مَنْهَا: أَلا يُقَدِّمَهُ الْغُرَمَاءُ ولا يَدْفَعُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
وقِيلَ: أَمَّا مَنْ أَمْوَالِهِمْ فَلا
لما ذكر أن للرجوع شروطاً شرع في بيانها وذكر ثلاثة شروط:
الأول: ألا يفدي الغرماء بأن يدفعوا له ثمنها من مال المفلس أو من أموالهم، فإن فعلوا ذلك فلا مقال للبائع ولا للمفلس، وهذا مذهب الموازية.
ابن الماجشون: زاد في الموازية أو يضمنون الثمن وهم ثقة أو يعطونه حميلاً، والقول بأن ذلك ليس لهم من أموالهم لابن كنانة.
ولأشهب ثالث: ليس لهم بالثمن حتى يزيدوا على الثمن زيادة يعطونها من دينهم وتكون السلعة لهم نماؤها وعليهم ثواؤها، ومذهب المدونة أن نماء السلعة للمفلس ومصيبتها منه.
وقال ابن الماجشون: الربح والنماء له والخسارة على الغرماء.
وقال ابن وهب: إن لم يرض المفلس بفدائها فنماؤها له؛ لأنها على ملكه وهلاكها منهم.
وقال ابن الماجشون: لأنه تبرأ منها للبائع في دينه، وإن رضي فيكون نماؤها له ومصيبتها منه.
فرع:
إذا تبرع إنسان بقضاء ما على غيره أجبر الطالب على أخذه إذا كان قصد الدافع التخفيف عمن عليه الدين، ولم يقصد هبة صاحب الدين.
وقال الشافعي: لا يجبر؛ لأن ذلك هبة، ولا يجبر أحد عليها، كذا اشار المازري في نقل المذهبين، فانظره.
وَلَوْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ فَلَهُ رَدُّهَا وأَخذُهَا إلى الضَّرْبِ بِالْبَاقِي
كما لو باعه داراً بألف وقبض منها خمسمائة، فإما أن يتركها أو يحاصص بالخمسمائة الباقية، وإما أن يرد الخمسمائة ويأخذ داره، فإن تعدد المبيع؛ كما لو باع عبدين بعشرين ديناراً فاقتضى من ثمنهما عشرة وباع المشتري أحدهما وبقي الآخر عنده وفلس، فأراد البائع أخذ العبد الباقي منهما، فليس له أخذه إلا أن يرد من العشرة التي اقتضاها خمسة؛
لأن العشرة الأولى كانت مقبوضة عليهما، وهذا إذا كانت قيمتها متساوية، وإلا فمن العشرة المقتضاة أولاً عليهما ورد [529/أ] حصة الباقي، وهذا هو المشهور، وتأول الباجي الموطأ عليه، وتأول أبو جعفر بن رزق الموطأ على ظاهره، وأن البائع لا يأخذ ما وجد من السلع إلا أن يرد جميع ما قبض، ونص الموطأ: وإن كان المشتري قد باع بعضه وفرقه، فصاحب المتاع أحق به من الغرماء، لا يمنعه ما فرق المبتاع منه أن يأخذ ما وجد بعينه، فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئاً فأحب أن يرده ويقبض ما وجد من متاعه ويكون فيما لم يجد أسوة الغرماء؛ فذلك له.
ونسب الغزالي لمالك أن قبض شيء من الثمن فوت يمنع البائع من الرجوع في سلعته، وأنكره المازري، وحمله على أنه فهم ذلك من دليل الخطاب في الحديث الذي رواه مالك في موطئه حيث قال فيه: «ولم يقبض البائع من ثمنه شيئاً».
فعزاه إليه، ونسب ابن عبد السلام مثل ما نسبه الغزالي للموطأ لأبي زيد.
ولَوْ أَخَذَهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبَاً حَادِثاً فَلَهُ رَدُّهَا ويُحَاصُّ، أَوْ حَبْسُهَا ولا شَيْءَ لَهُ
يعني: ولو أخذ البائع سلعته فاطلع فيها على عيب حادث عند المفلس، فالبائع مخير إن شاء ردها وحصص بمجموع ثمنها، وإن شاء تمسك بها.
وعلم أن العيب إما أن يكون سماوياً أو بسبب المشتري أو بسبب أجنبي، فالحكم في السماوي كما ذكره المصنف على المشهور، ولمالك في مختصر ابن شعبان في الأمة تتعيب: يخير البائع إن شاء أخذها بقيمتها وإلا ردها وحاصص.
المازري: قال بعض أشياخي: معنى قوله: (أخذها بقيمتها) أنه يحط من الثمن ما نقص العيب، قال: ويحتمل أن يريد أنه يأخذها بقيمتها على ما هي ويحاسب بذلك من الثمن، وخرج بعض الشيوخ قولاً بالفوات إذا اشترى عبداً فهرم عنده ثم فلس، أو صغيراً فكبر
من أحد القولين أن ذلك يمنع الرد بالعيب، وإن كان ذلك من فعل المشتري، كما لو أخلق الثوب، فلمالك في الواضحة ما ذكره المصنف.
وقال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب بلي بلاء فاحشاً فذلك فوت.
وحمل اللخمي قوله على الخلاف.
وقال اللخمي والمازري: والقياس فيما كان بسبب المشتري أن يكون كجناية أجنبي بحسب النقص، وذكر أن الحكم في جناية الأجنبي أن للبائع أخذ سلعته بمقدار ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بنسبة ذلك من الثمن، فإن كانت الجناية النصف؛ خير في أخذها بنصف الثمن، وإلا أخذ المشتري لها أرشاً، فإن عادت إلى هيئتها من غير نقص فكما ذكر المصنف، وأجراه اللخمي مجرى الغالب، وإلا حسب النقص.
فَلَو حَاصَّ لِعَدَمِهَا ثُمَّ رُدَّتْ بِعَيْبٍ؛ فَلَهُ رَدُّ مُحَاصَّتِهِ وأَخْذُهَا، وقِيلَ: حُكْمٌ مَضَى
يعني: فلو حاص الغرماء لأجل عدم سلعته؛ لأنه لم يحاصص إلا ظاناً أنه لا يجد سلعته فقرر لذلك، وهذا قول ابن القاسم في العتبية وهو المذهب، والقول الثاني ليس منصوصاً وإنما هو اختيار اللخمي، وأخذه هو والمازري من قول ابن حبيب: فيمن اشترى سلعة، ثم باعها، ثم اطلع على عيب فرجع بقيمته، ثم ردت السلعة عليه؛ أنه لا يردها على الأول، لأن رجوعه حكم وقع فلا يرد، وقد يجري على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض للبيع من أصله فتنتقض المحاصة، أو ابتداء بيع فلا تنتقض.
والله أعلم.
ومِنْهَا: انْتِقَالُ الْمُعَوِّضِ
يعني: شروط الرجوع في عين السلعة ألا يحدث ما ينقلها عن الغرض المقصود منها.
أو في بعضها؛ أي: ومنها عدم انتقال المعوض.
فَلَوْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ، أَوْ خُلِطَتْ بِمُسَوِّسٍ، أَوْ عُمِلُ الزُّبْدُ سَمْناً، أَوْ فُصِّلَ الثَّوْبُ، أَوْ ذُبِحَ الْكَبْشُ؛ فَاتَ ....
أي: فات الرجوع، وهذه مسائل وقعت في المذهب منصوصة كما ذكرها المصنف، وحكم فيها بالفوت؛ لأن الحنطة إذا طحنت والزبد إذا عمل سمناً يزول عنهما اسم الحنطة والزبد وسميا دقيقاً وسمناً ويزول عنهما الغرض المقصود، وكذلك أيضاً يزول المعنى المقصود إذا خلط الطيب بمسوس أو ذبح الكبش وليس دبغ الجلد فوت على المشهور، خلافاً لابن وهب في أحد قوليه، وعلى هذا المعنى الذي أشرنا من اعتبار الغرض المقصود نبه الإمام فيما رواه مطرف عنه لمَّا سئل عمن اشترى ثياباً فقطعها، فقال: لا أدري، لكن إن اشترى جلوداً فقطعها نعالاً أو خفافاً فذلك فوت.
فلم يقف في قطع الجلد نعالاً لما كان الغرض في الجلد خلاف الغرض في النعال، وأشكل الأمر بالنسبة إلى تفصيل الثياب.
وحكى المازري عن بعض الشيوخ: أن خلط النقي بالمغلوث، والجديد بالمسوس لا يمنع البائع من الرجوع ويقومان ويكون البائع أحق بما ليس له من القيمة، وأشار المازري إلى أنه إنبنينا على أن التفليس كنقض بيع من أصله أجزنا أخذ الشاة بعد ذبحها، والقمح بعد طحنه، والزبد بعد كونه سمناً، وإن قلنا: إنه هو ابتداء بيع، منعنا ذلك كله.
وأجري على هذا الأصل ما إذا باع رطباً ثم يبس، فقال مالك: لا يجوز أخذه.
وقال أشهب بجوازه.
وأما إذا باع عبداً فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أصبغ إلى أن بائعه ليس له طلبه، وترك المحاصة بناء على أن الأخذ من المفلس كابتداء بيع، وذهب ابن القاسم وأشهب إلى جواز طلبه، واختلف إذا لم يجده؛ فقال ابن القاسم: ليس له الرجوع إلى المحاصة لأنه تركها، وقال أشهب: له الرجوع إليها.
والمسوِّس بكسر الواو المشددة.
فَلَو لَمْ يَنْتَقِلْ لَكنِ انْضَمَّتْ إِلَيْهِ صَنْعَةٌ أَوْ عَيْنٌ أُخْرَى؛ كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وبِنَاءِ الْعَرَصَةِ شِارَك بِقَدْرِ قِيمَتِهَا مِنْ قِيمَةِ [529/ب] الْبُنْيَانِ ....
يعني: فإن لم ينتقل الغرض ولكن انضمت إلى المبيع صناعة أو عين أخرى، ونسج الغزل مثال لما انضمت إليه صنعة، وبناء العرصة مثلا لما انضمت إليه عين أخرى.
واكتفى المصنف بكيفية المشاركة في بناء العرصة عن كيفيته في النسج.
وما ذكره من كيفية المشاركة نحوه في الموطأ، فقال: إذا كانت قيمة المجموع ألفاً وخمسمائة وقيمة البنيان ألف درهم، لصاحب البقعة الثلث ولصاحب البنيان الثلثان.
مالك: وكذلك الغزل.
ونحوه لابن حبيب، وقاله أصحاب مالك كلهم.
ابن القاسم في المدونة: ولا يقوم البناء خاصة، وإنما يقوم المجموع يوم الحكم، وعورضت هذه المسألة ممن استحق أرضه بعد أن بناها المستحق منه، فإن مالكاً نص على أن للمستحق أن يعطي قيمة البناء وتكون الأرض والبناء له.
فلِمَ لا يجعل البائع هنا كذلك.
وأجاب المازري بضعف أمر المشتري في الاستحقاق؛ لأنه أخطأ في اعتقاده وبنى في أرض لا يملكها في باطن الأمر، بخلاف المشتري في التفليس فإنه بنى في أرض مملوكة ظاهراً وباطناً واستشكل ابن راشد عدم الفوات في الغزل، قال: لأنه لا يسمى بعد النسج غزلاً وإنما يسمى ثوباً أو رداء، كما أن الثوب إذا فُصِّل سمي قميصاً أو سراويل.
وأجاب ابن عبد السلام بأن المصنف لم يجعل المقتضي للحكم فيما تقدم هو انتقال الاسم، وإنما جعله انتقال الغرض، وقد انتقل هناك ولم ينتقل هنا.
بعض الشيوخ: ويشبه أن يكون النسج فوتاً.
ابن عبد السلام: ذكر ذلك بعضهم قولاً لابن القاسم، وعلى المشهور فالشركة في مسألة النسج بين البائع والمشتري بقيمة النسج وقيمة الغزل، واختلف المذهب فيمن اشترى أرضاً فبنى فيها ثم اطلع على عيب، هل يكون بناؤه فوتاً يمنع من الرد بالعيب ويوجب أخذ قيمة العيب، أو ليس بفوت؟ فأشار بعض
الشيوخ إلى ترجيح الخلاف في مسألة الفلس من مسألة العيب، وأشار غيره إلى الفرق بأن مسألة العيب وجد فيها تدليس من البائع وتفريط أوجب رجحان حق المشتري عليه، وذلك مفقود في مسألة الفلس.
فَأَمَّا لَوْ خُلِطَ بِمِثْلِهِ فَلَهُ مَكِيلَتُهُ
أي: في الجودة والرداءة، كما لو خلط قمحاً أو زبيباً أو عسلاً بمماثله، وشمل قوله: (خُلِطَ بِمِثْلِهِ) العين، وهو المذهب خلافاً لأشهب كما تقدم.
ابن القاسم: وإن خلطه بشيء اشتراه من آخر كان أحق به ويتحاصا فيه.
وياخُذُ الْوَلَدَ بِخِلافِ الثَّمَرَةِ والْغَلَّةِ
يعني: وإذا أراد البائع أخذ سلعته فإنه يأخذ ولد الأمة أو غيرها من الحيوان؛ لأنه كالجزء منها، بخلاف الثمرة والغلة فليس له أخذهما لأنهما من الخراج التابع للضمان.
وعطف المصنف الغلة على الثمرة من عطف العام على الخاص، ويحتمل أن يريد بالغلة ما ليس قائم العين، ومراد المصنف بالثمرة والغلة ما انفصل قبل ذلك ولم تكون الثمرة مأبورة يوم التبايع، أما إن كانت مأبورة فيستثنيه بقوله: (إلا صوفاً ...) إلخ.
وأما إذا لم ينفصل؛ فالمشهور أن البائع يأخذها مع الأصول ولو يبست ما لم تجذ، بخلاف الشفعة فإنه يأخذها الشفيع ما لم تيبس؛ لأنها ما دامت معلقة بالأصول كأغصان الشجر، والشاذ وقع لابن القاسم وغيره؛ لأنه لا يأخذها إذا أبرت، واتفق في الصوف أنه يأخذه قبل الانفصال، والفرق على الشاذ بينه وبين الثمرة: أن الصوف يكون للمشتري بمجرد العقد، والثمرة المأبورة لا تكون له بمطلق العقد.
وفي البيان: إن اشترى الأصول ولا تمر فيها، أو فيها تمر لم يؤبر ثم فلس فأربعة أقوال:
أحدها: أن البائع أحق بالثمرة ما لم تؤبر، وذلك يتخرج على قول أصبغ بالرد بفساد البيع؛ لأنه إذا قال فيه: إن الثمرة تبقى للبائع وإن لم تطب إذا كانت قد أبرت فأحرى أن تبقى للغرماء.
والثاني: أن البائع أحق بها ما لم تطلب، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
والثالث: أنه أحق بها ما لم تيبس.
والرابع: أنه أحق بها ما لم تُجَذ، وهو نص ما في المدونة.
إِلا صُوفاً عَلَى ظَهْرِهَا، أَوْ لَبَناً فِي ضُرُوعِهَا، أَوْ ثَمَرَةً كَانَ اشْتَرَطَهَا الْمُبْتَاعُ مَابُورَاً
لما ذكر أن البائع لا يرجع في الغلة استثنى من ذلك الثمرة المأبورة إذا اشترطها المشتري والصوف التام، وهذا هو المشهور، خلافاً لأشهب في قوله: إنه لا يرجع فيهما لأنهما من الغلات، ووجه المشهور أنه إذا كان الصوف تاماً والثمرة مأبورة يصيران مقصودين فلهما حصة من الثمن فيكون بمنزلة من باع سعتين، وعليه فلو باع المشتري الصوف وأراد البائع أن يأخذ الغنم نظر كم قدر الصوف من الرقاب لا إلى ما باعه به، ويأخذ الغنم ويحاص الغرماء بما يخص الصوف، وقاله ابن القاسم في العتبية والموازية والواضحة، وما ذكرناه من اعتبار الإبار هو المشهور.
وقيل: بالإزهار.
وقال يحيى: إن جذه تمراً رد مليكته وإن جذه رطباً رد قيمته وله أجر سقيه وعلاجه.
قال ابن حبيب: ليس له ذلك؛ لأنه إنما أنفق على ماله وضمانه منه.
وتعقب ابن يونس كلام يحيى وقال: إنما يصح بالرد بالعيب، وأما التفليس فإذا فاتت الثمرة مضت بما ينوبها من الثمن وحاصص البائع بذلك الغرماء كما نص عليه ابن القاسم في الصوف.
وجعل المصنف اللبن إذا كان في الضرع كالصوف التام تبعاً لابن شاس وفيه نظر؛ لأنه نص في كتاب العيوب من المدونة على عدم [530/أ] رده في العيب، وإن كان في الضروع يوم التبايع لخفته، وهو ظاهر ما في التفليس منها؛ لأن فيها: وأما ما كان منها من
غلة أو صوف جزه، أو لبن حلبه؛ فذلك للمبتاع، وكذلك النخل يجني ثمرها فهو كالغلة، إلا أن يكون على الغنم صوف قد تم يوم الشراء، أو في النخل تمر قد أبر، واشترط ذلك التمر فليس كالغلة، فحكم أولاً بأن الصوف والغلة للمبتاع ثم لم يستثن إلا الصوف التام والثمرة المأبورة، ولا يقال: إنما نص على عدم الوجوب في الرد بالعيب لا في التفليس؛ لأنه لا فرق بين البابين، ولأن تعليله بالخفة يدخل البابين، ولخفة اللبن أجاز مالك في غير المدونة لبناً معجلاً بشاة لبون إلى أجل.
عبد الحق: ولا يلزم عليه جواز جزة صوف معجلة بشاة عليها جزة صوف إلى أجل؛ لأن الصوف كسلعة فيكون كصوف بصوف إلى أجل وزيادة.
وقول المصنف: (أَوْ ثَمَرَةً كَانَ اشْتَرَطَهَا) لأن المأبورة لا تدخل إلا بالشرط كما تقرر في البيوع.
واحترز بالمأبورة من غيرها، فإنها لا حصة لها، وللبائع أخذها إذا كانت باقية مع أصولها، وأما إن جُذَّت أو جز الصوف، فقال المازري: المشهور أن الصوف إذا جزَّ وكان قائماً بعينه يرد مع الغنم، وأما الثمرة فلا ترد مع الأصول إذا جذَّت ولو كانت قائمة، ولكن يحاصص بما ينوبها من الثمن، قال: والفرق بينهما وأقصى ما يتصور أن الثمرة لو أخذها بعد الجذَّ لكان كمن اشترى رطباً وأخذ عنه تمراً يابساً، لا سيما إذا قلنا: إن ردها في الفلس كابتداء بيع.
فَإِنْ يَبُسَت الثَّمَرَةُ فِي يَدِ الْمُشْتريِ؛ فَفِي رُجُوعِهِ قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ أَوْ بَيْعٌ ثَانٍ ....
يحتمل بأن يبيع الثمرة وحدها بعد ما أزهى وحل بيعه، فإن فلس المشتري قبل يبسه كان للبائع أخذه، وإن فلس بعد ما يبس فقولان؛ الأول في العتبية وبه أخذ أشهب: أنه
أحق به؛ لأنه مجيز سلعته.
والثاني لمالك، وبه أخذ أصبغ: أنه يحاصص ولا يكون أحق بها؛ لئلا يؤدي إلى بيع الرطب بالتمر.
وقوله: (بِنَاءً ...) إلخ.
فإن قلنا: إنه نقض للبيع من أصله كان أحق، وإن قلنا هو ابتداء بيع لم يجز؛ لما ذكرنا من بيع الرطب بالتمر.
ومشى ابن راشد وابن عبد السلام كلام المصنف على هذا الوجه، وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ويتخرج على هذا الخلاف إذا باعه زبداً فصار سمناً، أو قمحاً فطحنه، وذكر ذلك المازري.
وقد تقدم ذلك من كلام المصنف أنه يفوت بذلك.
ويحتمل أن (أل) في (الثَّمَرَةُ) للعهد؛ أي: فإن يبست الثمرة التي اشترطها المبتاع مأبورة، وقد ذكر الباجي القولين، فقال: إن فلس المبتاع قبل أن تجذ فهو أحق بالأصل والثمرة ما لم تجذ قاله مالك، وقال أيضاً: ما لم تيبس.
ابن القاسم: والأول هو القياس، والثاني استحسان وهو أحب إليَّ.
وكذلك ذكر في البيان هذين القولين وزاد ثالثاً أنه أحق بها مطلقاً: أي: وإن وجدت قبل.
ويحتمل أن تكون (أل) في (الثَّمَرَةُ) للجنس فتشمل الصورتين؛ أي: المشتراة مفردة أو مع أصولها.
وفي بعض النسخ عوض (فَإِنْ يَبُسَت الثَّمَرَةُ) (فإن لم تيبس).
ابن عبد السلام: وفيها قلق، إلا أن يقال: إنه أراد مسألة ما لو اشترى النخل ولا تمر فيها أو فيها تمر لم تؤبر ففلس المشتري وقد طاب الثمر، فقال ابن القاسم: هو للغرماء.
وقال مالك: ذلك للبائع ما دام في رءوس النخل، لكن تنزيل هذه الصورة على كلام المصنف بعيد، ولا سيما الأصل الذي بنى عليه القولين.
انتهى.
ولأن مقتضاه أن الثمرة إذا يبست لا يكون أحق بها بالاتفاق، ولأن القول بأنه لا يكون أحق بها قبل اليبس لم أره.
وياخُذُ بَعْضَ الْمَبِيعِ ويُحَاصُّ بِمَا يَخُصُّ الْفَائِت مِنَ الثَّمَنِ
يعني: إذا باع سلعتين أو أكثر ثم فلس المشتري بعد ذهاب بعض السلع، فإن البائع يحاص بما يخص الفائت، وله أن يرجع فيما وجد.
محمد وأصبغ: إلا أن يدفع له الغرماء ثمن الباقي من السلعتين من مال المفلس أو أموالهم، واختلف هل يكون أولى بثمنها حتى يستوفي من ثمنها ما فدوها به أو يدخل معهم فيها بثمن الفائت لأنهم كأنهم أسلفوا للمفلس ثمنها سلفاً.
التونسي: وهذا القول الأخير كقول ابن القاسم.
ابن يونس: وهو ظاهر قول مالك.
التونسي: والأول اختيار محمد، وذلك لأنهم حلوا محل أصحابهم في الاختصاص بها، فلا يكون له أن يحاصصهم إلا بما فضل عما فدوها به.
وفي بقية مال المفلس، ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف بيَّن إن قلنا: إن رد السلعة في الفلس كابتداء بيع، وأما على القول بأنه نقض للبيع؛ فينبغي أن يفصل في السلعة الفائتة بين أن تكون وجه الصفقة أو لا، ويسلك في ذلك مسلك استحقاق بعض المبيع.
وَرَوى ابْنُ الْقَاسِمِ: ولَوْ ولَدَتِ الأَمَةُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ بِيعَ الْوَلَدُ لَمْ تَكُنْ لَهُ حِصَّةٌ.
وقِيلَ: كَسِلْعَتَيْنِ، ولَوْ بِيعَتِ الأُمُّ فَكَسِلْعَتَيْنِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا ....
حاصله: إن مات الولد أو الأمة فليس للبائع إلا أخذ الباقي بجميع حقه أو تركه والمحاصة، وأما إن باع أحدهما، فإن باع الولد؛ فالمشهور: أن ذلك كموته.
وإن باع الأم فكسلعتين، فله أن يأخذ الولد وحاصص بما ينوب الأم، وأنكر سحنون هذا بقوله: (مَا أَدْرِي).
اللخمي: يريد أن القياس أن يكون في البيع سواء.
وقوله: (وقِيلَ: كَسِلْعَتَيْنِ) راجع إلى بيع الولد لا إلى موت أحدهما؛ إذ لا خلاف في الموت، قاله في البيان.
ومعنى (كَسِلْعَتَيْنِ) أي: كبيع سلعتين، ثم وجد إحداهما فيكون له أخذ الأم والاتباع بما يخص الولد من الثمن يوم البيع، وهذا منقول عن مالك وابن القاسم.
قال المازري: وهو أصل المذهب.
انتهى.
يريد: لأن الولد إذا لم يكن غلة يجب رد عينه، وإن كانت قائماً فيجب أن يحاسب بثمنه، ولهذا أخذ بعض محققي الأشياخ من الأول أن الولد غلة، وزاد في البيان قولاً ثالثاً: أنه لا يأخذ الأم ويحاص الغرماء بما وصل إليه من [530/ب] ثمن الولد، وليس بجار على أصل.
وقوله فيها: (ولَوْ بِيعَتِ الأُمُّ فَكَسِلْعَتَيْنِ) هو المشهور، فيكون للبائع أن يأخذ الولد بما ينوبه من الثمن ويحاص بما ينوب الأم، ووقع لابن القاسم ومالك في سماع عيسى في بعض روايات العتبية: أنه يأخذ الولد ويحاص بقيمة الأم، أو يترك الولد ويحاص بجميع الثمن.
قال ابن رشد: ولم يجروا في هذه المسألة على قياس.
ولَوْ رُهِنَ الْعَبْدُ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ ويَاخُذَهُ، ويُحَاصَّ بِفِدَائِهِ ولا يُحَاصَّ بِفِدَاءِ الْجَانِي؛ إِذْ لَيْسَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ ....
يعني: لو رهن المشتري العبد ثم فلس فللبائع أن يفديه ويأخذه ويضرب بالفداء مع الغرماء، بخلاف ما لو جنى العبد ثم فلس المشتري فإن البائع أيضاً له أن يفديه، لكن لا يحاص بفدائه، والفرق بينهما ما أشار إليه المصنف أن الفداء لم يكن متعلقاً بذمة المفلس؛ لأنه كان له أن يسلم العبد في الجناية، بخلاف الدين في مسألة الرهن فإنه كان في ذمته.
ابن عبد السلام: مراد المصنف بقوله: (ولا يُحَاصَّ بِفِدَاءِ الْجَانِي) أنه لا يرجع بالجناية وإن كان نفي المحاصة أخص من نفي رجوع البائع، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، لكن مراده ما ذكرناه.
ومِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِمُعَاَوضَةٍ مَحْضَةٍ
هذا هو الشرط الثالث، واحترز به مما ذكر بقوله:
فَلا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ والْخُلْعِ والصُّلْحِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ بِخِلافِ الإِجَارَةِ
يعني: ولاشتراطنا المعاوضة المحضة لم يثبت الرجوع في النكاح وما عطف عليه.
ووقع في بعض النسخ (ولا يثبت) بالواو، والأولى أحسن؛ لأن الفاء تشعر بالسببية.
قوله: (فِي النِّكَاحِ) يريد: لأن النكاح لا يفسخ لتعذر استيفاء العوض؛ وهو الصداق إذا أعسر الزوج، كما لا يفسخ البيع إذا تعذر استيفاء الثمن.
فإن قلت: أطلق المصنف في النكاح - وفي نظر - لأن النكاح يفسخ إذا أعسر الزوج بالصداق قبل البناء؛ قيل: هذا لا يرد، لأن المشتري هنا للبضع - وهو الزوج - لم يُقْبِضْهُ، والكلام إنما هو في الرجوع بعد قبض المشتري.
قوله: (والْخُلْعِ) أي: إذا خالعته على عشرة مثلاً ثم فلست، فإنه لا رجوع له في العصمة وإنما يحاصص.
خليل: الظاهر أن المقتضي لعدم الرجوع ليس هو ما ذكره المصنف من أنه ليس بمعاوضة محضة، بل لتعذر الرجوع؛ وذلك لأن العصمة في الخلع لا يمكن ردها، وكذلك البضع في النكاح، وكذلك إذا صالح عن دم العمد بشيء ثم فلس الجاني لم يمكن العود في القصاص.
وعلى هذا، فلو قال: ومنها إمكان استيفاء العوض، فلا رجوع في النكاح والخلع والصلح؛ لكان أحسن.
وينبغي أن يلحق الصلح على الإنكار ثم يفلس المنكر، فإن المدعي يحاصص بما صالح به ولا يرجع في الدعوى، كما قالوا: إذا صالح المنكر على عرض ثم استحق العرض؛ فإنه يرجع بقيمته.
وقيل: يرجع إلى الخصومة.
وأما الصلح على الإقرار كما لو صالح على دار أو عرض أقر به لغريمه ثم أفلس؛ فإن يرجع المصالح
في الدار والعرض كالبيع، والظاهر أن الصلح على الإقرار خارج من كلام المصنف؛ لأن الصلح على الإقرار معاوضة محضة، وفاعل (يَثْبُتُ) عائد على الرجوع.
وفي بعض النسخ (فلا يثبت الفسخ) ومعناهما متحد.
وقوله: (بِخِلافِ الإِجَارَةِ) فإنه يرجع في منفعته التي أجرها لعدم استيفاء العوض.
فرع: واختلف هل تحاص الزوجة الغرماء بصداقها؟ فالمشهور أنها تحاص به في الموت والفلس.
وقيل: لا تحاص فيهما.
وفي الجلاب: تحاص به في الفلس دون الموت، وكذلك اختلف في نفقتها، فقال ابن القاسم في النكاح الثاني: تضرب بها مطلقاً.
قال سحنون: أما إذا كان الدين مستحدثاً فتاحص، ولا تحاص إذا كان الدين قبل الإنفاق.
وفي الموازية: تضرب في الفلس فقط.
وقيل: لا تضرب فيهما.
قال ابن القاسم: ولا يضرب بنفقة الولد أو الأبوين في فلس ولا موت.
وقال أشهب: يضرب للولد مع الغرماء.
وقال أصبغ في نفقة الأبوين: إلا أن تكون أخذت بحكم وتسلف وهو مليء فيضرب بها في الفلس والموت.
اللخمي: ويختلف على هذا هل يحاص بالجنايات؛ ففي المدونة: يحاص بها، وعلى القول الآخر لا يحاص بها.
ويَرْجِعُ الْمُكْرِي إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ ودَارِهِ وأَرْضِهِ، وهُوَ أَحَقُّ بِزَرْعِهَا فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ - وقِيلِ: دُونَ الْمَوْتِ - مَعَ الأَجِيرِ السَّاقِي.
وقِيلَ: ثُمَّ الأَجِيرُ السَّاقِي
قوله: (ويَرْجِعُ الْمُكْرِي إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ ودَارِهِ وأَرْضِهِ ...) إلخ.
ظاهر التصور، وهو كالبيان لقوله: (بخلاف الإجارة) وهو: أي: مكري الأرض أحق بما زرع في أرضه في موت المكتري وفلسه.
وقيل: إنما يكون أحق في الفلس فقط، وهذا الثاني هو مذهب المدونة، نص عليه في آخر كتاب كراء الدور.
قال المازري: وهو مذهب مالك وأصحابه، فكان ينبغي للمصنف تقديمه، والأول لابن القاسم في الموازية.
أصبغ: ووجهه أن الزرع إنما نشأ عن الأرض فكانت كالحيازة له وحوزها كحوز صاحبها، فكان بمنزلة من باع سلعة وفلس مشتريها أو مات وهي في يد بائعها، ورأى في المشهور أن الزرع لما نشأ عن الأرض فغايته أن يكون كأنه باع الطعام فيكون أحق به في المفلس فقط.
وقوله: (مَعَ الأَجِيرِ السَّاقِي ...) إلخ.
يحتمل أن يتعلق بـ (أَحَقُّ) فيكون القولان في الأجير مفرعين على كل من القولين السابقين، ويحتمل أن يتعلق بـ (بأحق) المتقدم في كلامه ثانياً؛ أي: وقيل هو أحق في الفلس دون الموت مع الأجير الساقي، فيكون القولان مفرعين على القول الثاني.
ويعضد هذا لاحتمال الثاني ما نقله ابن يونس: أن ابن القاسم وأشهب رويا أن مكري الدابة أحق من سائر الغرماء في الفلس دون الموت، ثم اختلفا في مكري الأرض والأجير؛ ففي الموازية من رواية أشهب والواضحة من رواية مطرف: أنهما يتحاصان.
وروى ابن القاسم: أن صاحب الأرض مقدم على الأجير، ثم الأجير مقدم على الغرماء، ويعضد الأول قول أصبغ: اختلف أصحابنا.
وأحب ما فيه إليَّ أن أجير الزرع ومكري الأرض يتحاصان، وأنهما يبدآن على الغرماء في الموت والفلس، وقاله ابن الماجشون.
خليل: وهذا الاحتمال أقرب؛ لأنه تفريع على القول الذي قدمه.
نعم يعترض عليه لتقديمه غير مذهب المدونة.
ومنشأ الخلاف بين القولين في تقديم مكري الأرض على الأجير، [531/أ] هل الزرع متكون عن الأرض فيكون صاحبها أحق به، أو إنما نشأ عن الأرض وفعل الأجير فيكونان متساويين، والله أعلم.
وزاد في البيان قولاً بأن الأجير مقدم على صاحب الأرض، وقولاً آخر بأنه لا تقدمة لصاحب الأرض ولا للأجير على الغرماء، بل هما أسوة الغرماء، وعزاه اللخمي للمخزومي.
ولو عمل في الزرع أجراء واحداً بعد واحد، فالأخير أحق من الأول.
وقيل: يقدم أكثرهما عملاً.
وقيل: يتحاصان.
ويُقَدَّمَانِ عَلَى مُرْتَهِنِ الزَّرْعِ
أي: ويقدم مكري الأرض والأجير الساقي على مرتهن الزرع ولو حازه ملك، ثم يقدم المرتهن على سائر الغرماء، وإنما قدما عليه لأن الزرع إنما يكون عن مال هذا وعمل هذا، فكان أخص في الحوز، وصاحب الحوز الأخص مقدم على صاحب الحوز الأعم، كما لو سقطت سمكة في حجر إنسان فإنه أولى بها من صاحب المركب، وعلى المشهور أنهما يكونان أحق من الغرماء في الفلس دون الموت، ويكون المرتهن أحق منهما في الموت؛ لأنهما على هذا القول كسائر الغرماء.
بِخِلافِ الأَجِيرِ عَلَى رِعَايَةِ الإِبِلِ أَوْ عَلْفِهَا وشِبْهِهِ
أي: فلا يكون أحق في الفلس والموت، هكذا نص عليه في المدونة وغيرها.
ابن عبد السلام: ولا أعلم فيه خلافاً.
قوله: (وشِبْهِهِ) أي: كالحارس وأجير يخدمك في بيتك أو يبيع لك في حانوتك، ولم يكن هؤلاء أحق؛ لأنه منافعهم ليس لها أعيان قائمة بخلاف الزرع.
قال في المدونة: ولو استأجره يدرس له ببقر الأجير ففلس صاحب الأندر؛ فصاحب البقر أحق بالأندر.
قال ابن المواز: لأن الأندر لا ينقلب به صاحبه ولا يحتوي عليه، بخلاف صانع استصنعته في حانوتك، فإن كان الليل انصرف، فهذا لا يكون أحق به في موت ولا فلس.
والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ شَرِيكٌ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَقْبَضَهُ فِيمَا زَادَ، ويُحَاصُّ بِمَا بَقِيَ، وقِيلَ: بِقِيمَتِهِ، وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ لِلصَّنْعَةِ ....
تبع المصنف هنا ابن شاس معنىً وترتيباً، وحمل ابن عبد السلام قوله: (والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ) على الأجير؛ يعني: أن المستأجَر على صبغ ثوب، أو بناء بقعة، أو نسج غزل إذا فلس آجره قبل قبض الأجير الأجرة ولم يكن أسلم السلعة لربها؛ فإنه يكون مشاركاً لربه بقدر قيمة الصنعة، ثم استشكله بأن ظاهر كلامه أن الأجير لا تكون له أجرة الصنعة، ولا يحاصص بها الغرماء وهو بعيد من الأصول؛ لأن الصانع لم تخرج الصنعة من يده ولم يرضَ بفسخ الإجارة فكيف يبطل حقه فيها، وجعل ابن عبد السلام قوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) قسيماً لهذا؛ أي: وإن أسلم الصانع المصنوع إلى ربه فقولان، وتصورهما من كلام المصنف ظاهر، وقال بعض من تكلم على هذا الموضع.
وقوله: (والصَّبَّاغُ ...) إلخ.
محمول على ما إذا لم يسلم إليه الشيء للصنعة، كما لو اشترى ثوباً فصبغه أو نسجه، أو عرصة فبناها ثم فلس.
فقال ابن القاسم في الموازية، ما ذكره المصنف: يكون شريكاً بقيمة الصنعة.
وكذلك لو استحق من يده بعد وضع صنعته فيه فأخذه المستحق فإنه يدفع إليه قيمة الصنعة.
قال: وإن أسلم إليه للصنعة؛ فإما أن يقبضوه لربه ثم يفلس قبل دفع الأجرة، أو يبقى بأيديهم حتى يفلس، فإن أقبضوه، فقال ابن القاسم في الموازية: يكون شريكاً في الثوب بما زاد الصبغ فيه ويحاص بما بقي.
وقال في العتبية: يكون شريكاً بقيمة الصبغ، وهذه الصورة الثانية التي ذكرها بقوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ فِيمَا زَادَ) أي: يكون شريكاً بما زاد ويحاص بما بقي.
وقوله: (وقِيلَ: بِقِيمَتِهِ) أي شريكاً بقيمة الصبغ ونحوه، واستشكل ما في الموازية بأن شريكه الصانع لربها بما زاد والمحاصة بما بقي لا تصح على أصل المذهب؛ لأن من
اختار أخذ سلعته ناقصة لا يكون له غيرها، وأما إن لم يقبضوه لربه فهم أحق به حتى يستوفوا جميع الأجرة.
خليل: المازري: في الفلس والموت.
ابن رشد: واتفق على ذلك، قال هذا القائل: وهذا الذي أشار إليه بقوله: (وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ لِلصَّنْعَةِ) وعلى هذا فلا يكون قوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) قسيماً لقوله: (والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ) بل قسيماً لما بعده، ورد ابن عبد السلام هذا الوجه بأن المصنف قدمه بقوله: (فلو لم ينتقل ولكن انضمت إليه صناعة أو عين أخرى كنسج الثوب أو بناء العرصة شارك ...) إلخ.
فلو حمل قوله: (الصَّبَّاغُ) على المشتري للزم التكرار، وأجاب عنه هذا القائل بأنا لم نخص قوله: (والصَّبَّاغُ) بالمشتري؛ بل على من وضع صنعته من غير أن يسلم إليه المصنوع للصنعة، وهو أعم من المشتري والمستحق من يده وغيرها.
وتمشية ابن عبد السلام أقرب من جهة اللفظ؛ لأن صيغة فعال للحرفة غالباً، لكن لا تصح من جهة النقل؛ لأنه يلزم أن يكون الصانع إذا لم يسلم المصنوع إنما يكون له ما زادت الصنعة، وهو خلاف الاتفاق الذي في البيان.
واعلم أن القولين في مسألة الإقباض مطلقان، سواء أضاف الصانع إلى صنعته شيئاً كالصبغ، أم لا كالخياطة، نقل ذلك اللخمي.
وفي البيان: المشهور أن الصانع إذا أسلم الصنعة ولم يكن للصانع فيها غير عمل يده أنه أسوة الغرماء.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أنه أحق بعمله، فإن شاء أخذه بأجرة وكان شريكاً للغرماء في المتاع المعمول بقيمة عمله فيه، وإن شاء ترك وكان أسوة الغرماء.
وأما إن كان للصانع غير عمل يده كالصباغ يصبغ الثوب، والفراء يفري الفرو برقاع من عنده؛ فيتفق على أنه أحق بما خرج
من يده لأنه قائم بعينه، وأما عمل يده المستهلكة فلا يكون أحق به على المشهور، ونحوه للمازري، قال: وعلى المشهور إذا كانت عينة قائمة كالرقع وصقل للسيف - وهو ظاهر الروايات - أنه شريك بقيمة ماله؛ لأنه هو المبيع وكأنه سلعة أضيفت إلى سلعة على وجه يتعذر فيها الانفصال، فيكونان شريكين في ذلك، وقال ابن حبيب: بل يكون شريكاً بما زاد الصانع، وعلى أنه شريك بقيمة ماله فالمعتبر في ذلك التقويم يوم الحكم.
فإن قيل: هذا يقتضي أن نسج الثوب لا يكون الصانع به شريكاً؛ لأنه لم يخرج من يده شيئاً، والمصنف قد جعل النساج كالصباغ؛ قيل: النساج وشبهه مستثنى عند ابن القاسم من مسألة الصانع الذي لم يخرج شيئاً ويلحق [531/ب] بما إذا أضاف للصنعة شيئاً، وكأنه لاحظ في النسج قوة التأثير، ولأصبغ قول رابع، إلا أنه لا يعلم صور المسألة، فقال: إن كان فيه رقاع وخياطة فتوق؛ فالأقل تابع للأكثر إذا كانت الرقاع أيسر ذلك وأكثره الخياطة فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، وإذا كانت الرقاع أكثر ذلك، وهي من عنده كان أحق بها على ما تقدم، فإن تناصف ذلك قوم كل على حدثه، ثم يكون أسوة الغرماء في المرسوم، ويكون بما ينوب الرقاع شريكاً، وهذا كله على المشهور أن الصبغ ليس بفوت، ونقل المازري عن ابن وهب في أحد قوليه: أن الرجوع يفوت بالصبغ والدباغ.
وضابطه: أن يحدث المشتري حدثاً يتميز بالنظر ولا يتميز بالفعل.
تنبيه: قد تقرر على التمشية الثانية أن قوله: (وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ) قسيم لقوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) وأما ابن عبد السلام، فقال: يعني أنهم أحق في الموت والفلس، نص على ذلك في المدونة.
قال: ولا يظهر لإتيان المصنف بهذه المسألة هنا كبير فائدة فإن ما قدمه مغنٍ عنها، ولا سيما وهو لم يتمها كما في المدونة.
قال ابن القاسم: من دفع إلى صانع سواراً يعمله له، ثم دفع إليه بعد ذلك سواراً آخر ليعملها، أو دفعهما معاً فعمل أحدهما ودفعه إلى ربه ولم يأخذ إجارته حتى أفلس
ربهما؛ فلا يكون الصانع أحق بالباقي عنده حتى يأخذ إجارته في الذي دفع، وهو في الذي دفع أسوة الغرماء، وهو أولى بالباقي حتى يأخذ أجرته فيه.
ابن رشد: وهذا صحيح إن كان استعماله في صفقتين، وأما إن كان في صفقة؛ فمن حق الصانع أن يمسك السوار الذي بيده بجميع إجارة السوارين كالرهن، قال: وهذا مما لا إشكال فيه ولا اختلاف.
قال: وقوله: (أو دفعهما معاً) غير صحيح، وقع على غير تحصيل، واحتج على ذلك بأشياء وقعت في مسألةأخرى متصلة بهذه المسألة تركنا ذكرها اختصاراً.
أما إن فلس ربها قبل العمل؛ فإن الصانع يخير بين أن يعمل ويحاصص، وبين أن يفسخ الإجارة عن نفسه.
ومُكْرِي الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِمَا حَمَلَتْ، وإِن لَمْ يَكُنْ مَعَهَا
يعني: إذا اكترى دابة ليحمل عليها شيئاً ثم فلس المكتري، فرب الدابة أحق بما حملت دابته حتى يقبض كراءه في الموت والفلس، زاد في المدونة: وسواء أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها، كان رب المتاع معه أو لا، وهو كالرهن، ولأن على دوابه وصل إلى البلد.
ابن يونس: كأنها قابضة للمتاع كقابض الرهن.
قال في البيان: ولا خلاف أن الجمَّال أحق إذا كان المتاع في يده؛ لأنه كالرهن بيده، وإن اسلم الجمَّال إبله إلى المكتري ففلس قبل الوصول أو عنده قبل أن يحوز متاعه ويرد الإبل، فالمشهور وهو الذي في المدونة: أن الجمَّال أولى بالمتاع في الفلس والموت.
ويتخرج في ذلك قولان؛ أحدهما: أنه لا يكون أحق به في الفلس والموت.
والثاني: أنه أحق به في الفلس فقط.
قال ابن القاسم في العتبية: والسفن كالدواب، وأخذ ذلك جماعة من تعليله في المدونة مسألة الدواب، فإن العلة فيهما واحدة.
قال في المدونة:
وأرباب الدور والحوانيت أسوة الغرماء في الفلس والموت، وليسوا أحق بما فيها.
فجعل الدواب بخلاف الدور؛ لأن ظهور الدواب حائزة لما عليها، ولأن في حملها من بلد إلى بلد تنمية المال بخلاف الدور، وجعل عبد الملك الدار والحانوت كالدواب فيكون ربها أحق بما فيها.
تنبيه:
أخذ أحمد بن خالد من قوله: (ولأن على دوابه وصل) أن المكري أحق بالمتاع وإن قبضه ربه.
وقال ابن رشد: هو بعيد في المعنى، وإنما يكون أحق به إذا كان على ظهر دابته أو سفينته وهو بين في العتبية، وكذلك نقل ابن يونس عن الواضحة: أنه إنما يكون أحق ما دام المتاع بيده، فإن أسلمه لم يكن أحق به كالصانع إذا أسلم المتاع.
خليل: ولعل أحمد بن خالد فهم من قوله في المدونة: (كالرهن، ولأن على دوابه وصل) على أنهما علتان على البدل، وفهم غيره أنهما علة واحدة، والله أعلم.
والْمُكْتَرِي أَحَقُّ بِالدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وبِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ إِنْ قَبَضَهَا
يعني: أن من اكترى دابة، فإن كانت معينة ثم فلس مكريه أو مات فالمكتري أحق بها، سوءا قبضها أو لا.
قال في المدونة: كعبد اشتراه ولم يقبضه حتى فلس بائعه؛ فالمشتري أحق به، وإن كانت غير معينة فإن لم يقبضها المكتري فهو أسوة الغرماء في الفلس والموت، وإن قبضها فهو أحق بها؛ سواء كان المكتري يدير تحته الدواب أم لا.
وهذا مذهب المدونة، ولعله هو المشهور واختيار ابن حبيب.
وقال أصبغ: إنما يكون أحق بها بالقبض إذا كان لا يدير الدواب تحته، وإن كان يديرها فليس هو أحق، وقيل: إن المكتري لا يكون أحق في الكراء المضمون مطلقاً، وعارض التونسي قول مالك في هذه المسألة: (أن المكتري أحق وإن كان الجمال يدير الدواب تحته) بقوله: إن الراعي ونحوه ليس هو أحق بالغنم، ورآه اختلاف قول، وفرق ابن يونس بأن الراعي ونحوه لم يتعلق له بعين
الدواب حق، فوجب لذلك أن يكون حقه في ذمة المكتري بخلاف الدواب، فإن بقبضهم الدواب تعلق حقهم بها؛ لأن ركوبهم عليها كالمعينة، فكان كتعلق حق الصانع بعين المتاع، وإذا جعلناه أحق في الكراء المضمون، فقال ابن القاسم في المدونة: لبقية الغرماء أن يضمنوا له حملانه ويكروا له من أملياء ويأخذوا الإبل، وقال غير ابن القاسم فب بعض الروايات المدونة: لا يجوز أن يضمنوا حملانه.
وفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالسِّلْعَةِ تُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، ثَالِثُهَا: فِي النَّقْدِ دُونَ الدَّيْنِ ....
أي: إذا اشترى سلعة شراء فاسداً وقد كان نقد ثمنها أو كان أخذها عن دين له في ذمة البائع، ثم أفلس البائع والسلعة لم تفت وهي بيد المشتري فإن البيع يفسخ، واختلف هل يكون المشتري أحق بها فيما نقد من الثمن وفيما له من الدين على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أحق بها، وهو قول سحنون.
الثاني: لا يكون أحق بها، وهو قول ابن المواز.
الثالث: إن كان ابتاعها بدين فهو أسوة [532] الغرماء بخلاف النقد، وهو قول ابن الماجشون.
قال في المقدمات: ولا اختلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعاً، وحكى اللخمي الاتفاق على أنه لا يكون أحق بها في الدين، وعلى هذا ففي المسألة طريقان.
والرَّادُّ لِلسِّلْعَةِ بِعَيْبٍ لا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا فِي الثَّمَنِ
يعني: أن من اشترى سلعة ثم اطلع فيها على عيب فأراد ردها فوجد البائع قد فلس فإن له ردها ولا يكون أحق بها، ولم يجر في هذه من الخلاف ما في التي قبلها؛ لأن المشتري هنا مختار للرد بخلاف الأول؛ لأنه مجبر عليه.
قال في المقدمات: وهذا على أن الرد بالعيب نقض، وأما على أنه ابتدائ بيع فيكون أحق بها.
فرع: واختلف إذا أقرضه ثم أفلس المقترض؛ ففي المذهب طريقانك
الأولى للمازري: المشهور أن المقرض لا يكون أحق؛ لأن الحديث إنما ورد في البيع، وسواء قبض السلف أو لم يقبضه، قال: وقد يسبق إلى النفس اعترض قوله: (أو لم يقبضه) لأن من في يده سلعة فهو أحق بها في الفلس والموت، وأجاب بأن القرض لما كان يتأجل بمقتضى العادة كان للمتسلف أن يطالب المسلف بالتسليم، فلا يكون له حبس ما أسلف، وإذا لم يكن له حبسه لم يكن أحق به، ولو قيل: له الرجوع في ذلك وإن لم ينتفع المستسلف، كما قيل في عارية الأرض للبناء والغرس لم يبعد.
وحكى عن أبي محمد الأصيلي إلحاق القرض بالبيع.
والطريقة الثانية لابن رشد: أن مذهب مالك وأصحابه التسوية بين القرض والبيع، وأن التفرقة بينهما لابن المواز خلافاً لهم.
[533/أ]