الشُّرْبُ
الْمُوجِبُ: شُرْبُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلِّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ مُخْتَاراً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلا عُذْرٍ ...
هذه هي الجناية السابعة.
قوله: (الْمُوجِبُ) أي: للحد، واحترز بالمسلم من الكافر وبالمكلف من الصبي والمجنون، وأسند السكر للجنس؛ ليدخل القليل؛ لأنه وإن لم يسكر فجنسه سيسكر، واحترز بالمختار من المكره، ولغير ضرورة من المضطر إلى إساغة، وبلا عذر ممن يشرب خمراً يسقى ماءً ونحو ذلك.
فَيَجِبُ بالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ
الضمير في (يَجِبُ) يعود على الوجب وهو الحد؛ لأن الموجب المتقدم يدل عليه، ونبه بهذا على قول الحنفية أنه لا يحرم القليل الذي لا يسكر إلا من ماء العنب، ولنا ما رواه مسلم أن عمر رضي الله عنه خطب على منبره عليه الصلاة والسلام وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل، والخمر ما خامر العقل.
وفي الترمذي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"، وقال: حسن غريب، وفي مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٌ حَرَامٌ، مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ".
فإن قيل: المسكر حقيقة ما حصل عنه السكر، قيل: لا نسلم، وما يذكر في أصول الفقه من اشتراط حصول المعنى في كون المشتق حقيقة إنما هو إذا كان المشتق يحكم به، وأما إذا كان متعلق الحكم فلا، ولوسلم فينقض بالخمر، وأما استدلالهم بما رواه البزار
عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها سواء، والمسكر من كل شراب.
فهو إن صح إسناده وروي مرفوعاً من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، لكن قال عبد الحق: رواته كلهم ما بين ضعيف ومجهول.
وَلا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلا مُضْطَرٍّ إِلَى الإِسَاغَةِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَرَامٌ
لما رواه ابن ماجه: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"، وذكر ابن شاس في باب الأطعمة أنه لا تحل الإساغة للغصة بها على خلاف فيها، وإلى القول بالتحريم أشار المصنف بقوله: (وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَرَامٌ)، وفي الجلاب عن أبي الفرج: لا بأس أن يشربها ليدفع بها غصة وهو الظاهر ولا يبعد الوجوب.
ابن عبد السلام: والظاهر أن الضمير في (إِنَّهُ حَرَامٌ) على الإساغة وحدها دون الإكراه، والخلاف في الصورتين، ولكن التحقيق أنه ليس بحرام فيهما، وربما أنكر بعضهم عدم الخلاف في الغصة، والمنصوص عدم شربها للجوع وللعطش.
مالك: ولا يزيده إلا عطشاً، وقيل: بجوازه وهو اختيار ابن العربي وغيره، فإن ذلك تخفيفاً على الجملة ولو لحظة.
وَالصَّحِيحُ أَنُّهُ لا يَجُوزُ التَّدَاوِي بمَا فِيهِ الْخَمْرُ وَلا بنَجِسٍ
الباجي وغيره: إنما هذا الخلاف في ظاهر الجسد؛ يعني: ويمنع في الباطن اتفاقاً، وما عبر عنه المصنف بالصحيح عبر عنه ابن شاس بالمشهور.
ابن عبد السلام: وأجاز مالك لمن عثر أن يبول على عثرته، وفي مسلم: أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن جعلها في الدواء، فقال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ"، وكره مالك أن يداوي بها دبر الدواب.
وَفِي الْبَدَوِيَّ يَدَّعِي جَهْلَ التَّحْرِيمِ قَوْلانِ، بخِلافِ مُدَّعِي الْجَهْلِ الْحَدُّ
أي: مع كونه يعلم التحريم فإنه يحد اتفاقاً، والقول بالحد لمالك وأصحابه إلا ابن وهب فإنه قال: لا حد عليه.
مالك: وقد ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ يَرَى حِلِّ النَّبيذِ، وَمُقَلِّدِهِ
المحكي عن مالك وأصحابه وجوب الحد عليه، وعدم قبول شهادته إلا أن الباجي تأوله، فقال: لعل هذا فيمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فإن كان من أهل العلم والاجتهاد، فالصواب أنه لا حد إلا أن يسكر منه، قال: وقد جالس مالك سفيان الثوري وغيره من الأئمة، ممن كان يرى شرب النبيذ مباحاً، فما أقام على أحد منهم الحد ولا دعا إليه مع إقراره بشربه، وظاهرهم وناظرهم عليه، وصحح هذا [743/أ] القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إن قلنا كلمجتهد مصيب فواضح، وإن كان المصيب واحداً فلا أقل من أن يكون هذا شبهة.
وقوله: (عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِهِ) فهو بكسر اللام، وأورد على قول مالك بحده أنه قد نفى الحد عن المتزوج بال ولي، وأجيب بأن مفسدة النكاح يمكن تلافيها بالصلاح وردها إلى العقد الصحيح كغير هذه الصورة من النكاح الفاسد، ولا يمكن مثل ذلك في الأشربة من الزجر عنها وهو الحد، وفيه نظر.
وَمَنْ ظَنَّ مُسْكِراً شَرَاباً آخَرَ فَلا حَدَّ
كما عذر من وطئ الأجنبية يظنها زوجته.
وَيَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَبالإِقْرَارِ
أي: لا خلاف في ذلكفإن رجع عن الإقرار؛ فإما إلى شبهة، أو لا وهو كالزنى.
وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّمِّ مِمَّنْ يعْرِفُهَا كَالشُّرْبِ، وَحَكَمَ بهِ عُمَرُ
ذكر أبو عمر ان هذا قول مالك وجمهور أهل الحجاز، خلافاً للشافعي وجمهور أهل العراق لاحتمال أن يكون يتمضمض بها، ورأى مالك أن هذا مرجوح.
وقوله: (مِمَّنْ يعْرِفُهَا) ظاهره سواء تقدم شربه لها كالكافر والعاصي ثم يتوب أولاً، وهو قول الباجي وغيره، واشترط ابن القصار تقدم الشرب.
ابن عبد السلام وغيره: الأول هو الصحيح إذ لاتخفى رائحتها على كثير من الناس وإن شهد شاهدان علىرائحة الخمر وخالفهما غيرهما، فقال ابن عبد السلام: قالوا يحد وهومشبه باختلاف القولين في المسروق، ومذهب المدونة إعمال شهادة من شهد بأن قيمته ربع دينار، ورأى بعضهم أن ذلك الاختلاف شبهة، هكذا ينبغي أن يكون هنا وإن شك شهود بالرائحة فالمنصوص أن يسلم إلى حال المشهود عليه، فإن كان من أهل السفه نكل وإن كان من أهل الخير ترك، ثم إن جاء الشهود من غير طالب أو أقام محتسب فلابد أن يكونوا اثنين أو أكثر، وإن أمر القاضي بالاستنكاه فاستحب أصبغ اثنين وأجاز الاكتفاء بواحد وهو بعيد؛ لأنه يئول إلى حكم القاضي بعلمه في الحدود وإن شهد عليه بالعمد وجب الحكم عندنا، وحكم به عمر وعثمان رضي الله عنهما وهو أقوى من الشم.
انتهى كلام ابن عبد السلام.
اللخمي: ويستدل عند الشك بالرائحة تخليط عقله فإن حصل ذلك حد وإلا فلا.
عبد الملك: وقد يختبر بالقراءة التي لا شك في معرفته من الصور القصار فإن ذلك يحسن عند الإشكال.
وَمُوجَبُهُ: ثَمَانُونَ جَلْدَةً بَعْدَ صَحْوِهِ، وَيُتَشَطَّرُ بالرِّقِّ
لما في الموطأ أن عمر رضي الله عنه استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال علي رضي الله عنه: نرى أن تجلده ثمانين جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلد عمر رضي الله عنه في الخمر ثمانين.
أبو عمر: وقد انعقد إجماع الصحابة رضي الله عنهم في حد الخمر على الثمانين ولا مخالف لهم منهم، وعلى ذلك جماعة التابعين وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بالجمهور.
وقوله: (بَعْدَ صَحْوِهِ) هكذا نص عليه ابن القاسم وغيره.
اللخمي وصاحب البيان: فإن جلد في حال سكره اعتد بذلك إن كان عنده ميز، فإن كان طافحاً أعيد علهي الحد، وإن لم يحس بالألم في أول الحد ثم حس في أثنائه حسب له من أول ما أحس به.
(وَيُتَشَطَّرُ بالرِّقِّ) أي: كله أو بعضه.
وَالْحُدُودُ كُلُّهَا بسَوْطٍ وَضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ
يعني: حد الزنى والقذف والشرب، والأصل في هذا ما في الموطأ: أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله علهي وسلم، فأتى بسوط مكسور فقال: "فَوْقَ هَذَا"، وأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال: "دُونَ هَذَا"، فأتي بسوط قد ركب به ولان فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور ما ذكره المصنف من تساوي الضرب في الحدود، وقال ابن حبيب: ضرب الخمر أشدها.
قَاعِداً غَيْرَ مَرْبوطٍ مُخَلِّى الْيَدَيْنِ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا
أي: ويضرب قاعداً، قال في المدونة: ولا يقام وتخلى له يداه، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال للجلاد في الخمر: اضرب ودع له يديه يتَّقي بهما.
وإذا اضطر بأن لا يصل الضرب معه إلى موضعه فإنه يربط.
قوله: (عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا) هو قول مالك في الموازية، وقال ابن شعبان: يعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج، واستحسن اللخمي الأول لما أخرجه البخاري ومسلم من قوله صلى الله عليه وسلم لهلا بن أمية فيمن قذف زوجته: "وَإِلاَّ حَدُّ فِي ظَهْرِكَ".
وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ، وَيُتْرَكُ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا لا يَقِيهَا، وَاسْتُحْسِنَ أَنْ تُجْعَلَ فِي قُفًّةٍ
هكذا قال مالك في المدونة: أن يجرد الرجل.
قوله: (وَيُتْرَكُ) أي: يترك عليها من الثياب ما يسترها ولا يقيها الضرب، ابن القاسم: ولا بأس بثوبين وينزع ما سوى ذلك.
ابن الجلاب: وتنزع الجبة والفرو، وبلغ مالكاً أن بعض الأمراء أقعد المرأة في القفة فأعجبه.
اللخمي: ويجعل عليها تراب وماء للستر.
وَيُؤَخَّرُ حَيْثُ يُخْشَى الْهَلاكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّانِي
أي: حد المحدود وهو ظاهر، فإن كان هرماً أو شبهه ويخشى عليه الهلاك بسبب ولا ترجى له صحة فإنه يفرق عليه الضرب في أوقات، فإذا أقيم الحد على الشارب أطلق، ووقع في بعض الأقوال: المشهور بالفسق فطاف به ويلزم السجن [743/ب]
وَمَنْ جَنَى مَعْصِيَةً مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ آدَمِيِّ عَزَّرَهُ الْحَاكِمُ باجْتِهَادِهِ بقَدْرِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالْقَوْلِ ...
لما فرغ من الجنايات التي رتب الشارع عليها عقوبة معلومة أخذ فيما لم يرتب عليه عقوبة معلومة، ولهذا يقع في بعض النسخ ﴿التعزير﴾ على وجه الترجمة، وبيَّن أنه لا فرق في المعصية بين حق الله تعالى وحق الآدمي، ومعنى حق الله تعالى؛ أي الذي لا يتعلق به للآدمي حق كالأكل في رمضان، وحق الآدمي أن يتعلق به للآدمي كشتمه وضربه، وهو أيضاً لا يخلو عن حق الله تعالى؛ لأن من حقه تعالى على كل مكلف ترك أذاه، ولما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسماً للأول، فإن الحاكم يعزره باجتهاده وإن عزر بجهل فهو أخف، ولا يسمى حق الله تعالى، وقد يعتبر أيضاً ما ينزجر به غيره من أن يقع في مثل ما وقع فيه هذا العاصي.
وقوله: (بحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالٌَْوْلِ) فيه قصور؛ لأنه لا يتناول إلا المعصية القولية.
فَيُخَفِّفُ وَيُتَجَافَى عَنِ الرَّفِيعِ وَذِي الْفَلْتَةِن وَيُثَقَّلُ عَلَى ذِي الشَّرِّ
هذا نظراً إلى جانب القائل، وكذلك ينظر إلى جانب القول، وجانب المقول فيه، فإن كان القول عظيماً من ذي الشرف المخاطب برفيع القدر بالغ في الأدب وخفف في العكس.
وقوله: (وَيُتَجَافَى) خاص بحقوق الآدميين، وأما في حق الله تعالى فنقل في البيان عن بعض العلماء: فيه التجافي، قال: ولم يره مالك.
وَيَكُونُ بالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَبالإِقَامَةِ وَبنَزْعِ الْعِمَامَةِ وَبغَيْرِ ذَلِكَ
لأن القصد الانزجار ولهذا لا يتخصص بسوط ولا يد جنس ولا غيره.
ابن رشد: ومن قال: لرجل يا كلب، إن كانا من ذوي الهيئة عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان بها ولا يبلغ به السجن، وإن كانا من غير ذي الهيئة عوقب القائل أشد عقوبة من الأولى يبلغ فيها السجن، وإن كان القائل من ذي الهيئة والمقول له عكسه عوقب بالتوبيخ، ولايبلغ به الإهانة ولا السجن وبالعكس عوقب بالضرب.
وَقَدْ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ وَلا يَنْتَهِي إِلَى الْقَتْلِ
هذا هو المشهور عن مالك وابن القاسم.
وقوله: (وَلا يَنْتَهِي إِلَى الْقَتْلِ) أي: لا يكون الأدب بالقتل، ويحتمل لا ينتهي في الأدب بالضرب إلى ما يخشى منه القتل، وقد قال مطرف: يضربه وإن أتى على النفس، وروي عن مالك في العتبية: أنه أمر بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أربعمائة سوط، وانتفخ ومات ولم يستعظم ذلك مالك، وقال ابن مسلمة: لا يتجاوز ثمانين، وقد روى القعنبي عن مالك: لا يجاوز خمسة وسبعين سوطاً، وروى أصبغ: أقصاها ما ينتهي إليه جرم الفساد مائتان، وقال مطرف في الواضحة: أقصاها ما يبلغ به الأدب في الجرم ثلاثمائة، لا يزاد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المؤدب على ثلاثة، وكذا قال سحنون: لا يزيد المدب أزيد من ثلاثة أسواط فإن اد عليها اقتص منه، واستشكله غير واحد، وحجة أشهب ما في الصحيح عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى".
وَيُؤَدِّبُ الأَبُ وَالْمُعَلِّمُ بِإِذْنِهِ الصَّغِيرَ لا الْكَبيرَ
هكذا قال ابن شاس، وظاهر قول مالك في الذي شتمه خاله أو عمه أو جده: لا أرى عليه في ذلك شيئاً إذا كان على وجه الأدب ونحوه تأديب الكبير، وقد طعن أبو بكر
في خاصرة عائشة رض الله عنهما ورأٍه صلىلله عليه وسلم في حجرها، وكذلك في مخاطبته لعبد الرحمن في حديث الضيفان.
وَالسَّيِّدُ رَقِيقَهُ
أي: في حقه وحق الله تعالى بشرط ألا يكون مبرحاً.
وَالزَّوْجُ بمَا يَتَعَلَّقُ بمَنْعِ حَقِّهِ
أي: في النشوز للآية، ووقع لابن رشد أنه يؤدب زوجته في تركها الصلاة.
وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بشَرْطِ السَّلامَةِ، فَإِنْ سَرَى فَعَلى الْعَاقِلَةِ بخِلافِ الْحَدِّ
أي: شرط السلامة غالباً في الذهن، وفي هذا الشرط نظر؛ لأنه مخالف لقول ابن الماجشون وغيره: وإن أتى على النفس.
والظاهر الحكاية المنقولة عن مالك، ولكن الحاكم وغيره إذا جازت له العقوبة- يعني- ألا يكون عليه ضمان وتضمينهم مع أمرهم كتكليف ما لا يطاق.
وذكر في الإكمال: أنهم اختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي: عقله على عاقلة الإمام وعليه الكفارة، وقيل: علىبيت المال، وجمهور اللماء: ولا شيء عليه، وفي الموطأ في الرجل يضرب امرأته بالحبل والسوط فيصيبها من ضربه ما لم يرد ولم يتعمد فإنه يعقل ما أصابه منها على هذا الوجه، وفي المجموعة لمالك في معلم الكتَّاب والصنعة إن ضرب صبياً ما يعلم أنه من الأدب فمات فلا يضمن، ظاهره خلاف الموطأ إلا أن يحمل ما في الموطأ أنه خطأ بالزيادة في الأدب، أو يريد بما في المجموعة: لا يضمنه في ماله بخلاف الحد؛ أي: فلا يضمن مما سرى منه ونقل في ذلك الإجماع، فإن علم أن التعزير لا يحصل به زجر فلا يفعل لكن سجن الكبير حتى تحقق توبته ولا يعرض للصغير، هذا أشار إلي ابن عبد السلام والشافعي وهو ظاهر.
مَنْ فَعَلَ فِعْلاً يَجُوزُ لَهُ مِنْ طَبيبٍ وَشِبْهِهِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ هَلاكٌ أَوْ تَلَفُ مَالٍ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ ...
[744/أ] الضمان ترجمة، وهذه المسألة أجري على القواعد التي قبلها، وشبه الطبيب الخادم والحجام ونحو ذلك، واحترز بقوله: (عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ) لهما لو لم يفعله على وجه الصواب كما سيأتي.
(فَتَولَّدَ مِنْهُ هَلاكٌ أَوْ تَلَفُ مَالٍ) يكون في الرقيق، وفي مثل فعل البيطار، ما ذكره من نفي الضمان مفيد بما إذا لم يكن السلطان قد تقدم إلى الأطبة والحجامين ألا يقدموا على شيء مما فيه ضرر إلا بإذنه، ففعلوا ذلك بغير إذنه فعليهم الضمان فيما تلف في أموالهم، رواه أشهب في ابن رشد، وقال ابن دحون: هو على العاقلة إلا فيما دون الثلث، وهو خلاف الراوية.
فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً أَوْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أَوْ أَخْطَأَ فِيهِ، أَوْ فِي مُجَاوَزَةٍ أَوْ تَقْصيرٍ فَالضَّمَانُ كَالْخَطَأِ ...
يعني: إن لم يكن له بذلك علم وفعل ذلك على وجه الجرأة، وتولى الطبيب ذلك من غير أن يؤذن له، فآل إلى التلف أو أخطأ فيه، كما لو أراد قلع سن فقلع غيرها، أو في مجاوزة بأن أخذ من مأخذه، ولكن تجاوز حده، أو قصر فالضمان كالخطأ؛ أي: فتحمل العاقلة الثلث فأكثر، ولا تحمل الأقل، وهكذا قال عيسى ابن دينار، وهو ظاهر ما رواه أصبغ عن ابن القاسم، وقيل: الدية عليه في ماله دون العاقلة.
ابن رشد: وهو ظاهر قول مالك في العتبية، وشبه المصنف المسألة بالخطأ؛ لأن بعض وجوه المسألة كالجهل، وعدم الإذن قد يظن أنه من العمدن وينفرد الجاهل بالأدب.
ابن رشد: والغرب والسجن، ولا يؤدب المخطئ، وهل يؤدب من لم يؤذن له؟ فيه نظر.
وقيل بعدم ضمانه لكأن له وجه والله أعلم؛ لأنه كالمأذون له بالعرف إذا كان من المشهورين بالطب وخيف الفوات في العلاج، ولو ادعى على الطبيب العمد فيما زاد أو قصر، وادعى هو الخطأ فالقول قوله، واختلف قول سحنون في الزوج والسيد يفقأ عين زوجته، فيقول السيد أو الزوج: فعلت ذلك أدباً، وتقول المرأة أو العبد فعل ذلك عمداً على الخطأ أو على الأدب، وإليه رجع، وفرق في القول الأول بين الطبيب وبين الزوج والسيد؛ لأن فعل الطبيب ابتدأ على الإذن ولم يثبت الإذن في حق الزوج والسيد.
ابن رشد: الأظهر في السيد أن يحمل أمره على الخطأ إلا أن يعلم أنه قصد به التمثيل فيباع عليه إن قصد العبد ذلك، وأما الزوج فالذي أراه في ذلك أن يحمل أمره على الخطأ، لا على العمد، ولكن يكون كشبه العمد، وتكون فيه الدية على الجاني، وإن طلبت المرأة فراقه، وقالت: أخافه على نفسي، طلقت عليه طلقة بائنة.
وَإِذْنُ الْعَبْدِ لَهُ أَنْ يَحْجِمَهُ أَوْ يَخْتِنَهُ غَيْرُ مُفِيدٍ
فيضمن الفاعل ولا يفيده إذن العبد، وهكذا نص عليه في المجموعة، وزاد: وكذلك إذا أذن له ان يقطع عرقه، وهذا ظاهر في الختان، وأما الحجامة والفصد فالعرف مطرد بعدم الاحتياج إلى إذن السيد، لا سيما إذا كان موجب الحجامة ظاهراً.
وَمَنْ أَجَّجَ نَاراً عَلَى سَطْحٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ضَمِنَ، وَلَوْ بَغَتَتْهُ الرِّيحُ لَمْ يَضْمَنْ
ظاهر كلام المصنف أن للسطح تأثيراً في الضمان، والذي في المدونة في حريم الآبار، في من أرسل في أرضه ماء أو ناراً، فوصل إلى أرض جاره، فأفسد زرعه، فإن كان أرض جاره بعيدة يؤمَن أن يصل ذلك إليها، فتحاملت النار بريح أوغيرها، فلا شيء عليه، وإن لم يؤمَن وصول ذلك إليها لقربها فهو ضامن، ما قتلت النار من نفس فعلىعاقلة مرسلها، وكذلك الماء، فالعبرة على هذا إنما هي بالأمن وعدمه، وروى اللخمي: الضمان
في البعيد إذا كانت الريح لتلك الأرض، إلا أن تكون بعيدةجداً، وعدمها إن لم يكن وقت أرسلها ريح، ثم جدثت، أو كانت وتغيره إلى الناحية المحترقة، قال غير واد: يضمن إن كانت الأعشاب متصلة وإن بعدت.
وقوله في المدونة: وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها؛ أي: إذا كان لا يؤمن أصولها، وأما مع الأمان فلا ضمان في النار، كما لابن كنانة ما ظاهره خلاف مذهب المدونة، قال فيمن أشعل ناراً في حائط رجل فتعدت النار على غيره فتحرقه من زرع أو حائط عليه غرم ما أشعل فيه دون ما عدت عليه.
وَسُقُوطُ الْمِيزَابِ هَدَرٌ
يعني: إذا اتخذ ميزاباً للمطر فوقع على إنسان أو مال فلا شيء في ذلك؛ لأنه اتخذته حيث يجوز له اتخاذه، وينبغي أن تقيد هذه المسألة بالتي بعدها؛ وهي قوله:
وَفِي سُقُوطِ الْجِدَارِ الْمَائِلِ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ وَأَمْكَنَهُ تَدَارُكُهُ -الضَّمَانُ
قوله: (الْمَائِلِ) أي: بعد بنائه مستقيماً، وأما لو بني مائلاً لضمن من غير تفصيل هكذا، قال ابن شاس: ومراده بالإنذار الإشهاد، كما نص عليه في المونة.
ابن عبد السلام: ومعناه عند القاضي، أو من له النظر في ذلك، ولا ينفع الإشهاد إذا لم يكن كذلك، إذا كان رب الحائط منكراً لميلانه بحيث يخشى عليه السقوط؛ أنه لو كان مقراً فإنه يكتفى بالإشهاد، وإن لم يكن عند حاكم قاله بعض القرويين، وفي البيان في أدب السلطان الثاني: وقول يحيى- أنه ضامن لما أفسد الحائط إن انهدم بعد التقدم إليه والإشهاد عليه [744/ب] وإن لم يكن ذلك سلطاناً-مفسر لقول ابن القاسم: ومثل ما في المدونة.
وقال عبد الملك وابن وهب: لا ضمان عليه إلا ما أفسد بانهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك، وقال أشهب وسحنون: لا يشترط الإشهاد بل يكتفى أن يبلغ إلى حالة لا يكون لصاحبه أن يتركه لشدة ميله.
قوله: (وَأَمْكَنَهُ تَدَارُكُهُ) أي: رب الحائط إزالة الضررن إما بهدم الحائط، وأما بتدعيمه، وتراخى، وأما إذا لم يمكنه فبادر إلى رفع الأذى فسقط؛ فلا ضمان، ولو تقدم إليه في ذلك.
وَيَجُوزُ دَفْعُ الصَّائِلِ بَعْدَ الإِنْذَارِ لِلْفَاهِمِ مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ صَبيِّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ بَهِيمَةٍ عَنِ النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالْمَالِ ...
قوله: (مِنْ مُكَلَّفٍ) يتعلق بالصائل، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: ويجوز دفع الصائل من مكلف أو صبي أو مجنون أو بهيمة عن النفس والأهل والمال بعد الإنذار للفاهم، وإلا فغير الفاهم لا يمكن إنذاره، وقد تقدم في إنذار المحارب خلاف، فانظر هل يأتي هنا، وروى عيسى عن ابن القاسم: إن قتل الرجل الجمل الصول بعد التقدم إلى صاحبه فذكر أنه أراده وصال عليه، لا غرم عليه، ويقبل قوله في ذلك ابن رشد، يريد مع يمينه إذا كان بموضع لا يحضره الناس، واختلف في التقدم لأرباب البهائم هل لابد من السلطان أم لا، وعلى قول سحنون إذا بلغ الحائط مبلغاً يجب عليه هدمه، يضمن ولا يحتاج إلى التقدم.
ابن رشد: وهذا الخلاف إنما هو إذا اتخذ حيث يجوز له، وإلا فهو ضامن اتفاقاً، ومذهب أشهب في الكلب العقور والجمل الصول أنه لا ضمان على صاحبها، وإن تقدم إليه فهو قول رابع، وحيث ضمناه، قال ابن القاسم: في ماله، وقال ابن وهب: على العاقلة، ويثبت بالشاهد واليمين عند ابن القاسم، وقال أصبغ: لا يثبت إلا بشاهدين.
ابن رشد: ويأتي على قول ابن وهب في إلزامه العاقلة أنه يحبس بما يستحق به دم الخطأ من قسامة وغير ذلك.
فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لا يَنْدَفِعُ إِلا بالْقَتْلِ جَازَ قَتْلُهُ قَصْداً ابْتِدَاءً وَإِلا فَلا
هكذا قال القاضي أبو بكر؛ لأنه قال: لا يقصد قتله، وإنما يقصد الدفع، فإذا أدى إلى القتل فبذلك قال، وإن علم أنه لا يندفع عنه إلا بقتله فجائز له أن يقصد القتل ابتداء، وقد يقال: ينبغي أن يكون القتل هنا واجباً؛ لأنه يتوصل به إلى إحياء نفسه لا سيما إن كان الصائل غير آدمي، اللهم إلا أن يحمل كلام القاضي على أنه يمكنه الهروب، ولا يقبل منه إذا قتله دعوى أنه كان قصد قتله، كمن زعم أنه أراد زوجته إذا لم تتقدم منه شكوى.
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ لَمْ يَجُزُ لَهُ الْجَرْحُ
إذا قدر المصول إليه على الهروب من الصائل من غير مضرة تلحق المصول إليه لم يجز له جرح الصائل؛ لأنه منباب ارتكاب أخف المفسدتين، وهذا في غير المحاربين، وأما المحاربون فقد تقدم أن قتالهم جهاد.
وَلَوْ عَضَّهُ فسَلَّ يَدَهُ ضَمِنَ أَسْنَانَهُ عَلَى الأَصَحِّ
عبر المازري وغيره عنه بالمشهور، ونقل مقابله عن بعض الأصحاب: وهو أظهر لما في الصحيحين عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الخُصَيْنِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فسل يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا بَعَضُّ الْفَحْلُ، لاَ دِيَةَ لَكَ".
زاد أبو داود رضي الله عنه: وإن شئت أن تمكنه من يدك فبعضها ثم تنزعها من فيه.
وقال ابن المواز: الحديث لم يروه مالك، ولو ثبت عنده لم يخالفه.
وتأوله بعض شيوخ المازري على أن المعضود لا يمكنه النزع لها بذلك، وحمل تضمين الأصحاب على أنه يمكنه النزع برفق بحيث لا يقطع أسنان العاض، فصار متعدياص في الزيادة، فلذلك ضمنوه.
وَلَوْ نَظَرَ مِنْ كُوَّةٍ أَوْ مِنْ ضِبْرِ بَابٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ فَالْقَوَدُ
(الصبر) بكسر الصاد: شق الباب، قاله الجوهري وعبر به تبعاً للحديث، والقود نقله المازري عن أكثر الأصحاب، ونقل عن الأقل نفيه لما في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: "لَوْ أَنَّ امْرَأٌ اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَاتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ"، وحمل الأولون الحديث على دفعه من غير قصد لفقأ عينه أو مع قصد، ولكن الذي نفاه في الحديث إنما جناح، وأما الدية فلا ذكر لها، ودل كلام المصنف على أن القود مشروط بقصد العين؛ لقوله: (فَقَصَدَ عَيْنَهُ).
وَمَا أَتْلَفَهُ الْبَهَائِمُ مِنَ الزَّرْعِ نَهَاراً فَلا ضَمَانَ، وَفُسِّرَ: إِنْ اسْتُهْمِلَ بغَيْرِ حَافِظٍ، وَأَمَّا اللَّيْلُ فَالضَّمَانُ ...
والأصل في هذا ما رواه مالك مرسلاً، قال في الاستذكار: وهو مراسيل الثقات وتلقاه اهل الحجاز وطائفة من العراق بالقبول: أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ فَضَمانُهُ عَلَى أَهْلِهَا.
قوله: (وَفُسِّرَ) ظاهر، و (إِنْ اسْتُهْمِلَ) الزرع والذي في الجواهر بعد أن ذكر نفي الضمان نهاراً محمد بن حارث، وهذا الكلام محمول على أن أهل المواشي لا يهملون مواشيهم، وعلى أنهم لا يجعلون معها حافظاً وراعياً، وأما إن أهملت الماوشي، أهلها ضامنون.
وفي الاستذكار: إنما سقط الضمان عن أرباب [745/أ] الماشية في النهار إذا أطلقت دون راعٍ، وإن كان معها راعٍ فلم يمنعها، وهو قادر على دفعها فهو المسلط لها، وهو حينئذٍ كالقائد والراكب.
وقال ابن رشد: إنما يسقط الضمان إذا أخرجها عن جملة مزارع القرية وتركها بالمسرح، وأما إن أطلقها للرعي قبل خروجها عن مزارع القرية، فهو ضامن، وإن كان
معها راعٍ فلا ضمان عليه، والضمان على الراعي إن فرَّط أو ضيع، قال: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث، ولم يأخذ يحيى بن يحيى بهذا الحديث، بل قال: يضمنون ما أفسدت ليلاً ونهاراً.
ابن القاسم عن مالك: وهو المشهور وإذا ضمنوا فإنهم يضمنون ما أفسدت وإن كان أكثر من قيمتها، وقال يحيى بن يحيى: إنما عليه الأقل من قيمتها أو قيمة ما أفسدت، ولعله قاسه على العبد الجاني، فإن قلت: فلا فرق على المشهور، قيل: لأن العبد مكلف، فهو الجاني بخلاف هنا، فإن الجاني في الحقيقة رب الماشية، ولمالك في العتبية: وسواء كان محضراً عليه أو غير محضر.
قوله: (وَأَمَّا باللَّيْلِ فَالضَّمَانُ) مخصوص بالزرع والحوائط، فقد قال مالك: إذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم؛ لم يغرم ربها شيئاً.
الباجي: وهذا الحكم يختص عندي بالموضع الذي يكون فيه الزرع والحوائط مع المسارح، فأما لو كان الموضع مختصاً بالمزارع دون المسارح ضمن ربها ما أتلف ليلاً كان أو نهاراً، كما لو كان مختصاً بالمسارح دون المزارع فزرع فيه إنسان، على خلاف العادة من غير إذن الإمام، فلا ضمان على أهل المواشي، كان ليلاً أو نهاراً، وروى مطرف عن مالك: إن كانت المزارع كثيرة معتدة لا يقدر أهلها على حراستها؛ لم يكن على أهل المواشي شيء مطلقاً.
ابن عبد السلام: وقال بعضهم: عكس هذا أولى؛ لأنه إذا كان الأمر هكذا، كان على أربابها ألا يخرجوها إلا براعٍ، وهذا كله إذا لم يكن من المواشي التي شأنها الداء على الزرع، فإن كانت كذلك وتقدم إلى أربابها ضمنوه ما أصابته ليلاً أو نهاراً، من غير خلاف، نقله في الاستذكار.
مالك: وتباع تلك الماشية في بلد لا زرع فيه، كانت بقراً أو غنماً أو غيرها، ابن القاسم: إلا أن يحبسها أهلها عن الناس.
ابن حبيب عن مالك: ويأمر الإمام ببيعها، وإن كره ربها، واختلف في الحيوان لا تستطاع حراسته إذا أضر بالناس، وقال ابن حبيب: لا يمنع، وعلى أهل القرية حفظ زرعهم وشجرهم، وقاله ابن القاسم وابن كنانة في المجموعة.
وَيُضْمَنُ بقِيمَتِهِ عَلَى الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لَوْ حَلَّ بَيْعُهُ.
وَرَوَى مُطَرِّفٌ: لا يُسْتَانَى في الزَّرْعِ أَنْ يَنْبُتَ ...
هكذا رواه مطرف عن مالك، قال: على أهل المواشي قيمة ما أفسدت على الرجاء والخوف، على أن يتم او لا يتم، قال في المجموعة: وإن لم يبد صلاحه، وقوله: (وَرَوَى مُطَرِّفٌ ... إلخ) لو نسبت الروايةمن أًلها لمطرف لكان أحسن، وكأنه عطفه بالفاء ليفيد أنه مع المعطوف عليه قول واحد، وأنه كالتمام له؛ أي: يضمن على الرجاء والخوف، ولا يستأنى بالزرع، هل ينبت أم لا ينبت بخلاف سن الصغير.
ابن رشد وابن زرقون: وعلى قول سحنون: يستأنى في الزرع لأخذه، قال في الذي يقطع شجرة رجل ينتظرها، فإن عادت كما كانت فال شيء على القاطع، فإن نقصت عن حالها غرم ما نقص، ولا يغرم أجر السقي والعلاج، كجرح الخطأ في الدية والدواء.
وفي التخريج نظر؛ لأن صاحب البهائم قد انتفع بما أكلت بهائمه، وقاطع الشجرة لم ينتفع بشيء، وعلى الأول فقال مطرف: إن تأخر الحكم حتى عاد الزرع فلا قيمة، ويؤدب المفسد، ونقل ابن يونس عن أصبغ أن عليه قيمة الزرع.
مطرف: وإن عاد أقل، وإن كان ما أفسد من ذلك ينتفع به فعليه قيمته كذلك، ليس على الرجاء، وقال أصبغ: بل على الرجاء، وإن عاد الزرع بعد الحكم، فقال مطرف: مضت القيمة لصاحب الزرع، وقيل: ترد كالبصر يعود.
الْعِتْقُ
هو انقطاع الملك عن العبد.
الجوهري: