التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 372-411
أهل الأثرالأرشيف العلمي

خليل: أمَّا ما ذكره من أن مقتضى كلامهم وجوب الترتيب بين الفوائت في أنفسها وإن كثرت فهو كذلك، وأما ما قاله من وجبوه مطلقاً، فالذي ذكره المازري وجوبه مع الذكر.
ونقل ابن يونس عن ابن القصار سقوطَ وجوبِه في المتماثلين دونَ غيرِهما.
قال ابن القصار: وليس عن مالك في هذا نصٌّ.
ابن هارون: وقول ابن القصار عندي مبنيٌّ على عدم مراعاة الأيام.
وذكر ابنُ هارون في ترتيب الفوائت في أنفسها– إذا كانت مختلفة – ثلاثة أقوال: الوجوب والسُّنِّية، والوجوب مع الذكر، والسقوط مع النسيان، وهذا هو الذي يؤخذ من التهذيب، لقوله: وإن نسي صُبحًا وظهرًا مِن غيرِ يومِه، فذكر الظهر وحدها فلما صلى بعضها تفكر في الصبحَ فسدتْ الظهر وصلى الصبحَ ثم الظهرَ، وإن ذكرها بعد أن فرغ أعاد الصبح فقط.
انتهى.
يريد: لأن إعادة المفعولات مستحبٌّ في الوقت، والفائتةُ لا وقت لها.
وقال مالك في المجموعة: إن علم– وهو بمكانِه– أعادها، وإن طال فلا شيء عليه، وجعل القُرْبَ كالوقتِ.
ونَقَلَ في المقدمات فيما إذ قدم بعضَ الفوائت على بعض، متعمدًا أو جاهلاً، كما إذا نسي الصبح والظهر، فذكر ثم صلى الظهر ذاكرًا للصبح ثلاثة أقوال: الأول: [59/ ب] ليس عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛ لأنها مفعولة قد خرج وقتها، وهو يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم.
والثاني: أن عليه إعادتها.
والثالث: الفرق بين أن يتعمد الصلاة الثانية قبلَ الأولى، أو يدخل في الثانية ثم يذكر الأولى ويتمادى عليها، وهو يأتي على قول ابن القاسم في المدونة، انتهى.
وقوله: (وَفِي سُقُوطِ .... إلخ) لو أسقط المصنف هذا الفرع واكتفى بما تقدم– كما فعل ابن شاس– لكان أولى، وكلام ابن شاس أولى من وجهٍ آخر؛ وذلك لأنه إنما ذكر اليسير في ترتيب الفوائت مع الحاضرة، ثم قال: وترتب الفوائت كما تُرتب الحاضرة معها، وأطلق.

فرع: حكى في المقدمات الاتفاق على وجوب ترتيب الحاضرتين، وأنه إن خالف أعاد الثانية أبداً بلا خلاف.
خليل: كما لو طَهُرت الحائضُ قبل الغروب وصلَّت العصرَ ذاكرةً للظهر.
فَلَوْ بَدَأَ بِالْحَاضِرَةِ سَهْواً صَلْى الْمَنْسِيَّةَ وَأَعَادَ فِي الْوَقْتِ.
وَفِي تَعْيِينِ وَقْتِ الاخْتِيَارِ أَوِ الاضْطِرَارِ قَوْلانِ .... مثاله لو نسي الظهر، ثم صلى العصر والمغرب ثم ذكر، فإنه يصلي الظهر ويُعيد المغرب لبقاء وقتها، فلو لم يذكر إلا بعد العشاء صَلَّى الظهر وأعاد العشاء لبقاء وقتها.
وهل يُعيد المغرب؟ إن أُريد الوقت الاختياري؟ لم يُعد؛ لخروج الوقت الاختياري، وإن أريد الضروري أعادها مع العشاء، والْمَشْهُورِ أنه يُعيد في الوقت الضروري، والقائل بوقت الاختيار هو ابن حبيب.
وقد تقدم سؤال ابن دقيق العيد لمن فرق في الْمَشْهُورِ بين هذه المسألة وبين من صلى بثوب نجس– فإن الْمَشْهُورِ فيها الإعادة في وقت الاختيار– والجوابُ عنه.
وَفِيهَا: رَجَعَ إِلَى أَنَّهُ لا إِعَادَةَ عَلَى مَامُومِيهِ أي: إذا أعاد إمامهم في الوقت للترتيب، فالذي رجع إليه مالك أنه لا إعادة على مأموميه، وكان أَوَّلاً يقول: يُعيدون معه.
وهو أقيس.
قال ابن بزيزة: وهو الْمَشْهُورِ بناءً على الارتباط، ويُختلف على هذا في إعادتِّهم لإعادتِه لو صلَّى بنجاسة ناسيًا.
وَعَمْداً فَكَذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُعيد أبداً بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ لا يعني: إذا بنينا على أن الترتيبَ واجبٌ، فهل هو شرط أَوْ لا؟ الْمَشْهُورِ نفي الشرطية، وروى ابن الماجشون عن مالٍك الشرطية، وتظهر ثمرة الخلاف لو ذَكَرَ صلاةً في صلاةٍ ولم يَقطع، فعلى المشهورِ تَصِحُّ؛ لأنه إنما خالف واجبًا ليس بشرطٍ، وعلى الشرطية لا

تصح.
فقوله: (وَعَمْداً) أي: فلو قدم الحاضرة عمدًا فإنه يُعيدها في الوقت، كما لو قدمها ناسيًا، ويُختلف في إعادة المأمومين إن كان إمامًا، وهذا معنى قوله: (فَكَذَلِكَ)، وعلى رواية ابن الماجشون تفسد صلاة المأموم.
وأخذ بعض الشيوخِ من المدونة مثل رواية ابن الماجشون مِن المسألة التي تقدَّم ذِكرها في ترتيب الفوائتِ بعضِها مع بعضٍ، وخالف المصنف هاهنا الغالب من عادته؛ لأن الفسادَ مرتَّبٌ على الشرطيةِ، والإعادةُ في الوقت مُرتبةٌ على عَدَمِها، والله أعلم.
فَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً فِي وَقْتِيَّةٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقَطْعِ وَاسْتِحْبَابِهِ قَوْلانِ هو ظاهر مما تقدم، لكن استحباب القطع مشكل؛ لأنه إن وجب الترتيب وجب القطع، وإن لم يجب فلا يبطل العمل المتلبس به لتحصيل المستحب.
وَفِي إِتْمَامِ رَكْعَتَيْنِ إِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَوْلانِ لذكر المنسية ثلاثة أقسام.
قسم قبل الدخول في الصلاة، وقسم بعدها –وقد تقدما-، وقسم وهو فيها، والكلام الآن فيه، والقولان لمالك، وظاهر المذهب وجوبُ القطع، وهما في حق المنفرد.
وأما المأموم والإمام فسيأتي الكلام عليهما.
ومقتضى كلامه: أنه إن عقدها أضاف إليها أخرى وسلم عن نافلةٍ.
وحصَّل في البيان في هذه المسألة سبعة أقوال: الأول: لمالك في العتبية أنه يتم ركعتين ركع أو لم يركع، كان في فريضة أو نافلة.
الثاني: أنه يقطع ما لم يركع، وهو قوله في المدونة، وسواء –على مذهبه فيها– ذَكَرَ وهو في العصر صلاةَ الظهر من يومه، أو صلاةً قد خرج وقتها.
الثالث: أنه يقطع أيضاً في المسألتين، رَكَعَ أو لم يركع، وهو أحدُ قولي مالك في المدونة، ولا فَرْقَ على هذا بين الفريضة والنافلة.

الرابع: الفرقُ بين النفل والفرض، فيقطع في النافلة، رَكع أو لم يركع، ولا يَقطع في الفريضة إذا ركع، ولابن القاسم أيضاً –في كتاب الصلاة الثاني من المدونة– أنه لا يقطع في النافلة، ركع أو لم يركع.
خليل: يريد قوله في ذاكر سجود السهو وهو في الصلاة، أنه إن أطال القراءة أو ركع بطلت الأولى، وإن كانت هذه نافلة أتمها، ولا شك أن الأولى إذا بطلت صارت منسية ذكرها في نافلة، وسيأتي ذلك في سجود السهو.
الخامس: إن كان معه ركعة أتم ركعتين، وإن لم يركع شيئًا أو ركع ثلاث ركعات قطع، وهو اختيار ابن القاسم في المدونة.
السادس: لابن حبيب: الفرقُ بين أن يذكر الظهر في العصر، أو المغرب في العشاء، فيقطع ركع أو لم يركع، كان مع إمام أو وحده، وإن ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة تمادى إن كان مع الإمام، وإن كان وحده أتم ركعتين، ركع أو لم يركع.
السابع: إن كان في خناق من الوقت قَطَعَ ما لم يركع، وإن لم يكن في خناق منه تمادى وإن لم يركع.
قال: [60/ أ] وهذا كله اختلافُ اختيارٍ، إذ لا يتعلق بمن فعل شيئًا من ذلك حكمٌ عند من يرى خلافه إلا نقص الفضيلة.
انتهى.
فرع: إن ذكر بعد أن صلى ركعتين فإنه يسلم ويجعلها نافلة إن كانت غير ثنائية، وإن كانت فهو كمن ذكر المنسية بعد أن صلى أربعًا، فإنه يُسَلم ويكون كمَن ذَكر بعد أَنْ سلم، وإن ذكر في الثالثة قبل عَقْدِها رجع إلى الجلوس وسلم، وبعد عقدها قال مالك: يصلي الرابعة، ثم يصلي المنسية ويُعيد هذه.
وقال ابن القاسم: يقطع بعد ثلاثٍ أحب إلى.
وإن كانت مغربًا فقد تَمَّتْ، وصار كالذاكرِ بعد سلامه، قاله المازري.

فَإِنْ كَانَ إِمَاماً قَطَع أيضاً، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْرِي فَلا يَسْتَخْلِفُ وَرَجَعَ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: رَجَعَ عَنْهُ.
وَرَوَى أَشْهَبُ: لا يَسْرِي فَيَسْتَخْلِفَ، وَإِنْ كانَ مَامُوماً تَمَادَى.
وَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ قَوْلانِ ..... أي: أن حكم الإمام إذا ذكرَ صلاة القطعُ، فالْمَشْهُورِ سريانُ الفساد إلى صلاة المأمومين؛ فلا يستخلف.
وروى أشهب: لا يسري.
والضمير في: (رَجَعَ) راجعٌ إلى مالك.
فائدة: قاعدة المذهب –في القول الْمَشْهُورِ– كلما بطلتْ صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم، إلا في مسألتي نسيانِ الحَدَثِ وسَبْقِه.
وقوله: (وَإِنْ كانَ مَامُوماً تَمَادَى) أي: مُطْلَقاً لحَِقِّ الإمام.
ابن عبد السلام: والتمادي مشكلٌ– على رأي مَن يُوجب الإعادةَ– إذْ فيه مراعاةُ حقِّ الإمامِ بالتمادي على صلاة فاسدة يجب على المأموم إعادتها، ولا حق للإمام في ذلك.
وبالجملةِ فأكثرُ مسائل هذا الفصل قال بعض الشيوخ: إنها جَارِيّةٌ على الاستحسان.
انتهى.
فَإِنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ فَالْمَذْهَبُ: يُعيد ظُهْراً.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ خَافَ فَوَاتَهَا تَمَادَى وَلا إِعَادَةَ لِفَوَاتِهَا، وَإِلا قَطَعَ وَقَضَى وَلَحِقَ .... أي: فإن كان المأمومُ الذاكرُ للصلاةِ في صلاةِ جمعةٍ فإنه يتمادى مع الإمام ويُعيد ظهرًا، وهذا يَدل على أنها بدل من الظهر.
وقال أشهب: إنما يَتمادى إذا خاف فواتها، ولا يُعيدها ظُهرًا؛ لأن الظهر صلاةٌ أخرى.
وإليه أشار بقوله: (وَلا إِعَادَةَ لِفَوَاتِهَا) أي: لأن الجمعةَ فرضُ يومِها وقد فَرغت، وإنْ لم يَخَفِ الفواتَ قَطَعَ، وصلى الفائتةَ، ودخل مع الإمام، وفي نَقلِه لقولِ أشهبَ نقصٌ؛ لأنَّ ظاهرَه نفيُ الإعادة جملةً.
وقال أشهب: إنْ أعاد ظُهرا فحسنٌ، نقله ابن يونس.

فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ: يُعيد فِي الْوَقْتِ.
وَرَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَيْهِ ...... قولُ ابن القاسم المرجوعُ عنه شبيهٌ بقولِ أشهبَ في الفرعِ السابق، ومنشأُ الخلاف: هل الجمعةُ بدلٌ مِن الظهرِ أو فرضُ يومِها؟ وَفِي وُجُوبِ تَرْتِيبِ كَثِيرِ الْفَوَائِتِ قَوْلانِ.
وَلا تُقَدَّمُ إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ اتِّفَاقاً، وَتُقْضَى أي: اختُلف في وجوبِ ترتيبِ كثيرِ الفوائتِ مع الحاضرة على قولين، والْمَشْهُورِ سقوطُ الوجوب.
وقوله: (وَلا تُقَدَّمُ إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ اتِّفَاقاً) أي: لا يقدم الكثير من الفوائت على الحاضرة إذا ضاق وقتُ الحاضرة.
وحاصلُه أن الشاذ إنما يقول بوجوب ترتيبِ كثيرِ الفوائت مع سعةِ الوقتِ، وفي كلامِه نظرٌ لمَا نقلَه اللخميُّ، ولفظه: وقال محمد بن مسلمة: يَبدأ بالمنسيات– وإنْ كثرتْ– إذا كان يأتي بجميعِها مرةً واحدةً.
قال: ولو أنَّ رَجلاً صلى جُنبًا شهرين– ولم يعلم– فإنه يَبتدئ بها – قَبْلَ صلاةِ يومِه وإن خرجَ وقتُها– إذا كان لا يُفارقها حتى يصلي جميعها.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كانت صلوات كثيرة– فإن صلاها كلها فاته وقت الحاضرة– فإنه يصلي بعض تلك الصلوات، فإذا خاف فواتها صلاها ثم صلى ما بقي.
انتهى.
فقول ابن مسلمة ينقض الاتفاق الذي ذكره المصنف، وقد ذكر ذلك المازري، والله أعلم.
قال اللخمي: واختلف إذا ذكر صلوات كثيرة، وهو في أول وقت التي هو فيها، في أول وقت الظهر أو العصر، فقال ابن القاسم: إذا كان يقدر على أن يصلي ما نسي والظهر والعصر قَبْلَ الغروبِ بَدَأَ بما نَسِيَ، وإِلا بَدَأَ بالحاضرةِ.
واختلف النقلُ عن مالك، فرُوي عنه كذلك، ورُوي عنه أنَّ المُرَاعَى الاصفرارُ.
وقال أشهب وابن حبيب: المراعى في ذلك الوقت المختار، انتهى.
قوله: (وَتُقْضَى) نَبَّه فيه على خلافِ أهلِ الظاهرِ في قولهم: أنه يسقط القضاء عن العامد.
وهو لازمٌ؛ لقولِ ابنِ حبيبٍ القائلِ بتكفيرِ تاركِ الصلاةِ، على أنَّ بعضَهم نَسَبَ السقوطَ مع العمدِ لمالكٍ، لكنْ أنكر عياضٌ نسبتَه إليه.

وَيُعْتَبَرُ فِي الْفَوَائِتِ يَقِينُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ شَكَّ أَوْقَعَ أَعْدَاداً تُحِيطُ بِجِهَاتِ الشُّكُوكِ مقتضى كلامه أنه لا يُكتفى فيه بالظن، وهو الأصلُ؛ لأن الصلاةَ في الذمةِ بيقينٍ، فلا تَبرأ الذمةُ منها إلا بيقينٍ.
وقوله: (فَإِنْ شَكَّ) أي: في الإتيان، أو في الأعيان، أو في الترتيب.
فَلَوْ نَسِيَ صَلاةً- لا بِعَيْنِهَا- صَلَّى خَمْساً لأن الشكَّ لا يَزول إلا بالخَمْسِ.
فَإِنْ عَلِمَ عَيْنَهَا دُونَ يَوْمِهَا صَلاهَا، وَلا يُعْتَبَرُ عَيْنُ الأَيَّامِ اتِّفَاقاً أي: عَلم عينَ الصلاةِ بأنها ظهر أو عصر– مَثَلاً – صَلاها، ولم يُعْتَبَرْ عينُ الأيام اتفاقًا؛ أي: لا يطلب من المكلف تكرار الصلاة بحسب عدد أيام الأسبوع بالاتفاق؛ لأنه– وإن كرر تلك الصلاة– فلا يحيل في نيته إِلا على يومٍ مجهولٍ، وإن كان لا بُدَّ مِن الإحالةِ على جهالةٍ فلا فائدةَ في التَّكرار.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَعْيَانَ بَعْضِهَا، وَنَسِيَ التَّرْتِيبَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَخُرِّجَ [60/ب] اعْتِبَارُهُ مِنَ الشَّاذِّ فِيمَنْ نَسِيَ ظُهْراً وَعَصْراً مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لا يَدْرِي مَا السَّابقَةُ مِنْهُمَا يُصَلِّي ظُهْراً وَعَصْراً ثُمَّ عَصْراً وَظُهْراً، وَالصَّحِيحُ: يُصَلِّيهِمَا وَيُعيد الْمُبْتَدَأَةَ فَيَسْتَوْعِبُ التَّقْدِيرَيْنِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْيَوْمَانِ اتِّفَاقاً .... الضمير في (بَعْضِهَا) عائد على الأيام؛ أي: إذا علم الصلاة وشَكَّ، هل هي من الخميس أو من الجمعة لزمه الخمسُ أيضاً، كما لو لم يعلم ذلك، ولا يمكن عوده على الصلوات؛ إذ لا معنى له هنا؛ لأنه إذا علم أن عليه صلاة الظهر مثلاً وصلاةً أخرى غيرَ معيَّنة فلا إشكال أنه يصلي الظهرَ وصلاةً يومٍ كامل.

قوله: (وَخُرِّجَ اعْتِبَارُهُ مِنَ الشَّاذِّ) أي اعتبار تعيين الأيام، أي يُطلب من المكلف الصلاةُ مُضافةً إلى يومها.
ومُقابلُ الْمَشْهُورِ هو التخريج المذكور، وتصورُ القولين اللذين ذكرهما المصنف فيمن نسي ظهرًا وعصرًا ظاهرٌ.
ووقع في بعض النسخ بعد: لا يدري لفظة ما، وهي تحتمل أن تكون زائدة، أو مصدرية، أو استفهامية، وفي بعضها بإسقاطها.
وفي المذهب قول ثالث فيمن نسي ظهرًا وعصرًا من يومين معينين لا يدري ما السابقة منهما، فيكتفي بصلاة ظهر وعصر فقط، وهو أظهر؛ لأن ترتيب المفعولات إنما يطلب في الوقت، فإذا خرج الوقتُ سقط، والفرضُ أن الظهر والعصر فائتتان، فإذا صلاهما فلا وجه للإعادة.
وطلبُ الصلاة مع تعيين يومها مشكلٌ؛ لأنه لو طُلب ذلك مع تعيين الأيام لطلب مع عدمه، فلا يطلب ذلك بالاتفاق كما حكاه المصنف، وإنما قلنا: لو طُلب مع التعيين لطلب مع عدمه؛ لأن نية إيقاع الصلاة في يومها المعين إما أن يكون معتبرًا شرعًا أم لا؟ فإن كان معتبرًا شرعًا لزم ذلك في المعلوم والمجهول، وإن لم يكن معتبرًا سقط فيهما.
وقد يفرق بأنه لو طلب ذلك مع عدم التعيين للزم الحرجُ؛ لأنه كان يلزم تكرار صلاة جميع الأيام الماضية من عمره إلى الأيام التي يتيقن أنه أتى بجميع صلواتها.
وَضَابِطُهُ أَنْ تَضْرِبَهَا فِي أَقَلَّ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ تَزِيدُ وَاحِدةً؛ فَفِي الثَّلاثِ يُصَلِّي سَبْعاً، وَفِي الأَرْبَعِ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَفِي الْخَمْسِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ... أي: وضابط هذا الترتيب أن يضرب الصلوات المنسيات في أقل منها بواحدة، ثم تزيد صلاة واحدة، فإذا نسي ثلاث صلوات من ثلاثة أيام لا يدري ما السابقة منهن يصلي سبعًا؛ لأنه يضرب ثلاثة في اثنين، فيكون الحاصل سِتًا، ثم يزيد واحدة، ويبدأ بالظهر اختيارًا.
وقيل: بالصبح.

فَإِنِ انْضَمَّ شَكَّ فِي الْقَصْرِ فَالصَّحِيحُ- وَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ-: يُعيد كُلَّ حَضَرِيَّةٍ عَقِيبَهَا سَفَرِيَّةً عَلَى مَا ذُكِرَ فَتَتَضَاعَفُ الْحَضَرِيَّاتُ، وَالصَّحِيحُ الاسْتِحْبَابُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَصْرِ ..... أي: فإن انضم إلى ما تقدم الشكُّ في القصر، أي شك في الظهر والعصر مثلاً من يومين معينين لا يدري السابقة منها، وشك هل الظهر سفرية أم العصر؟ فإنه يصلي ست صلوات، لكن اختلف في صورة ترتيبها، والصحيح– على ما ذكر المصنف– أن يصلي ظهرًا حضرية، ثم ظهرًا سفرية، ثم عصرًا حضرية، ثم هي سفرية، ثم ظهرًا حضرية، ثم هي سفرية، وإن بدأ بالعصر فعلى ذلك.
ومقابل الصحيح: يحتمل أن يصلي ظهرًا حضرية، ثم عصرًا سفرية، ثم عصرًا حضرية، ثم ظهرًا سفرية، ثم ظهرًا حضرية، ثم عصرًا سفرية، فيقع له صلاة حضر بين صلاتي سفر، وبالعكس.
وهذا القول حكاه أبو محمد عن بعض الأصحاب، ويحتمل أن يريد أن يصلي ظهرًا وعصرًا تامتين، ثم مقصورتين، ثم تامتين، وهو الذي ذكره المازري عن ابن القاسم في العتبية.
المازري: وذكر ابن حارث قول ابن القاسم هذا فيما إذا شك هل الظهر والعصر سفريتان أم حضريتان؟ وليس كما نقل، بل ذكر في المستخرجة أنه يعلم أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية، ولا يدري ما السفرية منهما، وقد أطال المازريُّ النفسَ في هذه المسألة، فانظره.
وقوله: (عَلَى مَا ذُكِرَ) أي: على القانون المتقدم.
وفي هذه الأقوال إشكال؛ لأن إعادة من أتم في السفرية مستحبةٌ في الوقت، ولا وقت هنا، فالذي يأتي على أصل المذهب أن يصلي الحضريات ليس إلا.
وفي قوله: (فَتَتَضَاعَفُ الْحَضَرِيَّاتُ) إشكال؛ لأنه إذا صلى ثلاثًا صلاة سفر، وثلاثًا صلاة حضر لم تحصل مضاعفة البتة.

وأجيب بأنه لمَّا كان من الصلوات ما لا يُقصر كالمغرب والصبح كثرت الحضرياتُ حينئذ، ويكن مراده بالتضعيف مطلق الكثرة.
وقيل: المراد تتضاعف الحضريات، وفيهما بُعْدٌ.
وقوله: (وَالصَّحِيحُ الاسْتِحْبَابُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَصْرِ) أي: إعادة الحضرية سفرية ليس بواجب، وإنما هو مستحب على ما يأتي في بابه إن شاء الله.
وقوله: (عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أي: على الْمَشْهُورِ من أن القصر سنة، وعلى القول بأنه مستحب، وعلى هذا ففيه نظر؛ لأن قياس المشهور أن تكون الإعادة سنة، إِلا أن يكون تجَوَّزَ بإطلاق المستحب على السنةِ، وإنما اختص الاستحباب بهذين القولين؛ لأنه على القول بالتخيير يصلي صلاتي حضر، وعلى القول بالوجوب تكون الإعادةُ واجبةً– والله أعلم– وإلى هذا أشار ابن بشير.
ولَوْ نَسِيَ صَلاةً وَثَانِيَتَهَا وَلَمْ يَدْرِ مَا هُمَا صَلَّى سِتَّاً مُرَتَّبَةً الذي تقدم له في الضابط إذا علم أعيان الصلاة وجهل الترتيب فيها، وهذا بالعكس، عَلمَ الترتيبَ وجهل أعيانَها.
ويُصلي ستًا؛ يعني: ويختم بأي صلاة بدأ بها، ويبدأ بالظهر اختيارًا؛ لأنهما إن كانتا ظهرًا وعصرًا، أو عصرًا ومغربًا، أو مغربًا وعشاء، أو عشاء وصبحًا، أو صبحًا [61/ أ] وظهرًا، فقد أتى بهما.
ولَوْ نَسِيَ صَلاةً وَثَالِثَتَهَا صَلَّى سِتّاً يُثَنِّي بِثَالِثَتِهَا، وَفِي رَابعَتِهَا برَابِعَتِهَا، وَفِي خَامِسَتِهَا بِخَامِسَتِهَا، فَلَوْ نَسِيَ صَلاةً وَسَادِسَتَهَا فَهُمَا مُتَمَاثِلَتَانِ مِنْ يَوْمَيْنِ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ حَادِيَةَ عَشْرَتِهَا وَسَادِسَةَ عَشْرَتِهَا تصورها ظاهر لمن تأمله.

وَللسَّهْوِ سَجْدَتَانِ، وَفِي وُجُوبِهِمَا قَوْلانِ أطلق- رحمه الله- الخلافَ في وجوبهما، والخلافُ إنما هو في اللتين قبل السلام.
وأما اللتان بعد السلام فلا خلاف في عدم وجوبهما.
قال في الإشراف: ومقتضى مذهبنا وجوب القبلي.
قال: وكان الأبهري يمتنع من إطلاق الوجوب.
وقال المازري: ذكر القاضي أبو محمد أنه يتنوع لواجب وسنة، ومعناه: أن البَعدي سنة، والقبلي واجب، على قولنا: إنه إن أخّر ما قبل السلام بعد السلام تأخيرًا طويلاً فسدت الصلاة.
ابن عبد السلام: والتحقيق عدم وجوبه؛ لأن سببه غير واجب.
خليل: وقد يُعترض عليه بوجوب الهدي في الحج عما ليس بواجب.
فَفِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلامِ، وَفِي النُّقْصَانِ وَحْدَهُ- أَوْ مَعَهَا- قَبْلَهُ، وَرُوِيَ التَّخْييرُ دليل الزيادة: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ذي اليدين: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين في إحدى صلاتي العَشِيِّ ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، وخرجت السَّرَعانُ من أبواب المسجد فقالوا: قُصِرَت الصلاة.
وفي القوم أبو بكر، وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر.
فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم.
فتقدم عليه الصلاة والسلام فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام)).
ودليل النقصان: حديث ابن بُحينة، قال: ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من اثنتين ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام))، قال ابن أبي حازم، وعبد العزيز بن أبي مسلمة: يسجد لهما سجدتين قبل وبعد.

وقوله: (وَرُوِيَ التَّخْييرُ) يعني: إن شاء سجد قبل أو بعد، كان السبب زيادة أو نقصانًا أو هما معًا، وهذا القول حكاه اللخمي.
وَسُجُودُ الْمُتِمِّ للِشَّكَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: الذي يشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا فإنه يبنى على ثلاث، ويصلي أخرى، ويسجد بعد السلام؛ لانحصار أمره في الزيادة وعدم النقص.
فقال ابن لبابة: يسجد للزيادة بعد السلام إلا في هذه الصورة فإنه يسجد قبل، لحديث أبي سعيد الخدري، وهو الصحيح.
وَفِي سُجُودِ الْمُوَسْوِسِ: قَوْلانِ، ثُمَّ فِي مَحِلِّهِ: قَوْلانِ القولان في السجود لمالك، و (الْمُوَسْوِسِ) هو الذي تكثر عليه الشكوك، والقول بأن محله بعد السلام رواه ابن القاسم، والقول بأن محله قَبْلَ السلام لابن حبيب.
وَفِي تَشَهُّدِ الْقَبْلِيَّةِ رِوَايَتَانِ الْمَشْهُورِ إعادة التشهد وهو اختيار ابن القاسم، وهو الذي يؤخذ من الرسالة، والعمل عليه الآن ببلاد المغرب، ووجهه أن من سنة السلام أن يكون عقب تشهد.
والقول بعد إعادته لمالك أيضاً، وذكر في الجلاب أنها رواية ابن القاسم عنه، واختارها عبد الملك، ووجهه أن سنة الجلوس الواحد ألا يتكرر التشهد فيه مرتين.
وَفِي سِرِّ سَلامِ الْبَعْدِيِّةِ قَوْلانِ القولان لمالك، وروى ابن القاسم وابن زياد عنه أن السلام منهما كالسلام من الفريضة.
وروى غيرهما أنه يسره كالسلام من الجنازة.
ابن عبد السلام: وهذا– والله أعلم– لغير الإمام، وأما الإمام فيجهر به ليقتدي به.

وفي ذِكر المصنف الخلافَ في صفة السلام إشعارٌ بأن ثبوت السلام متفق عليه، وهو كذلك.
وأُخِذَ مِن قوله في المدونة إذا انتقض وضوؤه قبل السلام منهما أنه إِن لم يُعِدْهُما فلا شيء عليه عدمُ اشتراط السلام للبعدي، وفيه نظر.
وَفِي الإِحْرَامِ لِلْبَعْدِيَّة، ثَالِثُهَا: يُحْرِمُ إِنْ سَهَا وَطَالَ قال ابن عطاء الله: الْمَشْهُورِ افتقاره إلى الإحرام.
وأطلق، قال: لاستقلاله بنفسه.
ونفيُ الإحرام مطلقاً لمالك في الموازية.
والثالث: لابن القاسم في المجموعة.
وما حكاه المصنف مِن الخلاف مطلقاً موافقٌ لِلَّخمي، مخالفٌ لابن يونس والمازري، فإنهما لم يحكيا الخلاف إلا مع الطول.
ابن راشد: ويصحح نقل المصنف ما قاله محمد: كل من رجع إلى إصلاح صلاته فيما قرب يرجع بإحرام، قال: فإذا قلنا يحرم فيكتفي بتكبيرة الإحرام عن تكبيرة الهُوِيِّ، لما في الموطأ من حديث ذي اليدين: فصلى ركعتين أخريين، ثم كبر فسجد بعد.
وذلك يقتضي أنه كبر تكبيرة واحدة.
وفيه من طريق هشام بن حسان أنه كبر ثم كبر، قال الناس: وذلك وهم، انتهى.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَحِلِّ، وَالْوُجُوبِ لَوْ قَدَّمَ أَجْزَأَهُ.
وَقِيلَ: يُعيدهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَبْطُلُ عَمْدُهُ ...... (الْوُجُوبِ) معطوف على (الْمَشْهُورِ) لا على (الْمَحِلِّ)؛ لأنه لم يتقدم له مشهور في الوجوب، وقد تقدم أنه إنما اختلف في وجوب القبلي، وعلى هذا يشكل قوله: (لَوْ قَدَّمَ أَجْزَأَهُ)؛ لأن المسألة مفروضة في السجود البعدي وليس فيها قول بالوجوب.
والقول بأنه يُعيده بعد السلام لابن القاسم في العتبية، يريد إذا فعله سهوًا، كذا قيده في العتبية.
[61/ب] قال في البيان: ويلزم عليه إعادة العامد والجاهل.
وكذا نص أشهب أنه يُعيد

الصلاة إذا قدمه جاهلاً أو عامدًا.
وفي الموازية: لا إعادة عليه للسجود بعد السلام إذا سجد قبله ناسيًا أو متعمدًا؛ مراعاة للخلاف.
واختلف الشيوخ في تأويل المدونة مجملها في البيان على نفي الإعادة مطلقاً.
وجعل ابن لبابة رواية عيسى بالفرق بين الناسي والعامد تفسيرًا للمدونة، قال في البيان: وإنما هو خلاف.
فَلَوْ أَخَّرَهُ فَأَوْلَى بالصِّحَّةِ أي: فإن أخر السجود القبلي إلى بعد السلام فالصحةُ فيه أولى من الصحة في الفرع الذي قبله.
ووجه الأولوية أن المنافاة في الأولى أظهرُ لإدخال ما ليس من صلب الصلاة فيها، وكذلك قال أشهب بالإبطال عمدًا، ولا كذلك هنا.
وبهذا يندفع قول ابن عبد السلام: في هذه الأولوية نظر.
ثم قال: وانتظر معنى المسألة فيمن أخّر عمدًا أو سهوًا، أو عمدًا فقط.
وقد نص ابن المواز على مَن سلم ساهيًا قبل السجود القبلي أنه يرجع بنية وتكبيرة كما يرجع للسجود الذي هو صلب الصلاة، والمدونة عندي محتملة لذلك.
انتهى.
فَإِنْ سَهَا عَنِ الْبَعْدِيَّةِ سَجَدَ مَتَى مَا ذَكَرَ، وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ قوله: (مَتَى مَا ذَكَرَ) نحوه في المدونة.
وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أن السهو إن كان من فريضة سجد في كل وقت، وإن كان من نافلة فلا يسجد في وقتٍ تكره فيه النافلة.
واختلف هل هو تفسير للمدونة أو خلاف؟ قال ابن القاسم في العتبية: وإن ذكر وهو قائم فلا يهوي ساجداً بل يقعد ويتشهد.
فإن قلت: لِمَ أمر به ولو بعد شهر وليس هو بفرض، والقاعدة أن النافلة لا تقضى؟ فالجواب أنه لما كان جابرًا للفرض أمر به لتبعيته لا لنفسه.

ابن هارون: ولا أدري لم أنث القبلية والبعدية، ولا يصح أن يريد الجلسة من السجود كما ذهب إليه بعضهم؛ لأنه لم يَسْهُ عنه بانفراده، وإنما سها عن السجود جملة.
فَإِنْ كَانَ فِي صَلاةٍ فَبَعْدَهَا أي: فإن ذكر البعدي وهو في صلاة.
وكلامه ظاهر.
فَإِنْ سَهَا عَنِ الْقَبْلِيِّ سَجَدَ مَا لَمْ يَطُلْ أَوْ يُحْدِثْ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَثَالِثُهَا: تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنِ نَقْصِ فِعْلِ لا قَوْلٍ.
وَرَابِعُهَا: تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنِ الْجُلُوسِ أَوِ الْفَاتِحَةِ.
وَخَامِسُهَا: تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ تَكْبِيرَتَيْنِ، أَوْ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّتَيْنِ .... يعترض عل المصنف بذكر الحدث من وجهين: أحدهما: أن قوله: (مَا لَمْ يَطُلْ) يُجزئ عنه؛ لأنه إذا أحدث افتقر إلى الوضوء فيطول الأمرُ بفعله.
الثاني: تخصيصه الحدث بهذا الحكم – من بين سائر الموانع – لا معنى له؛ لأنه لو تكلم أو لمس نجاسة أو استدبر القبلة عامدًا كان حكمُ ذلك حكمَ الطول، والطولُ معتبرٌ عند ابن القاسم بالعرف.
وقال أشهب: بالخروج مِن المسجد.
قيل له: فلو كان في صحراء؟ قال: يسجد ما لم يجاوز من الصفوف قدر ما لا ينبغي أن يصلي بلاتهم.
قال: وهو استحسان.
قال: والقياس أن يسجد ما لم ينتقض وضوؤه.
وهذا الخلاف أيضاً فيمن نسي ركعة أو سجدة، وحيث أمرناه أن يسجد مع القرب، فقال ابن المواز: يسجد في موضعِ ذَكَرَ، إلا أن يكون عوضاً عن متروكٍ من صلاة الجمعة، فلا يُجزئ إلا في الجامع.
نقله الباجي.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أي: الطول أو الحدث، وكان تامَّة، وذكر خمسة أقوال: الصحة مطلقاً، حكاه ابن الجلاب عن بعد الملك.
وحكاه اللخمي والمازري عن ابن عبد الحكم، وزاد فيه: ولو كان على الجلوس الأول أو الفاتحة.

والبطلان مطلقاً لابن القاسم.
والثالث: رواه ابن عبد الحكم عن مالك في المختصر.
وقوله في الرابع: (تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنِ الْجُلُوسِ) أي: الوسط.
(أَوِ الْفَاتِحَةِ) أي: في قول من يرى سجود السهو كافيًا عنها، وهو قول ابن القاسم في المختصر.
والخامس: لمالك، وحاصلهُ التفرقة، فإن كان عن سُنتين– كتكبرتين– لم تبطل لخفة الأمر، وإن كان عن ثلاثٍ كالجلسة الوسطى، أو ثلاث تكبيرات أبطل، وبه كان يفتي غير واحد، وهو مذهب المدونة، والرسالة.
ووقع في بعض النسخ بإثر الكلام المتقدم: وفرق فيها بين مرتين وثلاثًا، أي: كالقول الخامس، قال فيها: وإن ترك تكبيرتين أو التشهدين فليسجد قبل السلام، وإن لم يسجد حتى تطاول الأمر أو انتقض وضوؤه أجزأته صلاته، وإن نسي ثلاث تكبيرات، أو سمع الله لمن حمده سجد قبل السلام، وإن نسي أن يسجد حتى سلم سجد بالقرب، وإن تطاول ذلك أعاد الصلاة.
قال المازري: وسبب الخلاف أن من اعتبره بحال ما هو عوض عنه لم يبطل الصلاة؛ لأنه عوضٌ عن متروك ليس بواجب.
وإلى هذا كان يميل بعض أشياخي المحققين.
ومَن أبطل الصلاة به مطلقاً إذا طال فإنه لم ينزله منزلة ما هو عوض عنه، ولا يبعد أن يكون ترك مندوبًا علمًا على وجوب فعل آخر، ومن فصّل اعتبر الجزء المتروك وخفته.
انتهى.
فرع: ابن راشد: فإذا قلنا بالصحة فهل يكونان كسجدتي الزيادة يسجدهما متى ما ذكر، أو يسقطان؟ قولان: ففي التفريع: إن كانتا عن ترك قولٍ أو صفة قول سجد متى ما ذكر، طال أو لم يطل.
ورأيت في اللباب عن ابن القاسم أنه قال بالسقوط فيما لم ير فيه إعادة، قال: ووجهه أنها سنة مرتبطة بالصلاة وتابعةٌ، ومِن حُكم التابع أن يُعطى حكم المتبوع [62/ أ]

بالقُرب، فإذا بَعُدَ لم يُلْحَقْ به.
انتهى.
وحكى بعضهم عن محمد بن عبد الحكم أنه يسجد متى ما ذكر كالبعدي.
فَإِنْ كَانَ فِي صَلاةٍ وَحُكِمَ بِبُطْلانِ الأُولَى فَهُوَ كَذَاكِرِ صَلاةٍ، وإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلانِهَا لِسَهْوٍ وَانْتِفَاءِ طُولٍ وَحَدَثٍ فَهُوَ كَتَارِكِ بَعْضِ صَلاةٍ.
أي: فإن ذَكَرَ السجود القبلي وهو في صلاة، فإن قلنا بالبطلان فذلك بمنزلة مَن ذكرة صلاةً في صلاةٍ، وقد تقدم، وإن لم نَقُل ببطلان الأُولى لسهوٍ، أي: لم يتعمد ترك السجود في محله فهو كذاكرِ بعض صلاة؛ أي: فيكون ذلك البعض فرضًا.
ثم ذكر حكم تارك بعض الصلاة فقال: وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، فَرْضٌ فِي فَرْضٍ: إِنْ طَالَ بَطَلَتْ، وَيُعْتَبَرُ الطُّولُ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ: بِعَقْدِ الرَّكْعَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِلا أَصْلَحَ الأُولَى.
نَفْلٌ فِي نَفْلٍ: إِنْ طَالَ تَمَادَى، وَإِلا فقَوْلانِ.
فَرْضٌ فِي نَفْلٍ: كَالأُولَى، وَقِيلَ: تَبْطُلُ الأُولَى مطلقاً.
نَفْلٌ فِي فَرْضٍ: يَتَمَادَى عَلَى الأَصَحِّ .... أي: ولمَن ذكر بعضَ صلاة في أخرى.
وقوله: (فَرْضٌ فِي فَرْضٍ) أي: يَذكر السجودَ مِن صلاة فريضة وهو في صلاة فريضة أخرى، وتقديره: فرضٌ مذكورٌ سجودُه في فرضٍ.
وفي حَدِّ الطُّولِ أربعة أقوال: أحدها: أنها تبطل إذا أطال القراءة في الثانية أو ركع، وهو لابن القسم في المدونة، ولم يتعرض له المصنف وكان حقه أن يذكره، ولفظها: فإن كانت القبليتان من فريضة فذكرهما بقرب صلاته رجع إليهما بغير سلام، وإن أطال القراءة في هذه أو ركع بطلت الأولى، فإن كانت هذه الثانية نافلة أتمها، وإن كانت فريضة قطعها، إلا أن يعقد منها ركعة فيشفعها استحبابًا، ثم يصلي الأولى ثم الثانية.

الثاني: أن المعتبرَ الطولُ، فلا تبطل إذا ركع ركعة خفيفة إلا أن يطول فيها، لابن وهب.
الثالث: أنه إن صلى ركعة كان مخيرًا بين القطع لإصلاح الأولى، أو يمضي على صلاته، رواه ابن وهب عن مالك.
والرابع: أنه يرجع وإن صلى ثلاث ركعات، حكاه ابن بشير.
قوله: (وَقِيلَ: بِعَقْدِ الرَّكْعَةِ) هو الخامس، وحكاه ابن بشير أيضاً ولم يَعْزُه.
وأل في القولين للعهد، وهما ما تقدم، هل عقد الركعة برفع الرأس أو بوضع اليدين؟ وقوله: (وَإِلا أَصْلَحَ الأُولَى) أي: وإن لم يطل رجع وأصلح الأولى، ويسجد بعد السلام.
فإن قيل: كيف قال: وإن طال بعد أن فرضها فيما إذا لم يطل؟ قيل: الطول المنفي أولاً الطولُ في غير الصلاة، والطول الثاني باعتبار ما إذا تلبَّس بصلاةٍ أخرى، ولهذا أطلق في الطول أوَّلاً، وذكر الخلاف ثانيًا، والله أعلم.
وقوله: (نَفْلٌ فِي نَفْلٍ: إِنْ طَالَ تَمَادَى) أي: ولا قضاء عليه للأُولى؛ لأنها قد بطلت سهوًا، والأصل في النافلة– إذا بطلت على غير وجه العمد – أنه لا يلزمه قضاؤها.
وإن لم يطل فقولان.
قال في المدونة: يرجع إلى الأولى ما لم يركع؛ يعني: أو يطول القراءة كما في الفرض.
قال في المدونة: ثم يبتدئ التي كان فيها إن شاء.
والقول بالتمادي مطلقاً حكاه ابن بشر، ووجهه أنه لا يصح له ولا نافلة منهما.
وقوله: (فَرْضٌ فِي نَفْلٍ: كَالأُولَى) أي: فإن طال بطلت.
ويقع في بعض النسخ كالأول؛ أي: كالوجه الأول أو كالقسم الأول.

وقوله: (تَبْطُلُ الأُولَى مطلقاً) لأن مضادة نية النافلة بالفريضة أقوى من مضادة نية الفريضة للفريضة، وهذا قول مالك في مختصر ما ليس في المختصر.
وقال أشهب: يرجع إلى المكتوبة ولو صلى سبع ركعات.
وكذلك قال مطرف فيمن نسي السلام من مكتوبة وأحرم لنافلة أنه يرجع إلى المكتوبة وإن طال، ورأى أن حرمة الصلاة باقية إذا لم يسلم منها، وكذلك وافق على مسألة المصنف.
قوله: (نَفْلٌ فِي فَرْضٍ: يَتَمَادَى عَلَى الأَصَحِّ) الأصح لابن القاسم حكاه عنه ابن المواز.
وقال ابن عبد الحكم: يرجع إلى إصلاح النافلة.
وأطلق في القولين.
وقال بعضهم: إن طال فليس إلا التمادي على الفريضة.
وهو الظاهر.
وحيث قلنا يرجع إلى الأولى فإنه يرجع بغير السلام، والله أعلم.
تنبيه: ما تقدم من لفظ المدونة اختلف في تأويله الشيوخ: فحمله أبو عمران وعبد الحق على ظاهره من الفرق بين الفريضة والنافلة، وأنه يقطع في الفريضة ما لم يركع، ويمضي في النافلة مطلقاً، وقد نص في الموازية على ذلك، وذهب غيرهما إلى أن في قوله في الفريضة بعد عقد ركعة يشفعها استحبابًا إشارة إلى جواز القطع أيضاً بعد عقد ركعة، وهو خلاف ما تقدم له في المدونة فيمن ذكر فريضة في فريضة، أنه إن عقد ركعة أكملها نافلة، وإنما اختلف قوله إذا لم يعقد ركعة.
وتقدم له أيضاً أنه إذا ذكر فريضة في نافلة أنه إن لم يعقد ركعة قَطَعَ، وإن عقد فقولان.
وظاهرُ كلامه هنا التمادي مطلقاً، فذهب بعضهم إلى أن قوله هنا خلاف ما تقدم له في الفرض والنفل.
قال في التنبيهات: وذهب بعضهم إلى أن قوله لا يختلف هنا بعد عقد الركعة في الفرض والنفل.
قال في التنبيهات: وذهب بعضهم إلى أن قوله لا يختلف هنا بعد عقد الركعة في الفرض والنفل، إلا بعد ثلاث في الفرض أنه يشفع لاتساع الوقت هنا، بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاته؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، فلذلك اختلف هنالك قوله بالقطع أو بالخروج عن شفع.
انتهى.

سَبَبُهُ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ يريد: أوْ هما معًا.
فَكَثِيرُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاةِ مُبْطِلٌ مطلقاً، وَإِنْ وَجَبَ كَقَتْلِ مَا يُحَاذَرُ وَإِنْقَاذِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ...... أي: فكثير الفعل من غير جنس الصلاة، وأما من جنسها فسيأتي.
وقوله: (مطلقاً) أي: ولو سهوًا، كذا حكى ابن بشير، [62/ ب] وهو ظاهر كلام ابن شاس.
قال الباجي: العمل في الصلاة على ثلاثة أضرب: أحدها: اليسير جدًا كالغمزة، وحك الجسد، والإشارة، فهذا لا يُبطل الصلاة لا عمدُه ولا سهوه، وكذلك المشي إلى الفُرج القريبة.
وثانيها: ما كان أكثر من ذلك فيُبطلها عَمْدُه لا سهوه، كالانصراف.
واختلف أصحابنا في الأكل والشرب، فقال ابن القاسم: يُبطل الصلاة عمده وسهوه.
وقال ابن حبيب: لا يبطلها إلا أن يطول جدًا كسائر الأفعال.
يريد: ويجزئه سجود السهو.
وكذلك قال ابن رشد: إذا كان الفعل لا يجوز كأكله وشربه، فقيل: يبطل صلاته.
وقيل: يجزئه سجود السهو.
وثالثها: الكثير جدًا كالمشي الكثير، والخروج من المسجد فهذا يُبطل عمدُه وسهوه.
وقوله: (وَإِنْ وَجَبَ) تأكيد للإبطال؛ لئلا يُتوهم نفي الإبطال مع الوجوب.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون البطلان مع اتساع الوقت، وإذا ضاق بقدر ما يُحاذر فقد يقال أنه يؤدي الصلاة على تلك الحال كالمُسَايَفَةِ، وفي استحباب الإعادة بعد ذلك في الوقت نظر، كمن يخاف أن ينزل عن دابته لخوف لصوص أو سباع، وكذلك إنقاذ النفس في هذا، ولا يبعد إلحاق المال الكثير بهذا.
انتهى.

وَالْقَلِيلُ جِدّاً مُغْتَفَرٌ، وَلَوْ كَانَ إِشَارَةً بِسَلامٍ أَوْ رَدٍّ وَنَحَوْهِ أَوْ لِحَاجَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ الأصل في هذا إدارةُ النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس عن يمينه، وإصلاحه صلى الله عليه وسلم رداءه بعد الإحرام، وغمزه لعائشة حين السجود لتضم رجليها.
وقوله: (مُغْتَفَرٌ) يريد مع إباحته؛ لقوله: (وَلَوْ كَانَ إِشَارَةًخ فإن المهشور الجوازُ، ومقابِلُ المشهورِ الكراهةُ، رواها علي بن زياد، فإنه روى كراهة السلام على المصلي، ورده بيده أو رأسه.
وفصَّل ابن الماجشون فقال: لا بأس بالمصافحة في الصلاة، وبالإشارة برد السلام في المكتوبة، وأما الشيء يعطيه فلا أحبه، وقد يخطيه فيكون ليفهم.
نقله صاحب النوادر وغيره.
وفصل ابن بشير في القليل جدًا فقال: إن لم تدع إليه ضرورة ولم يكن من مصلحة الصلاة فهو مكروه، وإن كان من مصلحتها أو دعت إليه ضرورة كإنقاذ نفس أو مال أو قتل ما يحاذر لم يكره.
وقسَّم في المقدمات اليسيرَ على ثلاثة أقسام: منها ما يجوز كقتل عقرب تريده، ولا شيء فيه.
ومنها ما يكره كقتلها وهي لا تُريده، فهذا يتخرج السجود فيه على قولين.
ومنها ما يمنع كالأكل والشرب، فهذا قيل: يسجد له.
وقيل: تبطل الصلاة.
فرع: لو أطال الجلوس أو التشهد أو القيام، فقال ابن القاسم: ذلك مغتفر.
وقال سحنون: عليه السجود.
وفرق أشهب فقال: إن أطال في محل شرع تطويله كالقيام والجلوس فلا سجود، وإن أطال في محل لا يشرع فيه الطول كالقيام من الركوع أو الجلوس بين السجدتين سجد.
قال في البيان: وهو أصح الأقوال.

وَلِذَلِكَ لَمْ يُكْرَهِ السَّلامُ عَلَى الْمُصَلِّي فَرْضاً أَوْ نَفْلاً أي: ولجواز الإشارة بالسلام، وجواز الإشارة بالرد لم يكره السلام على المصلي، سواء كان يصلي فريضة أو نافلة.
وَفِيهَا: وَلا يَرُدُّ عَلَى مَنْ شَمَّتَهُ إِشَارَةٌ، وَلا يَحْمَدُ إِنْ عَطَسِ كأنه نسب المسألة إلى المدونة لإشكالها بسبب تفرقتها بينه وبين رد السلام، وكلاهما مطلوب.
وفرق بوجهين: الأول: أن رد السلام متفق على وجوبه، والردُّ على المشمِّت مختلفٌ فيه بالوجوب والندب، فلا يلزم من إباحة المجمع عليه إباحة المختلف فيه.
والثاني: أن سبب الرد على المشمت منتفٍ؛ فينتفي لانتفاء سببه.
وبيانه أن سبب التشميت الحمدُ من العطاس، والمصلى العاطسُ مأمورٌ بترك الحمدِ لاشتغاله بالصلاة، وهذا إنما يتمشى إذا قلنا أن المصلى لا يحمد ربه.
قال سحنون، فإنه قال: لا يحمد سرًا ولا جهرًا.
ويقرب منه ما قاله في المدونة: لا يحمد الله، فإن فعل ففي نفسه، وتركه خير له.
وقيل: يحمد سرًا.
وقيل: جهرًا.
وَفِيهَا: إِنْ أَنْصَتَ لِمُخْبِرٍ يَسِيراً جَازَ كذا قال ابن بشير، قال: وإن طال الإنصات جدًا أبطل الصلاة؛ لأنه انشغل عن الصلاة، وإن كان بين ذلك سجد بعد السلام.
وَابْتِلاعُ شَيْءٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مُغْتَفَرٌ يعني: لعموم الضرورة.
قال في المدونة: إن ابتلع حبة بين أسنانه لم تبطل صلاته.
وهو يحتمل الإباحة والكراهة، وهو أقرب؛ ولذلك جاء الترغيب في السواك عند كل صلاة خشية التشويش على المصلي بما يبقى بين أسنانه من الطعام.

وَالْتِفَاتُهُ وَلَوْ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ مُغْتَفَرٌ إِلا أَنْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ الالتفات مكروه إلا لضرورة، فأما كراهته فلما في البخاري: عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد))، وفي أبي داود: ((ولا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في الصلاة ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه)).
وأما إجازته للضرورة فلفعل أبي بكر – رضي الله عنه – حال التصفيق.
وقوله: (وَلَوْ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ) مقيد بما إذا لم ينقل رجليه، وإلا لم يكن مستقبلاً.
وَتَرْوِيحُ رِجْلَيْهِ مُغْتَفَرٌ ترويح الرجلين؛ أي: يرفع واحدة ويعتمد على الأخرى.
ابن عبد السلام: وهذا إذا كان لطول قيام وشبهه، وإلا فمكروه.
انتهى.
وظاهر المدونة جوازهُ مطلقاً.
فرعان: الأول: كره مالك في المدونة أن يفرق رجليه ويعتمد عليهما، وهو الصفق المنهي عنه.
وفسره أبو محمد بأن يجعل حظهما من القيام سواء راتبًا دائمًا.
قال: وأما إن فعل ذلك اختيارًا، وكان متى شاء روح واحدة [63/ أ] ووقف على الأخرى فهو جائز.
الثاني: قال في المدونة: أكره أن يصلي وكُمُّه محشُوٌّ خبزًا أو غيره، أو يفرقع أصابعه في الصلاة.
وكره مالك في العتبية تنقيض الأصابع في المسجد وغيره.
وقال ابن القاسم في العتبية: إنما أكرهه في المسجد: قال في البيان: كره مالك ذلك في المدونة في الصلاة خاصة.
ولم يتكلم على ما سوى الصلاة، وكرهه مالك هنا في المسجد وغيره وفي الصلاة؛ لأنه من

فعلِ الفتيان وَضَعَفَةِ الناس الذين هم ليسوا على مستٍ حسنٍ.
وكرهه ابن القاسم في المسجد دون غيره؛ لأنه من العبث الذي لا ينبغي أن يُفعل في المساجد.
انتهى.
وأجاز مالك في العتبية تشبيك الأصابع في المسجد إذا لم يكن في الصلاة.
قال اللخمي: ولا يعبث المصلي بلحيته ولا بخاتمه.
وقيل: لا بأس أن يحوله في أصابعه كلها لعدد ركوعه خوف السهو.
ويُكره أن يكون لباسه مما يشغله النظر إليه كعَلمٍ أو غيرِه.
انتهى.
ولهذا كره مالك في المدونة تزويق القبلة والكتابة فيها.
وَمَا فَوْقَهُ مِنْ مَشْيٍ يَسِيرٍ وَشِبْهِهِ إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَانْفِلاتِ دَابَّتِهِ أَوْ مَصْلَحَةٍ مِنْ مَشْيٍ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ أَوْ دَفْعِ مَارَّ دَفْعاً خَفِيفاً فَمَشْرُوعٌ .... أي: وما فوق القليل جدًا.
قال في المدونة: لا بأس أن يشمي فيما قرب بين يديه أو عن يمينه أو عن شماله.
قال بعضهم: ويقهقر إليها إن كانت خلفه.
فرع: قال في المدونة: فإن تباعدت الدابة قطع وطلبها.
قال في البيان: هذا إن كان في سعة من الوقت، وإلا تمادى وإنْ ذهبتْ، ما لم يكن في مفازةٍ، ويخاف على نفسه إن تركها.
انتهى.
ومن هذا الأسلوب من خُطف رداؤه في الصلاة، أو نحو ذلك.
وفي العتبية لمالك: إذا دخلت شاة فأكلت ثوبًا أو عجينًأ، فإن كان في مكتبوبةٍ فليتمادى على صلاته ولا يشتغل بطردها.
قال في البيان: ولم يفرِّق مالك بين ما له بال وقدر، وبين ما لا بال له.
انتهى.
وإلى الفرق بين ذلك ذهب ابن القاسم في سماع موسى عنه، قال: وهو الأظهر عندي.
انتهى.
ولسحنون في إمامٍ خاف على صبي أو أعمى أن يقع في بئر، أو ذكر متاعًا له خاف عليه التلف أن له أن يخرج لذلك ويستخلف.
وقوله: (مَصْلَحَةٍ) أي: من مصالح الصلاة مِن مشيٍ لسترة.
ابن عبد السلام: وأكثر عبارات أهل المذهب: الصفان، وربما قالوا: والثلاثة.

وقال أشهب في المارِّ: إن كان قريباً مشى إليه، وإن كان بعيداً أشار إليه ليرجع.
ابن عبد السلام: وهذا عندي خلافُ ما قاله ابن العربي أن ليس للمصلي حريم إلا مقدار ثلاثة أذرع، وأن لا إثم عليه فيما بين ذلك.
وقوله: (فَمَشْرُوعٌ) جواب ل (إِنْ) وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَإِنْ أَخَالَ الإِعْرَاضَ فَمُبْطِلٌ عَمْدُهُ، وَمِنجَبِرٌ سَهْوُهُ، وَإِلا فَمَكْرُوهٌ أي: وإن كان الفعل لغير ما ذُكر، وهو مع ذلك فوق القليل جداً.
(فَإِنْ أَخَالَ الإِعْرَاضَ) أي: أشبه المِنصرف عن الصلاة، يُقال: أَخال، يَخال، إِخالة إذا أشبهَ غيرَه، ومِنه قياس الإِخالة؛ أي: الشَّبَه، وليس هو مِن خال بمعنى ظن.
ويقع في بعض النسخ عوضَ أخال أطال، وليس بظاهرٍ؛ إِذِ الكلام في الفعل القليل.
وقوله: (فَمُبْطِلٌ عَمْدُهُ) ظاهر، فإنه زاد فعلاً مِن غير جنس الصلاة على سبيل العمد مع مكونه مُخِيلاً للإعراض.
وقوله: (وَمُِنْجَبِرٌ سَهْوُهُ) أي: بالسجود بعد السلام.
وقوله: (وَإِلا فَمَكْرُوهٌ) أي: وإن لم يكن مُخيلاً للإعراض مع كونه فوق اليسير فهو مكروه- أي عمده- وأما السهوُ فلا يوصف بالكراهة، ولا يَبعد السجود في هذا القسم.
وقد تقدم مِن كلام ابن رشد في القسم المكروه- كما إذ قتل عقرباً لا تريده- أنه يتخرج في ذلك قولان في السجود.
وَفِيهَا: وَلَوْ سَلَّمَ مِن اثْنَتَيْنِ فَأَكَلَ وَشَرِبَ بَطَلَتْ.
وَفِيهَا: إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي الصَّلاةِ أَجْزَأَهُ سُجُودُ السَّهْوِ.
فَقِيلَ: اخْتِلافٌ.
وَقِيلَ: لا.
وَفُرِّقَ بِالْكَثْرَةِ إِمَّا لأَنَّ الأُولَى مَعَ السَّلامِ وَإِمَّا لأَنَّ فِيهَا أَكَلَ وَشَرِبَ وهَذِهِ أَوْ شَرِبَ ..... لعله أتى بهذه المسألة لتضمِنها إبطال بعض أقسام القاعدة المتقدمة؛ فإنَّ هذا فعلٌ متوسطٌ مُخيلٌ للإعراض على سبيل السهو، وقد نص مالك فيه على البطلان،

وهو خلافُ ما قاله المصنف أن حكمه السجود.
ويمكن أن يُجاب عنه بأن انضمام السلام صيَّره كالكثير.
وقوله: (فأَكَلَ وَشَرِبَ وهَذِهِ أَوْ شَرِبَ) يعني أن هذه المسألة رويت على وجهين، وتصوره واضح.
وقوله: (إِمَّا لأَنَّ الأُولَى مَعَ السَّلامِ) هذا فرقٌ على روايةِ مَن روى: أو شرب بأو.
وقوله: (وَإِمَّا لأَنَّ فِيهَا أَكَلَ وَشَرِبَ) هذا فرق على رواية مِن روى بالواو، وحاصله أن بالواو يكون الفرق بالوجهين مِن جهة الجمع والسلام، وبأو مِن جهة السلام فقط.
فرع: اختلف في السلام سهواً، هل يُخرج المصلي عن حكم صلاته، أوْ لا؟ على قولين، حكاهما صاحب البيان وغيره.
ونسب في المقدمات القولَ بأنه لا يخرجه لأشهبَ وابنِ الماجشون، واختاره ابنُ المواز.
قال: وعليه فيرجع للصلاة بغير إحرام، والقول بالخروج لابن القاسم في المجموعة، ورواه عن مالك، وهو قول أحمد بن خالد، وعليه فيرجع إليها بإحرام.
ويأتي على الخروج ما نص عليه أصبغ في العتبية في إمام صلى بقوم وسها سهواً يكون سجوده بعد السلام، فلما كان في التشهد الآخر سمع أحدهم شيئاً، فظن أن الإمام قد سلم فسلم، ثم سجد سجدتين، ثم سمع سلام الإمام بعد ذلك.
فقال: يعيد الصلاة إذا كان قد سلم قبل سلام إمامه.
قال في البيان: وهو مثل قوله في المدونة فيمِن سلم مِن ركعتين ساهياً، ثم أكل وشرب ولم يطل: أنه يبتدئ.
انتهى.
تنبيه: وهذا الخلاف إنما هو إذا سلم (63/ ب) قاصداً للتحليل وهو يرى أنه قد أتمها، ثم شك في شيء مِنها، وأما إن سلم ساهياً قبل تمام صلاته فقال في المقدمات: لا يخرج لذلك بإجماع.

وَفِيهَا: إِنْ قَلَسَ وَقَلَّ لَمْ يَقْطَعْ بِخِلافِ الْقَيْء القلس: ماء حامض تقذفه المعدة، ولم يقطع إذا قلَّ لسيارته، فأشْبَهَ التثاؤبَ والعطاسَ، ومقتضى كلامِه أن القيء يقطع الصلاة، وليس على إطلاقه، فقد روى ابن القاسم في المجموعة: إن كان ماء لا يقطعها، وإن كان طعاماً قطعها.
قال في البيان: فأفسد الصلاة بما لا يفسد به الصوم.
والمشهور أنَّ مَن ذَرَعَه القيءُ لا يُفسد صلاته ولا صيامه.
واختلف قوله إنْ رده بعد انفصاله ساهياً في فساد صلاته وصيامه.
قال: وأما إن رده طائعاً غير ناسٍ فلا اختلاف أنه يُفسد صلاته وصيامه.
انتهى.
وَكَثِيرُ الْفِعْلِ مِن جِنْسِ الصَّلاةِ سَهْواً غَيْرُ مِنجَبِرٍ.
وَقِيلَ: مِنجَبِرٌ أي: والمشهور أن زيادة الفعل الكثير في الصلاة إذا كان سهواً من جنس الصلاة ليس بمِنجبر، لأن الكثرة تُلْحِقُه بغيرِ المجانس، والشاذُّ أنه مِنجبر.
ثم بيَّن الكثير فقال: وَالْكَثِيرُ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ.
وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ.
وَالثُّنَائِيَّةُ: مِثلُهَا.
وَقِيلَ: نِصْفُهَا.
فَتُلْحَقُ الْمَغْرِبُ بالرُّبَاعِيَّةِ، وَقِيلَ: بِالثُّنَائِيَّةِ .... ابن راشد: لا خلاف أن الأربع كثيرٌ؛ لأنها أكثر عدد الصلوات الخمس، فهي كثيرةٌ في نفسِها، كثيرةٌ بالنسبة إلى الصلاة المَزيدِ فيها.
انتهى.
وفيه نظر، فقد حكى اللخمي عن مطرف أنه روى عن مالك: لو صلى الحاضر الظهر ثمانية ركعات، والمسافر أكثر من أربعة لم تبطل صلاته.
وهذا هو القول الذي حكاه المصنف أولاً بقوله: (وَقِيلَ: مُِنْجَبِرٌ).
وقوله: (وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ) نُسب لابن القاسم وابن الماجشون.
قال ابن الماجشون: وليس هذا مِن قِبَلِ أنها نصف الصلاة؛ لأني لا أرى زيادةَ ركعةٍ في الصبح طُولاً.
وقوله: (وَالثُّنَائِيَّةُ: مِثْلُهَا) يعني أن الخلاف المتقدم إنما هو بالنسبة إلى الرباعية، وأما الثنائية فتبطل بزيادة ركعتين.

ابن راشد: والمشهور أن الصبح تبطل بزيادة ركعتين؛ لأنهما مثلها، وقيل: لأنهما نصف الرباعية.
انتهى.
وقوله: (وَقِيلَ: نِصْفُهَا) قال ابن هارون: هو قول ابن نافع وابن كنانة في ثمانية أبي زيد: أن الصبح والجمعة تبطل بزيادة ركعة.
وما ذكرناه مِن كلام المصنف أصح مما في بعض النسخ عوض قوله: (وَالثُّنَائِيَّةُ: مِثْلُهَا).
وقيل: (مِثْلُهَا) لأنه على هذه النسخة يقتضي أن المشهور لا تبطل الثنائية إلا بزيادة أربع ركعات، وليس كذلك.
قال المازري: ولا خلاف أن الرباعية لا تبطل بزيادة ركعة.
وقوله: (فَتُلْحَقُ الْمَغْرِبُ بالرُّبَاعِيَّةِ ....) إلخ؛ أي: إذا حد الكثير بالنصف فيُختلف في المغرب، هل تُلحق بالثنائية فتبطل بركعة، أو بالرباعية فلا تبطل إلا باثنتين؟ والقولان لابن القاسم؛ لأنه قال في العتبية فيمِن صلى المغرب خمساً أنه يكتفي بسجدتي السهو.
قال في البيان: وهو خلاف ما روي عن سحنون أن مَن زاد في صلاته مثلَ نصفِها، فإنها تبطل.
وَقَلِيلُهُ جِدّاً مُغْتَفَرٌ كرفع اليدين في السجود والتشهد.
وَنَحْوَ سَجْدَةٍ عَمْداً مُبْطِلٌ ظاهر.
وَإِذَا قَامَ الإِمَامُ إِلَى خَامِسَةٍ: فَمِن أَيْقَنَ مُوجِبَهَا وَجَلَسَ عَمْداً بَطَلَتْ، وَمِن أَيْقَنَ انْتِفَاءَهُ وَتَبِعَهُ عَمْداً بَطَلَتْ، وَيَعْمَلُ الظَّانُّ عَلَى ظَنِّهِ، وَالشَّاكُّ عَلَى الاحْتِيَاطِ ...... اعلم أن مصلي الفرض يجب عليه الكف عن الزيادة متى ما ذكر.
وقوله: (وَمَنْ أَيْقَنَ) يعني أن المأمومين ينقسمون على أربعة أقسام:

الأول: من أيقن موجبها بالنسبة إلى الإمام، كمِن علم أم الإمام إنما قام لكونه نسي سجدة مِن الأولى، فإنه يلزمه إتباعُ الإمام، وإن جلس عمداً بطلتْ لكونه خالف ما لزمه.
القسم الثاني: أن يتيقن انتفاء الموجب فيلزمُه الجلوسُ، فإن تَبِعَه عمداً بطلتْ.
وشروط سحنون في صحة صلاة الجالس التسبيح، واستبعده أبو عمران، ورأى ابن رشد أنه تفسيرٌ للمذهب.
القسم الثالث: أن يظن أحدَ هذين.
قال المِنصف: (وَيَعَْمَلُ الظَّانُّ عَلَى ظَنِّهِ).
القسم الرابع: أن يَشكَّ فيتبعَ الإمامَ، وهو معنى قوله: (وَالشَّاكُّ عَلَى الاحْتِيَاطِ).
وما ذكره المصنف في الظنِّ مخالفٌ لما نقله الباجي، ولفظه: وإنما يعتد مِن صلاته بما تيقن أداءه له.
هذا مذهب مالك وأصحابه.
وقال أبو حنيفة: يرجع إلى غالب ظنه.
انتهى.
خليل: وقد يقال: ما ذكره المصنف يتخرج على أحد القولين اللذين ذكرهما اللخمي فيمن ظن أنه صلى أربعاً، هل حكمه كمن شك؟ هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ أو يبني على الظن قولان.
فَلَوْ قَالَ لَهُمَا: إنما كَانَتْ لِمُوجِبٍ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: مَنْ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ وَتَبِعَهُ، وَمُقَابِلُهُ: تَصِحُّ فِيهِمَا، وَفِي الثَّالِثِ الْمَنصُوصِ: تَبْطُلُ، وَفِي الرَّابِعِ، مُتَأَوِّلاً قَوْلانِ، وَالسَّاهِي مَعْذُورٌ ..... (لَهُما) أي: لمن تَبِعَه ولمَن جلس.
وفي بعض النسخ لهم؛ أي: للمأمومين.
(كَانَتْ لِمُوجِبٍ) أي: لم تكن سهواً وإنما كانت لإسقاط الفاتحة أو نحوها.
(فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ) أي: فحكم المأمومين على أربعة أقسام: (مَنْ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ وَتَبِعَهُ) لتيقنِه الموجِبَ، أو شكِّه أو ظنِّه.
(وَمُقَابِلُهُ) أي: مَن لم يلزمه اتباعه ولم يتبعه لتيقنه انتفاء الموجب أو ظنه، على ما قدَّمه المصنف، لا على ما حكاه الباجي.

وأما الوجه الأول: فالظن معتبر فيه اتفاقاً.
وقوله: (تَصِحُّ فِيهِمَا) أي: في الوجهين؛ لأن كلاً منهما قد أتى بما لزمه.
قال سحنون: وإنما تصح صلاة الجالس إذا سبح للإمام، وأما إن لم يفعل وقعد أعاد أبداً.
(64/ أ) وقوله: (وَفِي الثَّالِثِ الْمَنصُوصِ: تَبْطُلُ) الثالث: مِن يلزمه اتباعه ولم يتبعه، ومرادُه بلزوم الاتباع اللزومُ في نفس الأمر.
ومقابلُ المنصوص هو اختيار اللخمي، فإنه قال: قال محمد: فإن قال الإمام بعد السلام: كنت ساهياً عن سجدة.
بطلتْ صلاة مَن جلس، وصحَّتْ صلاةُ مَن اتبعه سهواً أو عمداً، يريد إذا أسقطوها أيضاً.
والصواب أن تتمَّ صلاةُ مَن جلس ولم يتبعه؛ لأنه جلس متأوِّلاً، وهو يرى أنه لا يجوز له إتباعه، وهو أعذرُ مِن الناعس والغافل.
وقوله: (وَفِي الرَّابِعِ) أي: مَن لم يلزمه إتباعه لتيقنه الكمال، فيتبعُه متأوِّلاً للزوم متابعته.
(قَوْلانِ) قال سحنون: أرجو أن يجزئه، وأحبُّ إليَّ أن يعيد.
وقال غيره: تلزمه الإعادة.
ويقع في بعض النسخ: وفي الثالث والرابع قولان.
وما تقدم أولى لانتفاء الخلاف في الوجه الثالث إلا ما اختاره اللخمي.
وقوله: (وَالسَّاهِي مَعْذُورٌ) يعني أن مِن لم يتبع الإمام ساهياً وحكمه الاتباع أو يتبعه ساهياً وحكمه الجلوس فصلاتُه صحيحة.
فَيَلْزَمُ الْجَالِسَ عَلَى الصِّحَّةِ الإِتْيَانُ بِرَكْعَةٍ ابن عبد السلام: يعني أن مَن جلس وحكمُه الإتباع، وقلنا بصحة صلاته فلا بد أن يأتي بركعة.
انتهى.

ابن هارون: وفيه بُعْدٌ؛ لأن المصنف لم يَحْكِ في صحة صلاةِ مَن جلس وحكمه الإتباع قولاً حتى يُفَرِّعَ عليه، وإنما أشار إلى اختيار اللخمي، ويبعد أن يفرع عليه.
انتهى.
وقد يقال: لعله يريد مَن جلس ساهياً وحكمه الإتباع.
فإن قيل: يَرُدُّه قوله: (على الصحة) أو التقدير: على القول بالصحة، ولا خلاف في صحة صلاة الساهي.
قيل: إنما أتى هذا على التقدير المذكور، وأما إن قدر على الحكم بالصحة، فلا.
فرع: واختلف لو ذكر الإمام وهو قائم في الثانية سجدة، ولم يَسْهُ عنها جميع مِن خلفه، فقيل: يستحب لهم أن يعيدوها معه، وهم بمِنزلة مَن رفع مِن الركعة أو السجدة قَبْلَ إمامِه، فإن لم يُعيدوا صحتْ صلاتُهم.
وقال سحنون: يجب عليهم أن يعيدوا معه.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا يسجدوا معه، وسجدتُهم تجزئهم.
قال: وأحبُّ إليَّ أن يعيدوا صلاتهم.
قاله اللخمي والمازري.
قال في البيان: ولو اتبعوه على ترك السجدة عالمين سهوة فصلاتهم فاسدة باتفاق.
انتهى.
وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يَفُتِ الإمامَ الرجوعُ إليها.
قال في البيان: وأما لو فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي بعدها فركعة القوم صحيحةٌ باتفاق، ويقضي الإمامُ تلك الركعة في آخر صلاته وهم جلوس، ثم يسلم بهم ويسجد بعد السلام.
وأما إن سها عنها هو وبعض مِن خلفه فلا يخلو مَن لم يَسْهُ عنها مِن حالتين: إحداهما: أن يسجدوا لأنفسهم.
والثانية: أن يتبعوه على ترك السجود عالِمينَ بسهوِه، فأما إن سجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجود حتى فاته الرجوعُ بعقد الركعة التي بعدها ففي ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها لابن القاسم: أن السجود يجزئهم وتصح لهم الركعة، ويلغيها الإمام ومَن سها معه، فإذا أكمل ثلاث ركعات قام ومَن سها معه إلى الرابعة، وقَعَدَ مَن لم يَسْهُ حتى يسلم فيُسلموا بسلامه، ويسجد بهم جميعاً بعد السلام.
وهو أضعف الأقوال؛ لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها في حكم الإمام، ولمخالفتهم إياه، فإن صلاتهم تبقى على سُنتها، وتصير للإمام ومَن سها معه الركعةُ الثانيةُ أُولى.
ولهذا قال ابن القاسم: أحبُّ إليَّ أن يعيدوا.
وإنما يسجد الإمام بعد السلام إذا ذكر بعد الركوع في الثانية؛ لأنه يجعلها أولى، ويأتي بالحمد وسورةٍ، ويجلس، فيكون سهوُه زيادةً، وأما إن لم يذكر حتى صلى الثالثة أو رفع من ركوعها فإنه يسجد قبل السلام لاجتماع الزيادة والنقصان.
والقول الثاني: أن صلاتهم فاسدة للمعنى الذي ذكرناه مِن مخالفة نيتهم لنية الإمام في عدد الركعات.
وهو قول أصبغ.
والقول الثالث: أن السجود لا يجزئهم، وتبطل عليهم الركعة كما بطلت على الإمام ومَن معه، ويتبعونه في صلاته كلها وتجزئهم.
حكاه ابن المواز في كتابه.
وأما إن اتبعوه على ترك السجود عالمين بسهوه، فقال في العتبية: صلاتهم مِنتقضة.
ويتخرج على ما في الموازية أنه إنما تبطل عليهم الركعة، ولا تنتقص عليهم الصلاة.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأنه نص على أنه إذا لم يسهُ عنها أحد ممن خلفه وسجدوا ولم يرجع الإمام حتى فاته الرجوع أَنَّ ركعة القوم صحيحة باتفاق، وحكى فيها إذا سها بعضهم ولم يسه البعض ويجد ثلاثةَ أقوال، مع فوات التدارك أيضاً في حق الإمام، ولا يظهر بينهما فرقٌ.
ومقتضى كلام المازري بل نصه حصول الأقوال الثلاثة فيما إذا لم يسه عنها أحد ممكن خَلْفه.
وأيضاً فإنه حكى الاتفاق في البطلان على الأولى إذا اتبعوه على ترك السجود عالمين بسهوه، ولم يحك ذلك في الثانية، فانظر ما الفرق.

وَفِي إِعَادَةِ التَّابِعِ السَّاهِي لهَا قَوْلانِ أي: إذا اعتقد صحة الركعات الأربع، وتبع الإمام في الخامسة سهواً، ثم تبين له أن أحد الأربع باطلة، فهل يعيد هذه الركعة أم لا؟ ابن عبد السلام وابن هارون: وأصل المشهور الإعادة.
وحكاهما ابن بشير، وبناهما على الخلاف فيمن ظن أنه أكمل صلاته فأتى بركعتين ثم ذكر أنه إنما صلى ركعتين، فقيل: تنوب له النافلة.
وقيل: لا.
وفي بنائه نظر؛ لأنه (64/ل) أتى في هذه بنية منافية بخلاف ما نحن فيه.

وَفِي إِلْحَاقِ الْجَاهِلِ بالسَّاهِي قَوْلانِ أي: إذا قلنا بعدم نيابة ركعة السهو فالأحرى أن لا تنوب ركعة الجهل، وإن قلنا نيابة ركعة السهو فهل تجزئ الجاهل كالساهي أم لا؟ ونعني بالجهل اعتقاد لزوم متابعة الإمام مع أنه غير لازم.
وَفِي نِيَابَتِهَا عَنْ رَكْعَةِ مَسْبُوقٍ يَتْبَعُهُ قَوْلانِ يعني: أن المسبوق بركعة أو أكثر إذا تبع الإمام في هذه الركعة الخامسة التي قام لها لموجب، هل يعتد بها أم لا؟ وفي ذلك قولان، وهذا فيه تفصيل: إن تبعه وهو يعلم أنها خامسة، ولم يسقط الإمامُ شيئاً بطلت صلاته.
نقله ابن يونس والمازري عن ابن المواز، ونص ما نقله ابن يونس عنه: ولو اتبعه فيها من فاتته ركعةٌ وهو يعلم أنها خامسة ولم يُسقط الإمام شيئاً أبطل صلاته، وإن لم يعلم فليقضِ ركعةً أخرى وليسجد لسهوه كما يسجد إمامه.
انتهى.
فلو قال الإمام: كنت أسقطت سجدة.
وتبعَه المسبوق وهو يعلم أنها خامسةٌ فقال مالك: لا تجزئة عن ركعة.
وقال ابن المواز: تجزئه؛ لأن الغيب كشف أنها رابعة.
وأما إن لم يعلم فتجزئه عند مالك وابن المواز.

ابن راشد: وكلام المصنف يؤخذ منه هذا؛ أعني أن الخلاف إنما هو إذا تبين أنه قام لموجب؛ لأن فرض المسألة أن الإمام قال لهم: كانت لموجب.
وبنى ابن شاس هذا الخلافَ على الخلافِ في الإمام، هل هو قاضٍ في هذه الركعة فلا تنوب له، أو بانٍ فتنوب؟ وَمِن قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ فِي نَفْلٍ فَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً رَجَعَ وَإِلا أَتَمَّهَا أَرْبَعاً وَسَجَدَ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ ........ قوله: (فَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً) اختلف إذا ذَكر وهو مُنْحَنٍ، فقال مالك: يرفع رأسه ويتمُّها.
وقال أيضاً: يرجع إلى الجلوس.
وبه أخذ ابن القاسم، وهو على الخلاف المعلوم في عقد الركعة.
قوله: (وَإِلا أَتَمَّهَا أَرْبَعاً) كان في ليل أو نهار، وهذا مذهب المدونة.
وقال محمد بن مسلمة: إن كان في نهار فكذلك، وإن كان في ليلٍ قطع متى ما ذكر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الليل مثنى مثنى)).
وقيد أبو عمران الأول بما عدا ركعتي الفجر؛ لأنه لا نافلة بعدها، والسجود قبل السلام لمالك، وهو المشهور.
والثاني: لمالك أيضاً وابن عبد الحكم وسحنون.
ابن عبد السلام: وثمرة هذا الخلاف هل يعتد بهذه الصلاة في قيام رمضان بتسليمة أو بتسليمتين؟ قال: فإن قلنا بالسجود قبلُ اعتدَّ بأربع، وإلا فبركعتين.
واختلف في توجيه المشهور: فقال الأبهري وابن شبلون وابن أبي زيد: لأنه نقص السلام.
وقال ابن مسلمة والقاضي إسماعيل: لأنه نقص الجلوس.
واختاره ابن الكاتب والقابسي واللخمي، وهو أظهر.
ولا ينبغي أن يعلل السجود بنقص السلام؛ لأنه فرض،

والذي ينبغي أن يقال: إِنْ قام مِن غير جلوسٍ سجدَ قبل السلام لنقص الجلوس، وإن جلس فلا سجودَ عليه قبلُ ولا بعدُ.
قاله اللخمي.
قال: لأن الأربعة صحيحة عند بعض أهل العلم.
واعتبر بعضهم قول سحنون بأن السجود البعدي إنما يكون للزيادة على طريق السهو، والركعتان هنا وإن ابتدأهما سهواً فقد صارتا كالمأذون فيهما، ولذلك يؤمر بَعْد عقدِ الثالثةِ بالتمادي.
وأجيب بأنه قبل العقد مأمور بالكشف، فليس ترجيح الإذن فيهما آخراً أولى مِن ترجيح المنع أوَّلاً، بل مراعاة السابق أولى.
فرع: فإن قام الإمام لخامسة رجع متى ما ذكر كالفرض، وهذا بناء على أنه لا يراُعى مِن الخلاف إلا ما قوي واشتهر عند الجمهور، والخلافُ في الأربعِ قويٌّ بخلاف غيره.
واختلف إذا صلى النافلة خمساً، هل يسجد قبل أو بعد؟ قال ابن القاسم في المدونة: لم أسمع من مالك في ذلك شيئاً، ولا أرى أن يصلي السادسة، ولكن يرجع إلى الجلوس ويسلم ويسجد لسهوه.
عبد الحق: يجعل سجوده بعد السلام، ثم قال ابن القاسم: وأرى أن يسجد قبل السلام.
وحمله اللخمي على أنه اختلافُ قول.
وقال صاحب النكت: ليس هو خلافاً.
وأصوب ما قيل في ذلك أن قوله: يسلم ثم يسجد إنما قاله على رأي من قال أن النافلة أربع، ثم ذكر بعد ذلك اختياره، وما يجيء على مذهب مالك- رحمه الله- الذي يرى أن النافلة ركعتان؛ أي: فيكون إنما ذكر فيها السجود قبله.
وحَمَل هذا القائلُ على هذا كونُ المعروفِ فِي المذهب في اجتماع الزيادة والنقص السجودَ قبله.
واستبعد عياض هذا بأن المجتهد لا يفتي بمذهب غيره، وإنما يفتي بمذهبه أو بالاحتياط لمراعاة خلاف غيره عند عدم الترجيح أو فوات النازلة.
وذكر أن المسألة وقعت في كتاب ابن المرابط على أن يسلم

ويسجد، معطوف بالواو لا بثم.
اللخمي: وأرى- إن لم يكن جلس في الثانية- أن يسجد قبل السلام؛ لأنه نَقَصَ الجلوسَ وزاد الخامسةَ، وإن جلس في الثانية سجد بعده.
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَشَرَعَ فِي الْوِتْرِ أَمْ هُوَ فِي ثَانِيَةِ الشَّفْعِ جَعَلَهَا ثَانِيَةً وَسَجَدَ بَعْدَهُ (جَعَلَهَا ثَانِيَةً) لإلغاء الشك، (وَسَجَدَ بَعْدَهُ) لاحتمال أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى الشفع مِن غيرِ سلام، ويكون قد صلى الشفع ثلاثاً، وهذا هو المشهور.
ورُوي عنه أنه يسجد قبل السلام؛ لاحتمال أن يكون في وترٍ فشفَعَه بسجدتين، للنهي الوارد عن وِترين في ليلةٍ.
وحكى ابنُ حارث ثالثاً بنفي السجود مطلقاً.
وَأَمَّا الْكَلامُ فَعَمْدُهُ لِغَيْرِ إِصْلاحِهَا مُبْطِلٌ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ وَجَبَ لإِنْقَاذِ أَعْمَى وَشِبْهِهِ قوله: (قَلَّ أَوْ كَثُرَ) كذا قال أكثر الشيوخ، وفي المقدمات: إن يسيرَه غيرُ مبطل كيسيرِ الفعل.
وهو بعيد.
وقوله: (وَإِنْ وَجَبَ) هو المذهب، واختار اللخمي في ضيق الوقت أنه يتكلم ولا يبطل، وشبهها بحال المسايفة.
المازري: وفي تشبيهه نظر؛ لأن المسايف لا يبطل كلامه صلاته إذا اضطر إليه.
ولو أوقع الصلاة في أول الوقت، بخلاف ما ذكر.
وَسَهْوُهُ إِنْ كَثُرَ فَمُبْطِلٌ، وَإِنْ قَلَّ فَمِنجَبِرٌ، وَفِي جَهْلِهِ الْقَوْلانِ أبطل مع الكثرة لخروج المصلي بسببه عن معنى الصلاة.
وقوله: (وَإِنْ قَلَّ فَمِنجَبِرٌ) واضح.
(وَفِي جَهْلِهِ الْقَوْلانِ) أي: المتقدمان في عذر الجاهل بجهله في الصلاة.
وفسره ابن شاس وغيره بمن جهل تحريم الكلام في الصلاة، ولعل هذا إنما يتصور فيمن قرب إسلامه.

فرع: نص ابن شاس على أن الصلاة تبطل بكلام المكره.
ابن هارون: وانظر الفرقَ بينه وبين الناسي.
فَإِنْ كَانَ ذِكْراً فِي مَحِلِّهِ كَاتِّفَاقِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنينَ﴾ وَقَصَدَ بِهِ التَّفْهِيمَ فَمُغْتَفَرٌ ........ أي: فإن كان الكلام ذِكراً في محله، والذِّكر هنا كلُّ كلام مشروع في الصلاة، وهو أعمُّ من القرآن.
وإِنْ تَجَرَّدَ لِلتَّفْهِيمِ فَقَوْلانِ كما لو بشر بشارة فقال: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) (الأعراف: 43) أو أَمِنَ خوفاً فقال: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ) (فاطر: 34) أو استؤذن عليه فقال: (ادْخُلُوا مِصْرَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنينَ) (يوسف: 99) ومعنى (تَجَرَّدَ) أنه لم يكن يقرأ في هذه المواضع.
والأظهرُ البطلانُ؛ لأنه في معنى المحادثة.
وحكى ابنُ عات البطلانَ عن ابن القاسم، وحكى المازريُّ عنه الصحةَ مع كراهةِ ذلك ابتداءً، ولم يذكر اللخمي قولاً منصوصاً بالبطلان وإنما خرجه على القول بالبطلان إذا فتح على من ليس معه في الصلاة.
وحكى اللخميُّ والمازريُّ عن ابن حبيب إجازةَ الإفهام ابتداءً بكل ما يجوز للرجل أن يتكلم به في الصلاة مِن الذِّكرِ والقراءةِ.
كَمَن فَتَحَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلاةِ أي: ففيه القولان، قال اللخمي: ولا يفتح مَن هو في صلاةٍ على مَن ليس في صلاة، أو في صلاة وليس بإمام له.
واختُلف إذا فعل، فقال ابن القاسم في المجموعة، وسحنون في كتاب ابنه أنه يفسد صلاته.
قال سحنون: ويعيد، وإن خرج الوقت.
قال أشهب في مدونته، وابن حبيب: أساء ولا يعيد.
انتهى.

وَيُسَبِّحُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِلْحَاجَةِ، وَضَعَّفَ مَالِكٌ التَّصْفِيقَ لِلنِّسَاء قال ابن شعبان: اختلف قول مالك في ذلك، فقال مرة: يسبح الرجال ولا يصفق النساء.
وقال مرة: يسبح الرجال ويصفق النساء.
وصفة التصفيق- على مقابل المشهور- أن تضرب بظهر أصبعين من يمينها على كفها الشمال.
وَلإِصْلاحِهَا لا يُبْطِلُ، مِثْلُ: لَمْ تُكْمِلْ.
فَيَقُولُ: أَكْمَلْتُ.
وَمِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ فَيُخْبَرَ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَة: مُبْطِلٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ كَانَ بَعْدَ سَلامِ اثْنَتَيْنِ فَلا تَبْطُلُ قوله: (مِثْلُ: لَمْ تُكْمِلْ) مثالٌ لما ابتدأ فيه المأمومُ بالكلام.
وقوله: (وَمِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ فَيُخْبَرَ) مثال لما ابتدأ الإمام فيه بالكلام.
ووجه المشهور قصة ذي اليدين.
ورأى التسوية بعد كونه بعد سلام اثنتين وغيره، ورأى ابن كنانة أن ذلك عند تجويزهم النسخ؛ لقولهم: أقصرتْ الصلاةُ أم نسيتَ.
وذلك مقتضٍ للخصوصية.
قال في البيان: ووافقه على ذلك أكثرُ أصحاب مالك.
المازري: وأفسد ابن القاسم هذا بأن القوم تكلموا أيضاً بعد علمهم بعدم النسخ، وهو قولهم: قد كان بعضُ ذلك.
وأجيب بأنه قد ثبت مِن وجه صحيح أنهم أشاروا؛ أي: نعم، ذكر ذلك ابن عبد البر من حديث حماد بن زيد، قال: وهو أثبت من غيره.
وأيضاً لو أجابوا بنعم كما روي لما أضرَّهم لمخالفتهم إيانا في الكلام، إذا مجاوبته صلى الله عليه وسلم واجبةٌ.
وعلى قول ابن كنانة يسبح فقط.
وقال سحنون: الأصل ألا يتكلم في الصلاة، خرج الكلام بعد سلام اثنتين في حديث ذي اليدين، فيبقى ما عداه على الأصل، وفيه جمود.
تنبيه: وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع الكلام بعد أن سلم الإمام معتقداً التمام، كما في الحديث، وأما إذا شك الإمام قبل سلامه، فحكى اللخمي والمازري في ذلك ثلاثة أقوال:

المشهور أنه لا يجوز له أن يسأل المأمومين، كان في الصلاة أو انصرف مِنها بسلام، ثم حدث له الشك بعد سلامه.
هذا اللفظ للمازري.
وعَبَّرَ اللخمي عنه بالمعروف.
ووجهه أنه مع الشك مخاطَبٌ بالبناء على اليقين، وقال أصبغ: يجوز السؤال بعد التسليم خاصة.
وقال محمد بن عبد الحكم.
يجوز قبل التسليم وبعده.
اللخمي: وأرى أن ذلك كله لإصلاح الصلاة، وخارج عن الكلام المنهي فلا فرق بين أن يكون قبل السلام أو بعده، ولا يفسد عليه ولا على من كلمه.
وَيَرْجِعُ الإِمَامُ إِلَى عَدْلَيْنِ، وَقِيلَ: إِلَى عَدْلٍ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِماً.
وَقِيلَ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مَأمُومَيْهِ ...... قال اللخمي: إذا شك الإمام ومَن خلفه فأخبرهم عدلان أنهم أتموا رجعوا إليهما وسلموا.
واختلف إذا أخبرهم عدل واحد، فقال مالك: لا يجتزئ به.
وقال في كتاب محمد: إذا أخبره واحد أنه أتم طوافه أرجو أن يكون في ذلك بعض السَّعَة.
ورآه من باب الإخبار لا من باب الشهادة، وعلى هذا يجتزئ بخبر العدل في الصلاة، والحرُّ والعبد والمرأة (65/ب) في ذلك سواءٌ، انتهى.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ عَالِماً) قال في الجواهر: وإنما يرجع الإمام إلى قول المأمومين إذا غلب على ظنه ما قالوه بعد سلامه، أو شك فيه، فإن خرج الاعتقاد بخلاف ما قالوه لم يرجع إلا أن يكثروا جداً، بحيث يفيد خبرهم العلم، فإنه يرجع إلى خبرهم، ويترك اعتقاده.
ثم قال: وقال ابن حبيب: إذا صلى الإمام برجلين فصاعداً فإنه يعمل على يقين مَن وراءه، ويَدَعُ يقينه، يريد الاعتقاد.
انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (مَا لَمْ يَكُنْ عَالِماً) مقيد بما إذا لم يكثر مَن خلفَه جداً.
وقال المازري: اختلف قول مالك إذا أخبره مَن خلفه وكان الأمر عنده بخلاف ما قالوه، فروي عنه أنه لا يرجع إليهم، وبه قال الشافعي، وروي عنه أنه يرجع إليهم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أشهب: يرجع إلى عدلين.
وقال ابن مسلمة: يرجع إلى العدد الكثير ولا يرجع إلى العدد اليسير كالاثنين والثلاثة، انتهى.

وقوله: (وَقِيلَ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مَأمُومَيْهِ) هذا القول لمالك في العتبية، ونقله المازري غن ابن القصار، وعلله بأن المأمومين يراعون صلاته كما يراعيها، بخلاف غيرهم، وعلى هذا فيختلف في الفذِّ إذا أخبره غيره ممِن يسكن إلى قوله بعدد ما صلى.
ثُمَّ يَبْنِيِ إِنْ كَانَ قَرِيباً وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: وَإِنْ بَعُدَ لأنه إذا طال الأمر أو خرج مِن المسجد وانضم أحدهما إلى السلام كان ذلك إعراضاً عن الصلاة بالكلية.
وقوله: (وَقِيلَ: وَإِنْ بَعُدَ) حكاه في الجواهر، وظاهره: ولو خرج مِن المسجد، ورجح، لأن ابن عبد البر روى في حديث ذي اليدين أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيته.
وَبَبْنِي بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِنْ قَرُبَ جِدّاً اتِّفَاقاً، وَإِلا فَقَوْلانِ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: بأنه يحرم مطلقاً، نقله الباجي عن مالك مِن رواية ابن القاسم، وعن ابن نافع.
ونقل القول بعدم الإحرام عن بعض القرويين واستبعده، ونقله بعضهم عن مالك في العتبية.
والثالث بالتفصيل إِن قرُب لم يَحْرُم، وإِنْ بَعُدَ أحرم، وعلى هذا ينتقض الاتفاق الذي ذكره المصنف، وإن كان قد يتبع فيه ابن بشير.
وقد قيل: إن بعض أصحاب المصنف راجعه في ذلك، ونقل له الخلاف، وتوقف، وأشار أن يجعل مكان الاتفاق على الأكثر، وكذلك يوجد في بعض النسخ، على أن الاتفاق يمكن أن يكون عائداً على البناء؛ أي: يبني في القرب جداً اتفاقاً.
وقوله: وإلا فقولان قال المازري: والمشهور، إذا قرب ولم يطل جداً أنه يرجع بإحرام.
وهذا كله مقيد بما إذا لم يطل جداً، وأما لو طال لم يصح له البناء على المشهور خلافاً لما في المبسوط.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل