التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 364-402
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:

صفحات 364-402

أن يصلي عند طلوع الشمس على ثلاثة أقسام، وإن كان الناذر عالماً بتحريم ذلك استحب له أن يأتي بطاعة من جنس ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله".
وإن كان جاهلاً بالتحريم وظن أن في صومه فضلاً عن غيره لمنعه نفسه لذتها ذلك اليوم فهذا لا يجب عليه القضاء ولا يستحب، وإن كان يظن أنه في جواز الصوم كغيره كان في القضاء قولان: قيل: لا شيء عليه والغلبة كالغلبة بالمرض، وقال عبد الملك: يقضيه لأنه لم يرد خصوصية ذلك اليوم وإنما أراد صوماً.
وَمَا لا مَخْرَجَ لَهُ مِثْلُ عَلَيَّ نَذْرٌ فَكَالْيَمِينِ باللهِ تَعَالَى فِيمَا ذَكَرَ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ وَكَفَّارَةٍ وَلَغْوٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: "عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ لَمْ أُعْتِقْ رَقَبَةٌ خُيِّرَ فِيهِمَا قد تقدم أن النذر الذي لا مخرج له فيه كفارة يمين، ولا فرق بين نذر بالتنكير والنذر بالتعريف، وبين أن يضم إليه لفظ آخر يقتضي تأكيده إلا أنه لم يفسر مخرجه كما لابن القاسم في العتبية في القائل: علي نذر، لا كفارة له إلا الوفاء به، وبين أن يخرج بعض القرب كما في الموازية في القائل: علي نذر لا يكفره صيام ولا صدقة.
وقوله: (مِنِ اسْتِثْنَاءٍ) أي: بمشيئة الله، وتصوره واضح.
وقوله: (وَلِذَلِكَ ... إلخ) أي: ليس سبب التخيير ما أشار إليه المصنف من أن النذر المبهم كاليمين بالله؛ بل سببه كون الشيء الذي علق عليه النذر مأذوناً فيه، ولذلك يدور التخيير مع الإذن وجوداً وعدماً، فلو قال: علي نذر إن لم أدخل الدار، خير، وإن قال: علي نذر إن لم أقتل زيداً أو أشرب الخمر، منع من القتل والشرب، ولم يحصل التخيير نعم لو تجرأ وفعل تلك المعصية سقطت الكفارة عنه، وهكذا قال ابن عبد السلام.
تنبيه: لكنه قال: إن تجرأ وفعل تلك المعصية فقال أهل المذهب: تلزمه كفارة يمين.

خليل: ولا أراه إلا وهماً.
ففي الجلاب: ولو ألزم نفسه طاعة بعد معصية لزمته الطاعة ولم يجز له فعل المعصية، فإن فعل المعصية سقط عنه ما علقه بها من الطاعة، مثال ذلك: إن لله علي صدقة دينار إن لم أشرب الخمر، فيلزمه التصدق بالدينار والكف عن الخمر، فإن شرب الخمر سقطت عنه الصدقة ولزمه الحد، وفي الرسالة نحوه.
وذكر المصنف في الطلاق نحوه فقال: (وإن كان محرماً مثل: إن لم أقتل زيداً نُجِّز، إلا أن يتحقق قبل التنجيز على المشهور) فإن قلت: هل يصح كلام ابن عبد السلام على الشاذ؟ قيل: قد أنكر هو وجوده، نعم قد يخرج ما قاله على أحد القولين في أن المعدوم شرعاً هل هو كالمعدوم حسّاً كما قيل فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضاً.
وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَكَّةَ أَوْ بَيْتِ اللهِ أَوِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوِ الْكَعْبَةِ أَوِ الْحَجَرِ أَوِ الرُّكْنِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ .... قال في المدونة: ومن قال: علي المشي إلى مكة أو بيت الله الحرام أو المسجد الحرام أو الكعبة أو الحجر أو الركن لزمه.
وأما غير ذلك كعرفة ونحوها فلا.
عياض: مذهبه في المسألة إلزامه اليمين إن قال: بيت الله أو الكعبة أو المسجد الحرام أو مكة، أو ذكر شيئاً من أجزاء البيت فقط دون ما عدا ذلك، إلا أن ينوي حجّاً أو عمرة، ولا يلزمه فيما هو داخل المسجد الحرام، ولا داخل مكة ولا خارجها، وهو تأويل أبي محمد وجمهور الشيوخ، وهو مقتضى ما في كتاب [251/أ] ابن حبيب عنه أنه لا يلزمه في زمزم والحطيم والحجر وقد سلم له أبو محمد قوله في زمزم، ولم يسلم له ذلك في الحجر والحطيم لاتصالهما بالبيت، ويحتج لهذا بما في المدونة: ومن قال: أنا أضرب بمالي أو بشيء منه في حطيم الكعبة أو الركن، فعليه حجة أو عمرة ولا شيء عليه في ماله، فقد سوى بين الركن والحطيم؛ لكن قد يتناول ما قاله ابن حبيب على وفق الكتاب في أن من الحجر والحطيم ما ليس من البيت، فكأنه جعل غاية مشية إلى أوله كقوله: إلى الحرم.

وذهب ابن لبابة إلى أن مذهبه في الكتاب اللزوم متى ذكر شيئاً مما في المسجد الحرام، بخلاف ما كان خارج المسجد واحتج بمسألة الحطيم.
وحكى ابن لبابة عن بعضهم تأويلاً ثالثاً على المدونة، وأن الحجر والركن كالصفا والمروة لا يلزمه فيه شيء قال: والتبس عليه لفظ الكتاب.
عياض: وكذلك أقول أنه قد التبس على ابن لبابة أيضاً، والصواب القول الأولى.
انتهى.
اللخمي: وقال أصبغ: يلزمه بكل ما سمي مما هو داخل مكة كالصفا والمروة وأبي قبيس وقعيقعان، وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمي الحرم وما هو فيه ولا يلزمه ما هو خارج عنه ما عدا عرفات.
وقوله: (بحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) نحوه في المدونة، ورأى اللخمي أن التخيير إنما هو في حق المدني ونحوه ممن جرت عادته أن يأتي إلى مكة للحج والعمرة، وأما من بعد كأهل المغرب فإنما يمشي في حج لأن أكثرهم لا يعرف العمرة ومن يعرفها لا يقصدها بسفر، وأشار غيره إلى أن التخيير إنما هو في حق غير الضرورة، وأما الضرورة فيجعل مشيه في عمرة ثم يحج ليجمع بين حجة الإسلام ونذره، وهذا يأتي على أن الحج على الفور، وفي الجواهر: إذا كان الحالف من أهل الأقطار البعيدة، فهل يتعين عليه الحج، أو يتخير بينه وبين العمرة؟ قولان للمتأخرين.
فرع: فإن نذر المشي وهو بمكة فإن كان في المسجد فليخرج إلى الحل ويحرم بعمرة حتى يطوف ويسعى بين الصفا والمروة؛ إذ لابد أن يكون ليمينه معنّى، وإن كان خارجاً عن المسجد فقال ابن القاسم: يخرج كالأول، وقال مالك: يمشي من موضعه إلى البيت في غير حج ولا عمرة.

وَلا يَلْزَمُهُ نَذْرُ الْحَفَاءِ لأن الحفاء لا طاعة فيه.
ابن الجلاب: وينتعل ويستحب له أن يهدي، ونحوه في المدونة ونصه: في القائل: أنا أحمل فلاناً إلى بيت الله، إن أراد تعب نفسه وحمله على عنقه يحج ماشياً ويهدي، واختلف الشيوخ هل الهدي على الاستحباب كما في الحفاء، وإليه ذهب ابن يونس، أو على الوجوب؟ ويخرج فيها الاستحباب من الحفاء، وكذلك العكس وهو قول غيره.
وَفِيهَا: وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ، وَاسْتَدْرَكَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِسُقُوطِهِ عَنِ الْقَادِرَةِ فِي الْفَرِيضَةِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَنْ مَشْيُهَا عَوْرَةٌ وَغَيْرِهَا ... قوله: (سَوَاءٌ) أي: في لزوم المشي في حق الناذر.
وأصل الاستدراك لابن الكاتب وتبعه عليه جماعة، وإليه أشار بقوله: (واستدركه الأئمة) أي: أئمة المذهب، ثم بيَّن الوجه الذي استدرك بقوله: (بسُقُوطِهِ) أي: أن ابن الكاتب عارض قوله في هذه المسألة بقوله: إن الحجل لا يجب على القادرة على المشي إذا لم تكن لها راحلة، وإذا لم يجب المشي في حج الفريضة التي هي إحدى دعائم الإسلام مع تأكيدها لما يحصل حينئذٍ من الفتنة، فلأن تمنع من المشي في النذر من باب أولى.
قوله: (وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ) هو ابن محرز، ولا ينبغي أن يعد خلافاً؛ بل هو تقييد للمدونة، ولابن المواز قريب منه، قال: إذا كانت المرأة شابة وكان مشي مثلها عورة وكشفاً رأيت أن تمشي الأميال محتجزة عن الناس، ثم تركب وتهدي.
قال: ولو لم تكن كذلك وقدرت على مشي جميع الطريق ثم عجزت، وكانت إن عادت وفت بجميع المشي عادت، وقد تقدم في أول باب الحج ما يجاب به عن هذا الإشكال.
فرع: وللزوج منع زوجته إذا نذرت المشي كما يمنعها في التطوع؛ لأنها متعدية عليه.

فَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَسِيرُ أَوِ الرُّكُوبُ أَوِ الذِّهَابُ أَوِ الْمُضِيُّ إِلَى مَكَّةَ فَفِي لَغْوِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعِنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الرُّكُوبُ خَاصَّةً كَالْمَشْيِ زاد في المدونة أو الإتيان أو الانطلاق، وقوله: (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الرُّكُوبُ خَاصَّةً كَالْمَشْي) هو أيضاً في المدونة، وكذلك قول أشهب فيها وما ذكره من أن قول ابن القاسم اختلف في الركوب خاصة موافق لما في البرادعي.
عياض: واختصرها حمديس على أنه اختلف قوله في جميع الألفاظ وعليه تأولها ابن لبابة، وقد حكى القولين عنه ابن حارث.
وقد روى سحنون ومحمد بن رشد عنه مثل قول أشهب، والإلزام في جميعها، وبيان ذلك في المدونة أيضاً من مسألة: أنا أضرب بمالي رتاج الكعبة وإلزامه الحج والعمرة، ولم يشترط في ذلك نية، فإنه لا فرق بينها وبين قوله: أسير إليها وأذهب إليها، وحمل المسألة سائر المختصرين على أن الخلاف في الركوب وحده وتردد أبو عمران [251/ب] في تأويلها، وذكر بعضهم أن أشهب اختلف قوله كابن القاسم، وهذا الخلاف إنما هو عند عدم النية، وأما إذا نوى بهذه الألفاظ حجّاً أو عمرة فإنه يلزمه ما نواه باتفاقهما، وفرق على قول ابن القاسم الأول بين المشي وغيره؛ لأن العرف إنما جرى بلفظ المشي، ولأنه قد جاءت فيه السنة.
وأخذ ابن المواز وسحنون واللخمي بقول أشهب، ورأى ابن يونس أن ما قاله ابن القاسم من عدم إلزامه المشي في المسير والذهاب إنما هو إذا قال: إلى مكة، وأما لو قال: علي أن أسير، أو أذهب إلى الكعبة، لا ينبغي أن يلزمه إتيانها إن شاء ماشياً أو راكباً، دليله من قال: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة أنه يلزمه عند ابن القاسم أن يحج أو يعتمر، كقوله: علي أن آتي المسجد الحرام أن ذلك يلزمه؛ لأنه قد قصد الإتيان إلى البيت.
فرع: وإذا ألزمناه الركوب، فحكى ابن المواز عن أشهب أنه لا يجوز له المشي؛ لأنه يخفف عن نفسه مؤونة، وقال اللخمي: لا يجزئه الركوب إذا كان قصده نفقة ماله، وإن كان

قصده الوصول إلى مكة فقط أجزأه.
ابن عبد السلام: وهو صحيح لا يخالف فيه أِهب، ورأى جماعة من الشيوخ أن معنى قول أشهب: لا يجوز؛ أي: لا يفعل ذلك ابتداءً، وإن وقع ذلك لم يفده، ثم اختلفوا إن وقع، فقيل: يخرج نفقة ركوبه في هدايا، وقيل: يدفع ذلك لمن ينفقه في الحج بحسب ما كان ينفقه هو.
وَيَلْزَمُهُ مِنْ حَيْثُ نَوَى، وَإِلا فَمِنْ حَيْثُ حَلَفَ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ حَالِفاً وَهُوَ عَلَى بَرٍّ مَشَى مِنْ حَيْثُ حَنِثَ .... النذر إما معلق أو لا، وعلى كلٍّ فإما أن يكون له نية أو لا، فإن كانت عمل عليها في القسمين باتفاق وأحرى إذا سمي، وإن لم تكن فإن لم يكن معلقاً فمن حيث نذر باتفاق، وإطلاق المصنف قوله: (مِنْ حَيْثُ حَلَفَ) يشمل هذه الصورة ويكون ما ذكره بعد ذلك خاصّاً بالمعلق، وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال: المشهور يلزمه من حيث حلف، والتفرقة منسوبة للتونسي، والثالث ذكره ابن بشير، ولو قال المصنف: ثالثها، لكان أجرى على قاعدته، والمشهور أظهر؛ لأن الإنسان إنما يلتزم ما هو معلوم عنده.
فرع: فلو كان على المشهور حن الحنث بمكان غير الذي حلف منه، ففي اللخمي: إن كان مثله في المسافة مشى منه: لأن القصد التقرب بمثل تلك الخطى، ولا مزيَّة في ذلك للأراضي، وإن كان أقرب بالمشي اليسير فقيل: لا يجزئه، وقال أبو الفرج: يهدي هدياً ويجزئه، وإن بعد ما بين الموضعين لم يجزئه، إلا أن يكون ممن لا يستطيع المشي في جميع الطريق، فيمشي من موضعه ويهدي، وقاله أصبغ.
انتهى بمعناه.
وعلى القول بعدم الإجزاء يحتاج أن يرجع إلى موضع الحلف وهو الأصل.
وقال أصبغ: إنما يرجع إلى موضع الخلف إن كان قريباً ليس فيه مشقة، وإلا مشى من موضع الحنث وأهدى، فقال: وهذا إن كان يقدر على جميع المنذور؛ يعني: وإن كان لا يقدر فلا معنى لرجوعه، ويذهب إلى مكة

من الموضع الذي هو فيه، ونقل ابن يونس عن ابن المواز أنه قال: إن حنث بغير البلد الذي حلف فيه، وكان لا يقدر على المشي منه فليرجع إليه فيمشي ما قدر، ثم يركب ويهدي.
وَفِي جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ الْمُعْتَادِ أَوْ تَخْصِيصِهِ بِمَوْضِعِ الاضْطِرَارِ قَوْلانِ كمن حلف وهو بصقلية، فهل له أن يركب البحر إلى الإسكندرية ثم يمشي لأن تلك عاداتهم، وإليه ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، أو لا يركب من البحر إلا ما يوصله إلى سوسة أو ما قاربها من إفريقية ثم يمشي إلى مكة، وإليه ذهب أبو عمران؟ ابن يونس: وهو الأقرب.
ابن بشير: والخلاف إنما هو مع فقد النية، وأما مع وجودها فيرجع إلى نيته وهما على الخلاف في حمل مقتضى الألفاظ على الفوائد، أو على مقتضى اللغة.
خليل: ومثل هذا المثال: من حلف وهو بقوص ونحوها، فالمعتاد الركوب في البحر، والاضطرار أن يدور من مصر.
فرع: قال مالك في الموازية: وله أن يأخذ طريقاً أقصر.
الباجي: ومعناه: إذا كانت كلها معتادة، يريد: وليس له أن يمشي فغير المعتاد.
ابن بشير: لو نذر أن يمشي من المدينة إلى مكة على الشام أو العراق لم يلزمه ذلك، ولم ينبغِ له، ولو أراد أن يحلف في طريقه إلى المسجد لتكثر خطاه لما جاء في ذلك من الثواب لكان مخطئاً.
انتهى.
وَلا يَتَعَيَّنُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ بِالْبَلَدِ إِلا بِقَصْدٍ أَوْ عَادَةٍ أي: إذا نذر المشي من بلد فلا يتعين عليه أن يمشي من موضع خاص منه إلا أن ينويه، أو تكون عادة الناس جارية بالمشي منه، وكذلك قال عبد الملك.

وَمُنْتَهَاهُ فِي الْعُمْرَةِ السَّعْيُ لا الْحَلْقُ، وَفِي الْحَجِّ طَوَافُ الإِفَاضَةِ لا رُجُوعُهُ، وَقِيلَ: مُنْتَهَاهُ الْجِمَارُ، وَصَوَّبَ اللَّخْمِيُّ وُصُولَ مَكَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَزِمَ لأَنَّ الْعَادَةَ الْتِزَامُ أَحَدِ الأَمْرَيْنِ، أَوْ لأَنَّهَا لا تُدْخَلُ إِلا بهِ .... لما تكلم على مبتدأ المشي تكلم على منتهاه، وجعل منتهاه [252/أ] في العمرة السعي، وفي الحج طواف الإفاضة، ولم يراعِ الحلق في العمرة لأنه ليس بركن، وحكى ابن بشير الاتفاق عليه.
خليل: وانظر هل يلزمه المشي حتى يحلق على من رأى أن الحلق فيها ركن.
وما ذكره المصنف من أن منتهاه في الحج طواف الإفاضة هو مذهب المدونة قال فيها: وله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى وفي رمي الجمار بمنى، وإن أخر طواف الإفاضة فلا يركب في رمي الجمار.
فرع: نص في المدونة على أن له أن يركب في المناهل وفي الطريق لحاجة نسيها.
ولمالك قول آخر: أنه لا يركب في ذلك، وأنه إن ركب فيستحب له أن يهدي، وأخذ ابن القاسم بالأول، ولم يحمل أبو عمران هذا على الخلاف وحمله على الاستحباب، واستضعفه صاحب التنبيهات، وزاد في الأم بعد قوله: أنه إن لم يقض فلا يركب في رمي الجمار، وعن ابن القاسم أنه قال: ولا أرى به بأساً.
عياض: واختلف الشيوخ في تأويل قول ابن القاسم: ولا أرى به بأساً، هل يرجع إلى المسألة الأولى، وهو قول مالك: لا يركب في رمي الجمار، ويكون خلافاً، وإليه أشار اللخمي، أو يعود على الركوب في حوائجه، وهو تأويل أبي محمد، ويكون وفاقاً لقول مالك؟ قوله: (وَقِيلَ: مُنْتَهَاهُ الْجِمَارُ) أي: ولو طاف طواف الإفاضة، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن أصحاب مالك.
وحكى اللخمي عن بعض أهل اللم خارج المذهب أنه يركب في جميع المناسك، قال: هو الأصل لأن الناذر إنما قال: علي المشي إلى مكة، فجعل

مكة غاية مشيه، فلا يلزمه أكثر من ذلك.
انتهى.
وهذا يظهر أن في قول المصنف: (وَصَوِّبَ) تبعاً لابن بشير نظر؛ لأن التصويب إنما يقال حيث يقطع المصوب بالحكم، واللخمي إنما أومأ إلى الترجيح.
وقوله: (بِنَاءً ... إلخ) إن قلنا: إن ناذر المشي قد التزم أحد النسكين عرفاً فكأنه نوى المشي في أحد النسكين، وإن قلنا: إن ناذره لم يلتزم أحد النسكين، وإنما لزمه أحدهما؛ لأجل أن مكة لا تدخل إلا به لم يلزمه المشي فيهما لكونهما ليسا منذورين.
فقوله: (الْتِزَامُ أَحَدِ الأَمْرَيْنِ) تعليل للأولين، وإنما يبقى النظر هل يلزمه إلى تمام الأركان، أو إلى تمام العبادة كلها؟ وقوله: (أَوْ لأَنَّهَا لا تُدْخَلُ إِلا بهِ) تعليل لما صوبه اللخمي.
وَلَوْ ذَكَرَ مَوْضِعاً مِنَ الْحَرَمِ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِنَ الْمَشَاعِرِ كَعَرَفَةَ لَزِمَهُ بِنَاءً عَلَيْهِمَا .... تقدم أن المشهور عدم اللزوم، والقول باللزوم على ما ذكره المصنف.
ابن عبد السلام: لا أعرفه، وكأنه تبع فيه ابن بشير، وأظنه قصد إلى قول أصبغ فغير فيه لفظة القرية بلفظة الحرم؛ لأنه قال: يلزمه كل ما هو ادخل القرية والصفا والمروة والحطيم والأبطح والحجون وأبي قبيس وقعيقعان وأجياد، ولا يلزمه ما هو خارج عن قرية مكة.
خليل: والظاهر أن مراد المصنف وابن بشير بهذا القول قول ابن حبيب وهو أنه يلزمه إذا سمي الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه ما هو خارج منه ما عدا عرفات، والقول الثالث لأشهب.
وقوله: (بِنَاءً عَلَيْهِمَا) أي: فابن القاسم رأى أن العادة لم تقض بالتزام أحد النسكين إلا إذا ذكر البيت أو ما يشتمل عليه.
ورأى ابن حبيب وأصبغ كون العادة أن الحرم أو

مكة لا يدخل إلا بأحد الأمرين ونيته تقتضي المشي إلى مكة، أو إلى شعيرة من شعائرها فيلزمه المشي، والقول الثالث خارج عن فرض المسألة؛ لأن عرفة ليست من الحرم، ووجهه غير خفي.
وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئاً فَفِيهَا: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَأَلْزَمَهُ أَشْهَبُ مَكَّةَ إنما لم يلزمه في المدونة شيء لكون المشي بمفرده ليس بقرية، ولأن هروبه من التعيين دليل على عدم الالتزام، ورأى أشهب أن هذا إذا صدر فُهِم منه عرفاً التزام المشي إلى مكة، ولعله إنما نسب المسألة للمدونة لإشكالها؛ لكونه لم يحمل لفظه على العرف.
وَإِذَا لَمْ يَمْشِ عَلَى الْمُعْتَادِ بِطُولِ الْمُقَامِ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَاراً فَفِي إِجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَشْيِ قَوْلانِ ... حاصله أنه إن مشى على العادة أجزأه، ولا تضره الإقامة المعتادة كالركب المغربي يقيم بمصر شهراً أو نحوه ليأتي إبان الخروج، وكالإقامة بالعقبة ونحوها، وهذا يفهم من قوله: (وَإِذَا لَمْ يَمْشِ عَلَى الْمُعْتَادِ) يعني: وأما لو مشى على المعتاد أجزأه، ثم فصل في الذي لم يمش على المعتاد فقال: إن كان لضرورة أو عدم رفقة أجزأه المشي اتفاقاً، وإن لم يكن لضرورة فقولان، وهما روايتان بالإجزاء في الموازية، وعدمه في الواضحة.
ابن حبيب: وهو بمنزلة من عليه صوم شهرين متتابعين.
ورأى اللخمي أن الإجزاء هو الجاري على قول مالك وابن القاسم في المدونة فيمن نذر صوم سنة أن له أن يأتي بها غير متتابعة.
وصوبه ابن راشد؛ لأن يمينه إنما تضمنت المشي، والتتابع أمر زائد فلا يصار إليه إلا بدليل.
وقال ابن عبد السلام: والظاهر عدم الإجزاء لأن عرف الناس في السير التوالي، وأشار إلى أن تخريج اللخمي ظاهر، لولا ما ذكرناه من العادة.

فَإِنْ كَانَ مُعَيَّناً فَفَاتَهُ أَثِمَ، [252/ب] وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ أي: فإن كان العام الذي نذر فيه الحج معيناً فلم يخرج أو خرج وأقام في الطريق مختاراً حتى فاته الحج، ويبين أن مراد المصنف: أقام اختياراً قوله: (أَثِمَ).
ابن بشير وابن شاش: وأصل المذهب وجوب القضاء، وكلاهما يقتضي أنه لا نص فيهما، وكلام المصنف يقتضي وجود النص، وان فهيا قولاً آخر بعدم القضاء، وكأنهما أشارا بأصل المذهب إلى مسألة من نذر صوم يوم بعينه وأفطر فيه متعمداً مختاراً فإنه يقضي.
خليل: وقد تقدم في الصوم إذا نذر صوم يوم معين ثم أفطر فيه لعذر أربعة أقوال، المشهور: نفي القضاء، وثالثها: يقضي في النسيان دون المرض والحيض، ورابعها: يقضي إن لم يكن لليوم فضيلة، فانظر هل تأتي هنا؟ ويأتي الرابع هنا بأن تكون الوقفة جمعةن أوي فرق بشدة الحج وخفة الصوم، أو لحصول العذر في مسألة الصوم دون هذه، والله أعلم.
وَإِذَا رَكِبَ لِعَجْزِ فَإِنْ كَانَ يَسِيراً اغْتُفِر وَعَلَيْهِ دَمٌ، ثُمَّ إِنْ قَدَرَ مَشَى، وإِلا اسْتَمَرَّ إِلا أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ وَيَشْهَدَ الْمَنَاسِكَ وَالإِفَاضَةَ رَاكِباً، فَإِنَّهُ كَالْكَثِير .... الناذر للمشي يلزمه مشي الجميع، فإن عجز ركب، فإن كان ما ركبه يسيراً لم يؤمر بالرجوع للحرج ويسارة المتروك، ولزمه هدي؛ لنقصه ذلك المشي.
قوله: (ثُمَّ إِنْ قَدَرَ) يعني: إذا زال عذره بعد الركوب اليسير عاد إلى المشي، وإن لم يزل استمر، ثم ينظر فيما ركبه، هل هو يسير أو كثير؟ ثم استثنى من اغتفار اليسير أن يكون ركوبه من حين خروجه إلى عرفة حتى يفرغ من طواف الإفاضة، فإنه وإن كان يسيراً فهو ملحق بالكثير، ونحوه في المدونة؛ لأن هذه الأفعال هي المقصودة، فصارت لذلك كالكثير.
ووقع في رواية الأندلسيين للمدونة بإثر الحكم على أن المشي في المناسك كالكثير، وأنه يرجع لمالك: أفترى عليه أن يهدي؟ قال: أحب ذلك من غير أن أوجبه عليه.
ولم يذكر هذه لرواية مختصر والقرويين كحمديس وابن أبي زيد.

عياض: والرواية صحيحة معناها في العتبية وكتاب محمد: فإن قلت: إذا كان كالكثير فلم لا أوجب الهدي لتفرقة المشي كما في سائر صور الكثير؟ فالجواب: إنما جعله هنا مستحبّاً لاختلاف العلماء؛ لأن منهم من لا يرى المشي إلا إلى مكة فقط، والله أعلم.
وَقَالُوا: مَا دُونَ الْيَوْمِ يَسِيرٌ، وَما فَوْقَ الْيَوْمَيْنِ كَثِيرٌ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ، وَالْحَقُّ: أَنَّهُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الْمَسَافَةِ ... تصوره واضح، وحكى بعضهم أنه يرجع في ركوبه أقٌل من اليوم، وقال بعضهم: اليوم والليلة قليل، على ما في المدونة والعتبية قرب المكان أو بعد، وعليه الهدي.
وروى ابن وهب: ولا هدي عليه.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَسِيراً رَجَعَ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ بَعِيداً جِدّاً فَلا يَرْجِعُ فَإِنْ عَجَزَ ثَانِياً لَمْ يَرْجِعُ .... أي: فإن كان ركوبه كثيراً رجع؛ لأن المشي في ذمته فلا يخرج عن عهدته إلا بالإتيان به، وظاهره أنه يرجع ويمشي أماكن ركوبه، سواء كان ركوبه في أول مراتب الكثرة أم لا.
الباجي: ورواه ابن المواز عن مالك في الذي يركب عقبة ويمشي أخرى أنه يرجع فيبتدئ المشي كله.
وفي الواضحة عن مالك: يرجع فيمشي ما ركب من غير تفصيل.
انتهى.
وهذا هو ظاهر المدونة لقوله: وعرف أماكن ركوبه من الأرض ثم يعود ثانية فيمشي أماكن ركوبه، ولا يجزئه أن يمشي عدد أيام ركوبه؛ إذ قد يركب موضعاً ركب فيه أولاً.
خليل: وقد يقال ما في الموازية ليس بخلاف وإنما أمره مالك بمشي الطريق كله؛ لأنه لا يتحقق بطريق العادة ضبط مواضع مشيه من ركوبه، لا سيما إذا كان الموضع بعيداً جدّاً.
وحمل اللخمي ما في الموازية على أنه كان قادراً على الصبر على الركوب في موضع ركوبه، قال: وأما إذا كانت تلك قدرته فلا يكلف مشي غير ما ركب.
وعن ابن الماجشون في الذي ركب جل الطريق أن يرجع فيمشي الطريق كله.

قوله: (وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ بَعِيداً جِدّاً فَلا يَرْجِعُ) حاصله أن من ركب كثيراً إن كان موضعه قريباً كالمدينة ونحوها رجع ثانياً باتفاق، وإن كان بعيداً فالمشهور الرجوع، وقيل: لا يرجع.
وظاهر كلامه أن الخلاف موجود في البعد مطلقاً.
وفي اللخمي والبيان: واختلف إذا كان بعيداً مثل مصر ونحوها.
وظاهر المذهب الرجوع.
ابن عبد السلام: والقول بعدم الرجوع لمالك في كتاب ابن مزين، وأما إن كان بعيداً كإفريقية والأندلس فلا يختلف في عدم رجوعه.
ابن رشد: لأن روعه ثانية من إفريقية أشق من رجوعه ثالثة من المدينة؛ أي: والرجوع ثالثة ساقط باتفاق كما أشار إليه المصنف بقوله: (فَإِنْ عَجَزَ ثَانِياً لَمْ يَرْجِعْ).
واستحسن اللخمي وغيره ما في كتاب ابن مزين، وهو الذي تميل إليه النفس؛ إذ المشي في نفسه ليس بعبادة، وإنما وسيلة، والمقصد الحج أو العمرة وقد أتى به، والقاعدة أن الوسيلة تبع [253/أ] فإذا أتى بالمقصد فلا اعتبار بالتبع، وعلى هذا كيف يؤمر بالرجوع؟ وأيضاً فإنا إنما ألزمنا الناذر المشي إما لأن نذره اقتضى التزام أحدهما، وإما لأن نذره اقتضى دخول مكة، وهو لا يدخلها إلا بأحد النسكين، وعلى كل تقدير فقد أتى بما التزمه.
تنبيهات: الأول: إنما يؤمر بالرجوع من كان حين اليمين يظن أنه يمشي جميع الطريق وعجز، وأما لو علم من نفسه أنه لا يطيق ذلك، إما لكبر أو لضعف جسم، أو نوى أنه لا يمشي إلا ما يطيقه ولو كان شابّاً فلا شيء عليه ولا هدي ولا رجوع، وفي المدونة: ولو علم حين أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين، أو كان شيخاً زَمِناً، أو امرأة ضعيفة، أو مريضاً آيساً من البرء، فلابد أن يخرج أول مرة ولو كان راكباً، ويمشي ولو نصف ميل، ثم يركب بعد ذلك ويهدي.

والثاني: حيث قلنا يرجع فالمراد إنما يرجع في حج أو عمرة وليس المراد أن يمشي في حال رجوعه من سفره باتفاق.
الثالث: إنما يرجع إذا ظن أنه يقدر في الثانية على تمام المشي، وأما لو علم أنه لا يقدر ثانياً على تمام المشي فإنه يقعد ويهدي قاله في المدونة.
ابن المواز: ويجزئه هدي واحد.
فَإِنْ رَكِبَ مُخْتَاراً فَفِي كَوْنِهِ كَالْعَاجِزِ قَوْلانِ القول بأنه كالعاجز لابن المواز.
ومعنى كالعاجز أنه يفرق بين أن يكون يسيراً فلا يرجع، وبين أن يكون كثيراً فيرجع، الآخر لابن حبيب حكاه عن بعض أصحاب مالك، وعليه فيرجع في اليسير والكثير، وأشار إلى أنه كمن فرق بين صيام التتابع مختاراً، بخلاف ما إذا كان ركوبه لعجز.
ورد بأنه لو كان ركوبه كالصيام لزم أن يتعين العام الثاني للقضاء في حق العاجز، كما يتعين في زمان الصحة في حق من قطع صيام التتابع لمرض، ولا نعلم من يقوله.
ابن يونس: وقول ابن حبيب خلاف ظاهر المدونة، فلا فرق على مذهب المدونة بين من ركب لعذر أو لغيره.
وَلَهُ جَعْلُ مَشْيِهِ الثَّانِي فِي غَيْرِ مَا كَانَ الأَوَّلُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إِذَا كَانَ نَذْرُهُ مُبْهَماً يعني: إذا نذر مشياً مبهماً، ولم يقل في حج ولا عمرة، فله أن يجعله في حج أو مرة، فإذا عجز وأمر بالرجوع فله أن يجعل مشيه الثاني في غير مكان الأول من حج أو عمرة وهذا مذهب المدونة، ولم يجز له سحنون أن يجعل مشيه الثاني في عمرة إذا كان الأول في حج.
وعلى المشهور فقال ابن الماجشون: إنما يكون له ذلك حيث يكون ركوبه في الحج في غير المناسك، وأما إن عجز في خروجه لعرفة وطواف الإفاضة لم يكن له أن يجعل الثاني في عمرة؛ يريد: لأن المشي فيهما واجب، ولا يكون إلا في حج، وتأول ابن أبي زيد وصاحب النكت المدونة عليه، وتأولها بعضهم على أن له أن يجعل مشيه الثاني في غير ما

كان الأول وإن كان قد مشى في مناسك حجه أولاً.
وقال اللخمي: قول عبد الملك يصح على مذهب ابن القاسم في مسألة الفوات يعني التي ذكرها المصنف بعد، وليس ذلك على مذهب مالك فيها.
أَمَّا لَوْفَاتَهُ الْحَجُّ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَقَضَى رَاكِباً وَيُهْدِي لِفَوَاتِهِ، وَقِيلَ: يَمْشِي الْمَنَاسِكَ أي: فإن أحرم بالحج في النذر المبهم ففاته فإنه يتحلل بعمرة ويمشي فيها إلى تمام السعي وينقضي نذره، ثم يحتاج إلى أن يقضي الحج على حكم الفوات، وله الركوب فيه إلى أن يصل إلى مكة، ثم هل له أن يخرج للمناسك راكباً وهو مذهب المدونة؛ لأن النذر قد انقضى وهذا إنما هو للفوات، أو لا يجوز له الركوب ويلزمه المشي في المناسك؛ لأنه لما أحرم أولاً بالحج فكأنه التزم المشي في المناسك؟ ونسبه ابن يونس لابن القاسم وسحنون، قال: وهو أصح.
وَأَمَّا لَوْ أَفْسَدَهُ بالْوَطْءِ أَتَمَّهُ، وَقَضَى مَاشِياً مِنَ الْمِيقَاتِ، وَعَلَيْهِ هَدْيُ الْفَسَادِ وَهَدْيُ تَبْعِيضِ الْمَشْيِ ..... يعني: فلو كان الإفساد عوض الفوات لزمه إتمام كما في سائر صور الفساد، ولم يصرح هل يتمادى ماشياً أو راكباً؟ ابن هارون: والأقرب أنه لا يلزمه المشي؛ لأن إتمامه ليس من النذر في شيء، وإنما هو لإتمام الحج، ثم إذا قضى الحجة لم يلزمه المشي فيما قبل الميقات؛ لأنه قد مشاه أولاً والفساد لم يتسلط إلا على ما بعد الإحرام، وينبغي على هذا لو أحرم أولاً قبل الميقات أن يخرج منه ثانياً ويمشي منه ليصح له المشي الذي فسد في الأول، ولا إشكال أن عليه هَدْيَينِ؛ أحدهما للفساد، والثاني لتفريق المشي.
وَلَوْ مَشَى الرَّاجِعُ الْجَمِيعَ لَمْ يَسْقُطِ الْهَدْيُ عَلَى الأَصَحِّ مقابل الأصح قول ابن المواز، والأصح للمتأخرين وقالوا: كيف يسقط الهدي المقدر في ذمته بمشي غير واجب.

ابن بشير: ومثلوه بمن صلى صلاة سها فيها، فوجب عليه سجود السهو فأعادها ثانياً، أن السجود يتقرر في ذمته.
وفرق بعضهم بأن المصلي أخطأ في الإعادة وإنما تقررت في ذمته سجدتا السهو، فإذا أعادها أتى بما لم يؤمر به فلم تسقط الإعادة ما تقرر في ذمته، وفي الحج هو مأمور بالعودة فإذا أعاد واستكمل المشي فقد استوفى [253/ب] ما في ذمته من المشي في عودة مأمور بها، ففارق مسألة الصلاة.
ومن نظرائها إذا أحرم بالحج بعد أن سعى للعمرة وقبل أن يحلق لها، وحكمنا بالتزام الدم بسبب تأخير الحلاق، ولو تعدى فحلق فهل يسقط عنه دم تأخير الحلاق أم لا؟ ونظير ذلك: إذا قام من اثنتين واستقل قائماً ثم رجع إلى الجلوس، هل يسقط عنه السجود القبلي لأنه زاد أو نقص أم لا؟ وإذا تعدى الميقات ثم أحرم ورجع هل يسقط عنه دم التجاوز؟ المنصوص فيها عدم السقوط وخرَّج بعضهم السقوط من مسألة الصلاة التعدي بالحلق.
وَلَوْ نَوَى الْحَجَّ لَمْ تُجْزِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ عَلَى الْمَشْهُورِ هذا قسيم قوله: (وله جعل مشيه الثاني في غير ما كان الأول من حج أو عمرة، إذا كان نذره مبهماً) أي: وإن كان نذره معيناً، إما باللفظ وإما بالنية، فإن عين أولاً الحج لم يجزه أن يرجع ثانياً في عمرة باتفاق؛ لعدم استلزام الحج للعمرة، واختلف إذا عين أولاً المرة هل له أن يجعل مشية الثاني في حج؟ مذهب المدونة لا؛ لتغايرهما، ومقابل المشهور لابن حبيب؛ لأن الحج مشتمل على العمرة وزيادة.
واعلم أن لهذه المسألة صورتين: الأولى: إذا عجز ثم رجع، كما ذكرنا، وقد ذكر في المدونة المسألة على هذا الوجه، وكذلك ذكرها ابن يونس، وحكى قول ابن حبيب.

والثانية: هل له ذلك ابتداءً أو لا؟ وكذلك ذكرها ابن بشير وذكر أن المشهور: لا ينتقل عما نواه، وأن الشاذ: له أن ينتقل عن العمرة إلى الحج.
وذكر اللخمي قول ابن حبيب بالإجزاء في الوجهين في الابتداء وفي العجز، والأظهر حمل كلامه على العجز؛ لأنه قسيم كلامه الأول ليوافق فرض المدونة، وقد يقال: بل الأظهر أن يحمل كلام المصنف على مجموع الصورتين ليكون أعم فائدة.
وَلِمَنْ جَعَلَهُ لِعُمْرَةٍ أَنْ يُنْشِئَ الْحَجَّ إِذَا أَكْمَلَهَا، وَيَكُونَ مُتَمَتِّعاً بِشُرُوطِهِ ولمن جعل مشيه في عمرة إما لأنه عين ذلك ابتداءً أو اختار ذلك في النذر المبهم أن ينشئ الحج إذا فرغ من عمرته ويكون متمتعاً، يجب عليه دم التمتع بالشروط المتقدمة في كتاب الحج، وهذا في غير الضرورة، وأما الضرورة فيبقى الأمر فيه على الخلاف في الحج هل هو على الفور أم لا؟ فإن قلنا على الفور وجب عليه الإحرام بالحج، وإلا فلا.
أَمَّا لَوْ حَجَّ نَاوِياً نَذْرَهُ وَفَرِيضَتَهُ مُفْرِداً أَوْ قَارِناً فَأَرْبَعَةٌ: لا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، والْمَشْهُورُ: يُجْزِئُهُ عَنِ النَّذْرِ، وَيُجْزِئُهُ عَنِ الْفَرْضِ، وَيُجْزِئُهُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنِ النَّذْرُ بالْحَجِّ مُعَيَّناً .... هذه المسألة لها صورتان كما سبق وجمعهما لاتفاق حكمهما: الأولى: أن يحج مفرداً ينوي بتلك الحجة فرضه ونذره.
والثانية: أن يحج قارناً ينوي العمرة للنذر والحج للفرض، وذكر اللخمي فيهما أربعة أقوال: الأول: لا يجزئ عن واحد منهام فيهما، ونسبه اللخمي لمالك.
الثاني: وهو المشهور، وهو مذهب المدونة: أنه يجزئ عن النذر في الصورتين، قال في المدونة: وعليه قضاء الفريضة قابلاً.

الثالث: عكسه للمغيرة: يجزئ عن الفريضة فقط.
عبد الملك: وبه أقول.
والرابع: لابن المواز فسر به كلام ابن القاسم في المدونة: إن كان نذره مبهماً بأن قال: علي المشين ولم يقل في حج أو عمرة أجزأه عن حجه ونذره وعليهما يعود الضمير من قوله: (عَنْهُمَا)، وإن كان نذره بالحج معيناً، ولم يجزه عن واحد منهما ووقع في بعض النسخ: (ويجزئ عنهما) وليست صحيحة لعدم مطابقتها للنقل.
اللخمي: وأرى إذا قرن أن يجزئ عن حجة الإسلام وعن نذره، قياساً على من أتى بحجة الإسلام قارناً، فإنه يجزئه عن حجة الإسلام ويكون قارناً، وفرق بأن العمرة هنا واجبة، والأصل أن الفعل الواحد لا يجزئ عن واجبين بخلاف العمرة في المسألة الأخرى.
وقول ابن المواز منصوص في الصورتين، فقد ذكره ابن يونس في الصورة الثانية؛ أعني: إذا قرن.
وذكره الباجي في الصورة الأولى وعلله بأنه إذا قيده بالحج فقد نذر حجة تامة، فلما قرنها بغيرها كانت ناقصة، وإذا أطلق لم يلتزم حجة كاملة فلم يضره ما أشرك معها.
ابن يونس: ولم يختلف في قضاء الفريضة قول مالك وأصحابه، إلا عبد الملك فإنه روى عن مالك أنه يعيدهما جميعاً استحباباً، وقاله أصبغ، وقال بعضهم: وقول ابن المواز بعدم الإجزاء للحج والنذر في التعيين خلاف قول ابن القاسم في كتاب الحج الأول من المدونة في مسألة العبد يحرم بالحج فيحلله سيده ثم يعتقه فينوي القضاء والفريضة أن يجزئه للقضاء لا للفريضة.
ابن يونس: وليس الأمر كما قال؛ لأن العبد لم ينذر حجه الأول ماشياً كما نذره الحر وإنما أحرم بحجه تطوعاً، فهو كمن نذر مشياً، فيمشي في حجة ينوي بذلك فرضه ونذره، فهذه تجزئه عن نذره لا فريضته، ولو نذر العبد أن يمشي فمشى في حج فحلله سيده ثم عتق فمشى في حج ينوي به القضاء والفريضة، لوجب ألا يجزئه عن واحد منهما على قول ابن القاسم، والحر والعبد في هذا سواء.

فرع: قال [254/أ] ابن المواز: إذا مشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها فرضه فإنها تجزئه لفرضه، ثم يحرم بالعمرة بعد ذلك من ميقاته، ليمشي ما بقي له من نذره.
وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنِ النَّاذِرُ بِلَفْظِ الإِحْرَامِ وَقْتاً لَهُ فَفِي كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ قَوْلانِ، وَفِيهَا يُحْرِمُ بالْعُمْرَةِ عَلَى الْفَوْرِ إِلا إِذَا عَدِمَ الصَّحَابَةَ، وَلا يَلْزَمُهُ إِحْرَامُ الْحَجِّ إِلا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقُيِّدَ إِنْ كَانَ يَصِلُ، وَإِلا فَفِي تَاخِيرِ الإِحْرَامِ قَوْلانِ .... مثاله: إن كلمتُ فلاناً فأنا محرم بحجة أو عمرة، فإن نوى تقديماً أو تأخيراً أو صرح بذلك لم يلزمه إلا ما نوى أو صرح به، وإن لم يعين شيئاً لا بلفظه ولا بنيته، لا كما يفهم من ظاهر كلام المصنف من قصر ذلك على اللفظ، وقد صرح في المدونة بأن النية مساوية للفظ في التعجيل والتأخير، والقول بفورية الإحرام لعبد الوهاب وعلله بأن النذور المطلقة محملها على الفور، أو عقب السبب الذي علق عليه.
ابن عبد السلام: والقول الآخر ظاهر الروايات.
وتأول الباجي قول عبد الوهاب على الاستحباب.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح؛ لأن المستلزم بالنذر أحد النسكين وهو أعم من الفور والتراخي، وذكر المصنف مذهب المدونة لتضمنه التفصيل، وفرق الشيخ أبو محمد بين الحج والعمرة بأن العمرة لا وقت لها معين فوقتها حنثه، والحج له أشهر معلومات يكره تقديمه عليها، وفي انعقاده في المذهب وخارجه خلاف، فلا يحرم حتى تدخل، وتبعه في هذا الفرق اللخمي وغيره، وقوله في المدونة في العمرة: "إلا إذا عدم الصحابة" خالف فيه سحنون ورأى أنه يحرم بالعمرة وقت حنثه، وإن لم يجد صحابة، وقيد الشيخ أبو محمد قوله في المدونة في الحج: "أن يؤخر إحرامه إلى أشهر الحج" بمن كان يصل من بلده في أشهر الحج، وأما إن كان لا يصل فهذا يلزمه الخروج والإحرام قبل أشهر الحج من وقت حنثه.

ابن يونس: يريد الإحرام من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج، وحكى لنا عن أبي الحسن القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم، فأينما أدركته أشهر الحج أحرم.
ابن يونس: وقول أبي محمد أولى لأن منى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي: إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرماً، على ذلك يحمل قوله ويدل لفظه، وفي كتاب ابن المواز ما يؤيده قال فيه: في موضع يحرم في أشهر الحج، وقال في موضع آخر: يحرم في أول الحج، فهذا يدل على صحة تأويل أبي محمد وهو معنى قول المصنف: (وَقُيِّدَ إِنْ كَانَ يَصِلُ، وَإِلا فَفِي تَاخِيرِ الإِحْرَامِ قَوْلانِ).
وَخُرِّجَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ فِي الْفَوْرِيَّةِ لا فِي الإِحْرَامِ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ التَّرَاخِي أي: وخرج فيها إذا قال "لله علي المشي" قول بفورية المشي من القول بفورية الإحرام بجامع القرية.
وما حكاه من أن المشهور التراخي ثبت كذلك في نسخة ولم أقف عليه، ولا يلزم على ما ذكره المصنف أن يكون المشهور كذلك في الإحرام؛ لأن الإحرام ركن والمشي وسيلة والوسائل أخفض رتبة من المقاصد.
وَفِيهَا: أَنَا مُحْرِمٌ، أَوْ أُحْرِمُ يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا يَكُونُ مُحْرِماً يَوْمَ يَفْعَلُهُ، وَفَرَّقَ سُحْنُونٌ وَقَالَ: يَكُونُ بِقَوْلِهِ "مُحْرِمٌ" مُحْرِماً.
فَقِيلَ: أَرَادَ الْفَوْرَ فَيُنْشِئُ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِنَفْسِ حِنْثِهِ ... ابن راشد: وإذا قال: إن كلمت فلاناً فأنا أحرم بحجة أو عمرة فكلمه، فلا خلاف في أنه لا يكون محرماً حتى ينشئ الإحرام، وإن قال: أنا محرم، فقال مالك: لا يكون محرماً حتى ينشأ الإحرام، وقال سحنون: يكون محرماً.
واختلف الشيوخ في معناه على ما ذكره المصنف، واستشكل اللخمي كونه محرماً بنفس الحنث، وهو حقيق بالإشكال؛ لأن الإحرام عبادة تفتقر إلى نية، ومن شرط العبادات كالصلاة والصيام أن تكون النية مقارنة

للفعل أو مقاربة له، وقد تمضي ليمينه السنون ثم يحنث، فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة فإنه ألزمه في المدونة الإحرام على الفور، وبين المسألة المتقدمة وهي قوله: إن كلمت فلاناً فأنا محرم، وقد تقدم أنه في المدونة لم يلزمه الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج؟ قيل: لأن ذكره اليوم قرنية في إرادة الفور لحصره الزمان بخلاف المسألة الأخرى.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ النَّائِيَةِ عَنْ مَحَلِّهِ لَمْ يَلْزَمْهُ وَصَلّى مَكَانَهُ، إِلا فِي أَحَدِ الثَّلاثَةِ الْمَسَاجِدِ ... لما في مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى".
ورأى العلماء أن هذا مخصِّص لقوله صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يطيع الله فليطعه"، وإنما اختص اللزوم بهذه الثلاثة لزيادة الفضل فيها، ولا يلحق بها مسجد قباء على المشهور، خلافاً لابن مسلمة.
فَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الثَّلاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ المشهور مذهب المدونة، وقال ابن وهب: يلزمه المشي، واستحسنه اللخمي والمازري وغيرهما؛ لأنه طاعة، فيجب الوفاء بها وتبع المصنف هنا ابن بشير، فإنه ذكر أن المشهور عدم لزوم المشي في الثلاثة المساجد، لكن إنما فرض المسألة في المدونة وغيرها في مسجد المدينة وبيت المقدس وسكت عن مسجد مكة.
ونص إسماعيل على المساواة وأنه إذا نذر المشي [254/ب] إلى المسجد الحرام للصلاة لا للحج لم يكن عليه أن يمشي ويركب إن شاء، ولا يدخل إلا محرماً، وكلام صاحب الإكمال يقتضي أن قول إسماعيل مخالف للمذهب ولفظه: فمن قال: لله علي صلاة في أحدها – أي: المساجد الثلاثة – وهو في بلد غير بلادها فعليه إتيانها، وإن قال: ماشياً، فلا يلزمه المشي إلا في حرم مكة خاصة، وأما المسجدان الآخران فالمشهور عنه أنه لا يلزمه المشي إليهما ويأتيهما راكباً، وقال ابن وهب:

بل يأتيهما ماشياً، وهو أقيس لاتفاقهم على أن من قال: علي المشي إلى مكة أن عليه أن يمشي إليها، ثم ذكر قول القاضي إسماعيل.
فَلَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيباً جِدّاً فَقَوْلانِ، ثُمَّ فِي الْمَشْىٍ قَوْلانِ أي: فلو كان المسجد الذي نذر الإتيان إليه قريباً لا يحتاج إلى شد الرحال فقولان: ظاهر المدونة أنه لا شيء عليه؛ لقوله: ولو نذر الصلاة في غيرها من مساجد الأمصار صلى بموضعه ولم يأته، ونحوه في الرسالة؛ لقوله: وأما غير هذه الثلاثة المساجد فلا يأتيها ماشياً ولا راكباً لصلاة نذرها وليصل بموضعه.
ابن المواز: قيل: إلا أن يكون المسجد الذي نذر أن يأتيه قريباً مثل الأميال اليسيرة، فليأته ماشياً ليصلي فيه كما جعل على نفسه والمشي في ذلك ضعيف، وقال ابن حبيب: إن كان المسجد الذي نذر أن يأتيه ماشياً معه في موضعه، ومثل مسجد جمعته أو مسجده الذي يصلي فيه الصلوات الخمس فيلزمه أن يمشي إليه ويصلي فيه ما نذر، وقاله مالك، واستحسن اللخمي وغيره هذا القول عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، وحديث: "لا تشد الرحال" لا يعارضه، وما ذكرناه من ظاهر المدونة هو مقتضى فهم اللخمي وابن يونس وغيرهما، كذكرهم هذين القولين بعد لفظ المدونة، وانظر هذا الفهم مع ما قاله في المدونة في باب الاعتكاف: من نذر جوار مسجد مثل جوار مكة لزمه ذلك في أي البلدان كان، إذا كان ساكناً بالبلد، ولم أر من قال: يلزمه الذهاب ولا يلزمه المشي كما قال المصنف، والله أعلم.
وَلَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا وَالْتَزَمَ الآخَرَ لَزِمَهُ عَلَى الأصَحِّ، وَالْمَشْهُورُ إِلا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَفْضُولاً ... يعني: لو كان في أحد المساجد الثلاثة ونذر أن يأتي الآخر فالمشهور: إن كان في مفضول والتزم الأفضل لزمه، وإن كان بالعكس لم يلزمه، وهذا القول حكاه اللخمي ولم

يذكر سواه؛ لأنه قال: إن كان بمكة أو المدينة فنذر الصلاة بمسجد بيت المقدس صلى بموضعه وأجزأه، وإن كان مقدسياً ونذر الصلاة بمكة أو المدينة أتاهما، وإن نذر مكي الصلاة بمسجد المدينة أو العكس أتاه، وذلك أحوط ليخرج من الخلاف، وقياس قول مالك يأتي المكي المدينة بخلاف العكس.
انتهى.
المازري: وقال بعض شيوخنا وذكر اللفظ المتقدم: وعلى هذا يكون المصنف شهر قول اللخمي، لكن قال ابن عبد السلام: إن غير واحد يرى أنه المذهب.
ابن بشير: والظاهر من المذهب أنه يلزمه الإتيان إلى أحد هذهالمساجد، وإن كان الموضع الذي هو فيه أفضل من الموضع الذي التزم المشي إليه، وهذا هوا لأصح الذي ذكر المصنف وكأن المصنف – والله أعلم- صححه لأن نذر ذلك طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطهع، وقد ألزم في المدونة المكي والمدني إذا التزما رباطاً بموضع أن يأتياه وإن كانت مكة والمدينة أفضل منه.
ابن عبد السلام: ولا أذكر هذا الأصح لغير ابن بشير، فإن قلت: ظاهر كلام المصنف أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأصح اللزوم مطلقاً، ومقابله، والمشهور التفصيل فالجواب: نعم هو كذلك لكن لم أرَ القول بعدم اللزوم مطلقاً، وعلى هذا فالمشهور هو مقابل الأصح، والله أعلم.
وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ ثُمَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لا خلاف في أفضلية مكة والمدينة على بيت المقدس، وإنما اختلف العلماء في مكة والمدينة، ما عدا موضع قبره صلى الله عليه وسلم فالإجماع على أنه أفضل بقاع الأرض كلها، نقله في الإكمال، والمشهور من المذهب أن المدينة أفضل، وهو قول أكثر أهل المدينة، قوال ابن وهب وابن حبيب: مكة أفضل.
قال في الإكمال: وهو قول أهل مكة والكوفة والشافعي.

فَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَنْوِ الصَّلاةَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلافِ أَنْ يُسَمِّيَ مَسْجِدَيْهِمَا ... يعني أنه قال: علي المشي إلى المدينة أو المقدس، فإن نوى الصلاة أو ذكر مسجديهما وإن لم ينو الصلاة لزمه الذهاب، وإن لم يحصل أحدهما لم يلزمه؛ لأن المشي لا يلزم إلا أن يكون ربة؛ إذ قد يراد به التجارة وغير ذلك، وإذا احتمل ذلك فالأصل براءة الذمة فلا تعمر بالشك.
واستشكل شيخنا رحمة الله وابن عبد السلام عدم إلزامه؛ لأن المتبادر إلى الذهن والعرف إنما يقصد هذان المكانان للصلاة في مسجديهما، فكان ذكر البلدين كذكر المسجدين لدلالة الملزوم على لازمه.
قال شيخنا رحمة الله: وكيف يطيب على نفس مسلم أن يأتي المدينة ولا يصلي في مسجد نبيه، ولا يسلم على وسيلته ووسيلة أبيه آدم عليه الصلاة والسلام [255/أ].
وَإِذَا نَذَرَ هَدْياً مُطْلَقاً، فَالْبَدَنَةُ أَوْلَى، وَالْبَقَرةُ وَالشَّاةُ تُجْزِئُ قوله: (وَإِذَا نَذَرَ هَدْياً مُطْلَقاً) يحتمل أن يريد به من غير تعيين، ويحتمل أن يريد به سواء كان معلقاً أو لا، وما ذكره المصنف من أن البدنة أولى والبقرة الشاة تجزئ نص عليه في المدونة في الحج الثاني، ووقع في كتاب النذور أن من قال: إن فعلت كذا فعلي هدي، فإن نوى شيئاً فهو ما نوى وإلا فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت النفقة رجوت أن تجزئه شاة، ورجعها مالك وقال: البقر أقرب شيء بالإبل، واختلف الشيوخ في الموضعين فذهب اللخمي إلى أن ذلك اختلاف قول، ويخرج من كل واحدة قول في الأخرى، وأشار إلى أنه يمكن أن يجري فيها الخلاف ايضاً من الخلاف فيمن قال: علي صوم شهر وصام بغير الهلال هل يلزمه ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون؟ وهذب جماعة إلى أنه وفاق واختلف هؤلاء على مذهبين، حمل التونسي ما في النذور على الاستحباب، وفرق بعضهم بينهما بأن هذه يمين والتي في كتاب الحج بغير يمين، فلذلك كانت أخف.

ابن يونس: وقيل: بل ذلك اختلاف قول، ولا فرق بين ما عقد بيمين أو كان نذراً، وقد نقل أبو محمد هذه؛ أي: ما في النذور.
وإن قال: علي هدي، ثم ذكر الجواب فدل على أنهما عنده سواء، وكذلك في كتاب محمد وهو الصواب فاختار أنهما اختلاف كاللخمي، ووقع في بعض النسخ: (وإذا نذر هدياً مطلقاً فقولان) وهي ظاهرة مما ذكرناه.
فَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَقَصَّرَ عَنْهَا فَالْمَشْهُورُ: بَقَرَةٌ، فَإِنْ قَصَّرَ عَنْهَا فَالْمَشْهُورُ: سَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَالْمَشْهُورُ: أَنَّ صِيَامَ سَبْعِينَ يَوْماً لا يُجْزِئُهُ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقاً فَعَجَزَ، وَعَلَى الصِّيَامِ فَفِي تَخْييرِهِ فِيهِ وَفِي إِطْعَامِ سَبْعِينَ مِسْكِيناً قَوْلانِ أي: وسواء كان نذره معلقاً أم لا فإنه يلزمه أن يهدي بدنة، فإن لم يجد بدنة ففي المدونة تجزئ بقرة لما قاله الخليل: البقر من البدن.
وقال ابن نافع: لا يجزئه.
اللخمي: وهو أحسن لأن الناس لا يعرفون البدن إلا من الإبل، فإن لم يجد البقرة ففي المدونة تجزئ سبع من الغنم أي سبع شياه؛ لأن البقرة لما كانت تجزئ عن سبع على قول بعض العلماء عادلت سبعاً من الغنم.
وفي الموازية: إن لم يجد بقرة فعشر من الغنم، قال في المدونة: فإن لم يجد الغنم لضيق وجده فلا أعرف في هذا صوماً إلا أن يحب فليصم عشرة أيام فإن أيسر يوماً كان عليه ما نذره.
وقد قال مالك فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها: إن الصوم لا يجزئه إلا أن يشاء أن يصوم، فإن أيسر يوماً أعتق.
فهذا مثله وهذا معنى قوله: (فَالْمَشْهُورُ: أَنَّ صِيَامَ سَبْعِينَ لا يُجْزِئُهُ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقاً فَعَجَزَ).
ولمالك في الواضحة: إن لم يجد الغنم صام سبعين يوماً.
زاد أشهب في الموازية: أو أطعم سبعين مسكيناً كل مسكين مدّاً، وإن وجد شاة أهداها وصام ستين يوماً وإليه أشار بقوله: (وَعَلَى الصِّيَامِ فَفِي تَخْييرِهِ فِيهِ وَفي إِطْعَامِ سَبْعِينَ مِسْكِيناً قَوْلانِ).
ولم يذكر المصنف فيمن نذر عتقاً وعجز غير مذهب المدونة أنه لا يصوم، وفيها قولان آخران:

أولهما: لابن المواز: إن شاء الصوم صام عشرة أيام.
وثانيهما: أن يصوم شهرين لأنهما عوض عنها في الظهار وقتل النفس وكفارة اليمين، وأن الصيام فيها ثلاثة أيام؛ لكنه لما كانت الكفارة في اليمين على التخيير لم تتحقق العوضية فيه بين الصيام والرقبة.
وَإِذَا نَذَرَ هَدْياً مُعَيَّناً وَهُوَ مِمَّا يُهْدَى وَيَصِلُ وَجَبَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بَاعَهُ وَعُوِّضَ مِنْ جِنْسِهِ إِنْ بَلَغَ أَوْ أَفْضَلَ عَلَى الأَصَحِّ ... إذا نذر هدياً معيناً، وهو مما يهدي كالإبل والبقر والغم وكان يصل، وجب بعينه، يريد: وهو له لما سيأتي، قال في المدونة: والبقر لا تصل من إفريقية ولا من مصر، فإذا خاف على هذه الهدايا لا تبلغ لبعد سفره أو لغير ذلك باعها وابتاع بثمنها هدياً بثمن الغنم غنماً وبثمن البقر بقراً، وجاز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً؛ لأنها لما بيعت صارت كالعين ولا أحب شراء الغنم بثمنها حتى تقصر عن ثمن بعير أو بقرة ويشتري ذلك في مكة أو موضع يصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخلها إلى الحرم، وإلى هذا أشار بقوله: (وَعُوِّضَ مِنْ جِنْسِهِ إِنْ بَلَغَ أَوْ أَفْضَلَ).
ابن عبد السلام: وظاهر المدونة: أن شراء الإبل بثمن الغنم آكد من شراء الإبل بثمن البقر؛ لقوله في بدل الإبل بالغنم: لا أحب، وفي بدل البقر بالإبل: جائز.
واستحسن اللخمي أنه لا يعوض بثمن الغنم بدنة إلا إذا كان الغنم أقل من سبعة، إلا ألا يجد الغنم فجائز أن يعوض الثماني والتسع بالبدنة.
وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) أشار بمقابله إلى ما حكاه ابن بشير أن عليه أن يشتري من نوع الأول، ولا يخالف إلى الأفضل.

بِخِلافِ فَرِسٍ يَنْذُرُهُ فِي السَّبِيلِ فَيَتَعَذَّرُ إِيصَالُهُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُجْعَلُ فِي مِثْلِهِ هُنَاكَ لاخْتِلافِ الْمَنَافِعِ ... أي: فلا يجوز أن يشتري بثمنه إذا لم يصل غير جنسه من سلاح أو كراع، ولو كان الاحتياج إلى الغير أكثر.
وفرق في المدونة بمثل ما فرق به المصنف وهو أن المقصود من الهدي شيء واحد وهو اللحم للتوسعة [255/ب] على الفقراء، ولحم الإبل أكثر، بخلاف منفعة الفرس والسلاح فإنهما متباينان.
التونسي: وقيل: يجعل الثمن فيما كان أنكى للعدو.
وَالسَّبِيلُ: الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ فِي السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ بخِلافِ جُدَّةَ، فَإِنْ قَصَّرَ عَوْضَ الأَدْنَى .... أي: من جعل شيئاً في سبيل الله فلا يعدل به عن جهاد العدو وحراسة المسلمين بالسواحل كطرابلس وعسقلان بخلاف جدة فليست بثغر.
قال في المدونة: لأن العدو لم ينزل بها إلا مرة واحدة، وهو مقيد بما إذا كان حالها اليوم كحالها في الزمان المتقدم، وذلك لأن الثغر في الاصطلاح هو موضوع للمكان المخوف عليه العدو، فكم من رباط في الزمان المتقدم زال عنه هذا الوصف في زماننا وبالعكس.
وقوله: (فَإِنْ قَصَّرَ عَوَّضَ الأَدْنَى) أي: الثمن في مسألة الهدي أو الجهاد عن شراء المثل، فإنه يعوض الأدنى ولا خلاف في ذلك.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُهْدَى بَاعَهُ وَعَوِّضَ بثَمَنِهِ، وَقِيلَ: أَوْ قَوَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ كالثوب والفرس.
وقوله: (بَاعَهُ وَعَوَّضَ بثَمَنِهِ) هو مذهب المدونة؛ لقوله فيها: فليبعه.
والقول بأنه يقومه على نفسه مذهب العتبية وهو ظاهر المدونة في كتاب الحج وموضع آخر من

النذور؛ لقوله: أخرج ثمن ذلك.
واختلف الأشياخ في فهم الموضعين، فذهب أكثرهم إلى أنه اختلاف قول، وذهب جماعة إلى أنه وفاق، ثم اختلفوا.
ففي البيان: ما في العتبية مفسر لما في المدونة، وأشار هو وغيره إلى أنه ليس من باب شراء المرء صدقته؛ لأن القصد في الهدي الثمن؛ لأنه مما لا يهدي عينه بخلاف الصدقة فإنه قد يتصدق بذلك الشيء بعينه.
وحمل بعض القرويين ما وقع من جواز إخراج القيمة على أنه كان بيمين وما وقع من بيعه على أنه بغير يمين؛ لأن الحالف غير قاصد للقربة بخلاف غيره، ورده ابن يونس بأن الحالف إذا قال: إن فعلت كذا فعلي كذا، يقصد أيضاً بما نذره القربة إن فعل فلم يكن بينهما فرق، ورده أيضاً عياض بأنه قد ذكر في الموازية عن مالك روايتين من غير يمين، فدل على أنه لا فرق بين المعلق بيمين وغيره.
فرع: قال في المدونة: فإن لم يبعه وبعثه فلا يعجبني ويباع هناك ويشترى به هدي، فلعل الكراهة لأن فيها إيهام تغيير سنة الهدايا، أو لأن ذلك في سلع تساوي في بلدها أكثر من مكة.
وَفِي الْمَعِيبِ قَوْلانِ: بعَيْنِهِ، وَكَالثَّانِي أي: إذا قال: لله علي أن أهدي هذه البدنة العوراء أو ما لا يجوز في الهدايا، فقال أشهب: يخرجه بعينه؛ لأن السلامة إنما تطلب في الواجب المطلق، وقال ابن المواز: بل يبيعه ويشترى بثمنه هدياً سالماً وهو مراده بقوله: (كَالثَّانِي) أي: كالقسم الثاني وهو مما لا يهدي، وعلى هذا فيختلف هل له أن يمسكه ويخرج قيمته، أو يتعين بيعه كما تقدم؟ ويحتمل أن يريد: الثاني في القسم الأول، وهو الذي لا يصل والمعنى واحد، وهذا الخلاف مقيد بما إذا نذر معيناً، وأما إذا كان غير معين، فوافق أِهب ابن المواز على أن عليه هدياص سالماً.

التونسي: والأشبه في غير المعين أنه لا يلزمه نذر هدي ما لا يصلح أن يكون هدياً كمن نذر صلاة في وقت لا يجوز أن يصلي فيه، وكالصحيح فيمن نذر صوم أيام الذبح أو سنة بعينها أنه لا يقضي أيام الذبح.
وقال اللخمي: أرى المعين وغيره سواء، فإن نذر وهو يظن أن ذلك يجوز لم يكن عليه غير ما ألزم نفسه، فيبيع المعين ويخرج قيمة ما في الذمة على أنه معيب فيشتري بذلك سليماً إن يبلغ أو يشارك به، وإن كان عالماً أن ذلك لا يجوز كان نذراً في معصية معيناً كان أو مضموناً، ويستحب له أن يأتي بسليمة ليكون كفارة كما في نذره نحر ولده.
فَإنْ قَصَّرَ عَنِ التَّعْوِيضِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيهَا أَيْضاً: يَبْعَثُهُ إِلى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يَشْتَرِكَ مَعَهُمْ أَحَدٌ؛ لأَنَّهُ وَلايَةٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ أَهْلُ الْحَرَمِ بالثَّمَنِ، وَقِيلَ: يُشَارِكُ بِهِ فِي هَدْيٍ .... يعني: فإن قصر ثمن ما لا يُهدَى كالعبد، أو فضل من ثمنه ما لا يبلغ ثمن هدي.
ونص التهذيب: فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي وأدناه شاة قال مالك: يبعثه إلى خَزَنَة الكعبة ينفق عليها، وقال ابن القاسم: أحب إلي أن يتصدق به حيث شاء.
ومنه تعلم أن قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَصَدَّقُ بهِ) ليس بجيد؛ لإيهامه وجوب الصدقة، وأشعر قول المصنف أيضاً بأن قول ابن القاسم في المدونة أيضاً وفي قول مالك إشكال، ولعل ذلك هو الموجب لنسبة ذلك إلى المدونة؛ إذ الكعبة لا تنقض فتبنى، ولا يكسوها إلا الملوك، ويأتيها من الطيب ما فيه كفاية، وهي إن كانت تكنس فمكانسها من خوص قبل الكنس تساوي فلساً وبعد الكنس تساوي الدراهم، فلم يبق إلا أن تأكله الخزنة، وليس هو من قصد الناذر [256/أ] في شيء، لكن في الموازية ما يدفع هذا الإشكال فإنه قال بعد قوله (يُنْفَقُ عَلَيْهَا): فإن لم تحتج إليه الكعبة تصدق به.
وساقه ابن يونس على أنه تقييد، وهو كذلك إن شاء الله تعالى.

قوله: (وَأَعْظَمَ مَالِكٌ ... إلخ) استطراد لا تعلق له بالنذر، وهو كذلك في المدونة.
ومعنى أن يشترك فيها؛ أي: في خدمتها والقيام عليها؛ لأنه روي أنه صلى الله عيه وسلم عام الفتح انتزع المفاتيح من يد عثمان بن طلحة، فنزل قوله تعالى: (إِنْ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا ([النساء: 58]، فاستدعاه ودفع إليه المفاتيح، وقال:"هي لكم يا بني عبد الدار خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم".
والتشريك نوع من الانتزاع فلذلك منعه مالك.
قوله: (وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بهِ أَهْلُ الْحَرَمِ) هو لأصبغ ونصه عند ابن يونس.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يتصدق به على أهل مكة خاصة، به قال اللخمي قال: لأن الهدي لو بلغ تصدق عليهم بلحمه، والقول الرابع الذي حكاه المصنف لم أره، لكن اللخمي قال: لو قيل به لكان وجهاً.
فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَالْمَنْصُوصُ: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إِلا أَنْ يُرِيدَ: إِنْ مَلَكَهُ فَيَلْزَمُهُ إِنْ مَلَكَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ... أي: فإن كان الذي التزمه لغيره سواء كان مما يهدي كبعير فلان أو لا كعبده، وهكذا ذكر المسألة في المدونة، ولأنه لو لم يحمل كلام المصنف على العموم لزم أن يكون في كلامه قصور؛ لأنه لم يتعرض للكلام على إهداء ما للغير إلا هنا، والمنصوص مذهب المدونة وغيرها؛ لما في مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
وقوله: (على المنصوص) لم أتحقق ما أشار إليه من مقابله، ولعله مخرج من الحر بجامع عدم الملك، وإن أراد هذا فقد فرق التونسي بينهما بأن عبد الغير لما كان يصح بيعه ويهدي ثمنه، فكأنه أراد أن يهدي ثمنه وهو غير مالك له، بخلاف الحر فإنه لما لم يصح تملكه فكأنه قصد فيه الهدي.
وفرق ابن يونس بأن الحر قد جاءت فيه سنة قياساً على ما جاء في إبراهيم مع ولده عليهما الصلاة والسلام، أما إن نوى: إن ملكته فهو هدي فإنه يجزئ على الخلاف في تعليق الطلاق بالزوجية، والعتق بالملك، والمشهور اللزوم.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُمْلَكُ كَالْحُرِّ فَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ نَذْراً لِمَعْصِيَةٍ وَكَأَنَّهُ رَآهُ عُرْفاً ... أي: إذا قال: لله علي أن أهدي فلاناً، أو علق ذلك على شرط، فالمشهور عليه هدي.
التونسي: وقيل: لا شيء عليه لأنه نذر معصية، ولم يذكره ابن بشير على أنه خلاف وإنما قيد به المشهور فقال بعد المشهور: وهذا إذا كان قصده الالتزام فظاهر، وإن كان قصده بنذره المعصية فينبغي ألا يلزمه، وإن لم يكن له قصد فيجري على الخلاف المتقدم في عمارة الذمة بالأقل، أو بالأكثر.
انتهى.
ونص اللخمي على أن من قال: أنا أنحر ولدي، بمعنى أقتله أنه لا شيء عليه.
خليل: وعلى هذا فالمسألة على ثلاثة أوجه: إن قصد الهدي والقربة لزمه ذلك بالاتفاق، وإن قصد المعصية لم يلزمه ذلك باتفاق، واختلف الشيوخ حيث لا نية، والمشهور: عليه الهدي، ونحو هذا لأبي الحسن، وعزي الشاذ لابن عبد الحكم.
وقوله: (وَكَأَنَّهُ رَآهُ عُرْفاً) توجيه للمشهور؛ أي: إنما لزمه في المشهور وإن كان ظاهر لفظه المعصية؛ لأن رأى أن قوله: لله علي أن أهدي فلاناً حقيقة عرفية في التزام الهدي.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْهَدْيَ وَالْتَزَمَ نَحْرَ حُرٍّ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيّاً فَالْمَشْهُورُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيباً وَذَكَرَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلام أَوْ مَكَّةَ أَوْ مِنىً ونَحْوَهَا لَزِمَهُ هَدْيٌ وَإِلا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَرَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: فِيمَنِ الْتَزَمَ نَحْرَ قَرِيبٍ مُطْلَقاً قَوْلانِ .... أي: إذا لم يذكر لفظ الهدي بل قال: لله علي أن أنحر فلاناً، فإن كان المنذور نحره أجنبياً لم يلزمه شيء على المشهور، والفرق للمشهور بين هذه والتي قبلها أن ذكر الهدي في الأولى قرينة في إرادة القربة، بخلاف هذه فإن لفظه ظاهر في المعصية.
وإن كنا قريباً ففيه تفصيل إن ذكر مقام إبراهيم أو مكة أو منّى.

ابن بشير: أو يذكر موضعاً من مواضع مكة أو منّى لزمه هدي لقرينة ذكره هذه المواضع، فإنها تدل على القرية عرفاً، وإن لم يذكر هذه المواضع فلا شيء عليه كما قال المصنف.
وقوله: (وقيلَ: تلزمه كَفَّارَةُ يَمِينٍ) أي: سواء ذكر هذه المواضع أم لا.
وهذا القول أيضاً في المدونة، ففيها: ومن قال: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي.
فحنث فعليه كفارة يمين، وقاله ابن عباس، ثم رجع مالك فقال: لا كفارة عليه ولا غيرها إلا أن ينوي به وجه الهدي فعليه هدي.
ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعت منه، والذي سمعت منه: إذا لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال: عند مقام إبراهيم فليهدِ، فذكر فيها ثلاثة أقوال.
واختلف الشيوخ في محل الخلاف، فقال صاحب تهذيب الطالب: لم يختلف قول مالك متى نوى وجه الهدي أنه لزمه الهدي، واختلف قوله إذا لم تكن له نية، فقال مرة: عليه كفارة يمين، وقال مرة: لا شيء عليه، وعلى هذا فيقيد قوله الأول: "عليه كفارة [256/ب] يمين" بما إذا لم يرد وجه الهدي.
وقال أبو عمران في تعاليقه: أعرف أنه إنما اختلف قول مالك في الذي ينذر نحر ولده فيمن لم تكن له نية، قال مرة: عليه الهدي، وقال مرة: لا هدي عليه، وأما إن نوى الهدي فعلي الهدي بالاتفاق، وهكذا كلام عبد الحق، غير أن أحد القولين في كلام عبد الحق: وعليه الكفارة.
وأَلْحَقَ عبدُ الحق ذِكْرَ المقامِ بِنيَّةٍ.
وكلام اللخمي يقتضي وجود الخلاف مطلقاً سواء نوى الهدي أم لا ذكر المقام أم لا؛ لأنه قال: إن أراد نحر ولده فلا شيء عليه، وإن أراد أن يجعله هدياً وقال ما يدل على ذلك، فقال: عند مقام إبراهيم أو عند الصفا أو المروة، كان عليه عند مالك هدي وقال مرة: كفارة يمين، فإن قلت: إنما فرض المسألة في المدونة في التعليق وكلام المصنف أعم وقد نص بعض القرويين على أنه إنما يلزم الهدي في التعليق.

وأما إن قال: علي نحر ولدي أو لله علي نحر ولدي، فلا شيء عليه لأنه نذر في معصية، إلا أن يقصد به وجه القربة فيلزمه هدي، وكذلك في كتاب الأبهري قيل: مختار ابن يونس خلافه وأنه لا فرق بين المعلق وغيره، قال: والصواب ألا شيء عليه إلا أن ينوي به وجه الهدي؛ لأن من قال: إن فعلت كذا فعلي شرب الخمر، أو قال: لله علي شرب الخمر ألا شيء عليه في ذلك.
وقد علمت بكلام اللخمي معنى قول المصنف.
وقال اللخمي: فيمن التزم نحر قريب مطلقاً قولان.
ولولا كلامه المتقدم لأمكن أن يحمل الإطلاق على أنه لا فرق في ذلك بين المعلق وغيره.
وعلى هذا فيتحصل في المسألة خمسة أقوال: أولها: أن عليه كفارة يمين إلا أن ينوي الهدي، وهو الأول في المدونة على ما ذكره عبد الحق.
الثاني: أن عليه كفارة يمين لو نوى الهدي على ما حكاه اللخمي.
ثالثها: إن ذكر المقام فعليه هدي، وإلا فلا شيء عليه، وهو القول الذي استحسنه ابن القاسم.
رابعها: إن لم يذكر المقام فعليه كفارة يمين، وهو القول الذي سمعه ابن القاسم.
خامساً: الفرق بين المعلق وغيره، وما ذكره من التفرقة بين القريب وغيره نحوه لابن بشير وغيره.
وقال الباجي: إذا قال لابنه أو أجنبي في يمين: لله علي أن أنحرك، فحنث فإن علق ذلك بمكان النحر كأن يقول: أنحرك عند مقام إبراهيم، أو عند البيت أو المسجد، أو بمنى أو بمكة، فروى ابن حبيب عن مالك عليه الهدي، وإن لم يسمِّ شيئاً ونوى الهدي لزمه، وإن لم ينو فروايتان: إحداهما: لا شيء عليه، والأخرى: كفارة يمين، وبها قال أصبغ.
وقال عبد الوهاب: من نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه الهدي.

وإن نذر نذراً مجرداً يقصد به القربة فلا شيء عليه، ففرق بين اليمين والنذر وليس بالبين.
انتهى.
فلم يفرق بين الأجنبي والقريب، وانظر قوله: فإن علق ذلك بمكان الذبح وعده المقام، فإنه مخالف لما قاله ابن هارون: أن المراد بمقام إبراهيم قصته في التزامه ذبح ولده وفدائه بالهدي، لا مقام مصلاه.
ابن عبد السلام: وحيث أمرناه بالهدي في هذه المسألة، فقيل: إنه من الإبل، فإن لم يجد فمن البقر، فإن لم يجد فمن الغنم، وقيل: يكتفي بكبش، واختاره ابن شعبان.
فرع: قال في الموازية: ولو قال لعدة من ولده: "أنا أنحركم" كان عليه أن يهدي عن كل واحد هدياً، وقيل: هدي واحد لجميعهم.
أصبغ وغيره: والأول أحب إلينا.
وَإِذَا الْتَزَمَ هَدْياً لِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَفْعَلْهُ لأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ قال في المدونة: وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ هَدْياً ذَبَحَهُ مَكَانَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يَجْوزُ نَقْلُهُ إِلَيْهِمْ المشهور مذهب المدونة؛ لأن في نقله إليهم شبهاً بسوق الهدايا، والشاذ لمالك في الموازية وبه قال أشهب؛ لأن إطعام مساكين أي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، وأشار بعضهم إلى أنه يجوز ألا ينحر شيئاً ويطعم المساكين لحماً يكون قدره قدر لحم الجزور، وهو ظاهر لأنه لا قربة في النحر.
وَمَنْ نَذَرَ هَدْيَ بَدَنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ شِرَاؤُهَا، وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ وهو ظاهر إذا اشتراها من مكة، فلابد أن يخرجها إلى الحِل.

وَمَنِ الْتَزَمَ صَدَقَةَ جَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ اتِّفَاقاً، فَلَوْ أَخْرَجَهُ فَفِي مُضِيِّهِ قَوْلانِ، وَيَلْزَمُهُ الثُّلُثُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُجْحِفْ بهِ تبع المصنف في حكايته الاتفاق.
ابن بشير: وليس كما قالاه وإنما هو المشهور سواء حلف بذلك ابتداء أو علق ذلك.
وفي البيان عن ابن وهب: لزوم الجميع، والقول بأنه لا يلزمه أن يُخرج إلا ما لا يضر به إخراجه لسحنون.
وقال ابن حبيب: إن كان كثير اليسار أخرج ثلث المال وإن كان قليل المال فربع العشر، وإن كان عديماً فكفارة يمين، وقاله أيضاً ابن وهب.
وربما استظهر القول بلزوم الجميع لأن الصدقة بالجميع طاعة؛ لإقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ذلك.
وهذا إنام هو إذا التزم جميع المال للفقراء، أما لو قال: مالي صدقةٌ على فلان بعينه، ففي النوادر: يلزمه.
ونقله صاحب النكت عن بعض القرويين في باب الهبات.
أصبغ: وإذا قال مالي لله فيخرج [257/أ] ثلثه للصدقة فقط.
وإن قال في عبده فمخرجه العتق، وإن قال في سبيل الله أو لسبيل الله فمخرجه الغزو والجهاد خاصة.
وتخرج ثلث العين والطعام والرقيق إلا أن ينوي العين خاصة.
وقوله: (فَلَوْ أَخْرَجَهُ فَفِي مُضِيِّهِ قَوْلانِ).
ابن عبد السلام: يعني: فلو أراد إخراج الجميع من غير نذر ولا التزام بل عزم على إخراجه فمنهم من أقره على الصدقة بالجميع كما أقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ذلك، ومنهم من قال يكفيه الثلث كقضية كعب بن مالك.
وقال ابن راشد: يعني: وإذا فرعنا على المذهب فأخرجه عن نذر ففي مضيه قولان حكاهما المصنف بناء على تعلق حق الغير به لصيرورته بيده، أو يبطل لأنه فعل ممنوع.
وقال شيخنا رحمه الله: معناه إعطاؤه لمن ينبو عنه في تفرقته ولم يفرقه بعد فقولان منشأهما: هل يد نائبه كيده فلا ينفذ أو لا؟ وكأنه حصل في يد الفقراء، وكلام ابن راشد هو الذي يؤخذ من كلام ابن بشير، والله أعلم.

وَلَوْ عَيَّنَ شَيْئاً أَوْ جُزْءاً أَوْ كَثِيرَاً لَزِمَهُ وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ: عَبْدِي هَدْيٌ وَلا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَالِي، وَبَيْنَ: ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِي، وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَا لِي أي: إذا عين شيئاً لزمه أني خرجه ولو أتى على جميع ماله على المشهور، ومقابل المشهور رواية عن مالك: لا يلزمه إلا الثلث.
وهو مذهب ابن نافع وأصبغ.
وحكى اللخمي عن سحنون أن قال في هذه المسألة أيضاً: لا يلزمه إلا ما لا يجحف به.
وقوله: (بين: عبدي) أي: فيلزمه، (وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَالِي) فلا يلزمه غير الثلث، (وَبَيْنَ: ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِي) فيلزمه، (وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَا لِي) فلا يلزمه إلا الثلث.
قال في النكت: والفرق بين أن يسمي شيئاً بعينه من ماله صدقة أو هدياً أن يخرج جميعه وإن كان ذلك ماله كله، وبين أن يقول مالي ولا يعين شيئاً أنه يجزئه الثلث- أن الذي عين قد أبقى لنفسه شيئاً ولو ثيابَ ظاهرِه أو ما لا يعلمه كميراث لم يعلم به، وأما الذي قال مالي فلم يبق لنفسه شيئاً وأدخل ثياب ظهره وما جهله أو علمه من ماله، فكان هذا من الحرج المرفوع، فوجب قصره على الثلث.
انتهى.
والشاذ هنا هو الظاهر، والله أعلم.
وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ تَفْرِقَةُ الثُّلُثِ مِنْ نَفْلٍ أَوْ هَدْيٍ فَفِي كَوْنِهِ مِنَ الثُّلُثِ قَوْلانِ يريد: إذا قال: مالي هدي، أو حلف بصدقة ماله فحنث، وقلنا يلزمه الثلث فاحتاج إلى أن يبعث به، فقال ابن القاسم في العتبية: ينفق عليه من ماله.
قاله مالك.
ذلك وقيل من الثلث.
ابن راشد: ولم يختلف إذا قال ثلث مالي أن النفقة عليه منه، والفرق بينهما إذا قال مالي، فالأصل أن يخرج الجميع فلما أرخص له في الثلث وجب أن يخرج جميع الثلث، بخلاف قول ثلث مالي فلا يلزمه غيره.
انتهى.
والذي في ابن يونس وغيره بعد أن حكى القولين في الوجه الأول: ولو قال ثلث مالي هدي فلا خلاف أنه ينفق عليه من ماله حتى يبلغه.
قال: والصواب ألا فرق بين

ذلك.
وعلى هذا فإطلاق المصنف ليس كما ينبغي.
وقوله: (أَوْ هَدْيٍ) فيه حذف مضاف؛ أي: من سوق هدي أو نحو ذلك.
وَلَوْ قَالَ: مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ رِتَاجِهَا أَوْ حَطِيمِهَا فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لأَنَّ الْكَعْبَةَ لا تُنْقَضُ فَتُبْنَى، بخِلافِ مَالِي فِي كِسْوَتِهَا أَوْ طِيبهَا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الثُّلُثَ إِلَى الْحَجَبَةِ فَيَصْرِفُونَهُ .... هذا كله في المدونة، قال فيها: والرتاج الباب، والحطيم ما بين .... المقام.
وفسر ابن حبيب الحطيم بما بين الركن الأسود والباب إلى المقام؛ لأنه يحطم الناس.
أبو محمد: فعلى تفسير ابن حبيب ذلك كله حطيم الجدار من الكعبة والفضاء الذي بين البيت والمقام اليوم.
عياض: وقوله فيمن جعل ماله في طيب الكعبة يدفع إلى حجبتها يدل على جواز تطيبها وتطييب المساجد وتجميرها؛ إذ لو لم يكن طاعة لما لزمه أن يفي بنذره، وقد فُعل هذا في الصدر الأول واستمر على ذلك عمل المسلمين وعلى الخلوق فيها، والأصل في ذلك تطييبه صلى الله عليه وسلم موضع النخامة في مسجده.
وقول مالك: "الصدقة أحب إلي مما يجمر به المساجد" ليس على تضعيفه وكراهته لكن لترتيب فضل أعمال البر بعضها على بعض في الجر.
وما ذكره المصنف من قوله: (فلا شيء عليه) هو المشهور.
وروي عن مالك أن عليه كفارة يمين.
ونقل في الاستذكار عن القاضي إسماعيل بن أبي أويس أنه روي عن مالك أنه يلزمه إخراج ثلث ماله.
وقال ابن حبيب: أرى أن يسأل، فإن نوى أن يكون ماله للكعبة فيدفع ثلثه للخزنة يصرفونه في مصالحها، فإن استغنت عنه بما أقامه السلطان من ذلك تصدق به، وإن قال: لم أنوِ شيئاً ولا أعرف لهذه الكلمة تأويلاً، فكفارة يمين أحب إلي، وسواء كان ذلك في ندر أو يمين.

وقوله: (بِخِلافِ مَالِي فِي كِسْوَتِهَا أَوْ طِيبِهَا) ظاهر التصور.
والظاهر أن في زماننا يتصدق بذلك؛ لأن الملوك تكفلت بالكعبة ولا يتركون أحداً يكسوها، والحجبة لا يؤمنون في الغالب، وكذلك قال ابن راشد، وهو يؤخذ مما قدمناه على الموازية، والله أعلم.
وَإِذَا تَكَرَّرَ مَا يُوجِبُ [257/ ب] الثُّلُثَ فَإِنْ كَانَ بُعَيْدَ إِخْرَاجِهِ أَخْرَجَ ثَانِياً وَثَالِثاً ابن زرقون: ولا خلاف في هذا في المذهب.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَفِي إِجْزَاءٍ ثُلُثٍ وَاحدٍ قَوْلانِ الضمير في (قَبْلَهُ) عائد على الإجزاء.
والقول بأنه ليس عليه إلا ثلث واحد رواه ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وهو في الموازية.
وقال ابن القاسم: يخرج عن اليمين الأولى ثلث ماله ثم ثلث ما بقي عن اليمين الثانية.
وبه قال أشهب ومحمد بن المواز.
ثم قال ابن القاسم: يخرج ثلثاً واحداً ويجزئه.
وقاله ابن كنانة.
الباجي: وإذا قلنا يكفيه ثلث واحد، فقال يحيى عن ابن القاسم: سواء كانت أيمانه في أوقات مختلفة أو أيمان مختلفة فحنث فيها في وقت واحد أو حنث حنثاً بعد حنث فليس عليه إلا ثلث واحد.
ابن عبد السلام: واختلف الشيوخ لو كانت اليمين الثانية قبل الحنث في الأولى هل يدخل في ذلك القولان، أو يتفق على وجوب ثلث واحد.
وَإِذَا زَادَ مَالُهُ بَعْدَ الْحِنْثِ وَاليَمِينِ فَثُلُثُ الأَوَّلِ، فَإِنْ نَقَصَ فَثُلُثُ الآخَرِ.
وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى حِنْثٍ ... كما إذا حلف ومالُه ألفُ حنث وماله ألفان فلا يلزمه إلا ثلث الألف، وهذا بين إن كانت الألف الثانية من فائدة.
قال في البيان: واختلف إذا حنث وقد زاد بولادة أو تجارة ففي العتبية ليس عليه أن يخرج ثلث النماء، ومثله في الواضحة وغيرها لابن القاسم وهو صحيح لأنه على بر، وقال ابن القاسم: لا يدخل الولد في اليمين إذا كانت يمينه على بر،

وإن كان قد قال مالك أنهم يدخلون.
وفي المبسوط لابن دينار أن ربح المال يدخل في الصدقة ولا يدخل الولد في اليمين بالعتق.
قال في البيان: ولو عكس ذلك لكان أشبه من أجل الاختلاف في اليمين بصدقة المال.
انتهى.
وأما إن نقص فإن كانت يمينه على بر فلا يلزمه إلا ثلث ما بقي اتفاقاً، وكذلك إن كانت على حنث على المشهور فقال ابن المواز: يلزمه إخراج الثلث مما نقص إن كان النقصان بسببه.
ابن حبيب: وأما إن نقص من أمر من الله دون تفريط فلا خلاف أنه لا يلزمه إلا ثلث ما بقي.
وحكى في الجواهر فيما إذا أنفقه بعد الحنث عن أشهب أنه لا شيء عليه ولا يتبع به ديناً، قال: وقال ابن القاسم يضمن إذا أنفقه أو ذهب منه كزكاة فرط فيها حتى ذهب المال.
وقال سحنون: إذا فرط في إخراج الثلث حتى هلك المال ضمن.
وفي الواضحة: من حلف بصدقة ماله فحنث ثم ذهب ماله باستنفاق فذلك دين عليه، وإن ذهب بغير سببه فلا يضمن ولا يضره التفريط متى أصابه ذلك.
وَفِي رَدِّ الزَّوجِ الثُّلُثَ فِي يَمِينِ الْجَمِيعِ قَوْلانِ يعني: إن حلفت الزوجة بثلث مالها فليس لزوجها عليها كلام.
واختلف إذا حلفت بجميع مالها، فالمشهور له رد الجميع.
وقيل: ليس له إلا رد ما زاد على الثلث.
وستأتي هذه المسألة في باب الحجر إن شاء الله.


الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعٍ الجهاد لغة: التعب، ومنه الجهد وهو المشقة.
وشرعاً: هو تعب خاص، وهو مقاتلة العدو.
وكان على الكفاية لأن المصلحة تحصل بالبعض.
قال في الكافي: وفرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل