
قوله (لأَبٍ أَوْ أُمٍّ) يحتمل معنيين: أحدهما: أن العمة قد تكون أخت لأبيه خاصة، أو أخته من أمه خاصة، فإذا حرم بأحدهما فأحرى إذا اجتمعا.
والثاني: أن العمة كما تكون من جهة الأب كذلك تكون من جهة الأم؛ لأن أخت الجد للأم تسمى عمة عندهم، وأخ الجد لأم عم، هكذا قال ابن عبد السلام.
فَإِنْ اجْتَمَعَتَا فُسِخَا أَبَداً
أي: فإن جمع الأختين ونحوهما في عقد فسخ العقد قبل الدخول وبعده ولو ولدت الأولاد ولا خلاف فيه.
وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ أَبَداً بِغَيْرِ طَلاقٍ، ويُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلا أَنْ تُخَالِفَهُ الْمَتْرُوكَةُ فَيَحْلِفُ لِلْمَهْرِ ويُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلاقٍ ...
لا إشكال في الفسخ بغير طلاق؛ لأنه مجمع على فساده، فإن جهل التاريخ، قال المصنف قبل قوله في تعيين الثانية إن وافقته الثانية على ذلك.
هكذا قال أَشْهَب ومحمد.
اللخمي: والجاري على مذهب المدونة من عدم قبول تعيين المرأة، الأول في مسألة الوليين عدم قبول قوله هنا.
وقوله: (إِلا أَنْ تُخَالِفَهُ الْمَتْرُوكَةُ [300/أ] فَيَحْلِفُ لِلْمَهْرِ ويُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلاقٍ) ونحوه لمحمد والباجي.
وقوله (لِلْمَهْرِ) أي، لأنه مدع لسقوط نصف صداقتها، وعندي أن فسخ نكاحها يكون طلاقًا.
اللخمي: وهذه المسألة على سبعة أوجه: إما أن يقول الزوج: لا علم عندي.
وتدعي كل واحدة أنها الأولى، أو لا علم عند الجميع أيتهما الأولى، أو تدعي واحدة أنها الأولى وتقول الأخرى: لا علم عندي، أو يدعي الزوج العلم دونهما، أو تخالفه كل واحدة وتقول: أنا الأولى أو تخالفه إحدهما وتقول الأخرى: لا علم عندي، أو يكون العلم عند جميعهم، فإن قال الزوج: لا علم عندي وادعت كل واحدة منهما أنها الأولى فسخ النكاحان جميعًا.
مالك في الموازية: ولكل واحدة نصف صداقها، وعليه فيكمل لها الصداق في الموت.
وقال ابن حبيب: إذا مات يكون لكل واحدة نصف صداقها والميراث، وعليه فيكون عليه في الحياة ربع الصداق فقط، وتحلف كل واحدة لصاحبتها أنها الأولى، فإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى الصداق لمن حلفت منهما، وهو أقيس.
وإن ادعت إحداهما العلم،
وقالت الأخرى: لا علم عندي حلفت المدعية العلم واستحقت النصف، ولا شيء للأخرى، فإن نكلت اقتسمتاه، وإن اعترف الزوج لواحدة غرم للتي اعترف لها نصف الصداق، وحلف للأخرى وبراء، فإن نكل غرم لها نصف صداقها، وإن ادعى جميعهم العلم: الزوج والأختان، كان الجواب كالتي قبلها تأخذ التي أقر لها بغير يمين ويحلف الزوج للأخرى ويبرأ، فإن نكل حلفت التي أنكرها واستحقت، وإنما تخالف هذه التي قبلها في رد اليمين.
وإن ادعى الزوج الجهل بالأولى فسخ النكاحان، ولا ينظر إلى ما عند الأختين من علم أو جهل.
وإن ادعى العلم، وقال: هذه الأولى، فذكر ما ذكره المصنف بقوله: (ويُقْبَلُ قَوْلُهُ ... إلخ) وإن شهدت عليه البينة بالنكاحين فأقر بإحداهما وكذب الأخرى فسخ النكاحان بخلاف التي قبلها.
انتهى بمعناه.
وَيَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِبَيْنُونَةِ الأُولَى بِخُلْعٍ أَوْ بَتٍّ أَوِ انْقَضَاءِ عِدَّةٍٍ
يعني: أن التحريم بين الأختين إنما هو تحريم جمع، فإذا أبان الواحدة حلت الأخرى، وبينونتها بأحد ثلاثة أوجه، كما ذكر المصنف وهي: الخلع، والبت وهو الطلاق الثلاث، وانقضاء الطلاق الرجعي.
فَإِنْ قَالَ انْقَضَتْ وَأَكْذَبَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَإِنْ أَمْكَنَ كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى
إنما لم يقبل قوله؛ لأن ذلك لا يعرف إلا من قولها، وهن مأمونات على فروجهن.
وقوله (كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى) أي: سواء كما تلزمه النفقة والسكنى، إذا قالت: عدتي لم تنقض.
ويكون القول قولها.
ابن محرز: قال بعض المذاكرين: ويكون عليها اليمين في النفقة والسكنى، وأما في العدة فلا.
ونقل ابن بشير هذا عن الأشياخ، قال في النكت: قال بعض شيوخنا من القرويين في المرأة التي طلقها زوجها طلاقًا رجعيًا، فإن أراد أن يتزوج أختها أو خامسة، فقالت:
احتبس الدم عني، فهي مدقة فيه حتى تنقضي لها سنة، فإن ادعت التحريك بعد السنة لم تصدق على الزوج؛ لأن ذلك يظهر فينظر إليها النساء، فإن صدقنها وإلا لم يلزم الزوج أن يتربص إلى أقصى الحمل.
ومن هذا ما وقع لابن زرب فيمن مات وادعت امرأته أنها حامل، وورثته عصبته، فأرادوا القسمة، ومر لها عام فأكثر، فأرى أن ينظر إليها النساء، قال: والنظر أحسن إذا استبان اللدد.
وَفِي مَعْنَى النِّكَاحِ وَطْءُ مِلْكِ الْيَمِينِ
لما كان جمع الأختين على ثلاثة أقسام: بنكاح، وبملك، وبنكاح وملك، وتكلم على الأول شرع في الأخريين.
يعني إن وطئهما بالملك حرام كنكاحهما.
ولا خلاف فيه عندنا.
وَإِذَا وَطِئَ إِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الأُخْرَى مَا لَمْ يُحَرِّمِ الْمَوْطُوءَةَ بِبَيْعٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ يُقَرَّانِ عَلَيْهِ أَوْ عِتْقٍ نَاجِزٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ، أَوْ إِبَاقِ إِيَاسٍ ...
قوله (حَرُمَتِ الأُخْرَى) لأنه لو لم تحرم لجاز الجمع، والحكم خلافه.
ثم بين ما تحرم به الأولى بقوله: (بِبَيْعٍ ... إلخ).
وقوله (بِبَيْعٍ أَوْ كِتَابَةٍ) أما البيع فظاهر، وأما الكتابة فلأنها أحرزت نفسها ومالها وليس للسيد وطؤها، والأصل عدم إعجازها.
واختار اللخمي أن الكتابة غير كافية في التحريم لأنها قد يظهر بها حمل.
وقوله: (أَوْ تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ يُقَرَّانِ عَلَيْهِ) احترز بالصحيح من الفاسد كالمتعة، (ويُقَرَّانِ عَلَيْه) من الصحيح الذي لا يقران عليه كنكاح العبد بغير إذن السيد، والصبي كذلك، ونكاح المغرور بالعيب.
وقول ابن عبد السلام أن كون التزويج صحيحًا يستلزم أن يقرا عليه.
فلفظ (يُقَرَّانِ عَلَيْه) كالحشو ليس بظاهر.
وَلا أَثَرَ لِعَارِضٍ كَحَيْضٍ، وَعِدَّةِ شُبْهَةٍ، وَرِدَّةٍ، وَإحْرَامٍ، وَظِهَارٍ
لأن زمان الحيض يسير، ولأن مقدمات الجماع لا تحرم فيه، وكذلك عدة الشبهة؛ أي: إذا غلط بها، والردة وإن كانت تحرم الوطء في الحال، إلا أن زمان الاستتابة قصير، وهو ثلاثة أيام والغالب مع تقدم الإسلام، والخوف الرجوع إلى الإسلام، والإحرام أيضًا قصير الزمان، والظهار لأنه قادر على رفع التحريم بالكفارة.
وَلا بِهِبَتِهَا لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ وَلَوْ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ إِذْ لَهُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ بِالْبَيْعِ
تصوره ظاهر، وقد ذكر رحمه الله الحكم وعلته، فإن تصدق بها على ولده، وحيزت له جاز له وطء الأخرى، لأنه لا اعتصار في الصدقة، وإن لم تحز فلا.
قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: لأن الواهب لو أعتق قبل القبض أو أجلها لمضى فعله وانتقضت الهبة.
وَلا بَيْعَ فَاسِدٌ إِلا أَنْ يَفُوتَ
لأنه قبل الفوات لا ينتقل ملك البائع عنه وستعلم هذا في البيوع.
بِخِلافِ صَحِيحٍ دَلَّسَ فِيهِ بِعَيْبٍ
أي: فإنها تحل، وهذه النسخة هي الصحيحة لا ما وقع في بعضها ولا صحيح؛ لأن في التهذيب في آخر كتاب الاستبراء: وإن باعها وبها عيب حلت له أختها، وهو بيع تام حتى يردها.
ووقع في بعض النسخ زيادة على المشهور، وهي زيادة صحيحة لأن في الموازية أن ذلك ليس بتحريم كما نقله اللخمي وغيره.
وَلا اسْتِبْرَاءٍ وَلا خِيَارٍ ولا عُهْدَةٍ؛ يَعْنِي الثَّلاثَ
تصوره ظاهر، وقوله: (الثَّلاثَ) أي: عهدة الثلاث بخلاف عهدة السنة لطول زمانها.
فرع: ابن حبيب: ولو أخدمها شهراً أو سنة أو شبه ذلك لم تحل له أختها، وإن أخدمها سنين كثيرة، أو حياة المخدم، فذلك تحل له أختها.
فَلَوْ وَطِئَ مُنِعَ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ
أي: فلو وطاء الثانية بعد وطء الأولى منع منهما حتى يحرم أيتهما شاء، فإن حرم الثانية استمر على وطء الأولى.
اللخمي: وإن عاود الأولى قبل التحريم لم يطأ واحدة منهما إلا بعد الاستبراء، وله أن يطأ إحداهما ويؤتمن على ألا يصيب الأخرى.
وَلَوْ مَلِكَ وَوَطِئَ ثُمَّ عَقَدَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُمْنَعُ، فَإِنْ وَقَعَ حَرَّمَ مَنْ شَاءَ.
وقَالَ أَشْهَب: لا يُمْنَعُ، والْعَقْدُ مُحَرَمٌ لِلأَمَةِ.
وقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يُفْسَخُ ...
هذا هو القسم الثالث، وله صورتان: إحداهما: أن يتقدم الملك ووطء المملوكة.
والثانية: أن يتقدم النكاح.
وذكر المصنف في الصورة الأولى ثلاثة أقوال، والثلاثة في المدونة، ففيها: ومن وطاء أمة بملك، ثم تزوج أختها لم يعجبني ذلك إذ لا يجوز له أن ينكح إلا في الموضع الذي يجوز له فيه الوطء إلا أنه لا يفرق بينه وبين امرأته، ويوقف عنها حتى يحرم أيتهما شاء.
فإن اختار فسخ النكاح قبل البناء، فهل يلزمه نصف الصداق أم لا؟ فيخرجه بعضهم على المجوسي يسلم على عشرة واختار أربعة على ما سيأتي بعد من يكون لها صداقتها.
سحنون: وقد قال عبد الرحمن: إن النكاح لا ينعقد، وهو أحسن قوليه.
وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريم للأمة كان يطأ أم لا.
انتهى.
وقال بالفسخ عبد الملك، ومطرف، وابن الماجشون، وأصبغ.
وهو أقيس لما أشار إلى توجيهه في الرواية أنه لا يجوز النكاح إلا حيث يجوز الاستمتاع، ولا يستثنى من ذلك إلا
الحيض والنفاس.
قال ابن دينار على القول الأول: وأحبُّ إليَّ أن يحرم فرج التي كان يطأ ثم له حينئذ وطء الثانية.
وَلَوْ عَقَدَ ثُمَّ اشْتَرَى وَطِئَ الأُولَى فَلَوْ وَطِئَ الْمُشْتَرَاةَ كَفَّ عَنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ مَنْ شَاءَ ....
هذه هي الصورة الثانية من القسم الثالث.
قوله: (وَطِئَ الأُولَى) أي: الزوجة.
وكلامه ظاهر، وهل يكفي في تحريم الأمة أن يقول لها: إن وطئتك فأنت حرة؟ وفي تحريم الزوجة أن يقول: أن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً؟ نص عبد الملك على أن ذلك في الأمة ليس بتحريم لأن أول الإصابة حلال.
اللخمي: وعلى القول بعدم التمكين من الإصابة يكون ذلك تحريمًا.
وزعم ابن بشير أن المذهب عدم التمكين، وحاول رد تخريج اللخمي بوجه ليس ببين.
وَالزَّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ مُمْتَنَعَةٌ عَلَى الْحُرِّ والْعَبْدِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: الثَّالِثَةُ لِلْعَبْدِ كَالخَامِسَةِ لِلْحُرِّ ....
لا خلاف بين أهل السنة في تحريم ما زاد على الأربع لحديث غيلان الثقفي وغيره خلافًا لبعض المبتدعة.
ووجه المشهور في إباحة الأربع للعبد عموم قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3].
الآية.
وقاس ابن وهب ذلك على طلاقه، ويحتمل أن يكون منشأ الخلاف اختلاف الأصوليين في دخول العبيد تحت الخطاب وعدم دخولهم.
فَلَوْ نَكَحَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ فَكَالأُخْتَيْنِ
أي: فيفسخ أبداً.
وَأَمَّا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَرْبَعٍ وسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا صَحَّ
وهذا لا خلاف فيه.
وقال ابن لبابة: لا أحسبهم يختلفون فيه.
عياض: ما لم يكن شرط أنه إنما يتزوج إحداهما بشرط الأخرى.
فإن كان بالشرط.
ابن عبد السلام: يريد: ولم يكن ما سمي لكل واحدة صداق مثلها، فاختلف المتأخرون في ذلك، فأجازه ابن سعدون ولم يره كالبيوع، وخالفه غيره، ورآه كالبيوع فلا يجوز إلا أن يكون ما سماه لكل واحدة صداق مثلها.
وهذه المسألة لا تناسب هذا الفصل والأليق بها باب الصداق.
فَإِنْ أَجْمَلَهُنَّ فِي صَدَاقٍ وَاحِدٍ فَفِيهَا: الْمَنْعُ.
وقَالَ أَصْبَغُ بِالْجَوَازِ
إنما فيها: لا يعجبني، وفهم المصنف والأكثرون منها المنعَ، وعلى ذلك اختصرها الرادعي، وحملها بعضهم على الكراهة.
ابن محرز: وينبغي أن تجري على الخلاف في جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وكان ينبغي أن يخفف في النكاح لكونه مبنيًا على المكارمة وأما في البيوع فلا؛ لأنها مبنية على المكايسة، لأن المعاوضة وقعت بينهما لمكان الشرط، لأنها معاوضة بشيء مجهول، إذ لا يدري أحدهما هل حط من ثمن سلعته شيئًا لمكان الشرط أم لا، وإن حطه لا يدري أحدهما هل حط من ثمن سلعته شيئًا لمكان الشرط أم لا، وإن حطه لا يدري مقدار الحطيطة، وهذا بالنظر إلى البائع وأما بالنظر إلى المشتري بما يظهر للمنع لمكان ربه، والفرق بينه وبين النكاح ما تقدم.
ونص في المدونة على نقل ابن يونس: وإن جملهما في صداق لم يعجبني ذلك، وقد بلغني أن مالكًا كرهه لأنه لا يدري ما صداق هذه من صداق هذه.
قيل: فإن طلق إحداهما أو مات عنهما قبل البناء، كم يكون صداقها؟ [301/أ] أيقسم عليهما على قدرهما؟ قال: نكاحهما غير جائز؛ فقوله: (غير جائز) يفهم منه المنع لأن لفظ (لا يعجبني) كثيرًا ما يستعمله مالك في التحريم، ولا يوجد له استعمال (لا يجوز) في الكراهة.
وبقول أصبغ قال ابن دينار، وابن نافع، وسحنون، وحكي عن مالك: لأن النكاح مبني على المكارمة.
وَعَلَى الْمَنْعِ فَفِي فَسْخِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلانِ
يعني: فإن دخل مضى، وإنما اختلف قبل البناء فمذهب الشيخ أبي محمد أنه يفسخ ولا شيء لها، وكذلك قال ابن محرز.
وظاهر قول ابن القاسم أن النكاح فاسد، وأن المطلقة والمتوفى عنها لا شيء لهما، ومقتضى قوله أن النكاح يفسخ.
وقال بعض المذاكرين: لهما ما يخصهما من تلك التسمية؛ لأن النكاح أخف من البيوع، ومقتضى هذا أنه لا يفسخ، وكذلك قال في التنبيهات: ظاهره على أصله أنه لا شيء لهما؛ لأنه عنده من باب غرر الصداق؛ إذ لا يدري ما صداق هذه من صداق هذه.
ابن يونس: ويحتمل أن يقال على قوله في من نكح بدرهمين وطلق قبل البناء أن لهما نصف المسمى؛ لأنه إذا راعى قول من يجيز بالدرهمين وألزمه نصفهما بالطلاق فمراعاة قول نفسه وقول غيره أولى.
ابن عبد السلام: وهذان القولان عند المتأخرين مبنيان على المنع ابتداءً، هل هو على الكراهة أو على التحريم؟
وَعَلَى الْجَوَازِ أَوِ الإِمْضَاءِ فَفِي تَعْيينِ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوْ فَضِّ الْمُسَمَّى قَوْلانِ
أي: إذا قلنا بجواز النكاح ابتداءً وفرَّعنا على الإمضاء إما بعد البناء، وإما قبله على أحد القولين، وتصور كلامه ظاهر.
والقول بفض المسمى هو للقائلين بالجواز، ولا يمكن أن يأتي على الجواز خلافه وإن كان ظاهر كلامه أن القولين أيضاً يأتيان على القول بالجواز، وعلى هذا فالقول بصداق المثل إنما هو بعد البناء، وأما قبل البناء فلا شيء لها على مذهب ابن القاسم على ما قاله ابن يونس وغيره، ولهذا قال بان عبد السلام: قال غير المصنف: إنما يوجد القولان بفض المسمى أو تعييين صداق المثل بعد الدخول، وأن الفض مبنى على الكراهة وتعيين صداق المثل مبني على المنع.
وقد يجاب عنه بأن قوله: (فَفِي تَعْيينِ .. إلى آخره)، من باب اللف والنشر، وأن قوله: (فَفِي تَعْيينِ) راجع إلى قوله (أَوِ الإِمْضَاءِ) وقوله: (أَوِ فَضِّ الْمُسَمَّى) راجع إلى قوله (وَعَلَى الْجَوَازِ) وفيه بعد، والله أعلم.
فرع:
ابن يونس: يجوز أن يتزوج امرأتين إحداهما على صداق مسمى، والأخرى على تفويض في عقد واحد، وكذلك لو جمعهما في عقد واحد تفويضًا.
قاله أبو عمران.
وَالْمُسْتَوْفَاةِ طَلاقًا– وَهُوَ ثَلاثَةٌ لِلْحُرِّ واثْنَانِ لِلْعَبْدِ– لا تحلّ بِعَقْدٍ وَلا مِلْكٍ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا لازِماًَ وَيَطَأُهَا وَطْئًا مُبَاحًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ فِي الْحَيْضِ وَالإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ.
هذا راجع إلى قوله في الموانع (وَالْمُسْتَوْفَاةِ طَلاقًا) وقوله (لا تحلّ) خبر عن (الْمُسْتَوْفَاةِ).
وقوله: (وَهُوَ ثَلاثَةٌ) جملة وقعت بين المبتدأ والخبر وهي تفسير لقوله: (طَلاقًا).
وقوله: (لا تحلّ بِعَقْدٍ وَلا مِلْكٍ) يحتمل معنيين: الأول: لا تحل بعقد الغير عليها أو بوطء سيدها للذي طلقها ثلاثًا، وهو الأقرب.
والثاني: لا تحل بعقده هو عليها، ولا يمكله هو لها، ولا خلاف في ذلك كله عندنا لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] ولما في البخاري والموطأ ومسلم أن رفاعة طلق امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض ولم يستطع أن يمسها ففارقها وأرادت الرجوع إلى رفاعة، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته".
وذكر المصنف خمسة قيود لتحليل المبتوتة لمطلقها:
الأول: النكاح.
والثاني: الصحيح.
والثالث: اللزوم.
والرابع: الوطء.
والخامس: أن يكون مباحًا.
وبدأ بالكلام على الأخير طلبًا للاختصار، وهو إباحة الوطء، وذكر أن المشهور اشتراطه خلافًا لابن الماجشون، قال: لأنه وطء في نكاح لا حد عليه فيه، وذاقت عسيلته فوجب أن تحل.
وظاهر كلامه أن هذين القولين في كل صيام سواء كان واجبًا أو تطوعًا، أو في قضاء رمضان أو غيره، وهو رأي الباجي.
ورأى غيره أنه ظاهر المدونة والموازية، واختاره ابن رشد، وقال ابن حبيب بعد أن اختار قول ابن الماجشون: إن القولين فيما عدا صيام التطوع، وقضاء رمضان، والنذر غير المعين، وأن الوطء في هذه يحل اتفاقًا.
واختاره اللخمي، وهو عنده مذهب المدونة، لأن الصيام يفسد في الثلاثة بأول الملاقاة ولأن القضاء والنذر غير المعين مضمون بخلاف رمضان والنذر المعين فإنه وإن فسد بأول الملاقاة لكنه مخاطب بالإمساك عن التمادي.
وفي العتبية عن ابن القاسم أنه لا يحلها الوطء في رمضان ولا في نذر، ووقف في صيام التطوع، وعده ابن رشد ثالثًا.
أبو عمران: وإن وطئها قبل أن تغتسل من الحيض جرى على الخلاف في جواز وطئها حينئذ.
وَلا تَحِلُّ بِوَطْءِ مِلْكٍ
هذا راجع إلى القيد الأول وهو قوله: (نِكَاحًا).
وَلا بِنِكَاحٍ غَيْرِ صَحِيحٍ كَنِكَاحٍ الْمُحَلَّلِ
[301/ ب] هذا راجع إلى قوله (صَحِيحًا).
ومثل المصنف بنكاح المحلل لشهرته وللاختلاف فيه، ولأنه هو الغالب هنا، وإلا فكل نكاح فاسد مساو له في عدم التحليل،
ولا إشكال في عدم الحلية في النكاح الذي يفسخ قبل الدخول وبعده، وأما ما يفسخ قبل البناء فقط، فقال الباجي: إن وطاء بعد المرة الأولى وقع به الإحلال، وأما أول وطء وهو الذي يفوت به النكاح فلم أر فيه نصًا، وعندي أنه يحتمل الوجهين: الإحلال وعدمه.
ولعله أشار إلى الخلاف المعلوم، هل النزع وطء أم لا؟ ودليلنا على فساد نكاح المحلل ما صححه الترمذي وخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وخرج الدارقطني وابن ماجه عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار.
قالوا: بلى.
قال: هو المحلل.
ثم قال: لعن الله المحلل والمحلل له".
عبد الحق: وإسناده جيد.
ولا يقال أنه صلى الله عليه وسلم سماء محللاً، لأنا نقول إنما سماه على زعمهم.
وَالْمُعْبَبَرُ نِيَّةُ الْمُحَلَّلِ لا الْمَرْأَةِ
وإنما اعتبرت نية المحلل لأن الطَّلاق بيده، وهذا هو المعروف.
وفي الطرر: إذا نوى الإحلال من غير شرط لم تحل عند مالك، وأحلها ذلك عند غير واحد من أصحابه، وهو قول سالم والقاسم وأبي الزناد ويحيى بن سعيد قالوا كلهم: يجوز للرجل أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجين وهو مأجور، ونحوه في الزاهي لابن شعبان.
انتهى.
وقال صاحب الكافي: وقد قيل: ينبغي للأول إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها، أن يتنزه عن مراجعتها، وكذلك المرأة إذا اشترطت ذلك أو نوته، وقد قيل: إذا علم أحد الثلاثة بالتحليل فسخ النكاح وهذا شذوذ.
وفي المتيطية: إن نوى الناكح الإحلال للأول لم تحل له، وعوقب هو ومن علم بذلك من الزوجة والولي والشهود.
ابن حبيب: وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها، وإلا كان احتسب تحليلها للأول لم يجز ولا تحل للأول لما خالط نكاحه إياها من نية التحليل.
محمد: ولو قال المطلق: تزوجي فلانًا فإنه مطلاق، حلت إن تزوجته، وكذلك إن تزوجته هي لذلك، وإن تزوجها ليمين لزمت.
ففي البيان: في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يحلها كانت تشبه مناكحه أو لا، لأنه نكاح، ولو شاء أن يقيم عليه لأقام، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
الثاني: أنه لا يحلها مطلقًا غير أنها إن لم تشبه مناكحه لم يبر، وإن أشبهت بَرَّ، وهو قول ابن دينار، وأحد قولي ابن كنانة، ولو أقامت عنده سنتين أو أكثر.
الثالث: الفرق بين أن تشبه مناكحه أو لا، وهو أحد قولي ابن كنانة.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ بِتَطْلِيقَةٍ بِائِنَةٍ، وَلَهَا الْمُسَمَّى إِذَا أَصَابهَا عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ صَدَاقُ مِثْلِهَا ....
نص مالك على أنه يفرق بينهما قبل البناء وبعده، ولم يتعرض للطلاق، وفسر ابن المواز بأنه يفسخ بطلاق إن أقر بذلك قبل البناء وبعد العقد، قال: وأما إن أقر بذلك قبل النكاح فليس بنكاح.
يعني: فيفسخ بغير طلاق.
الباجي: وعندي أنه يدخله الخلاف في النكاح الفاسد المختلف في فساده، هل يكون بطلاق أم لا؟ وهو تخريج ظاهر.
وقول المصنف: (بَائِنَةٍ) ظاهر، لأنه من الطَّلاق الذي يوقعه الحاكم.
واختلف إذا فسخ بعد البناء، فروى ابن عبد الحكم: لها صداق المثل.
وقال ابن المواز: بل المسمى، وهو قول مالك.
الباجي: وهو الأظهر لأن فساده في عقده، وهو الذي قال المصنف أنه الأصح.
ابن عبدالسلام: وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في الأنكحة الفاسدة للشرط فأنتج له ذلك؛ أنا إذا فسخناه لنية الزوج الثاني التحليل، ولا شرط هناك أن يكون لها المسمى إتفاقًا، وإليه أشار.
انتهى.
وإذا فرق بينهما فأراد المحلل أن يتزوجها بعد ذلك، فقال مالك: له ذلك.
وروى أشهب: أحب إلي ألا ينكحها أبداً.
قال: ويجب عليه أن يأتي الأول فيعلمه أنه قصد تحليلها ليمتنع من نكاحها.
وَلا تَحِلُّ الذِّمِّيَّةُ بِنِكَاحِ الذِّمِّيِّ لِفَسَادِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
هذا من معنى الذى قبله, ومعناه: إذا كانت ذمية تحت مسلم, وطلقها ثلاثاً وتزوجها ذمي فلا تحل لمسلم بعد فراق الذمى لها على المشهور.
والقول: بتحليلها لأشهب, وهو مبني على الشاذ عندنا فى أن أنكحة الكفار صحيحة.
و (عَلَى الْمَشْهُورِ) يحتمل أن يتعلق بـ (لا تَحِلُّ) ويحتمل أن يتعلق بـ (فَسَادِهِ).
ابن عبد السلام: وهو الأظهر لأنه لو تعلق بـ (لا تَحِلُّ) كان الخلاف منصوصاً فى نفى الحلِّية مع فساد أنكحتهم, فلا يكون القول الشاذ سبباً.
انتهى.
وقد يقال: إن قوله: (لِفَسَادِهِ) إنما هو تعليل للمشهور فقط.
وليحيي بن يحيي قول ثالث: إن مات الذمي حلت وإن طلقها فلا.
وَلا بِنِكَاحِ غَيْر لازِمٍ كَنِكَاحِ الْعَبْدِ الْمُتَعَدِّي، ونِكَاحِ ذَاتِ الْعَيْبِ، أَوْ الْمَغْرُورَةِ أو ذِي الْعَيْبِ، أَوِ الْمَغْرُوِرِ إِلا إِذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ ورِضَا الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ.
] 302/ أ [هذا راجع إلى القيد الثالث, وقوله (الْمَغْرُوِرِ أو الْمَغْرُورَةِ) أى: بالحرية, (إِلا إِذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ) راجع إلى العبد.
وقوله (ورِضَا الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ) راجع إلى صورتي العيب والغرور.
وقوله (وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ) يعنى فى الخمسة, وهذا أعنى أنها لاتحل إذا أجيز النكاح بوطء سابق هو المشهور, وعن أشْهَب فى العبد أنها تحل فى الوطء المتقدم إذا أجازه السيد.
ومنشأ الخلاف هل الخيار الحكمى كالشرطي أو لا؟ فإن قلنا ليس كالشرطي والأصل فيه اللزوم أحل وإلا فلا.
وانظر هل يتخرج على هذا قول بالإحلال وإن لم يجزه السيد؟
وَيَكْفِي إِيلاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي الْقُبُلِ وَلَوْ كَانَ خَصِيّاً عَلَى الْمَنْصُوصِ.
قوله: (وَيَكْفِي إِيلاجُ الْحَشَفَةِ) أي: ولا يتوقف الإحلال على الإنزال.
وفسر مالك رحمه الله فى الموازية العسيلة المشترطة بالإيلاج, وروى نحوه ابن مزين عن عيسى بن دينار سواء أنزل أو لم ينزل.
وقوله (فِي الْقُبُلِ) ظاهر, لأنها لا تذوق العسيلة إلا فيه.
وفهم من قوله: (وَيَكْفِي إِيلاجُ الْحَشَفَةِ) أن دون ذلك لايكفى, لأنه بين أنه أقل ما يكون به الإحلال.
ابن القاسم: ولو وطئ فوق الفرج, فأنزل ودخل ماؤه فى فرجها فأنزلت هى فلا يحصنها ولا يحللها.
قوله: (وَلَوْ كَانَ خَصِيّاً) يعني قائم الذكر مقطوع الخصيتين.
والمنصوص مذهب المدونة, قيل: وسواء كان مقطوع الحشفة أو غير مقطوع.
وذكر بعضهم قولاً آخر أنها لاتحل, وأما المجبوب فنص فى المدونة أنها لا تحل به, قال فيها: لأنه لا يطأ.
وَالانْتِشَارُ شَرْطٌ فِي الْمَشْهُورِ
لأن العسيلة لا تحصل إلا به, والشاذ لابن القاسم فى الموازية.
وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُ الزَّوْجِ عِنْدَ الوَطْءِ وَإِطَاقَةُ الزَّوْجَةِ الْوَطْءَ
قيد بلوغ الزوج بأن يكون عند الوطء؛ لأنه لو حصل العقد قبل البلوغ, والوطء بعده أحلَّ, فإن وطئ قبل البلوغ لم تحل, وهو بين على المشهور من عدم حده لو زنى حينئذ, وأجرى اللَّخْمِيّ وغيره على الشاذ القائل بحد المراهق قولاً بأن يكون وطؤه محللاً.
قوله: (وَإِطَاقَةُ الزَّوْجَةِ الْوَطْءَ) أي: ولا يشترط بلوغها واحترز بذلك ممن لاتطيقه فإنه لاينفع فهو كالعدم.
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجَةِ خَاصَّةً بِالْوَطْء، وَقَالَ أَشْهَب: عِلْمُ الزَّوْجِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ حَلَّتْ ....
الأول لابن القاسم, ورأى أن الله سبحانه لما أضاف النكاح إليها بقوله ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾] البقرة: 230 [الآية, كانت هى المعتبرة.
ورأى أَشْهَب أن الزوج هو المعتبر لأنه الفاعل, ورأى ابن الماجشون أن الوطء سبب في الحلية من باب خطاب الوضع, وهو لا يشترط فيه علم المكلف وهو أقيس.
ورأى اللَّخْمِىّ أنها لا تحل إلا بأن يكونا عالمين لقوله صلى الله عليه وسلم "حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك".
فَلَوِ ادَّعَتِ الْوَطْءَ بَعْدَ الدُّخُولَ وأَنْكَرَهُ فَثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ بَعْدَ الطَّلاق فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَرَابعُهَا يَبْنَى عَلَى الْمَسِيسِ في الصَّدَاقِ ....
القولان الأولان فى المدونة, ففيها: قال مالك: ومن بنى بزوجته ثم طلقها فادعت المسيس وأنكره لم يحلها ذلك لزوج كان طلقها ثلاثاً إلا بتقاررهما على الوطء.
وقال ابن القاسم: أما فى الإحلال فلا أمنع المطلق منها وأدنيه, وأخاف أن يكون إنكار الزوج ليَضُرَّ بها فى نكاحها ولا تكون بذلك محصنة.
وحكى المصنف القول الثالث عن ابن القاسم, وحكاه الباجى عن ابن وهب وهو قريب المالك فى الموازية, إلا أنه جعل اختلافهما بقرب الطَّلاق كاختلافهما قبله.
والرابع للباجى.
ومعنى (يَبْنَى عَلَى الْمَسِيسِ في الصَّدَاقِ) أي حيث يكون القول قولها فى تكميل الصداق تحل, والصداق يكمل بقولها غن خلا بها خلوة الاهتداء, وأما إن خلا بها خلوة زيارة, فالقول قول الزائر منهما, وسيأتى.
اللخمي: وقول مالك أحسن لأن الحرمة متيقنة, وإنكار الثانى يوجب شكاً.
قال: والإحلال يصح بثلاثة شروط: بشاهدين على نكاح المحلل, وامرأتين على الخلوة, وتصادق الزوجين على الإصابة.
فإن لم يعلم التزويج إلا من قول المطلقة لم يقبل قولها فى الأمد القريب, ويقبل فى البعيد إذا كانت مأمونة.
واختلف فى غير المأمونة, فقال محمد: لايقبل قولها ولا يتزوجها الأول حتى يستخبر لنفسه ولو منعه السلطان حتى يعلم خبرها رأيت ذلك له.
وقال ابن عبد الحكم: لا يمنع إذا طال الأمد مما يمكن موت شهودها وهى كالغريبة, وإن كانا طارئين قبل قولهما ومنعت فى الأمد القريب؛ لأن عقد النكاح والدخول لا يخفى فى الغالب على الجيران, والمرأة تتهم فى الرجوع إلى الأول, وإذا طال الأمد تضعف التهمة ودينت الطارئة لتعذر إثبات ذلك إلا أن يكون الموضع قريباً, وإذا علم النكاح ولم يعلم الدخول حتى طلق لم تصدق أنه بنى بها لأن ذلك مما لايخفى وقد أتت بما لايشبه.
أشهب فى المدونة: ولو صدق الثانى لم تصدق, ولا تحل حتى تعلم الخلوة.
وَفِيهَا: إِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَمَاتَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ طَرَقَهَا لَيْلاً لَمْ تَحِلَّ بِذَلِكَ
تصوره ظاهر, ولعله نسبها للمدونة, لأنها تقتضى بحسب] 302/ب [المفهوم أنه لو كان حياً لصدقت إن وافقها الزوج, وليس كذلك كما تقدم عن أشهب.
الرِّقُّ قِسْمَانِ: مَانِعٌ مُطْلَقاً فَلا يَنْكِحُ أَمَتَهُ وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ .....
هذا راجع إلى أحد الموانع المتقدمة, وهو ينقسم إلى قسمين كما ذكر: الأول: (مانع مطلقاً) أى: فلا يجوز بوجه من الوجوه.
وحكى اللَّخْمِيّ وابن يونس وغيرهما الإجماع على أن الملك والزوجية لا يجتمعان لتنافي الحقوق, لأن المرأة إذا تزوجت عبدها تطالبه
بالنفقة للزوجية والخدمة للرق, ويطالبها هو أيضاً بالنفقة للرق والخدمة الزوجية.
وقوله (وَلَوْ مَلَكَ) يعني أن ملك أحد الزوجية لصاحبه مناف للنكاح, ولو طرأ الملك إما بميراث أو غيره.
وينبغى أن يفهم قوله (فَلا يَنْكِحُ أَمَتَهُ) على القن ومن فيها شائبة الحرية, لأن أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل والمعتق بعضها كالقن, وكذلك نص مالك على أن المرأة لا تتزوج مكاتبها, وأما من دفعت إليه جارية ليستخدمها فرأى بعضهم أنه يجري جواز نكاحها على الخلاف في حده إذا زنا بها, فمن يقول بحده هنا يقول بصحة النكاح, ومن يقول بسقوط الحد يقول بمنع النكاح.
ابن عبد السلام: وفيه نظر لأنه لا يلزم من كون الحد ساقطاً بالشبهة فسخ النكاح بها.
وحيث ملك أحد الزوجين صاحبه ففي الموطأ: هو فسخ بغير طلاق, وهو المعروف.
ونقل ابن سحنون أن الفرقة في ذلك طلاق.
فرع:
وهل يجوز للمكاتب والعبد أن يريا شعر سيدتهما, أجازه مالك في المدونة بشرط أن يكونا وغدين.
وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز ولو كانا وغدين, ولا يخلوان معها فى البيت.
قال في المدونة: وإن كان لها فيه شرك فلا يرى شعرها وإن كان وغداً.
اللخمي: واختلف فى عبد زوجها وعبد الأجنبى هل يدخل عليها ويرى شعرها؟
واختلف فى العبد الخصي الوغد, قال مالك: لا بأس أن يرى الخصي شعر سيدته وغيرها, وإن كان له منظر فلا أحبه, وأما الحر فلا, وإن كان وغداً.
وقال مالك فى العتبية: لا بأس أن يدخل على المرأة خصيها, وأرجو أن يكون خصي زوجها خفيفاً, وأكره خصيان غيره.
وقال أيضاً: لا بأس بالخصي والعبد أن يدخلا على النساء ويريا شعورهن
إن لم يكن لهما منظر.
فجعل الخصي فى القول كغيره ممن لم يخص فمنعه إلا أن يكون ملكا لها ولا منظر له, وأباحه فى القول الأخر إذا كان لزوجها, وإن لم يكن وغداً, ثم أجازه وإن كان لأجنبي, وأجاز دخول الخصي عليهن وإن كان حراً.
انتهى.
وَلا صَدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ
لأنه فسخ قبل البناء, وكل فسخ قبل البناء فلا شيء فيه إلا نكاح الدرهمين على أصح القولين.
وَبَعْدَهُ كَمَالها
أي: فإن استثنى الزوج المشترى المال كان الصداق له وإلا فهو لبائعها.
وَالْمَرْأَةُ فِي زَوْجِهَا كَذَلِكَ
يعني: فلا يجوز أن تتزوج عبده وما في معناه من مكاتب ونحوه, ولو ملكته بشراء أو غيره انفسخ النكاح بغير طلاق.
فروع: قال ابن القاسم في الموازية: وإن اشترى ابن زوج أمه أو امرأة أبيه انفسخ النكاح.
وعن أشهب: لا ينفسخ.
وَلَوْ دَفَعَتْ لِسَيِّدِهِ مَالاً عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْهَا فَكَذَلِكَ خِلافاً لأَشْهَبَ
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ, ومعناها أن الزوجة الحرة إذا دفعت مالاً لسيد زوجها ليعتقه عنها, (فَكَذَلِكَ) أي: يفسخ النكاح كما لو اشترته.
وهو مذهب ابن القاسم, وروى أَشْهَب أنه لم يستقر لها ملك عليه, وليس لها إلا الولاء كما لو أعتقه السيد عنها من غير سؤالها.
وَلَوِ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا وهِيَ غَيْرُ مَاذُونٍ لَهَا فَرَدُّهُ السَّيِّدُ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا
لأنها لم يأذن لها سيدها فى التجارة, ورد السيد لم يتم الشراء.
وَقَالَ سَحْنُونً: لَوْ تَعَمَّدَ فَسْخَ نِكَاحِهِمَا بِبَيْعٍ لَمْ يَنْفَسِخْ
هذا الكلام لسحنون فى المدونة, ونصه: وإن اشترته قبل البناء فلا مهر لها.
سحنون: إلا أن يرى أنها وسيده اغتزيا فسخ نكاحه فلا يجوز ذلك, وتبقى زوجته.
إذ الطَّلاق بيد العبد فلا تخرج من عصمته بالضرر, وقول سحنون تفسير.
وإذا وهب السيد لعبده زوجته لينتزعها ففيها لا يجوز له ذلك ولا تنتزع واستدل به على جبر العبد على الهبة وقيل: تنتزع .....
أي: أنه لا تتم الهبة ولا يفسخ النكاح, ومن لازم عدم الفسخ عدم الانتزاع, فيكون المصنف اكتفى بذكر اللزوم عن ذكر الملزوم.
وقول ابن عبد السلام: وتعبير المصنف عن فسخ النكاح بالانتزاع- وهو خلاف الاصطلاح- ليس بظاهر, لأنا نقول: لانسلم أنه عبر بالانتزاع عن الانفساخ, وإنما ذكر لازم عدم الانفساخ, وإنما لم ينتزع لأن السيد قصد الضرر بالعبد بإخراج زوجته والضرر متف لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاضرر ولا ضرار".
قال فى الجواهر: ولأصبغ أنه يكره له ذلك ابتداء, فإن فعل جاز.
وقال ابن الماجشون: إن كان مثله يملك مثلها فذلك له ويفسخ النكاح.
محمد: ولو لم يملك مثله مثلها فالهبة باطلة.
وقال ابن عبد الحكم: إن قصد الفرقة لم يجز.
انتهى.
والأظهر هو المشهور, ولعل هذا] 303/ أ [الخلاف محمول على ما إذا قصد السيد إزالة عيب النكاح عن عبده, إلا أن يحلها لنفسه.
ومثل المشهور فى هذه المسألة ما وقع لمالك فى المرأة ترتد تريد بذلك فسخ النكاح أنها تبقى على عصمته.
ابن يونس: وأخذ به بعض أشياخنا, قال: وهى كاشترائها زوجها.
تقصد به فسخ نكاحها.
ونسب المصنف المسألة للمدونة لوجهين: أحدهما: إشارة إلى أن قول سحنون في المسألة السابقة هو المذهب, لأن هذه تشبه تلك, وعلى هذا فيتخرج الخلاف الذي في هذه على تلك.
والثاني: إشارة إلى أخذ ابن محرز منها أن للسيد أن يجبر عبده على الهبة.
ووجه هذا الاستدلال أن يقال: إنما منع السيد من الإنتزاع لقصده الضرر فيقتضي أن السيد لو لم يقصد ضرراً لم يكن للعبد مقال, وهو دليل على أن له الجبر وإلا لكان للعبد أن يقبل الهية مطلقاً.
وَلا يَنْكِحُ أَمَةَ ابْنِهِ وَلَوْ كَانَ عَبْداً
لأن أمة ابنه كأمته لقوة شبهة ملك الأب في مال الابن, ولذلك قلنا: إذا وطئها لا يحد, واسم (كَانَ) يحتمل أن يعود على الأب وهو الأقرب لأن المسألة في المدونة وغيرها كذلك, ويحتمل أن يعود على الابن.
المتيطى: وكره ابن عبد الحكم أن يتزوج الرجل أمة ابنه, وإن وقع لم أفسخه.
وخالفه جميع أصحابه, وأجاز في العتبية للرجل أن يتزوج جارية زوجتة, وعن ابن كنانة كراهته.
قال فى البيان: مراعاةً لقول من رأى أن للزوج شبهة في مال زوجته فدرأ الحد عنه فى وقوعه بجاريتها, روى ذلك عن ابن مسعود وهو شذوذ, والصحيح أنه لا كراهة في تزويجه إياها, وأنه يحد إن واقعها كما روى عن عمر وعلي رضى الله عنهما.
انتهى.
وهذا فى جارية لم تكن من الصداق, وأما جارية الصداق فيجوز ذلك فيها بعد الدخول, ومنع منه في العتبية قبل الدخول.
وخرج فيها صاحب البيان قولاً بالجواز من أحد القولين اللذين فى ثمانية أبى زيد بوجوب الحد عليه لو زنا بها حينئذ.
وَيَمْلِكُهَا بِوَطْئِهِ، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ ويَغْرَمُ قِيمَتَهَا، وتُبَاعُ إِنْ أَعْسَرَ مَا لَمْ تَحْمِلْ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِلابْنِ التَّمَاسُكُ فِي عُسْرِ الأَبِ ويُسْرِهِ مَا لَمْ تَحْمِلْ
أي: يملك الأب جارية الابن بوطئه بغير نكاح, وتحرم بذلك على الولد لما له في مال ابنه من الشبهة, وتلزمه قيمتها حملت أم لا, كان مليئاً أو معدماً.
ونص سحنون على أنه إذا أعطى قيمتها لا يطؤها إلا بعد أن يستبرئها من مائه الفاسد.
قوله: (وتُبَاعُ إِنْ أَعْسَرَ مَا لَمْ تَحْمِلْ) يعني: إذا ألزمنا الوالد القيمة فإن كان مليئاً أخذت منه, وإن كان معدماً يبعت عليه إلا أن تكون حملت فلا تباع, وهي له أم ولد لا يحل نقل ملكه عنها, ورأى ابن عبد الحكم أن للابن أن يتماسك بجاريته إذا لم تحمل فى عسر الأب ويسره, لأن الأب قد عيب ملكه, وإخراج ملكه عنه بغير اختياره ضرر.
قال هو وعبد الملك: وذلك إذا كان الابن مأموناً عليها.
فَإِنْ كَانَ الابْنُ وَطِئَهَا وَقَدِ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا وَتُعْتَقُ
هذا من باب اللف والنشر, فإن الحرمة عليهما مرتبة على الوطء, والعتق مرتب على الاستيلاد, وإنما عتقت بالولادة لأن كل أم ولد حرم وطؤها ينجز عتقها, كما لو أولد محرماً غير عالم, ثم تبين ذلك لأن أم الولد إنما لسيدها فيها الاستمتاع, فإذا حرم لم يبق لبقائها فائدة.
وبهذا التقدير يندفع قول ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنها لا تحرم إلا بمجموع وطئها والاستيلاد.
ولم يبين المصنف على من تعتق؛ والحكم أنها تعتق على الابن إن كان أولدها قبل وطء والده, والأب قد أتلفها بوطئه فيغرم قيمتها أم ولد لأنا لو أعتقناها على الأب كنا ناقلين ولاء أم ولد عمن استولدها.
وإن كان الابن وطئها ولم تحمل منه ثم وطئها أبوه وحملت منه غرم قيمتها أمة وعتقت عليه.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ ابْنَةَ سَيِّدِهِ.
وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ
هذا فى المدونة, ويتصل بقول ابن القاسم فيها: برضا مولاه ورضاها به.
فأخذ منه أن العبد ليس بكفء للحرة, وأنه لابد من رضاهما.
عياض: وأخذ منها بعضهم أيضاً أنه ليس له أن يجبر البكر لاستراط رضاها.
قال: والظاهر أنه في غير البكر, والله أعلم.
واستثقال مالك على الكراهة.
ابن محرز: لأنه ليس من مكارم الأخلاق, ومؤدٍّ إلى التنافر, لأن الطباع مجبولة على الأنفة من ذلك.
وقال ابن يونس: إنما استثقله خوف أن ترثه الابنة فيفسخ النكاح.
وانظر على الأول هل يتعدى ذلك إلى عبد غير أبيها؟ ابن عبد السلام: وفيه احتمال.
عياض: الأول هو الصحيح؛ لأن مالكاً أجاز للرجل أن أمة أبيه, وقد يموت أبوه فيرثها.
وأجاب في النكت عن هذا بأن النكاح إذا انفسخ هنا لم يبطل الوطء, لأنها تبقى له يطأها بملك اليمين بخلاف الأولى.
ورد ابن محرز جواب عبد الحق بوجهين: الأول: أن الابن قد يكون معه ورثة غيره فلا [303/ب] يحل له وطؤها, وقد أجاز أن يتزوج الرجل أمة زوجته وهو لا يجوز ميراثها إذا مات فوطؤها لا يحل له بالميراث.
والأحسن أن التعليل بكراهية النكاح إنما هو لما يعرض له من الحل بالميراث, فلا فرق بين أن تصير بعد الفسخ مباحة الوطء أو محرمة؛ لأن الفسخ حاصل.
قال فى النوادر: عن ابن القاسم: ومن زوج ابنته لمكاتبه أو ابنه لمكاتبته فلا بأس به, وقد استثقله مالك, قال: فإن مات السيد فسخ النكاح والكتابة قائمة.
وحكى اللَّخْمِيّ قولاً آخر أنه لايفسخ لأنه إنما ورث الكتابة وهى دين, فإن عجزت فحينئذ يفسخ النكاح, وكأنه سلك فى القول الأول مسلك الاحتياط لأنه لو
ورث كتابة أخيه فإنه يسقط عنه الأداء, وإن كان مالاً خاصة, ولم يجبروه مجرى الديون فكذلك هنا.
الثَّانِي: مَانِعٌ عَلَى جِهَةٍ, فَلا يَنْكِحُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ مَمْلُوكَةَ الْغَيْرِ إِلا بِشَرْطِ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَكَوْنِهَا مُسْلِمَةً, ورُوِيَ: بِشَرْطِ الإِسْلامِ فَقَطْ .....
يعني: أن هذا القسم لا يستقل الرق فيه بالمانعية بل لا بد من أوصاف: الأول: أن يكون الزوج حراً, فلو كان عبداً جاز له أن يتزوج أمه الغير من غير شرط, وقوله: (الْمُسْلِمُ) زيادة بيان, وإلا فالكافر لا يجوز له أن يتزوج المسلمة أصلاً.
الثاني: أن يعدم الطول.
الثالث: أن يخاف العنت.
الرابع: أن تكون الأمه مسلمة.
ولا خلاف في اشتراط الإسلام لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
وأما عدم الطول وخوف العنت فالمشهور اعتبارهما لقوله جل جلاله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25].
إلى قوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25].
وأكثر قول مالك موافق للمشهور, وأكثر قول ابن القاسم موافق للشاذ, قاله اللخمي, ونص ابن حبيب وغيره على أن هذه الآية محكمة.
عبد الحق: وهو قول علي وابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم, وهو قول أصحاب مالك, ورواه ابن وهب عن مالك.
وقال سنحون ومحمد: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] ناسخة لها.
وحكاه محمد عن مالك.
الباجي: وفيه نظر؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل, ولأن قوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] عامة و ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [النساء: 25] خاصة, والخاص مقدم على العام وتقدم أو تأخر.
وذهب بعضهم– وهو اختيار ابن لبابة– إلى أن الآية لا تقتضي منع نكاح الإماء مطلقاً, وإنما هو لما كانوا عليه من الكراهة والتنزيه عن ذلك لأجل استرقاق منع نكاح الإماء مطلقاً, وانما هو لما كانوا عليه من الكراهة والتنزيه عن ذلك لأجل استرقاق الولد,
أعلمهم الله أن ذلك خير من الزنا, وما قاله بعيد من لفظ الآية قاله فى التنبيهات.
وإذا فرعنا على المشهور من المنع إلا بالشرطين فهل هو تحريم أو كراهة؟
الباجى: وفي المدونة ما يدل على القولين لأن مالكاً قال فيمن تزوج أمة على حر فرق وبين الأمه, وبه قال أشهب وابن عبد الحكم, ثم رجع فقال: تخير الحرة.
وأجازه ابن القاسم.
فقوله بإيجاب الفسخ يقتضى التحريم, ومنع الفسخ مع منع النكاح أولا يقتضى الكراهة.
خليل: ولقائل أن يقول: لا يلزم من عدم الفسخ الكراهة لاحتمال أن يقول ابتدأ بالمنعَ وبعدم الفسخ مراعاة للخلاف فانظره.
وَالطَّوْلُ: قَدْرُ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ.
وقِيلَ: أَوْ يَشْتَري بهِ أَمَةً.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وقُدْرَتُه عَلَى النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى.
وَقِيلَ: أَوْ وُجُودُ الْحُرَّةِ فِي عِصْمَتِهِ لا الأَمَةِ.
وقِيلَ: أَوِ الأَمَةِ.
فلِذَلِكَ جَاءَ فِي نِكَاحِهِ الأَمَةَ مَعَهَا عَاجِراً عَنْ حُرَّةٍ أُخْرَى قَوْلانِ, وجَازَ مَعَ الأَمَةِ اتِّفَاقاً.
وَقِيلَ: الطَّوْلُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى دَفْعِ الْعَنَتِ, فَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً يَخَافُ الْعَنَتَ فِيهَا وَاجِداً أَوْ مُتَزَوِّجاً .....
هذا تفسير للطول, والطول لغة: الفضل والسعة, قال تعالى: ﴿اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 86].
واختلف علماؤنا في المراد في قولة تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25] ففي المدونة: الطَّوْل: المال.
وليست الحرة تحته بطَوْل.
وروى ابن المواز عن مالم أن الطول وجود حرة فى عصمته.
ومقتضى كلام المصنف أن هذا القول يوافق الضمير قبلة لعطفة بـ (أَوْ) , واستشكله الباجي بأنه لا يعلم اسم الطول يقع على الحرة فى كلام العرب, ولأنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] فجعل الطول يتواصل به إلى إنكاح الحرة, ولو كانت الحرة طولاً لم يجعله شرطاً فى الوصول إليها, لأنه لا يصلح أن بقال: ومن لم يستطيع منكم حرة أن ينكح حرة.
قال: فمن قال: إن الطول المال, فالنكاح عندة بمعنى العقد, ومن قال الطول الحرة فالنكاح
عنده بمعنى الوطء.
واذا فرعنا على أن الطول المال, فروى محمد: أنه إذا لم يجد إلا مهر حرة ولا يجد ما ينفقه عليها ليس له أن يتزوج الأمة, وهذا هو القول قدمه المنصف.
ابن حبيب فى واضحته: وقال لي أصبغ: وعدم الطول ألا يجد ما يصلح به نكاح الحرة من مهر ونفقة ومؤونة.
على هذا ففى قولة قال ابن حبيب نظر لأنه لم يقله وإنما رواه.
اللخمي: وهو أبين لأن القدرة على الصداق دون النفقة لا تفيده, لأن من حق الزوجة أن تقوم بالطلاق إذا علمت أنه عاجز, إلا أن يجد من يتزوجه [304/أ] بعد علمها بذلك، قال صاحب المقدمات: إن ما رواه ابن حبيب أصح مما رواه محمد.
وكذلك حمل غيرهما قول ابن حبيب على الخلاف, والقول بأن الطول ما يشترى به أمة لم أقف عليه, وكذلك القول بأن وجود الأمة فى عصمته طول, وقال ابن رشد.
والقول بأن الطول (مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى دَفْعِ الْعَنَتِ) وهو الذى حكاه المصنف أخر كلامه لأشهب.
وقوله: (فلِذَلِكَ جَاءَ فِي نِكَاحِهِ الأَمَةَ مَعَهَا عَاجِراً عَنْ حُرَّةٍ أُخْرَى قَوْلانِ) أتى بالفاء المؤذنة بترتيب هذا على قبله, والضمير فى (مَعَهَا) عائد على (الحُرَّة) أي: أن بنينا على المشهور من وجود الحرة تحته ليس طولاً جاز له نكاح الأمة, وإن بنينا على أنه طول لم يجز ذلك.
الباجي: ويتحصل فى نكاح الأمة على ثلاث روايات:
إحداهما: لا يجوز وإن عدم الطول الذي هو المال وخاف العنت لأن الحرة تحته طول.
والثانية: يجوز وإن لم يعدم طولاً ولا خاف العنت.
والثالثة: يجوز مع عدم الطول وخوف العنت, ولا يجوز مع وجود الطول وأمن العنت.
والأولى بطريق المصنف في الاختصار إسقاط هذا الفرع؛ لأنه لو سكت عنه أخذ مما قبله, وعلى هذا التقدير فيكون كلام المصنف: فلذلك جاء في جواز نكاح الأمة
مع الحرة.
ويحتمل أن يقدر: جاء في صحة.
ويكون هذا أولى, لأن كلامه أولاً لا يستلزم الكلام على الصحة, ويؤيد هذا التقدير ما بأتي له بعد من قوله (واذا تزوج الحر الأمة على الحرة وأمضى على المشهور).
تنبيه: قوله فى أول المسأله (مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ) يقتضي أنه لو قدر على حرة كتابية لا يكون طولاً, وهو كذلك, نص عليه ابن العربى.
وفي التنبيهات: اختلف العلماء فى القدرة على نكاح حرة كتابية هل هو مع ذلك طول أم ذلك خاص بحرائر المسلمات؛ لأنهن بمعناهن, ولأن علة المنع إرقاق الولد فى الإماء, وهو غير موجود في حرائر الكتابيات.
وقد نص مالك في المبسوط على هذة العلة- أعني: إرقاق الولد في الإماء- وطرد أصله عليه فأجاز نكاح الابن أمة أبيه؛ إذ ولده منها يعتق على جده، وكذلك يأتي في إماء الأجداد والأمهات والجدات, وعلى هذا المعنى حمل مسألة الابن في المدونة حذاق شيوخنا أنها جائزة ابتداء مع وجود الطول وأمن العنت.
وقال ابن عبد السلام: ما ذكره المصنف من اشتراط الإسلام هو خلاف إطلاقاتهم, واختار بعضهم ما قاله المصنف, بل نص بعضهم على أنه متفق على عدم اشتراطه, وظاهر الآية يوافق ما قاله المصنف.
انتهى.
ولأجل أن العلة إرقاق الولد قال اللخمي: يجوز نكاح الأمة في ثلاث صور: الأولى: إذا كان الولد حراً كما فى أمة الأب.
والثانية: نكاح من لا يخشى منه الحمل كالعنين والشيخ الهرم.
والثالثة: الهبد.
ابن بشير: ما قاله فى الثالثة صحيح, وأما فى الأوليين فقد يقال: لا يلتزم ذلك لاحتمال أن يقال إنما مستند القائل بالمنع الآية, ثم عضد ذلك بالتعليل, ولو سلم استناد الحكم إلى التعليل فبين الأصوليين خلاف فى لزوم عكس العلة الشرعية.
وأيضاً فقد ذكر اللَّخْمِيّ علة أخرى للمنع وهي أن الأمة تنقطع إلى السيد فلا يؤمن عليها, وقد علم قلة تصونهن, قال: وهذه العلة ترد ما قاله من الجواز في الصورتين الأوليين.
خليل: وفى قول ابن بشير هذه العلة ترد ما قاله من الجواز في الصورتين الأوليين نظر, وما حمله عليه الحذاق كما تقدم من كلامه في التنبيهات.
وذكر في البيان الاتفاق على جواز نكاح الحصور وغيره ممن لم يولد له الأمة بدون الشرطين.
وقوله: (وجَازَ مَعَ الأَمَةِ اتِّفَاقاً) أي: المملوكة.
ولا يقال: هذا يناقض ما تقدم له من قوله (وقِيلَ: أَوِ الأَمَةِ) لأن الكلام المتقدم في الأمة المتزوجة وهذا في المملوكة, وكذلك أيضاً لا يقال: هو يرد ما تقدم له, وأن الطول ما يشترى به أمة؛ لأن الثمن إذا عد طولاً فهي أولى كما قاله ابن رشد, ولأنا نقوله هذه الأمة لما كانت مملوكة تحقق فيها عدم الكفاية, بخلاف الثمن فإنه يحتمل إذا اشترى به الأمة أن تعفه وتكفيه.
وقوله: (فَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً يَخَافُ الْعَنَتَ فِيهَا وَاجِداً أَوْ مُتَزَوِّجاً) هو تفريع على القول الأخير, والله اعلم.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلا مُغَالِيَةً بِسَرَفٍ نَكَحَ الأَمَة عَلَى الأَصَحِّ
معناه إذا بنينا على أن الطول المال, وكان له مال, ولكنه لم يجد إلا من طلبت مالاً كثيراً يخرجه الى السرف, فالأصح أن ذلك عذر يبيح له نكاح الأمة قياساً على الماء في التيمم والنعلين في الحج.
وقيل: لا يكون عذراً قياساً على قولهم في الظهار أنه يلزمه شراء الرقبة ولو بجميع ما معه, ولا ينتقل إلى الصوم, وكذلك فى [304/ب] كفارة اليمين,
ويرجع الأول بأن رده الى التيمم أولى, لأن كلاً منهما لم يدخله المكلف على نفسه, ولأن الظهار لما كان محرماً فعله عوقب بذلك, ويعترض على هذا باحتمال أن يكون في التيمم لتكرره.
تنبيه:
لا فرق فيما يقدر به على نكاح الحرة بين أن يكون عرضاً أو نقداً أو دينا على مليء, أو مما يمكن بيعه أو إجارته, رواه عبد الملك عن مالك.
عبد الملك: والكتابة طول؛ لأنها يمكن بيعها كالدين المؤجل, وليس المدبر والمعتق إلى أجل طولاً؛ لأنه لا يمكن بيعه.
واستشكله الباجي بأنه يمكن بيع منافعه وإجارته المدة غير الطويلة, وليس الدين على العديم طولاً ولا عبده الآبق وإن قرب إباقه.
فرع:
إن بنينا على الفول بحوز نكاح الأمة بدون الشرطين جاز أن يتزوج أربع إماء, وإن قلنا أنه لا يجوز إلا مع وجودهما, فكم يباح له؟ أما إن لم يأمن العنت إلا بنكاح أربع فله نكاحهن, وإن تزوج واحدة واستغنى بها, فهل يجوز أن يتزوج ثانية؟ حكى ابن بشير وابن شاس في ذلك خلافاً, والقول بعدم الجواز في الواضحة, والقول بالجواز في الواضحة، والقول بالجواز هو ظاهر الموازيه.
تنبيه:
والذي رأيت في الباجى في معنى قولنا: واستشكله الباجي- أن مراده إن لم يكن عنده ما يتوصل به إلى نكاح حرة, ومعنى ذلك أن ما أمكن أخذ ثمنه والمعاوضة به فيبلغ به طولاً ولم يبلغ، ولم يمكن, فليس بطول, والمدبر لا يمكن بيع رقبته, ولا منافع المدة الطويله لأن أمره مترقب لجواز أن يموت أو يمرض, فترد الإجارة؛ فلذلك لا يعد طولاً.
انتهى.