يحلف لا آكل خبزاً، وعادت أكل خبز البر، فإنه يحنث بخبز الشعير والذرة، وإن لم يأكله قطُّ.
وقال ابن عبد السلام: ظاهر مسائل الفقهاء اعتبار العرف وإن كان فعلياً.
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لا يُقْضَى فِيهِ بالْحِنْثِ فَنِيَّتُهُ إِنْ كَانَ قَرِيباً ثُمَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
هذا هو الضرب الثاني؛ يعني: وإن كانت اليمين بغير العتق والطلاق، فإن كانت بالله تعالى أو صيام أو صدقة قبلت منه نية الاحتمال القريب المخالف لظاهر اللفظ والمساوي، ومفهوم كلامه أنه لا يفهم منه إرادة الاحتمال البعيد، والذي ذكره التونسي قبول نيته في هذا القسم مطلقاً، فقال: إن لم يكن بساط حملت يمينه على ظاهر ألفاظ الحالف، إلا أن يدعي نية فيصدق فيما نوى فيه فيما بينه وبين الله تعالى.
انتهى.
وهذا هو الظاهر لأنه إنما حمل على الظاهر فيما يقضي فيه بالحنث؛ لما يجب على الحكام من إجراء الأمور على ظواهرها، ولا نظر للقاضي هنا.
وقوله: (ثُمَّ َعَلَى مَا تَقَدَّمَ) أي: فإن عدمت نظر إلى البساط ثم للقصد العرفي، ثم الشرعي.
وَإِذَا كَانَ اللََّفْظُ شَامِلاً لِلْمُتَعَدِّدِ مُحْتَمِلاً لأَقَلَّ وَلأَكْثَرَ حَنِثَ بالأَقَلِّ، وَبِالبَعْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمْ يَبَرَّ إِلا بالْجَمِيعِ اتِّفَاقاً، مِثْلَ: لا أَكَلْتُ رَغِيفاً، وَلا كَلَّمْتُهُ، وَلاَ جَامَعْتُكُنَّ وَلأُجَامِعُكُنَّ
مراده أن اللفظ إذا دل على جمع فإنه يدل على أقل الجمع ويحتمل أكثر، وليس مراده العدد؛ لأنه نص لا احتمال فيه، ومثل بمثالين ليعود الأول منهما على الأول، والثاني على الثاني.
ابن راشد: وهذه العبارة منتقدة؛ لأن لفظ الرغيف إنما يتناول المجموع وإطلاقه على البعض مجاز، بل من باب التعبير بالجزء عن الكل، وما دل حقيقة لا يقال فيه إنه محتمل لأقل أو أكثر والذي ينبغي أن يقال إذا كان اللفظ ظاهراً في الأكثر محتملاً في الأقل.
ابن عبد السلام: وقد يقال إنما يرد هذا إذا كان الاحتمال إنما يقع مع التساوي، وليس بظاهر، بل الاحتمال تارة يكون راجحاً وتارة يكون مرجوحاً، وتارة يكون مساوياً وكلام
المصنف المتقدم يوضحه.
والمشهور- كما قال- أنه يحنث بالبعض، ومقابل المشهور حكاه في الكافي عن ابن لبابة أنه لا يحنث إلا بالجميع وخرجه ابن الجلاب على قوله: أنه لا يبر إلا بالكل وهو قول الشافعي، وأما في البر فذكر المصنف الاتفاق على أنه لايبر إلا بالجميع وخرج فيه ابن الجلاب قولاً ببراءته بالبعض من الحنث بالبعض، ووُجِّه المشهور بوجوه:
أولها: أن القصد العام في الحالف على عدم لأكل التجنب، ومن فعل البعض لم يتجنب.
ثانيها: أن الحالف على عدم الأكل يجري مجرى التحريم، والتحريم يقع بأدنى سبب ألا ترى أن الأم تحرم بالعقد، وتحرم المرأة به على آباء الزوج وأبنائه، والحالف على الأكل يجري مجرى الإباحة وهي لا تحصل إلا بالنهاية إذ لا تحل المبتوتة بالعقد، وإنما تحل بالوطء.
وهذا الدليل للشيخ أبي محمد، ورُدَّ بعدم اطراده فإن البنت لا تحرم بالعقد على أمها، وأجيب بأن الغالب التحريم بالأقل، فوجب الحمل عليه.
ثالثها: أنَّا اجتمعنا نحن والشافعي على أنه إذا قال: والله لا كلمت زيداً ولا عمراً ولا خالداً أنه يحنث بكلام واحد، ولا فرق بين هذا وقوله: والله لا كلمت زيداً وعمراً وخالداً، ولا تكرار حرف النفي وهو مضمر مع الواو فلا فرق بين إظهاره وإضماره، وهذا الدليل للمصنف ذكره القرافي ورد بأنا لا نسلم أن إعادة حرف النفي من باب التأكيد، بل من باب التأسيس فإنه مع حذفه يحتمل الحلف على كلامهم مجتمعاً ومفترقاً، ومع ثبوته يتناول اليمين كل واحد من الأمرين، فوجب الحنث بفعل كل واحد منهما، وهو الذي ذكره في معنى حرف النفي نص عليه السهيلي، فمن الجائز أن يذهب الشافعي ومن وافقه في عدم التحنيث بالبعض إلى هذا المذهب، قال في المقدمات فيمن حلف لا يأكل هذا الرغيف: حنث بأكل بعضه إلا إذا كانت له نية أو بساط يدل على إرادة استيعاب جميعه.
ومن حلف ليأكلن هذا الرغيف لم يبر إلا بأكل جميعه إلا أن تكون له نية أو بساط يدل على إرادة البعض.
انتهى.
واختلف الشيوخ هل يرتفع الخلاف إذا أتى بلفظة كل، وهي طريقة ابن بشير، أو هو باقٍ؟ وإليه ذهب الأكثر وهي الصحيحة.
فإن مالكاً نص في الموازية على الحنث بالبعض فيمن حلف قال: والله لآكل [244/أي هذا القرص كله، وللتحنيث بالبعض قال ابن القاسم بالحنث فيمن قال امرأته طالق إن صلى ركعتين أنه إن صلى ركعة واحدة أو أحرم ثم قطع، وكذلك يمينه: لا أصوم غداً فبيت الصيام حتى طلع الفجر، فقد حنث وإن أفطر.
وكذلك قال أصبغ في الحالف لا يلبس لامرأته ثوباً فلما أدخل طوقه في عنقه عرفه نزعه، أو حلف لا ركب دابة فلان، فأدخل رجله في الركاب واستقل عن الأرض وهمَّ أن يقعد على السرج ثم ذكر فنزع، فروى ابن وهب أنه حانث، قال: ولو ذكر حين استقل من الأرض ولم يستو عليها فلا شيء عليه لأنه لا يبر إلا بالجميع.
قال في الموازية في الحالف ليقرأن القرآن اليوم أو سورة كذا فقرأ ذلك ثم ذكر أنه أٍقط حرفاً: فإن علم أنه يسقط مثل ذلك فلا حنث عليه وله ما نوى، وإن جاء بما لا يعرف من الخطأ الكثير أو ترك سورة فهو حانث، وقال مالك فيمن حلف ليتزوجَنَّ على امرأته امرأة يمسكها سنة، فتزوج امرأة أمسكها أحد عشر شهراً ثم ماتت، فقال: يتزوج غيرها ويبتدئ السنة.
وقال سحنون: يجزئه أن يحسبها بقية السنة.
وَالتَّمَادِي عَلَى الْفِعْلِ كَابْتِدَائِهِ فِي الْبرِّ وَالْحِنْثِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ، فَيَنْزِعُ الثَّوْبَ، وَيَنْزِلُ عَنِ الدَّابَّةِ، وَلا يَحْنَثُ فِي دَوَامِهَ فِي لا أَدْخُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ: إِذَا حِضْتِ أَوْ طَهُرْتِ وَهِيَ عَلَيْهِ ...
قوله: (بحَسَبِ الْعُرْفِ) أي: ينظر إلى العرف؛ فإن كان دوام الفعل كابتدائه في العرف، كاللبس في الثوب والركوب في الدابة، حنث لأن الدوام كالإنشاء في العرف، ومثاله في البر لو قال: لألبسنَّ هذا الثوب أو لأركبن الدابة، فإنه يبرأ بالدوام، ولا يشترط في ذلك الدوام في كل الأوقات بل بحسب العرف فلذلك لا يحنث بالنزول ليلاً، ولا في
أوقات الضرورات ولا بنزع الثوب ليلاً، وإنما لم يحنث إذا حلف ألا يدخل هذه الدار وهو فيها بدوامه فيها؛ لأن المكث فيها لا يسمى دخولاً عرفاً، ومقابل المشهور لأشهب.
وقوله: (وَكَذَلِكَ: إِذَا حِضْتِ أَوْ طَهُرْتِ) مثاله لو قال: إذا حاضت فعلي صدقة دينار أو والله إذا حاضت لأدخلن الدار، فلا يلزمه ذلك بحيض هي عليه، وإنما يلزمه بحيض مستأنف، وأما لو علق الطلاق على الحيض بأن يقول إذا حضت فأنت طالق، فإنه ينجز على المشهور كما سيأتي.
وَالنِّسْيَانُ فِي الطَّلاقِ كَالْعَمْدِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَخُرِّجَ الْفَرْقُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ كَذَا فَأَفْطَرَ نَاسِياً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ...
اليمين إن قيدت كما لو قال: والله لا أدخل الدار عمداً، أو لا أدخل الدار إلا أن أنسى، فالاتفاق على أنه لا يحنث بالنسيان، وإن أطلقت فالمعروف من المذهب الحنث بالنسيان.
وذهب السيوري وابن العربي في جمع من المتأخرين إلى عدم الحنث، وخرج أيضاً من قول مالك في العتبية في الحالف بالطلاق ليصومن يوماً معيناً، فأصبح فيه صائماً، ثم أفطر فيه ناسياً أنه لا شيء عليه، فظاهره أنه لا حنث عليه، وكذلك فهمه جماعة من المتأخرين وإليه أشار بقوله: (وَخُرِّجَ الْفَرْقُ) أي: بين العمد والنسيان في أنه يحنث في العمد دون النسيان، ورد لعله يريد: لا قضاء عليه، وهو أحد الأقوال في النذر المعين كما تقدم.
وَلا يَتَكَرَّرُ الْحِنْثُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ: كُلَّمَا، وَمَهْمَا، وَفي مَتَى مَا اضْطِرَابٌ، أَوْ قَصَدَ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْعُرْفِيُّ كَمَنْ حَلَفَ لا يَتْرُكُ الْوِتْرَ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ التَّرْكِ، وَكَمَنْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ ...
أي: إذا وقع الحنث بأول الفعل ثم فعل ذلك مرة ثانية لم يتكرر عليه الحنث، وهذا كقوله في المدونة: ومن حلف أن لا يكلم فلاناً عشرة أيام وكلمه فيها حنث، ثم كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر لم يلزمه إلا كفارة واحدة.
انتهى.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظِّ) يعني: أنه إذا كان لفظٌ يدل على التكرار حنث بالتكرار كـ"كلما" و"مهما"، ومذهب المدونة في "متى ما" و"إذا ما" و"أبداً" أنها لاتقتضي التكرار إلا أن ينوي بها معنى "كلما".
وجعل ابن بشير "متى ما" مثل "كلما" وإليه أشار بقوله: (وَفِي مَتَى مَا اضْطِرَابٌ).
وقوله: (أَوْ قَصَدَ إِلَيْهِ) معطوف على قوله: (مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ) أي: لا يحكم فيه بالتكرار ما لم يكن لفظ يدل عليه أو قصد إليه، أو يكون مقصوده العرفي كمن عوتب في تركه الوتر فحلف إن تركه فعليه التصدق بدينار، فإنه يلزمه التصدق كلما تركه؛ لأن العرف يقتضي بهذه اليمين أن يكون الوتر له عادة.
وقوله: (وكمن قال لزوجته) معطوف على قوله: (كَمَنْ حَلَفَ لا يَتْرُكُ الْوِتْرَ) والمأخذ فيهما واحد؛ لأن قصد المرأة لايتم إلا بذلك، وحكى في البيان في مسألة الوتر وشبهها قولين وبناهما على اختلاف الأصولين في الأمر المقيد بصفة: هل يقتضي تكراره بتكرار الصفة أم لا؟ ابن عبد السلام: ولو قصد التكرار بما لا يقتضيه، كما لو قصده بان، فهو شبيه بما لو قصد طلاقاً باسقني الماء.
هَذَا فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي الأَيْمَانِ وَلْنَذْكُرِ الْفُرُوعَ تَانِيساً عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَالْبسَاطِ
يعني أن ما قدمه هو أصل المذهب وهو كافٍ لمن اقتصر عليه، ولكن قصد المصنف أن يذكر فروعاً يتأنس بها، وتستعمل تلك الأصول فيها ليظهر لك بالفعل ما كان حاصلاً بالقوم، ثم إن هذه الفروع [244/ب] إنما احتيج إليها إذا فقدت النية والبساط، وأما إن وجدا فالعمل عليهما، وعن سحنون: إذا لم يكن لليمين بساط فاهرب عنها.
فَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ غَداً فَقَضَاهُ الآنَ بَرَّ بِخِلافِ طَعَامٍ يَاكُلُهُ غَداً وَنَحْوِهِ
هكذا قال في المدونة، زاد فيها: إذ الطعام قد يخص به اليوم، والغريم إنما القصد فيه القضاء.
اللخمي: وقد يتصور في الطعام ما يتصور في القضاء، كما لو طلب من مريض شرب دواء واستنجز منه ذلك، فوعد إلى غد فتوثق منه باليمين، ثم وجد في نفسه طلباً له، ويتصور في القضاء أيضاً ما يتصور في الطعام، وذلك إذا كان الّمطْل مقصوداً في العرف.
خليل: وينبغي على القول بتقديم مراعاة الفظ على البساط والمقصد العرفي أن يحنث هنا، والله أعلم.
وَمَنْ حَلَفَ لا يَاكُلُ فَشَرِبَ سَوِيقاً أَوْ لَبَناً حَنِثَ بخِلافِ الْمَاءِ.
هكذا قال ابن بشير وابن شاس وعللاه بأن القصد العرفي في التضييق على نفسه، حتى لا يدخل في بطنه طعام، واللبن والسويق من الطعام.
قالا: ولو كان قصده الأكل دون الشرب لم يحنث.
وفي العتبية عن ابن القاسم في الحالف لا يتعشى لا حنث عليه في السحور، وقول ابن عبد السلام في هذا الفرع والذي قبله: أن الجواب فيهما على اعتبار البساط ليس بظاهر؛ لأن الفرض كما قال المصنف عدمهما.
وَمَنْ دَفَنَ مَالاً فَبَحَثَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْهُ فَحَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّكِ أَخَذْتِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ حَيْثُ دَفَنَهُ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الأَصَحِّ ...
عبر ابن عبد السلام عن الأصح بالمشهور، وعدم الحنث لمالك في الواضحة، وبه قال ابن دينار، وقال في العتبية بالحنث فيمن وضع دراهم في بيته فلم يجدها، فاتهم بها زوجته وحلف بالطلاق ما أخذها غيرك، ثم وجدها تحت مصلاه كان رفعها ونسي.
وأشار اللخمي إلى أنه اختلاف.
خليل: ومنشأ الخلاف: هل يراعى المقصد العرفي فلا يحنث أو ظاهر اللفظ فيحنث؟ فإن قلت: فلم لا جعلت المنشأ: هل يراعي بساط اليمين فلا يحنث أو ظاهر اللفظ فيحنث كما فعل اللخمي وغيره؟ قلت: لأن كلام المصنف ينافيه؛ إذ فرض المسألة مع عدم النية
والبساط.
وكلام ابن بشير يقتضي أن الخلاف إنما هو منصوص فيما إذا وجده تحت مصلاهن وقوله: ومن هذا القبيل أن يدفن مالاً ثم ينساه فيبحث عليه فلا يجده، ويحلف لزوجته أنكِ أخذتِهِ ثم يجده حيث دفنه، أنه لا حنث عليه.
قالوا: لأن قصده أنه من يأخذه غيرها، ومقتضى اللفظ وجوب الحنث.
وحكوا قولين فيمن رفع مالاً ثم نظره، فلم يجده فحلف لزوجته كالأول، ثم وجده عند مصلاه.
أحدهما: الحنث نظراً إلى مقتضى اللفظ، والفرق بين هذه والأولى: حصول التفريط في هذه.
والثاني: لا حنث عليه نظراً إلى المقاصد، وكلام المصنف يأتي على كلام اللخمي، والله أعلم.
وَمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدُ عَدَداً سَمَّاهُ، فَجَمَعَ أَسْوَاطاً وَضَرَبَهُ بِهَا لَمْ يَبَرَّ عَلَى الأَصَحِّ
لأن القصد من هذه اليمين الإيلام وذلك غير حاصل.
ونص مالك فيمن حلف يضربن عبده مائة سوط، فضربه خمسين بسوط له رأسان على الحنث.
اللخمي: والقياس أن يبر بمنزلة ما لو ضربه رجلان خمسين وكان ضربهما معاً.
ولعل هذا مقابل الأصح، ولم أر غيره، وفي قياس اللخمي نظر؛ لأن الألم في ضرب الرجلين أكثر بخلاف السوط الذي له رأسان.
واحتج له ابن بشير بقوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِهِ وَلاَ تَحْنَثّ ([ص: 44] وهو يتوقف على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولو ثبت ذلك لجاز أن يكون ذلك خاصاً بتلك المرأة، وعلى المشهور يستأنف المائة في مسألة الجمع، ويجتزئ بخمسين في مسألة مالك في الرأسين، قاله التونسي.
وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ إِلَى أَجَلٍ فَقَضَاهُ فَاسْتُحِقَّ بَعْدَهُ، أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ وُجِدَ مَعِيباً أَوْ زُيُوفاً حَنِثَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ....
ما ذكره المصنف هو كذلك في المدونة، ولا إشكال في الحنث إذا كان الدافع عالماً بذلك حين القضاء، وأما إن لم يعلم ففي المدونة: يحنث.
قال المصنف: (وَهُوَ مُشْكِلٌ) لأن القصد أنه لا يماطل، وقد فعل.
اللخمي: والحنث على مراعاة الألفاظ ولا يحنث على القول الآخر؛ لأن قصده ألا يلدَّ، قيل: وإنما يحنث إذا استحق العين بعد الأجل، إذا قامت البينة على عين الدنانير والدراهم على القول بأنها تتعين، وأما على القول بأنها لا تتعين، أو لم تقم بينة فلا حنث عليه مطلقاً، أما إذا استحقت بعد الجل فلم يأخذها المستحق، فقال ابن كنانة: لا يحنث، وقال ابن القاسم: يحنث، وقال: وكل شيء لو قام صاحبه أخذه مكانه ووفاه ساعته أنفذ.
وصرح ابن بشير بالاتفاق على الحنث إذا لم يحز المستحق وفيه نظر، فقد ذكر في البيان ثالثاً: أنه لا يحنث وإن لم يحز المستحق؛ لأن الأجل ما مضى إلا وقد قضى الغريم حقه، ودخل في ضمانه.
التونسي: وكذلك يجري القولان لو باعه بالدين بيعاً يجب نقضه لفساد، فينقض بعد الأجل، أو رد بعيب، قال: وقد اختلف فيمن حلف ليبيعن عبده إلى أجل فباعه وانقضى الأجل فرد بعيب، فقيل: قد بر لأن الأجل قد مضى، وقد كان قبل أن يرد معيباً، وقيل: يحنث لأنه لما نقض فكأنه لم يبعه وقد فات الجل فلا يقدر على بيعه إلا [245/أ] أن يرد عليه قبل مضي الأجل فيبيعه في بقية الأجل.
وقيل: إن كان عالماً بالعيب حنث إن مضى الأجل، يريد لأنه لما دلس دخل على أن البيع لم يتقرر بخيار المشتري، وإن لم يدلس بر.
فرع:
قال ابن القاسم في المجموعة فيمن اشترى ثوباً على أن يدفع كل يوم قيراطاً وحلف على ذلك، ففسدت الفلوس وصارت فلسين بفلس، وكان الفلس فلساً – قال: يعطيه كما كانت؛ لأنه على ذلك حلف.
وَلَوْ قَضَاهُ عَنِ الْعَيْنِ عَرْضاً لَمْ يَحْنَثُ، وَكَرِهَهُ
الضمير في كرهه عائد على مالك، والكراهة رجع إليها مالك، ففي المدونة: ولو أعطاه قضاء من حقه عرضاً يساوي ما عليه لو بيع لبر، ثم استثقله مالك.
ابن القاسم: وبأول قوليه أقول.
واختلف في علة الكراهة، فقال اللخمي: لأن الظاهر في اللفظ يقتضي إعطاء العين.
وقيل: خشية ألا تفي قيمة العرض به.
التونسي بعد ذكر القولين: ومثل ذلك لو أقاله وكانت سلعته التي رجعت إليه تساوي الآن ما بيعت به لأن ذلك كأخذ العرض.
تنبيه:
وهذا إذا حلف ليقضين فلاناً حقه، وأما إن حلف ليقضين فلاناً دنانيره، فهو أقوى في الكراهة نص عليه اللخمي وغيره، ونقله ابن بشير عن جماعة الأشياخ.
فَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ حَنِثَ
لعدم حصول القضاء.
اللخمي: وهذا على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة القصد فلا يحنث؛ لأن القصد ألا يكون منه لدد، وعلى الحنث فهل يحنث بنفس قبول الهبة، وإن لم يحل الأجل، وإليه ذهب ابن حبيب وأصبغ، أو لا يحنث حتى يحل الأجل ولم يقضه الدين؟ ولو قضاه إياه بعد القبول وقبل حلول الأجل، لم يحنث، وهو ظاهر قول مالك وأشهب.
فرع:
قال ابن القاسم في العتبية في الحالف على قضاء الحق ثم شهد له عدلان بالقضاء: لا ينتفع بذلك في اليمين حتى يقضيه ثم يرد إليه، وكذلك إذا طلبه غريمه بمال عنده، وقد كان قضاه قبل اليمين فأنكر الطالب، فحلف المطلوب ليقضينه في غد، ثم ذكر الطالب أنه كان قضاه أو أبرأه قال: لا يبرأ حتى يقضيه، ثم يرد إليه.
قال مالك في العتبية: ومن استلف من أخيه دراهم، وحلف ليقضينه إلى شهر، فمات المسلف والمستلف وارثه، فاستحسن أن يأتي الإمام فيقضيها له ثم يردها إليه، وعن ربيعة ومالك أن الوراثة كالقضاء، ذكره ابن عبدوس وكله محافظة على اللفظ وإلا فالبساط يقتضي عدم الحنث.
وَلَوْ بَاعَهُ بِهِ بَيْعاً فَاسِداً، فَإِنْ فَاتَتْ قَبْلَ الأَجَلِ وَفِيهِ وَفَاءٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلا حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ تَفُتْ فَقَوْلانِ ....
أي: فاتت بما يفوت به البيع الفاسد، ولم يحنث مع الفوت إذا كانت قيمتها مساوية؛ لأن المبتاع ملكها حين الفوت ولزمته قيمتها، فتلك القيمة المساوية للدين قضاء عنه وإن لم تكن مساوية حنث؛ لكونه لم يقضه.
وإليه أشار بقوله: (وإلا حنث) وإن لم تفت حتى مضى الأجل، فقال سحنون: يحنث، وقال أشهب وأصبغ: لايحنث، وبه قال اللخمي إذا كانت القيمة مساوية.
نظراً إلى أنه قد حصل بيده عوض حقه، ورأى سحنون أن العوضية الشرعية لم تحصل.
وَلَوْ غَابَ بَرِّ بقَضَاءِ وَكِيلِهِ، وَإِلا فَالْحَاكِمُ، وَإِلا فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ
أي: فلو غاب المحلوف على قضائه بر الحالف بإعطائه الدين لوكيل صاحبه، سواء كان وكيلاً مفوضاً أو على التقاضي.
وأما وكيل الضيعة ففي المدونة: وإن قضى وكيلاً له في ضيعة ولم يوكله رب الحق بتقاضي دينه أجزأه.
عياض: ظاهره سواء كان بالبلد سلطان أو لم يكن؛ وعلى هذا الظاهر اختصرها بعضهم، واختصرها آخرون بأنه لا يبر بدفعه إليه إلا عند عدم السلطان أو الوصول إليه.
وقد حكى محمد القولين جميعاً.
انتهى.
وألحق أبو عمران الصديق الملاطف بوكيل الضيعة.
وأشار ابن عبد السلام إلى أن كلام المصنف إنما يحمل على الوكيل المفوض أو على التقاضي، ولا يصح حمله على كل وكيل ليدخل وكيل الضيعة؛ لأن كلامه يقتضي تقديم الوكيل على الحاكم، وهو لا يصح لفظاً ولا معنّى.
أما الأول: فلأن وكيل الضيعة مخصوص، والاتفاق على أن الوكيل المخصوص لا يتعدى نظره القدر الذي جعل له النظر فيه، وأن حكمه فيما عدا ذلك كحكم الأجنبي؛ فإذا أطلق لفظ الوكيل حمل على الوكيل الذي جعل له ذلك إما بخصوصية كالوكيل على التقاضي، وإما بما يتناوله مع غيره كالمفوض إليه.
وأما الثاني: فلو كان الأمر كما ذكره لما صح الدفع إلى الحاكم إلا عند عدم وكيل الضيعة كما في الوكيلين المذكورين، ولا نعلم خلافاً أن وكيل الضيعة متأخر عن وجود الحاكم العدل، إلا ما أشار إليه بعض الأندلسيين في فهم المدونة، وفيه نظر.
انتهى.
وقوله: (وَإِلا فَالْحَاكِمُ) أي: وإن لم يكن أحد الوكيلين أو كان وغاب، فالحاكم يريد سواء كان عدلاً أو مجهول الحال فإنه يقضيه، ويبرأ من الدين ويبر في يمينه، نص عليه محمد.
وإن كان معلوم الجور يخشى منه أكل المال، وعلم ذلك الدافع، بر في يمينه لا من الدين.
محمد: وإن لم يعلم ذلك من الإمام فلا ضمان عليه.
اللخمي: وأرى أن يضمن ولا يبر؛ لأن الدين في ذمته.
[245/ب] وقد أخطأ على نفسه فإن تعذر الوصول إلى الحاكم العدل، أو لم يكن عدل، أو ما كان حاكم بالكلية، فجماعة المسلمين.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أنه يدفع الحق إليهم، والمنقول هنا عند عدم الحاكم يشهد الحالف جماعة المسلمين على إتيانه بالحق، ويعلمون اجتهاده في الطلب، فيكونون شهوداً ليتخلص من يمينه ولا يبرأ من الدين بهم؛ إنما هم كالحاكم في البر لا في البراءة.
وكذلك قال مالك في الموازية وغيرها، فيما إذا لم يجدوا وكيلاً على الحق ولا سلطاناً مأموناً، ودفع لأهل الطالب أو لوكيل ضيعته أو أجنبي أنه يبرأ؛ ولكنه يضمنه حتى يصل إلى ربه.
قال: وإن وجد وكيلاً بالحق أو سلطاناً مأموناً لم يبرأ بالدفع إلى غيرهما، وقاله أشهب.
ولم يتكلم المصنف على الإبراء من الدين، وإنما تكلم على البر؛ لأنه أليق بكتاب الأيمان.
وكلام المصنف يقتضي أنه لو أعطى لجماعة المسلمين مع وجود الحاكم لم يبر، وهو مذهب الموازية على ما تقدم.
ابن المواز: وقد قيل: إنه لو دفعه إلى بعض الناس بغير عذر من السلطان وأشهد لم يحنث.
فروع:
الأول: إذا أشهد على الحق كما تقدم، ثم جاء الطلب بعد الأجل فمطله لم يحنث.
نص عليه سحنون؛ لأن الزمان الذي تناولته اليمين قد انقضى ولم يحنث فيه.
الثاني: عكس هذا لو غاب الحالف أو مرض أو حبس، فقضى عنه بعض أهله، أو غيرهم من ماله أو من مال الغائب، فقال ابن الماجشون: يبر.
وقال ابن القاسم: لا يبر.
اللخمي: وهو أبين إذا تأخر عن القدوم للقضاء عمداً.
ابن القاسم في العتبية: وإن قضاه وكيل الحالف بغير أمره لم يبر.
ولو جن الحالف فقضى عنه الإمام في الأجل بر، وإن لم يقض عنه حتى مضى الأجل لم يحنث عند ابن حبيب خلافاً لأصبغ.
الثالث: قال في المدونة: وإن حلف لرجل لأقضينك حقك إلى أجل إلا أن تشاء أن تؤخرني فمات الطالب، فإنه يجزئه تأخير ورثته إن كانوا كباراً، أو وصيه إن كان ولده
أصاغر ولا دين عليه.
وإن كان عليه دين لم يكن لوصي أو وارث تأخير مع الغرماء، ويجزئه تأخير الغرماء إن أحاط الدين بماله على أن تبرأ ذمة الميت.
وَمَنْ حَلَفَ لا فَارَقَ غَرِيمَهُ إِلا بحَقِّهِ فَفَرَّ مِنْهُ الْغَرِيمُ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يُفَرِّطَ، وَلا فَارَقْتَنِي وَفَارَقَ حَنِثَ ....
أي: إن فرط حنث اتفاقاً، وإن لم يفرط فالمشهور وهو قول ابن القاسم في المدونة: الحنث.
وقال ابن المواز: لا يحنث ويحلف بالله ما هذا الذي أراد إذا أكره.
اللخمي: وجواب محمد على مقتضى اللفظ، وجواب ابن القاسم على أنه قصد التضييق عليه حتى يأخذ حقه وقد فات ذلك.
انتهى.
وزاد في المدونة- بعد حكه عليه بالحنث-: إلا ن يكون قوله: لا أفارقك كالقائل: لا أتركه إلا أن يفر أو أغلب عليه، فلا شيء عليه.
ابن عبد السلام: واستحسن الشاذ لوجهين:
أولهما: أنه أجري على الأصل، إذ الغريم أكرهه على الفرار.
الثاني: أنه ذكر في المدونة أثر هذه المسألة إذا قال لامرأته: أنت طالق إذا قبلتك أو ضاجعتك، فقبلته أو ضاجعته من ورائه وهو نائم، لم يحنث إلا أن يكون منه استرخاء لها وفي كل منهما قد حلف على ترك الفعل وقد أكره على ذلك الفعل.
وأجيب عن الأول بأن الكلام محمول على معناه، وكأنه حلف لأضيقن عليه تضييقاً يمنعك من الفرار حتى أقبض حقي، فيكون حلفه على ثبوت الفعل ما هو كذلك لا أثر للإكراه فيه على المشهور، وعلى الثاني لا نسلم أنه صدر من النائم تقبيل ألبتة.
وذكر أبو عمر الإشبيلي أن الشيوخ كانوا يقيمون من مسألة الفرار من شرط لامرأته في العقد إذا غاب أكثر من ستة أشهر فأمرها بيدها، فغاب أكثر منها مكرهاً فإنها يقضي لها بالشرط، إلا أن يستثني الإكراه.
وأقام أيضاً بعضهم من قوله: إلا أن يكون ... إلخ.
أن الاستثناء لا تجزئ فيه النية، اللهم إلا أن تحمل المدونة على المحاشاة.
قوله: (ولا فارقني وفارق) أي: يحنث باتفاق كحلفه على فعل البر.
فرع:
فلو أحاله على غريم له ففي المدونة يحنث.
ابن يونس: قال بعض فقهائنا: وإذا حلف ألا يفارقه وله عليه حق فأحاله بحقه، ثم افترقا فلا حنث عليه؛ لأنه فارقه ولا حق عليه للحوالة الواقعة بينهما، قال: وهو منصوص لأهل المذهب وليس كمن حلف ألا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه.
ابن يونس: والظاهر أنهما سواء؛ لأنه إذا فارقه ولا حق عليه فقد استوفى حقه.
وَمَنْ حَلَفَ لا يَتْرُكُ مِنْ حَقِّهِ شَيْئاً، فَأَقَالَ وَفِيهِ وَفَاءٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ أَخَّرَ الثَّمَنَ فَقَوْلانِ ...
لأنه إذا أقاله وفيه وفاء لم يترك شيئاً، وهل يكره ذلك أم لا؟ فيه ما تقدم من الخلاف، والذي رجع إليه مالك الكراهة، واختار ابن القاسم نفيها.
وإن لم يكن فيه وفاء يحنث بلا خلاف قاله في البيان ابن أبي حازم.
في المدونة: إلا أن يكون حلف ألا يضع له، وهو ينوي الإقالة، فإن نوى أن يقيل ولا يضع فلا شيء عليه.
وقال ابن القاسم: لا [246/أ] تنفعه النية إلا أن يكون تكلم بها حين حلف.
قال في البيان: وقول ابن القاسم صحيح لأن الاستثناء لابد فيه من التلفظ باتفاق.
وهذه المسألة من ذلك، وكأنه قال: لا أضع عنك من ثمنها شيئاً إلا أن أقيلك منها.
ابن عبد السلام: وهذا إذا كانت الإقالة بعد حلول الأجل، وأما إن كانت قبل حلوله، فقال ابن القاسم وأشهب: إن كان رأس المال مثل ثمن الطعام الذي في الذمة لم يحنث.
وفسره ابن أبي زيد بأن يكون مثل قيمته يوم الإقالة.
قوله: (فَإِنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ فَقَوْلانِ) اختار اللخمي نفي الحنث إذا أنظره بالثمن؛ أي: لأنه يعد حسن معاملة، لا إسقاطاً من الحق، ولأن العرف في هذه اليمين إنما يراد بها ترك
شيء من نفس الثمن.
واختار ابن عبد السلام الحنث؛ لأن حقه في الدين وتعجيله، ألا ترى أن الأجل له حصة من الثمن، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك.
قال في البيان: ولو حلف ألا ينظره فوضع عنه لم يحنث.
ولا أعلم في ذلك خلافاً.
وَمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فَمَاتَ، أَوْ لَيَذْبَحَنَّ حَمَامَةً فَمَاتَتْ لَمْ يَحْنَثْ إِلا أَنْ يُفَرِّطَ، فَلَوْ سُرِقَتْ أَوْ غُصِبَتْ أَوِ اسْتُحِقَّتْ فَقَوْلانِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا فَوَجَدَهَا حَائِضاً فَقَوْلانِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فَقَوْلانِ ...
اعلم أن من حلف ليفعلن شيئاً فتعذر فعله، فإما أن يكون الفعل مؤقتاً أو لا.
ابن بشير: فإن كان غير مؤقت بأجل؛ فإن فرط حتى تعذر الفعل فلا خلاف أنه حانث، وإن بادر فلم يمكنه الفعل فكما لو كان مؤقتاً.
انتهى.
والمؤقت ينقسم تعذره إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون عقلاً أو عادة أو شرعاً.
العقلي كتعذر ذبح الحمام المحلوف بذبحها؛ إذ الذبح في الميت يتعذر، فلا خلاف منصوص أنه لا يحنث، وخرج اللخمي قولاً بالحنث من المتعذر شرعاً.
وأما العادي فكما لو حلف ليذبحن الحمامة غداً فسرقت أو غصبت أو استحقت، فذكر المصنف أيضاً قولين.
ومذهب المدونة الحنث.
وأما الشرعي فكما لو حلف ليطأنه الليلة فوجدها حائضاً أو ليبيعن الأمة فوجدها حاملاً، وذكر المصنف أيضاً قولين، ومذهب المدونة: الحنث.
ونص سحنون في مسألة البيع على عدم الحنث.
ووقع لابن القاسم وابن دينار فيمن حلف ليطأن امرأته الليلة فقام فوجدها حائضاً، إن فرط قدر ما يمكنه الوطء قبل أن تحيض حنث، وإن لم يفرط فلا شيء عليه اختاره ابن حبيب.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا: وإنما فرق ابن القاسم بين الموت والسرقة والبيع؛ لأن الفعل في الميت لا يمكن ألبتة، بخلاف السرقة والبيع؛ لأن الفعل يمكن ومنع الشرع منه، والعادة لا تمنع بعض الحالفين من قصده فلا يعذر بفعل السارق ونحوه لأن من أصل ابن القاسم لا يعذر بالإكراه والغلبة إلا أن ينوي ذلك.
ابن بشير: وهذا الخلاف إنما هو إذا أطلق اليمين، وأما لو نص فقال: سواء قدرت على الفعل أم لا فلا يختلف في حنثه.
ولو قال: إنما أحنث إذا أمكنني فلم أفعل، فلا يختلف في نفي حنثه.
قوله: (وَلَوْ وَطِئَهَا فَقَوْلانِ) أي هل يبر أم لا؟ بناءً على حمل اللفظ على المفهوم اللغوي وقد وجد، أو الشرعي وهو لم يوجد، وأيضاً فهل المنوع شرعاً كالمعدوم حساً أم لا؟ أما لو حلف ألا يطأها فوطأها حائضاً فنص ابن دينار على أنه يحنث، ولا ينبغي أن يختلف فيه.
وحكى اللخمي وغيره في بر الحالف ليأكلن هذا الطعام فتركه حتى فسد ثم أكله قولين: الحنث لمالك من رواية ابن نافع قال: لأنه خرج عن الطعام وعدمه لابن القاسم.
ابن القاسم: وإن حلف لزوجته لتأكلِنَّ هذه البضعة فخطفتها هرة، فشقت جوفها فأكلتها، أنه لا يحنث إلا أن لا يكون بين أخذ الهرة إياها وبين يمينه قدر ما يتأتى أخذها.
وقال أشهب وابن دينار- في الحالف ليشترين لزوجته بهذا الدينار ثوباً، فخرج به لذلك فسقط منه-: فإن كان أراد الدينار بعينه فقد حنث، وإن أراد الشراء به أو بغيره فليشتر بغيره ولا يحنث.
وَلَوْ حَلَفَ لا أُعِيرُهُ فَوَهَبَهُ، أَوْ لا أَهَبُهُ فَأَعَارَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ حَنِثَ
قال في المدونة: ومن حلف لا يهب فلاناً هبة فتصدق عليه حنث، وكل هبة بغير ثواب فهي كالصدقة، وكذلك كل ما نفع به من عارِيَّة أو غيرها إلا أن تكون له نية في العارِيَّة؛ لأن أصل يمينه على المنفعة.
وفي العتبية في امرأة حلفت في عبد لها لتبيعنه ولا تهبه، فأرادت أن تتصدق به على ولدها، فقال: لا يعجبني ذلك، وأرى هذا على نحو الهبة.
قال في البيان: هذا كما قال وهو بين؛ لأن الهبة تعتصر والصدقة لا تعتصر، فإذا حنث بالهبة فالصدقة أحرى أن تحنث بها، ولا تنوي في ذلك إن ادعت نية، وكانت يمينها مما يحكم به عليها.
ولو حلفت ألا تتصدق به فوهبته لابنها- وهو ممن لها أن تعتصر منه – فادعت أنها إنما حلفت على الصدقة من أجل أنها لا تعتصر، لوجب أن تنوي في ذلك.
انتهى.
أما إن لم يكن اعتصار فلا تنوي فيما بين الصدقة والهبة مطلقاً، وتنوي إن حلفت عليها في العارِيَّة.
ابن الماجشون: وإن حلف ألا يصل رجلاً حنث [246/ب] بالسلف والعارِيَّة وكل منفعة.
ابن حبيب: وإن حلف لا أسلفه لم يحنث إن أعاره أو وصله، فقد يكره السلف للمطل إلا أن ينوي قطع منافعه عنه.
وفي الموازية: الحنث فيمن حلف لا نفعه بمنافعه ثم أوصى له ورجع عنها وصح فقد حنث، ولو وجده مع رجل يشتمه فنهاه عنه فلا يحنث، فلو وجده متشبثاً به فمنعه منه حنث، ولو أثنى عليه عند من أراد مناكحته أو مبايعته لأجل ذلك حنث، وكذلك إن أثنى عليه سوءاً عند من أراد قبول حمالته فتركه إن أراد بذلك صرف الحمالة عنه ونفعه بذلك حنث، وإلا فلا حنث عليه بذلك.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ آكُلُ لَحْماً أَوْ بَيْضاً أَوْ رُؤُوساً فَفِي حِنْثِهِ بلَحْمِ الْحِيتَانِ وَبَيْضِهَا وَرُْوسِهَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ...
ما ذكره عن ابن القاسم هو في المدونة، قال: إلا أن تكون له نية، وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث في اللحم والرؤوس إلا بلحم الأنعام والأربع ورؤوسها إلا أن ينوي اللحوم كلها.
وفي نقل المصنف عنه في البيض قصور، فإنه قال: يحنث في كل بيض استحساناً.
والقياس قصر يمينه على بيض الدجاج، واختار الحذاق قول أشهب لجريانه على العرف، واعتبر ابن القاسم عموم اللفظ، وناقضه التونسي بقوله: إذا حلف ألا يدخل عليه بيتاً لا يحنث بالمسجد.
ابن يونس: وأرى أن النية تنفعه على القول الأول، وإن كانت يمينه بطلاق وعليه بينة.
وعورض قول ابن القاسم وأشهب هنا بقولهما فيمن وكل رجلاً يشتري له ثوباً فاشترى ما لا يليق بالآمر فإن ابن القاسم قال: إنه غير لازم للآمر، ورأى أشهب لزومه له، فراعى ابن القاسم العرف في الوكالة دون الأيمان، وعكس أشهب.
وأجيب بأنه لا يلزم من اطِّراد العرف في وجه أو في مسألة اطَّراده في مثل ذلك لجواز جريان العرف في أحدهما دون الآخر.
والقياس لا يجزئ في المسائل العرفية.
ابن الماجشون: ومن حلف لا آكل اللحم فإنه يحنث بما يأكل من الشاة من كرش أو أمعاء أودماغ أو غيره.
ابن حبيب: وإن حلف لا آكل خبزاً حنث بأكل الكعك، وإن حلف لا آكل كعكاً لم يحنث بأكل الخبز؛ لأن هذا أخص والأول أعم.
وفي كتاب ابن المواز: وإن حلف لا يأكل غنماً حنث بالضأن والمعز؛ لأن الاسم يجمعهما، فإن حلف على أحدهما لم يحنث بالآخر للاسم الأخص به، وكذلك من حلف ألا يأكل دجاجاً فأكل دجاجة أو ديكاً حنث للاسم الجامع، وإن خص أحدهما فحلف على ديك لم يحنث بالدجاجة، وكذلك على العكس.
وحاصله أن من حلف على الأعم يحنث بالأخص دون العكس.
وَكَذَلِكَ لا آكُلُ خُبْزاً فَأَكَلَ نَحْوَ الإِطْرِيَةِ وَالْهَرِيسَةِ وَالْكَعْكَ
نحوه لابن شاش، وظاهره أنه يحنث بذلك عند ابن القاسم، لا عند أشهب.
ابن عبد السلام: ولم أقف لأشهب في ذلك على شيء.
ونص ابن حبيب على الحنث بالخشكنان في الحالف لا آكل خبزاً.
لاَ يَاكُلُ عَسَلاً فَأَكَلَ عَسَلَ الرُّطَبِ
قال في الجواهر: ولو حلف لا آكل عسلاً فأكل عسل الرطب، فالمنصوص لابن القاسم يحنث إلا أن تكون له نية، أجرى الشيخ أبو محمد على مذهب أشهب نفي الحنث.
ويقع في بعض النسخ عوض (الرطب) (القصب)، وهو إنما يأتي في غير بلاد مصر التي فيها عسل القصب قليل كبلاد المغرب.
وأما المصري فينبغي أن يحنث بعسل القصب اتفاقاً لأنه المعروف عندهم.
وَمِنْهُ لَوْ حَلَفَ لا أُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلاةِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لا خِلافَ فِيمَا يُخْرَجُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ ...
أي: ومن الأصل المختلف فيه فيحنث عند ابن القاسم ولا يحنث عند أشهب، والمنقول هنا عن ابن القاسم في المدونة عدم الحنث.
قال فيها: لأن السلام لا يعد كلاماً.
اللخمي: ومن حلف لا أكلم فلاناً فسلم عليه حنث، وإن كانا في صلاة لم يحنث الحالف بالتسليمة الأولى كان الحالف إماماً أو مأموماً، واختلف في التسليمة الثانية، فقال مالك في المدونة: لا حنث على الحالف إذا كان مأموماً فرد على الإمام.
وقال في كتاب محمد: يحنث، وقال أيضاً: إن كان الإمام الحالف فسلم تسليمتين حنث.
وقال ابن ميسر: لا يحنث.
وهذا الخلاف إذا كان المأموم عن يسار الإمام وأسمعه؛ لأن ثانية الإمام يشير بها إلى اليسار، فلم يحنث بالأولى؛ لأن القصد بها الخروج من الصلاة وهو الذي يعرفه الناس في المراد بها، وحنث بالثانية على القول بمراعاة الألفاظ، ولأن السلام كلام، ولم يحنث على القول بمراعاة المقاصد.
انتهى.
فتحصل لنا من كلامه الاتفاق على عدم الحنث في الأولى، كما نقل المصنف عنه.
وكذلك صرح في البيان بالاتفاق على دم الحنث بالتسليمة الأولى، وأن الخلاف في الإمام والمأموم إذا سلم على يساره، والمحلوف عليه على اليسار وأسمعه.
فروع:
الأول: قال ابن المواز: وإذا تعابي الحالف فلقنه المحلوف عليه لم يحنث، وأما إذا تعابى المحلوف عليه فلقنه الحالف فقد حنث.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك.
ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ: واختلف في تحنيثه.
محمد بن عبد الحكم: وإن حلف لا [247/أ] تكلمت فقرأ القرآن لم يحنث.
الثاني: قال في المدونة: ولو سلم الحالف على جماعة وفيهم المحلوف عليه في ليل أو نهار حنث، علم به أو لم يعلم إلا أن يحاشيه.
ابن المواز: ولو مر على المحلوف عليه وحده في ليل وهو ينوي إن كان غيره فقد حنث، ولا ينفعه ما نوى إلا أن يكونوا جماعة فيحاشيه، قال: ولو رأى بعض القوم فسلم على من رأى منهم، أو سلم عليهم فلم ير معهم المحلوف عليه، لم يحنث؛ لأنه إنما سلم على من عرف، وأما إن لم يعرفهم أو لم يعرف إلا بعضهم فسلم على الجميع ولم يحاشه فقد حنث.
الثالث: لو حلف لا أكلمه فأشار إليه، ففي العتبية: لا يحنث، وقال ابن الماجشون: يحنث.
الرابع: لو حلف لا أكلمه ثم أتبع كلامه بشيء يدل على تأكيد اليمين، فهل يحنث به أم لا؟ قال ابن القاسم بالحنث فيمن قال لزوجته: إن كلمتك حتى تفعلي كذا فأنت طالق اذهبي الآن، وقال ابن كنانة وأصبغ: لا يحنث.
وقال ابن القاسم: وقضى لي فيها مالك على ابن كنانة.
وناقض أصبغ قول ابن القاسم في هذه المسألة بما قاله في أخوين حلف كل منهما لا كلم الآخر حتى يبدأه الآخر، أنه ليست يمين الثاني تبدية بالكلام، وقاله ابن كنانة، وذهب سحنون وابن نافع إلى أن يمين الثاني تبدية بالكلام، وقد انحلت اليمين عن الأول، ثم يبدأ الأول فيكلم الثاني ثم يكلمه الثاني إن شاء ولا شيء عليه.
وأجيب بأن قوله: فاذهبي الآن بعد قوله: لا كلمتك إنما يظهر أثره في التحنيث وهو يكون بالأقل، وأما مسألة الأخوين فإنما تظهر ثمرة كلام أحدهما للآخر في البر.
ومقصود كل منهما إنما هو إظهار الاستغناء عنه مقابلاً لذلك الترفه، وهو ضد الانكسار.
وفي العتبية عن ابن القاسم فيمن حلف لآخر بالطلاق لا كلمتك حتى تبدأني فقال له الآخر: إذاً والله لا أبالي، فليس ذلك تبدية، وهو مثل قوله في مسألة الأخوين، وله أيضاً في العتبية والمجموعة: إن كلمتني حتى تقولي لي إني أحبُّكَ فأنت طالق، فقالت: عفا الله عنك نعم أنا أحبك، فقد حنث، وهذا مثل قوله في الأولى: فاذهبي الآن.
وَفِيهَا: وَلَوْ حَلَفَ لا كَسَا امْرّأَتَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَنِيَّتُهُ أَنْ لا يَكْسُوَهَا إِيَّاهُمَا جَمِيعاً حَنِثَ بوَاحِدٍ، وَهُوَ مُشْكِلٌ حَتَّى تَأَوَّلَ عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ ....
تصور المسألة واضح، ووجه الإشكال بين؛ لأن حنثه مع أنه نوى خلاف ذلك والقاعدة أن النية مقدمة، ولقوة الإشكال عند المصنف قال: (حَتَّى تَأَوَّلَ عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ) أي: لا يكسوها إياهما مجتمعين أو مفترقين، وهذا التأويل للشيخ أبي محمد
التونسي وغيرهما، وفيه نظر؛ لأنه خلاف ما يدعيه الحالف، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن توجيه المسألة بما تقررأنه يحنث بالبعض؛ لأن غاية نية الجمع أن تجري مجرى التنصيص على ذلك، وغاية التنصيص عليه أن يجري مجرى التأكيد فيما إذا قال: والله لا أكلت هذا الرغيف كله، ولو قال ذلك لحنث بالبعض كما تقدم.
خليل: وفيه نظر؛ لأن ذلك إنما هو مع عدم النية، والله أعلم.
والأظهر أن يحمل قول مالك على ذلك إذا كانت على يمينه بينة وروفع، وأما إذا جاء مستفتياً فينبغي أن يتفق على قبول ما ادعاه.
فرع:
الحالف لا يأكل خبزاً ولا إداماً، لا يحنث بأحدهما عند أشهب لأن العادة الجمع، بخلاف ما في المدونة.
ابن حبيب: الحالف لا يأكل فاكهة يحنث برطبها ويابسها من العنب والتمر والرمان والقثاء والبطيخ والجزر والفول والحمص والجلبان، إلا أن تكون له نية خص بها نوعاً، أو بساطاً يدل على ما ذكر، وذكر ابن المواز نحو قول ابن حبيب وقال: وإذا حلف لى رطبها ويابسها.
ابن يونس: وهو أجود إنما يحنث في اليابس إذا ذكره أبو محمد، وإن حلف ألا يأكل إداماً فما ثبت في معرفة الناس أنه إدام فلا يأكله، قال: ولا أرى ان الملح من الإدام، وإن ان بعض العلماء قاله وأحنثه به.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ أُمِرَّ وَلَمْ يَحْنَثْ بِالْبَقَاءِ
يعني: ولم يقيد يمينه بمدة، وأما لو قيدها بزمان ومضى لحنث.
نعم هو على بر إليه، وما ذكره المصنف هو كذلك في الواضحة، وفي الموازية فيمن سكن في منزل امرأته فمنت عليه فحلف بالطلاق لينتقلنَّ ولم يؤجل أجلاً فقال: إن أقام ثلاثة أيام يطلب منزلاً فلم
يجد أرجو ألا شيء عليه.
قيل: فإن أقام شهراً، قال: إن توانى في الطلب حنث وليس بخلاف لما في هذا من بساط المنة.
ابن حبيب: وإذا انتقل وأقام قدر الشهر فله أن يرجع.
ابن الماجشون: ولا أحب له أن ينتقل على نية شهر، لكن على غير توقيت، ثم إن بدا له بعد شهر رجع.
ومثل قول ابن الماجشون لمالك في العتبية والموازية، ولابن القاسم: إن رجع بعد خمسة عشر يوماً لم يحنث، والشهر أحب إلي.
ابن الماجشون: وكذلك إن حلف ليخرجن فلاناً من داره فأخرجه، فله رده بعد شهر، وهذا كله إذا قصد ترهيب جاره ونحو ذلك، وأما إن كره مجاورته فلا يساكنه أبداً، وكذلك ينبغي في مسألة المنة انه إن رجع إليه حنث [247/ب].
تنبيه:
وقع في بعض النسخ: (ومن حلف لينتقلنَّ إلى أمد أُمِرَّ ولم يحنث بالبقاء) وهو الواقع في نسخة ابن راشد، قال: وذكره الأمد في مسألة (لَيَنْتَقِلَنَّ) لا يستقيم مع قوله بخلاف (لا سَكَنْتُ)، وإنما ذكر غيره المسألة بغير أمد.
خليل: وفيه نظر، والظاهر أنه لا فرق بنيهما، ووقع في نسخة ابن عبد السلام الأمد أيضاً، وفسرها على وجه آخر فقال: معناه أن الحالف على أن ينتقل من منزله أو داره إلى أمد، فله أن يمكث في ذلك المكان المحلوف عليه إلى أقرب انقضاء ذلك الأجل، وإنما يحنث بانقضائه.
بخِلافِ لا سَكَنْتُ مَا لَمْ يُبَادِرْ، وَفِي بَقَائِهِ دُونَ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ قَوْلانِ
أي: فإنه يحنث ما لم يبادر؛ لأن دوام السكنى بحسب العرف سكنى.
قال في المدونة: يخرج ولو في جوف الليل إلا أن ينوي إلى الصباح، وإن تغالوا عليه في الكراء ووجد منزلاً لا يوافقه فلينتقل إليه حتى يجد سواه، فإن لم يفعل حنث، وقال أشهب: لا يحنث بإقامة دون اليوم والليلة، وأصبغ لا يحنثه حتى يزيد على اليوم والليلة.
اللخمي: وما قاله في المدونة مبني على مراعاة اللفظ، ومن راعى العادة كان له أن يمهل إلى الصباح، واستحسن الفاسي قول أشهب وأفتى به لما في المدونة من الحرج.
التونسي: وانظر إذا حلف لا يساكنه فابتدأ في النقلة، فأقام يومين أو ثلاثة ينقل قشه لكثرته، ولأنه لا يتأتى نقله في يوم واحد، فينبغي ألا شيء عليه لأنه المقصود في اليمين.
وانظر لو كان له في الدار مطامير وقد أكرى الدار، هل ينقل ما في المطامير؟ وينبغي- إن كانت المطامير لا تدخل في الكراء إلا باشتراط، وأن الناس يكرون المطامير وحدها لخزن الطعام – أن لا تدخل في اليمين، وأن له تركها إذا كان قد أكرى المطامير على الانفراد، ثم سكن أو سكن ثم أكرى، إلا ألا يثق بالمطامير أن تبقى إلا بمكان سكناه، فينبغي أن ينقلها مع قشه.
انتهى.
وَلَوْ أَبْقَى رَحْلَهُ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ إِلا فِيمَا لا بَالَ لَهُ
المشهور في المدونة، قال فيها: ويرتحل بأهله وولده وجميع متاعه فن أبقى متاعه حنثن والشاذ رواه أشهب.
اللخمي: أراه تأول في ذلك قوله تعالى: (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكُمْ ([النور: 29].
وقوله: (إِلا فِيمَا لا بَالَ لَهُ) أي: فلا يحنث على المشهور، كالمسامير والأوتاد، وكذلك نص عليه ابن القاسم في الموازية، زاد ابن وهب في العتبية إذا كان لا يريد الرجوع إليه، وتنازع الشيوخ: هل ابن القاسم موافق له على ذلك أم لا؟ أما لو ترك هذا اليسير ناسياً فقال ابن القاسم: لا يحنث، وحنثه ابن وهب.
وفي الموازية: لابن القاسم: لو تصدق بمتاعه على صاحب المنزل أو غيره، فتركه المتصدق عليه في المنزل لم يحنث، وهو ظاهر إذا لم يطمع المتصدق بمكافأة المتصدق عليه، وأما إن طمع ففي ذلك نظر.
وَلَوْ حَلَفَ لا سَكَنَ فَخَزَنَ لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ مِثَلَهَا
لفظ اللخمي: وكذلك إن حلف لا يسكنها فاختزن فيها حنث عند ابن القاسم ولم يحنث عند أشهب.
وظاهره أن الخلاف منصوص، وحمله ابن بشير على أنه أجزاء منه، وقال: ولعل هذا لا يختلف فيه أنه لا يحنث؛ لأن الخزين إذا انفرد لا يعد سكنى.
وإنما يعد ابن القاسم بقاء المتاع سكنى إذا كان تابعا ًلسكنى الأهل، وإذا انفرد لم يعده سكنى.
انتهى.
وكأن المصنف مال إلى كلام ابن بشير والأقرب فيها عدم الحنث؛ لأنه لا يقال في العرف في المختزن بموضع أنه ساكن فيه.
فرع:
قيل: وإن حلف ليسكننها لم يبر إلا أن يسكنها بنفسه ومتاعه وعياله.
اللخمي: وأرى أن يبر وإن لم يسكن بمتاعه.
وَلَوْ حَلَف لا آكُلُ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ، أَوْ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ، أَوْ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ فَأَكَلَ خُبْزَهَ، أَوْ بُسْرَهُ، أَوْ مَرَقَتَهُ حَنِثَ ...
عبر بعضهم عن هذا الفصل بالحلف على ترك الأصول، هل يحنث بالفضول؟ وبعضهم بالحلف على ترك الأمهات هل يحنث بالبنات؟ وكأنهم رأوا أنه لَّما عرَّف وأتى باسم الإشارة ومن، فإنه قصد الا يأكل شيئاً من الأبعاض التي اشتملت عليها الماهية.
وألحق في المدونة بالخبز السويق، واستحسن أشهب عدم الحنث بالبسر إذا حلف ألا يأكل من هذا الطلع لبعد البسر من الطلع في الاسم والمنفعة والطعم.
قال فيها: وإن حلف ألا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو جبنه إلا أن تكون له نية.
ولو حلف ألا يأكل من هذه الحنطة أو من هذا الطعام فلا يأكل ما اشترى بثمنها من طعام ولا ما أنبتت الحنطة إن نوى وجه المن، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء
صنعة في الطعام لم يحنث بأكل ما ذكرناه.
انتهى.
وفهم التونسي من قوله: "إن نوى وجه المن" عدم الحنث مع عدم النية.
وذكر ابن المواز في الحالف لا أكلت من هذا القمح، فزرعه وأكل ما أنبت قولين: أحدهما: لا يحنث كما لو اشترى بثمنه قمحاً فأكله، قال: إلا أن يريد التضييق على نفسه، والثاني: أنه إن كره رداءة الحب لم يحنث، وإن كره المن حنث، ونسب ابن عبدوس الأول [248/أ] لأشهب، والثاني لابن القاسم.
ابن ميسر: واختلف إذا حلف لا أكل من هذه الشاة فأكل من نسلها، وفي الموازية فيمن حلف لا آكل من هذه الغنم فلا بأس أن يأكل من جبنها أو سمنها، وكان القصد عند لا آكل من لحمها، ولا فرق بني قوله: (مِنْ هَذَا الطَّلْعِ) وبين قوله: من طلع هذه النخلة في التحنيث بالفرع، نعم بينهما فرق من وجه آخر، وهو أنه إذا حلف لا آكل من لبن هذه الشاة دخل فيه ما استخرج منها قبل يمينه أو بعده، قاله ابن القاسم، وله كذلك في المسألة الأخرى.
وَلَوْ قَالَ: قَمْحَاً أَوْ طَلْعاَ أَوْ لَحْماً، أَوِ الْقَمْحَ أَوِ الْقَمْحَ أَوِ الطَّلْعَ أَوِ اللَّحْمَ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمِشْهُورِ، إِلا أَنْ يَقْرَبَ جِدّاً كَالسَّمْنِ مِنَ الزُّبْدِ فَقَوْلانِ
إنما لم يحنث لعدم "من" التي هي دالة على التبعيض، وسواء نكَّر المحلوف عليه أو أتى بـ "هذا" أو عرفه بـ "ال"، ويكون مراده تعريف الماهية أو العموم، وأما إن أراد معهوداً فينبغي أن يقبل ذلك منه إذا كانت يمينه مما لا يقضي فيها بالحنث.
وجعل المصنف المسألة على وجهين: إن لم يقرب جدّاً فلا حنث على المشهور، وإن قرب جدّاً فقولان وكأنهما متساويان عنده في الشهرة، وإلا لجعلهما مسألة واحدة، وذكر ثلاثة أقوال كعادته، وتبع في حكايته الخلاف في القسم الأول اللخمي، ورأى ابن بشير تعريته من الخلاف، وأن الخلاف إنما هو الثاني.
ابن المواز: ولم يرَ ابن القاسم الحنث بالمتولد إلا في خمسة أشياء: الشحم من اللحم والنبيذ من الزبيب، والعصير من العنب، والمرق من اللحم، والخبز من القمح قال: وما سوى
ذلك لا يحنث به إلا أن يقول منه أو تكون له نية أو سبب، وسواء عَرَّفَ أو نَكَّرَ أو أتى بلفظ الإشارة، فقال: هذا اللحم.
قال في الذخيرة: وقد جمعهما الشاعر فقال:
أمراق لحم، وخبز قمح نبيذ تمر مع الزبيب
وشحم لحم وعصر كرم يكون حنثاً على المصيب
وقد علمت أن مذهب ابن القاسم أنه ينوي في الخمسة، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن المواز: لا ينوي المرقة إذا حلف لا آكل لحماً.
ابن رشد: يريد مع قيام البينة فيما حكم به عليه.
وحكى أبو الحسن عن ابن وهب أنه يحنث بالمتولد سواء نكر أو قال هذا أو عرف، وعن ابن القاسم انه لا يحنث بالمتولد فيهما، وعن ابن حبيب أنه إن عرَّف حنث بالمتولد لا إن نكَّر، وكذلك حكى اللخمي الأقوال الثلاثة، وعلى هذا فيتحصل في المسألة بقول ابن القاسم أربعة أقوال.
وفي النكت: قال ابن حبيب: إذا حلف لا أكلت رطب هذه النخلة أو هذا الرطب، فإنه يحنث بأكل ثمره، وسواء عنده قال: من رطب هذه النخلة أو قال: رطبها، وسواء قال: من هذا الرطب أو الرطب.
عبد الحق: وهذا أقيس مما ذكره ابن المواز عن ابن القاسم فتدبره.
فَلَوْ قَالَ: هَذَا الْقَمْحَ، وَهَذَا الطَّلْعَ، وَهَذَا اللَّحْمَ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: فإن عرَّف وأتى باسم الإشارة، فالمشهور الحنث بالمتولد للإشارة، والشاذ لابن المواز لتغيير الذات.
ومنشأ الخلاف على هذا: هل تعتبر الإشارة أو العبارة؟ وما شهره المصنف لم أر من شهره غير ابن بشير، ذكر أنه المذهب، وفيه نظر؛ لأنه إنما هو معزو لابن حبيب.
فإن قيل: فقد نص في المدونة على الحنث بالخبز فيما إذا قال: لا آكل هذا الدقيق أو هذه الحنطة وهو يدل لما قاله المصنف، قيل: هي إحدى الخمسة التي استثناها ابن القاسم، والأصل أن يكون ما قاله في المدونة والموازية متفقاً، وهو مقتضى كلام أبي الحسن فاعلمه.
وَأَمَّا الشَّحْمُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اللَّحْمِ بخِلافِ الْعَكْسِ
يعني: أن من حلف لا آكل لحماً يحنث بالشحم؛ لأن الشحم متولد عن اللحم، ومن حلف لا آكل شحماً لا يحنث باللحم؛ لأن اللحم ليس بمتولد عن الشحم، ولأن الله تعالى حرم لحم الخنزير فدخل الشحم وحرم على اليهود الشحم فلم يدخل اللحم.
وتبرأ المصنف من هذا بقوله: (فَالْمَذْهَبُ) لأنهما في العرف مختلفان، والله أعلم.
وَأُحْنِثَ فِي النَّبيذِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ لأنَّ فِيهِ جُزْءاً مِنْهُ
يريد: سواء حلف على العنب والتمر والزبيب بلفظ التنكير أو التعريف، نص عليه ابن المواز زاد ولا يحنث بأكل الخل، واستشكل التونسي التحنيث بالنبيذ؛ لأنه قال فيمن حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً أو حلف ألا يأكل زبداً فأكل سمناً أو حلف ألا يأكل رطباً فأكل تمراً أو حلف ألا يأكل بسراً فأكل رطباً أنه لا شيء عليه، وفي الموازية فيمن حلف ألا يأكل قصباً فلا بأس أن يأكل عسل القصب، قال: فما الفرق بين هذا وبين من حلف ألا يأكل تمراً فشرب نبيذه؟
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَوْعٍ فَأُضِيفَ إِلَى غَيْرِهِ حَتَّى اسْتُهْلِكَ كَالْخَلِّ يُطْبَخُ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
يعني: إذا حلف على نوع ما ولم تكن له نية في كونه خالصاً أو مخلوطاً، فخلط ثم أكله، فالمشهور مذهب المدونة قال فيها: لا يحنث إلا أن يريد طعاماً بخل.
ومقابله لأصبغ وسحنون وابن المواز، وهو أقرب؛ أي: لأن الخل يؤكل هكذا وقل ما يؤكل خالصاً.
سحنون: ولو حلف لا آكل زعفراناً فأكل طعاماً فيه زعفران حنث؛ لأنه الوجه في أكله.
فَلَوْ لَتَّ السَّوِيقَ بالسَّمْنِ ولَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ وَجَدَهُ حَنِثَ اتِّفَاقاً ....
مقابل [248/ب] المشهور لابن ميسر.
ابن عبد السلام: وأشار بعضهم إلى أنه مقيد للمشهور لا خلاف.
وفي الموازية قول ثالث: وإن كان سبب يمينه مضرة السمن حنث لأنه يتقي منه ما يتقي من الخالص، وإن كان قيل له: إنك تشتهي السمن ولا تصبر عنه، فحلف عند ذلك، فلا شيء عليه إن أكل سوياً لُتَّ به.
فإن قلت: هذه المسألة تعارض مسألة الخل، قيل: الفرق أن الخل بعد طبخه لا يتحصل منه خل ألبتة، بخلاف السمن لو سكب عليه ماء لتحلل من السويق.
وَلَوْ حَلَفَ لا كَلَّمَهُ الأَيَّامَ حَنِثَ أَبَداً، وَكَذَلِكَ الشُّهُورَ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: سَنَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾
إذا حلف لا أكلم فلاناًً حنث متى ما كلمه طالت المدة أو قصرت، وهو مراده بقوله: (أبداً) وإن حلف لا أكلمه الشهور فكذلك؛ لأنه جمع محلي بـ "ال" فيفيد العموم، ومقابل الأصح ذكره اللخمي واحتج له بالآية التي ذكرها المصنف ولاحجة فيها؛ لأن المقصود من الآية: أن عدة شهور السنة عند الله اثنا عشر شهراً، ولا أزيد كما يفعله أهل الجاهلية في النسيء، والأيمان يجب الرجوع فيها إلى العرف.
اللخمي: وإن حلف لا يكلمه الأيام لم يكلمه الأبد؛ لقول الله سبحانه: (بِمَا أسْلَفْتُمْ في الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) وعلى القول في الحالف على المشهور تجزئه شهور السنة، تجزئ الحالف هنا أيام الجمعة السبعة.
انتهى.
وقيل: لا يكلمه ثلاثة أيام.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَهْجُرَنَّهُ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: شَهْراً
قوله: (فَكَذَلِكَ) أي: فيحنث أبداً.
ابن عبد السلام: ولم أقف على هذا القول بعد البحث عنه، والقول بالشهر في الموازية، والقول بالثلاثة في العتبية والواضحة؛ حملاً ليمينه
على الهجران الشرعي، وأشار اللخمي إلى أنه ينظر إلى عادتهما، فإن كانت عادتهما كثرة التَّكالُم اكتفى بالثلاثة؛ لأنها تعد مقاطعة، وإن كانت عادتهما قلة التَّكالُم لم يبرَّ بذلك، ولا بد من مدة يريان ذلك تقاطعاً.
ابن الماجشون وغيره: ولو كلمه بإثر يمينه لم يحنث، وليس عليه أن يهجره عقب يمينه، ومتى هجره بعد ذلك بر، بخلاف ما لو حلف لا كلمه فإنه إن كلمه إثر يمينه حنث.
واختلف إذا حلف ليطيلن هجرانه، فقال محمد: يهجره سنة.
وقيل: شهر يجزئه.
اللخمي: وقول محمد احتياط ليس أنه لا يجزئه دون ذلك، فإن كان بينهما مصادقة فالشهر طول، وإلا فالشهر قليل.
وَلَوْ حَلَفَ لا كَلَّمَهُ أَوْ لَيَهْجُرَنَّهُ أَيَّاماً، أَوْ شُهُوراً، أَوْ سِنِينَ، فَالْمَنْصُوصُ: أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَخَرَجَ الدَّهْرُ لأَنَّهُ الأَكُثَرُ ...
قوله: (أَقَلُّ الْجَمْعِ) أي: فيكلمه بعد ثلاثة أيام وثلاثة شهور وثلاثة سنين ولا حنث عليه، وعبر ابن عبد السلام عما عبر عنه المصنف بالمنصوص بالمشهور، قيل: وعلى قول من قال: إن أقل الجمع اثنان، يكفيه هنا اثنان، وأنكره في البيان وقال: لا ينبغي أن نعوِّل على هذا وإن كان هو مذهب مالك في أن الاثنين من الإخوة يحجبان الأم من الثلث إلى السدس؛ لقوله تعالى: (فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِهِ السُّدُسُ) [النساء: 11]؛ لأن الأيمان يجب حملها على العرف.
وقوله: (وَخَرَجَ الدُّهْرُ) أي: البد من قول من قال: إن اليمين إذا احتملت أقل وأكثر أنه لا يبر إلا بالأكثر، وهذا التخريج لابن بشير ورده ابن هارون بأن أيام جمع منكر فلا يمكن حمله على العموم بوجه.
وسلم ابن راشد التخريج في شهور لأنه جمع كثرة، وخالف في أيام وسنين لأنهما جمع قلة، وهو العشرة فما دون، فلا يصح أن تعمر الذمة
بالأبد، واعترضه ابن عبد السلام بأن هذا إنما هو إذا كان اللفظ جمع قلة وكثرة، وأما إن لم يكن إلا واحداً منهما فالنقل أنه يقع للقليل والكثير، ثم جعله جمع قلة للعشرة مخالف للنحويين فنهم لا يجاوزون به التسعة.
وَلَوْ قَالَ حِيناً فَالْمَنْصُوصُ سَنَةٌ، وَكَذَلِكَ دَهْراً أَوْ زَمَاناً أَوْ عَصْراً، فَإِنْ عَرَّفَ فَفِي صَيْرُورَتِهِ لِلأَبَدِ قَوْلانِ ....
المنصوص مذهب المدونة، قال فيها: ومن حلف ألا يفعل شيئاً إلى حين أو زمان أو دهر، فذلك كله سنة.
وقال عنه ابن وهب: أنه شك في الدهر أن يكون سنة.
وعن ابن عباس فيمن حلف ألا يكلم فلاناً حيناً أنه سنة، وتلا قوله تعالى: (تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ([إبراهيم: 25] قاله ربيعة: وقال ابن المسيب: الحين ستة أشهر من حين طلوع النخل إلى حين ترطبه، ومقابل المنصوص للَّخمي أنه يبر في الحين بأقل من السنة، وتكفيه مدة فيها طول.
قال: والحين يقع على الوقت قل أو أكثر.
قال الله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ([الروم: 17] فهذا وقت الصلاة، وقال تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ([الإنسان: 1] وقال تعالى: (وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ([يونس: 98]، قيل: يوم القيامة، وقد يقال: إن الآية الأولى: الحين فيها مقترن بالمساء والصباح والكلام إنما هو في الحين المطلق.
قوله: (وَكَذَلِكَ دَهْراً أَوْ زَمَاناً أَوْ عَصْراً) أي: فتكفيه السنة، ولم أرَ في هذه الأقوال الثلاثة تخريجاً، وقوله: (فَإِنْ عَرَّفَ) ينبغي أن يحمل على هذه الألفاظ الثلاثة، ولا يراد الحين؛ لأن القول بالأبد ليس إلا في الثلاثة، وهو قول الداودي، وفي الواضحة في الدهر انه أكثر من سنة.
مطرف: وسنتان قليل ولا وَقَّتَ فيه وقتاً.
وَلَوْ حَلَفَ لا كَلَّمَهُ فَكَتبَ [249/أ] إِلَيْهِ، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولاً فَثَالِثُهَا: يَحْنَثُ بِالْكِتَابِ لا بِالرَّسُولِ ....
تصور المسألة والأقوال ظاهر، والحنث بهما لمالك وابن القاسم في المدونة؛ لأن القصد العرفي بهذه اليمين المجانبة وهي غير حاصلة، وعدم الحنث فيهما لأشهب وابن عبد الحكم اعتباراً بظاهر اللفظ؛ إذ لا يطلق عليهما كلام إلا مجازاً.
والثالث لابن الماجشون، وذكر اللخمي أن ابن القاسم وأِهب روياه عن مالك ووجهه أن الكتاب لفظه بخلاف الرسول؛ لأنه يزيد وينقص.
وعلى مذهب المدونة فهل ينوي في إرادة المشافهة إن كانت بطلاق أو عتاق؟ قال: فيهما حنث إلا أن ينوي مشافهة، ثم رجع فقال: لا ينوي ف الكتاب إلا أن يرجع الكتاب قبل وصوله إليه فلا يحنث، ولمالك في المازية: لا ينوي في الكتاب والرسول، أو على أنه ينوي فإنه يحلف على ذلك، قاله ابن يونس، وقد تبين لك من المدونة أنه إذا رجع قبل وصوله أنه لا يحنث.
محمد: وهذا آخر قوليه.
التونسي: وقوله "وهذا آخر قوليه" فيه إشكال؛ لأنه لاينبغي أن يكون في رجع الكتاب خلاف لأنه لم يسمعه ولا رأي الكتاب.
فروع:
الأول: فإن وصل الكتاب للمحلوف عليه فقرأه بقلبه دون لسانه، فقال أشهب: لا يحنث، واحتج بأن من حلف لا يقرأ فقرأ بقلبه لم يحنث.
الثاني: قال ابن حبيب: يحنث بقراءة عنوان الكتاب وإن لم يكن له عنوان وقطعه ولم يقرأه لم يحنث، وكذلك لا يحنث إذا لم يقرأه ولو أقام عنده سنين.
اللخمي: ولا وجه لهذا؛ لأنه إنما حنث بالمكاتبة، لأنها ضرب من المواصلة وذلك يقع بنفس وصول الكتاب، وإذا كان الظاهر عند اللخمي الحنث بأخذ الكتاب وأن يقرأه فلأن يكون الحنث في مسألة أشهب فيما إذا قرأه بقلبه أولى.
الثالث: لو أشار إليه فقال مالك وابن القاسم وابن حبيب وغيرهم: يحنث.
ابن حبيب: سواء كان المحلوف عليه سميعاً أو أصم، وقال ابن القاسم: لا يحنث، والأول أظهر.
الرابع: نص ابن الماجشون على أنه إذا حلف ليكلمنه لا يبر بالكتاب أو الرسول، أما لو حلف ليعلمنه أو ليخبرنه بر بالكتاب والرسول.
الخامس: لو حلف ليعلمنه أمراً فعلمه من غيره، ففي المدونة: وإن لم يعلمه حنث.
وحملها على إطلاقها أبو عمران وغيره.
وقال اللخمي: إنما يحنث إذا لم يعلم الحالف بعلم المحلوف عليه، وأما إن علم وبنينا على اعتبار المقاصد فلا يحنث.
السادس: لو أسرَّ إلى رجل حديثاً فحلف على كتمه، ثم أسرَّ إلى غيره فتحدَّث الحالف مع من أسرَّ إليه ثانياً، فأخبره بالسرِّ؛ فقال الحالف: ذكر لي ذلك وما ظننته ذكره لغيري، ففي المدونة يحنث.
السابع: لو كان الحالف أمر من يكتب عنه للمحلوف عليه فكتب ولم يقرأه على الحالف، ولا قرأه الحالف، ففي الواضحة: لايحنث، قال: ولو قرأه الحالف أو قرئ عليه حنث إذا قرأه لمحلوف عليه.
وَلَوْ كَلَّمَهُ فَلَمْ يَسْمَعْهُ فَقَوْلانِ، كَمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لا تَخْرُجُ إِلا بإِذْنِهِ فَأَذِن لَهَا وَلَمْ تَسْمَعْ ...
معناه: لو كلمه بحيث يمكن سماعه عادة لولا المانع الذي لأجله لم يسمعه كالنوم والصمم، وأما لو كان بينهما مكان بعيد لا يتأتى السماع منه فلا يحنث اتفاقاً، والحنث لابن القاسم في العتبية والموازية، وعدم الحنث لأصبغ، واختلف قول ابن القاسم في تكليمه الأصم هل يحنث بسببه؟
قوله: (كَمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ) المنصوص في هذه المسألة في المدونة الحنث ولا ينبغي أن يختلف فيها؛ لأن قصد الزوج ألا تعصيه في خروجها بغير إذنه، وهي إذا خرجت
ولم تسمع فقد خرجت بغير إذن، ولم أر فيها قولاً بعدم الحنث إلا في أبي الحسن؛ فإنه حكى عن مالك قولاً بعدم الحنث، قال: ويحمل قوله على هذا "إلا بإذني"؛ أي: بعد إذني.
ابن هارون: وظاهر كلام اللخمي حصول الاتفاق على الحنث: ولفظه ومن حلف على زوجته لا خرجت إلا بإذنه، فأذن لها فلم تسمع، ثم خرجت حنث، وإن قال: لا خرجت إلا أن آذن، لم يحنث قياساً على من حلف ليقضين فلاناً حقه لأجل سماه إلا أن يؤخر، فأخره ولم يعلم وانقضى الأجل، فقال مالك: عسى أن يجزئه.
وقال ابن وهب: لا يحنث.
فراعى اللفظ، وأرى أن يحنث؛ لأن القصد ألا يكون منه الرد وقد حصل.
وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْرَأهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَرَأَهُ فَقَوْلانِ
لا خفاء في عدم الحنث إذا لم يقرأه، والقول بالحنث إذا قرأه لابن القاسم في الموازية؛ لأن القصد مجانبته، والقول بعدم الحنث لابن القاسم أيضاً في العتبية والمجموعة وهو لأشهب، وصوبه ابن المواز لأنه لم يكلمه، واستحسنه اللخمي.
وعلى الحنث فقال ابن القاسم: وكذلك يحنث إن أمر غره فقرأه عليه إلا أن يقرأه عليه أحد بغير أمره، قال في العتبية: وما ذلك بالبين، قال: وإذا كان الكتاب من المحلوف عليه إلى غير الحالف، فأتى فقرأه الحالف بعد أن أخبره به فلا شيء عليه.
وَلَوْ حَلَفَ لا سَاكَنَهُ وَهُمَا فِي دَارٍ فَجَعَلا بَيْنَهُمَا حَائِطاً فَشَكَّ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِم: لا يَحْنَثْ .....
المنقول عن مالك في المدونة [249/ب] وغيرها إنما هو: فكرهه مالك وقال: لا يعجبني: ففرق بين الشك والكراهة، وما نقله المصنف عن ابن القاسم هو في المدونة، وشرط أن يكون لكلِّ نصيب مدخل على حدة، وقال فيها قبل ذلك: ومن حلف ألا يساكن فلاناً فسكن كل واحد منهما في مقصورة في دار، فإن كانا حين حلف هذا في دار
واحدة وكل واحد في منزل منها حنث، وإن كانا في بيت فلما حلف انتقل عنه إلى منزل في الدار يكون مدخله ومخرجه ومرفقه في حوائجه على حدة لم يحنث، ولابن القاسم في غيرها عدم الاكتفاء، وإذا فرعنا على الاكتفاء، فهل يكفي أن يكون الجدار من جريد أو لابد أن يكون مبنياً بالحجر؟ ظاهر كلامه الاكتفاء، وكرهه ابن الماجشون، وهذا إنما هو عند الإطلاق، وأما إن كان للحالف نية أو بساط في التباعد فلا خلاف أنه لا يكفيه إلا التباعد.
وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين أن يحلف لا ساكنه في دار بعينها، وبين أن لا يعين وهو مذهب المدونة، وقيل: إن قال: لا ساكنته في هذه الدار، لم يبر ببناء الجدار، بخلاف ما إذا لم يعين.
وعارض ابن الكاتب قول ابن القاسم في هذه بالاكتفاء بضرب الجدار، بما قاله فيمن حلف لا يسكن فإنه قال: ينتقل عنها في الحال، وأجاب بأن هذه محمولة على أنه خرج عنها في الحال ولم ينتقل إليها إلا بعد بناء الجدار، وأجاب ابن محرز: بأنه شرع في البناء بإثر اليمين وأن ذلك يقوم مقام الشروع في الخروج، وقد يكون بناء الجدار أسرع من الانتقال.
وفروع الحلف على ترك المساكنة كثيرة، وكلها مبنية على أنه لا يبقى على الحالة التي كان عليها، وتركناها تبعاً للمصنف.
فرع:
قال في المدونة: وإن حلف لا يساكنه فزاره فليست الزيارة سكنى، وينظر في ذلك إلى ما كانت عليه يمينه؛ فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهو أخف، وإن أراد التنحي عنه فذلك أشد.
التونسي: قوله: "أخف" يريد: ولا يحنث؛ لأن ذلك السبب ليس بموجود في الزيارة، ولو أقام عنده على هذا أياماً، وقوله: "أشد" يريد: ويحنث؛ لأنه أراد قطع مواصلته والبعد عنه، والزيارة مواصلة وقرب.
قال في البيان: واختلف إذا طال التزاور على قولين؛ قال أشهب وأصبغ: لا يحنث، وقال مالك وابن القاسم: يحنث.
واختلف في حد الطول فقيل: ما زاد على ثلاثة أيام، وقيل: هو أن يكثر الزيارة بالنهار ويبيت في غير مرض إلا أن يأتي من بلد آخر، فلا بأس أن يقيم اليوم واليومين والثلاثة على غير مرض، وهو قول ابن القاسم، ورواه عن مالك، ومثله لابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ مِنْ بَلَدٍ فَفِي الاقْتِصَارِ عَلَى نَفْيِ الْجُمُعَةِ أَوْ لابُدَّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَوْلانِ ....
القول بأنه لابد من مسافة القصر لمالك، والآخر استحسان لابن المواز.
وَلَوْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ فَمَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَفِي مِقْدَارِ بَقَائِهِ فِي انْتِهَائِهِ: شَهْرٌ، وَنِصْفُهُ، وَأَقَلُّ زَمَانٍ ....
المشهور كما ذكر أنه لابد من مسافة القصر.
ابن بشير: وهو مقتضى اللفظ شرعاً، ولو بنى على اللغة لأجزأ أقل ما يسمى سفراً، أو على العرف لاعتبر ما يسميه أهل العرف سفراً، أو على العرف لاعتبر ما يسميه أهل العرف سفراً، ثم حكى الثلاثة الأقوال التي حكاها المصنف في مقدار مقامه، ولم أر القول بالشهر في غير ابن بشير، ويمكن أن يؤخذ من قول ابن الماجشون: "إذا حلف لينتقلن" أن له أن يرجع بعد شهر، والقول بنصف شهر لابن القاسم، قال: لو رجع بعد خمسة عشر يوماً لم يحنث، والشهر أحب إليَّ، إلا أن ينوي الدوام.
وقال ابن المواز: القياس أدنى زمان.
وَلَوْ حَلَفَ لا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتاً حَنِثَ بِالْحَمَّامِ لا بالْمَسْجِدِ
فرق ابن المواز بين الحمَّام والمسجد، فإن الحَّمام لا يلزمه دخوله، بخلاف المسجد فإنه لما كان يطلب الدخول فيه شرعاً فكأنه غير مراد، واختار اللخمي فيهما عدم الحنث وهو الظاهر.
فرع:
وأما اجتماعهما في الحبس فالمذهب إذا دخل الحالف طائعاً فكيفما دخل المحلوف عليه طوعا ًأو كرهاً حنث لتسبب الحالف في اجتماعهما اختياراً، وإن دخل الحالف كرهاً فقال ابن الماجشون: لا يحنث واختلف في ذلك قول أصبغ، ورأى غير واحد أن هذا الخلاف إنما هو إذا أكره على حق، وأما إن كان مظلوماً فلا يحنث.
وألحق ابن القاسم بهذا إذا اجتمعا تحت ظل جدار أو شجرة إن كانت يمينه بقضاء فيه، أو لسوء عشرته، ابن حبيب: كانت نيته ذلك أو لم تكن له نية، فإنه يحنث بوقوفه معه في الصحراء.
فَلَوْ دَخَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَالِكٌ: لا يُعْجِبُبنِي
هذا من تتمة الفرع السابق؛ أي: إذا حلف لا أدخل عليه قال في التهذيب: وإن دخل المحلوف عليه على الحالف، فخاف عليه مالك الحنث، وقال ابن القاسم: لا يحنث إلا أن ينوي ألا يجتمع معه في بيت فيحنث.
ابن المواز: وقيل لا شيء عليه إلا أن يقيم معه بعد دخوله عليه.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي على قول ابن القاسم أن لا يجلس بعد دخول المحلوف عليه، فإن جلس وتراخى حنث، ويصير كابتداء دخوله هو عليه.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لا يُعْجِبُنِي) يريد والله أعلم: لا يعجبني للحالف أن يقيم بعد دخول [250/أ] المحلوف عليه.
وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَيْتاً فَقَوْلانِ
القول بالحنث رواه أشهب عن مالك اعتباراً بظاهر لفظه، والقول بعدم الحنث لسحنون نظراً إلى المقاصد.
وَلَوْ قَالَ: لا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتاً يَمْلِكُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَيْتاً فَالرِّوَايَاتُ: حَنِثَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ
تصوره ظاهر، ووجه الإشكال أنه بموته قد انتقل إلى ورثته، وراعى في الروايات كونه له حق يجري مجرى الملك، وهو أنه لا يخرج من حتى يتم غسله وتكفينه، وإليه أشار في الموازية بقوله: فدخل عليه وهو يجهز.
ونقل ابن يونس هذا الفرع على صيغة تقوي إشكاله، ولفظه: قال أصبغ: وإن حلف لا أدخل بيت فلان ما عاش، أو قال: حتى يموت، فدخل بيته وهو ميت قبل أن يدفن حنث.
ابن يونس: ويجب أن يكون على قول سحنون؛ أي: في الفرع الذي قبل هذا لا يحنث وهو في هذا أقوى من الأول؛ لأنه اشترط: ما عاش أو حتى يموت، فقد دخل بعد حلول الشرط، فكان يجب ألا يحنث باتفاق، وقول من حنثه بذلك ضعيف.
ابن الماجشون: ولو حلف لا ينفع فلاناً ما عاش، فمات فكفنه حنث؛ لأن الكفن من أمور الحياة، وهو قريب من الفرع الذي ذكره المصنف.
فرع:
إذا حلف ألا يأكل من طعام رجل فمات، فأكل الحالف قبل القسمة، فحنثه ابن القاسم في العتبية إذا كان عليه دين أو أوصى بوصية.
قال في المجموعة: وإن لم يكن الدين محيطاً قال أشهب: لا يحنث، واختاره ابن رشد.
وقال ابن سحنون: يحنث إن كان عليه دين ولا يحنث إن أوصى بوصايا.
ابن الكاتب: وقولهم: يحنث إذا أوصى بوصايا.
معناه عندي: إذا أوصى بمال معلوم يحتاج فيه إلى بيع مال الميت ليعطي منه الموصى له؛ لأن ذلك المال لو ضاع قبل أن يعطاه لرجع الموصى له في الثلث؛ لأنه لا يتعين كما قال فيمن أوصى أن يُشترَى عبد فلان فيعتق عنه، فيموت بعد الشراء وقبل عتقه أن عليهم أن يشتروا غيره من بقية الثلث، بخلاف عبد بعينه.
وأما إن كانت الوصية تجزأ من ماله كالثلث والربع فهنا يكون الموصى له شريكاً للورثة، وكأحدهم ساعة يموت، فلا حنث على الحالف في هذا، وهذا كله مع عدم النية، وأما إن كانت له نية فيقبل منه، أما إن لم يكن عليه دين ولا أوصى بوصايا فلا يحنث بالاتفاق.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ أَوْ لَيَبِيعَنَّ الأَمَةُ فَتَزَوَّجَ تَزْوِيجاً فَاسِداً، أَوْ بَاعَ فَأُلْفِيَتْ حَامِلاً فَالْمَنْصُوصُ: حَنِثَ ....
قوله: (لَيَتَزَوَّجَنَّ) هذه المسألة مقيدة بما إذا ضرب لذلك أجلاً، وإلا فلو لم يقيد كان له أن يتزوج أخرى ولا حنث عليه.
ثم إن هذا النكاح الفاسد إن كان يمضي بالدخول ودخل فإنه يبر وإن لم يحصل البناء، أو كان مما يفسخ أبداً فالمنصوص الحنث مراعاة للشرعي.
وخرج اللخمي البر من القول بمراعاة اللفظ من أحد القولين فيمن حلف ليطأن زوجته الليلة فوجدها حائضاً ووطئها أنه يبر، وفرق بينهما بأن الحالف في مسألة الحيض على امرأة معينة، وقد علم الحالف أن لها حالين: حالاً يجوز وطؤها فيه وحالاً لا يجوز، فلما أجل يمينه دل على إرادة وطئها مطلقاً، وأما هذه المسألة فحلفه لم يكن على امرأة معينة، فيحمل نكاحه على النكاح العرفي.
فرع:
فإن تزوج عليها دنِيَّة ليست من نسائه أو كتابية، فقال مالك: لا يبر.
ابن المواز: وسهل في ذلك ابن القاسم، ورجح بعضهم قول ابن القاسم بأن عادة الناس في مثل هذا جارية بتزويج الدنِيَّة، وبأن المقصود نكاية المرأة الأولى، وهو حاصل، وأما إن تزوج غير دنية ولم يدخل بها فقال ابن القاسم: لا يبر، وكذلك لو وطئها حائضاً، وقال أشهب: بل يبر وكأنه.
رأى لفظ النكاح حقيقة في العقد، ولا يبعد أن يجري في مسألة الحائض خلاف مما تقدم.
قوله: (أَوْ لَيَبِيعَنَّ الأَمَةُ ... فَأُلْفِيَتْ حَامِلاً) تصوره واضح، ومعنى أُلفيت: وجدت.
وَنَذْرُ الطَّاعَةِ وَإِنْ كُرِهَ لازِمٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ اللِّجَاجِ وَالْغَصَبِ دُونَ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ
ظاهر كلامه هنا كراهة النذر مطلقاً وهو الذي يؤخذ من قوله في الصيام: (وكره مالك نذر الصيام وغيره بشرط أو بغير)، وكذلك قال ابن راشد: ونص مالك رحمه الله تعالى على كراهة النذر ابتداءً بشرط وبغيره.
وفي كلامه على هذا الوجه نظر لمخالفته للمنقول، ونقل ابن راشد بعد نقل الباجي أن النذر المجرد لا خلاف في جوازه، ونص ابن شاش وغيره على أنه مستحب، وفي البيان: النذر على مذهب مالك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
مستحب: وهو النذر المطلق الذي يوجبه الرجل على نفسه شكراً لله تعالى على ما كان ومضى.
وجائز: وهو النذر المقيد بشرط يأتي.
ومكروه: وهو المؤقت الذي يتكرر مع مديد الأيام فهذا كرهه في المدونة مخافة التفريط في الوفاء به.
وعلى هذا فالأظهر أن يحمل كلامه على أن نذر الطاعة قسمان: مكروه، غير مكروه، والمكروه يلزم كغيره وتكون (أن) بمعنى (لو)؛ أي: يلزم الوفاء به ولو كان مكروهاً.
وهذا وإن كان ممكناً هنا إلا أنه لا يمكن في كلامه في الصوم، ثم في كلام صاحب البيان مخالفة لكلام غيره؛ وذلك لأنه جعل المعلق على شرط آت من قبيل الجائز.
والذي ذكره الباجي وابن شاس وغيرهما أنه مكروه، وعلى هذا فالمكروه من النذر نوعان:
الأول: ما كان مكرراً كما إذا نذر صوم كل خميس ونحوه، فإنه قد يأتي به لتكراره على حال كسل فيكون إلى عدم الطاعة [250/ب] أقرب.
والثاني: ما كان معلقاً على حصول نعمة، أو دفع نقمة، كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي كذا، أو أنجاني من البحر.
وعلى كلام ابن رشد إنما يكره الأول من هذين النوعين فقط، وعلى هذا فكلام المصنف في الصيام ليس بظاهر، نعم يصح على تأويل اللخمي؛ وذلك لأنه وقع في المدونة في باب الصيام: كره مالك صوم يوم يوقته فظاهره كراهة نذر صوم اليوم مطلقاً.
وعلى هذا الظاهر حمله اللخمين لكانحمله ابن رشد على أنه يوم مكرر والله أعلم، واستدل على كراهة النذر المعلق بشرط بوجهين:
الأول: كونه أتى به على سبيل المعاوضة، لا على سبيل القربة المحضة.
الثاني: أنه قد يتوهم منه الجاهل أنه يمنع من حصول المقدور، ويؤيده ما في مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرَج به من البخيل"، وفي مسلم أيضاً وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن قدَّره الله له، ولكنَّ النذرَ يوافق القدرَ فيُخرِج بذلك من البخيل يريد أن يخرج".
قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ) هو المعروف، وحكي عن ابن القاسم قول أنه يكفي فيه كفارة يمين.
ابن بشير: وما كان من لقيناه من الشيوخ يميل إليه ويعدونه من نذر المعصية، فلا يلزم الوفاء به.
ابن عبد السلام: يحتمل أن يريد ابن بشير بهذا القول ابن عبد البر: إن العدول الثقات رووا عن ابن القاسم أنه أفتى ابنه عبد الصمد لما حلف بالمشي إلى مكة أن عليه كفارة يمين، وأفتاه بذلك حين حلف بصدقة ماله، وقال له: أفتيك بمذهب الليث، وإن عدت أفتيتك بمذهب مالك.
وقوله: (دُونَ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ) من المكروه والمحرم، وحاصله أنه لا يلزم بالنذر من الأحكام الخمسة إلا المندوب، وقسم اللخمي نذر المعصية كصوم يوم الفطر أو النحر، أو