العدة وعقد بعدها القولان، وأما من خطب في عقد النكاح وتناول العقد غيره فكما ذكرنا، وقد أساء من حضر العقد، رواه أشهب عن مالك، وقال أصبغ؛ لا شيء عليه.
وقوله: (بِخِلافٍ الرَّجْعَةِ وشِرَاءِ الإِمَاءِ) أي: فيجوز، ولا أعلم في ذلك خلافاً عندنا.
وَيُفْسَخُ وَإِنْ وَلَدَت الأَوْلادَ بِغَيْرِ طَلاقٍ ثُمَّ قَالَ بِطَلاقٍ
تصوره ظاهر والمشهور الرواية المرجوع إليها.
وَفِي تَابِيدِ التَّحْرِيمِ رِوَايَتَانِ
المشهور نفي التأبيد، وهو الأصل، وقاسه في الرواية الأخرى عل النكاح في العدة بجامع الاستعجال قبل الأوان.
فَلَوْ وَكَّلَ ثُمَّ أَحْرَمَ فَعَقَدَ لَهُ فُسِخَ
لا خلاف فيه.
خليل: وانظر إذا وكل المحرم حلالاً ليعقد له الوكيل إذا حل، وقد يتخرج عل قولين، هما: إذا خطب في العدة وعقد بعدها.
فرع: منتهى المنع في الحج إلى طواف الإفاضة، ولو نكح بعد الطواف وقبل ركعتيه فإن عثر عليه بالقرب فسخ بطلقة، وإن تباعد جاز.
الْمَرَضُ: وَلا يَجُوزُ نِكَاحُ مَرِيضِ مَخُوفٍ عَلَيْهِ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى الاسْتِمْتَاعِ، وَيُفْسَخُ وَلَوْ دَخَلَ.
وَرُوِيَ: يَجُوزُ مُطْلَقاً، وَعَلَى الْمَشْهُورِ لا صَدَاقَ لَهَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ
هو أحد الموانع المتقدمة.
وقسم اللَّخْمِيّ نكاح المريض على ثلاثة أيام: جائز، وممنوع، ومختلف فيه.
فإن كان غير خوف أو مخوفاً متطاولاً كالسلِّ والجذام وتزوج في أوله جاز، وإن كان محوفاً أشرف صاحبه على الموت لم يجز، واختلف إذا كان مخوفاً غير متطاول ولم يشرف صاحبه على الموت على ثلاثة أقوال، والمشهور من قول مالك
وأصحابه أنه فاسد ولا ميراث بينهما، وذكر ابن المنذر عن مالك والقاسم وسالم وابن شهاب جوازه إن لم يكن مضاراً، أي إن كانت له حاجة لمن يقوم به أو في الإصابة جاز وإن لم تكن له حاجة إلى شيء من ذلك فهو مضار.
وذكر عن مطرف أنه أجاز ذلك جملة من غير تفصل.
ونحوه للمتيطي، وزاد: وعلى المشهور العمل وبه الحكم.
وعلى هذا فلم يذكر المنصف المشهور، لكن قوله (وَعَلَى الْمَشْهُورِ لا صَدَاقَ لَهَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ) يقتضي أن ما قدمه هو المشهور، ونحوه لابن شاس.
وما ذكره المصنف ظاهر، سواء قلنا هو فسخ بطلاق أم لا؛ لأنها مجبوران على ذلك.
فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ
القول بأن لها المسمى رواه أشهب وعلي بن زياد عن مالك، وبه قال عبد الملك وابن نافع وأشهب وأصبغ.
قوله (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ) هذا مذهب المدونة، ففيها في النكاح الثاني: إن دخل كان لها صداقها.
وزاد في كتاب الأيمان بالطلاق: فإن كان ما سمي أكثر من صداق مثلها فلها صداق مثلها.
عياض: فتأوله أبو عمران على أن لها الأقل.
وقال سحنون: هو غلط، ولها صداق مثلها.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وَهُوَ مِنَ الثُلُثِ اتِّفَاقاً
فيه نظر؛ لأن القابسي حكى عن المغيرة أنه من رأس المال.
أبو عمران: ورأيت كتاب المغيرة فلم أجده، وإنما نص أنه من الثلث، قال: ولا أدري عن أين أخذه.
واختار القابي أن يكون ربع دينار من رأس المال.
وهو الذي يذكره المصنف بعد.
وعلى هذا ففي المسألة ثلاثة أقوال، ولا يلزم ما ذكره أبو عمران لاحتمال أن ينقل عنه بواسطة دون كتاب.
ولا يقال: القول بربع دينار يعارض ما حكاه المصنف من الاتفاق
لأنه إنما حكى الاتفاق في كل الصداق، وهذا القول إنما هو في ربع دينار لجواز أن يكون الصداق كله ربع دينار.
وَيُبدِّي عَلَى الْوَصَايَا والْعِتْقِ، وَفِى مُحَاصَّتِهَا بِالْبَاقِي فِي الْوَصَايَا قَوْلانِ
هكذا قال في المدونة أنه يبدى على الوصايا والعتق.
ثم إنه يحتمل أن يريد بقوله (والْعِتْقِ) الموصى به، ويكون من عطف الخاص على العام، وتكون فائدته الاهتمام بهذا الفرع لئلا يتوهم خروجه، ويحتمل - وهو الظاهر - أنه يبدى على الوصايا وعلى العتق الذي يخرج من الثلث إما بتلافي المرض وإما آيلاً إليه كالمدبر في الصحة والمرض.
وإنما قلنا أنه الظاهر؛ لأن فائدة قوله حينئذ (والْعِتْقِ) التأسيس، وعلى الأول التأكيد، والتأسيس أولى.
وعلى الاحتمال
الثاني: يكون صداق المنكوحة في المرض مقدماً على المدبر، وهو أحد قولي ابن القاسم، وبه قال سنحنون، والمشهور أن المدبر في الصحة مقدم عليه.
وثالثها: يتحاصان.
وقوله: (وَفِى مُحَاصَّتِهَا بِالْبَاقِي) هذا فرع على قول ابن القاسم، أي: إذا قلنا أنها تقوم بالأقل فهل يسقط الزائد، وهو قول ابن القاسم، أو تحاص به في الوصايا، وهو قول أصبغ.
ابن يونس: وهما بيان على الميراث فمن رأى أنها لا يتوارثان رأى لها الزائد عل صداق المثل إذ ليس فيه أكثر من أن يكون وصية لغير وارث، ومن رأى أنها ترثه لم يعطها الزائد لأنها وصية لوارث.
وما ذكرناه من أنه أراد بالقولين قول ابن القاسم وأصخ هو الراجح هنا، وجوز فيه ابن عبد السلام وجهاً آحر، وزعم أنه الأرجح، وهو أن يريد قول أصبغ وعبد الملك وهو أنه يبدأ بالجميع على الوصايا.
وقلنا: الأول أولى؛ لأن قوله (بِالْبَاقِي) ينافيه، إذ ظاهر قوله (بِالْبَاقِي) أن الحكم هو الأقل ابتداء، فيكون هذا مفرعاً عل قول ابن [312/أ] القاسم، وعبد الملك أنما خالفه في أصل المسألة، فقال: لها جميع المسمى.
ومن لازم ذلك أن يكون مدى بالجميع، ولا يقال
أن قول ابن القاسم تقدم، ولا وجه لتكراره، لأنا نقول: ذكر ذلك لإفادة قول أصبغ.
واعترض التونسي قول ابن القاسم بأن هذا الصداق إن غلب عليه حكم المعارضة فيجب من رأس المال؛ لأنه ثمن الفسح، كأكل المريض وشربه، وإن كان البضع لا ثمن له فلا يخرج من الثلث أيضاً لأنها عطية أريد إخراجها من رأس المال، وما كان كذلك فلا يخرج من ثلثه ولا ضره.
وأجيب بأن ما زاد على صداق المثل عطية في المرض قصد بها رأس المال، فتبطل مطلقاً، وصداق المثل من حيث إنه عن عوض يجب أن يكون من رأس المال، ومن حيث إنه عن عوض متمول يجب كونه كالعطية فوجب التوسط فيه فيكون من الثلث.
وَقِيلَ: أَمَّا رُبُعُ دِينَارٍ فَمِنْ رَاسِ الْمَالِ
تقدم.
واستحسن عبد الحق هذا القول، إذ لا يباح البضع بأقل منه كالعبد يتزوج بغير إذن سيده.
وَلا تَرِثُهُ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَرِيضَةِ فِي الْفَسْخِ وَنَفْيِ الإِرْثِ
لا ترثه لفساد النكاح ولأنا إنما فسخناه لأجل الإرث، وعلى القول بإجازة هذا النكاح ترثه.
وقوله: (وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَرِيضَةِ فِي الْفَسْخِ وَنَفْيِ الإِرْثِ) أي: كما أن نكاح المريض الصحيحةَ لا يصح، فكذلك نكاح الصحيح المريضة.
وقيد المصنف الشبه بينهما في الفسخ ونفي الإرث؛ لأن حكم الصداق مختلف فيهما.
فرع:
فإن مات هو في هذه المسألة فالقياس أنها لا ترثه.
وقد نص مالك في الموازية على عكسها، إذ قيل له من رواية أشهب في الذي ينكح في مرضه حرة مسلمة– يريد
صحيحة- فماتت هي، أيرثها هو؟ فقال: كيف يرثها ولا ترثه.
واعترضه التونسى بأن نكاح المريض إنما منع لزيادة الوارث، وقد أمن ذلك بموتها.
والذي ذكره مالك هو القاطع؛ لأن النكاح نسبة بين المتناكحين، فإذا بطل أحدهما بطل الآخر.
فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى
لأن الزوج هنا صحيح لا حجر عليه، ولا خلاف فيه، وإنما وجب المسمى لأن الفساد هنا في العقد.
وَلَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ مَضَى وَرَجَعَ إِلَيْهِ وَقَالَ: امْحُ الْفَسْخَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَسَادَهُ لَحِقَ الْوَرَثَةَ أَوْ لِعَقْدِهِ .....
هذه إحدى الممحوات الأربع، وقد تقدمت في الأضحية.
وقوله (بِنَاءً .. إلى آخره)، أي: فإن قلنا أن فساده لحقِّ الورثة صح النكاح؛ لأنه لم يبق للوارث حق.
وإن قلنا (لِعَقْدِهِ)، أي: لمخالفته الستة فسخ ولو صح، وعلل بعضهم ذلك بأنه فاسد لصداقه، إذ لا يدري هل يخرج من الثلث أو يعضه؟ ورد بأنه لو كان كذلك لمضى بعد البناء كغيره.
وأجيب بأن غيره إذا وجب فيه صداق المثل بالدخول زال العذر لتعلق صداق المثل بالذمة، بخلافه هنا، ورد أيضاً بأن إخراج الصداق من الثلث معلل بفساد النكاح، فلو جعل الإخراج من الثلث علة للفساد للزم الدور.
فرع:
وإذا فرعنا على القول بالصحة فهل يعجل بالفسخ قبل الصحة إذا اطإع عليه؟ وهو الذي في الموازية، قال فيها: ويفسخ وإن دخل.
وقال ابن كنانة: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده.
وقال ابن القمار: الفرقة استحسان؛ لقول مالك: إذا صح ثبت النكاح.
اللخمي: وهو أصوبها، فيؤمران الآن، ولا يجبران؛ لأنا لا نقطع أنه مرض موت، ويمكن أن يصح فينكشف أن العقد صحيح فيوقف عنها، ويتربص حتى ينظر ما يؤول إليه أمره.
ابن عبدالسلام: والذي في الموازية أشهرها.
وَمُقْتَضَى الأَوَّلِ صِحَّتُهُ فِي النَّصْرَانِيِّةِ وَالأَمَةِ، وَأُجِيبَ بِجَوَازِ الإِسْلامِ وَالْعِتْقِ
أبو مصعب: يصح للمريض نكاح الكتابية والأمة.
وهو مقتضى التعليل بأن الفساد لحق الورثة إذ هما لا يرثان، وهذا معنى قوله (وَمُقْتَضَى الأَوَّلِ صِحَّتُهُ فِي النَّصْرَانِيِّةِ وَالأَمَةِ).
ابن محرز: وأكثر المذهب على خلاف قوله، وأنه لا يصح فيهما لأن الأمة قد تعتق والنصرانية قد تسلم قبل الموت، فتصيران من أهل الميراث.
بعض البغداديين: وهذا القول أصح.
وقال اللَّخْمِيّ وغيره من القرويين: قول أبي مصعب أحسن؛ لأنه أوقع النكاح في حال لم يدخل به على الورثة محرراً، وما يترقب من الإسلام والعتق مشكوك فيه، وهو نادر، والأصل عدمه.
فرع:
وإذا أذن له الورثة الرشداء أن يتزوج حرة مسلمة، فقال محمد: لا يجوز لاحتمال موت الآذن ومصير الميراث لغيره.
واعترض تعليله بجواز إيصاء المريض بأكثر من الثلث إذا أذن له ورثته مع احتمال أن يصير الميراث للغير.
وأجيب بأن باب الوصية أوسع أبواب العطايا، والعطية لا يضر فيها الغرر ولا الخيار، وباب النكاح معاوضة يفسده الغرر القوي والخيار.
والله أعلم.
الخيار: ولِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ والْغُرُورِ، ولِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ بِالْعِتْقِ
يعني: أن للخيار ثلاثة أساب؛ اثنان يستوي فيها الرجل والمرأة، وهما العيب والغرور بالحرية، والثالث خاص بالمرأة وهو العتق إذا كان زوجها عبداً، ثم أخذ يتكلم عليها أولاً فأولاً، فقال:
وَالْعَيْبُ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، وَدَاءُ الْفَرْجِ مَا لَمْ يَرْضَ بِقَوْلٍ، أَوْ تَلَذُّذٍ، أَوْ تَمْكِينٍ، أَوْ سَبَقَ عِلْمٌ بالْعَيْبِ ...
يعني: أن العيوب الموجبة للرد أربعة، [312/ب] منها ثلاثة يستوي فيها الرجل والمرأة، وهي الجنون والجذام والبرص، وأما داء الفرج فمختلف فيها كما سيأتي.
المتيطي: ولا خلاف أعلمه بين مالك وأصحابه أن للزوج رد المرأة بالعيوب الأربعة، وقاله عمر وعلى رضي الله عنهما.
بعض الموثقين: ولا مخالف لهما.
وقوله: (مَا لَمْ يَرْضَ) فالاستثناء راجع إلى غير مذكور، وهو لازم العيب الذي هو وجوب الخيار، ولا يرجع إلى العيب؛ لأنه وإن حصل الرضا فهو عيب، وفاعل (يَرْضَ) ضمير عائد على أحد الزوجين، وكذلك قوله: (أَوْ سَبَقَ عِلْمٌ) يريد: من أحدهما بعيب الآخر.
وهو ظاهر.
والْجُنُونُ: الصَّرَعُ أَوْ الْوَسْوَاسُ الْمُذْهِبُ لِلْعَقْلِ
نحوه للباجي.
اللخمي: وإن كان الصرع في بعض الأوقات، ولو في كل شهر مرة؛ لأن المروع تغر منه النفوس وتخافه.
وَقَلِيلُ الْجُذَامِ والْبَرَصِ، وَكَثِيرُهُمَا فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ، وَرَوَى أَشْهَب أَنَّ الْبَرَصَ فِي الرَّجُلِ مُحْتَمَلٌ وإِنْ غَرَّهَا ...
أما قليل الجذام فنص اللخمي والمتيطي أن المرأة ترد منه كما قال المصنف.
ابن وهب في العتبية: وذلك إذا كان جذاماً لا شك فيه، وإن لم يكن فاحشاً ولا مؤذياً؛ لأنه لا تؤمن زيادته، وإن شك فيه لم يفرق بينهما.
وظاهر ما حكاه المصنف عن أَشْهَب في البرص الإطلاق، سواء كان يسيراً أو كثيراً، وهكذا حكاه عبد الوهاب.
وقال في البيان: إن كان البرص قبل العقد وكان شديداً كان لها رده باتفاق، وإن كان يسيراً ردته على رواية
ابن القاسم، وإن أمنت زيادته.
وقال أشهب: لا يرد به إلا أن لا تؤمن زيادته.
قال: وإن حدث به البرص بعد العقد، فإن كان يسيراً فلا يفرق بينهما باتفاق، وإن كان كثيراً، فهل يفرق بينهما أو لا؟ خلاف.
وأما البرص في المرأة، فإن كان قبل العقد كان للرجل ردها به، وإن كان كثيراً أو يسيراً إذ لا تؤمن زيادته باتفاق، وإن كان يسيراً تؤمن زيادته فعلى اختلاف، وأما إذا حدث بها بعد العقد فهي مصيبة نزلت بالزوج، إن شاء طلق ولزمه نصف الصداق، وإن شاء أمسك.
فرع:
ظاهر المذهب أنه لا يرد بجذام أحد الأبوين، قاله ابن راشد.
وأخذ اللَّخْمِيّ من تعليله في مختصر ما ليس في المختصر وجوب الرد بالجذام لقلة سلامة الولد والنسل منه، أن جذام أحد الأبوين عيب، قال: ورأيت ذلك في امرأة كان والدها أجذم، ولم يظهر فيها وظهر في عدد من أولادها.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الأَجْذَمِ: إِنْ رُجيَ بُرْؤُهُ ضُرِبَ لَهُ الأَجَلُ
هكذا قال في الاستذكار أن ابن القاسم وأصحاب مالك قالوا: يؤجل المجنون إذا أمن عليها سنة، وكذلك المجذوم.
قال: وقال ابن عبد الحكم عن مالك: يحبس المجنون في الحديد، فإن راجعه عقله وإلا فرق بينهما، ولم يذكر تأجيل سنة.
وفي المتيطية: الحر يؤجل عاماً في الاعتراض والجنون والجذام والبرص.
والتأجيل ليس خاصاً بالرجل، فقد حكى الباجي أنه يضرب للمرأة أجل في معالجة نفسها من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج.
وقد أشار إليه ابن حبيب في معالجة الرتقاء نفسها.
الباجي: ويؤجل في الجنون والجذام السنة، وأما الرتق فبحسب الاجتهاد في ذلك.
فرعان:
الأول: ابن راشد: وإذا أجل المجنون سنة قبل البناء، فهل لها نفقة إذا دعت إلى البناء؟ ابن رشد: الظاهر لا نفقة لها؛ لأنها منعت نفسها لسبب لا قدرة له على دفعه، فكان معذوراً بخلاف التي منعت نفسها حتى يؤدي صداقها؛ إذ لعل له مالاً فكتمه.
الثاني: إذا كان للأجذم إماء، فقال ابن القاسم في العتبية في الشديد الجذام: يمنع من وطئهن إذا كان في ذلك ضرر.
وقال سحنون: لا أرى أن يمنع، إذ قد يؤول ذلك به إلى الزنى.
وَدَاءُ الْفَرْجِ فِي الرَّجُلِ مَا يَمْنَعُ الْوَطْءْ كَالْجَبِّ، وَالْخِصَى، وَالْعُنَّةِ، وَالاعْتِرَاضِ.
فَالْمَجْبُوبُ: الْمَقْطُوعُ ذَكَرُهُ وَاُنْثَيَاهُ.
وَالْخَصِيُّ: الْمَقْطُوعُ أَحَدُهُمَا وَإِنْ كَانَ قَائِمَ الذِّكَرِ.
وَالْعِنِّينُ: ذُو ذَكَرٍ لا يَتَأَتَّى بِه الْجِمَاعُ.
وَالْمُعْتَرِضُ: بِصِفَةِ الْمُتَمَكِّنِ وَلا يَقْدِرُ، ورُبَّمَا كَانَ فِي امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَقَدْ يُفَسَّرُ الْعِنِّينُ بِالْمُعْتَرِضِ.
قوله: (مَا يَمْنَعُ الْوَطْءْ) هو على حذف مضاف؛ أي: لذة الوطء، وعلى حذف صفة؛ أي: الوطء الكامل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الخصي إذا كان قائم الذكر يمكنه الوطء فلا يصح قوله: (يَمْنَعُ الْوَطْءْ) ولا يقال: ينبغي للمصنف أن يسقط الكلام على المجبوب هنا؛ لأنه إذا ثبت الرد للمرأة بقطع إحداهما لزم أن يكون كذلك مع قطعهما؛ لأنا نقول إنما القصد هنا بيان معاني هذه الألفاظ، فقوله: (لا يَتَأَتَّى بِه الْجِمَاعُ) أي: لصغر.
ويقال للمعترض المربوط، ويقال: إن سببه السحر، وما ذكره المصنف في تفسير الخصي هو المعروف، وقيل: الخصي: المقطوع الأنثيين.
وقوله: (وَقَدْ يُفَسَّرُ الْعِنِّينُ بِالْمُعْتَرِضِ)؛ أي: وقد يطلق الأصحاب لفظ العنين ويكون مرادهم به المعترض.
فَفِي الْجَبِّ وَالْخِصَي والْعُنَّةِ الْخِيَارُ.
وَقِيلَ: إِلا فِي الْقَائِمِ الذِّكرِ إِلا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ ..
أي: الخيار للمرأة؛ إما أن تقيم أو تفارق، وقوله: (وَقِيلَ: إِلا فِي الْقَائِمِ الذِّكرِ) هو لسحنون، وصرح في بعض النسخ باسمه، وهو مشكل؛ لأن كمال اللذة لا يحصل [313/ أ] للمرأة إلا بالإنزال، وإذا لم يكن للزوج أن يعزل إلا بإذن زوجته كما تقدم، فهنا أولى.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ)؛ أي: فيوافق سحنون على أن للمرأة حينئذ رده، وكذلك قال اللخمي: إن كان مجبوباً أو حصوراً أو عنيناً أو مقطوع الحشفة ردته.
واختلف في الخصي القائم الذكر، وهل المحصور من لا ذكر له ألبته، أو له ذكر صغير، فيرجع إلى العنين؟ قولان، وفسر ابن عباس الحصور بالذي لا ينزل الماء، وقتادة ومجاهد بالذي لا يأتي النساء.
وَأَمَّا الْمُعْتَرَضُ فَيُؤَجَّلُ- إِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ وَطْءُ لَهَا- سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ، وَفِي الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ: مِثْلُهُ، وَنِصْفُهَا ..
احترز بقوله: (لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ وَطْءُ لَهَا) مما لو تقدم له فيها وطء، ثم اعترض بأنها مصيبة نزلت بها.
اللخمي: ويجري فيها قولاً آخر أن لها القيام قياساً على أحد قولي مالك إذا وطئها مرة ثم قطع ذكره، ومقتضى كلام ابن بشير أن هذا القول منصوص.
وقوله: (سَنَةً) أي: لتمر عليه الفصول الأربع، فإن الدواء قد ينفع في فصل دون فصل.
وقال بالتأجيل سنة عمر وابن مسعود وعلي رضي الله عنهم وأكثر الصحابة، بل نقل ابن يونس إجماع الصحابة على ذلك، وروي عن علي أنها مصيبة نزلت بها.
وقوله: (مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ) هكذا قال ابن المواز.
الباجي: وهكذا عبارة أصحابنا، وتحقيق ذلك عندي أن أول السنة من يوم يحكم السطان؛ وذلك أن رفعها للسلطان لا يوج لها الحكم إلا بعد إقرار الزوج أو إثبات ما يوجب ذلك لها.
وقوله: (وَفِي الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ) المشهور النصف، وهو مذهب المدونة قياساً على طلاقه، واختار غير واحد الرواية بالسنة؛ لأن المعنى الذي قدره بالسنة لأجله موجود فيهما.
فرع:
فإذا كان مريضاً فقال ابن القاسم: لا يضرب له الأجل حتى يصح.
واختلف فيمن ضرب له الأجل فمرض، فقال ابن القاسم: إن مضت السنة وهو مريض أو مرض بعضها طلق عليه عند انقضاء السنة ولم يستأنف له أجل.
وقال أصبغ وغيره: إن مضت السنة وهو مريض لم يطلق عليه ويستأنف السنة.
وقال ابن الماجشون: إن مضى بعض السنة وهو مريض لم يطلق عليه عند انقضائها، هكذا حكى المتيطي وغيره هذا الفرع.
خليل: وينبغي أن يفهم قول أصبغ على أنه إن مضى بعض السنة وهو مريض أن ذلك يحسب عليه، وإلا لتداخل مع قول ابن الماجشون.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْوَطْءِ مَعَ يَمِينِهِ بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ حِينَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ
إذا ادعى المعترض أنه وطئ، فحكى المتيطي في تصديقه خمسة أقوال، وروى ابن القاسم عن مالك ما ذكره المصنف أن القول قوله بيمين، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب.
ابن عبد السلام وغيره: وهو المشهور.
ولمالك في الواضحة: يصدق بغير يمين.
وبه قال عبد الوهاب، وروى ابن وهب يُدَيَّن في الثيب وينظر النساء البكر، فإن كانت ساقطة العذرة
صُدِّق وإلا فلا، وروى الواقدي عن مالك أنه لا يصدق في الثيب أيضاً، ويجعل معها أمينة فتنظر إذا غشيها، وأجاز قبول امرأة واحدة، وهو محل ضرورة، وروى الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي أنه يخلى معها وبالباب امرأتان، فإذا فرغ نظرتا فرجها، فإن كان فيه مني فهو صادق وإلا فهو كاذب.
لكنه إنما حكي هذا الخلاف فيما إذا أنكر الاعتراض ابتداء، وقال: أصبتها قبل ذلك.
أما إذا أقر في الأولى بتعذر الوطء، ثم ادعى الوطء بعد ذلك في الأجل، فالظاهر من المذهب أنه لا يصدق؛ لأنه مدَّعٍ لأمر قد ثبت إنكاره فيه، فيجب أن يكون القول قولها، وتحلف على دعواه، إلا أن يقال هو موكول إلى أمانته أولاً وآخراً فقريب، لكن الصواب- إن شاء الله- ما قدمناه، ونحوه ذكر الباجي في منتقاه.
انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْوَطْءِ مَعَ يَمِينِهِ) إنما هو إذا أنكر ذلك ابتداء.
خليل: لكن ظاهر المدونة وابن يونس وغيره من الأشياخ يخالف ما قاله المتيطي؛ لقوله في المدونة: وإذا قال المعترض في الأجل جامعتها دين وحلف، فإن نكل حلفت وفرق بينهما، فإن نكلت بقيت زوجة.
وتوقف فيها مالك مرة إذ نزلت بالمدينة، وأفتى غيره بأن تجعل الصبرة في قبلها، وقال ناس: يجعل النساء معها.
انتهى.
فقوله: في الأجل، يقتضي أن ذلك بعدما أقر أولاً بالاعتارض؛ إذ لا يضرب له الأجل إلا بذلك، وكلام ابن يونس نحوه.
ونقل اللخمي عن مالك فيمن أقر بالعنة وادعى بعد الأجل أنه أصاب أن القول قوله، وهو خلاف ما نص عليه المتيطي أنه لا يقبل.
اللخمي: واختلف بعد القول أنه يُدَيَّن إذا أنكر العنة من الأصل، فهل يحلف، وأما إن أقر وادعى زوال ذلك حلف قولاً واحداً.
وقول المصنف: (بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ حِينَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ) هو نحو ما ذكرناه عن المدونة.
وأشار ابن عبد السلام إلى أن هذا التوقف ليس كغيره، من أنه مضى له زمان في التوقيف ثم أجاب، وإنما توقف في مجلس الأمين ثم أجاب.
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ، فَإِنْ نَكَلَتْ بَقِيَتْ زَوْجَةً
هذا كلفظ المدونة المتقدم.
وفي الموازية والواضحة: إذا نكل طلق [313/ ب] عليه.
قال في الموازية: ولو سأله اليمين قبل الأجل فأبى ثم حل الأجل، فقال: أصبت، وأراد أن يحلف فذلك له، وليس الحكم قبل الأجل بشيء، وإن نكل الآن طلق عليه.
وَرُوِيَ: يَنْظُرُ النِّسَاءُ الْبِكْرَ
قد قدمنا هذه الرواية، وظاهرها أنه لا يكتفي بالمرأة الواحدة.
المتيطي وغيره: وظاهر إطلاقات الأشياخ أن النساء ينظرن إلى نفس الفرج.
وقال بعض الأشياخ: تجلس المرأتان خلفها وتجعل مرآة أمام فرجها، ويقولان لها: افتحيه.
وينظران ذلك في المرآة.
مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم تفريعاً على المشهور: وإن أتت المرأة بامرأتين يشهدان بعذرتها لم يقبلا؛ لأنه يؤول إلى الفراق.
فَإِنْ تَقَارَرَا، أَوْ صُدِّقَتْ الْبِكْرُ خُيِّرَتْ فَيُؤْمَرُ بِطَلاقِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ الْحَاكِمُ طَلْقَةً بَائِنَةً ..
أي: فإن تقارر الزوجان على عدم الإصابة بكراً كانت أم ثيباً، أو صدقت البكر على الرواية الشاذة أنه ينظرها النساء، فإن وافقنها على بقاء البكارة خيرت؛ أي: في البقاء والفراق.
وقوله: (فَيُؤْمَرُ بِطَلاقِهَا) أي: فإن اختارت الفراق أمر الزوج أن يطلقها؛ لأن الطلاق بيده، فلا ينتقل إلى الحاكم إلا بامتناعه، وله أن يوقع ما شاء، فإن أبى طلق الحاكم عليه طلقة بائنة.
أصبغ: وإن طلق الإمام هنا، وفي النفقة والإيلاء أكثر من واحدة، لم يلزمه إلا واحدة.
واختلف هل يوقع الحاكم الطلاق بنفسه أو يملكه المرأة فتوقعه هي؟ وكذلك كل ما في معنى هذه من امرأة المولي والمعتقة تحت العبد على قولين، وانظر حججهما في أحكام ابن سهل.
فَإِنِ اخْتَارَتْهُ ثُمَّ أَرَادَتِ الْفِرَاقَ فَلَهَا ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهَا تَقُولُ: رَجَوْتُ عِلاجَهُ
يعني: فإن اختارت المقام معه، ثم بدا لها وطلبت الفراق، فلها ذلك، بخلاف غير المعترض من الأزواج من ذوي العيوب؛ لأنها في المعترض تقول: رجوت أن يبرأ.
وهكذا قال في المدونة، إلا أنه فرض المسألة في ابتداء النكاح لا بعد الأجل، ففيها: وإن علمت به حين تزوجته أنه مجبوب أو خصي أو عنين لا يأتي النساء رأساً أو أخبرها بذلك، فلا كلام لها، وإن لم تعلم ذلك في العقد ثم علمت به وتركته وأمكنته من نفسها فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، وأما العنين فلها أن ترافعه؛ لأنها تقول تركته لرجاء علاج أو غيره، إلا أن تتزوجه وهي تعلم به كما وصفنا فلا كلام لها بعد ذلك، وظاهر ما حكاه المصنف أن لها الفراق سواء قامت بإثر اختيارها للمقام أو بعد طول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية والموازية، لكنه قال في الموازية: يوقف مكانه بغير ضرب أجل، وليس لها أن تفارق دون سلطان.
وقال في العتبية: ولها أن تطلق نفسها وإن لم ترفع إلى السلطان.
فرأى في الموازية أنه أمر مختلف فيه، فلابد من حاكم يحكم بصحته، ورأى في الثاني أن الحاكم لما ضرب الأجل كان كالحكم.
ولابن القاسم في المبسوط: لا قيام لها بعد الرضا.
وقال عبد الوهاب: يضرب له الأجل ثانياً، فإن أصاب وإلا فلها الخيار.
وقال ابن حبيب: إن قامت بحدثان رضاها لم يكن لها ذلك، وإن كان بعده بزمان، وقالت: رجوت أنه ألا يتمادى به كان لها القيام، ونحوه لابن كنانة.
فرعان:
الأول: إذا انقطع ذكر المعترض قبل الأجل، فقال ابن القاسم في الموازية والعتبية: يتعجل الفراق.
وروى محمد عن أَشْهَب وعبد الملك وأصبغ أنه لا فراق في ذلك، وهي مصيبة نزلت بالمرأة.
وحكى في البيان ثالثاً عن مالك أنه لا يعجل بالفراق حتى تنقيض السنة؛ إذ لعلها سترضى بالإقامة.
الباجي: وأجمعوا في المولي يقطع ذكره أنه يبطل الأجل، وتثبت الزوجية.
ونقل في البيان عن مالك رواية في المولي أنه إذا آلى منها قبل البناء وضرب له الأجل ثم انقطع ذكره أنه يفرق بينهما، بخلاف ما لو انقطع بعد البناء، قال: ولا خلاف بينهم فيمن انقطع ذكره بعد البناء ولم يكن مؤلياً أنه لا يفرق بينه وبين زوجته.
فانظره مع كلام الباجي.
الثاني: إذا كان لرجل ذكر كبير فلم تقدر المرأة عليه.
ابن راشد: وقد نزلت هذه عند قاضي الجماعة في عصرنا، فنحا في الجواب أن يلبد ويبقى منه قدر معتاد، فقلت له: حين الإصابة لا يراه أحد فقد يزيد ويضر بالمرأة، والذي أراه أن يفرق بينهما؛ لأنا إنما نوجب لها الخيار في العنين لعدم انتفاعها بوطئه، وهذه لا تنتفع بوطئه بل تتضرر، إلا أن تساعده المرأة على أنه لا يضرُّ بها بعد تبقية البعض، ثم إذا لفَّه فما المقدار الذي يبقى، فلم أر نقلاً إلا في ورقة من ورق ذكر فيها أنه يبقى منه اثنا عشر أصبعاً.
ولَهَا الصَّدَاقُ بَعْدَ الأَجَلِ كَامِلاً كَالْمَجْبُوبِ والْعِنِّينِ والْخَصِيِّ يَدْخُلُونَ؛ لأَنَّهُ قُدْرَتُهُمْ مِنَ الْمَسِيسِ، ورُوِيَ نِصْفُهُ ..
القول بأن لها الصداق بعد الأجل كاملاً مذهب المدونة؛ لأنها مكنته من نفسها وطال مقامها معه، وتلذذ وأخلق شورتها.
أبو عمران: جعل مالك الحجة في التكميل التلذذ وإخلاق الشورة.
وظاهر هذا أنه متى انخرم أحدهما لم يكمل، واختار [314/ أ] ابن القصار الرواية بالنصف؛ لأن المتبادر من
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنّ﴾ [البقرة: 237] الوطء.
واحتج المصنف للرواية الأولى بالقياس على المجبوب وما في معناه، والجماع حصول انتفاع كل منهما بحسب الإمكان، وقد يفرق الثانية بأن المجبوب إنما دخل على التلذذ فقد حصل، بخلاف المعترض فإنه إنما دخل على الوطء التام ولم يحصل، وقول ابن الجلاب: فغن طال مقامه فلها الصداق كاملاً رواية واحدة ليس بظاهر لما ذكره المصنف وغيره من الرواية بالنصف.
وفهم من قوله: (بَعْدَ الأَجَلِ) أنه لو لم يطل مقامه معها لا يكمل، وهو المشهور.
وعن مالك والمغيرة وابن كنانة أنه يجب لها الجميع بنفس إرخاء الستر، وإن لم يمسها ولا طالت إقامتهأ.
وروي عن مالك: إن ضرب لها الأجل بقرب البناء فلها نصف الصداق.
وبه أخذ ابن عبد الحكم، وروى أَشْهَب: إن رفعته بعد طول مدة فلها الصداق كله.
وَدَاءُ الْفَرْجِ فِي الْمَراةِ مَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ لَذَّتَهُ كَالرَّتَقِ، والْقَرَنِ، والْعَفَلِ.
وزِيدَ الْبَخَرُ والإِفْضَاءُ ..
عياض: الرتق بفتح الراء والتاء: التصاق موضع الوطء والتحامه.
والعفل بفتح العين المهملة وفتح الفاء: في النساء كالأدرة في الرجال، وهو بروز لحم في الفرج.
والقرن بفتح القاف وسكون الراء: مثله، لكنه قد يكون خلقة غالباً، ويكون عظماً، وقد يكون لحماً.
وقال غيره: وأما القرن بفتح الراء فهو المصدر، وهو الأحسن هنا ليكون موافقاً لباقي العيوب في أنها كلها مصادر، ومن عد الفتح خطأ فقد أخطأ.
قوله: (وزِيدَ الْبَخَرُ والإِفْضَاءُ) زادهما في الجلاب، فالبخر نتن الفرج؛ لأن المصنف أخبر بذلك عن داء الفرج، وهو قريب من قول اللخمي: ترد المرأة بعيب الفرج إذا كان مما يمنع الجماع كالرتق والقرن، أو لا يمنع كالعفل والنتن والاستحاضة والإفضاء وحرق النار.
انتهى.
فزاد الاستحاضة وحرق النار.
وبكلام اللخمي يظهر لك كلام قول المصنف: (مَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ لَذَّتَهُ).
وكذلك نص محمد على أن حرق النار عيب.
اللخمي: ويختلف في أربعة: السواد، والقرع، والبخر، والخشم.
والظاهر من قول مالك: لا ترد بها.
وقال ابن حبيب: ترد بالسواد إذا كانت من قوم لا سواد فيهم، فهو كالشوط، وبالقرع.
ويأتي على ما في الجلاب من الرد بنتن الفرج أن ترد بالبخر والخشم؛ لأن نتن الأعلى أولى لقرب مضرته.
وقال ابن بشير: المشهور في القرع والسواد نفي الرد، وكذلك قال الباجي: لم أر ما قاله ابن حبيب لغيره، وظاهر المذهب أنها لا ترد بذلك كالجرب.
وزاد صاحب البيان عن ابن حبيب: أنها ترد بالعرج.
قال في الموازية: ولا ترد إذا وجدها عجوزاً.
اللخمي: وأرى أن ترد إذا وجدها كبنت الأربع سنين لامتناع الوطء حينئذ، والمضرة عليه في الصبر.
ابن راشد: والظاهر لا رد له بالصغير.
فرعان:
الأول: إذا كان شيء من هذه العيوب خفيفاً يجامع معه، فقال في المدونة وغيرها: ترد إذا كان عند أهل المعرفة من العيوب؛ إذ المجنونة والبرصاء والجذماء يقدر على جماعهن وهي ترد به.
وقال ابن حبيب: لا ترد بذلك إلا أن يكون عيباً يمنع اللذة.
اللخمي: والأول أحسن.
وقد أبان مالك العلة في ذلك.
الثاني: نص اللَّخْمِيّ على أن لأحد الزوجين أن يرد صاحبه إذا وجده عذبوطاً، وهو الذي يحدث عند الجماع، قال: وقد نزل ذلك في زمان أحمد بن نصر صاحب سحنون، وادعاه كل من الزوجين على صاحبه، فقال أحمد: يطعم أحدهما تيناً، والآخر فقوساً، فيعلم من هو منهما.
والعذبوط: بكسر العين وفتح الباء بواحدة من تحتها، وبالذال والواو ساكنتين، هكذا ضبطه الجواليقي، وذكره ابن فارس في مجمله، والجوهري بالياء، ويقال للمرأة عذيوطة.
إِلا أَنْ يَكُونَ الرِّتَقُ مِمَّا يُعَالَجُ إِلا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الْعِلاجِ ولا تُجْبَرُ إِنْ كَانَ خِلْقَةً
هذا استثناء مما تقدم؛ أي: الرتق عيب ترد به المرأة إلا أن يكون الرتق مما يعالج، ولا تجبر على العلاج إن كان خلقة.
وفهم من كلامه أنها تجبر إذا لم يكن خلقة، كما يفعله بعض السودان، وبذلك صرح في الموازية، وزاد فيها: إذا قال النساء أن ذلك لا يضر بها.
قال: وأما إن رضيت في الخلقة بالبط فلا خيار للزوج.
اللخمي: والرتق على أربعة أوجه، فإن كان لا ضرر في قطعه ولا عيب في الإصابة بعد القطع فالقول قول من دعا منهما إلى القطع، وإن طلق بعد رضاها وقبل القطع لزمه نصف الصداق، وإن كرهته فطلق الزوج لذلك فلا شيء عليه، وإن كان في القطع ضرر عليها ولا عيب بعد ذلك في الإصابة فالخيار لها دونه، وإن كان لا ضرر عليها في القطع وفي الإصابة بعد ذلك عيب فالخيار له دونها، وإن كان القطع فيه الضرر وفي الإصابة أيضاً عيب فالخيار لكل واحد منهما.
أصبغ: وإن قامت للعلاج وهو يستمتع بها، فإنطال كطول أمد العنين في علاجه فلها جميع الصداق كالسنة، وما قاربها من كثير الأشهر.
المتيطي: وفي قول أصبغ نظر.
وإذا تمتع بها ولو مرة واحدة [314/ ب] فلم لا يكون تمتعه بها رضا منه بدائها؟
ابن عبد السلام: قال بعضهم: وأجل العلاج في داء الفرج بحسب الاجتهاد.
وأجل فيه بعضهم شهرين، وهو بعيد.
وَإِذَا أَنْكَرَتِ الْمَرأَةُ دَاءَ الْفَرْجِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَنْظُرُ إِلَيْهَا النِّسَاءُ.
وَأَنْكَرَهُ سُحْنُونُ
احترز بداء الفرج مما لو أنكرت البرص ونحوه، فإنهم قالوا: إن كان بالوجه والكفين فثبت بالرجال، وإن كان في غير ذلك من الجسد ثبت بالنساء على ظاهر المذهب.
وقيل: يبقى الثوب على ذلك الموضع وينظر إليه الرجال.
وبقول ابن القاسم (لا ينظر إليها النساء) قال ابن حبيب.
قيل: وهو مذهب مالك.
قال ابن حبيب: قيل: وهو مذهب مالك وجميع أصحابه حاشا سحنون.
ابن الهندي في مقالاته: والقول قولها مع يمينها.
وقال الشيخ أبو إبراهيم: ولها رد اليمين على الزوج.
قال: وقد شهدت من مضى يفتي بهذا.
انتهى.
وروى علي بن زياد عن مالك مثل قول سحنون وإليه ذهب ابن لبابة، وصوبه سحنون، وقد جاء أنها ترد بعيب الفرج، وكيف يعرف ذلك إلا بنظر النساء، وهذا هو الإنكار الذي أشار إليه المصنف، وروي أيضاً عن سحنون مثل قول ابن القاسم، وقال بعض الأندلسيين: ينظر إليها في المرآة.
فرع:
إذا فرعنا على قول ابن القاسم أنه لا ينظرها النساء، فإن جاء الزوج بامرأتين تشهدان برؤية رتقها مثلاً قبلتا ولا تجرحان بالنظر، إما لأنه مختلف في إباحته، وإما لعذرهما بالجهل.
وإنما قبلتا وإن كان ما شهدتا به غير مال؛ لأنه يؤول إلى المال، وهو سقوط الصداق، ولا يوجب طلاقاً، لأن الطَّلاق بيد الزوج.
وَإِذَا أَنْكَرَ الرَّجُلُ الجِبَّ وشِبْهَهُ جُسَّ عَلَى الثَّوْبِ، وصُدِّقَ فِي الْعُنَّةِ، قَالَهُ مَالِكَ لَمَّا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ..
قوله: (فِي الْعُنَّةِ) أي: في الاعتراض.
وهذا من المواضع التي أطلق فيها العنة على الاعتراض، وما حكاه عن مالك تقدم، ولهذا كان الأولى إسقاط هذا لأنه تكرار مع ما تقدم، وأما ما ذكره من قوله: (جُسَّ عَلَى الثَّوْبِ) فنحوه في المتيطية وغيرها، وعزاه لابن حبيب.
الباجي: وعندي أنه يجوز للشهود أن ينظروا إليه.
قال: وقد ينظر النساء إلى فروج النساء للضرورة.
وخرج اللخمي النظر إليه على قول سحنون المتقدم في المرأة، وفيه نظر لأن الجس في المرأة لا يعلم به شيء بخلافه هنا، وهذا إنما هو في عيب الفرج، وأما الجنون والجذام والبرص فيعلم ذلك بالمشاهدة.
فرع:
إذا كان خنثي وحكم له بحكم الرجال، هل يكون لزوجته رده؟
عبد الحميد: والأقرب أنه لا رد لها، وإن كانا معيبين بجنسين كما لو كان أحدهما مجنوناً والآخر مجذوماً، فقال بعض أهل النظر: لكل منهما الخيار.
عبد الحميد وغيره: وهو الصواب.
وإن كانا بجنس واحد ففيه نظر، قاله غير واحد.
وَالْعَيْبُ الْمُقْتَضِي لِلْخِيَارِ مَا وُجِدَ قَبْلَ الْعَقْدِ لا بَعْدَهُ، وفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّةً بَعْدَهَا، ثَالِثُهَا: إِلا فِي الْبَرَصِ.
ورَابِعُهَا: إِلا فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ ..
لما قدم أن كلاً من الزوجين يرد بأحد العيوب الأربعة، بين أن ذلك إنما هو إذا كان العيب قبل العقد بحيث يكون من به العيب غاراً، وأما إن حدث بعده، فإن حدث بالمرأة فلا مقال للرجل، وهي مصيبة نزلت به، وإن حدث به فهل لا خيار لها قياساً عليه، أو تخير في كل عيب؟ والفرق بينها وبين الرجل أن الرجل يقدر على الفراق، أو يفرق أربعة أقوال، وتصورها من كلام المصنف ظاهر.
ابن عبد السلام: والقول بالخيار في كل عيب يعزُّ وجوده في المذهب؛ لأن ظاهر كلام المصنف يقتضي أن الاعتراض إذا حدث بعد الدخول فلها الخيار، وهو غير معلوم في المذهب، وإنما يعلم فيه على شذوذ في الجب خاصة.
تنبيهان:
أولهما: ما حكاه المصنف هنا مخالف لما تقدم من كلامه في البيان، لأن صاحب البيان ذكر أنه لا يرد بالبرص اليسير إذا حدث به بعد بالاتفاق، والمصنف قد حكى فيه الخلاف، بدليل أنه جعل الرابع تفصيلاً.
الثاني: جعل اللَّخْمِيّ الجنون الحادث بعد العقد وقبل الدخول كالكائن قبل العقد، في وجوب الرد به، ولم يذكر في ذلك خلافاً.
وَأَمَّا جُنُونُهُ الْحَادِثُ فَيُعْزَلُ سَنَةً، فَإِنْ صَحَّ وإِلا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وقِيلَ: إِنْ كَانَ يُؤْذِيهَا
قوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ يُؤْذِيهَا) راجع إلى قوله: (فُرِّقَ) وليس يرجع إلى قوله: (فَيُعْزَلُ سَنَةً) لأن العزل متفق عليه، وحاصله أنه إذا لم يصح بعد السنة فإن كان يؤذيها فرق بينهما، وإن لم يؤذها فقولان: أحدهما لمالك وابن القاسم بثبوت الخيار، والثاني لأشهب وابن حبيب بنفيه، وصرح أشهب بنفي خيارها وإن كان لا يفيق من جنونه أصلاً، لكن قيد اللخمي قوله بما إذا كان يحتاج إليها، وإلا فرق بينهما؛ لأن في بقائها ضرراً عليها من غير منفعة.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْذُومِ الْبَيِّنِ كَذَلِكَ
أي: فيعزل سنة إذا رجي برؤه، ثم يفرق بينهما إن شاء.
وأشار بقوله: (وَعَنْ مَالِكٍ) إلى ما قاله أشهب أنه لا يفرق بينهما، إلا أن يتفاحش وتغض الأبصار دونه، فإن رضيت بالمقام معه ثم أرادت الفراق، فقال ابن القاسم: ليس لها ذلك [315/ أ] إلا أن يزيد.
وقال أشهب: لها ذلك وإن لم يزد.
وحكى في البيان ثالثاً: ليس لها رده ولو زاد.
فرع:
قال في الجواهر: إذا ظهر بعد مدة من عقد النكاح عيب بها فتنازعا في أنه كان موجوداً حال العقد، فالبينة على الزوج وصدق الأب.
محمد: مع يمينه.
ابن حبيب عن مالك: وإنما يحلف الولي إذا كان أباً أو أخاً، وإن كان غيرهما فاليمين عليها، فجعل محمد محل اليمين محل الغرم، ووافق على هذا بعض الموثقين إذا كان الزوج دخل، وإن كان لم يدخل فإنما تجب اليمين عليها لا على الولي؛ لأن الولي لم يفوت على الزوج شيئاً، ونص المتيطي على أن منازعة الزوج تكون مع الزوجة إن كانت ثيباً، ومع الولي إن كانت بكراً.
وَلا خِيَارَ بِغَيْرِ هَذَا إِلا بِشَرْطٍ، وَلَوْ كَانَتْ لِغَيَّةٍ أَوْ مُفتَضَّةً مِنْ زِنًي
الإشارة بهذا إلى العيوب المتقدمة، فلا رد له بغيرها، ولو تبين أنها ابنة زنى، وهو معنى قوله: (لِغَيَّةٍ) أي لزنية، أو تبين أن بكارتها زالت بزنى، وهو معنى قوله: (أَوْ مُفتَضَّةً مِنْ زِنًي) وفي المتيطية قال بعض الموثقين: إذا وجدها مفتضة من زنى فله الرد، وهو خلاف المدونة.
و (لِغَيَّةٍ) بكسر اللام وفتح الغين المعجمة وتشديد الياء، وحكى بعض اللغويين فيه كسر الغين، ولا إشكال أنه إذا اشترط السلامة فله الرد.
ابن أبي زيد: ولو كتب في العقد صحيحة العقل والبدن لم يكن ذلك شرطاً، ولو قال سليمة البدن لكان شرطاً، فترد بالسواد والعمى والشلل وغيرها.
قال: وبهذا كان يفتي علماؤنا ونفتي نحن.
قال بعض المتأخرين: إنما فرق بينهما لأن الأولى عادة جارية من تلفيف الموثقين، ولم تجر العادة بالثاني.
وللباجي في وثائقه: إذا قيل صحيحة البدن فهو شرط، وله أن يرد بغير الأربعة.
وذكر أبو عمران في رواية الدمياطية عن ابن القاسم: لا رد له في شيء من العيوب كلها غير الأربعة، وإن اشترطت السلامة.
وعلى الأول فلو قال الولي: هي سليمة؛ فهل يكون كالشرط؟
اللخمي: وفي الموازية إذا قال الخاطب: قيل لي: إن ابنتك سوداء.
فقال: كذب من قاله، بل هي بيضاء.
فوجدها سوداء، أو قال: ليست عمياء ولا عرجاء، فوجدها كذلك، فله الرد لأنه غره.
أصبغ: هو كالشرط.
وفي الموازية: قال ابن القاسم: إذا رفع الولي في الصداق فأنكر عليه ذلك، فقال: إن لها كذا.
وسمى رقيقاً وعروضاً، فيصدقها الزوج ما سأل ثم لا يجد لها
شيئاً، قال: فالصداق لازم له، ولا حجة له مثل ما لو قال: هي بيضاء جميلة شابة، فيجدها سوداء، فلا كلام له ما لم يشترط ذلك، فيقول: أنكحها على أنها بيضاء.
اللخمي: فجعله ابن القاسم من جهة الغرور فألزمه ذلك مرة، ومرة لم يلزمه، والمختار أنه كالشرط لمقارنته العقد، وقال صاحب البيان: لا اختلاف أن علمه في أن الخاطب إذ قال للمخطوب منه: قد قيل لي إن وليتك سوداء أو عوراء، فقال له: كذب من قال سوداء، بل هي بيضاء، أن ذلك شرط ويردها بذلك، وإنما اختلفوا إذا وصفها الولي عند الخطبة بالبياض وصحة العينين ابتداء، على غير سبب، وهي عوراء أو سوداء، فقيل: إن ذلك لازم للزوج ولا كلام له؛ لأنه فرط إذ لم يتثبت، وهو قول أصبغ في الخمسة، ومذهب ابن القاسم في رواية يحيى عنه، واختيار ابن المواز.
وقيل إنه بالخيار قبل الدخول، إن شاء تقدم على أن عليه جميع الصداق، وإن شاء فارق ولم يكن عليه شيء، وإن لم يعلم حتى دخل ردت إلى صداق مثلها على ما بها من العيوب، ورجع بالزانئد عليها، وهو قول ابن وهب وعيسى بن دينار.
وقيل: إنه يرجع به على الولي الذي غره، إلا أن تكون ثيباً وقد علمت بكذب وليها، فتقدمت على معرفة بذلك فيرجع عليها إن كان لها مال، وإلا رجع على الولي، وهو قول ابن حبيب.
ابن القاسم في الدمياطية: ولو قال له غير الولي الذي يزوجها منه: أنا أضمن لك أنها ليست سوداء ولا عرجاء ولا عوراء، فدخل ووجدها بخلاف ما ضمن لكان له الرجوع بما زاد على صداق المثل، ولياً كان أو غيره، وكذلك الذي يزوج وليته على أن لها من المال كذا، يفرق فيه بين أن يسمي ذلك ابتداء أو لا؟ وهو خلاف طريقة اللَّخْمِيّ.
وما ذكره المصنف من أنه إذا وجدها لغية لا رد له منصوص عليه في المدونة، قالوا: وكذلك إن تبين أن الزوج لغية.
وفي المبسوط: إن انتمى إلى ذي الحال والهيئة في موضعه ونسبه أو انتمى إلى قوم لهم هيئة في أنفسهم وأحسابهم، رد نكاحه وعوقب.
ابن يونس: وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تزوج امرأة على نسب انتسب إليها إلى فخذ من العرب، فوجد من غيرهم، فإن كان مولىً وهي عربية فلها الخيار، وإن كان عربياً فلا خيار لها إلا أن تكون قرشية فتتزوجه على أنه قرشي، فإذا هو من قبيل من العرب.
انتهى.
ولو اشترط أنها بكر فوجدها غير عذراء، فقال ابن حبيب عن مالك: لا قيام له.
وبه قال أَشْهَب وأبو بكر بن عبد الرحمن، وهو دليل ما في المدونة في كتاب الرجم.
المتيطي: لأن العذرة قد تذهب من القفزة والحيضة.
وقال ابن العطار: له ردها بذلك.
بعض الموثقين: وليس في هذا شك لأنه تزوجها على شرط فوجد [315/ ب] خلافه وقال غيرهم من الموثقين: الصواب قول مالك المتقدم؛ لأن اسم البكارة واقع عليها وإن زنت، إلا أن يشترط أنها عذراء، فإن شرط ذلك كان له الرد.
قاله أصبغ وغيره.
وقال ابن العطار: ولا حد على زوجها في دعواه أنها ثيب، لأن البكارة قد تزول من غير وطء، إلا أن يصرح بأن ذلك من زنى، فعليه الحد إلا أن يأتي بالمخرج، وينبغي إذا ذهبت عذرة وليته من قفزة ونحوها أن يعلم الزوج بما جرى، فإن ترك إعلامه فهل يجب له الرد؟ فلأشهب فيمن زعم أنه وجد زوجته ثيباً فأقر له الأب وادعى أنها كانت تكنس فذهبت عذرتها، أن للأب أخذ الصداق ولا شيء للزوج.
وقال ابن العطار: إن لم يبين ذلك فله الرد.
بعض الموثقين: وهو الصواب لأنه عيب قد علمه.
وَلا يَجِبُ إِعْلامُهُ بِغَيْرِ الأَرْبَعَةِ
أي: لا يجب على الولي أن يعلم الزوج أن بوليته عيباً، خلاف الأربعة المتقدمة، ونفي الوجوب لا ينفي الاستحباب، فكلامه هنا محتمل، ولعل المصنف إنما عبر بذلك تبعاً للفظ مالك، فقد نقل اللخمي وغيره أنه ليس على الولي أن يخبر أنها عمياء أو عرجاء أو مقعدة، وأنه أجاز أن يكتم ذلك.
ونقل المتيطي عن مالك في الموازية أنه قال: لا يجوز له أن
يخبر من عيوب وليته بشيء مما لا يجب ردها به من العور والعمى والسواد ونحوها، واستشكله بعض الشيوخ، والإشكال فيه ظاهر.
ولا يقال: النكاح مبني على المكارمة؛ لأن المكارمة بحسب العادة إنما هي في الصداق.
وفي العتبية: لا ينبغي لرجل علم من وليته فاحشة أن يخبر بشيء من ذلك إذا خطبت.
قال في البيان: ويجب عليه أن يستر عليها؛ لأن الفواحش يجب على الرجل أن يسترها على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القْاَذُورَاتِ شَيْئاً فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صفحته أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ".
وفي الموطأ أن رجلاً خطب إلى رجل أخته فذكر أنها كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر فضربه أو كاد أن يضربه.
وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ لَيْسَ فِي أَهْلِهَا أَسْوَدُ كَشَرْطِ الْبَيَاضِ
تبرأ من هذا؛ لأنه مخالف لما قدمه في التي توجد لغية أو مفتضة من زنى؛ لأنه كما أن الغالب فيمن ليس في أهلها أسود البياض، كذلك الغالب صحة أنسابهم، والبكارة في حق من لم يعلم لها زوج، وقد تقدم أنه لا رد له بذلك، وكلام المصنف يقتضي أنه لم يطلع على خلاف هذا، وقد فرضنا أن المشهور خلافه، فإن وجدها سوداء أو عرجاء أو عمياء، وادعى أنه تزوجها على السلامة، فالقول قول المرأة، حكاه ابن الهندي في مقالات ابن مغيث.
وَإِذَا رَدَّهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلا صَدَاقَ
لأن البضع لم يفت، وهي المدلسة أو وليها.
وَفِي سُقُوطِهِ بِرَدِّهَا قَوْلانِ؛ لأَنَّهُ غَارُّ
(سُقُوطِهِ) أي: الصداق.
(بِرَدِّهَا)؛ أي: برد المرأة الرجل بسبب عيبه، (قَوْلانِ)؛ أحدهما: لا شيء لها لأنه فسخ جاء من جهتها، وقياساً على الفرع المتقدم، وهذا ظاهر المذهب.
والقول الثاني: لها نصفه، والفرق بين هذا والذي قبله ما أشار إليه المصنف
بقوله: (أَنَّهُ غَارُّ) أي: لأن الزوج لما تزوجها عالماً بعيبه وغرها فقد دخل على أنها ترده بذلك، ويلزمه نصف الصداق.
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَثْبُتُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَالْوَلِيُّ قَرِيبُ لا يَخْفَى عَلَيْهِ كَأَبٍ أَوْ أَخٍ ثَبَتَ لَهَا وَرَجَعَ بِالصَّدَاقِ كُلُّهِ عَلَيْهِ، ولا يَرْجِعُ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ
يعني: وأما بعد الدخول فيثبت الصداق إن كان الخيار لها؛ لأنها استحقته بالمسيس، ولا عذر له لأنه غار، وإن كان الخيار للزوج لكون العيب بها، فإن كان الولي قريباً لا يخفى عليه العيب لزم الزوج الصداق للمرأة، ثم يرجع بجميع ما دفعه لها على الولي إذ لم يخبره بالعيب.
قال في البيان: والقريب الذي يحمل على العلم هو الأب والأخ والابن، قاله مالك في الموطأ وابن حبيب في الواضحة، وسواء كان العيب جنوناً أو جذاماً أو برصاً أو داء الفرج خفياً أو ظاهراً، وحكى فصل في داء الفرج الخفي عن عيسى بن دينار أن الرجوع في ذلك لا يكون إلا على المرأة، ونسبه إلى العتبية، هذا هو المنصوص في المذهب.
وجعل اللخمي العيوب على ثلاثة أقسام: قسم يحمل الجميع فيه على العلم؛ وهو الجنون والجذام والبرص إذا كان في الوجه والذراع، وقسم يحمل فيه الأب والأخ على العلم دون من عداهما؛ وهو البرص الذي تستره الثياب، وقسم يحمل على الجهل في حق الجميع؛ وهو داء الفرج الباطن.
ولم يرتض صاحب البيان تقسيم اللخمي، وقال فيما حكاه الفضل: ولم يقع عندنا في العتبية ما نسبه الفضل إليها.
أصبغ: البكر والثيب في هذا سواء.
قوله: (ولا يَرْجِعُ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ) أي: إذا غرم الصداق فلا يرجع على المرأة بشيء؛ لأنه هو الغارّ، وهذا إنما هو إذا لم تكن المرأة حاضرة حال العقد.
قال في البيان: ولو زوجها بحضورها ولم يخبر واحد منهما بالعيب لكانا جميعاً غارين، يرجع الزوج على من
وجد منهما، ولياً أو امرأة، فإن رجع على الولي رجع الولي على المرأة، وإن رجع على المرأة لم ترجع المرأة على الولي، ونحوه في اللَّخْمِيّ والمتيطية.
فَإِنْ غَابَ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَخْفَى عَنْهُ خَبَرُهَا فَقَوْلانِ
أي: فإن غاب الولي القريب الذي يُظن [316/ أ] به علم حالها، بحيث يظن خفاء ذلك عليه.
فقوله: (بِحَيْثُ يُعْلَمُ) يريد: يظن كما قلنا، وكذلك صرح بالظن هنا جماعة، (فَقَوْلانِ) أحدهما لأشهب: أن ذلك لا يسقط عنه حكم الرجوع ربطاً للحكم بالمظنة.
والثاني لابن القاسم وابن وهب وابن حبيب، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك: أنه يسقط عنه الغرم، ويرجع على المرأة ويترك لها ربع دينار.
ابن القاسم: بعد يمينه بجهله ذلك.
فَإِنْ أَعْسَرَ الْوَلِيُّ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ قَوْلانِ
يعني: إن وجب الرجوع على الولي فوجد عديماً، فقال مالك وابن القاسم ومحمد: لا يرجع على المرأة بشيء.
وقال ابن حبيب: يرجع عليها إذا كانت موسرة ولا ترجع هي به، فإن كانت عديمة رجع على أولهما يسراً.
وَإِنْ كَانَ كَابْنِ الْعَمِّ رَجَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ لا عَلَيْهِ، وَتَرَكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ
هذا قسيم قوله في صدر المسألة: (وَالْوَلِيُّ قَرِيبُ) أي وإن لم يكن قريباً كالعم وابنه أو من العشيرة أو من الموالي أو السلطان، فإن الزوج يرجع على المرأة لا عليه، لكن يترك لها ربع دينار لحق الله تعالى، بخلاف ما إذا رجع على الولي في القسم الأول، فإنه لا يترك له شيئاً، وهذا مقيد بأن لا يعلم، أما إن علم فإنه يرجع عليه كالولي القريب.
قاله ابن المواز وغنيره.
وَفِي تَحْلِيفِهِ قَوْلانِ
أي: وفي تحليف هذا الولي البعيد على عدم العلم، والقول بأنه لا يمين عليه لابن المواز.
وقال ابن حبيب: إن اتهم حلف.
والخلاف مبني على الخلاف في توجيه يمين
التهمة، أما إن ادعى الزوج على الولي البعيد العلم حلف، فإن نكل حلف الزوج: لقد علم، وغرمه، فإن نكل فلا شيء له عليه ولا على المرأة، وقد سقطت متابعته للمرأة لإقراره بعلم الولي به وأنه غره.
وقال ابن حبيب: إن حلف الولي رجع على المرأة.
اللخمي: وهو أصوب.
وَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ خِيَارٍ فَكَالْمَعْدُومِ، وَلَوْ مَاتَ تَوَارَثَا.
وقَالَ سُحْنُونُ: يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ ..
قوله: (فَكَالْمَعْدُومِ) أي: فكأن العيب لم يكن، ولا خيار له لأنها بانت منه، وهو مفرط، ويدل على ذلك أنهما لو ماتا توارثا، فكما أن الخيار يفوت بالموت فكذلك يفوت بالطلاق؛ لأن العصمة فيهما قد انقطعت.
ولم ير ابن سحنون الطلاق أو الموت فوتاً، بل أوجب له الرجوع على الولي الغار، فإن كانت هي الغارة رجع عليها، وترك لها ربع دينار.
وانظر ما نقهل المصنف هنا مع قوله في الخلع: (فإن تبين له عيب خيار رد ما أخذه على المشهور مضى الخلع).
الغرور: وَإِذَا غُرَّ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ بِعَيْبٍ ثَبَتَ لِلْمَغْرُورِ الْخِيَارُ ولا صَدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاء ..
جرت عادة أصحابنا أن يخصوا هذه الترجمة بالكلام على عيب الرق وما يتعلق بذلك من أحكام الصداق والولد، والمصنف لم يفعل ذلك، ألا ترى أنه أدخل تحت الترجمة من غر بالتزويج في العدة، ولأن قوله: (بِعَيْبٍ) يشمل الأربعة المتقدمة وغيرها، لكن الأربعة يرد بها من غير شرط، وما عداها إنما يرد به بالشرط كما تقدم.
وقوله: (ولا صَدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاء) يعني: سواء كان هو المغرور أو هي المغرورة، أما إن كان هو المغرور فظاهر، وأما إن كانت هي المغرورة فظاهر المذهب كما تقدم، ووجهه أن الطلاق وقع قبل البناء من جهتها؛ إذ لو شاءت لمكنت من نفسها.
وَأَمَّا بَعْدَهُ، وَالْخِيَارُ لَهُ فَفِيهَا: إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ الْغَارَّ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِهِ لا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا تَرَكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ ..
يعني: أن من غر بالحرية ثم ظهر على ذلك بعد البناء فإنه يفرق بين أن يكون الولي قريب القرابة أم لا كما تقدم في العيوب الأربعة.
عياض، وذهب بعض الشيوخ إلى أنه يترك أيضاً للولي إذا رجع عليه ربع دينار ولا وجه له.
وقال غيره: هو ظاهر؛ لأن الزوج إذا أخذ الجميع كان وطؤه من غير صداق منه.
ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لهذا الإشكال.
وليس قوله: (وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا) راجعاً إلى مسألة الأمة؛ لأن الحكم في الأمة خلاف هذا، وهو أنه يلزمه الأقل من المسمى وصداق المثل، كما سيقوله المصنف، لكن كلامه كالنص في إرادة الأمة؛ لقوله: (لا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ)، وذلك لا يكون إلا فيها.
وعلى هذا ففي كلامه تعارض، وكان الأولى أن يسقط المصنف هذا؛ أعني قوله: (وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا ...) إلخ؛ لأنه ليس في الأمة، وإنما هو في العيوب، وقد قدم المصنف ذلك في العيوب.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا) فصل الضمير؛ لأنه المختار عند الأكثر.
وَكَذَلِكَ مَنْ غُرَّ بِالتَّزْوِيجِ فِي الْعِدَّةِ
هذا كقوله في المدونة: ومن غر من وليته فزوجها في عدة ودخلت، فسخ النكاح وضمن الولي الصداق، وإن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار، وردت ما بقي.
اللخمي: وإن لم يعلم الولي رجع عليها، وإن علم فكلاهما غار، فيخير بين أن يرجع على الولي أو عليها.
ابن عبد السلام: ولأجل هذا الفرع يكتب الموثقون أنها خلو من زوج وفي غير عدة منه، ولو سكت عنه وكانت ثيباً، وقالت بعد ذلك: أنا حامل ولم يأتني قرء.
فقال ابن عتاب:
إذا لم يأت لها من الوقت الذي دخل [316/ ب] فيه ما يتبين فيه الحمل فالنكاح مفسوخ.
وقال ابن القصار: لا يقبل قولها إذ لعلها ندمت على النكاح.
وَلَوْ غَرَّهُ مُخْيرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِلا أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ إِلا أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيِّ ..
(لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لأنه غرور بالقول، وهو مفرط إذ لم يثبت لنفسه.
وقال جماعة: هذا على المشهور أن الغرور بالقول لا يوجب غرماً، وأما على القول بأنه يوجب الغرامة فيضمن هنا، وينبغي أن يؤدب، ويتأكد أدبه على القول المنصوص بعدم الغرامة، ففي كتاب تضمين الصناع من المدونة: وإن سألت خياطاً قياس ثوب فزعم أنه يقطع قميصاً فابتعته بقوله، ولم يقطع قميصاً، فقد لزمك ولا شيء لك عليه ولا على البائع.
وكذلك الصيرفي في درهم تريد إياه جيداً، فتلفيه رديئاً.
فإن غرا من أنفسهما عوقبا ولم يغرما، فأنت ترى كيف حكم بالعقوبة فيهما، ففي الفرج مع غرامة الصداق أولى.
قوله: (إِلا أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ) أي: إلا أن يتولى الأجنبي العقد، فيكون غروراً بالفعل ويلزمه الضمان.
ابن المواز: ولا يترك له ربع دينار، وكأنه باعه البضع فاستحق.
وحكى ابن بشير في تعلق الغرامة وعدمه ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث، وهو المشهور فيغرم في الغرور بالفعل دون القول.
قوله: (إِلا أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيِّ) أي: إلا أن يخبر هذا الأجنبي المتولي النكاح بأنه غير ولي للمرأة، وإنما ولي لها عقد النكاح بمقتضى ولاية الإسلام، ويصير حينئذ مكن غر بالقول.
وعلل اللخمي السقوط فيما إذا أخبره أنه غير ولي، بأن الزوج دخل على أن النكاح يفسخ؛ لكونه تولاه غير ولي.
وعلل ابن راشد بأنه كالسمسار ينادي على السلعة فيتولى البيع، ويقول: ليست لي بل هي لغيري.
وَفِيهَا: فِي الأَمَةِ تُغَرُّ بِالْحُرِّيَّةِ لَهَا الأَقَلُّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوِ الْمُسَمَّى.
وقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثْلِ وَإِنْ زَادَ.
وقِيلَ: الأَكْثَرُ.
وأَنْكَرَهُ أَشْهَب إِذْ لا يَزِيدُ عَلَى الزِّنَى طَوْعاً.
وقِيلَ: رُبُعُ دِينَارٍ ..
(الأَقَلُّ) لأنه إن كان المسمى أقل فقد رضيت به على أنها حرة، فلأن ترضى به وهي أمة أولى، وإن كان صداق المثل أقل فلأن من حجة الزوج أن يقول: إنما أعطيت هذا المسمى لأجل الحرية، والحكم بالأقل إنما هو إذا لم يمسكها، وأما إن أمسكها فالمسمى، ذكره في الجواهر.
وما ذكره المصنف عن المدونة من الأقل هو تأويل صاحب البيان، و (الأَكْثَرُ) وهو نص ابن القاسم في العتبية، ومنهم من فهمها على القول الثاني، وهو نص ابن القاسم في الموازية، ووجهه أنه إتلاف لمال الغير، وتصور القول الثالث من كلامه ظاهر.
قوله: (وأَنْكَرَهُ أَشْهَب) اللخمي وابن يونس: وقال أشهب في الموازية: ليس لها سوى المسمى، كما لو زنى بها طائعة.
ابن يونس: يريد: فلا يكون لها عليه شيء فكذلك ما زاد على المسمى لا شيء للسيد فيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
انتهى.
ففهم عن أشهب أن الواطئ لا شيء عليه في الزنى إن طاوعته، وكذلك نقل ابن عبد السلام عنه، وقال: سواء كانت بكراً أو ثيباً.
وقال في البيان: وقال- يعني ابن القاسم-: إنه إن أصدقها أدنى من صداق مثلها لم يكن لها إلا ذلك.
قال أشهب: كما لو زنى بها طائعة لا يكون لها إلا قدر ما يستحل به فرجها كالحرة إذا غرت من نفسها بجنون أو جذام.
وهو قول ابن أبي حازم.
انتهى.
فنقل عن أشهب أنه يكون عليه في الزنى ربع دينار، وكذلك نقهل عنه ابن راشد، وقال محمد في مسألة الأمة الغارة قولاً بأنه ليس لها إلا ربع دينار، ووجه إنكار أشهب
واضح، وهو أن يقال: لو كان لها الأكثر في مسألة الغرور لكان لها الصداق إذا زنى بها طوعاً؛ لأنه قد عابها على ربها بالزنى أشد مما عابها عليه بالنكاح.
ومذهب ابن القاسم في المدونة في الأمة الزانية الفرق بين البكر والثيب، ذكره في كتاب الرهن.
وَتَزْوِيجُ الْحُرِّ الأَمَةَ، والْحُرَّةِ الْعَبْدَ- مِنْ غَيْرِ تَبْيينٍ- غُرُورُ
لأن الغالب على الحر والحرة أنهما إنما يتزوجان مثلهما، وبهذا جرى العرف، والعرف كالشرط.
فرع:
وإذا غر العبد حرة، فقال في العتبية: لها أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان.
قال في البيان: يريد أنها إن فعلت ذلك جاز إذا كان الزوج مقراً بأنه غرها، وأما إن نازعها فليس لها أن تختار إلا أن يحكم به السلطان لذلك.
قال: وهو تفسير للمدونة.
بِخِلافِ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ الأَمَةَ، وَتَزْوِيجِ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّةَ
يعني: أن العقد إذا وقع هنا من غير تبيين ليس بغرور لحصول المساواة في تزويج العبد الأمة، وحصول الأحسن للنصرانية، وعلى هذا فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويكون العبد والمسلم الغاري، ويحتمل أن يكونا مغرورين، ويكون المصدر مضافاً للمفعول.
وَلَوْ غَرَّ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّةَ بِأَنَّهُ نَصْرَانِيُّ فَلَهَا الْخِيَارُ
هذا قول مالك في العتبية والموازية، وله في المبسوط من رواية ابن نافع أن النكاح ثابت ولا خيار لها، وهو قول ربيعة؛ لأن الإسلام ليس بعيب.
اللخمي وابن رشد: الأول أظهر لأجل الشرط، وهذا إذا قال لها: أنا على دينك.
وأما إن ظنت هي ذلك فلا رد لها اتفاقاً.
وَإِذَا غَرَّ الْحُرُّ بِالْحُرِّيَّة فَالْوَلَدُ حُرُّ
لدخول الأب على الحرية، فيوفى له بما دخل عليه.
قال في البيان: وكان القياس أن يكون الولد رقيقاً لسيد الأمة؛ لأن كل أمة تلد من غير السيد فولدها بمنزلتها، إلا أنهم تركوا القياس في هذا؛ لإجماع الصحابة على أنهم أحرار، وعلى أن على الأب [317/ أ] قيمتهم.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَوَلَدُهُ رَقِيقُ، وَقِيلَ: كَالْحُرِّ
قوله: (فَوَلَدُهُ رَقِيقُ) هو مذهب المدونة، قال فيها: إذ لابد من رقه مع أحد الأبوين، فجعلهم تبعاً للأم؛ لأن العبد لا يغرم قيمتهم.
وقوله: (وَقِيلَ: كَالْحُرِّ) أي: فيكون أولاده أحراراً.
وأشار بقوله: (كَالْحُرِّ) إلى توجيه هذا القول، وهو أن العبد دخل على أن ولده حر فيوفى له بذلك كالحر.
ابن عبد السلام: واختار هذا القول غير واحد.
ابن راشد: ولم أره معزواً.
ونقله عبد الحميد عن الشيخ أبي إسحاق، واحتج بدخوله على الحرية، قال: والتفرقة بين العبد والحر لكون العبد لا يقدر على دفع قيمة الولد ليست بظاهرة؛ لأن الحر أيضاً قد يكون عديماً، وقد يعتق العبد، كما يوسر المعدم، إلا أن يقال: للسيد إبطال ما في ذمة العبد، وليس ببين، هذا معنى كلامه.
وَتَجِبُ قِيمَةُ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجِ لا عَلَى الْوَلِيِّ الْغَارِّ يَوْمَ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ حَيّاً فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ فَلا قِيمَةَ، وَانْفَرَدَ الْمُغِيرَةُ بِيوْمِ الْوِلادَةِ ..
يعني أن الولد لما حكم بحريته فلا يسقط حق السيد من قيمته، بل تجب له قيمته على الزوج، لا على الولي، لأنهما وإن تساويا في إتلاف الولد على السيد، فالزوج مباشر، فكان أولى بالضمان.
عبد الحميد: وكان بعض الشيوخ يغرم الغار قيمة الأولاد.
قوله: (يَوْمَ الْحُكْمِ) يعني أن وجوب القيمة يعتبر يوم الحكم.
وهذا مذهب المدونة، وعليه فلو مات الولد قبل ذلك لم يجب فيه شيء؛ لأنه معدوم يوم الحكم، فلا قيمة له.
وما ذكره من انفراد المغيرة باعتبار القيمة يوم الولادة ليس بظاهر؛ لأنه في البيان ذكر أن أشهب موافق له، وضعف ابن المواز قوله بأنه لو صح اعتبار القيمة يوم الولادة لما سقطت بموته بعد ذلك، وهو تضعيف ظاهر، لو وافق المغيرة على ذلك.
والمنقول في البيان وغيره أن عند المغيرة وأشهب لا تسقط القيمة بموت الولد قبل الحكم، ونحوه للخمي.
ابن عبد السلام: وخرج بعضهم في المسألة قولاً ثالثاً أن القيمة تعتبر يوم القيام من أحد الأقوال في الأمة المستحقة، أنها تعتبر قيمتها يومئذ، وهو تخريج صحيح.
فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِ الأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا أَخَذَ مِنْ دِيَتِهِ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ فَعَلَيْهِ الأَقَلُّ مِنْهَا ومِنْ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ، فَإِنْ كَانَ جَنِيناً فَيَوْمُ الْوِلادَةِ.
وَقَالَ أَشْهَب: لا شَيْءَ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي الْجَمِيعِ كَمَا لَوِ اقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ أَوْ هَرَبَ.
يعني: فإن قتل هذا الولد، فإن اقتص الأب من القاتل أو هرب لم يكن على الأب من قيمته شيء؛ لأنه قتل قبل الحكم، وإن أخذ فيه دية فالدية أو ما أخذ منها يتنزل منزلة عينه، فيكون على الأب للسيد الأقل من قيمته، أو ما أخذ من ديته؛ لأنه إن كانت القيمة أقل فليس للسيد غيرها، كما لو كان حياً، وإن كانت الدية أو ما أخذ منها أقل لم يكن على الأب ما أخذ.
فرع:
ولو استهلك الأب الدية ثم أعدم لم يكن للسيد رجوع على القاتل بشيء؛ لأنه إنما دفعها بحكم، قاله أصبغ وغيره.
وقوله: (وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ ... إلخ) أي: ولو ضرب رجل بطنها فألقت جنيناً فوجبت فيه الغرة، فأخذها الأب تنزلت الغرة منزلة الدية، وعشر قيمة الأم تنزله منزلة القيمة، فيلزم الأقل منها.
قال في المدونة: والقيمة يوم ضربت.
ابن وضاح: كان في المختلطة عشر قيمة أمه يوم استحقت، ولم يعجب سحنوناً، وأمرنا أن نكتب يوم ضربت؛ يعني أن القيمة إنما تجب فيه إذا قتل يوم القتل، فكذلك تقويم الأم؛ لأن به تعرف قيمته.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ جَنِيناً فَيَوْمُ الْوِلادَةِ) أي: فلو وقع التنازع وهي حامل، فعلى الوالد قيمة أول زمان يمكن التقويم فيه، وهو يوم الوضع، ولو قال: فلو كان حملاً فيوم الولادة، كان أبين.
وقوله: (فِي الْجَمِيعِ) في قول أشهب؛ أي في المسائل الثلاثة؛ أعني مسألة الجنين، ومسألة وجوب الغرة، ومسألة قتل الولد.
ولم ير أشهب أن الدية تتنزل منزلة عين الولد، فكان ذلك كما لو اقتص الأب من القاتل أو هرب.
أشهب: وكما لو مات الابن وترك مالاً كثيراً لكان ذلك لأبيه خاصة.
ابن عبد السلام: وهذا الذي قاله أشهب هنا إنما يتمشى على أن يكون أشهب موافقاً للجماعة في أن القيمة تلزم يوم الحكم لا يوم الولادة، وأما على ما حكيناه عن بعضهم من أن أشهب موافق للمغيرة، وأن المغيرة لم ينفرد بذلك فالمناقضة فيه ظاهرة، إلا أن يكون ذهب المغيرة أن القيمة تسقط عن الأب بموت الولد، فقد تسقط المعارضة، لكن يخلفها إشكال آخر، وهو ما رد به ابن المواد قول المغيرة فيما تقدم.
وَإِن كَانَ الأَبُ عَدِيماً فَفِي أَخْذِهَا مِنَ الْوَلَدِ قَوْلانِ
أخذها من الولد لابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: لا يرجع عليه.
عياض: ويتخرج من قوله أنه يرجع على الولد أن الولد يقوم بغير ماله.
كما ذهب إليه غير واحد؛ إذ لا يمكن أن يكون في أموالهم قيمتهم بأموالهم.
وقال آخرون: إن تقويمهم بأموالهم.
وحكوها رواية ولم يوقف عليها، ولا إشكال أنهما إذا كانا موسرين أن القيمة تؤخذ من الأب ولا يرجع بها الأب على الولد، وإن كانا عديمين أتبع أولهما يسراً.
فَلَوْ كَانَتِ الأَمَةُ لِجَدِّهِ مَثَلاً فَلا قِيمَةَ؛ لأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ عُتِقَ، وَلا وَلاءَ لأَنَّهُ حُرُّ
فإن كانت الأمة الغارة لم يعتق عليه [317/ ب] ولد المغرور، كما لو كانت لجده؛ أي: لجد الولد، فلا قيمة للجد في الولد؛ لأن الجد لو ملك هذا الولد عتق عليه، ولا ولاء للجد على الولد؛ لأنه حر بالأصالة لا بإعتاقه.
ابن يونس: وقال ابن المواز: يكون ولاؤهم لأبيهم.
وقال المصنف (مَثَلاً) لأن هذا الحكم لا يختص بالجد، بل يعم كل من يعتق على المالك، كما لو غرت أمة الابن والده؛ لأن ولد الأمة يكون أخاً للمستحق.
فإن قلت: ما فائدة ذكر الولاء هنا والجد يرث بالنسب؟ قيل: لأنه لو قيل به لظهرت فائدته في الجد للأم؛ إذ لا يرث بالنسب، أما لو زوج الأب أمته لابنه لكان ولاء الأولاد الكائنين من الأمة لجدهم؛ لأنهم عليه عتقاء، ألا ترى أنه لو كان الزوج أجنبياً لكانوا أرقاء، بخلاف مسألة المصنف.
نص عليه صاحب النكت وابن يونس.
وقال ابن محرز في تبصرته: لا فرق بين المسألتين سواء زوج الأب أمته من ابنه أو غرته ولا ولاء للجد.
وَتُوقَفُ قِيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإِنْ زَادَتْ وَإلا رَجَعَتْ إِلَى الأَبِ
يعني: إذا غرت مكاتبة بالحرية، وعثر على ذلك بعد أن ولدت، فإن الولد يقوم.
ابن المواز: على أنه عبد.
ابن القاسم: فتوضع تلك القيمة على يد رجل، فإن أدت كتابتها رجعت تلك القيمة إلى الأب؛ لأنه قد انكشف الأمر أنها كانت حين التزويج حرة، وإن عجزت أخذها السيد وهذا مذهب المدونة، وه والمشهور.
اللخمي: ولا معنى لوقف القيمة، بل تدخل القيمة في الكتابة ويتعجلها السيد، فإن وفت عتقت وولدها، وإلا حبست من آخر الكتابة.
يريد: وليس على الأب إلا الأقل من قيمة الولد وبقيت الكتابة.
وهكذا نقل ابن يونس عن محمد، ووجهه ظاهر؛ لأن المكاتبة أمة والحرية مشكوللا ك فيها، فيلغي المشكوك.
واختار اللخمي التفرقة، وإن كان الزوج مأموناً ولا تخاف غيبته أو أتى بحميل، ألا يخرج المال من ذمته لئلا يضيع فيذهب مجاناً تركت تحت يده، وإلا وقفت.
وَيُقَوَّمُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى غَرَرِهِ لِعِتْقِهِ بِمَوْتِ سَيِّدِ أُمِّهِ، وكذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ سَقَطَ ..
يعني: أن أم الولد إذا غرت بالحرية، ولم يعثر على ذلك إلا بعد أن ولدت، فإن الولد يقوم على غرره لو جاز بيعه؛ لاحتمال موته قبل سيد أمه، فيموت رقيقاً واحتمال موت سيد أمه قبله فيكون حراً، هذا هو المشهور.
وقال ابن الماجشون: يغرم قيمته عبداً أي لأن السيد يستخدمه كما يستخدم العبيد، وحريته مشكوك فيها.
وعلى القولين فالقيمة يوم الحكم خلافاً للمغيرة.
ولمالك في ثمانية أبي زيد: إن كان صغيراً لا خدمة فيه فلا شيء على الأب، فإن أطاق الخدمة غرم أجرته كل يوم، وإن مات قبل أن يبلغ ذلك فلا شيء عليه، وإن استحق بعد أن صار رجلاً كان عليه الأجرة من يوم استحق.
مطرف: وإن مرض لم يكن عليه شيء حتى يصح.
فإذا فرعنا على مذهب المدونة فقتل هذا الولد قبل الحكم فيه، فهل تجب قيمته لسيد أمه على أنه رقيق؛ لأن الترقب قد فقد؟
عياض: وإليه ذهب معظم الشيوخ أو قيمته على ما فيه من الرجاء والخوف؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد في المختصر.
واستشكله أبو عمران وصوبه غيره، وأما لو جرح فتردد بعض القرويين، هل تكون عليه القيمة على الترقب، ثم جزم بوجوبها على الترقب لبقاء النفس التي تترقب فيها بقاء الحرية.
قوله: (وكذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ سَقَطَ) أي: ولأجل اعتبار الترقب في قيمة الولد لو مات السيد قبل القضاء أسقط التقويم.
اللخمي: وتتفق الأقوال إذا مات السيد إلا قول المغيرة أن القيمة يوم الولد، فلا تسقط بموت السيد ولا بموت الولد.
وَيُقَوَّمُ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ عَلَى غَرَرِهِ لِجَوَازِ عِتْقِهِ
أي: إذا غرت.
وقوله: (عَلَى غَرَرِهِ) أي: لجواز عتقه بموت السيد إذا حمله الثلث، ولا دين على السيد، ولجواز ألا يحمل الثلث الجميع، ولجواز رقه إذا كان على السيد دين أو يموت قبل ذلك، فالرق فيه أشد منه في ولد أم الولد، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة والمشهور، وقال ابن المواز: بل يغرم الأب قيمته رقيقاً.
اللخمي: وهو مثل قول عبد الملك في ولد أم الولد، وذكر المازري في باب الاستحقاق أن المشهور الذي عليه الأكثر من أصحاب مالك خلاف قول ابن القاسم في المدونة وأنه يقوم رقيقاً، ألا ترى أنه لو اشترى المدبر رجلاً فعتقه لكان العتق فوتاً ولا يرجع على البائع بشيء من الثمن على إحدى الروايتين.
عبد الحميد: فإن قتل ولد المدبرة جرى فيه من الخلاف ما جرى في ولد أم الولد.
وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الْغُرُورَ، وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ فَفِي تَعْيينِ الْمَقْبُولِ قَوْلانِ
قال أشهب: القول قول الزوج؛ لأنه ادعى الغالب.
ونحوه حكى ابن يونس عن ابن القاسم إذا قال الزوج: ظننت أنها حرة.
وقال سحنون: بل القول قول السيد؛ لأن الزوج مدع لحرية ولده.
الْعِتْقُ: وَإِذَا عُتِقَ جَمِيعُهَا تَحْتَ الْعَبْدِ حِيلَ بَيْنَهُمَا وخُيِّرَتْ بِخِلافِ الْحُرِّ
هذا راجع إلى قوله: (وللزوجة خاصة الخيار بالعتق).
وقوله: (جَمِيعُهَا) يريد إما في دفعة أو أكثر، فقد نص في الموازية والعتبية فيما إذا تزوجت وهي معتق بعضها، وأكمل عتقها بعد [318/ أ] ذلك على أن لها الخيار، ومراده بـ (الْعِتْقُ) العتق الناجز، ولأنه لا يجب لها الخيار بالكتابة والتدبير والعتق المؤجل والاستيلاد، هكذا نصوا، ولا يستبعد الاستيلاد؛ لأنه نص في المدونة في غير موضع على أن السيد إذا وطئ أمته المتزوجة، وكان الزوج معزولاً عنها أنها تكون له أم ولد.
قوله: (حِيلَ بَيْنَهُمَا وخُيِّرَتْ) نحوه في المدونة في غير ما وضع، ودليله ما في الصحيحين في حديث بريرة أنها عتقت فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، وروى البخاري وغيره أن زوجها كان عبداً، وورد أنه كان حراً، ولكن ضعفه البخاري وغيره، ولهذا لم يقل مالك رحمه الله: لها الخيار إذا كان زوجها حراً.
وعلى هذا فيكون الموجب لخيارها نقص العبد عنها بالرق، لا ما قاله الحنفية من أن موجبه جبر الخلل الواقع في النكاح بإجبار السيد أمته على النكاح، حتى أوجبوا لها الخيار تحت الحر أيضاً.
ويحقق عندك عدم مراعاة أصحابنا ما قالوه من أن العلة في الخيار الجبر ما في الموازية إذا طلبت الأمة أن تتزوج هذا العبد ثم عتقت أن لها الخيار.
وَفِيهَا: لَوْ وَقَفَتْ سَنَةً وَلَمْ تُمَكِّنْهُ، وَقَالَتْ لَمْ أَسْكُتْ رِضًي صُدِّقَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَالتِّمْلِيكِ ...
لأنها تقول: سكت لأرى رأياً، ولو اخترته لمكنته من نفسي.
ابن عبد السلام: ولم يذكر في المدونة من أوقفها هذه المرة، فإن من المعلوم أن الحاكم لا يوقفها هذا القدر، ولعله السبب المقتضي لنسبة المصنف لها.
ابن عبد السلام: وحكى بعضهم قولاً بسقوط الخيار لطول المدة، وإن أوقفها الزوج بحضرة العتق.
وقال: إما أن تختاري المقام أو الطلاق.
فقالت له: أنظر وأستشير.
فالقولقولها، واستحسن أن تؤخر ثلاثة أيام.
وقوله: (بِغَيْرِ يَمِينٍ) هو مذهب المدونة، وفي العتبية: تحلف، وهو على الخلاف في أيمان التهم.
فَلَوْ عُتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ سَقَطَ كَمَا لَوْ عُتِقَا مَعاً
أي: إنما سقط خيارها؛ لأن الموجب لخيارها رقه، فإذا زالت العلة زال المعلول، ولا إشكال فيما إذا أعتقا معاً، وأما إذا أعتق بعدها قبل أن تختار، فمن الشيوخ من جرد المسألة من الخلاف نصاً وتخريجاً، ومنهم من أثبته تخريجاً فقط، وهو ابن زرب؛ لأن عارضها بمسألة الحيض الآتية، وهي أنها إذا أخرت للحيض فعتق الزوج، فقال ابن القاسم: هي على خيارها.
وخرج من كل واحدة رواية في الأخرى، وفرق بينهما بأنها في الحيض ممنوعة شرعاً، فعذرت إذ لا تفريط منها، بخلاف هذه ومنهم من أثبته نصاً، وذكره عن ابن زياد، ونقله ابن عبد البر عن ابن القاسم.
فَلَوْ أَبَانَهَا سَقَطَ، بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ
أي: فلو أبانها قبل أن تختار سقط الخيار لاستحالة وقوع الطلاق منها وهي بائنة، بخلاف الرجعي فإنها زوجة.
اللخمي: ولو قيل إنها تمنع من الطلاق إذا قال الزوج: أنا لا أرتجع، لرأيته حسناً.
فَإِنْ اخْتَارَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلا صَدَاقَ، ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ
لأنه فراق قبل الدخول من جهتها.