لغه (508/ب) هو: اللزوم والحبس، وكل شىء ملزوم فهو رهن، يقال: هذا رهن لك، أى محبوس دائم لك، قال تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) (المدثر: 38) أى محبوسة، والراهن دافع الرهن، والمرتهن بكسر الهاء آخذه، ويقال للرهن: مرتهن بفتح الهاء، وقد يطلق على آخذه؛ لأنه وضع عنده الرهن، وعلى الراهن؛ لأنه يسأل الرهن.
الجوهري، والنووي: يقال رهنت الشىء وأرهنته.
وقال عياض: لا يقال أرهنه.
وجمع الرهن: رهان ورهون ورهن.
الأخفش: ورهن قبيحة؛ لأنه لا يجمع فعل على فعل إلا قليلا شاذا.
قال: وذكر أنهم يقولون: سقف وسقف.
وقد يكون الرهن جمع الرهان؛ أى: فيكون جمع الجمع.
وحده المصنف اصطلاحا بقوله: (إعطاء000إلخ).
(إعطاء) أمر كالجنس.
ابن عبد السلام: وأتى بلفظ (أمر) ليشمل الذوات والمنافع، فإنه يصح رهنا.
قال ابن راشد: (إعطاء) مصدر، وهو يضاف للفاعل والمفعول، فإن أضفته هنا إلى الفاعل فامرؤ مهموز، والمعنى: إعطاء رجل وثيقه بحق.
والأول أصح؛ لأن إضافة المصدر إلى الفاعل أكثر.
ونبه بقوله: (إعطاء) على الإقباض؛ لأن الرهن لا يتم بمجرد القبض حتى يكون المالك هو الذى أقبضه إياهوأذن له في قبضه، فلو تولى المرتهن قبضه دون اقباض مالكه وإذنه لم يكن رهنا، بخلاف الهبة والصدقة؛ لأنه تعالى وصف"الرهان" بكونها "مقبوضة" ولفظ:"مقبوضة" يقتضي قابضا ومقبوضا منه؛ فلابد من المقبوض منه، وإلا
لم يصح وصفه بكونه مقبوضا، ولما لم يقل ذلك في الهبة والصدقة صح قبض الموهوب له والمتصدق والمتصدق عليه دون إقباض من الواهب أو المتصدق.
انتهى.
ويمكن أن يدعى أنه من إضافة المصدر إلى المفعول، ولو قرئ امرئ بالهمز، وكلام ابن عبد السلام يأتى على أنه إضافة للمفعول، ويرجع أيضا كونه مضافا للفاعل أنه لو أضافه للمفعول لقال: إعطاء شئ؛ لأن ذلك أقرب للفهم، ولأن الأمر حقيقة في القول المخصوص على المختار عند أئمة الأصول.
وقوله: (وثيقة بحق) يخرج ما يعطى لا على سبيل التوثق، بل على سبيل الملك كالبيع، أو الإنتفاع كالمستأجر والعار.
قيل: وهو غير مانع لدخول الحميل فيه لا سيما- على المشهور- أنه لا يطالب إلا بعد تعذر الأخذ من المضمون، ولدخول اليمين فيما إذا أحلف رب الدين على الوفاء، ولدخول وثيقة الدين، فإن ما ثبت من الدين معطى لرب الدين على وجه التوثق.
وأجيب: بأن لفظة (إعطاء) تقتضى حقيقتها دفع الشئ للمرتهن، ولا يصدق ذلك على اليمين والحميل حقيقة، والوثيقة المكتوبة وإن صح دفعها لرب الدين؛ لأن قوله) وثيقة بحق) يقتضي رد ذلك الشئ إلى يد دافعه، والوثيقة المكتوبة لا يلزم ردها بعد استيفاء الحق.
واعترض أيضا أن الرهن مصدر، والأغلب في استعمال الفقهاء إطلاقه على المرهون، فينبغي أن يقول عوض قوله: (إعطاء) (معطى).
ومذهبنا ومذهب الجمهور صحة الرهن حضرا وسفرا خلافا لمجاهد أنه لا يصح إلا في السفر.
وَأَمْرُ الصِّيغَةِ كَالْبَيْعِ
يعني: فيكفي في التوثق كل فعل أو قول دل عليه، فتكفي المعاطاة، هكذا قرر ابن راشد وابن عبد السلام هذا المحل، وهو ظاهر لفظه، والذى نسبه ابن رشد لابن القاسم أن الرهن يفتقر إلى التصريح بلفظه، خلافا لأشهب.
وذكر أن اخنلافهمما قائم من مسألة النفقة على الرهن التى في المدونة؛ لأن عند ابن القاسم: المرتهن لا يكون أحق بما أنفق حتى يقول له الراهن: والرهن بما أنقترهنا.
وعند أشهب يكون أحق به إذا قال: أنفق على أن نفقتك فيه.
وإن لم يقل رهنا.
خليل: وهذا أخذ ظاهر، غير أنه مبني على ظاهره المدونة، فإن المسألة تنقسم ثلاثة أقسام كما ذهب إليه ابن شبلون، لا على ما ذهب إليه ابن يونس وغيره أنه لا فرق بين أن يقول: أنفق والرهن بما أنفقت رهن.
وبين أن يقول: أنفق على أن نفقتك في الرهن.
وسيأتي.
خليل: ويؤخذ مما في وكالة المدونة أن الرهن لا يفتقر إلى التصريح بلفظة الرهن؛ لقوله: وإن قال له: انقد عني واحبسه حتى أدفع لك الثمن.
فهو بمنزلة الرهن، وقال بعضهم.
وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ أَنْ يُصِحَّ مِنْهُ اسْتِيفَاءٌ؛ فَلا يَجُوزُ خَمْرٌ ولا خِنْزِيرٌ مِنْ ذِمِّيٍّ وَغَيْرِهِ
ابن عبد السلام: ينبغى أن تكون (من) سببية؛ كقوله تعالى: (مما خطيئتهم أغرقوا) (نوح:25) أو لابتداء الغاية، ولا يصح أن تكون للتبعيض؛ لأن رهن مثل الدين فيه اضطراب في المذهب.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأنه سيأتي أنه يصح رهن ما لا يعرف بعينه إذا كان عند أمين أو مختوما عليه.
واشترط في الرهن: أن يصح منه الاستيفاء؛ لأن فائدة الرهن بيعه عند الوفاء، والخمر ونحوه لا يجوز بيععه.
(فلا يجوز خمر ولا خنزير) أتى بالفاء المؤذنة بالسببيه؛ أى: فبسبب اشتراطنا في الرهن ما ذكر لا يجوز لمسلم رهن خمر ولا خنزير لمسلم ولا
ذمي، ويحتمل أن يقدر كلامه: فلا يجوز للمسلم ارتهان خمر ولا خنزير من ذمي ولا غيره.
وهكذا قال في المدونة: لا يجوز لمسلم أن يرتهن من ذمي خمرا ولا خنزيرا.
والاحتمال الأول أظهر، لكن الكلام في المرهون.
فرع مرتب:
فعلى الاحتمال الأول: إذا رهن المسلم الخمر ونحوه من ذمي؛ أريقت عليه، ولم يكن عليه أن يأتي برهن آخر.
وعلى الثاني: إذا ارتهن المسلم (506/أ) خمرا لذمي، فقال أشهب: إذا قبضها ثم فلس الذمي، فلا رهن للمرتهن والغرماء فيه أسوة، لأن رهنه لم يكن جائزا في الأصل.
سحنون: إلا أن يتخلل فهو أحق به.
قال: وإن باع المسلم سلعه من الذمي وارتهن منه خمرا؛ فلا يفسد البيع ويرد الخمر إلى الذمي، ولو أراد المسلم وقفها بيد ذمي إلى أجل دينه لما يخاف من عدم ربها لم يكن له كذلك.
فرع:
قال في المدونة: ومن ارتهن عصيرا فصار خمرا؛ فليرفعها إلى الإمام لتراق بأمره، وكذلك الوصي يجد خمرا في التركه خوفا من أن يتعقب بأمر.
اللخمي وابن يونس وغيرهما: وإنما تراق إذا كان الراهن مسلما، وأما إذا كان ذميا فلترد إليه.
اللخمي: وقوله: فليرفعها إلى السلطان.
يريد: إذا كان حاكم الموضع يحكم ببقائها أو يخللها، وإلا فليس ذلك عليه.
وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ كَبَيْعِهِ
أى: رهن جلد الميتة يختلف فيه كما يختلف في بيعه.
ومذهب المدونة: عدم جواز بيعه ورهنه.
وعلى قول ابن وهب: يجوز رهنه بغد الدباغ؛ لطهارته حينئذ عنده.
المازري: ويجري في رهن الكلاب وجلود السباع ما في بيعها.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّيْنِ مِنَ الْمِدْيَانِ وَغَيْرِهِ
يجوز رهن الدين ممن عليه الدين، وهو مراده ب (المديان)، ومن غيره، وهو ظاهر.
ويشترط في جواز رهنه من المديان: أن يكون أجل الدين المرهون مؤجلا بمثل أجل الدين الذى هو رهن به أو أبعد لا أقرب؛ لأن بقائه بعد محله كالسلف فصار في البيع بيعا وسلفا، إلا أن يجعل بيد أمين إلى محل أجل الدين الذى رهن به البائع.
الباجي: وهذا تفسير قول مالك في العتبية وغيرها.
وسيأتي كيفيي قبض الدين إذا كان على غير المدين من كلام المصنف.
وَلا يُشْتَرَطُ الإِقُرَارُ
هذا وقع في كثير من النسخ بقاف وراءين، وعليها تكلم ابن راشد؛ أى: لا يشترط إقرار المدين بالدين؛ لأن رهن المجهول جائز بخلاف البيع، وكأن المرتهن دخل على أنه إن أقربه وإلا استوفاه من الأصل، لم يصح ذلك في البيع لهذه الجهالة.
ابن عبد السلام: والصواب ضبط اللفظ بالفاء وراء بعدها وزاي بينهما ألف؛ فتقول: الإفراز.
هكذا هي في كلام ابن شاس والغزالي، الذي قصد ابن شاس نحوه، تنبيها من الجميع على مخالفة أبي حنيفة في منعه رهن المشاع.
خليل: وقد يقال: بل الأولى أحسن لمساعدة ما قبلها لها، ولأن المصتف سيتكلم على المشاع.
والإفراز: هو القسمة.
وَيَجُوزُ رَهْنُ غَلَّةِ الدُّورِ وَالْعَبْدِ
تصوره ظاهر، وجوز ذلك حوز رقبتهما، وتوضع الغلة على يد أمين أو يختم عليها إن كانت مما لا يعرف بعينه.
وَرَهْنُ الآبِقِ والْبَعِيرِ الشَّارِدِ إِنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبهِ أو فَلَسِهِ
أى: يجوز رهن الآبق والبعير الشارد، ولم يحك المازري وغيره فى ذلك خلافا إذا لم يقارن عقد البيع، وخرج بعضهم قولا بالمنع من الجنين، ورد بأن الغرر في الجنين أقوى؛ لأنه باعتبار وجوده وعدمه، بخلاف الآبق ونحوه؛ فإنه باعتبار وصفه.
المازري: وأما إن اشترط في عقد البيع؛ فقولان بالجواز وعدمه.
ابن رشد: والمشهور الجواز؛ بناء على أنه لا صحه له في الثمن، أو له حصه.
وظاهر المذهب: أن الرهن لا حصة له من الثمن.
قال في البيان: والقولان في ذلك قائمان من المدونة.
انتهى.
وأما القول بأنه لا حصه له؛ فمن قوله في باب الرهن: فيمنوكل رجلا على بيع سلعه فباعها وأخذ بالثمن رهنا؛ أن الخيار للموكل في قبول الرهن، فلم يرجع له خيارا في رد البيع وامضائه.
ولو كان له حصة من الثمن لكان الوكيل متعديا في بيعه بأقل من ثمن المثل.
ابن عبد السلام: وأما القول بأن حصة من الثمن، فمن قوله:" وإن بعت منه سلعة بثمن إلى أجل على أن تأخذ منه رهنا ثقة من حقك فلم تجد عنده رهنا؛ فلك نقض البيع وأخذ سلعتك، أو تركه بلا رهن.
وقد يقال: إنما جعل في المدونة نقض البيع لمخالفة الشرط لا لنقص الثمن، فانظره.
فرع:
وإذا بنينا على القول بمنع اشتراطه في عقدة البيع، فهل يفسخ العقد باشتراطه أولا؟ فيه قولان.
المازري: وهما جاريان على الخلاف في الشروط الفاسدة المقارنة للبيع.
وقوله: (إِنْ قُبضَ قَبْلَ مَوْتِ صاَحِبهِ أو فَلَسِهِ) ليس بظاهر؛ لأن رهن الآبق والشارد صحيح وإن لم يقبضا قبل موت صاحبهما، وإنما القبض قبل موت صاحبهما شرط في صحة الاختصاص.
وفِي رَهْنِ الْجَنِينِ قَوْلانِ
المشهور أنه لا يصح، خلافا لأحمد بن ميسر فإنه أجازه قياسا على غيره من الغرر، ورد بأن الغرر في الجنين أقوى كما تقدم.
اللخمي: وهذا إذا كان في أصل عقد البيع.
وَرَهْنُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِهَا أَوْ بَعْدَهُ
معطوف على قوله: (ويجوز رهن غلة الدور) أى: ويجوز رهن الثماروالزرع، ولا خلاف في ذلك إن بدا صلاحها، ولهذا كان قوله: (أو بعده) لا يحتاج إليه، وأما قبل بدو الصلاح فالمشهور ما ذكره المصنف، وروي عن مالك عدم الجواز.
وقوله: (قبله) يريد: وقد خلقت الثمرة.
المازري: وأما إن لم تخلق فذلك كرهن الجنين.
فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَلا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ انْتَظَرَ بُدُوَّ الصَّلاحِ
أى: فإن مات راهن الثمرة التي لم يبد صلاحها ولم يكن له مال غيرها؛ انتظر بالثمرة بدو الصلاح لتباع، وإنما انتظر بها بدو الصلاح لأن بيعها قبل ذلك لا يجوز.
واحترز بقوله: (ولا مال له) مما إذا كان له مال؛ فإنه يأخذ منه، لأن حق رب الدين في ذمة المديان.
فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَهُ مَالٌ لا يَفِي بِهَا؛ فَإِنَّهُ يُحَاصُّ فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ بِجُمْلَةِ دَيْنِهِ، فَإِذَا بَدَا صَلاحُهَا بِيعَتْ، فَإِنْ وَفَّتْ رّدَّ مَا أَخَذَهُ، وَإِلاَّ قُدِّرَ مُحَاصًّا [509/ب] لِلْغُرَمَاءِ بِمَا بَقِيَ، فَمَا زَادَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ
مثال المسألة: لو كان عليه ثلاثمائة دينار لثلاثة رجال لكل واحد مائة ورهن عند أحدهم تمرا أو زرعا قبل بدوالصلاح، ثم فلس الراهن أو مات ووجد للغريم مائة وخمسين دينارا؛ فإن الثلاثة يتحاصون فيها، فيكون لكل واحد خمسون نصف دينه، وإنما دخل المرتهن معهم لأن دينه متعلق بذمه الراهن، والثمرة لا يمكن بيعها؛ لآنه قد تطرأ عليها آفة الآن فتهلك، فإذا حل بيعها بيعت واختص بالمرتهن، فإن بيعت بمائة رد الخمسين التي كان أخذها أولا؛ لأنه قد تبين أنه لا يستحقها.
هذا معنى قوله: (فإن وفت رد ما أخذه).
وإن لم تف كما لو بيعت بخمسين اختص بها، ثم يقال له: قد تبين أنك إنما يجب لك الحصاص بخمسين؛ لا يكون لك إلا ثلاثون بثلاثة أخماسها؛ لأن لك خمسين، ولكل واحد منا مائة، فالمجموع مائتان وخمسون، والموجود مائة وخمسون، ونسبتها إلى المائة والخمسين ثلاثة أخماس، فيمسك بيده من الخمسين ثلاثين مع الخمسين ثمن الثمرة فيكون بيده ثمانون، ويرد العشرين الفاضلة فيكون لكل واحد منهما عشرة مع الخمسين الأولى، فيكون بيد كل واحد ستون.
وهذا معنى قوله: (وإلا قدر محاصا للغرماء بما بقي، فما زاد رده عليهم) وهذا الذي ذكره المصنف في كيفية العمل هو قول ابن القاسم، وخالف في هذه الكيفية يحيي ابن عمر، ووافق على المعنى، فقال: بل ينظر، فإن كان بيد كل غريم نصف حقه أو ثلثه؛ فليجلس هذا مما بيده قدر نصف أو ثلث ما نقص من ثمن الزرع عن دينه؛ لأنه به كان يجب الحصاص ويرد ما بقي، فيتحاصص هو وهم بقدر ما بقى لكل واحد.
فعلى قوله: يسقط من يد المرتهن خمسون ثمن الزرع، يبقى له من دينه خمسون، وقد كان أخذ كل
واحد من الغارمين اللذين لا رهن بيدهما خمسين نصف دينه؛ فيأخذ هذا من الخمسين خمسة وعشرين، فتبقى خمسة وعشرون ويتحاصان هما والمرتهن فيما بقي، وقد علمت أن الباقي للمرتهن خمسة وعشرون، ولكل واحد منهما خمسون؛ فمجموع ذلك مائة وخمسة وعشرون، ونسبة الخمسة والعشرين المردودة من يد المرتهن إليها خمس، فيأخذ كل واحد خمس دينه، فيأخذ المرتهن منها خمسة يضيفها إلى الخمسين ثمن الزرع، وإلى الخمسة والعشرين التي وجبت له بالحصاص؛ فذلك كله ثمانون، ويحصل لكل من الغريمين الباقيين عشرة مضافة إلى الخمسين الحاصلة له أولا؛ فذلك ستون.
ولعل المصنف لما رأى أن هذا الخلاف لا يجري معنى تركه لذلك، ولما كان قول ابن القاسم أخصر في العمل اقتصر عليه، والله أعلم.
وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُسَاقَى والْمُشَاعِ والْمُسْتَاجَرِ لِلْمُسْتَأجِرِ وغَيْرِهِ
يعني: إذا دفع رجل حائطا مساقاه لرجل، فإنه يجوز أن يرهن ذلك الحائط، وكذلك يصح رهن المشاع خلافا للحنفية، وحكاه ابن عبد السلام رواية في المذهب، وذكر المازري عن أبي الطيب عبد المنعم أنه خرج قولا كمذهب الحنفية من قول من قال من أصحابنا: إن هبة المشاع لا تصح.
المازري: وهذا النقل الذى نقله والتخريج الذى خرجه لم أسمعه من أحد من أشياخي.
وقوله: (والمستأجر) أى: ويصح رهن الشئ المستأجر لمن هو في إجارته وغيره، وقد اتضح لك أن (المساقى) اسم مفعول، والستأجر الأول كذلك، بخلاف المستأجر الثاني نإنه اسم فاعل.
فرع مرتب:
إذا صح رهن المساقي فإما أن يرهن الحائط للعامل فيه أو لا؛ فإن رهن للعامل فسيتكلم المصنف على حيازته، وإن رهن لغيره؛ ففي الموازية: يجعل المرتهن مع المساقى
رجلاً، أو يجعلانه على يد رجل يرضيان به.
وقال مالك: لا يصح الرهن إذا كان المساقي أو أجير له في الحائط، وإنما يصح إذا جعلاه بيد غير من في الحائط، وبه يصح حوز المستأجر كما قاله ابن القاسم في المياطية فيمن ارتهن بعيرا وهو في الكراء: إن كان المرتهن يعرفه ويقوم به فهو حوز.
ويَجُوزُ رَهْنُ الأُمِّ دُوْنَ وَلَدِهَا، وَرَهْنُ الْوَلَدِ دُوْنَ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وتَكُونُ مَعَهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ....
تصوره ظاهر.
وقوله: (على المشهور) ظاهره عوده على المسألتين؛ أى: رهنها دون ولدها والعكس، وظاهره أيضا أن مقابل المشهور المنع، وعلى هذا مشاه ابن عبد السلام، ووجه المشهور: بأنه لا مانع له.
ووجه الشاذ: بأن ذلك يؤدى إلى التفرقة عند الحاجة إلىبيع الرهن.
وفيه نظر؛ لأنا نحكم ببيع المرهون منهما مع الآخر ويكون المرتهن أحق بالرهن فقط، ويحتمل أن يعود على الثانية وهو رهن الولد؛ لأنه في الجواهر إنما حكى الخلاف فيها، ولأني لم أقف في الأولى على القول بالمنع، وإنما حكى ابن رشد فيها الجواز والكراهة، وفي الموازية: ويجوز رهن الأم دون ولدها، وقد ذكر بعض أصحابنا أن المذهب في هذا على قولين تعلقا بما في المستخرجة عن مالك كراهة ذلك.
يحيى بن عمر: فسألت ابن وهب عن ذلك، فقال: لا بأس به.
وعندي أن هذا الخلاف إن ثبت فإنما يحسن إذا لم تفرق بين الولد وبين أمه تفرقة يلحقه الضرر الشديد منها، ويلحقها من تعلق نفسها به إذا حيل بينها وبينه.
انتهى.
وتاظاهر من جهة المعنى: أنه لا فرق بين رهن الولد دون أمه وبين العكس، وكلام المصنف مقيد بقيدين:
أولهما: أن يكونا في ملك واحد، فإن كانا في ملكين؛ فلا شك في جواز رهن كل منهما دون الآخر.
ثانيهما: ألا يبلغ الولد حد التفرقة.
وفي البيان: رهن العبد الصغير دون أمه على ثلاثة أوجه: إن رهنه بشرط أن يحوزه دون أمه؛ فهو رهن فاسد لا يجوز ويفسخ.
وإن رهنه على أنه يحوزه مع أمه فهو رهن، (510/أ) واختلف هل يكره ذلك ابتداء وهو قول مالك، أولا يكره وهو قول ابن وهب، وهو الأظهر؛ لأنه لم يفرق بينهما في ملك ولا في حوز، وكرهه مالك لوجهين ضعيفين: أحدهما: أنه رأى المرتهن كأنه ملكه لما كان أحق به.
والثاني: لما كان لا يباع مفردا صار في معنى جمع الرجلين سلعتيهما في البيع.
والوجه الثالث: إن رهنه دون شرط فيجبر على أن يحوز أمه معه.
وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، ويتخرج على معنى ما في المدونة من كتاب التجارة إلى أرض الحرب إذا أبى الراهن أن يحوز الأم وأبى المرتهن إلا أن يحوز رهنه؛ أن يباعا جميعا من رجل واحد، فيكون للمرتهن ما ناب الرهن من الثمن رهنا، وهذا كله إذا كان معها في البلد، وأما إن رهن الصبي ببلد وأراد أن يخرج بأمه إلى بلد آخر، فقال مالك: لا خير فيه؛ إذ لا كلام في أنه لا يجوز أن يفرق بين الوالدة وولدها في الحواز وإن جمعهما الملك.
وَمَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إِنْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ أَوْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ امْتَنَعَ مُطْلَقاً، وقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ نَقْداً؛ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ ....
يعني: أن الرهن إن كان مما يعرف بعينه كالحيوان والثياب والكتب، قال في المدونة والحلي: جاز أن يوضع تحت يد المرتهن وغيره، وإن كان مما لا يعرف بعينه؛ فالمشهور أنه ممتنع إلا أن يطبع عليه أو يوضع تحت يد أمين.
المازري: وإنما امتنع إذل لم يطبع عليه، أولم يوضع تحت يد أمين حمايه للذريعة أن يكون الراهن والمرتهن قصدا إلى أن يقبض على جهة السلف، وسيما ذلك القبض رهنا، واشترط السلف في المداينة والمبايعة ممنوع، والتطوع بة كهبة المديان.
وقوله: (مُطْلَقاً) أى: كان نقدا أو طعاما مكيلا أو موزونا.
وقال أشهب: إنما يمنع في النقد.
وهكذا نقل المازري، ولفظه بعد أن ذكر أنه يمتنع رهن الدنانير والدراهم: إلا أن يطبع عليها، وإن كان مما لا يعرف بعينه ليس من الأثمان التي هي الدنانير والدراهم والفلوس؛ كالمكيل والموزون، فإن في ذلك قولين، المشهور منهما إلحاق ذلك بالدنانير والدراهم.
وأجاز أشهب ذلك؛ لأن الصرف في الدنانير والدراهم ممن وضع يده عليها مستخف، ويبعد استخفاف ذلك في المكيل والموزون بغير إذن مالكها، وظاهره وظاهر كلام المصنف أن أشهب يوافق على المنع في الدراهم والدنانير، والذي نقل عنه الباجي وابن يونس وابن شاس- واللفظ لهم جميعا- أنه قال: لا أحب ارتهان الدنانير والدراهم والفلوس إلا مطبوعا عليها؛ للتهمة في سلفها، فإن لم يطبع عليها لم يفسد الرهن ولا البيع، ويستقبل طبعها إن عثر على ذلك.
وظاهر هذا أن الطبع عنده في النقد مستحب.
وقول ابن عبد السلام: أن نقل المصنف قول أشهب قريب من نقل لفظ الباجي عنه بعيد من كلام ابن يونس ليس بظاهر؛ لأن لفظهما سواء.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ، ويُسْتَوْفَى مِنْ خَرَاجِهِ أَو مِنْ ثَمَنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِساً
المدبر لا يباع، فلذلك لا يستوفى من خدمته، فإذا مات سيده مفلسا بيع وقضى المرتهن من ثمنه.
فالضميرفي: (خراجه) و (ثمنه) عائد على (المدبر).
والضمير في: (موته) عائد على السيد.
وقوله: (مُفْلِساً) حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف وهو (الموت) مصدر، وهو مسألة اختلاف في العربية.
اللخمي: ورهن منافع المدبر ورقبتة مفترق؛ فإن رهن خدمته مدة معلومة يجوز بيعها ليؤاجر المرتهن تلك المدة؛ جاز في عقد البيع وبعده.
وإن رهن جميع خدمته جاز بعد العقد.
ويختلف إذا كان في العقد، وإن رهن رقبته على أنه مات الراهن ولا مال له بيع المدبر وكان في أصل العقد؛ جرى على الخلاف في رهن الغرر؛ لأنه لا يباع له الآن، ولا يدرى متى يموت السيد.
انتهى.
وهذه الصورة الثالثة هي التي ذكرها المصنف.
اللخمي والمازري: وأما إن رهن رقبته ليباع له الآن فلا يجوز.
واختلف هل يعود الرهن في الخدمة وتباع له وقتا بعد وقت حسبما يجوز من بيعها؛ كمن ارتهن دارا فثبت أنها محبسة على من رهنها، فقيل: لا يعود حقه إلى المنفعة، لأنه إنما رهنه الرقبة.
وقيل: الرهن يتعلق بمنفعتها وكرائها، لأن المنفعة كجزء منها يجوز بيعه ورهنه، فلا يبطل هذا الجزء ببطلان ما أخذ منه.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُكَاتَبِ، وِيُسْتَوْفَى مِنْ كِتَابَتِهِ أَو مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ عَجَزَ
يعنى: ويجوز رهن المكاتب ويستوفي المرتهن من كتابته، فإن عجز استوفى من ثمنه، وانظر هل يجري على رهن الغرر بهذا المعنى أم لا؛ لأن بيع الكتابة جائز مع أن هذا الغرر حاصل في البيع، وكل ما جاز في البيع جاز في الرهن من غير عكس، وهذا هو الظاهر.
قال أبو عمران الشوشاوي: الرهن كلها على خمسة أقسام:
- ما يجوز ملكه وبيعه في الحال والمآل؛ فلا إشكال في جواز رهنه.
- وما لا يجوز ملكه وبيعه؛ فلا إشكال في منع رهنه كالخمر والمسمومات.
وما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه كأم الولد؛ لا ترهن قولا واحدا؛ إذ فائدة الرهن بيعه عند العجز عن الوفاء.
- وما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه في الحال ويجوز في ثاني حال؛ كالمكاتب يجري على الخلاف في رهن الغرر، وهي على وجهين: إما مشترط في أصل العقد أو بعده، فإن كان بعد العقد جاز؛ لأن العقد صحيح، وأما إن كان في أصل العقد؛ إما من بيع، أو من أو من قرض.
فمن قرض لا يجوز؛ لأن المعروف يقبل الغرر.
ومن بيع يختلف؛ لأنه قال في الثمار والزرع قبل بدو الصلاح: يجوز، وقال في الجنين: لا يجوز. - الخامس: ما يجوز ملكه واختلف (510/ب) في بيعه؛ كجلود الميتة بعد الدباغ، وجلود السباع قبل الدباغ.
وكلاب الماشية والزرع والصيد هل يجوز رهنها أم لا؟ انتهى.
والله أعلم.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُسْتَعَارِ لِلرَّاهِنِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ وَيَاخُذُ الْفَضْلَ .... - يعني: ليس من شرط الرهن أن يكون مملوكا للراهن، بل يجوز له أن يرهن ما استعار، فإن أدى الراهن ما عليه من الدين رجع المستعار إلى معيرة، وإن فلس الراهن بيع الرهن وقبض المرتهن ثمنه.
- واختلف بماذا يرجع المعير على المستعير، فاختصر أبو محمد المدونة على أنه يرجع بقيمته، وكذلك روى المدونة يحيى بن عمر وغيره، واختصرها البراذغي على أن المعير يرجع على المستعير بما أدى من ثمنها عنه، وكذا وقع في بعض روايات يحيى، وهذه أصوب من الأولى، وقاله أشهب؛ أى: لأنه بإعارته كمسلف ثمنه؛ لأنه لذلك أعاره كما قالوا في الضامن يتوجه عليه غرم سلعته بسبب ضمانه: أنه يرجع بثمنها لا بقيمتها؛ لأن
كفالته بهذه السلعة تستلزم تسلف الثمن إن احتيج إليه، ولسحنون ثالث؛ لأنه قال: إن شاء ضمنه بقيمته يوم رهنه؛ ففهم منه التخيير.
وقول المصنف: (ويأخذ الفضل) هو من تتمة قول أشهب، وذلك أنا إذا قلنا: يرجع عليه بقيمة السلعة ويقدر أن المعير أسلف السلعة للمستعير؛ فالسلعة مبيعة على ملك المستعير، فإن بيعت بزيادة على الدين لا يختص بها المعير.
وعلى قول أشهب يختص المعير بالزيادة؛ لأنه عده مسلفا لمقدار دينه من ثمن السلعة، والزيادة على ذلك لم يلتزم فيها سلفا فتبقى على ملك المعير، ولهذا قال أشهب: ولو فضلت بعد الدين فضلة بعد قضاء السلطان بالبيع والوفاء فوقفها فضاعت؛ فذلك من ربها، وليس على المستعير إلا ما قضى عنه، وكان ينبغي على قاعدة أشهب أن يضمن قيمته؛ إذ الضمان عنده ضمان أصالة، فقد تعلقت القيمة بذمة المستعير يوم قبض العارية بخلاف ما قاله هنا؛ لأنه يضمن ما أدى من الثمن.
وَإِنْ هَلَكَ اتَّبَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ، واتَّبَعَ الْمُسْتَعِيرُ الْمُرْتَهِنَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
يعني: إذا هلكت السلعة عند المرتهن، كما كان في كل عارية ورهن؛ فيتبع المعير المستعير بقيمتها يوم قبض العارية.
ابن عبد السلام: ويتبع المستعير- وهو الراهن- المرتهن بقيمتها يوم القبض، أو يوم الهلاك، أو يوم الرهن كما سيأتي.
وفي البيان عن أشهب: أن المستعير يغرم للمعير قيمته يوم طلبه بها.
قال: وفيه نظر.
وإذا اتبع المستعير المرتهن فإنه يقاصه، ومن فضلت له فضلة أخذها، وإن كانت السلعة مما يغاب عليه؛ فلا ضمان على واحد منهما كما في سائر العواري والرهان.
ولَو رَهَنَهُ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ ضَمِنَهُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يَكُونُ رَهْناً فِيمَا أَذِنَ فِيهَ
يعني: إذا أذن له أن يرهنه في شيء فرهنه في غيره.
وفرضها في المدونة فيمن أَعَرْتَهُ سلعة ليرهنا في دراهم مسماة فرهنها في طعام، فقال: أراه ضامناً لمخالفته، وذلك تَعدٍّ، ونقلها أبو محمد: ومن أعرته عبداً ليرهنه في دراهم فرهنه في طعام فهو ضامن؛ لتعديه.
قال، وقال أشهب: لا ضمان عليه في العبد، ويكون رهناً في عدد الدراهم التي رضي بها السيد.
وجعل المصنف قول أشهب مخالفاً تبعاً لابن زيد وغيره، وجعل ابن يونس القولين متفقين، فحمل قول ابن القاسم على ما أذا أقر المستعير للمعير بذلك، وخالفهم المرتهن ولم يشأ المعير أن يحلف، فلذلك لم يقبل اتفاق المستعير والمعير على المرتهن حتى يحلف المعير على ما ادعاه.
ابن يونس: وإذا حلف كان رهنه رهناً فيما أقر به في الدراهم، فإذا لم يحلف كان له تضمين المستعير بالتعدي.
وحمل قول أشهب على ما إذا حلف أو أقر له المرتهن بذلك، قال: فيتفق القولان.
والْغَلَّةُ لِلرَّاهِنِ
أي: أن غلة الرهن للراهن؛ لأنه على ملكه.
ويسلم للراهن الغلة على المشهور، وفي المبسوط لمالك: من استرهن داراً أو عبداً قبضه أو لم يقبضه؛ فإن إجارة العبد والدار تجمع لا تصل إلى الراهن ولا إلى المرتهن حتى يفتك الرهن فيكون تبعاً للرهن، فإن كان في الدار كفاف الحق؛ كانت الإجارة للراهن.
قال في البيان: وهذه الرواية شاذة ولا تعرف في المذهب.
ودليل الأول: ما رواه مالك مرسلاً وغيره مسنداً أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه».
وَإذَا اشْتَرَطَ الْمُرْتَهِنُ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً؛ جَازَ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْقَرْضِ لأَنَّهُ إِجَارَةٌ ....
لما ذكر أن الغلة للراهن ذكر أنه يجوز للمرتهن أن يشترط منفعة المرهون مدة معينة بشرط أن يكون ذلك في بيع، فلو كان في قرض لم يجز.
واحترز بـ (الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) من غيرها، فيمتنع للجهالة.
وقوله: (لأَنَّهُ إِجَارَةٌ) يحتمل أن يكون تعليلاً لجواز الاشتراط في البيع، أو لمنفعة في القرض.
أما بيان الأول؛ فلأن استثناء المنفعة مدة معينة يرجع إلى الإجارة فصار بائعاً لسلعته بثمن سماه، وبعمل الدابة مثلاً فلذلك جاز، لأن المشهور جواز اجتماع البيع والإجارة.
وأما بيان الثاني؛ فلأنه إذا كان إجارة، [511/أ] يلزم السلف بزيادة الإجارة.
والأقرب إلى لفظه الأول، ولأنه كذلك في الجواهر وغيرها.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين الحيوان وغيره، وهو اختيار ابن القاسم.
وفي المدونة قال مالك - رحمه الله -: وإذا اشترط المرتهن منفعة الرهن؛ فإن كان الدين من قرض لم يجز، لأنه سلف جر منفعة، وإن كان من بيع وشرط منفعة الرهن زماناً مسمّى فلا بأس به في الدور والأرضين، وكرهه مالك في الثياب والحيوان؛ إذ لا يدري كيف ترجع إليه.
وقال ابن القاسم: لا بأس به في الحيوان والثياب وغيرها؛ لأن ذلك إجارة.
وعن مالك أيضاً كقول ابن القاسم، وبه قال أشهب وأصبغ.
التونسي: ويأتي على قول مالك في هذه المسألة، أنه لا يجوز رهن الغرر في أصل البيع، خلاف ظاهر الروايات في المدونة وغيرها.
قال في البيان: وكره مالك ذلك ولم يقل ما الحكم فيه إذا وقع، ويتخرج في ذلك أربعة أقوال:
الأول: أنه يفسد البيع والرهن فلا يكون أحق به من الغرماء.
والثاني: فساد البيع وصحة الرهن فيكون رهناً بالأقل من الثمن أو القيمة.
والثالث: أنه لا يفسد البيع ولا يبطل الرهن، إنما يكره ذلك ابتداءً، قال: وهو ظاهر المدونة.
والرابع: أنه يصح البيع ويبطل الرهن، فلا يكون أحق به من الغرماء.
القابسي: إنما يكره ذلك في الثياب؛ لأنها تضمن في الرهن ولا تضمن في الإجارة، فكره اجتماعهما للشك في الحكم إذا أتلفها، قال: وأما الحيوان فقد اختلف قول مالك في وجوب ضمانه على المرتهن.
وقوله في هذه المسألة يدل على قوله: إن المرتهن ضامن للحيوان.
ورده في البيان بأن هذا لا يصح؛ لأن مالكاً قد بين أنه إنما يكره ذلك؛ لأنه لا يدري كيف ترجع إليه الدابة والثوب.
وانظر قوله في المدونة: كرهه مالك في الثياب هل أراد التحريم، أو الكراهة على بابها؟ والذي نقل اللخمي عنه المنع.
فروع:
الأول: اختلف المتأخرون إذا ضاع الرهن المشترط منفعته وهو مما يغاب عليه؛ فقيل: يضمنه لأنه رهن.
وقيل: لا يضمنه كسائر المستأجرات.
وقال التونسي: ينظر إلى القدر الذي يذهب منه في الإجارة، فإن كان الثوب مثلاً ينقص باستعماله المدة المشترطة الربع، فيكون ربعه غير مضمون؛ لأنه مستأجر، وثلاثة أرباعه مضمون؛ لأنه مرتهن إن لم تقم بينة.
واعترضه صاحب البيان بأنه إنما ارتهن جميعه، فإما أن يحكم له بحكم الرهن أو الإجارة، ولم يرهن بعضه ويسقط بعضه حتى يسقط عليهما، قال: والصواب أنه يغلب عليه حكم الرهن.
الثاني: الكلام المتقدم إنما هو إذا اشترط المنفعة في عقد البيع، وأما إن أباح له الانتفاع بعد؛ فلا يجوز في بيع ولا قرض؛ لأنه إن كان بغير عوض هدية مديان، كذا نص ابن راشد وغيره على المنع.
وإن كان بعوض جرى على الكلام في مبايعة المديان، قال اللخمي.
الثالث: إذا شرط أن يأخذ الغلة من دينه؛ جاز في القرض ولا يجوز في عقد البيع، وأما بعد عقد البيع فجائز؛ إذ لا يدري أي مقدار يكثر، نص على ذلك في حريم البئر.
الرابع: حيث أجزنا اشتراط المنفعة فإنما نجيزه فيما يصح كراؤه، فلا يجوز اشتراط منفعة الأشجار؛ إذ لا يجوز كراؤها لأخذ ثمارها، إلا أن تكون ثمرتها قد طابت فيجوز اشتراطها في ذلك العام فقط.
الخامس: إذا رهنه وأذن له في الكراء وأن يقبضه من دينه ففرط في كراء ذلك حتى حل أجل الدين؛ فإن كان رب الرهن حاضراً وقد علم أنه لم يكرها ولم ينكر؛ فلا شيء على المرتهن، وإلا ففي تغريمه كراء المثل قولان لابن الماجشون وأصبغ.
فضل: وقول ابن الماجشون بالتغريم هو أصل ابن القاسم، هكذا حكى ابن راشد.
وقال الباجي: إذا ترك المرتهن كراء الدار حتى حل الأجل؛ فإن كانت من الدور التي لها قدر كدور مكة ودور مصر، أو كان العبد نبيلاً؛ ارتفع ثمنه لخراجه فلم يكره فهو ضامن لأجر مثله، وإن لم يكن كبير كراء، ومثله يكري أو لا يكري لم يضمن، قاله ابن حبيب عن ابن الماجشون.
وقال أصبغ: لا يضمن في الوجهين، وكذلك الوكيل على الأكرياء يترك ذلك فلا يضمن.
وَرَهْنُ فَضْلَةِ الرَّهْنِ بِرِضَا الأَوَّلِ جَائِزٌ، وحَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُ، وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ إِذَا عَلِمَ لِيَحْصُلَ الْحَوْزُ ....
يعني: إذا رهنت رهناً في دين وكانت قيمته أكثر من الدين؛ جاز لك أن ترهن الفضلة، ثم إن رهنتها من المرتهن الأول فلا إشكال، وذلك لم يتعرض له المصنف، وإن
كان لغيره فيشترط علم الأول، وهل يشترط رضاه بذلك؟ اشترطه في المدونة.
قال في البيان: وهو المشهور.
ولم يشترطه أصبغ.
قال: إذ لا مضرة على الأول؛ لأنه مبدَّى قبل غيره.
واختار ابن حبيب الأول؛ لأنه إنما اشترط علمه ليكون حائزاً للثاني، وكيف يكون حائزاً للثاني وهو لم يرض بذلك.
ولمالك في الموَّازيَّة قول ثالث: أنه لا يجوز رهن فضلة الرهن لثانٍ إذا كان الرهن بيد المرتهن الأول، إلا أن يخرج الرهن من يد الأول؛ لأنه إنما يقبضها لنفسه.
وحكى في البيان رابعاً: وهو أن الفضلة تكون رهناً ولو لم يعلم الأول، وهو قول ابن القاسم في المبسوط، وقول أشهب في الواضحة.
ونقل المصنف قول أصبغ فيما إذا كان الرهن بيد المرتهن الأول، وكذا نقله صاحب [511/ب] البيان، ولم ينقله اللخمي وابن يونس إلا فيما إذا كان الرهن بيد عدل، ولذلك احتاج اللخمي أن يُخَرِّجَ قولاً بعدم اشتراط رضا المرتهن الأول إذا علم وكان الرهن تحت يده؛ مما قال مالك في المخْدِم يهب صاحبه رقبته لغير المخْدَم: أنه يجوز وإن لم يرض المخْدَم ولم يعلم.
تنبيه:
إنما يشترط رضا الأول إذا كان الرهن على يده.
قال في البيان: وأما إن كان الرهن موضوعاً على يد عدل؛ فالاعتبار في ذلك إنما هو بعلمه دون علم المرتهن.
فرع:
إذا كان الرهن بيد المرتهن وهو مما يغاب عليه ورهن فضلته من غيره ثم هلك الرهن؛ ففي المدونة يضمن المرتهن مبلغ دينه وهو في الباقي أمين، ويرجع المرتهن الثاني بدينه - لأنه فضلة الرهن - على يد عدل.
وقال أشهب في الموَّازيَّة: ضمانه كله من الأول، قال: ولو كان بيد الثاني لم يكن عليه ضمان؛ لأنه رهن للأول، وإنما لهذا الفضلة لو كانت.
اللخمي: وعلى أصل ابن القاسم يضمن الثاني الفضل.
ابن يونس: وإنما يصح ألا يضمن الأول إلا مبلغ دينه على قوله في المدونة: إذا كان أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني فضلته أو علم بالبينة أنه قائم عنده، وإلا كان ضمان الجميع منه؛ إذ قد يكون تلف الثوب قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه.
وقاله بعض أصحابنا.
فَإِنْ كَانَ بِرِضَاهُ وَسَبَقَ أَجَلُ الثَّانِي قُسِمَ إِنْ أَمْكَنَ، وإِلاَّ بِيعَ وَقُضِيَا
فَرَّعَ على القول باشتراط الرضى لأنه المشهور؛ أي: فإن كان ارتهان الثاني برضا الأول وسبق أجل دين الثاني (قُسِمَ) أي: الرهن إن أمكن، وإن لم يمكن قسمه (بِيعَ) أي: الرهن (وَقُضِيَا) أي: المرتهن الأول والثاني؛ لأن الثاني إنما له الفضلة عن دين الأول، ولا إشكال إذا كان أجل الثاني مساوياً أو أبعد، ولذلك لم يتعرف المصنف له.
وقوله: (بِيعَ) أي: إذا كان فيه فضل.
ابن القاسم في العتبية: وإن لم تكن فيه فضلة لم تبع حتى يحل الأول.
ولمالك من رواية أشهب في العتبية والموَّازيَّة فيمن رهن رهناً في دين إلى ستة أشهر ثم ابتاع سلعة من رجل آخر بثمن إلى ستة أشهر ورهنه فضلة الأول على أن الأول مبدَّى عليه فحل أجل الآخر، فقال مالك: أَعَلِمَ الآخرُ أن دين الأول إلى ستة أشهر؟ قيل: لا، قال: أرى أن يباع الرهن فيجعل للأول حقه كله قبل محله ويعطى الثاني من دينه ما فضل.
ابن المواز: وقاله أشهب.
وقال: هذا إذا بيع بعين أو بما يقضي بمثله وحق الأول مثله، وأما إن بيع بعرض؛ فإن كان مثل الذي عليه، أو بيع بدنانير وله عليه دراهم، أو بيع بطعام مخالف لما عليه؛ فإنه يوضع له رهن إلى حلول حقه.
وقال سحنون في المجموعة: سواء علم الأول أن حق الثاني يحل قبله أو لم يعلم، فإنه إن بيع بمثل دينه فليعجل له.
وقال في موضع آخر: إلا أن يكون حقه من طعام فيأبى أن يعجله فذلك له.
التونسي: وقول مالك: "أَعَلِمَ" يحتمل لو علم لم يجز البيع؛ لأنه باع من الثاني على أن يعجل للأول حقه فيصير بيعاً وسلفاً؛ لأنه لما رهنه فضلة الرهن والأول إلى ستة أشهر، لم يقدر على بيع الرهن إلا أن يتعجل دين الأول.
واستشكل قول أشهب هذا إذا بيع بعين أو بما يقضي بمثله، فإن ظاهره أن الدين الأول كان من بيع ولم يكن من قرض، ألا ترى إلى قوله بعد هذا: (فَإِنْ بِيعَ بِعَرْضٍ) فهذا دليل على أن ذلك الدين مما يقضى بمثله وكان دينه من بيع، وأنه جعل له تعجيله، وهذا قول غير معروف.
ثم قال: وفي بيع الرهن بالطعام والعروض اعتراض، وكيف يصح أن يباع بعروض أو طعام، ويجب أن ينقض إذا بيع بخلاف العين.
فقال: فهذه مسألة جرت كلها على أمر مشكل.
وِلِوْ رَهَنَهُ رَهْناً فِي قَرْضٍ جَدِيدٍ مَعَ الْقَدِيمِ فَسَدَ وَلَمْ يَكُنْ رَهْناً إِلا فِي الْجَدِيدِ
مثاله: لو أسلف أولاً مائة بلا رهن ثم أسلف مائة أخرى وأعطاه بها وبالأخرى رهناً، وفي معناه أن تكون المائة الأولى من بيع.
وقوله: (الْقَدِيمِ) ظاهره القرض القديم؛ فلا يصدق إلا على الصورة الأولى، ويحتمل الدين القديم فيعم.
قوله: (فَسَدَ) أي: الرهن في الدين القديم، هذا ظاهر لفظه، ويحتمل فساد القرض وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ومقتضى كلامه في الجواهر: أنه لو اطلعنا على ذلك قبل قيام الغرماء لرددنا الرهن.
ولا يؤخذ ذلك من كلام المصنف.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ رَهْناً إِلا فِي الْجَدِيدِ) هو مذهب المدونة، وحكى ابن المواز قولاً آخر: أنه يبطل نصف الرهن ويبقى نصفه رهناً بالمائة الأخرى، ووجه ابن المواز الأول: بأنه بمنزلة رهن سلعتين فاستحقت إحداهما، فإن الثانية رهن بالجميع، وكالمرأة تأخذ
رهناً بالصداق ثم تطلق قبل البناء؛ فجميعه رهن بنصفه.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الأول رهناً أو لا، وهو مذهب المدونة.
ونقل اللخمي عن مالك أنه قال: لا خير فيه.
وقيد محمد ما أجازه مالك بما إذا كان فيه وفاء، وأما إذا لم يكون فيه وفاء؛ فلا يجوز.
وألحق بعضهم بذلك إذا كان الأول يفسد بيعه، أو لم يكن مأموناً في عدم الجواز.
اللخمي: والأول أحسن؛ لأن الطالب لا يزيد قرضاً ليزيده رهناً إلا لأمر يتخوفه.
وقيد [512/أ] ابن المواز المدونة: بأن يكون الأول مؤجلاً، قال: وأما إن كان الأول حالاً؛ فذلك جائز، إلا أن يكون الأول عديماً.
ابن المواز: ويجوز عندي وإن كان عديماً إذا كان الرهن له ما لم يكون عليه دين أحاط به؛ لأنه إذا كان الأول حالاًّ فالتأخير به كسلف ثانٍ، فيصير تأخيره الأول وإنشاء الثاني كسلف واحد نشأ الآن، إلا أن يكون عديماً؛ أي: لأنه حينئذ لا يتمكن رب الدين من قبض فلا يكون تأخيره حينئذٍ كابتداء سلف؛ لأن الحكم يوجب تأخيره، فإن كان الرهن له فهو كالملي، وإن كان عليه دين أحاط به؛ فإنه حينئذٍ يخشى قيام الغرماء عليه فيحاصونه، فإذا رهنه ذلك اختص هو بدينه فجعلت له المنفعة بسبب السلف.
وَلا تَنْدَرِجُ الثِّمَارُ مَوْجُودَةً أَوْ مَعْدُومَةً إِلا بالشَّرْطِ
يعني: إذا رهنه الراهن وأطلق؛ فإن ثمرته لا تدخل في الرهن، سواء كانت موجودة حين الرهن أم لا، وهذا هو المشهور، وعن مالك أنها لم تدخل، فإن اشترطت دخلت اتفاقاً إذا كان الدين من بيع، وكذلك القرض على المشهور.
وروى ابن نافع: أنه لا يجوز اشتراط اندراجها فيه.
واختلف المتأخرون هل تدخل الثمرة إذا تناهت ويبست قياساً على ما قاله ابن القاسم في الصوف المستجز وإليه ذهب بعض القرويين، أو لا تدخل؟ والفرق بينهما: أن
الثمرة تترك لتزداد طيباً فهي غلة لم يرهنها، والصوف لا فائدة في بقائه فكان سكوته عنه دليلاً على إدخاله في الرهن.
ونص ابن القاسم على أن الثمرة لا تدخل وإن أزهت، وإن ارتهن نحلاً فالعسل للراهن مثل الثمرة.
أبو محمد: يريد ولا يكون رهناً.
وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ وَخَرَاجُهُ
أي: فلا يدخل ماله إلا بشرط، وحكى في الاستذكار أن ذلك لا يدخل في الرهن عند الجميع.
وقال في المقدمات: وروي عن مالك أن الغلة سواء كانت متولدة عنه كثمرة المخلة ولبن الغنم وصوفها، أو غير متولدة عنه ككراء الدور وخراج العبد؛ داخلة في الرهن.
قال مالك في العتبية والمجموعة: ويجوز رهن ماله مفرداً، معلوماً كان أو مجهولاً؛ أي: لأن رهن الغرر جائز.
قال في المدونة: ولا يكون ما وهب للعبد رهناً.
أشهب في المجموعة: ولو كان ماله مشترطاً، بخلاف ما ربح في ماله المشترط؛ فإن رهن كالأصل، كما أن من أوصى بوصايا فلا تدخل فيما لم يعلم من ماله، وتدخل فيما علم به، وفي أرباح ما علم.
ابن يونس: يريد ربح فيه قبل موته أو بعده.
وقال بعضهم: الأشبه في المستثنى ماله أن يكون ما وهب له يدخل في الرهن كالمبيع بخيار يشترط المشتري ماله.
مالك: وأرش جراح العبد للمرتهن.
وَتَنْدَرِجُ الأَجِنَّةُ
قال في الجلال: وكذلك فراخ النخل والشجر.
مالك في الموَّازيَّة: ولو اشترط أن الأمة رهن دون ما تلده لم يجز.
ابن شعبان: ومن ارتهن عبداً فولد العبد من أمته رُهِنَ مع أبيه دون أمه، وكذلك تندرج الزيادة غير المتميزة؛ كسمن الدابة والجارية، وكبر الصغير بالإجماع، وعلى هذا فتندرج الزيادة إن لم تتميز وأشبهت الأصل كالولد، ولا تندرج إن لم تكن كذلك.
وَفِي الصُّوفِ الْمُسْتَجَزِّ قَوْلانِ
يعني: أن الصوف إن لم يتم يوم عقد الرهن فهو للراهن كاللبن وغيره من الغلات، وإن كان تاماً، وهو مراده بـ (الْمُسْتَجَزِّ) فقال ابن القاسم في المدونة: تدخل كالبيع.
وقال أشهب: لا تدخل؛ لأن الصوف التام غلة لا يرده المشتري في الرد بالعيب.
وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ: أَنْ يِكُونَ دَيْناً فِي الذِّمَّةِ لازِماً أَوْ صَائِراً إِلَى اللُّزُومِ ويُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ ....
يعني: شرط المرهون به أن يكون مركباً من أربعة أجزاء:
أولها: أن يكون ديناً، احترز به من الأمانة، فلا يجوز أن يدفع قراضاً ويأخذ به رهناً.
ثانيها: أن يكون في الذمة.
احترز به من المعينات أو منفعتها فإنها ليست في الذمة؛ لأن الذمة لا تقبل الأشياء المعينة.
ثالثها: أن يكون لازماً أو صائراً إلى اللزوم، واحترز باللزوم من دين الكتابة، فإنه غير لازم؛ لأنه إذا عجز المكاتب يرجع رقيقاً.
وقال: (أَوْ صَائِراً إِلَى اللُّزُومِ) ليدخل الجعل؛ فإنه عقد غير لازم، ولكنه يلزم بالشروع في العمل.
رابعها: أن يمكن استيفاؤها من الرهن، احترز به مما يتعذر استيفاؤه من الرهن؛ لكونه لا يحل بيعه كمنافع المعينات.
ابن راشد وابن عبد السلام: الظاهر أن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه قدم ما يغني عنه في شرط الرهن.
فَلا رَهْنَ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ
أدخل الفاء لكونها كالنتيجة عما قبله، وما ذكره المصنف من عدم الرهن في نجوم الكتابة نحوه في ابن شاس، وهو محمول على ما إذا أعطي أجنبي رهناً بكتابة مكاتب فإن ذلك لا يجوز، قاله في المدونة وغيرها؛ لأن دفع الأجنبي الرهن إنما يتصور إذا تحمل الأجنبي الكتابة، والحمالة بها لا تصح كما سيتبين لك إن شاء الله في محله.
وإن كان المكتاب رهن رهناً في كتابته فإن ذلك جائز، نص عليه في المدونة.
وَلا فِي عَيْنٍ وَلا فِي مَنَافِعِ عَيْنٍ
يعني: ولا رهن في عين، وهو ظاهر في ذلك؛ لأن المقصود من الرهن التوثق ليستوفي منه ما يطلب به، ولا يمكن أن يستوفي المعين أو منفعته من الرهن أو ثمنه.
وَالرَّهْنُ فِي الْعَارِيَةِ لِضَمَانِ الْقِيمَةِ لا لِلْعَيْنِ، ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَ مِا يُغَابُ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ ....
هذا جواب عن سؤال مقدر، لأنه لما قال: لا يصح في معين؛ كأن قائلاً قال: هذا لا يصح؛ لأنه يجوز لمن أعار معيناً أن يأخذ عنه رهناً، فأجاب بأن الرهن المأخوذ في العارية إنما هو لقيمته على تقدير هلاكه، ولأجل أن الرهن إنما هو للقيمة لم يصح دفع [512/ب] الرهن إلا فيما يغاب عليه؛ لأنه هو الذي يضمن في العواري، لا فيما لا يغاب عليه؛ لأنه لا تلزمه قيمته إذا تلف.
وَيَجُوزُ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ أَو يَبِيعَهُ أَوْ يَعْمَلَ لَهْ، وَيَكُونُ بِقَبْضِهِ الأَوَّلِ رَهْناً
يعني: ليس من شرط الرهن أن يصادف ديناً سابقاً، بل يصح قبضه مع الدين وقبله، ففي المدونة: وإذا دفعت إلى رجل رهناً بكل ما اقترض فلان جاز ذلك.
قال في النكت:
ويكون رهناً بما داينه من قليل وكثير ما لم يجاوز قيمة الرهن، ولا يراعي ما يشبه، بخلاف مسألة كتاب الحمالة إذا قال: دَايِنْهُ وَأَنَا ضَامِنٌ؛ لأن الأول قد يبين بالرهن ما يقرضه.
ابن عبد السلام: فأشاء إلى أن الحميل في الحمالة يلزمه كل ما وقعت به المداينة، سواء كانت تشبه أو لا.
وقال غيره: إن قول غير ابن القاسم فيها مُقَيِّدٌ لقول مالك، وأنها كمسألة الرهن لا يلزم الحميل إلا ما يشبه من المداينة.
وقوله: (أَوْ يَعْمَلَ لَهْ) يعني: هو أو من يكريه ليكون المال متعلقاً بالذمة، لا هو بخصوصيته؛ لِمَا تقدم أنه لا يصح الرهن في منافع معين، ويصح حمل كلامه على المعنى أيضاً، بمعنى أن المكري يأخذ الرهن بالأجرة التي دفع إلى المعير على تقدير موت الأجير ومرضه.
قوله: (وَيَكُونُ بِقَبْضِهِ الأَوَّلِ رَهْناً) يعني: إذا دفع الرهن قبل الدين كان الرهن بقبضه الأول رهناً، ولا يحتاج إلى تجديد قبض بعد أخذ الدين.
فرع:
قال في الجواهر: ولو شرط رهناً في بيع فاسد فظن لزوم القضاء به ورهن فله الرجوع فيه، وكما لو ظن أن عليه ديناً فأداه ثم تبين أنه لا دين عليه فإنه يسترده.
فَإِن شَرَطَ رَهْنَ السِّلْعَةِ فِي ثَمَنِهَا الْمُؤَجَّلِ ولَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ وشِبْهِهِ جَازَ
المازري: ان اشترط وضع المبيع على يد أجنبي غير البائع؛ جاز في المشهور عندنا.
وقال ابن المواز: لا يجوز ذلك، وظاهره الكراهة.
ومنعه ابن الجلاب في الحيوان خاصة ولم يقيد اشتراط ذلك بيد البائع أو بيد أمين.
وإن اشترط بقاءه رهناً في يد البائع فثلاثة أقوال: منعه مالك في الموَّازيَّة مطلقاً، وأجازه ابن القصار مطلقاً، وأجازه أصبغ في العقار وما يؤمن عليه ومنعه في الحيوان.
المازري: وقيد بعض الأشياخ الخلاف بما إذا لم يشترط فيه أجل بعيد، وأما إذا اشترط فيه أجل بعيد فإنه يمتنع اتفاقاً.
وبعض الأشياخ أطلق الخلاف من غير تعرض لذكر قرب أجل الرهن وبعده.
انتهى.
فقول المصنف: (ولَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ) يأتي على ما في الجلاب، ولعل المصنف يريد بـ (شِبْهِهِ) الطعام؛ لأنه يسرع إليه التغير.
فانظر هل توجد لفظة (وَشِبْهِهِ) في الرواية.
ابن عبد السلام: وإذا لم يُمَكِّن البائعُ المشتري من قبض السلعة وَحَبَسَها في ثمنها؛ ففي انتقال ضمانها إلى المشتري ثلاثة أقوال، والمشهور أنها تضمن ضمان الرهان.
وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ
يعني: من باع سلعة بثمن مؤجل على شرط أن يأخذ رهناً به، فإن كان الرهن المشترط غير معين وأبى المشتري من دفعه؛ خُيِّرَ البائع وشبهه من وارث وموهوب له في فسخ البيع وإمضائه بلا رهن، وهكذا قال ابن الجلاب مقتصراً عليه، والذي نقله ابن المواز عن أشهب ونقله اللخمي وابن راشد وغيرهم: أنه يجبر على دفع رهن يكون فيه النقد باعتبار الدين.
ابن عبد السلام: وهو المذهب، واختلف المتأخرون هل يسجن أم لا؟ والصواب أنه يسجن.
اللخمي: وعلى المشهور فإن يعطى الصنف المعتاد، والعادة في الحواضر أن يرهن ما يغاب عليه من الثياب والحلي وما لا يغاب عليه كالديار وشبهها، فليس العادة العبيد والدواب، وليس على المرتهن قبول ذلك وإن كان أخف عليه؛ لتصديقه في تقله؛ لأن في حفظه كلفة ومشقة، وإن أحب أن يعطي ثياباً وامتنع المرتهن لأنه مما يضمنه، أو أحب الراهن أن يعطي داراً وامتنع المرتهن وأحب ما ينفصل به ويكون تحت غلقه فالقول قول الراهن؛ لأن كل ذلك رهن.
ويحمل كلام المصنف على أن المبتاع لم يجد شيئاً، وأما إن وجد فيجبر على ما جرت العادة بدفعه.
وَيَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلا يَتِمُّ إِلا بِه
يعني: يصح الرهن ويلزم بالقول، لكن لا يختص المرتهن به على الغرماء إلا بقبضه، وهذا معنى قوله: (وَلا يَتِمُّ إِلا بِه).
ونقل المازري عن أبي حنيفة والشافعي: أنه لا يلزم إلا بالقبض، ودليلنا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم».
وتنازع الجميع في فهم قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: 283] هل المراد المقبوضة بعد عقد الرهن وهو قول مالك، ويعضده أنه أثبت لها حكم الرهان قبل القبض، أو المراد أن الرهن هو المقبوض وهو قول أبي حنيفة والشافعي؟
وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُعَيَّناً
هذا قسيم قوله: (وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) أي: فإن كان معيناً، كما لو قال: أرهنك هذا الثوب.
والأحسن بطريق المصنف تقديم هذه المسألة على قوله: (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلا يَتِمُّ إِلا بِه).
فَإِنْ تَرَاخَى الْقَبْضُ إِلَى الْفَلَسِ أَوِ الْمَوْتِ بَطَلَ اتِّفَاقاً، ولَوْ كَانَ مُجِداًّ عَلَى الأَشْهَرِ
أي: فإن تأخر القبض، وكذا وقع القبض ملفوظاً به في بعض النسخ.
قوله: (إِلَى الْفَلَسِ أَوِ الْمَوْتِ) فإن كان ذلك بتراخ من المرتهن ولو شاء أخذه قبل ذلك؛ بطل الرهن بالاتفاق.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يكون مجمعاً عليه وإن لم يتراخ، بل كان جادّاً في الطلب حتى فلس الراهن أو مات؛ ففي الجواهر: ظاهر الكتاب [513/أ] أنه لا يكون أحق؛ لقوله: إذا لم يقبض المرتهن حتى مات الراهن أو فلس كان أسوة الغرماء.
فأطلق الجواب فيه.
وقال القاضي أبو محمد: حقه ثابت؛ لأنه لم يفرط.
ابن راشد: وفي كلامه في الجواهر نظر؛ لأنه لم يتعرض لكونه مجدّاً، ويحتمل أن لو سئل عن ذلك لأجاب بالصحة.
وشهر المصنف البطلان لكونه ظاهر المدونة كما قال ابن شاس، وحكى اللخمي والمازري القولين إذا كان جادّاً ولم يعينا مشهوراً.
فإن قلت: ما الفرق على ما شهره المصنف هنا وبين الهبة إذا مات الواهب والموهوب له جاد في الطلب وفي تزكية الشهود؛ أن ذلك حوز عند ابن القاسم خلافاً ِلأشهب؟
قيل: لأن الرهن لما كان لم يخرج من ملك راهنه لم يكتف بالجد في الطلب، بخلاف الموهوب فإنه خرج عن ملك راهنه، والله أعلم.
وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ
لما ذكر أنه لا يتم إلا بالقبض بيَّن أن القبض هنا كما قدمه في قبض المبيع، أي: فقبض المكيل بالكيل والموزون بالوزن والمعدود بالعدد، وفي اعتبار مقدار المناولة قولان، وفي العقار التخلية وفي غيرهما العرف.
ويحتمل أن يريد بقوله: (وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ) خصوصية المكيل والموزون والمعدود، وعلى كلا الاحتمالين ففي كلامه نظر؛ أما على الثاني فلأن كلامه حينئذ يكون تعرض لكيفية القبض في العقار والعروض ولا ينبغي إهمال ذلك، وأما على الأول فإن ظاهر كلامه مساواة القبض فيه للبيع، والذي يؤخذ من كلامهم أنه لا بد هنا من زيادة على قبض المبيع، فقد قال ابن عبد السلام: إِنَّ تخلي الراهن عن العقار لا يكون رهناً كافياً، بل لا بد مع ذلك من شيء آخر وهو غلق المرتهن على ما يكون ذلك فيه.
وقال المازري: إن كان الرهن ما ينتقل كالثوب والعبد فَقَبْضُهُ بنقله من حيازة الراهن ومكانه إلى مكان المرتهن، وهذا لا يشترط في البيع.
ونص اللخمي وغيره على أن قبض الرهن إذا كان
عقاراً بالتسليم والإشهاد، إلا دَارَ سكناه فيشترط فيه في الرهن خروجه وإخلاؤه من شواغله.
قال: وإن لم يخله وحال المرتهن بينه وبين التصرف فيه جاز.
وقال المازري: إن كان الرهن مما لا ينتقل كالدار فالقبض فيه رفع يد الراهن وتفريغ ذلك من شواغل الراهن، وإن كان مغلقاً خالياً كان مفتاح ما يعلق به بيد المرتهن، وإن كان أرضاً لا تقفل ولا شَاغِلَ فيها للراهن كفى فيها الإشهاد والذب عنها إلى المرتهن.
فإن قلت: كلام المازري يدل على أنه لا بد من إزالة الشواغل.
قيل: يحمل كلامه على دار سكناه ليوافق كلام اللخمي، فإن كان في كراء بغير وجيبة فحوزه أن يجمع بينه وبين المرتهن ويقبض الكراء المرتهن أو من يرضيان به.
واختلف إذا كان الكراء وجيبة؛ فحوزه أن يجمع بينه به، وقد قبض كراءه أو لم يقبض، هل يصح فيه حوز أو لا، وإن كان فيه طعام مختزن فسلم مفتاحه إليه أو إلى أمين جاز.
انتهى.
وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ
لما قدم المصنف أنه يصح رهن الدين تكلم هنا على حوزه، ولم يتعرض المصنف للوثيقة التي فيها ذكر الحق، وكأنه إنما تكلم على ما لا بد منه، لأن الوثيقة قد لا تكون.
قال في الجواهر: وأما الدين فبتسليم ذكر الحق، والإشهاد والجمع بين الغريمين إن كان على غير المرتهن، ويكفي الاقتصار على الجمع بينهما والإشهاد إن لم يكن ذكر حق، ويتقدم إليه بحضرة البينة ألا يقبضه إياه حتى يصل إلى حقه.
وكذلك قال اللخمي: حيازة الدين أن يأخذ المرتهن ذكر الحق، أو يجمع بينه وبين الغريم ويتقدم إليه بحضرة البينة، ألا يقضيه أياه حتى يصل إلى حقه، فإن فعل ذلك متعدياً أغرم الدين ثانياً، لأنه أتلفه على المرتهن إلا أن يكون حقه أقل، فإن كان الغريم غائباً ولا وثيقة فالإشهاد يجزئ،
وفيه خلاف.
وظاهر كلامهما: أنه لا بد من حيازة الدين في هذه الثلاثة، وقول اللخمي: وإن كان الغريم غائباً ولا وثيقة فالإشهاد يجزئ، وفيه خلاف.
لعله يشير بذلك إلى ما حكاه الباجي أنه قال، قال مالك: إن كان للدين وثيقة فحيازته أن تدفع الوثيقة إليه ويكون أحق في الفلس والموت، وإن لم يكن للدين ذكر حق، فقال ابن القاسم أيضاً: لا يجوز إلا أن يجمع بينهما، وهو ظاهر قول مالك في الموَّازيَّة.
انتهى.
اللخمي: وليس على الراهن أن يدفع ذكر الحق للمرتهن إذا كان الدين عليه، لأنه يخشى أن يجحده فيتلف حقه، لأن قبض المرتهن للكتاب إنما هو ليقبض به، والمرتهن مستغن عن ذلك.
وَقَبْضُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ وَالْبَاقِي لِغَيْرِ الرَّاهِنِ إِنْ كَانَ عَقَاراً جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي إِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ لا بِمَا فِيهِ لِلرَّاهِنِ حَقٌّ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
يعني: إذا كان للراهن جزء مشاع في شيء وباقي ذلك الشيء لغيره، فإذا قبض المرتهن ذلك الجزء وحل محل الراهن؛ فإن كان المرهون عقاراً صح الرهن وتم باتفاق، وقد تقدم أول هذا التقييد أنه قد استقرئ من كلام المصنف إذا حكى الاتفاق، فإنما يريد اتفاق أهل المذهب بخلاف الإجماع.
ابن عبد السلام: حكى المصنف الاتفاق لكونه لم يطلع على الرواية التي في المذهب بمنع رهن المشاع.
خليل: وقد يقال: هذا لا يرد؛ لأن كلام المصنف إنما هو في كيفية القبض، وذلك مستلزم لصحة الرهن ابتداء، فكأنه يقول: اتفق القائلون برهن المشاع على هذا، والله أعلم.
وإن كان غير عقار؛ حيواناً أو عروضاً، فقال ابن القاسم في المدونة: هو كالعقار.
وقال أشهب وعبد الملك: لا بد من قبض المرتهن الجميع أو جعله بيد الشريك أو بيد غيرهما، هكذا نقل اللخمي وابن يونس قول أشهب، فوجه قول ابن القاسم القياس على العقار.
المازري: ووجه قول أشهب وعبد الملك أن الحوز إنما صح في الرباع لأن نقلها لا يمكن، فصار المقدور عليه في قدرة الخلق رفع يد الراهن عن نصيبه، وكون يد المرتهن يحل محله، وأما ما ينقل ويزال؛ فإنه يمكن فيه أن ينقله عن مكان إلى [513/ب] مكان، وهكذا المعتاد فيه وفي قبضه فطلب في الحوز أعلى درجاته، وهي نقله من مكان إلى مكان ينفرد به المرتهن.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن.
ابن عبد السلام: والظاهر أنه لا فرق بين العقار وغيره.
والضميران المجروران في كلام المصنف بغير والباء عائدان على العقار وذلك واضح.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لا يِسْتَاذِنُ الشَّرِيكُ ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ، وَعَلَى الآخَرِ: فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ فَيَتَأَخَّرُ التَّسْلِيمُ قَوْلانِ ....
أي: وعلى قول المشهور، أي: قول ابن القاسم؛ كمن له نصف ثوب أو حيوان رهنه، ولا يستأذن الشريك الذي لم يرهن؛ لأن الشريط يتصرف مع المرتهن، وله -أي: للشريك الذي لم يرهن -أن يقسم الشرك إن كان مما يقبل القسمة، وله بيع ما نابه ويسلمه للشريك، ولا يمنعه رهن الشريك من ذلك، لأن الرهن لا يتعلق بحصته، وعلى قول أشهب لا يكون أحد الشريكين أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه، لأن المرتهن على قوله يحتاج إلى حيازة الجميع، ولهذا قال في الموَّازيَّة: من كان له نصف عبد أو دابة أو ما ينقل كالثوب والسيف؛ لم يجز أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه، وكذلك ما لا ينقسم، لأن ذلك يمنع صاحبه بيع نصيبه، فإن لم يأذن له انتقض الرهن.
خليل: وينبغي أن يستأذنه أيضاً على قول ابن القاسم؛ لأن الشريك الذي لم يرهن نصيبه قد يدعو إلى بيع الجميع لأجل ما عليه في بيع نصيبه مفرداً من الجنس، فإذا دعا إلى ذلك
مُكِّنَ منه لكونه من حقه، فيؤدي إلى بيع النصيب المرتهن فينقل حكم المرتهن من الرهن إلى حكم آخر، ومن حق المرتهن أن يتوثق في الرهن حتى لا يكون لأحد فيه حق في إزالة يده عن الرهن إلا بعد قضاء الدين الذي هو رهن به، فإذا استؤذن الشريك الذي لم يرهن لم يكن له أن يدعو إلى المفاصلة وبيع الجميع حتى يحل أجل الدين ويقبض المرتهن حقه.
ثم فرع المصنف على قول أشهب بقوله: (وَعَلَى الآخَرِ: فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ ... إلخ).
أي: إذا أذن على قوله أشهب، وقلنا: إنه يمنع من دعوى المفاصلة، فلو أراد بيع نصيبه على أن يقبض إلى أجل الدين وهو أجل بعيد لا يجوز بيع المعينات على أن يقبض إليه على قولين المنسوب لأشهب الجواز.
المازري: وهو أشهرهما.
وقال ابن ميسر بالمنع قياساً على بيع الغائب، ورأى أشهب أنه لما كان للمشتري هنا الانتفاع في أكثر الأشيء وإنما منع من دعواه إلى بيع الجميع، فقد ناسب أن يقال هنا بالجواز دون المعين الذي يتأخر قبضه، فإنه إنما يدخل في قبض المشتري بعد ذلك الأجل المشترط وهو غرر؛ إذ لا يدري هل يبقى إلى ذلك الأجل أم لا، ولهذا الذي أشرنا إليه قال أشهب: ضمان هذا المبيع في هذه المسألة من المشتري دون الغائب كالمواضعة.
وهكذا قال التونسي في كلامه على الموَّازيَّة.
التونسي والمازري وابن زرقون: وإذا وجب الضمان على المشتري فيجب عليه أن ينقد الثمن للبائع، واعترض الباجي قول أشهب بأن ذلك يمنع صاحبه بيع نصيبه، فقال: هذا عندي لا يمنع ما ذكر؛ لأن ذلك لا يمنع من بيع نصيبه إن شاء أن يفرده بالبيع أو يدعو الراهن إلى البيع معه، فإن باعه بغير جنس الدين كان الثمن رهناً، وإن كان بجنسه قضى منه الدين إن لم يأت برهن بدلاً منه.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام أشهب أنه لا يحتاج إلى إذن الشريك في الربع، وإن كان مما تمكن قسمته.
وهذا معنى كلامه، والصواب عندي ما قاله الباجي.
وَإِذَا كَانَ الْبَاقِي لِلرَّاهِنِ فَيُقْبَضُ الْجَمِيعُ.
وَقِيلَ: إِلا فِي الْعَقَارِ فَكَالأَجْنَبِيِّ
أي: وإن رهن نصف ثوب أو دار ونحو ذلك وكان النصف الآخر للراهن؛ لم يصح حوز ذلك إلا أن يحوز المرتهن جميع ذلك، سواء كان عقاراً أو غيره على المشهور، والقول بأنه يكفي في العقار حوز البعض في الموَّازيَّة.
ابن عبد السلام: والقولان منسوبان للمدونة، وليس فيها عندي بيان لهما، والظاهر لا فرق بين العقار وغيره، والمذهب في الهبة أن الموهوب له يحل في الجزء الموهوب محل الواهب، سواء كان الباقي للواهب أو لغيره، وبذلك استدل للقول بأنه حيازة، وفرق للأول بأن الحيازة في الرهن أشد منها في الهبة؛ لما تقدمت الإشارة إليه من قوة ملك الراهن دون الواهب.
ابن راشد: ألا ترى أن الهبة إذا رجعت إلى يد الواهب بعد طول المدة لم تبطل بخلاف الرهن.
تنبيهان:
الأول: قوله: (وَالْبَاقِي لِلرَّاهِنِ) ظاهره أن جميع الباقي للراهن، وليس ذلك بشرط في المسألة، بل وكذلك إذا كان له حصة أخرى لم يرهنها، والله أعلم.
الثاني: خصص المصنف الخلاف بما إذا كان جميعه للراهن بالعقار، وهي طريق أكثر الشيوخ، ولم يحكوا في غير العقار خلافاً أنه لا بد من حوز الجميع، وحكى اللخمي الخلاف في غير العقار أيضاً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لا يُمَكَّنُ مَنْ قَبَضَ فِي اسْتِئْجَارِ جُزْءٍ غَيْرِهِ، ويَقْسِمُ أَو يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ ....
يعني: وعلى المشهور وهو قول ابن القاسم أنه لا يشترط في غير العقار أن يحوز المرتهن الجميع، بل يكفي أن يحل محل الراهن، فلا يمكن الراهن إذا استأجر نصيب شريكه من قبض أجرة ذلك النصيب لأجل أنه تجول يده فيما اكتراه وفيما رهنه، فيبطل
حق المرتهن، فإذا استأجره صحت الإجارة وقسم بينهما أو يقبض له المرتهن، وفهم من كلامه صحة الإجارة، ونص في المدونة وغيرها على أنه لا يمنع من الإجارة ابتداء.
وقال: على المشهور؛ لأنه على قول أشهب لا يتأتى هذا.
تنبيهان:
الأول: يفهم من كلام المصنف أنه لا يمكن في العقار من قبض في استئجار جزء غيره على قول ابن القاسم وأشهب، ولعل المصنف لما رأى أن [514/أ] نصه على غير العقار يستلزم معرفته في العقار بخلاف العكس؛ فإنه لا يفهم من ذلك إلا بتأمل اقتصر على بيان الحكم في غير العقار.
الثاني: لا فرق بين قسمة الرقاب والمنافع في تصحيح الرهن، قاله اللخمي.
ولَوْ كَانَ الشَّرِيكُ أَمِينَهُمَا ثُمَّ رَهَنَ حِصَّتَهُ وَجَعَلا الأَوَّلَ أَمِينَهُمَا بَطَلَ حَوْزُ الْحِصَّتَيْنِ ....
يعني: إذا كانت دار أو غيرها شركة بين اثنين، فرهن أحدهما حصة من شخص وجعل الراهن والمرتهن الشريك أمينهما، ثم رهن أيضاً الأمين حصته لمرتهن الحصة الأولى وجعل الراهن الأول أمينهما؛ بطل حوز الحصتين، لأن الرهن صار بيد الراهن الأول والثاني.
وما ذكره المصنف ذكر ابن المواز أنه سمعه من أصحاب مالك.
محمد: ولو جعلا نصيب الثاني على يد أجنبي أو يد المرتهن بطلت حصة الثاني فقط، يريد لأنه حائز لنصيب الراهن الأول، فيبقى ذلك في يده وهو مشاع، فيبطل ما ارتهنه.
التونسي والمازري وغيرهما: وهذا إنما ينبني على أحد القولين فيمن رهن نصف داره من رجل وبقي الراهن يحوز مع المرتهن؛ أن ذلك يمنع من صحة حوز الرهن، وأما على
القول بصحة هذا الحوز؛ فلا يبطل رهن الباقي، وإن كانت يد الراهن باقية على نصيب شريكه، وهو تخريج ظاهر؛ لأن قصارى أمره أن يكون بمنزلة ما لو كان الجميع له، ولا إشكال في صحة الرهن الأول، لأنه لا نظر له في شيء من الدار.
وَالْحَوْزُ الْمُتَقَدِّمُ لِغَيْرِ الرَّهْنِ كَالْمُتَأَخِّرِ لا يَكُونُ حَوْزاً عَلَى الأَصَحِّ
قد تقدم أنه يصح رهن المساقي والمستأجر، وتكلم المصنف هنا على حوز ذلك، والأصح لابن القاسم؛ ففي المجموعة: مذهب ابن القاسم أنه يجوز للرجل أن يرهن ما هو بيده بإجارة أو مساقاة ويكون ذلك حوزاً للمرتهن، مثل الذي يخدم العبد ثم يتصدق به على آخر بعد ذلك، فيكون حوز المخدم حوزاً للمتصدق عليه، ومقابله لمالك في الموَّازيَّة: أن من اكترى عبداً أو داراً سنة أو أخذ حائطاً مساقاة ثم ارتهن شيئاً من ذلك قبل فراغ أجله، فلا يكون حوزاً للرهن؛ لأنه محوز قبل ذلك بوجه آخر.
قيل له: ما الفرق بين هذا وفضلة الرهن وقد تقدم فيه حوز الأول؟ قال: هذا محوز عن صاحبه والأول هو باسم صاحبه في المساقاة والكراء.
ابن المواز: هذا محوز له والرهن محوز عنه، فهما وجهان.
ابن عبد السلام: وهو فرق جلي يظهر صوابه إثر تصوره، وإن كان ابن يونس لم يرتضه.
وقال: إنهما سواء.
ولابن الماجشون نحو ما في الموَّازيَّة، وتصحيح المصنف موافق لاختيار ابن يونس.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مُكَاتَبَ الرَّاهِنِ فِي قَبْضِهِ، بِخِلافِ عَبْدِهِ ومُسْتَوْلَدَتِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ
يعني: ويجوز للمرتهن أن يوكل مكاتب الراهن في قبض الرهن، لأنه قد أحرز نفسه وماله، بخلاف العبد والمستولدة، فإن للسيد انتزاع مالهما، فما تحت أيديهما بمنزلة ما هو تحت يده، وكذلك له النظر التام في مال ولده الصغير، وفي معناه الكبير السفيه، ولا
خلاف في ذلك، واختلاف في الابن المالك لأمره البائن عن أبيه.
فقال ابن القاسم: لا ينبغي ذلك ويفسخ.
وقال سحنون: ذلك جائز.
وقاله ابن الماجشون في البنت والابن، وأما وضعه بيد زوجة الراهن؛ فقال ابن القاسم في المجموعة وغيرها: لا يجوز ذلك.
وقال أصبغ: إن حيز ذلك عن راهنه حتى لا يلي عليه ولا يقضي فيه جاز.
وأما وضعه على يد أخ الراهن؛ فقال ابن القاسم في الموَّازيَّة والعتبية: لا ينبغي ذلك، وضعفه، وقال في المجموعة: ذلك رهن تام، وهو أصح.
انتهى.
عبد الملك: ولو كان ليتيم وليان فأخذ اليتيم ديناً ورهن به رهناً ووضع على يد أحدهما لم يتم بذلك الحوز؛ لأن الولاية لهما ولا يجوز الرد على نفسه.
المازري: وأما حوز القيم بأمور الراهن المتصرف في ماله وشئونه؛ فقد وقع في الرواية أنه إن حاز جميع الرهن كدارٍ رهن الراهن جميعها فحازها القائم بشئون الراهن للمرتهن بإذنه؛ فذلك حوز لا يبطل الرهن، وإن كان إنما رهن الراهن نصفها وأبقى النصف الآخر على ملكه وتصرفه، فإن قبض القائم بشئون الراهن لا يصح؛ لكون الجزء الآخر الذي لم يرتهن بحوز هذا القائم بنيابة عن الراهن، وهو غير مميز من الجزء المرتهن؛ فكان يد المرتهن على جميع الرهن.
انتهى.
وقاله ابن الماجشون، وزاد إلا أن يكون عبداً فلا يجوز بيعه، يعني: وإن رهن الجميع؛ لأن حوز العبد حوز لسيده، كان مأذوناً له أو لا.
وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَدْلٍ فَهُوِ لَهُ
أي: إذا وقع الشرط على أن يكون بيد المرتهن أو عدل عمل عليه، وإلا فنص ابن القاسم في العتبية على ما ذكره المصنف: أن القول قول من دعا إلى وضعه بيد العدل، أما الراهن فلأنه قد يكره حيازة المرتهن خوف أن يدعي ضياعه، وأما المرتهن فليدفع عن
نفسه حفظه، والضمان على تقدير هلاكه إن كان مما يغاب عليه، ونص اللخمي على أنه إذا كانت العادة تسليم الرهن للمرتهن؛ أنه يقضي له بذلك كالشرط.
فَإِنْ أَسْلَمَهُ دُونَ إِذْنِهِمَا ضَمِنَ
أي: فإن أسلم العدل الرهن دون إذن الراهن والمرتهن ضمن، ولم يبين المصنف ما الذي يضمن، وكذلك لم يبين هل الرهن مما يغاب عليه أم لا.
وفي المدونة: وإن تعدى العدل في رهن على يده فدفعه إلى الراهن أو المرتهن فضاع وهو مما يغاب عليه؛ فإن دفعه إلى الراهن ضمنه للمرتهن.
ابن يونس وغيره: يريد أنه يضمن له الأقل من قيمته أو من الدين، لأنه إن كانت قيمته أقل فهو الذي أتلفه عليه، وإن كان الدين أقل لم تكن له المطالبة بغيره.
قال في المدونة: وإن دفعه للمرتهن ضمنه الراهن، فإن كان الرهن كفاف [514/ب] الدين؛ سقط دين المرتهن لهلاكه بيده، وإن كان فيه فضل ضمن العدل فضله للراهن.
ابن يونس: يريد ويرجع به على الراهن.
اللخمي وابن عبد السلام: وهذا إذا كان بعد الأجل أو قبله ولم يعلم بذلك حتى حل الأجل، فأما إن علم بذلك قبل الأجل؛ كان للراهن أن يغرم القيمة أيهما شاء؛ لأنهما متعديان عليه، هذا في دفعه، وهذا في أخذه، وتوقف القيمة على يد عدل غير الأول خيفة أن يتعدى عليه ثانية، وللراهن أن يأتي برهن مكان الأول ويأخذ القيمة.
أبو الحسن: وانظر قوله في المدونة: وهو مما يغاب عليه؛ مفهومه أن ما لا يغاب عليه ليس كذلك، وهذا إنما يضمنه بالعداء، وما يضمن بالعداء لا يفصل فيه بين ما يغاب عليه أو لا، ولعله إنما ذكر ما يغاب عليه لأجل المرتهن الذي يضمن القيمة.
ولكن قوله: (مِا يُغَابُ عَلَيْهِ) إنما هو في السؤال فلا يعمل بمفهومه، ولا فرق بين ما يغاب
عليه، وما لا يغاب عليه؛ لأن العدل والمرتهن متعديان، وهو الذي يظهر من كلام اللخمي المتقدم.
انتهى.
ومن أحب الزيادة على هذا أو الاطلاع على مسألة محمد والكلام عليها فلينظر ابن يونس.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي عَدْلَيْنِ؛ فَقِيلَ: يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ.
وقِيلَ: عَدْلُ الرَّاهِنِ
يعني: فإن أحب الراهن عدلاً وأحب المرتهن غيره، فقال محمد بن عبد الحكم: ينظر الحاكم في ذلك.
والقول بأن ذلك للراهن للخمي، قال: وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به.
ابن عبد السلام: ويظهر الأول فيما إذا ادعى كل واحد منهما العدالة في شخص ونازعه الآخر، ويظهر الثاني فيما إذا اتفقا على عدالته، لكن المسألة مفروضة عند الشيوخ فيما هو أعم من كل واحدة من الصورتين.
قال في المدونة: وإن مات العدل وبيده رهن فليس له أن يوصي عند موته بوضعه عند غيره، والأمر في ذلك للمتراهنين.
وَيُشْتَرَطُ دَوَامُ الْقَبْضِ
أي: يشترط دوام القبض في الاختصاص بالرهن، والمراد بدوام القبض أن يكون الرهن بيد المرتهنين أو بيد العدل لا بيد الراهن وقت الحاجة إليه، خلافاً للحنيفة في قولهم: إن رجوعه إلى يد الراهن بالعارية أو بالإيداع لا يبطل بخلاف الإجارة.
واستدل أهل المذهب بقوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: 283] وقالوا: هذه الصفة مطلوبة في الرهن لقصد التوثق، والمطلوب من التوثق أن يكون الرهن محوزاً عن الراهن.
فَلَوْ عَادَ اخْتِيَاراً فَلِلمُرْتَهِنِ طَلَبُهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِعِتْقٍ أَوْ تَحْبِيسٍ أَو قِيَامِ الْغُرِمِاءِ
يعني: فلو عاد الرهن إلى الراهن اختياراً من المرتهن أو بوديعة أو إجارة؛ فللمرتهن طلب الرهن، قاله ابن القاسم وأشهب.