في النساء: للأم، ثم أمها، ثم جدة الأم لأمها، ثم الخالة، ثم الجدة للأب، ثم جدة لأبيه، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخت ....
تصوره ظاهر، وقدم بعضهم على بعض على نحو ما ذكره المصنف، لقوة الشفقة في المقدم، ولهذا قال اللخمي: لو عُلِمَ مِمَّنْ قدمناه قلة الحنان، والعطف لخلق بجفاء أو قسوة أو لأمر بينها وبين أم الولد أو أبيه، وعُلِمَ من أحدٍ مِمَّنْ أخرناه الحنان والعطف، لقدم على من علم منه القسوة أو غير ذلك.
وذكر المصنف بينت الأخت، وأسقط بينت الأخ، وهي التي في التهذيب وفي اختصار ابن يونس بعد الأخت، ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ، ولم يجعل لبنت الأخت ولا لبنت الخال، ولا لبنت العمة ملك في الواضحة حقاً في الحضانة.
اللخمي: ومعناه في العصبة وإلا فهم أحق من الأجنبيين، واستبعد ابن محرز وابن رشد وغيرهما ما في الواضحة لأن بنت الأخت رحم محرم، ولهذا قيل: بل تقدم بنت الأخ عليها للاتفاق عليها.
وقيل: هما [426/ب] سواء ينظر في أحرزهن وَأَكْفَئِهِنَّ.
ونص عبد الوهاب واللخمي وصاحب المقدمات وغيرهم أن الأخت الشقيقة مقدمة على التي للأب، وكذلك الخالة والعمة، وكذلك يقدم الأخ للأم على الذي للأب، بل قيل إسقاط الأخ للأب، وروي عن مالك وابن القاسم في كتب المدنيين أنه لا حق للأخت للأب، لأن التعاطف بين الأختين للأم، والشنآن بينهما إذا كانتا للأب لاختلاف ما بين أمهاتهم.
قال في المقدمات: وإنما تستوجب الحضانة بوصفين:
الأول: أن تكون ذات رحم.
والثاني: أن تكون محرمة عليه.
فإن كانت ذات رحم منه ولم تكن محرمة عليه كبنت الخالة، وبنت العمة وما أشبههما لم يكن لها حق في الحضانة، وكذلك إن كانت محرمة عليه، ولم تكن ذات رحم منه كالمحرمة عليه والمصاهرة والرضاع.
وفي إلحاق خاله الخالة بالخالة قولان
يعني: اختلف على قولين: هل لخالة الخالة حق في الحضانة أو لا؟ وهي أخت الجدة للأم، قيل: وكذلك عمة العمة، وهي أخت الجدة للأب.
ومذهب ابن القاسم إلحاق خالة الخالة بالخالة، وقدمها على الجدة للأب، واستشكله اللخمي.
ابن عبد السلام: وفي عبارة المؤلف قلق، لأن القول بعدم إلحاق خالة الخالة لا يلزم منه سقوط حقها مطلقاً، لما علمت أن عدم إلحاقها بالخانة أعم من سقوطها بالكلية.
وفي المذكور: للأب ثم الأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم ابن العم ثم المولى الأعلى والأسفل على المشهور فيهما ....
الترتيب بين الحاضين على ثلاثة أوجه بين النساء بانفرادهن، وبين الرجال بانفرادهم، وبينهما.
ولما تلكم على الأول أتبعه بآخرين.
والترتيب الذي ذكره المصنف ذكره ابن المواز أن أحق العصبة الأخ بعد الأب، ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العم.
قال في المقدمات: فيحتمل أن يريد أن الجد وإن علا أحق من ابن الأخ والعم، ويحتمل أن يريد أن أحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ، ثم الجد الأدنى ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وإن سفل الأقرب فالأقرب ثم أبو المجد ثم عم العم ثم ابن عم العم، وإن سفل الأقرب فالأقرب ثم جد الجد، ثم ولده ثم ولد جد الأب، ثم ولده على هذا الترتيب.
قال: فترتيب الحضانة يسن لحي على ميراث المال ولا على ميراث الولاء، والصلاة على الجنائز لأن الجد وإن علا أرفع مرتبة في الميراث من الأخ، ولأن بني الإخوة يسن لهم حق مع الجد وإن علا، وابن الأخ في باب الولاء أحق من الجد
اللخمي: ولم أر للجد للأم في الحضانة نصاً، وأرى أن له في ذلك حقاً، لأن له حناناً، ولهذا غلطت الدية فيه، وأسقط عنه القود، وفي الوثائق المجموعة: إن اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم.
وهو قول ابن العطار، ونص في المقدمات على أنه لاحق له، ثم المولى الأعلى- أي بعد العصبة- وهو المعتق والأسفل يريد بعد الأعلى نص على ذلك اللخمي: على المشهور فيهما، أي في الأعلى والأسفل.
والمشهور مذهب المدونة إثبات الحضانة لهما.
وقال ابن محرز: لا حق في الحضانة للمولى الأعلى إذ لا رحم له.
وعلى قوله فلا حق للأسفل من باب الأولى.
اللخمي: ومن شرط من له الحضانة من الرجال وجود الأهل من زوجة أو سرية، قال: وهذا في الذكر، وأما الأنثى فحق الأولياء في حضانتها على ثلاثة أقسام: ثابت، وساقط، ومختلف فيه.
فيثبت فيمن بينهن وبين محرم كالأخ وابنه والجد، ويسقط في كل من ليس بمحرم إذا كان غير مأمون أو مأموناً، ولا أهل له، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يخلُ رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم)).
واختلف إذا كان مأموناً وله أهل، فقال في الموازية في الصبيةِ تتزوجُ أمُها، ولها جد وعم لهما أن يأخذاها، وأما الوصي فليس بينه وبينها محرم، وتكون مع زوج أمها لأنه صار كالمحرم منها إلا أن يخاف عليها عنده، فيكون الوصي أولى بها.
وقال أصبغ: الوصي أولى بها من الأم إذا تزوجت، ومن العم فالإناث وإن كن قد بلغن أبكاراً، والأولياء إذا لم يكن بينهم وبينها محرم كالأوصياء.
وقول مالك أصوب، لأنه لا ينفك مَنْ تكون في ولايته أن يطلع منها على ما لا يحل، لأن طول الصحبة والتربية يسقط التحفظ، وهذا فيمن بلغ منهن حد الوطء، وأما فيمن كان صغيراً فيصح أن يقال يكفلها الوصي إلى أن تبلغ حد الوطء فتزوج، ويصح أن يقال بمنع ذلك لما عليها من الضرر في التنقل من قوم إلى قوم لأنها يشق عليها نقلها عمن ألفته، وما ذكره من أول
الفصل أن شرط الرجل في الحضانة أن يكون له أهل هو قول مالك في مختصر ابن عبد الحكم إذا تنازع الأب والخالة في الحضانة، الأب أولى إذا كان عنده من يحضنه فراعى أهله لأنهن العمدة في القيام بالأطفال، والغالب من الرجال التصرف، فإذا لم يكن لهم من يكفلهم ضاعوا، انتهى.
وقول مالك: (إذا كان عنده من يحضنه) أحسن من قول اللخمي: (إذا كان عنده زوجة أو سرية)، لصدق كلام مالك على ما إذا كانت أمة للخدمة أو قرابة، لأن الغرض من يقوم بمصالح الصبي.
المتيطي: [427/ا] ولمالك في المدونة: الوصي أحق بالولد إذا نكحت الأم وليس له جدة ولا خالة.
بعض القرويين: أراه يريد الولد الذكر.
قال في الموازية: ولا يأخذ الأنثى إذ ليس بينه وبينها محرم.
فجعل بعض شيوخنا ما في الموازية تفسيراً لظاهر المدونة، وظاهر المدونة محتمل، لأن لفظ الولد والصبيان يقع على الذكور والإناث.
والأم ثم أمها أولى من الجميع
هذا هو الوجه الثالث، أعني إذا اجتمع الرجال والنساء، وقوله من الجميع، أي جميع الرجال والنساء، وحكى اللخمي والمتيطي وابن رشد وغيرهم الاتفاق على ذلك.
وفي الأب مع بقيتهن.
ثالثها المشهور: يقدم على من بعد الجدة للأب
القول بتقدمة الأب على من عدا الأم وأمها لمالك في الموازية، والقول بتقدمة الجميع عليه لمالك في الواضحة.
والمشهور مذهب المدونة: يقدم على من بعد الجدة للأب، فيقم على الأخت وما بعدها، وتقدم الجدة عليه، ولو كانت نصرانية.
وزاد اللخمي رابعاً لابن القاسم في كتب المدنيين أن الخالة تبدأ على الأب ويبدأ هو على أمه.
وزاده غيره خامساً أن الأب يقدم على من عدا الأم، والجدة إن لم يكن مسلمات، وإن كن قدمن عليه، ونقل عن
أشهب.
وذكر في المقدمات في تقديم الأب على جميع قرابته أو تقديمهن عليه أو تقديمه على من عدا الجدة من قبله ثلاثة أقوال.
وقيل: الأب أولى من الأم عند إثغار الذكور
يعني: فأحرى أن يكون مقدماً على غيرها، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك، ووجهه أن احتياج الولد إلى أبيه بعد الإثغار أكثر، لأنه يحتاج حينئذ إلى التربية والتعليم.
واستحسن ابن القصار وابن رشد وغيرهما من الشيوخ استهام الأبوين على الذكر إذا أثغر على ما وقع في بعض الآثار، وذهب إليه بعض العلماء خارج المذهب، وذهب الشافعي إلى أن الولد الذكر يخير بين أبويه، واختاره بعض الشيوخ، وترجح في الأنثى إذا كانت عند غير الأم.
وبقية النساء أولى من بقية الذكور
ابن عبد السلام: لا خلاف في هذا في المذهب.
اللخمي: وكل من ذكر أنه له حظاً في الحضانة فليس ذلك بواجب عليه، وهو في ذلك بالخيار من أب أو غيره، لأن لكل حناناً وعطفاً، ما خلا الأم.
واختلف هل تخير أم لا؟ أي بناء على أنه حق لها، أوله ابن محرز، والصواب عندي أنه حق مشترك بين الحاضن والمحضون.
وأم الولد تعتق كالحرة الأصلية على الأصح
يعني: إذا عتق أم ولده- وله منها ولد- فإنها أحق بحضانة ولدها على الأصح.
والأصح هو مذهب المدونة، ووجهه أن الفرقة حصلت بين الأبوين بالعتق هنا، كما حصلت بالطلاق.
وقال ابن وهب: لا حضانة لها.
قال: وإنما ذلك للحرة يطلقها زوجها.
كالأمة المتزوجة في ولدها الحر يعتق
قوله: (يعتق) - بالياء المثناه من تحت- عائد على الولد، قال في المدونة: وإذا أُعتق ولد الأمة وزوجها حر فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها، إلا أن تباع إلى بلد غير بلد الأب، فالأب أحق به، أو يريد الأب انتقالاً إلى غير بلده فله أخذه.
محمد: وكذلك أيضاً إذا تزوجت الأم فالأب أحق به.
قيل: وظاهر المدونة خلافه، وفيه نظر، وليس في المدونة ما يؤخذ منه أنها إذا تزوجت لا تسقط حضانتها، وإذا سقطت حضانة الحرة بالتزويج فالأمة أولى، وأسقط المصنف حرف العطف من قوله: (كالأمة) لأنه قصد بذلك الاستدلال على مسألة أم الولد، وذلك لأن الأمة المطلقة إذا لم يسقط حقها في الحضانة فالحرة التي كانت أم ولد وعتقها سيدها أَولى لأن الحرة أقوى على صيانة ولدها من الأمة.
واستشكل اللخمي وجوب الحضانة للأمة، لأنها مقهورة مشغولة بحق ساداتها، وإذا سقطت حضانة الحرة بالتزويج لما يتعلق بها من حقوق الزوجية، فالأمة أولى لأن سلطنة الرق أقوى من سلطنة الزوجية.
وقد جنح مالك إلى هذا المعنى في مختصر ما ليس في المختصر، فقال: إذا أُعتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة فتنازعاه، فأمه أحق به- دنيا-، إلا أن يكون ذلك مضراً به.
فقوله: (مضراً به) جنوح منه إلى النظر فيمن كان في الرقم.
وإلى هذا الإشكال أيضاً ذهب ابن رشد، فقال: القياس أن تكون الجدة الحرة أحق بالحضانة من الأم من أجل سيدها، كما إذا تزوجت الأم.
قال: وإنما جعل الأم أحق، أي: في مسألة المختصر، لأنه رأى ألا يفرق بينه وبين أمه ورآها أحق بحضانته من الجدة الحرة، لأن سيده هو الذي ينفق عليه من أجل أنه أعتقه صغيراً، ألا ترى أن من قول مالك وغيره في المدونة وغيرها أن من أعتق صغيراً وأمه عنده أنه لا يبيعها إلا ممن يشترط عليه نفقته ليكون مع الأم في نفقة سيدها.
ابن هارون وابن عبد السلام: إنما يتم هذا لو كان زمان الحضانة هو الزمان الذي ينفق فيه السيد على عبده، والزمان الذي لا يعرف بينه وبين الأم وولدها المعتق، وهي أزمنة ثلاثة: زمان الحضانة في الذكر إلى الاحتلام، وزمان النفقة على هذا المعتق أقل الأجلين، إما بلوغ الحلم، وإما بلوغه قدر ما يسعى فيه على نفسه، والزمان الذي لا يفرق فيه بين الأم [427/ب] وولدها الإثغار على ما عرف في المذهب.
فالجواب على إشكال اللخمي أن المرأة إذا تزوجت حصل بين زوجها الثاني وبين مطلقها بعض العداوة له ولولده فَنُزعَ الولد من الأم لهذا المعنى بخلاف الأمة فإنها وإن شغلت بخدمة ساداتها لا يبغضون ولدها كما يبغضه الزوج، ولا سيما إن كانوا هم الذين أعتقوه.
وينبهك على ما أشرنا غليه من البغض ما لمالك في الموازية: إذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه، ولا تضمهم مع أمهم.
وقال سحنون في أسئلة ابن حبيب: إذا كانت الجدة لا زوج لها وهي ساكنة مع ابنتها في دار زوجها الثاني لم يلزمها الخروج من الدار، ولم يكن للزوج حجة في بقاء الولد مع الأم والزوج الثاني في موضع واحد.
ابن هشام: وبما في الموازية أفتى ابن العواد، وهي الرواية المشهورة عن مالك وأصحابه، ولعل سحنوناً أراد الصبي لأنه لا كشفة فيه، وقد يقول في الصبية الكبيرة أن أباها يكره اطلاع زوجها عليها، ويمكن أن يكون ما قاله مالك في الموازية ليس معللاً بالبغض، بل لأن للأب كما قال في المدونة تعاهد الولد عند الأم وأدبهم وبعثهم إلى المكتب، ولا يبيتون إلا عندها، فإذا سكنت الحاضنة عند أمهم لم يكن للأب تعاهدهم عندها بسبب ما يحدث بذلك مما لا يخفى.
والأب والوصي أولى من جميع العصبة على المنصوص، ويسافر بهم سفر نقله، وقيل: كولي النكاح ....
يعني: أن الذي نص عليه في الرواية أن الوصي أولى من سائر العصبة.
ابن بشير: وينبغي أن يجرى الأمر على قولين، هل يكون مقدماً أو غير مقدم.
وقد قدمنا في الصلاة على الميت وفي ولي النكاح ما يقتضي الخلاف في هذا الأصل، وهي أن هذه الحقوق هل تكون كالحقوق المالية، فلمالكها أن يتصرف فيها وينقلها إلى غيره، أو لا تكون كالحقوق المالية لأنه إنما ملك بسبب موجود فيه، لا في المنقول إليه؟
وهذا معنى قوله (وقيل: كولى النكاح) وعلى هذا فيكون قوله: (وقيل: كولى النكاح) مقابل المنصوص، وكان ينبغي أن يبين أن هذا القول مخرج، وعلى هذا فقوله أولى على المنصوص، أي: ومقابله لاحق له في الولاية، وإن كان لفظه يحتمل أن له حقاً في الولاية، وليس بأولى لكن لم أرَ ذلك.
وكذلك يحتمل أن يكون قوله: (وقيل: كولي النكاح) اختلاف طريقة، ويكون أشار بذلك على أنه هل يكون أولى من الولي أو الولي أولى منه، أو هما سواء، أو كالأجنبي؟ لكن لم أر نقلا يساعده.
وقوله: (ويسافر بهم سفر نقلة) ظاهر لأنه إذا كان للولي السفر بالطفل والوصي أولى منه، كان الوصي أولى بذلك.
بعض الشيوخ: وإنما يقدم الوصي على الأولياء، ما لم يعلم أن ذلك من الأب، لشنآن بينه وبين جد الولد أو أخيه، فيقدمان على الوصي.
قال: ولو كان الشنآن بينه وبين عم الولد أو ابن عمه لتقدم عليه الوصي، لأنهما يتهمان في عداوته والإساءة له لعداوة الأب.
وإذا اجتمع المتساوون رجح الشقيق ثم بالصيانة والرفق
وقع في بعض السخ: (الشقيق) من الشقاقة، وهو صحيح، وقد تقدم، وفي بعضها (الشفيق) من الشفقية وهو أيضاً صحيح ظاهر المعنى، وثم يرجح بالصيانة ثم بالسن لأن الغالب أن الأسن أقرب إلى الرفق والصبر من غيره.
فإن غاب الأقرب، فالأبعد لا السلطان
هذا ظاهر، ولا مدخل له هنا، بخلاف النكاح.
وشرط الحضانة: العقل، والأمانة، والكفاية، وحرز المكان في البنت يخاف عليها، ولو كان أباً أو أماً، ويأخذها منهم الأبعد ...
لمن يستحق الحضانة شروط:
أولها: العقل، فلا حضانة لمجنون ولو كان غير مطبق، ولا لمن به طيش.
ثانيها: الكفاية، فلا حضانة لمن به زمانة، أو بلغ به المرض أو الكبر ما لا يملكه معه التصرف.
اللخمي: أو يمكنه بمشقة.
ثالثها: الأمانة، فلا حضانة لمن يبذر ما يأخذه من نفقة المحضون، أو كان غير مأمون في دنيه، لأن من هذا حاله يخاف أن يدخل على المحضون فساداً.
فرع:
ويحتاج الحاضن أن يثبت الأمانة على ما ذكره ابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين، واحتجوا لذلك بما في إرخاء الستور من المدونة: أن الحضانة يستحقها من الأولياء من كان في كفاية وحرز وتحصين، وقد يكون الأب غير مأمون، فرب أب شريب يذهب يشرب ويترك ابنته أو يُدخل عليها الرجال، فهذا لا تضم إليه.
ابن القاسم: وينظر لها السلطان.
المتيطي: فيما قيده الموثقون نظر عندي، والواجب أن يحمل على الأمانة فيهم، ولا يكلف بينة حتى يثبتوا عليه ذلك.
رابعها: المكان في البنت التي يخاف عليها، بخلاف الصبي والصغيرة التي لا يخاف عليها.
وقوله: (ولو كان أباً) يعني: أن هذه الشروط تعتبر في الحاضن مطلقاً، ولو كان أقرب الحاضنين أو الحاضنات، ولا يقال أن قربه يسقط بعض هذه الأوصاف.
واختلف في السفيهة، فقيل: لها الحضانة، وقيل: لا.
وهو قوله في الموازية، قال: ولا حضانة لسفيهة، [428/أ] ابن القاسم في وثائقه: ويلزم عليه العمى والصمم والقعد والخرس، وقال اللخمي: إن كانت سفيهة في عقلها ذات طيش وقلة ضبط، لا تحسن القيام بالمحضون ولا أدبه، أو كانت سفيهة فيما تقبضه، تبذره قبل انقضاء الأمر، فلا حق لها في الحضانة، بخلاف ما إذا كانت سفيهة مولى عليها ذات صيانة وقيام، ويشترط في الحاضنة ألا تكون جذماء ولا برصاء، وإن كان خفيفاً لم يمنع، وإذا كانت الحضانة لرجل روعي ذلك فيمن يتولى الحضانة من نسائه في القيام، ودفع المضرة.
قوله: (ويأخذه منهم الأبعد) أي: إذا عدم من الأقرب بعض هذه الصفات أخذه الأبعد، وهو ظاهر.
وخلو المرأة من زوج دخل بها إلا جد الطفل على الأصح
لما ذكر الشروط المطلوبة ذكر أن الحاضنة يشترط فيها أن تكون خالية من الزوج، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنتِ أحق به ما لم تنكحي)) وسقطت حضانتها بالزواج لاشتغالها بحقوق الزوج عن المحضون، وهذا هو المعروف.
وفي المتيطية عن مالك أنه ليس للوالد أخذ الولد من الأم، وإن تزوجت ودخل بها زوجها إذا كان الابن في كفاية.
قوله: (إلا جد الطفل) أي: فإن تزوج الحاضنة به لا يسقط حضانتها لشدة حنوه على الولد.
واعلم أن تزويج الحاضنة بجد الطفل لا يمكن أن يتصور ذلك في حق الأم لاستحالة أن يتزوج أم الولد بجده، وإنما يتصور في جدة الطفل ونحوها، والأصح مذهب المدونة، ومقابله لابن وهب أنه لا يستثنى عنده أحدٌ من الأزواج، بل مطلق التزويج عند مُسقط نظراً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما لم تنكحي)).
وقوله: (جد الطفل) الأحسن جد المحضون، لأن الذي يتبادر إلى الذهن في العرف من الطفل أنما هو الواحد الذكر، وإن صح إطلاقه على أكثر من واحد لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:31].
تنبيه:
قوله: (إلا جد الطفل) نحوه لابن شاس وابن بشير: إن تزوجت الأم أو من لها الحضانة، فإن لم يكن ولياً للطفل فقد سقطت حضانتها، وإن كان ولياً فقولان، المشهور ثبوت حضانتها، فأطلق في الولي.
ونحوه للخمي وصاحب المقدمات ففي المقدمات: وإن زوجها ذا رحم من المحضون، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون محرماً، والثاني: ألا يكون محرماً، فإن كان محرماً عليه فسواء كان ممن له الحضانة كالعم والجد للأب، أو ممن لا حضانة له كالخال، والجد للأم لا تأثير له في إسقاط الحضانة.
وأما إن كان غير محرم عليه فلا يخلو أن يكون ممن له الحضانة كابن العم أو ممن لا حضانة له كابن الخال، فإن كان ممن له الحضانة فهي أحق ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منه فارغة من زوج، وإن كان ممن لا حضانة له سقطت حضانتها بكل حال، كالأجنبي سواء.
وإن كانت وصية فقولان
يعني: اختلف هل يستثنى من النساء إذا تزوجن المرأة الموصاة أم لا؟ قولان، وهما لمالك، وروي عن أشهب وابن نافع: إذا أرادت النكاح له أن ينتزع الولد منها إن نكحت، لأن المرأة إذا تزوجت غلبت على جل أمرها حتى تعمل ما ليس بصواب.
وقال في موضع آخر: إن أفردت لهم بيتاً مع من يخدمهم، وأحسنت النظر لم ينزعوا منها.
فائدتان:
قال غير واجد: لا يُسقط التزيجُ بالأجنبي الحضانةَ في ست مسائل هذه على أحد القولين: وإذا كان الولد رضيعاً لا يقبل غير أمه، وإذا قبل وقالت الظئر لا أرضعه إلا
عندي، لأن كونه في رضاع أمه- وإن كانت متزوجة- أرفق له من أن يسلم لأجنبية- وإذا كان من بعدها ممن له الحضانة غير مأمون، وإذا كا من بعدها عاجزاً أو غائباً، وإذا لم يكن للولد قرابة من الرجال ولا من النساء، ويزاد سابعة وهي: إذا كان الأب عبداً والزوجة حرة، فلا يكون للأب أن ينتزعه منها إذا تزوجت.
ابن القاسم في الموازية: إلا أن يكون مثل العبد القيم بأمور سيده، أو التاجر الذي له الكفاية، فيكون أولى بولده إذا تزوجت الأم، وأما العبد الذي يخرج في الأسواق ويبعث في الأسفار فلا.
الفائدة الثانية: قال في المقدمات: اختلف بماذا يسقط الزوج الأجنبي حضانة زوجته، فقيل بالدخول، وقيل: بالحكم عليها، وقيل: بأخذ الولد منها.
وعلى هذا يأتي اختلافهم فيمن طلق امرأته وله منها ولد، فتزوجت ولم يعلم بتزويجها حتى مات عنها أو طلقها أو علم بذلك ولم تطل المدة، هل له أن يأخذ الولد منها عبد خلوها من الزوج أم لا؟
وأما إن علم بتزويجها ولم يقم حتى طالت المدة ثم طلقها الزوج أو مات عنها فليس له أن يأخذ الولد منها، لأنه يعد بذلك تاركاً لحقه على الخلاف في السكوت، هل هو بمنزلة الإقرار أم لا؟
ولا يشترط الإسلام على المشهور، وتضم إلى ناس من المسلمين ولو كانت مجوسية أسلم زوجها ....
لا يشترط في الحاضن والحاضنة أن يكونا مسلمين على المشهور، وهو مذهب المذونة، والشاذ لابن وهب: لا حق لكافرة لأنه إذا لم يكن لمن أثنى عليه بشر حضانة، فالكافر أولى، واستحسنه [428/ب] اللخمي.
وقوله: (وتضم إلى ناس من المسلمين) ظاهره أنها تضم مطلقاً.
وفي المدونة: والذمية إذا طلقت والمجوسية يسلم زوجها وتابى هي الإسلام فيفرق بينهما، ولهما من الحضانة ما للمسلمة، وتمنع أن تغذيهم بخمر أو خنزير، وإن خيف أن تفعل ذلك ضمت إلى ناس من المسلمين ولا ينتزعوا منها، فلم يقل إنها تضم، إلا إذا خيف منها.
ولا تعود بعد الطلاق أو الإسقاط على الأشهر إلا في إسقاطه لعذر
يعني: فلو تزوجت الأم أو غيرها من الحاضنات أو أسقطه هي فهل لها أن تعود في الطفل فتأخذه إذا طلقت أو مات زوجها.
فالشهر وهو مذهب المدونة أنها لا تأخذه ولا تعود لها الحضانة، والشاذ لابن وهب أنها تأخذه.
وزاد في المقدمات ثالثاً: أنها تسقط حضانتها في حال تزويجها، فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجعت في ولدها.
وفيه نظر، لأن هذا القول هو قول ابن وهب لأن ابن وهب لا يقول أن لها الحضانة وهي متزوجة.
وهكذا قال ابن عبد السلام: صاحب المقدمات وغيره.
هذا الخلاف إنما هو على مذهب من يرى أن الحضانة حق للحاضنة، وأما على قو ابن الماجشون الذي يرى أن الحق في الحضانة للمحضون فلها أن تأخذ الولد متى خلت من الزوج.
ابن عبد السلام: واختلف في سكوت الحاضن الأقرب عن الحاضن الأبعد يأخذ الطفل أو غيره ممن كان له في الحضانة حق فتزوج مثلاً، وبقي الطفل بيده هل يكون سكوته تركاً لحقه في الحضانة؟ على قولين، إلا في إسقاطه لعذر كمرض أو لسفر حجة الفريضة ونحو ذلك، فإن لها الحضانة إذا زال عذرها.
فرعان:
أولهما: قال في الموازية: وإن تزوجت الأم فأخذتهم الجدة للأم ثم فارق الأم زوجها فللجدة أن تردهم عليها، وليس للأب في ذلك حجة.
ابن محرز والمتيطي: أما لو ماتت الجدة وطلقت المرأة فهي أحق من الأب.
الثاني: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهر أو سبعة ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي.
فقالت: والله ما علمت بهذا.
قال: الثاني في هذا قريب، وهو يجهل السنة.
وقد سئل عمن فارق زوجته وله منها بنت فطرحتها وألحقت بأهلها، فقامت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت لا تتعرض لبنتها ولا تريدها حتى ماتت، فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها، فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها، فقد تركوها ورفضوها، فإن كان لذلك سنة إلا يسيراً فارى لها أخذها، وإن تزوجها تزويجاً فاسداً لا يُقران عليه، ودخل بها الزوج، ونزع منها الولد ثم علم بفساد النكاح ففسخ، فقال بعضهم: يرجع إليها الولد.
وغيره: لا يرجع.
ابن يونس: وهو أصوب، وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
ويسقط حق الأم وغيرها من الحضانة إذا سافر ولي الطفل الحر أبا أو غيره سفر نقلة ستة برد، ولو كان رضيعاً لا سفر نزهة وتجارة إلا أن تسافر معه ...
يعني: إذا سافر ولي الطفل سواء كان الولي أباً أو غيره، ودخل في قوله: (أو غيره) الوصيُّ وغيره، والحر أولى.
يصح أن يقرأ بالخفض صفة للطفل، وبالرفع صفة للولي، لأنه إذا كان الولد أو أبوه رقيقاً لم يكن السفر مسقطاً للحضانة، بل إن كان العبد هو الولد فليس لأبيه إذا سافر كلام، بل هو تحت نظر سيده في الحضن، وكذلك للسيد أن يسافر به، ولأمه اتباعه إن أحبت، وإن كان العبد هو الأب ففي المدونة ليس له حق إذا سافر والأم أحق به، كانت حرة أو أمة، لأن العبد لا قرار له ولا مسكن.
قوله: (سفر نقلة) أي سفر انتقال، وأما إن سافر سفر نزهة أو تجارة فلا حق له، وإليه أشار بقوله: (لا سفر نزهة وتجارة) أي ونحوهما.
وقوله: (ستة برد) هو بيان للسفر المسقط، يعني: وأما لو سافر سفراً قريباً فأن ذلك لا يسقط حضانتها، لإمكان نظر الولي، وهذا التحديد لمالك في الموازية.
وقوله: (ولو كان رضيعاً) مبالغة، وهو المشهور، بشرط أن يقبل غير أمه.
ولابن القاسم: ليس له أخذه إلا أن يكون فطيماً قد استغنى عن أمه.
ولمالك في الموازية: لا يخرجوا بهم حتى يثغروا.
وقوله: (إلا أن تسافر معه) يعني: أنه تسقط حضانتها بالسفر المذكور إلا أن تتبعه فهي على حضانتها، ولا كلام للولي، وإنما سقطت الحضانة بهذا السفر، لأن نظر الولي لوصية عام، ونظر الأم إنما هو في أمور خاصة، فكان تحصيل ما ينظر فيه الولي أولى من تحصيل ما تنظر فيه الأم، ولهذا كان الوصي مقدماً على الأولياء إذا أراد سفراً بالمحضون.
بعض شيوخنا: وإن كان للولد وليان، وهما في القعد سواء، فسافر أحدهما، فليس له الرحلة بالولد، والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه، وكذلك إن لم تكن له أم، لأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى.
فرعان:
الأول: قال جماعة: يشترط في إسقاط الحضانة بالسفر أن تكون الطريق مأمونة، يسلك فيها بالمال والحريم، وكذلك البلد الذي ينتقل إليه، ولا يشترط أن لا يكون بين البلد الذي سافر إليه الأب وبلد الحضانة بحر على الأصح، قاله ابن الهندي [429/أ] وغيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:22].
الثاني: إذا قلنا: للولي الانتقال بالولد.
فقال ابن أبي زمنين: كان بعض من أدركنا من شيوخنا المقتدى بهم في الفتوى يفتون بأن الولي لا يكون أحق حتى يثبت عند حاكم البلد الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن الموضع الذي رحل إليه.
وقال ابن الهندي وابن الفخار وغيرهما: بل له الأخذ إذا أراد الرحيل.
واحتجوا بقوله في المدونة: إذا أراد الأب أن يرتحل إلى بلد، أن للأب أن يخرج بولده معه إذا ارتحل، وكذلك الأولياء، فلم يكلفه بينة أنه قد استوطن.
وعابوا الأول لأنه يؤدي إل المشقة في الراحل إلى البعيد، وقد آوى إلى إسقاط حقه.
ابن الهندي: ويحلف لقد يريد استيطان ذلك البلد.
بعض القرويين: وهذا يحسن في المتهم، وأما المأمون فلا يمين عليه.
ووقع لسحنون في أسئلة حبيب أنه كان يكشف عن انتقاله كشفاً شافياً، فإن تبين ضرره منع، وإن كان خروجه حقيقة لا مضاراً بالأم لم يمنع، وقيل للأم: اتبعي ولدك إن شئت.
واستدل بعضهم على صدقه بقرائن الأحوال، فإن باع ربعه أو نحو ذلك صدق، وعلى أنه لابد من الاستيطان بمدة غير محدودة، بل يرجع إلى اجتهاد الحاكم.
عبد الخالق: ووقع في وثائق ابن الطلاع: تحرير المدة بالعام.
وقال أصبغ: بريدين
قوله: (وقال أصبغ: بريدين) يقتضى ثبوت معطوف عليه، وهو قوله: (ستة برد).
ابن عبد السلام: ولم يثبت قوله (ستة برد) في كل النسخ، ولم أر أنا نسخة إلا وفيها ذلك.
وقال أصبغ في الموازية: لأن فيها عنه: ليس للأم أن تنتجع بولدها من الأسكندرية إلى الكريون.
اللخمي وغيره: وبينهما بريدان.
وقريب منه ما قاله مالك: في البعيد مرحلتان.
أبو إسحاق: وقول أصبغ ظاهر المدونة، لأنه قال: القريب البريد ونحوه.
ولمالك أن مسيرة اليوم قريب للأم أن تخرج بالولد إليه.
قيل: وهو الأقرب قياساً على سفر القصر.
ولمالك: حد القريب أن يكون بموضع لا ينقطع خبر الولد منه، من غير أن يحده بأميال.
اللخمي: وهو بين، فرب قريب لا ينقطع خبر الولد منه، واستعلام حاله لكثرة تردد أهله بين الموضعين، ورب قريب لا يعرف فيه حال الولد لقلة التصرف فيما بين الموضعين.
وقال ابن مغيث: الذي مضت الفتوى به عند شيوخ المذهب ما ذكره المصنف أولاً: ستة برد.
وقيل: إذا كان على رأس البريد هو بعيد.
وروى ابن وهب في الموطأ: حتى يرتحل من المدينة إلى مصر.
ومثله عن أشهب.
وسفره أو سفر الأم به دون ذلك، لا يسقط.
وفيها: كالبريدين
يعني: وسفر الولي أو سفر الأم دون المسافة المسقطة لا يسقط حق الحاضنة، لأن ذلك لا يمنع الولي من النظر في أمر الطفل.
وفي المدونة: تحرير القرب بالبريد ونحوه.
وقد تقدم أن أبا إسحاق أخذ منه أن البعيد بريدان كما قاله أصبغ، وكذلك قال ابن رشد في قول أشهب: لا يرحل بهم ثلاثة برد.
هذا مثل ما في المدونة لا ينتجع بهم إلا في المكان القريب، البريد ونحوه.
وما ذكره من تسوية سفر الولي والحاضنة نص عليه اللخمي وغيره.
ابن راشد: وحيث قلنا تخرج بهم الأم فحقهم في النفقة باق على أبيهم في ظاهر المذهب وحكى في الطرر عن ابن جماهير الطليطلي أن الأم خرجت ببنيها إلى الصائفة سقط الفرض عن أبيهم مدة مقامهم، ولو طلبت الانتقال بهم إلى موضع مصر، فشرط الأب عليها نفقتهم وكسوتهم جار ذلك، وكذلك إذا خاف أن تخرج بهم بغير إذنه، فشرط عليها إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليها، لزمها ذلك، قاله بعض الأندلسيين.
وفي استحقاق الحاضنة عنها شيئاً قولان بناء على أنه حق له أولها
قوله: (عنها) أي عن الحضانة.
وما ذكر المصنف من منشأ الخلاف ذكره صاحب المقدمات وابن بشير، فقالاً: من رأي الحضانة حقاً للمحضون أوجب للحاضن الأجرة على المحضون، ومن رآها حقاً للحاضن لم ير له أجرة.
وما قاله ابن عبد السلام من عكس هذا البناء ليس بظاهر.
قال في المقدمات: من رأى أن ذلك من حقها لم ير لها سكنى، ومن رأي ذلك من حق المحضون رأى أن لهما كراء المسكن على الأب.
خليل: وفيه نظر، لأن المشهور أن الحق للحاضنة، والمشهور أن على الأب السكنى، وهو مذهب المدونة خلافاً لابن وهب.
وعلى المشهور فقال سحنون: يكون السكنى على حسب الاجتهاد.
ونحوه لابن القاسم في الدمياطية، وهو قريب لما في المدونة.
وقال يحيي
ابن عمر: على قدر الجماجم.
وروي: لا شيء على المرأة ما دام الأب موسراً.
وقيل: إنها على الموسر من الأب والحاضنة.
وحكى ابن بشير قولاً بأنه لا شيء على الأم من السكنى، ورأى اللخمي أن الأب إن كان في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لم يزد عليه في الكراء شيئاً، لأنه في مندوحة عن دفع الأجرة في سكناه، وإن كان يزاد عليه في الكراء، وعليها هي لأجل الولد، فعليه الأقل مما يزاد عليه أو عليها لأجله، فإن كان ما يزاد عليها أقل أخذته لأنه القدر الذي أضر بها، وإن كان ما يزاد عليه غرمه لأنه مما لم يكن له بد ولو كان عنده.
وفي الطرز: لا سكنى للرضيع على أبيه مدة الرضاع، فإذا [152/ب] خرج من الرضاعة كان عليه أن يسكنه.
خليل: ولا أظنهم يختلفون في الرضيع.
فائدة:
في المذهب مسائل اختلف فيها، هل هي على الرؤوس أم لا؟ منها هذه، ومنها أجرة كاتب الوثيقة، ومنها كانس المراحيض، ومنها حارس الأنذر، ومنها أجر القاسم، ومنها التقويم على المعتقين، ومنها الشفعة إذا وجبت لشركاء، ومنها العبد المشترك في زكاة الفطر، ومنها النفقة على الأبوين، ومنها إذا أرسل أحد الصائدين كلباً والآخر كلبين، ومنها إذا أوصى بمجاهيل من أنواع.
وعلى الاستحقاق فإن استغربت أزمانها فنفقة وإلا فاجرة
يعني: وعلى القول باستحقاق الحاضنة على الحضانة أجرة، فإن أشغلها ما يتعلق بالولد في جميع أزمانها وجبت لها النفقة كالزوجة، وإن لم تستغرق أزمانها وجب لها من الأجرة بحسب ما يقرره أهل العرف لها.
اللخمي: وإن كان الولد يتيماً فللأم أجرة الحضانة إن كانت فقيرة والابن موسراً، لأنها تستحق النفقة في ماله، واختلف إذا كانت موسرة، فقال مالك: لا نفقة لها.
وقال مرة: لها النفقة إذا قامت عليه بعد وفاة أبيه.
وقال أيضاً: تنفق بقدر حضانتها إذا كانت لو تركته لم يكن له بد من الحضانة.
فجعل لها في هذا القول الأجرة دون النفقة.
اللخمي: وأرى إن تأيمت لأجلهم وكانت هي الخادمة والقائمة بأمورهم أن لها النفقة، وإن كانت أكثر من الأجرة لأنها لو تركتهم وتزوجت أتى من يقف عليها- وكأن من النظر للولد كونهم في نظرها- وإن لم تكن تأيمت لأجلهم أو كانت في سن من لا يتزوج كان لها الأجرة، وإن كانت دون نفقتها، وإن كان لهم من يخدمهم واستأجرت من يقوم بخدمتهم فإنها هي ناظرة بما يصلح للولد فقط لم أر لها شيئاً.
فرعان:
الأول: إن لمن الولد في حضانتها من أم أو غيرها أن تأخذ ما يحتاج إليه الولد من نفقة أو كسوة وغطاء ووطاء.
وإن قال الأب: هو يأكل عندي ثم يعود إليك لم يكن له ذلك، لأن في ذلك ضرراً على الولد وعلى الحاضنة، إذ الأطفال يأكلون في كل وقت، قاله غير واحد.
وكتب شجره إلى سحنون في الخانة الحاضنة إذا قال الأب: إنها تأكل ما أعطيه، وطلب الأب أنه يأكل عنده ويعلمه، فكتب إليه أن القول للأب، فجعل للحاضنة يأوي إليها فقط، والأول هو الأصل، ولعله ظهر صدقه في السؤال، وقد ذكر ابن يونس عن مالك هذا التفصيل نصاً في العتبية.
الثاني: اللخمي: اختلف في خدمة الولد، ففي المدونة: إن كان لابد للولد من خادم لضعفهم عن أنفسهم والأب يقوى على الإخدام أخدمهم.
وقال ابن وهب في الدمياطية: ليس عليه أن يخدمهم، وبذلك قضي أبو بكر على عمر رضي الله عنهما.
وتجب على الولد نفقة أبويه الفقيرين- صحيحين أو زمنين، مسلمين أو كافرين- صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، وإن كره زوجها ....
يعني: أنه يجب على الولد أن ينفق على أبويه سواء كان صحيحين أو زمنين مسلمين أو كافرين، صغيراً أو كبيراً، وكذلك أيضاً لو كان هو كافر وهما مسلمان، هذا هو القول
المشهور، وروى ابن غانم عن مالك أنه لا نفقة للأبوين الكافرين، واشترط أن يكونا فقيرين، لأنه لا نفقة لهما إذا كان غنيين.
ابن لبابة: ويحلفه الولد على فقره استبراء للحكم.
وقال غيره: لا يحلفه، لأنه من الحقوق، وبه الحكم.
ولا يسقطها تزويج الأم لفقير
أي: إذا تزوجت الأم فقيراً فوجوده كعدمه، ونفقتها مستمرة على الولد، وكذلك أيضاً لو كان الزوج ملياً وافتقر، ولو كان يقدر على بعضها تمم الابن باقي النفقة ولو كان الزوج ملياً.
وقال: لا أنفق عليها إن رضيت، وإلا فارقتها، فرضيت الأم.
فقال الباجي: ينفق الابن.
وقال اللخمي: لا ينفق، إلا أن تكون قد أسنت والزوج على غير ذلك، أو يقوم الدليل على صحة قوله.
فإن كان أولاد موسرون وزعت، وفي توزيعها على الروؤس أو على اليسار قولان
القول بأنها على الرؤوس لابن الماجشون وأصبغ، والقول بأنها على قدر اليسار لابن المواز.
وقال مطرف وابن حبيب: على قدر الميراث.
فرع:
إذا كان للأب مال فوهبه أو تصدق به ثم طلب الابن بالنفقة فللولد أن يرد فعله، وكذلك لو تصدق به على أحد ولديه كان للولد الآخر أن يرد فعله، قاله اللخمي.
وكذلك خادمه وخادمها على المشهور
هذا عائد على صدر الفصل، يعني: وكذلك يجب على الولد نفقة خادم الأب وخادم الأم على المشهور، والشاذ لابن عبد الحكم: ليس عليه أن ينفق على خادم أبيه.
وفي المدونة: يلزمه أن ينفق على خادم أبيه وخادم زوجة أبيه، لأن خادم زوجة أبيه تخدمه.
ويحتمل كلام المصنف من حيث اللفظة أن يكون قوله: (وكذلك خادمه) راجع إلى مسألة توزيع النفقة، وهو بعيد.
وكذلك إعفافه بزوجة
يعني: وكذلك يجب على الولد أن يعف والده بزوجة، هذا قول أشهب، واختاره ابن الهندي، قيل: وهو المشهور عن مالك وابن القاسم أنه ليس على الولد ذلك.
وقاله المغيرة وابن عبد الحكم، وفي رواية [431/أ] ابن نافع وأشهب: إن كان رجلاً نكاحاً يأتي امرأة لها شأن، فما أرى ذلك عليه.
اللخمي: إن كان محتاجاً إلى النساء زوجه، وإن لم يكن محتاجاً لهن ويخدم نفسه لم يكن عليه تزويجه، وإن لم يكن قادراً على خدمة نفسه، أو كان مثله لا يتكلف ذلك، كان تزويجه حسناً.
قال ابن راشد: لو تحققنا حاجة الأب إلى النكاح، لا نبغي ألا يختلف في وجوب ذلك على الابن، فالاختلاف إنما هو عائد إلى تصديق الأب فيما يدعيه من الحاجة إلى النكاح.
اللخمي: وينفق الابن على زوجة الأب، سواء كان الأب محتاجاً إليها في الإصابة أم لا، لأنه وإن أسن يحتاج إلى رفق من يقوم به، ولأن عليه مضرة ومعرة في فراق زوجته لعدم النفقة، قال في المدونة: وينفق على زوجة وإخوة لا أكثر.
ولا إشكال في هذا إن كانتا أجنبيتين، وأما إن كانت إحداهما أمه، فاختلف في ذلك إذا كانت أم الولد فقيرة، فقيل يلزمه نفقتهما أما الأم فلفقرها، إذ لو فارقها الأب لكان عليه نفقتها، وأما الأخرى، فلأنها لو كانت وحدها لزمتها نفقتها.
وقيل: لا يلزمه إلا نفقة أمه.
ابن يونس: وهو أشبه بظاهر الكتاب، إذ ليس عليه أن ينفق إلا على امرأة واحدة، وقال اللخمي: إنما ينفق على أمه فقط، إلا أن تكون أمه قد أسنت، والأخرى شابة.
وفي الأبنية فعليه أن ينفق عليهما جميعاً، ونقل ابن عيشون عن ابن نافع أنه ينفق على أربع زوجات الأب.
فرع:
ولا يلزم الولد أن ينفق على زوج أمه الفقير.
وقال في الكافي: على الابن أن ينفق عليه.
وفي الإرشاد أنه يجب على الابن أن ينفق على زوج الأم إن أعسر، إلا إن تزوجته فقيراً.
فإن كانت له دار لا فضل في ثمنها لم تعتبر كما يأخذ من الزكاة
تصوره ظاهر، واختلف إذا كانت للابن دار يسكنها، وليس للأب مال، فقال ابن القاسم: لا تباع دار الابن لأجل نفقة الأب.
وقيل: بل تباع.
وعلى هذا فيبيع دار الأب لينفق منها على نفسه أولى.
وشرط نفقة الولد والأبوين- اليسار
يعني: كما يشترط في طالب النفقة الفقر فكذلك يشترط في معطيها اليسار.
الباجي: وتلزم نفقة الأبوين المعسرين، وإن قويا على العمل.
وقال اللخمي: إن كان للأب صنعة تقوم به وبزوجته أجبر على عملها، وإن كانت تكفيه لبعض حاجته تمم الابن الباقي.
فرع:
إذا طلب الأب من الابن النفقة وادعى الفقر وأنكر الابن فقر أبيه، وادعى أنه عديم، فقال ابن العطار وابن أبي زمنين: الابن محمول على الملاء حتى يثبت خلافه، وعليه أن يثبت العدم.
وقال ابن الفخار: بل على الأب إثبات ملاء ابنه.
قال: وإن كان للأب ولد آخر وجب على الابن المدعي العدم إثبات عدمه، لأن أخاه يطالب بالنفقة معه.
ابن العطار: وأما الوالد في نفقة الولد إن لم يثبت أنه ملك شيئاً، فالقول قوله مع يمينه، ومن ادعى أن له ملكاً فعليه البينة.
وتسقط عن الموسر بمضي الزمان بخلاف الزوجة
يعني: لو كان الأب عديماًن والولد موسراً أو العكس، فتحميل الموسر في النفقة زماناً لم يكن له الرجوع بما تحيل على من تجب عليه نفقته لأنها مواساة تدفع لسد خلة المحتاج في وقتها، وإذا انسدت تلك الخلة بوجه سقط الوجوب، بخلاف نفقة الزوجة فإنها واجبة بمعنى المعارضة، ألا ترى أنها تجب لها ولو كانت غنية.
إلا أن يفرضها الحاكم أو ينفق غير متبرع
إلا أن يفرضها الحاكم فيرجع ولو مضى زمانها، وكذلك أيضاً إذا أنفق غير متبرع، فإنه يرجع بما أنفق على الابن.
ولا رجوع بنفقة الآباء والأبناء إذا أيسروا بعد
لأنهم لو أخذوا في الفقر بوصف الاستحقاق فكان ذلك بمنزلة ما لو أخذ الفقير من الزكاة، ثم طرأ غناؤه، ولأنه لو كان له الرجوع لكان المدفوع أولاً سلفاً، والفرض خلافه.
ولا تجب نفقة جد ولا جدة ولا ولد الولد
هذا هو المذهب.
فرع:
اللخمي: ولو كان للابن صنعة فيها فضل عن نفقة لزمته نفقة أبويه، فإن كان له زوجة، فللأب ما فضل عن نفقته ونفقتها، واختلف إذا كان له ولد، فقيل: يقسم الفاضل بينهما، وقال ابن خويز منداذ: يبدأ بالابن.
وتجب نفقة ملك اليمين، وإلا بيع عليه
تصوره ظاهر.
فرع:
إذا تبين ضرره بعبده في توجيعه وتكلفه من العمل ما لا يطيق وتكرر ذلك منه بيع عليه.
وسئل ابن حارث عن مملوكة اشتكت إضرار سيدها بها وضربها، فقال: ليس الضرب- وإن صح- بالذي يدل على الضرر، إذ للمالك أن يؤدب مملوكه، وهو مصدق إلا أن يظهر تعديه فيباع، ولا يكلف مملوكه إثبات الضرب إلا أن يكون السيد مشهوراً بالشر والتعدي ويعرف بذلك، وثبت ذلك عليه مع أثر الضرب.
ابن زرب: وروي [430/ب] عن مالك في المملوكة تطلب أن تباع: ينظر في أمرها، فإن كان ما هي فيه ضرر بيعت، وإلا فلا، قال: وكان بعض شيوخ بلدنا يفتون بأن تكرير الشكية منها يوجب بيعها، غير أن هذا إنما يكون في المجهول الحال، وأما إن كان السيد من أهل الخير فلا يجوز بيعها إلا بثبوت الضرر.
وكذلك الدواب إن لم يكن مرعى
أي: إن لم يكن مرعى فتعلق أو تباع، كذلك أيضاً إن كان المرعى لا يكفيها، ولا يكلف الدواب أيضاً فوق طاقتها.
ولا يجوز من لبنها إلا ما لا يضر بنتاجها
تصوره ظاهر.
البيوع
أتى بجمع الكثرة لتعدد الأنواع.
وحد المازري البيع بأنه: نقل الملك بعوض.
وهذا يشمل الصحيح والفاسد، بناء على أن الفاسد ينقل الملك، قال: وإن قلنا أنه لا ينقل لم يشمله، لكن العرب قد تكون التسمية عندهم صحيحة، لاعتقادهم أن الملك قد انتقل على حكمهم في الجاهلية وإن كان لم ينتقل على حكم الإسلام.
خليل: وإن أردت إخراجه بوجه صحيح لاشك فيه فتزيد بوجه جائز.
ابن راشد: ويرد عليه أسئلة.
الأول: أن البيع علة في نقل الملك، فنقول: انتقل الملك لمشتري الدار لأنه ابتاعها، والعلة مغايرة للمعلول فلا يمكن حد البيع بالنقل.
ثانيها: أن النقل حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني، والمجاز لا يستعمل في الحدود.
ثالثها: أن الملك مجهول، لأنا إن قلنا: هو التصرف انتفض لتصرف الوصي والوكيل، لأنهما غير مالكين وهما يتصرفان.
وقد يوجد الملك ولا تصرف في المحجور عليه، وقد يوجدان معاً في ملك الرشيد.
وإذا كانت حقيقة الملك مجهولة، فيكون عرف البيع بما هو أخفى منه.
والأقرب ما قاله ابن عبد السلام: أن حقيقة البيع معروفة لكل أحد لا تحتاج إلى حد.
وهذا الباب مما ينبغي أن يهتم به، لعموم البلوى.
وقول بعض الناس: يكفي ربع العبادات ليس بشيء، إذ لا يخلو مكلف غالباً من بيع وشراء فيجب أن يعرف حكم الله في ذلك قبل التلبس به.
للبيع أركان: الأول: ما يدل على الرضا من قول أو فعل فتكفي المعاطاة.
ويعني، فيقول: بعتك
اللام للاختصاص.
والركن: جزء الشيء وهو داخل في الماهية، وذكر للبيع ثلاثة أركان: ما يدل على الرضا، والعاقد- والمراد به البائع والمشتري- والمعقود عليه.
وسيأتي كل
واحد منهما.
وعلى هذا فقوله: (للبيع أركان) فيه حذف مضاف، أي: ثلاثة أركان.
أو على حذف الصفة، أي: أركان ثلاثة.
وإنما كان المتعاقدان من أركان البيع، لتوقف البيع عليهما.
وقوله: (الأول) أي: الركن الأول ما يدل على الرضى من قول، كقولك: بعت، وقول المشتري: قبلت.
أو فعل كالمعطاة.
وقول الشافعية: لا دلالة للأفعال بالوضع فلا ينعقد بها البيع ليس بظاهر، لأنه لا يلزم من نفي الدلالة الوضعية نفي مطلق الدلالة، لبقاء الدلالة العرفية على الرضا وهو المقصود، إذ المقصود من التجارة إنما هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منهما، لقوله تعالى ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] وقدم هذا الركن، لأنه الموجود أولاً طبعاً فوجب تقديمه وضعاً، وتاليها السلعة.
وقوله: (بعني) فيقول: بعتك، معطوف على المعاطاة، أي: ويكفي قول بعني من المشتري، فيقول البائع: بعتك بعد قوله بعني بقوله، لأنه دال على الرضا.
وفيها: لو وقفها للبيع، فقال: بكم؟ فقال: بمائة، فقال: أخذتها، فقال: لا أرضى، يحلف ما أراد البيع ....
ذكر هذه المسألة إثر الأولى لما بينهما من الارتباط، كما فعل ابن القاسم فيها.
قال فيها: فإن قلت لرج: بعني سلعتك بعشرة، فقال: قد فعلت لا أرضى.
فقال: قال مالك فيمن وقف سلة للسوم، فقال: بكم هي؟ فقال: بعشرة، فقلت قد رضيت، فقال: لا أرضى أنه يحلف ما أراد البيع، وإن لم يحلف لزمه.
قال ابن القاسم: فكذلك مسألتك.
وذكر صاحب البيان في هذه المسالة ثلاثة أقوال:
الأول: نفي اللزوم للمدونة إذا حلف.
الثاني لمالك في العتبية: اللزوم.
الثالث للأبهري: أنه إن كان ذلك قيمة السلعة وكانت تباع بمثله، لزم البيع وإلا حلف ما أراد البيع ولم يلزمه.
قال: وهذا الاختلاف إنما هو في السلعة الموقوفة للبيع، وأما إن لقي رجلٌ رجلاً في غير السوق، فقال له: بكم عبدك هذا، أو ثوبك هذا لشي لم يقفه؟ فقال: بكذا.
فقال:
أخذته به، فقال: لا أرضى إنما كنت لاعباً وشبه ذلك، فإنه يحلف على ذلك ولا يلزمه البيع باتفاق، إلا أن يتبين صدق قوله فلا يمين عليه باتفاق.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن الخلاف في ذلك إن لم تكن السلعة موقوفة للبيع.
خليل: وعلى هذا فيتحصل في المسالة أربعة أقوال: الثلاثة الأقوال المتقدمة، والرابع: الفرق بين أن تكون موقوفة للبيع أو لا.
قال في البيان: ومثل هذا المثال في الخلاف لو قال السائم: أنا آخذه بكذا، فقال البائع: قد بعتك، فقال السائم: لا آخذه بذلك.
ابن أبي زمنين: إذا قال البائع: قد بعتك بكذا أو أعطتيك بكذا، فرضي المشتري وأبى البائع، وقال: لم أرد البيع، لم ينفعه ولزمه [431/ا] البيع.
وكذلك إذا قال المشتري: قد ابتعت منك بكذا فرضي البائع، لم يكن للمشتري أن يرجع.
ولو قال البائع: أنا أعطيكها بكذا أو أبيعها بكذا فرضي المشتري، وقال البائع: لم أرد البيع فذلك له ويحلف.
وكذلك لو قال المشتري: أنا أشتريها منك أو آخذها، فرضي البائع ورجع المشتري كان ذلك له ويحلف.
قال: فافهم هذه الوجوه، فهي كلها مذهب ابن القاسم وطريقة فتياه.
وحاصله: التفرقة بين أن تكون الصيغة بلفظ الماضي فيلزم، أو بالمضارع فيحلف.
وإتيان المصنف- رحمه الله- بمسألة المساومة بعد، يعني: يحتمل الاستدلال ويكون المصنف رأي التساوي بينهما كما رآه ابن القاسم.
ويحتمل أن يكون ذكره تنبيهاً على ضعف قياس ابن القاسم كما أشار إليه بعضهم، لأن دلالة اللفظ في الأولى على الرضا أقوى منه في الثانية، لأنه طلب بلفظ صريح في الطلب، وقد أمضى له البائع ذلك بقوله: قد فعلت، فكلامه الثاني لا أرضى يعد ندماً فلا يقبل منه.
وأما الثانية: فيتحمل أنه أوقفها ليعلم ما تساوي ولا يبيعها، أو ليعلم ما تساوي ثم يبيعها لآخر طلبها منه.
وقول السائل: (بكَمْ) هو يحتمل أن يريد: بكم اشتريتها أو بكم تبيعها، فإذا قال له السائل: قد رضتيها، فلابد من جواب البائع، لكن لما كان كلامه الأول محتملاً حلفه مالكٌ لرفع الاحتمال، ولعل مالكاً لو سئل عن الأولى ما قبل فيها من المشتري يميناً.
ولهذا الذي أشرنا إليه من أن اللزوم في بعني أقوى، ذكر صاحب البيان بعد أن ذكر الخلاف المتقدم في قوله: بكم، أنه اختلف إذا قال المشتري: بعني بكذا، فلما أراد البائع أن يلزمه ذلك أبى، أو قال البائع: خذها بكذا، فلما أراد المشتري أن يأخذها أبي، فقيل: إن ذلك كالمساومة، يدخل في ذلك الاختلاف المذكور، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، لأنه ساوى بينهما.
وقيل: إن قول المشتري بعني، بمنزلة قوله: اشتريت.
وأشتريها بكذا، بمنزلة قوله: قد بعت، يلزم ذلك كل واحد منهما إذا أجابه صاحبه بالقبول، وإلا مضى في المجلس قبل التفرق في بابه.
والله أعلم.
ابن راشد: فرع: إذا تراخى القبول عن الإيجاب، فهل يفسد البيع أم لا؟ أشار ابن العربي في قبسه إلى الخلاف في ذلك، ثم قال: والمختار جواز تأخيره ما تأخر.
وفي شرح الجلاب المنسوب بإفريقية للشار مساحي ما يدل على اعتبار القرب، قال فيه: وإذا نادى السمسار على السلعة فأعطى فيها تاجر ثمناً لم يرض به البائع، ثم لم يزده أحد على ذلك، فإنها تلزمه بذلك الثمن إلا أن تطول غيبته.
وفي المقدمات: الذي يأتي على المذهب أن من أوجب البيع لصاحبه من المتبايعين إن أجابه صاحبه بالقبول في المجلس، لم يكن له أن يرجع.
ومقتضى ذلك: أنه إن لم يجب في المجلس أنه لا يلزمه.
والظاهر ما قاله ابن العربي، بدليل أن المحجور عليه إذا باع من ماله أن لوليه الإجازة، وإن طال الأمر ولم يحصل غير الإيجاب من المحجور مع قبول المبتاع،
وإيجاب المحجور كالعدم.
وكذلك بيع الفضولي، يقف القبول على ربه على المشهور، وإن طال.
ويمكن أن يقال: حصل الإيجاب والقبول، ونظر الوصي والمالك أمر جرت إليه الأحكام.
انتهى كلام ابن راشد.
الثاني: العاقد، وشرطه: التمييز.
وقيل: إلا السكران
أي: الركن الثاني: العقاد، ويعني به: البائع والمشتري.
وشرطه التمييز، أي: شرط صحة بيع العاقد وشرائه أن يكون مميزاً، فلا ينعقد بيع غير المميز ولا شراؤه لصغر، أو جنون، أو إغماء، أو سكر.
ولا إشكال في الصبي، والمجنون، والمغمى عليه.
وأما السكران، فهو مقتضى ما ذكره ابن شعبان وغيره، فإنه قال: ومن الغرر بيع السكران وابتياعه إذا كان سكره متيقناً، ويحلف بالله مع ذلك مع عقل حين فعل، ثم لا يجوز ذلك عليه.
وظاهره أنه لا ينعقد، لأنه جعله من الغرر، والذي ذكره صاحب البيان، وصاحب الإكمال: أن مذهب مالك وعامة أصحابه: أنه لا تلزمه عقوده، حتى تأول ابن رشد قول مالك في التعبية في نكاحه: لا أراه جائزاً، على أن معناه: لا أراه لازماً لا أنه فاسد.
وقال في موضع آخر: لا يقال في بيع السكران بيع فاسد، وأن مذهب مالك: أنه غير منعقد، وإنما يقال: أنه غير لازم.
وإنما لم يصح بيع السكران أو يلزمه، لأنا لو فتحنا هذا الباب مع شدة حرص الناس على أخذ ما بيده وكثرة وقوع البيع، لأدى إلى أن لا يبقى له شيء، بخلاف طلاقه وقتله وغير ذلك مما يتعلق به الحق لغيره، فإنا لو لم نعتبره لتساكر الناس ليتلفوا أموال الناس وأرواحهم.
والشاذ لابن نافع: يلزم بيعه كطلاقه.
قال في الجواهر: والجمهور على خلافه.
وإليه أشار بقوله: (وقيل: إلا السكران) أي: وقيل يشترط التمييز، إلا أن يكون العاقد سكراناً فلا يشترط فيه التمييز.
وجعل المصنف الخلاف في السكران الذي لا يميز، وكذلك ذرك ابن شعبان والقاضي عياض، وعليه فلا خلاف في لزوم البيع لغير الطافح، وطريقة ابن رشد بالعكس.
وقد تقدم في الطلاق.
[431/ب].
والتكليف شرط اللزوم
يعني: شرط لزوم البيع أن يصدر من مكلف، وأما لو صدر من صبي فلوليه إمضاؤه ورده، ولا يلزم كل مكلف، إذ قد يقوم به مانع كالسفه وغيره ممن حجر عليه، هذا هو الظاهر هنا.
وقال ابن راشد: عبر بالتكليف عن الرشد والطوع، لأن السفيه لا يلزمه بل لوليه أن يفسخه، وكذلك من أجبر على البيع لا يلزمه البيع، أعني: إذا أجبر جبراً حراماً.
ابن سحنون: وأجمع أصحابنا على أن بيع المكره غير لازم، واحترزنا بقولنا: جبراً حراماً عن المجبر جبراً شرعياً، كجبر القاضي المديان على البيع للغرماء، وجبر العمال على بيع أموالهم، فإنه جائز ويلزمه البيع، سواء كان السلطان يرد المال على من كان أخذه منه أو يأخذه لنفسه، كالمضغوط في دين لزمه، لأن إغرام الوالي العمال ما أخذوه من الناس حقٌ فعله الوالي وعليه أن يرده إلى أهله، فإذا حبسه فهو ظالم في حبسه، نقله ابن حبيب عن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
خليل: وما ذكره من أن المكره غير مكلف صحيح، لأن أهل الأصول نصوا على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف.
وأما السفيه فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس مكلفاً بالبيع، فإن قيل: لو كان مكلفاً به لزمه البيع، قيل: يحتمل.
ولو قلنا: إنه مكلف بالبيع أن لا نقول بإمضائه للحجر عليه فتأمله.
ولا إشكال في عدم لزوم البيع لمن أجبر جبراً حراماً، فقد نص ابن القاسم على أن الذي يضغط في الخراج فيبيع متاعه، أنه يرد متاعه عليه بلا ثمن إذا كان بيعه إياه على عذاب، أو ما أشبه ذلك من الشدة، قال: لأن أخذ الثمن على ذلك ليس بأخذ.
ابن راشد: وسئل اللخمي عن شاب مراهق أو بالغ نسب إليه أنه جنى جناية فسجنه السلطان وهو يتيم كفله بعض أقاربه، فكفله السلطان أن يغرم مالاً ويخرجه من السجن، فلم يقدر اليتيم على الخلاص من هذا المال بوجه، فباع شيئاً من رباعه بعد خروجه من السجن ليؤدي من ثمنه ذلك المال، وكان هذا الفعل على وجه النظر له، لأنه يبقى عليه لو لم يجب إلى غرم بعض ذلك المال أن ينفيه من البلد، أو يأخذ بعض رباعه فيه، أو يأخذه كلها، أو لا يخرجه من البلد وإنما يسجنه بالضرب والعذاب.
فقال: إذا كان الأمر على ما وصفت فبيع ماض، ويغلب على ظني أني رأيت للسيوري نحو ذلك، وقال: المشتري من المضغوط مأجور، لأنه يخلصه من العذاب.
ابن رشد: والمذهب على خلاف ذلك، فقد تقدم قول ابن القاسم في ذلك.
وقال مطرف: سمعت مالكاً يقول: في أهل الذمة يضغطون فيما يعتدى عليهم في جزيتهم حتى يلجئوا إلى بيع متاعهم في ذلك لا يجوز عليهم، وهم أولى بما باعوه أن يأخذوه بلا ثمن ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم.
مطرف: وكذلك في بيع المسلم المضغوط، لأنه أعظم حرمة ولأنه بيع إكراه، والمكره لا يلزمه بيع ما أكره عليه.
ابن حبيب: وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقالا: هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
مطرف: وسواء دفع المبتاع الثمن للمضغوط ودفعه المضغوط إلى الظالم الذي يضغطه وقبضه الظالم من المبتاع، فللبائع أخذ متاعه إذا ظفر به بيد مبتاعه منه، أو بيد من ابتاعه منه، ويرجع به على من ابتاعه منه ويرجع هو على الظالم.
قال: ولو قبضه منه وكيل الظالم فللمبتاع أن يرجع على الوكيل إن شاء، أو على الظالم إذا ثبت أنه أدى المال إليه، أو ثبت أنه أوصى الوكيل بقبضه، وكلاهما ضامن ما خرج به، ولو وجد المضغوط متاعه قد فات،
فله الرجوع بقيمته أو بثمنه الذي بيع به إن كان الثمن أكثر، إن شاء على الوكيل، وإن شاء على الموكل.
وقال ابن عبد الحكم، وأصبغ مثل ذلك.
مطرف: ولا قول للوكيل إن قال: كنت مكروهاً على القبض وخفت منه على نفسي إن لم أفعل، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
ولو باع متاعه في مظلمة ثم لا يدري هل وصل ذلك الثمن إلى الظالم أم لا؟ نظر، فإن كان ظلمه له وعداه عليه وقهره له معلوماً حين باع متاعه، فيحمل على أن الثمن وصل للظالم حتى يتحقق أن المضغوط صرفه في مصالحه، فلا يصل حينئذ إلى أخذ متاعه إلا بدفع الثمن، وسواء علم المبتاع بأن ما اشتراه للمضغوط أو لم يعلم.
قيل لمطرف: إنهم يخرجون عندنا بغير كبل فيطوفون لبيع متاعهم، فإذا أمسوا ردوا إلى السجن، وقد وكل بهم حراس أو أخذ عليهم حميل والمشتري لا يعلم ذلك أو يعلم، ومنهم من هو في كبل أو عذاب، ومنهم هارب قد أخذ متاعه فباع أو قد أمر بعض أهله ببيعه.
قال: كل ذلك سواء وهو إكراه، لأنه أسير مغلوب فلا يبالي بعلم المبتاع أو جهله إلا أن من علم مأثوم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، قالوا: وسواء كان عنده عين فتركها وباع خشية أن يزاد عليه أو لم تكن.
مطرف: ومن كان عالماً بحال المضغوط فاشترى شيئاً من متاعه فهو ضامن كالغاصب، وأما من لم يعلم فيشتري في السوق فلا يضمن الدور والحيوان ويضمن ما انتفع به بأكل أو لبس والغلة له، وأما العالم فلا غلة فيه وهو لها ضامن.
قال: وكل ما أحدث [432/أ] المبتاع فيه من عتق أو تدبير فلا يلزم المضغوط، وله أخذ رقيقه من المبتاع سواء علم بحاله أو لم يعلم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
ولو أعطى المضغوط حميلاً فتغيب فأخذ المال من الحميل لم يرجع الحميل عليه بشيء، ولو
أخذ ما أضغط به من رجل سلفاً، فقال أصبغ: يرجع عليه بما أسلفه، لأن السلف معروف.
قال فضل بن سلمة: وعلى أصلها فيرجع الحميل، لأن الحمالة معروف.
ولو باع ولد والمضغوط أو زوجته متاع نفسه برسم فدائه فالبيع لازم، لأن هؤلاء الناس لم يضغطوا، ولو لم يبيعوا متاعهم لم يطلبوا، قاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ.
حكى جميع ذلك ابن أبي زيد في نوادره ما عدا ما ذكرناه عن اللخمي والسيوري.
انتهى كلام ابن راشد.
والإسلام: شرط المصحف والمسلم، وفيها: يصح، ويجبر على بيعه
في هذا الكلام حذف مضافين، أي: شرط جواز شراء المصحف والمسلم، وهذا متفق عليه، فليس الذي في المدونة خلافاً.
ويحتمل أن يكون التقدير: شرط صحة شراء المصحف والمسلم، ويدل عليه مقابلته له بما في المدونة.
ويكون المصنف قدم الأول، إما لأنه قول سحنون وأكثر أصحاب مالك، وإما لأصحيته بحسب الدليل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141] وهو في معنى النهي، والمذهب أن النهي يدل على الفساد.
والاحتمال الثاني أقرب إلى لفظه، ويرجح الأول: بأن الغالب أن المصنف لا يرجح غير في المدونة.
وصرح المازري: بمشهورية ما في المدونة، لأن الفساد يندفع ببيعه، والشاذ لمالك في الواضحة، قال: ويعاقبان، وينبغي أيضاً على مذهب المدونة أن يعاقب.
اللخمي: وأصل سحنون في كل بيع حرام أن البيع غير منعقد، وهو بعد القبض على ملك البائع.
ووقع لمالك في مختصر ما ليس في المختصر مثل ما تقدم له في الواضحة، أنه يفسخ ولو باعه لمسلم وتداولته الأيدي ويترادون الأثمان، فإن هلك عند النصراني ولم يبعه كانت عليه القيمة.
اللخمي: ومحمل قوله في رد البياعات أن ذلك عقوبة لئلا يعود لمثل ذلك، ولو كان البيع عنده لا ينعقد كما قال سحنون لم يضمن قيمته.
ورده ابن عبد السلام بأنه لا مانع من عدم انعقاده مع تعلق الضمان بمشتريه إذا قبضه، لأنه قبضه لحق نفسه قبضاً غير شرعي.
وقيد ابن رشد الخلاف بأن يكون البائع عالماً بأن المشتري نصراني، قال: ولو باعه من نصراني وهو يظنه مسلماً لبيع عليه ولم ينفسخ اتفاقاً.
وعورض مذهب المدونة هنا بما في كتاب المديان فيمن له دين على رجل فباعه من عدوه المديان أنه يفسخ، ولم يقل: يباع على مشتريه.
والجامع انتقال الملك إلى العدو في المحلين.
وأجيب: بأن الدين يتعذر بيعه غالباً بخلاف المسلم والمصحف، ويلحق بالمسلم والمصحف بيع آلة الحرب للحربي، وبيع الدار لمن يتخذها كنيسة، والخشبة لمن يجعلها صليباً، ونحو ذلك.
والإسلام شرط مختص بالمشتري اتفاقاً دون البائع.
وله العتق والصدقة والهبة
وإذا قلنا بمذهب المدونة: أو أسلم العبد، فالغرض خروجه عن ملكه، فله أن يعتقه ويتصدق به ويهبه.
وظاهره ولو كانت الهبة لمن يعتصر منه، كما لو وهبت النصرانية المسلم لولدها الصغير من زوج مسلم، وهو قول ابن الكاتب، وأبي بكر بن عبد الرحمن خلافاً لابن شاس.
المازري: بناء على أن من ملك أن يملك، هل يعد مالكاً أم لا، واختار ابن يونس الجواز، واحتج المانع بما في المدونة فيمن ملك أختين فوطئ إحداهما لا يحل له وطء الأخرى حتى يحرم الأولى، ولا تكفيه هبتها لولده الصغير، لقدرته على الاعتصار.
وأجاب ابن يونس: بأن مالك الأختين مسلم فجاز له الاعصتار، بخلاف النصرانية لا يجوز لها أن تعتصر العبد المسلم، كما لا يجوز لها أن تشتريه.
قال: فإن وقع الاعتصار منها بيع عليها.
ويجب على قول غير ابن القاسم أن ينقض اعتصارها.
فرع: لو وهب النصراني العبد المسلم للثواب فلم يثبه فله أخذه ليباع عليه، فإن وهب مسلم أو نصراني عبداً مسلماً لنصراني أو تصدق به عليه، جاز ذلك وبيع عليه والثمن له.
بخلاف الرهن ويأتي برهن ثقة، وقيل: بل يعجل
أي: أن البعد المشتري على مذهب المدونة، وكذلك العبد إذا أسلم ليس للسيد الكافر رهنه لكونه باقياً على ملكه، وحذف المعطوف عليه، أي: فيباع العبد ويأتي برهن ثقة.
وحذف الشرط، أي: إن أراد الكافر أخذ الثمن، وإلا فلو عجله في الدين لكان له ذلك، وهذا هو مذهب المدونة.
وقيده بعض القرويين بما إذا انعقد البيع على رهن مطلق، وأما إن رهنه هذا العبد بعينه ليبيع عليه وحل حقه ولم يكن له أن يأتي فرهن آخر.
ابن يونس: وعاب عض أصحابنا هذا القول وهو جيد.
وقيل: بلي يعجل الثمن للمرتهن، وإن أتى الراهن برهن ثقة.
ونسبه اللخمي، وابن شاس، وابن راشد لسحنون.
وحكى ابن يونس عن سحنون أن ثمن العبد يبقى تحت يد المرتهن ولا يعجل له ولا يلزمه قبول رهن آخر، لأنه قد تحول أسواقه عند الأجل.
[432/ب] وعورض قول ابن القاسم هنا: أنه لا يلزمه تعجيل الثمن، بقوله فيمن أعتق العبد الرهن أنه يعجل الثمن، وإنما يأتي على قول عبد الملك: إن له أن يأتي برهن آخر.
وأجاب ابن محرز بأن المرتهن كان عالماً بإسلام العبد فرهنه على ذلك فكان النصراني متعدياً في رهنه لحق العبد دون حق المرتهن، فلذلك كان له أن يأتي برهن آخر، بخلاف الراهن يعتق الرهن فإنه تعدى على المرتهن.
خليل: ولو قيل: إذا ارتهنه منه مسلم وهو عالم بإسلام العبد بطل الرهن لكان له وجه، لأنه دخل على رهن لا يجوز.
وجعل اللخمي محل الخلاف إذا كان الإسلام قبل الرهن، وأما إن أسلم بعد الرهن لم يعجل ثمنه إذا أتى برهن مكانه.
وفي رده عليه بعيب أو الأرش قولان لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه فسخ أو ابتداء ....
أي: وفي رد العبد المسلم على الكافر بسبب عيب كان في ملكه أو تعيين الأرش قولان.
والمبنى الذي ذكره ظاهر، فإن قلنا أنه فسخ جاز رده وهو قول ابن القاسم، والقول الآخر لأشهب وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب.
ولو كان الخيار لبائع مسلم ففي منع إمضائه قولان لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه ابتداء أو تقرير ....
أي: لو باع مسلم عبداً كافراً لكافر على أن الخيار للبائع، ثم أسلم العبد في مدة الخيار فهل يمنع المسلم من إمضاء البيع أو لا؟ قولان، منشأهما هل بيع الخيار منحل فيمنع، لأنه كابتداء بيع، أو منبرم فيجوز؟ والظاهر: المنع، لأن المعروف من المذهب انحلاله، والظاهر المنع إن قلنا أنه منبرم، إذا لا فرف بين ما بيد المسلم ورفع تقريره، وبين ابتداء بيعه بجامع تملك الكافر للمسلم في الوجهين.
وظاهره: أن القولين منصوصا، وإنما ذكرهما المازري تخريجاً على الخلاف في بيع الخيار.
وقوله: (لبائع) منون، و (مسلم) صفة له، ولا يجوز أن يقرأ بائع مسلم بالإضافة، لأنه يقتضي أن العبد مسلم ويبقى البائع أعم، وليس كذلك.
وتقييده الخيار بالبائع يقتضي أن الحكم بخلاف ذلك إذا كان الخيار للمشتري، كما لو باع النصراني عبداً للنصراني على أن الخيار للمشتري فأسلم العبد، فإن كان المشتري نصراني استعجل استعلام ما عنده من رد أو إمضاء ولم يمهل إلى تمام مدة الخيار، لئلا يدوم ملك الكافر للمسلم.
وإن كان المشتري مسلماً.
المازري: فظاهر المدونة أن المشتري يمهل إلى انقضاء أيام الخيار، لتعلق حقه بالتأخير وهو مسلم، ولا يبطله حق مسلم آخر، وهو العبد الذي أسلم.
انتهى.
أي: فإن رده بيع على ربه.
وفي ابن يونس عن بعض أصحابنا: إن كان المتبايعان كافرين والخيار إلى أجل تعجل، إذ لابد من بيع فلا فائدة في تركه إلى الأجل، وإن كان أحدهما مسلماً لم يعجل الخيار، إذ قد يصير للمسلم منهما.
فرع: إذا أسلم العبد وسيده غائب وهو كافر، فإن كان بعيد الغيبة باعه السلطان، وإن كان قريب الغيبة كتب إليه، لئلا يكون قد أسلم قبله، قاله في المدونة.
فرع: قال المازري: وإذا أسلم عبد النصراني وجب بيعه عليه من مسلم ولا يؤخر إلا بحسب الإمكان.
وهل يجوز له أن يبيعه على الخيار له؟ فيه نظر، لأن المبيع على الخيار على ملك البائع وخراجه له، أو يقال: قد يحتاج إلى إثبات الخيار للاستقصاء في الثمن، والعدول عن ذلك تضييق على الذمي، ولا يدفع ضرر بإثبات ضرر.
وفيها: الصغير كالمسلم، وقيل: لا
ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الصغير الكافر لا يباع إلا من مسلم، وأنه إن بيع من كافر أجبر على بيعه، هذا هو حقيقة التشبيه والذي في المدونة.
قال ابن نافع عن مالك في المجوس: إذا مُلِكوا أجبروا على الإسلام، ويمنع النصارى من شرائهم ومن شراء صغار الكتابيين، ولا يمنعون من كبار الكتابيين، فلم يتعرض إلا للمنع ابتداء، وأما إذا وقع فهل يجبر على بيعه؟ لم يتعرض له، ولهذا قال في الجوهر: لما نقل عن المدونة منع البيع قال في العتبية: فإن بيع منه فسخ البيع.
قال الإمام: ويتخرج فيه على القول الآخر أنه يباع.
فجعل فسخ البيع وصحته والجبر على البيع مفرعاً على ما في المدونة.
قال في تهذيب الطالب: قال مالك: وإذا بيع من النصارى من يجبر على الإسلام بيع عليهم ما اشتروا، إلا أن يتدينوا بدينهم فيتركون، عبد الحق: يعني مثل المجوس.
وتأول صاحب التنبيهات ما في المدونة من بيع الصغار الذين لا آباء لهم، لأنهم إذا لم يكن لهم آباء فهم على دين من اشتراهم، فإذا اشتراهم مسلم لم ينبغ له أن يبيعهم من كافر، سواء وافق الصغير المشترى في الدين أو خالفه.
قال: وعلى هذا تأول المسألة بعض مشايخنا، وتأولها بعضهم على الصغار الذين ليسوا على دين مشتريهم، كصغار اليهود مع النصارى أو العكس، للعداوة التي بينهم، قال: وهو بعيد لتفريقه بين الصغار والكبار.
وقوله: (وقيل: لا).
هو قول ابن المواز، قال: لأنا لسنا على يقين من قبوله الإسلام.
وقوله في المدونة: ولا يمنعون من كبارهم، قال في الجواهر: بشرط أن يسكن به في أرض الإسلام، وأما إن كان يخرج به منع، لما يخشى [433/أ] من إطلاعه أهل الكفر على عورة المسلمين.
وفي اليهودي مع النصراني قولان
أي: وفي حكم اليهودي مع النصراني يباع أحدهما من الآخر قولان:
أحدهما: أن ذلك جائز، لأن المالك يشفق على ملكه وليس فيه حق لله تعالى، وإن أداه أمكن تدارك حقه بالمنع أو البيع.
والثاني: عدم الجواز لما بينهما من العداوة.
والأول حكاه سحنون عن بعض أصحاب مالك، وهو ظاهر قول مالك من رواية ابن نافع عنه في المدونة، وقد تقدمت.
ونسبه اللخمي، والمازري، وابن شاس لابن المواز.
والثاني لابن وهب، وسحنون.
اللخمي: وهو أحسن، للعداوة التي بينهم.
وفي الكتابي يشتري غيره، ثالثها: يمنع في الصغير، وخرجت على إجبارهم
يعني: أنه اختلف في جواز بيع المجوسي وغيره ممن لا كتاب لهم من كتاب على ثلاثة أقوال، وهكذا حكى المازري الثلاثة، الجواز مطلقاً: قال: وهو ظاهر المدونة، قال: وفيها ما علمته حراماً وغيره أحسن.
قال: وأطلق الجواب في الصغير والكبير.
والمنع مطلقاً: وعزاه لابن عبد الحكم.
والثالث: الفرق، الجواز في الكبار والمنع في الصغار، وعزاه للعتبية.
وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بالمجوسي المسبي الذي لا بصيرة له في دينه، وأما الذي ثبت على دينه بين ظهراني المسلمين، فلا خلاف أنه لا يجبر على الإسلام.
وقوله: (وَخرجت) هذا التخريج للمازري، وهو تخريج توجيه، لأن الثلاثة منصوصة على ما تقدم، أي: فعلى القول بإجبارهم مطلقاً يمنع من بيعهم للكفار مطلقاً، وتصوره واضح.
وذكر صاحب البيان في باب الجنائز أنه لا خلاف في جبر الصغير من المجوس، وقد قدمنا كلامه في باب الجنائز، وهو يخالف ما ذكره المازري والمصنف من حكايتهما الخلاف مطلقاً، ويمكن أن يحمل كلام المازري على ما إذا كان مع الصغير أبوه، وكلام ابن رشد على ما إذا لم يكن فيتفق الكلامان.
وفسر المازري واللخمي الإجبار هنا بالتهديد والضرب لابالقتل.
المازري: لأنه لم يتدين بدين الإسلام ثم ارتد عنه.
الثالث: المعقود عليه طاهر منتفع به مقدور على تسليمه معلوم
أي: الركن الثالث: المعقود عليه، وهو الثمن والمثمون، وشرط فيه أربعة شروط واحترز بكل شرط عما يقابله، فاحترز بالطاهر من النجس، ولا يريد العموم في كل نجس بل ما نجاسته ذاتية أو كالذاتية، وأما إن كانت نجاسته عرضية فلا خلاف في عدم اعتبارها.
ثم أخذ- رحمه الله- يتكلم على الأول منها فالأول، فقال:
وفيها: منع بيع العذرة، ورد ابن القاسم منع الزبل مخرجاً
هذا ما يتعلق بقوله (طاهر).
وظاهر ما نسبة للمدونة التحريم كابن شاس.
والذي فيها: وكره مالك بيع العذرة.
قيل لابن القاسم: فما قول مالك في زبل الدواب؟ قال: لم أسمع منه فيه شيئاً إلا أنه عنده نجس، وإنما كره العذرة لأنها نجسة فكذلك الزبل أيضاً، ولا أرى أن ببيعه بأساً.
قال أشهب في زبل الدواب: والمبتاع أعذر من البائع.
فانظر كيف عبر بالكراهة في موضعين، نعم عبر أبو عمران وعياض عن مالك بـ (لا يجوز) وهو موافق للمصنف، ولعل الذي حملهم على ذلك التعليل بالنجاسة.
ونقل اللخمي عن أشهب في تمام كلامه الذي في المدونة: وأما العذرة في خير فيها.
ونقل عنه أيضاً أنه قال في الموازية: بيعها للاضطرار والعذر جائز والمشتري أعذرهما.
وقال محمد ابن عبد الحكم: وما عذر الله واحداً منهما وأمرهما في الإثم واحد، ويجوز أن يبيع العذرة، قاله ابن الماجشون.
وأجرى اللخمي قولاً لابن القاسم بجواز بيع العذرة من إجازته بيع الزبل، وأنكر ذلك عليه ابن بشير وزعم أنه تخريج في الأصول من الفروع، وهو عكس القواعد.
وما قاله اللخمي هو الظاهر، لأنه لا مانع لبيع كل منهما غير النجاسة، وإذا سلم اتحاد العلة وجب وجود الحكم معها حيث وجدت.
وما فرق به أبو عمران من أن نجاسة الزبل مختلف فيها ونجاسة العذرة متفق عليها، مبني على مراعاة الخلاف والأصل عدمه، وهذا القدر لا يوجب تخطئة الأئمة على أن هذا الفرق لا ينهض عند ابن القاسم، لأنه لو نهض عنده لما ألزم مالكاً منع بيع الزبل بالقياس على العذرة.
والزيت النجس يمنع في الأكثر، بناء على أنه لا يطهر، وفي وقوده في غير المسجد وعمله صابوناً قولان ....
قول الأكثر مبني على عدم تطهيره، وصرح المازري بمشهوريته، ومقابله رواية وقعت لمالك وبها كان يفتي ابن اللباد.
وفيه قول ثالث بجواز البيع لغير المسلم، وهو