التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة":
أهل الأثرالأرشيف العلمي

" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة":

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عياض
الكتاب
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
المؤلف
عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
الناشر
دار ابن حزم، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

هو آخر الكتب التي نذكرها مما عده ابنه في المؤلفات التي أكملها وقرئت عليه 1. وحقاً فإن المؤلف أحال عليه في أهم كتابين له وهما: "الإكمال" كما سبق الذكر، و"المشارق" في جزءيه 2. وفي المقابل أحال في مقدمته - كما سبق - على "المدارك" إحالة للتوسع في الموضوع المحال به، وهذا يعني أنه قد فرغ من ذلك الموضوع، إلا أن يكون وضع مقدمة "التنبيهات" بعد أن فرغ من "المدارك".
وهذا يعني أن كتاب "التنبيهات" ألف قبل "المشارق"، بل قبل "الإكمال" الذي يترجح أن المؤلف لم يبدأ في وضعه إلا بعد سنة 532 هـ، وجزْم محمَّد بن عياض أن الكتاب قرئ على مؤلفه يصعب رده، لا سيما وقد روي الكتاب عن المؤلف ببعض الأسانيد 3، إلا أن نص "التنبيهات" في النسخ الواصلة إلينا - ولا سيما النسخة المعارضة بأصل المؤلف - فيها بياضات وأخطاء وخلط منسوب لأصل المؤلف في مواضع غير يسيرة.
وكتب كتاب "الصيام" وكتاب "الحج" في هذه النسخة بخط محمَّد بن عياض.
وفي نسخة أخرى صحيحة ملاحظة أول كتاب الحج لمحمد بن عياض هذا يقول فيها: إن والده لما وضع الكتاب لم يتكلم على كتب الحج إلى أن فرغ منها وانتسخها بعض الطلبة، ثم تكلم بعد ذلك على كتب الحج، ودفع مبيضتها إلى بعض طلبته لينتسخها، فضاعت له ... فأشغلت الشيخ رحمة الله عليه فتن الزمان إلى أن أعجلته المنية ... فهذه الطرة تعني أن الكتاب أجيز من قبل المؤلف، وأن كتاب "الحج" تأخر تأليفه، وأن جزءاً كبيراً منه قد ضاع، وأن تأليفه وضياعه ربما كان أواخر عمر المؤلف وبعد توليه قضاء سبتة ثانية سنة 539 هـ، وتلاطم فتن الزمان والحروب التي قامت بين المرابطين والموحدين ووقوف سبتة في

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 53

وجوه الموحدين والقاضي عياض على رأسها! وسنعود إلى مشاكل النسخ فيما بعد.

المجموعة الثانية: الكتب التي تركها في مبيضاته: ويهمنا منها كتاب واحد هو: مشارق الأنوار على صحاح الآثار 4: قال ابن فرحون في ترجمة أبي عبد الله محمَّد بن سعيد بن علي الطراز الغرناطي المتوفى 645 هـ: تجرد آخر عمره إلى كتاب "مشارق الأنوار"، وكان المؤلف قد تركه في مبيضته في أنهى درجات التثبيج والإدماج والأشكال وإهمال الحروف ... وجمع عليه أصولاً حافلة وأمهات هائلة من الغريب وكتب اللغة، فتخلص الكتاب على أتم وجه وأحسنه 5. وذكر ابن القاضي في ترجمة إبراهيم بن يوسف بن قرقول المتوفى 569 هـ أن كتابه "مطالع الأنوار" هو كتاب "مشارق الأنوار" عينه، كان القاضي قد تركه في مبيضته، فاستعارها وجرد منها ما أمكن نقله لاستعمائها وصعوبتها 6. وكما سبق، فإن المؤلف أحال في "الإكمال" على "المشارق"، غير أن الراجح تأخر "المشارق" عن "الإكمال"، وفي "المشارق" إحالات كثيرة على "الإكمال" 7. وأحال في "المشارق" على بغية الرائد، كما مر، وعلى

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 54

التنبيهات.
لكن الملفت للنظر أنه أحال في "الإلماع" 8 - وهو من أوائل مؤلفاته - على "المشارق"، وهو من آخرها! ومما لا بدّ من إيراده على هذا كله أن تلميذ المؤلف ابن القصير وجد بخط المؤلف إجازة كتاب "المشارق" لبعض طلبته مؤرخة بسنة 532 هـ 9، ولعله في هذا التاريخ لم يبدأ بعد في تصنيف الكتاب كما يفهم مما سبق عند الحديث عن "الإكمال"!

المجموعة الثالثة: الكتب التي لم يكملها: ويهمنا منها أيضاً كتاب واحد هو:

المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان 10: والمشكل فيه أن المؤلف ذكره في "الإكمال" كأنه انتهى منه 11، كما أن تلميذه ابن القصير ذكره أيضاً فيما وجد بخط المؤلف في إجازته لبعض طلبته سنة 532 هـ 12. فهذا يخالف ما جزم به ابن القاضي عياض وهو وارث مكتبته والمتصرف فيها والمسهم في معالجة مسوداته ... ويمكن أن يدرج ضمن هذا القسم الكتب التي أخرجها ولده من بطائق ومسودات أبيه فجمعها وألفها كتباً قائمة، وذكر منها ولده كتابين 13. ولا يستطيع الباحث أن يجزم بعد كل هذا بتواريخ محددة لوضع هذه المؤلفات إلا تخرصًا وتقديرًا، فمن الوارد، بل من الواقع، أن المؤلف كغيره يفتح مشاريع كتب وبحث يعطي لكل منها وقتاً خاصاً؛ فقد ذكر ابنه مثلاً: أن لأبيه جزءاً في زيارة الحاضنة والمربية لمحضونها "أتى فيه على

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 55

جميع معانيها وفصولها، فمن وقف عليه رأى في هذه المسألة شفاء صدره" 14. والكتاب - كما تبين - بدأ مشكلاً اعترضه وهو قاض بسبتة، فرفع فيه سؤالاً إلى شيخه القاضي أبي الوليد بن رشد، ولم يتجاوز جواب الشيخ سبعة سطور 15. ومن ذلك أنه لا يبدأ التأليف حتى يجمع جل مادة الكتاب، ثم لا ينتهي منه، أو لا يبدأ في التأليف أصلاً، كما هو الشأن في كتابيه: "الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة" الذي وجد ابنه منه يسيراً، فضمه إلى ما وجده في بطائق أبيه أو عند أصحابه 16؛ وكتاب "مذاهب الحكام في نوازل الأحكام" الذي قال ابنه في شأنه: وجدت هذه الترجمة بخطه، ولم أجدها عنده مبيضة، غير أني وجدتها في بطائق فجمعتها 17 ... ثم إن الوارد أيضاً أن يكون يضيف إلى كتبه ويراجعها وينقحها، فيحيل على كتبه الأخرى بعد الانتهاء منها، أو عندما تستجد له معلومات أخرى 18، ويحتمل أن يضيف ذلك ابنه أيضاً، والله أعلم.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 56

المبحث الرابع: أثر القاضي عياض في فن التحقيق

قد يظن البعض أن التحقيق من عمل الناشرين، يتوقف على عمل تقني محدود، ينحصر في المقابلة الشكلية للنص، وأن أهميته دون أهمية البحث في موضوع ما؛ لأنَّ الموضوع يطرح مشكلة ما على مشرح البحث، ويحاول دراستها من جميع الجوانب، فتنصب هذه الدراسة على تصحيح وضعيتها إذا كان فيها خلل، أو إلى إتمامها إذا كان فيها نقص، أو على شرحها إذا كان فيها غموض، أو على نقدها وطرح البديل لها، بينما غاية التحقيق إخراج كتاب كان موجوداً، وإضاعة الوقت فيه نزولاً وصعوداً، لكن الأمر ليس كذلك، فإذا كان الموضوع يطرح مشكلة للبحث، فإن التحقيق يطرح مشاكل كثيرة، بدءاً بالتحقيق في عنوان الكتاب، إلى التحقيق في نسبته إلى مؤلفه، إلى التأكد من نصوصه، إلى دراسة النسخ ومقابلتها والترجيح فيما بينها.
ولم يكن التحقيق جديداً بالنسبة للمسلمين ولا غريباً بين علومهم، بل هو متأصل في جذور معارفهم.
يقول الدكتور رمضان عبد التواب: لقد سبق العرب علماء أوروبا إلى الاهتداء للقواعد التي يقابلون بها بين النصوص المختلفة، لتحقيق الرواية، والوصول بتلك النصوص إلى الدرجة القصوى من الصحة 19.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 57

وقد ظهر هذا الفن عند المسلمين مع ظهور علم الحديث، ولم يظهر عند علماء أوروبا إلا في القرن الخامس عشر الميلادي بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية.
ولم تكن بداية هذا الفن في هذا الوقت مبنية على أسس علمية صحيحة، بل كان مجرد محاولات لتصحيح بعض النسخ وطبعها، إلى أواسط القرن التاسع عشر، حين وضعوا أصولاً علمية لنقد النصوص ونشر الكتب القديمة (1). وإذا كان هذا الفن قد ظهر مبكراً عند علماء المسلمين، وبالخصوص عند المحدثين وذلك عند شيوع (الوجادة) في القرن الرابع الهجري، فإن القاضي عياضاً كان من المتقدمين الأوائل الذين وضعوا لهذا الفن أسسه - بعد الرامهرمزي أبي محمَّد الحسن بن عبد الرحمن المتوفى سنة 360 هـ، والحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 هـ، والخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 هـ - بدءاً بالمقابلة إلى إصلاح الخطأ، إلى علاج السقط، إلى علاج الزيادة، إلى علاج التشابه بين النسخ إلى غير ذلك - وإذا كان كتابه "الإلماع" قد تحدث عن الجانب النظري لهذا الفن، فإن كتاب "التنبيهات" يعتبر المجال التطبيقي الذي طبق فيه هذه الدروس النظرية.
ونشير إلى بعض بصماته التي تركها شاهدة عليه في تأصيل هذا الفن كما تحدث عنها.

أولاً: المقابلة بين النسخ:

هذه العملية هي الأساس في عمل التحقيق، وهي تستهدف جمع المخطوطات للكتاب الواحد والمقابلة بينها للخروج بنص مستقيم.
وقد كانت معروفة عند المسلمين بهذا المصطلح، فهذا القاضي عياض يخصص للمقابلة باباً من كتابه: "الإلماع" 21. وبناء على هذا يمكن اعتبار عياض من الأوائل الذين أسهموا في وضع منهج التحقيق.
فهو يقول: وأما مقابلة20

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 58

النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بدّ منها، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه، أو نسخة تحقق ووثق بمقابلتها بالأصل، وتكون مقابلته لذلك مع الثقة المأمون بها ينظر فيه 22. وهكذا كان من قبله في الاهتمام بالمقابلة بين النسخ التي أخذها مع الأصل، فقد روى عياض عن هشام بن عروة بن الزبير قال: قال لي أبي: أكتبت؟ قلت: نعم.
قال: قابلت؟ قلت: لا.
قال: لم تكتب يا بني 23. ويقول عياض في مقابلة النسخ: فليقابل نسخته من الأصل بنفسه حرفاً حرفاً، حتى يكون على ثقة ويقين من معارضتها به، ومطابقتها له، ولا ينخدع في الاعتماد على نسخ الثقة العارف دون مقابلة، نعم، ولا على نسخ نفسه بيده، ما لم يقابل ويصحح، فإن الفكر يذهب، والقلب يسهو، والنظر يزيغ، والقلم يطغى 24. وفي اختيار النسخ كان كذلك للقدماء سبق في تحديد النسخة التي ستكون النسخة الأم، وقد خصص عياض لضبط اختلاف الروايات باباً 25 بيَّن فيه طريقة التعامل مع الروايات المختلفة، وما يرد فيها من زيادة أو نقص وتحديد المكان الذي تثبت فيه هذه الاختلافات، فقال: وأولى ذلك أن تكون الأم على رواية مختصة، ثم ما كان من زيادة الأخرى ألحقت، أو من نقص أعلم عليها، أو من خلاف خرج في الحواشي، وأعلم على ذلك كله، بعلامة صاحبه، من اسمه أو حرف منه للاختصار، لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات، وإن اقتصر على أن تكون الرواية الملحقة بالحمرة فقد عمل ذلك كثير من الأشياخ وأهل الضبط كأبي ذر الهروي، وأبي الحسن القابسي، وغيرهما 26.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 59

وإذا كان المحققون المحدثون قد تحدثوا عن المقابلة على أنها حجر الزاوية في موضوع التحقيق، وأنها تبدأ أولاً باختيار النسخة التي تصلح للمقابلة، ووضعوا لذلك معايير وشروطاً، وذلك من أجل الوصول إلى الصورة الصحيحة للنص، فإن القدامى كانوا لا يكتفون بالنسخة وحدها مهما بلغت درجة صحتها، حتى تكون مروية بالسند، وقد خصص عياض لهذا باباً في كتابه: باب في التقييد بالكتاب، والمقابلة، والشكل، والنقط والضبط (1).

ثانياً: إصلاح الخطأ:

يقول عياض فيما يتعلق بإصلاح الخطأ: الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية، كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيرونها في كتبهم، حتى اطردوا ذلك في كلمات من القرآن، استمرت الرواية في الكتب عليها، بخلاف التلاوة المجمع عليها، ... لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة، وفي حواشي الكتب، ويقرؤون ما في الأصول على ما بلغهم.
ومنهم من يجسر على الإصلاح.
وكان أجرأهم على هذا من المتأخرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي 28. وقد أشار عياض إلى مثل هذا التصحيح في كتاب "التنبيهات"، وقد بقي الخطأ على حاله في طبعة دار الفكر، بينما أصلح في طبعة دار صادر.
قال: وقوله: يقول الله تعالى: ﴿وأكلهم الربا وقد نهوا عنه﴾ 29. كذا وقع في بعض النسخ.
وهو مما غيرته الرواة من القرآن غفلة مروا عليه.
والتلاوة ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ 30.27

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 60

ولا يفوتني أن أشير إلى أن ما يميز عمل التحقيق عند القدامى من المسلمين عن التحقيق عند المحدثين، أو عند المسلمين بدل غيرهم، هو ارتباطه بالدين، وذلك للمحافظة على النص الديني من التحريف، وهذا الوازع الديني هو الذي جعلهم يتشددون في ضبط النصوص.
هذه إشارة فقط إلى أن عياضاً وإن تناولته الدراسة أديباً وفقيهاً وأصولياً ومؤرخاً فإن إسهامه في ميدان التحقيق ما زال يستحق الكثير من العناية والدراسة.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 61

الفصل الثاني: وقفات مع المدونة

المبحث الأوّل: قصة تدوين "المدونة".

المبحث الثاني: خدمة "المدونة" قبل القاضي عياض.
المبحث الثالث: روايات "المدونة" وأسانيدها.
المبحث الرابع: اختلاف نسخ "المدونة".
المبحث الخامس: اختلاف نسخ "المدونة" المطبوعة.
المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من "المدونة".

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 63

المبحث الأوّل: قصة تدوين المدونة

لما قدم أسد بن الفرات الإفريقي من رحلته العلمية إلى الإمام مالك ثم إلى العراق، حل مصر فذهب إلى ابن القاسم وعرض عليه أسئلة ليجيبه عليها على مذهب مالك، فأجابه إلى ما طلب بما حفظ عن مالك بقوله، وفيما شك فيه قال: إخال، وأحسب، وأظن.
ومنها ما أجاب فيه باجتهاده على أصل قول مالك، فكان يسأله كل يوم حتى دون عنه ستين كتاباً، وسميت تلك الكتب بـ "الأسدية"، فدخل بها أسد القيروان يدرسها وحصلت له بها رئاسة.
ثم تلطف سحنون حتى وصلت إليه - وكان منعها منه - وارتحل بها إلى ابن القاسم فعرضها عليه، فقال له ابن القاسم: فيها شيء لا بدّ من تغييره، وأجاب عما كان يشك فيه، واستدرك منها أشياء كثيرة, لأنه كان أملاها على أسد من حفظه.
وكتب إلى أسد أن عارض كتبك بكتب سحنون، فإني رجعت عن أشياء مما رويت عني.
فغضب أسد وقال: قل لابن القاسم: أنا صيرتك ابن القاسم، أرجع عما اتفقنا عليه إلى ما رجعت أنت الآن عنه؟ فترك إسماعها، فذكر أن ذلك بلغ ابن القاسم فقال: اللَّهم لا تبارك في "الأسدية"، قال الشيرازي: فهي مرفوضة إلى اليوم 31. وقال

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 65

الذهبي بعد أن عرض قصة الأسدية: فهي مرفوضة عند المالكية 32. هكذا وردت هذه القصة في الكثير من المراجع التي تحدثت عن تاريخ الفقه المالكي مع بعض الاختلاف، إلا أن المضمون متقارب، وربما قد يكون مجيئها من مصدر واحد، وطرأت لها الشهرة بتداولها في هذه المراجع التي أخذتها من ذاك المصدر, لأن أغلب الذين يذكرون هذه القصة يحدثون عن أبي العرب التميمي، أو سليمان بن سالم.
لكن هذه القصة تحتاج إلى شيء من البحث والتريث في إصدار الأحكام حتى لا نصف علماء أجلاء بما لا يتفق ومكانتهم العلمية والأخلاقية والجهادية في سبيل نصرة هذا الدين والدفاع عنه.
فهذا أسد بن الفرات الذي دخل معركة سلاحها الأوراق والأقلام ولم ينهزم، ودخل معركة سلاحها السيوف والسهام ولم ينهزم، يمكن أن يكون لموقفه من عدم الموافقة على نسخ "الأسدية" أكثر من تأويل، من غير أن نصفه بأنّه بخل بها فقط، ولم يرد أن يمكن سحنون من نسخها حتى تحايل عليه هذا الأخير فقام بنسخها.
وقد كان موقف أسد منذ أن أخذ "الأسدية" عن ابن القاسم عدم الموافقة على نسخها، فقد طلب منه أهل مصر أن ينسخوها فأبى، إما لأن صاحب هذا العلم ما زال حياً يمكن لأي واحد أن يأخذ عنه مباشرة.
أو لأن النسخة ما زالت تحتاج إلى الكثير من المراجعة، وقد دفع إليه ابن القاسم سماعه من مالك لينظر فيه، ويصحح عليه ما أخذه عنه, لأنه كان يملي عليه من حفظه 33؛ قال أسد: ولما أردت الخروج إلى إفريقية دفع إلى ابن القاسم سماعه من مالك، وقال لي: ربما أجبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه 34 أو لأنها مجرد اجتهادات فقهية يقولها الفقيه اليوم، ويمكن أن يتراجع عنها غداً.
ولما دخل بها أسد إفريقية، وجلس يدرسها وهي على حالها ربما

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 66

أثارت بعض الكلمات فيها كإخال، وأظن، وأحسب، انتباه بعض الفقهاء والطلاب الذين أخذوا الفقه المالكي المقرون بالأدلة عن علي بن زياد، وابن غانم، والبهلول بن راشد، وابن أشرس، وغيرهم، ولم يألفوا هذا الفقه الافتراضي، فجعلوا يتطلعون إلى تصحيحها على ابن القاسم، حتى كتب الله ذلك على يد سحنون، وقد يكون الذي شغل أسداً عن تصحيحها على كتاب ابن القاسم اشتغاله بالقضاء في البداية، واشتغاله بالجهاد بعد ذلك.
ويمكن أنه رأى فيها رأياً آخر، وذلك أنها مجرد اجتهادات.
فقهية لا تُلزِم المجتهد، فهو لم يكن يلتزم بالمذهب المالكي ولا بالحنفي، بل كان يبحث عن الدليل وقد قيل عنه: إن مذهبه السنَّة لا يعرف غيرها 35. وقال عنه المالكي: المشهور عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها، وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين 36. أما بخله بالأسدية من أجل الاحتفاظ بها فقط فلا معنى له, لأن هذا لا يستقيم مع كلامهم: إنه جلس للإقراء بها في القيروان، فكيف يبخل بها وهو يدرسها.
ثم كيف يستقيم هذا وقد سبق لها أن انتشرت بمصر قبل أن يجلس لتدريسها، فهو يقول: ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني 37. وفي رواية: وطلبها منه أهل مصر فأبى أسد عليهم، فقدموه إلى القاضي، فقال لهم: أي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلاً فأجابه، وهو بين أظهركم، فاسألوه كما سأله.
فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم من نسخها، فسأله فأجابه، فنسخوا حتى فرغوا منها، وأتى بها أسد إلى القيروان فكتبها الناس 38. إذاً كيف يبخل بها وهي منتشرة بمصر؟ والأكثر من هذا أن هذه "الأسدية" اختصرها أبو زيد بن أبي الغمر،

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 67

وابن عبد الحكم.
وقال ابن حارث: لما كملت "الأسدية" أخذها أشهب وأقامها لنفسه واحتج لبعضها، فجاء كتاباً شريفاً 39، فكان أشهب بعمله هذا قد مهد الطريق لسحنون.
وربما يقال: ما الذي جعل المصريين يقبلون على كتاب أسد وابن القاسم موجود بينهم وهو أقرب إليهم؟ وكيف يمكن أن يفهم نشر "الأسدية" في مصر ومنع سحنون منها بالقيروان؟ للإجابة عن السؤال الأول يمكن أن نقول: إن الذي ينقص أهل مصر هو هذا الكم من الأسئلة الذي طرحه أسد على ابن القاسم مما تعلمه من العراق، وكان أسد بن الفرات هو الذي جاء بهذه الأسئلة الافتراضية, لأن مذهب مالك لم يكن يعرف هذا الفقه الافتراضي، بل كان يعرف الفقه الواقعي، حتى أدخل عليه أسد هذا المنهج، وعليه فإنه إذا كان المذهب الحنفي قد تأثر بالمذهب المالكي عن طريق محمَّد بن الحسن الشيباني الذي أدخل "الموطأ" إلى العراق، فإن المذهب المالكي قد تأثر بالمذهب الحنفي عن طريق أسد بن الفرات الذي أدخل هذه الأسئلة الافتراضية 40. أما رفضه لمعارضة كتابه بكتاب سحنون فإنه موقف وجيه، ليس فيه ما يدعو إلى الاستغراب والدعوة عليه؛ لأنه إذا كان هذا قد وقع في بداية الأمر قبل أن يهذب سحنون مدونته ويرتبها، فإن هذه المعارضة إذا وقعت ستكون بسيطة، وقليلة الفائدة, لأن الكتاب ما زال في حاجة إلى نظر جديد في جميع أحكامه، وهذه هي النظرة التي نظر بها سحنون إلى الكتاب.
وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لأن يعارض أسد كتابه بكتاب ما زال في طور الإصلاح والتغيير.
وقد اشتغل سحنون بكتابه هذا منذ أن أخذه عن ابن القاسم إلى أن توفي، وترك مسائل ما زالت تحتاج إلى المراجعة، وقد أسقط منه بعض

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 68

النصوص، وقد رجع في بعض المسائل عن قول ابن القاسم وأخذ برأي أشهب، ولم يعنف عليه أحد، ولم يدع عليه أحد، فكيف يقال: إن ابن القاسم دعا على الأسدية.
والأغرب من هذا أن الذين رووا هذه القصة لم يتوقفوا عند حكاية ما وقع فقط، بل تعدوه إلى مسائل غيبية الله أعلم بها، وبنوا حكمهم عليها فقالوا: بأن هذا الدعاء كان سبباً في انقراض "الأسدية"، أو في رفضها، وهم يقصدون أن الله استجاب دعاءه فانقرضت، أو أصبحت مرفوضة عند المالكية.
ويمكن أن يقال لهم: من الذي دعا على الكتب الكثيرة الأخرى التي انقرضت ولم تصل إلينا، ككتب ابن شعبان، وأشهب، وأصبغ، وابن المواز، وغيرهم، ومن دعا على الكثير من الكتب التي رفضها الناس واستبدلوا بها غيرها؟ هذا إذا قلنا إنها انقرضت واندثرت، أما وإنها كانت موجودة إلى عهد القاضي عياض - وقد رجع إلى الكثير من نصوصها ويقول عند مقابلة نسخ "المدونة": وهو ما في "الأسدية" - فهذا لا يصح.
بل الأكثر من هذا أنه لا يبعد أن تكون بعض نسخها في بعض المكتبات العالمية، فهذا الدكتور محمَّد إبراهيم أحمد علي يقول: توجد نسخة مكتوبة على الرق من "الأسدية" في دار الكتب الوطنية بتونس 41. وعند الرجوع إلى النظر فيما قيل عن "الأسدية" والمدونة يتبين أن إقبال المالكية على مدونة سحنون، وتركهم للأسدية لم يكن مبنياً على هذه التخمينات، بل كان مبنياً على مسائل علمية صرفة، تخضع لمنطق العقل، وقوة الحجة.
ومن بين ما شجع على الإقبال على مدونة سحنون ما يلي:

  • كانت "الأسدية" تشتمل على أجوبة مالك برواية ابن القاسم، أو اجتهادات ابن القاسم على أصول مالك، بينما تضم "المدونة" -زيادة على ما في "الأسدية" مصححاً - الكثير من الأحاديث من موطأ ابن وهب، والكثير من الآثار عن وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهما، إضافة إلى

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 69

فقه أشهب، وبعض أهل المدينة، والليث بن سعد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
وهذه الزيادة هي التي أغرت الفقهاء والباحثين فجعلتهم يقبلون عليها ويتركون "الأسدية", لأن الطالب ينظر بعين الناقد المتفحص، الذي يزن المسائل بميزان الصحة والضعف.

  • إن "مدونة سحنون" هي النسخة الأخيرة المصححة على ابن القاسم، وهذا وحده كاف لجعل أهل العلم يفضلون هذه النسخة على غيرها.
  • إن للتلاميذ دوراً كبيراً في نشر علم شيوخهم، وآرائهم، فما كثر تلاميذ شيخ من الشيوخ إلا واشتهر علمه وانتشرت شهرته، وأسد بن الفرات لم يكن له من التلاميذ ما لسحنون، لاشتغاله بالقضاء أولاً ثم بالجهاد أخيراً، وقد انتشرت "مدونة سحنون" بمصر والقيروان والأندلس والعراق بوساطة تلامذته، وقد تجاوز عددهم المئات.
    ويلخص فضيلة الشيخ محمَّد بن عاشور الأسباب التي أدت إلى رفض المالكية للأسدية في سببين: الأول: هو أنه لما بنى إدراج مذهب على مذهب آخر، فقد وقع فيه من الاختلاط في الأقوال، والاختلال في عزوها أمور جاءت قادحة فيما يطلب في كتب الأحكام من الصحة المطلقة.
    الأمر الثاني: هو أن فقهاء المالكية اعتادوا بناء الفقه على الأحاديث، والآثار، كما هي طريقة مالك في "الموطأ"، وقد سلك أسد في كتابه طريقة فقه خالص، مبني على صريح الاجتهاد 42. ولذلك عزف الناس عن كتابه.
    فلما هذب سحنون "المدونة" وأرجعها إلى المنهج المألوف عند المالكية، وذلك لاحتجاجه لمسائلها بالأحاديث والآثار اهتم الناس بها وتركوا غيرها.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 70

المبحث الثاني: خدمة المدونة قبل القاضي عياض

الذين تناولوا "المدونة" بالشرح والتعليق والاختصار قبل القاضي عياض يعدون بالعشرات.

أولاً: الشراح:

1 - أبو القاسم اللبيدي: المتوفى 400 هـ، وشرحه في مائتي جزء كبار في مسائل "المدونة" وبسطها والتفريع عليها وزيادات الأمهات ونوادر الزيادات 43. 2 - أبو حفص عمر بن عبد النور، ابن الحكار: وشرحه في نحو ثلاثمائة جزء 44. 3 - خلف بن بهلول البريلي: المتوفى 444 هـ، جمع فيه أقوال أصحاب مالك، وهو كثير الفائدة، وكان أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه (شيخ القاضي عياض) يقول: من أراد أن يكون فقيهاً من ليلته فعليه بكتاب البريلي 45.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 71

4 - محمَّد بن يحيى بن لبابة: المتوفى 330 هـ في كتابه "المنتخبة"، وهي على مقاصد الشرح لمسائل "المدونة"، قال فيه ابن حزم: ما رأيت لمالكي أنبل منه في جمع روايات المذهب وتأليفها وشرح مستغلقها وتفريع وجوهها (1). ويمكن أن يدرج في الشروح بعض المؤلفات التي قد تبدو مستقلة مثل: جامع ابن يونس وتبصرة اللخمي ومقدمات ابن رشد.
ويذكر هنا أيضاً مشروعان لشرح "المدونة" لم يتما، أولهما: للقاضي عبد الوهاب البغدادي (2)، وثانيهما: للقاضي أبي الوليد الباجي (3).

ثانياً: الشروح الجزئية:

من المؤلفين من عالج مسائل "المدونة" جزئياً، واكتفى بتحليل وبيان جوانب الغموض فيها، وفي هذا تدخل المؤلفات المسماة بالتعاليق والنكت، ومنها: 1 - تعاليق أبي إسحاق التونسي إبراهيم بن حسن بن إسحاق، وهي مستعملة متنافس فيها 49. 2 - تعليق، تتمة لتعاليق أبي إسحاق التونسي لكل من عبد الحميد الصائغ 50 وأبي عبد الله بن سعدون 51. 3 - تعليق أبي القاسم بن محرز المسمى: "التبصرة" 52.464748

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 72

4 - ويذكر هنا تعليق أبي الطيب عبد المنعم بن إبراهيم ابن بنت خلدون (1)، وتعليق عثمان بن مالك (2)، ونكت عبد الحق الصقلي (3)، وأبي القاسم السيوري (4) وغيرهم.

ثالثاً: المختصرون:

من المالكية من اختصر كتاب "المدونة" تقريباً للفظها، وهؤلاء كثيرون لا حاجة للتمثيل لهم، إذ الاختصار لا يدخل في مجال كتاب القاضي عياض، على أنه تنبغي الإشارة إلى بعض المختصرات التي هي في الوقت ذاته نوع من الشروح لما يضيفه أصحابها من نصوص خارج "المدونة" أو يؤولونها حسب أفهامهم واختياراتهم، أو يتصرفون في بناء "المدونة" وصناعتها التأليفية، وأهم هذه النماذج اثنان: 1 - مختصر ابن أبي زيد القيرواني، ولنتأمل فقط في هذه التراجم التي عقدها:

  • مختصر الجراح والديات والعقول والقسامة من المختلطة ومن المجموعة ومن غيرهما من قول ابن القاسم وروايته، غير مميز ما فيه من المختلطة، وفيه قول غيره وروايته، كل ذلك من غير المختلطة 57.
  • اختصار كتب الحج من المختلطة مما دخل من بعضها في بعض وبما دخل من غيرها فيها 58.
  • مختصر الفرائض من غير "المدونة" من قول مالك في "الموطأ" وغيره.
    5953545556

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 73

وقال في آخر كتاب "الشفعة": "وقد نقلت مسائل يسيرة من كتاب "الشفعة" إلى "البيوع" وإلى "الاستحقاق" وإلى "الحوالة" و"الأحباس" و"الأقضية" و"الشهادات"." (1). ولعل هذا ما جعل الناس يميلون إلى مختصر البراذعي - وهو تلميذ ابن أبي زيد - لخلوه من الزيادات (2)، ولعله أيضاً ما حمل أبا عبد الله بن الطلاع أن يخرج زوائده (3) ويؤلفه على الولاء (4). 2 - أبو عبد الله بن أبي زمنين في كتابه المقرَّب "في اختصار "المدونة وشرح مشكلها والتفقه في نكت منها، ليس في مختصراتها مثله باتفاق" (5). وأعاد ترتيبه على الولاء كذلك أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي شيخ القاضي عياض (6).

رابعاً: ضبط الألفاظ وشرح المصطلحات:

وأخيراً فإن من اهتمام المالكية التأليف خاصة في ضبط وتحليل ألفاظ "المدونة" وشرح غريبها ومصطلحاتها، ومن ذلك: 1 - تفسير "غريب المدونة" لمنذر بن سعيد البلوطي القاضي الظاهري، نقل عنه المؤلف في "التنبيهات"، وأبو الحسن الصغير في التقييد، والرهوني في حاشيته 66 ...606162636465

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 74

2 - جزء في ضبط ألفاظ "المدونة" لعبد الحق الصقلي 67. بل في المالكية أيضاً من عمل على إعادة ترتيب مادة "المدونة" وتخليصها من الاختلاط الذي يشوبها وما زال، بالرغم من جهود سحنون في تهذيبها وترتيبها، ولذلك تسمى أيضاً: بـ "المختلطة" 68 ... وبالرغم من هذه الجهود المتضافرة التي أنجز معظمها في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فإن الإشكال لم يحل، وإن واقع المتفقهة والشيوخ مع "المدونة" ظل بحاجة إلى إعادة تصحيح، ومن يقرأ مقدمة القاضي عياض للتنبيهات يتأكد من هذا، وما ذلك إلا لأن الأمر لم يؤت من بابه ولم يوكل لأربابه.
أما أنه لم يؤت من بابه، فلأن الكتاب بحاجة إلى معالجة بمنهجية غير منهجية الشراح والمحشين والمعلقين الذين حاولوا أن يشرحوا روايات "المدونة" بروايات الأمهات الأخرى، ويحللوا ألفاظها تحليلاً لغوياً، ويستنبطوا منها من منطوقاتها ومفهوماتها وكأنها ألفاظ الشارع ... وأما أن المهمة لم يقم بها أهلها، فلأن "المدونة" روايات وسماعات، وآراء واجتهادات، ولغات ومصطلحات، وهي أم مذهب له أصوله وقواعده، بعضها في "المدونة" وبعضها خارج "المدونة".
ولتمثيل وتحليل وتركيب هذه المنظومة يحتاج إلى عالم موسوعي؛ فقيه ومحدث ولغوي ومقاصدي، ومن يوازن بين موسوعية عياض وتكوين أغلب الفقهاء المؤلفين قبله يجده مؤهلاً لهذا.
وقد عبر أحد العلماء عن هذه الحقيقة موازناً بين المنهجين القروي الأندلسي في تناول "المدونة" وبين منهج مالكية العراق المتأثرين بمناهج المذاهب الفقهية السائدة هناك، فقال:

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 75

"وقد كان للقدماء رضي الله عنهم في تدريس "المدونة" اصطلاحان: اصطلاح عراقي واصطلاح قروي؛ فأهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل "المدونة" كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين.
وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار وترتيب أساليب الأخبار وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق عوامل الإعراب أو خالفها ... ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللطيفة المنزع، واللخمي في تبصرته البارعة الختام والمطلع، إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين من شيوخ الإفريقيين.
وقد سلك القاضي عياض في تنبيهاته مسلكاً جمع فيه بين الطريقتين والمذهبين، وذلك لقوة عارضته" 69. ونص القاضي أبو بكر بن العربي على تباين المنهجين في قوله: "قرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل" 70.

خدمة المدونة بسبتة: هذا الفرش يقصد إلى بيان حضور الدرس الفقهي بوساطة "المدونة" ببلد القاضي عياض سبتة قبيل زمنه وأثناءه حسب ما توفره المصادر، وهو

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 76

كاف في تقريب الصورة ودلالتها على تبوئ "المدونة" عالي المراتب وصدور المجالس العلمية؛ فمن الفقهاء الذين درسوها بموطن القاضي عياض: 1 - مروان بن عبد الملك اللواتي المتوفى 491 هـ، وسمع منه خالا عياض المتقدم ذكرهما 71. 2 - محمَّد بن خلف بن العاصي 72. 3 - القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي السبتي: المتوفى 520 هـ، شيخ القاضي عياض؛ قال عنه ابن حمادة في مختصره "للمدارك": شاهدته في المناظرة في "المدونة" يلقي الكتاب تحت كتبه 73، ويلقي من صدره 74. 4 - عبد الله بن إبراهيم بن جماح: قال عنه ابن حمادة: آخر ندرات سبتة، بل ندرات المغرب، استخلفه أبو الوليد الباجي على إلقاء "المدونة" في مجلسه عند سفرة سافرها، فتعجب أهل دانية من حفظه 75. 5 - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الرحمن بن العجوز، قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس "المدونة" وغيرها فما رأيت أحسن منه احتجاجاً ولا أبين منه توجيهاً 76. ويمكن الحديث في سبتة عن جيل من طلبة "المدونة" ممن أخذوا وتأثروا بمنهج أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي أحد أكبر شيخي القاضي عياض في رواية "المدونة" منهم: 6 - ابنه عبد الله بن محمَّد بن عيسى: قال عنه ابن حمادة: حضرت

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 77

مجلسه فما رأيت مثله في تتبع ألفاظ "المدونة" واستخراج الخلاف من آثارها وفهم معانيها وإيقاع الخلاف موقعه 77. 7 - أبو بكر بن حجاج بن صالح: قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس البراذعي عرضاً، فما رأيت أقوم منه عليه ولا أكثر استخراجاً للخلاف من ألفاظ "المدونة".
8 - أبو علي بن سهل الخشني: من أصحاب ابن عيسى، قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان مجلسه من أحسن المجالس وأوعبها لخلاف المذهب وجمع ما وقع في "المدونة" من أقوال ابن القاسم وغيره، وتكلم عليها فيما اتفقا واختلفا بكلام دقيق حسن المعنى 78. 9 - أبو عبد الله محمَّد بن قاسم - من أصحاب ابن عيسى -: قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان ذهب في تدريسها مذهب شيخه أبي عبد الله بن عيسى في إلقاء النظائر للمسائل من كل كتاب من "المدونة" 79. والقاضي عياض أحد من لازم أبا عبد الله بن عيسى كثيراً للمناظرة في "المدونة" 80، قال: ناظرت في جميعها عليه مناظرات عدة، وقرأت عليه الكثير منها رواية وضبطاً 81. 10 - كما أنه ناظر فيها مدة طويلة على شيخه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي 82.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 78

11 - وناظر فيها أيضاً على شيخه القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري 83. 12 - وناظر فيها على شيخه القاضي أبى محمَّد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن منصور اللخمي 84.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 79

المبحث الثالث: روايات المدونة وأسانيدها

يصعب التكهن بأعداد طلبة العلم الدارسين "للمدونة" الراوين لها عن سحنون، ويتحدث المؤرخون عن أفواج الطلبة القاصدين أو العابرين يبتغون رواية الكتاب، كما يذكرون في تراجم بعض الطلبة أنه حضر عرضتي "المدونة" أو عرضاتها 85، ومن أهل الأندلس بالذات نجد مجموعات وأسماء معروفة؛ يذكر عيسى بن مسكين: أن قوماً من الأندلسيين قد كتبوا "المدونة" وأرادوا أن يسمعوها من سحنون 86 ... ويذكر إبراهيم بن محمَّد بن باز أحد أشهر رواة "المدونة" عن سحنون بعد أن حكى واقعة بينه وبين سحنون أغضبت الشيخ فقال: يا أهل الأندلس، ما تبالون عمن تأخذون دينكم! قم، والله لا قرأت لكم حرفاً! فقمنا، فلما كان بعد أيام لم نشعر إلا وسحنون واقف على بيتي عليه فرو وبيده عصا، فقال: السلام عليكم، أي شيء تكتب؟ فرددت عليه السلام وقلت له: أكتب كتاباً من "المدونة".
فقال لي: يا أهل الأندلس، أنا أحبكم لأنكم قوم سنة وخير، ثم مضى.
فجئنا يوماً ثانياً وكنت أنا القارئ عليه 87 ...

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 80

وهذه هي روايات الكتاب الواردة في المصادر والفهارس والأسانيد المختلفة: فروايات القرويين رواية يحيى بن عمر 88، وأحمد بن داود 89، وجبلة بن حمود الصدفي 90، وسعيد بن إسحاق الكلبي 91، وإبراهيم بن داود بن رقيق 92، وعيسى بن مسكين 93. وروايات الأندلسيين: رواية ابن وضاح 94، وإبراهيم بن باز 95، وإبراهيم بن هلال 96، والعتبي 97، وعثمان بن أيوب 98، وحمدون بن عيسى 99، وأحمد بن سليم القروي 100، ومحمد بن مروان بن خطاب وابنيه خطاب وعميرة 101، وهم آل ابن أبي جمرة 102.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 81

وفي كتاب "التنبيهات" نقول عن روايات لأصحاب سحنون يغلب على الظن أنهم رووا "المدونة" أيضاً.
ويرد في المصادر أيضاً أسانيد "للمدونة" لا تنتهي إلى الرواة عن سحنون (1). أما أسانيد المؤلف في "المدونة"، فكما قال في مقدمة "التنبيهات": "هي من طريق النقل والرواية كثيرة"، وهذا هو الظن بمن نصب نفسه لمعاناة قضايا الكتاب.
ومر بنا قبل هذا أربعة من شيوخه في "المدونة" بسبتة، ولا نجد لثلاثة منهم ذكرا في الأسانيد الواردة في "التنبيهات" ولا في "الغنية".
ومراعاة للتنويع، والاستقصاء كذلك، نذكر رواياته الأندلسية والقروية.

أولاً: الروايات الأندلسية:

1 - رواية ابن وضاح: أ - قال المؤلف: " ... قرأت بلفظي، وسمعت بقراءة غيري، جميع الكتب "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة - حرسها الله - على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن عتاب رحمه الله سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق.
وحدثني بجميع ذلك عن أبيه عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم عن أحمد بن خالد عن محمَّد بن وضاح وإبراهيم بن محمَّد بن باز وإبراهيم بن قاسم بن هلال، عن سحنون بن سعيد التنوخي".
ب - قال المؤلف: "قال القاضي أبو عبد الله بن عيسى: ونا بها أيضاً الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج - مولى ابن الطلاع - قال: نا أبو علي الحسن بن أيوب الحداد عن محمَّد بن عبيدون عن محمَّد بن وضاح عن103

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 82

أبي سعيد - سحنون بن سعيد - التنوخي عن أبي عبد الله - عبد الرحمن بن القاسم - العتقي".
2 - رواية ابن باز: يرويها المؤلف بالسند الأول ذاته الذي رواها به عن ابن وضاح (1). 3 - رواية ابن هلال كذلك يرويها بالسند نفسه (2).

ثانياً: الروايات القروية:

1 - رواية أحمد بن داود: قال المؤلف: "وقرأت الكثير منها، على جهة التقييد والسماع أيضاً، بسبتة - حرسها الله - على الفقيه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي رحمه الله في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل عن أبي محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أبي الحسن علي بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون" 106. هكذا أورد المؤلف هذا السند في "التنبيهات"، غير أنه استثنى في "الغنية" فقال: "إلا كتابي الوصايا وجنايات العبيد، فإن ابن مسرور إنما يرويهما عن سعيد بن إسحاق عن سحنون" 107. 2 - رواية يحيى بن عمر: يرويها المؤلف بالسند السابق إلى الأصيلي، قال: "نا بها أيضاً أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر وأحمد بن داود عن سحنون" 108.104105

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 83

ولأن دراسة هذه الأسانيد هنا قد يكون تكراراً لما سيأتي في النص المحقق، فأرى اقتضاب شهادات تقدر روايات هؤلاء الأعلام وضبطهم لكتبهم.
وناهيك بابن وضاح المحدِّث الناقد الذي عليه معول أهل الأندلس في الحديث، وعليه عول المؤلف أيضاً فيما طرح سحنون وأثبت في "المدونة".
ومما يدلّ على أهمية نسخته ما ذكر ابن الفرضي في ترجمة وهب بن مسرة أنه: "استقدم إلى قرطبة وأخرجت إليه أصول ابن وضاح التي سمع فيها 109، وقرئ عليه "المدونة" ... " 110. وقد عورضت نسخة ابن عتاب - شيخ القاضي عياض - على هذا الأصل كما صرح به المؤلف في "التنبيهات".
أما إبراهيم بن باز فيشهد له تلميذه أحمد بن خالد بقوله: "كان من أهل التحفظ بكتبه والضبط والتحري فيها، يرُد الواو فيها والألف، ولولاه ما صحت لنا كتب الرأي، ولم يضبط أحد الرأي ضبطه، وكان ابن وضاح أضبط للحديث، وأبو إسحاق (يعني: ابن باز) للرأي، وليست تصح رواية يحيى بن يحيى في "الموطأ" إلا من رواية إبراهيم بن محمَّد، فإنه تحرى كتاب يحيى بن يحيى حرفاً حرفاً ... وكان من أحفظ الناس "للمدونة" وأضبطهم لها" 111. وإذا اجتمعت روايات ابن وضاح وابن باز وابن هلال لتلميذهم أحمد بن خالد بن الجباب المحدِّث الفقيه الضابط المتقن 112، تيقنا مدى الثقة بهذه الروايات وسلامتها.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 84

أما أحمد بن أبي سليمان القروي فقد صحب سحنون عشرين سنة، وكان يصبر على السماع، أسمع الناس عشرين سنة، وكان يقول: أنا حبس، وكتبي حبس 113، وإن كان ابن حارث قد طعن فيه 114. وأما يحيى بن عمر فقال عنه ابن حارث: "رحل إليه الناس ولا يروون "المدونة" و"الموطأ" إلا عنه، وكان ضابطاً لما روى، عالماً بكتبه، متفنناً شديد التصحيح لها" 115. والملاحظ أن المؤلف - وهو يسرد أسانيده - قدم روايات الأندلسيين على روايات الإفريقيين، وقدم رواية شيخه الأندلسي ابن عتاب - وإنما سمعها منه سنة 507 هـ - على رواية شيخه وبلديه ابن عيسى - وكان قد سمعها وناظر بها قبل سنة 497 هـ وفي أثنائها وفيما بعدها.
وأغلب رجال هذه الأسانيد بما فيها أسانيد الروايات القروية أندلسيون أيضاً.
هذه بعض أسانيد القاضي عياض المعروفة، ويمكن لقارئ "التنبيهات" أن يتأكد من روايته وأخذه لها عن شيوخ آخرين، ويتأكد أكثر من ذلك من اطلاع المؤلف على نسخ كثيرة لم يشد المؤلف رحاله إلى الأندلس منتصف جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة 116 إلا لاستكمال الرواية ومزيد من المقابلة والتصحيح والإسناد، وإلا فقد روى وناظر وتفقه في "المدونة" على يد شيوخه السبتيين كما سبق.
وكأن هذه الرحلة والرغبة من القاضي عياض قضية أهل المغرب ودولته، حتى إن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين كتب إلى قاضيه بقرطبة أبي عبد الله بن حمدين: بأن أبا الفضل "ممن له حظ في العلم حظ نبيه ووجه ووجيه، وعنده دواوين أغفال لم يفتح لها

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 85

على الشيوخ أقفال، وقصد تلكم الحضرة ليقيم أود متونها ... " 117.

أسانيد القاضي عياض إلى المدونة: اعتنى عياض رحمه الله بذكر أسانيده إلى جميع العلوم التي يبثها، ويقوم بنشرها، وتدريسها لطلبته، وعيا منه بأن الإسناد ركن من أركان الدين.
فذكر أسانيده إلى كل العلوم التي أخذها عن شيوخه في كتابه "الغنية".
ولم يقتصر ذكره لهذه الكتب على سند واحد بل روى كل كتاب من هذه الكتب بأسانيد كثيرة، وما "المدونة" إلا جزء يسير من العلوم التي أخذها بهذه الطريقة.
ولما أراد أن يؤلف كتابه "التنبيهات" على "المدونة" قام أولاً بعرض الأسانيد التي أخذ بها "المدونة" فقال في مقدمة الكتاب: ذكر أسانيدنا في هذا الكتاب التي حملناها بها، وأداها لنا شيوخنا إلى مؤلفها، رحم الله جميعهم، وهي من طريق النقل والرواية كثيرة، واقتصرت منها هنا على ما أذكره، فقرأت بلفظي وسمعت بقراءة غيري، جميع كتب "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة حرسها الله على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن عتاب رحمه الله سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق، وحدثني بجميع ذلك عن أبي بكر عبد الرحمن 118 بن أحمد التجيبي عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم عن

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 86

أحمد بن خالد عن محمَّد بن وضاح وإبراهيم بن محمَّد بن أبان وإبراهيم بن القاسم بن هلال عن سحنون بن سعيد التنوخي.
قال أبو عبد الله بن عتاب: وحدثني به أيضاً أبو القاسم خلف بن يحيى الفهري عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج عن أحمد بن خالد.
قال خلف بن يحيى: وحدثنا بها أيضاً أبو محمَّد بن أبي العطاف، عبد الله بن يوسف، عن ابن وضاح عن سحنون.
قال المؤلف رحمه الله: وقرأت الكثير منها على جهة التقييد والسماع أيضاً بسبتة حرسها الله على الفقيه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي رحمه الله في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها، وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل عن أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أبي الحسن علي بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون.
قال الأصيلي: وحدثنا بها أيضاً أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر وأحمد بن داود عن سحنون.
قال القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عيسى: وحدثنا أيضاً بها الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج مولى ابن الطلاع قال: حدثنا أبو علي الحسين بن أيوب الحداد عن محمَّد بن عبيدون عن محمَّد بن وضاح عن أبي سعيد سحنون بن سعيد التنوخي عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي.
من خلال هذه المقدمة يمكن استخلاص الأسانيد الآتية:

أ - أسانيده عن ابن وضاح 119:

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 87

السند الأول: أبو محمَّد عبد الرحمن بن عتاب 120 عن أبيه 121 عن أبي بكر بن عبد الرحمن 122 التجيبي 123 عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم 124 عن أحمد بن خالد 125 عن ابن وضاح عن سحنون.
وبهذا السند كذلك أخذ = وإبراهيم بن المنذر، وسحنون بن سعيد، والصمادحي، وغيرهم.
وأخذ عنه أحمد خالد، ومحمد بن لبابة، توفي سنة 286 هـ. المدارك: 4/ 435 - 440. سير أعلام النبلاء: 13/ 445، المعين في طبقات المحدثين: ص: 104، طبقات الحفاظ: ص: 287، طبقات الفقهاء: ص: 165، الديباج: ص: 239.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 88

عن أحمد بن خالد روايتي إبراهيم بن محمَّد بن باز وإبراهيم بن قاسم بن هلال 126 عن سحنون 127. السند الثاني: أبو عبد الرحمن بن عتاب عن أبيه عن أبي القاسم خلف بن يحيى الفهري الطليطلي عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج 128 عن أحمد بن خالد عن ابن وضاح 129 عن سحنون.
السند الثالث: أبو عبد الرحمن بن عتاب عن أبيه عن أبي القاسم خلف بن يحيى الفهري 130 عن أبي محمَّد بن أبي العطاف عبد الله بن يوسف 131 عن ابن وضاح عن سحنون.
وهذه أسانيده إلى ابن وضاح أخذها بقرطبة، وله سند رابع إلى ابن وضاح أخذه بسبتة وهو الرابع.
السند الرابع: أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي 132 عن محمَّد بن

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 89

الفرج مولى ابن الطلاع 133 عن أبي علي الحسن بن أيوب الحداد 134 عن محمَّد بن عبيدون 135 عن ابن وضاح عن سحنون 136.

ب - سنده إلى رواية أحمد بن داود 137: أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي عن محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل 138 عن أبي محمَّد عبد الله بن

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 90

إبراهيم الأصيلي 139 عن أبي الحسن علي بن مسرور الدباغ 140 عن أحمد بن داود عن سحنون 141 أشار عياض إلى بعض كتب "المدونة" التي لم يأخذها بهذا السند فقال: وحدثنا بها أيضاً رحمه الله - وهو يقصد محمَّد بن عيسى التميمي - عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط عن الفقيه أبي الوليد بن ميقل، عن أبي محمَّد الأصيلي، عن أبي الحسن بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون، إلا كتابي "الوصايا" و"جنايات العبيد"، فإن ابن مسرور إنما يرويهما عن سعيد بن إسحاق 142 عن سحنون 143.

ج - سنده إلى رواية يحيى بن عمر 144: = مات في شوال سنة ست وثلاثين وأربع مئة بمرسية ودفن في قبلة جامعها وله أربع وسبعون سنة.
سير أعلام النبلاء ج: 17 ص: 586. الصلة: 2/ 527.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 91

أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي عن ابن المرابط 145 عن ابن ميقل عن الأصيلي أبي العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر 146 عن سحنون.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 92

المبحث الرابع: اختلاف نسخ المدونة (محاولة للتأريخ لنص المدونة)

مما يساعد على فهم مشكلات نص "المدونة" المتسم باختلاف الإلمام بالسياق التاريخي لهذا الكتاب، ثم ما نتج وتراكم من مشاكل بفعل هذا السياق.

أولاً: السياق التاريخي للمدونة:

الجدير بالذكر أن هذا الكتاب المهيمن على المذهب المالكي دوّن وصيغ على المنهج العراقي الحنفي لما قدم أسد بن الفرات القيرواني - تلميذ مالك ومحمدِ بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - بالفقه الحنفي، وطلب من ابن القاسم أن يجيبه عن فروعه إجابات مالكية، فأجابه إجابات من حفظه ومن اجتهاده 147، ثم دفع إليه سماعه من مالك وقال له: ربما أجبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه 148. وهكذا ألف أسد كتابه "الأسدية" في ستين كتاباً 149.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 93

فهكذا يمكن أن تبدأ بنية الكتاب في الاختلاف على يد أسد نفسه لوصاة ابن القاسم إياه بعد أن ناوله سماعه الحاوي لكل علمه عن مالك - وهو بشهادة أبي زرعة ثلاثمائة جلد - 150 وفيه عشرين كتاباً 151. ثم نذكر روايات أخرى أو نسخاً أخرى من "الأسدية" ليس في القيروان، لكنها امتدت إلى الأندلس وانتشرت في مصر؛ إذ ثبت أن أسد بن الفرات أجازها لأهل مصر، وأن مدار أهل مصر عليها 152، وأن الفقيه المصري أبا زيد بن أبي الغمر "هو راوية "الأسدية" والذي صححها على ابن القاسم بعد ابن الفرات" 153، وله ولفقيهين مصريين آخرين اختصار للكتاب، وهما: محمَّد بن عبد الحكم 154 والبرقي 155. بل إن القاضي عياضاً نقل عن مختصر ابن أبي الغمر في "التنبيهات" ووصفه في "المدارك" بأنه كتاب موعب حسن لطيف 156. أما الرواية الأندلسية للأسدية فكانت على يد عيسى بن دينار، وقد حضر لتدوين أسد إياها على ابن القاسم 157. وما كانت روايته ونسخته لتبقى على أصلها أيضاً، فإنه بعد أن بلغه تراجع ابن القاسم عن بعضها كتب إليه سائلاً أن يبين له ما رجع عنه، فأجابه: "قد قرأت كتابك وفهمته، فاعرض ما كتبت عني على عقلك وعلمك، فما رأيت منه صواباً فأمضه، وما أنكرته فدعه" 158. وكان من رواتها الأندلسيين المتأخرين: سبرة بن مذكر التميمي الألبيري: المتوفى 314 هـ، سمع من أبي إسحاق البرقي، وقُرئت عليه كتب

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 94

أسد بن الفرات؛ قال ابن الفرضي: ورأيت بعض الكتب المقروءة عليه في تاريخ 295 هـ 159. وممن رواها أيضاً محمَّد بن أحمد بن أبي الأصبغ الحراني: المعروف بابن أبي الأصبغ المتوفى 339 هـ، رواها عن أبي الزنباع روح بن الفرج 160. غير أن التغيير الكبير سيأتي على يد سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني تلميذ أسد بن الفرات الذي لاحظ مع غيره من فقهاء بلده بعض الخلل العلمي والمنهجي في الكتاب، فعزم على إعادة تصحيحه، وكان قد هم أن يرحل بها إلى ابن الماجشون 161. قال سحنون: كنت أختلف إلى أسد، فسألته عن بعض تلك الكتب فأبى علي، واحتلت على كَتْبها عن بعض من كتبها عنه، ثم قلت له: إن هذا لعجز أن يكون ابن القاسم بمصر وأحتاج إلى أسد! فرحلت إليه بتلك الكتب، ووقفته عليها وقلت له: إنها قد أخذت الدنيا وكتبت عنك وسارت في الأمصار، فالواجب عليك تصفحها.
فأخذ الكتب مني ونظر إليها وتصفحها، وضرب على كثير منها، وأبدل كثيراً، فلما تمت لي انصرفت إلى إفريقية وكتب معي إلى أسد يأمره أن يرد روايته إلى روايتي.
وأتيت إلى إفريقية والناس عند أسد، فأوصلت إليه كتاب ابن القاسم، فأبى من الرجوع عن روايته، ولم يزل الرجل والرجلان والثلاثة من أهل الطلب للعلم يأتونني ويكتبون عني حتى عرفوا فضلها على كتب أسد، ومالوا إلي وتركوا أسد بن الفرات 162. ولنلاحظ الفرق بين جواب ابن القاسم لعيسى بن دينار الذي كاتبه، فأجابه ووكله لاجتهاده، وبين رده على سحنون، ويبدو أن مكمن الفرق هو في تحمل سحنون متاعب الرحلة وشرح القضية وآثارها على مستقبل

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 95

الفقه المالكي بعد أن ذاع صيت الكتاب، وأيضاً لأن سحنون ليس وقته طالباً عادياً، قال ابن حارث: رحل سحنون إلى ابن القاسم، وقد تفقه في علم مالك فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم (1). ويكفي أن نقرأ مباحثاته ومناقشاته مع ابن القاسم في "المدونة".
فهل كان ابن القاسم فيما أعاد فيه النظر معتمداً على ما يرويه من سماعه من مالك؟ أم كان يجتهد من عنده؟ فإن كان يرجع إلى سماعه فقد كان لدى أسد نسخة من السماع، وقد أمره ابن القاسم بالرجوع إليه، وإن كان عن اجتهاد فإنه أجاز لعيسى بن دينار أن يعتمد اجتهاده وعقله في التمييز بين ما يوافق المذهب وما يخالفه.
هذا مع العلم أن هذه الفروع تتغير أحكامها من حين لآخر، وأن ابن القاسم نفسه أُثرت عنه روايات مختلفة كثيرة في الفرع الواحد (2).

ثانياً: المشكلات المنعكسة عن هذا السياق:

هكذا قام سحنون بدور حاسم في حل بعض غوامض كتاب "الأسدية" وأخرجه في حلة جديدة وفي اسم جديد هو كتاب "المدونة"، غير أن مشاكل الرواية التي نحن بصددها لم تحل، بل زادت وتعقدت! فعلى يد سحنون أعيد انتشار الكتاب في أوسع نطاق جغرافي، وتتالت رواياته واختلفت كما رأينا من قبل.
فمن الطلبة من روى الكتاب ونشره في الناس قبل أن يدخل عليه سحنون من عنده ما أدخله، مثل: محمَّد بن خالد بن163164

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 96

مرتنيل القرطبي 165، وأكثرهم رواه عنه بعد أن بدأ ينظر فيه نظراً آخر بالتهذيب والتبويب، وإضافة خلاف العلماء وآراء أصحاب مالك، وتذييل أبوابه بالأحاديث والآثار 166. غير أنه لم يتم مراجعة "المدونة" على هذا النهج كما قال القاضي عياض، بل "بقيت منها بقية لم ينظر فيها ذلك النظر إلى أن توفي، فبقيت على أصلها من تأليف أسد، فسميت: بالمختلطة لاختلاط مسائلها، وليفرق ما بينها وبين ما دون منها، وهي كتب معلومة" 167. إذا كانت هذه المشاكل تعود إلى ظروف تأليف الكتاب قبل تدوينه من قبل سحنون، فإن الراوي والقارئ له بعد هذا يصطدم بعقبات أخرى غامضة بحاجة إلى بيان.
أولاها: تدخل الإمام سحنون في نص "المدونة" وتصرفه فيه بأنواع من التصرف - مخالفاً قوانين الرواية وضوابطها في الاحتفاظ بأصل المروي - حتى يكاد يقال - بل قد قيل -: إن سحنون أحد مؤلفي الكتاب! وذلك بارز في هيكلة الكتاب وفي إعادة ترتيب مادته، وإضافة كثير من الأحاديث والآثار والآراء، وإسقاط مسائل وحروف، والإحالة على مواضيع أخرى من الكتاب.
ثم هو مستمر في هذا الإصلاح كلما بدا له ذلك.
وهذا ما يفهم من بعض الإشارات مثل ما ورد في ترجمة أحمد بن سليم القروي نزيل بجانة المتوفى 290 هـ: أنه قرأ على سحنون العرضتين جميعاً 168، وقول المؤلف في "التنبيهات": ذكروا أن سحنون كان يقرأها أحياناً، وأحياناً يتركها.
وقوله أيضاً عن ابن وضاح: قرأه لنا سحنون في بعض العرضات، وطرحه في أخرى.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 97

ولنر الآن بعض الأمثلة من تصرفات سحنون في الكتاب كما في "التنبيهات"، وهي كثيرة:

  • "وقول ابن نافع عن مالك: لا أرى بأساً أن يبارئ الخليفة عن الصغيرة إلى آخر المسألة، أنكرها سحنون، وأسقطها عند السماع، وهي ثابتة في روايتنا وكتب الأندلسيين ... ".
  • "ومسألة من أسلفني دراهم فاشتريت بها منه مكاني حنطة أو ثياباً ... وفي الأصل: أو إلى أجل.
    وهذا الحرف موقوف في كتاب "ابن عتاب".
    وقال أبو محمَّد: يريد: إلى أجل؛ كآجال السلم.
    وقال سحنون: هو حرف سوء، وأمر بطرحه! قال ابن وضاح: هو لأشهب.
    قال بعض شيوخنا: ومن قول أشهب أدخله سحنون، وهو يجيز ذلك، وليس لمالك.
    قال فضل (ابن سلمة): قرأه لنا يحيى (ابن عمر)، وما أرى سحنون طرحه إلا لأنه يرد عليه سلفه".
  • " ... قال سحنون: هذا غلط من قول ابن القاسم".
  • " ... قال ابن وضاح: هي لمالك، وطرح سحنون منها اسم مالك".
  • " ... قال سحنون: ليست هذه الرواية صحيحة عندنا".
    ولم يقف هذا التدخل في نصوص "المدونة" عند راويها ومصححها الإمام سحنون، بل تعداه إلى غيره، لا سيما من الرواة عنه كابن وضاح وابن باز، فكان بعضهم يزيد وينقص أو يقدم ويؤخر، وأمثلة هذا من التنبيهات:
  • "وقوله فيمن جهر فيما يسر فيه: اعليه سجدتا السهو؟ قال: نعم.
    كذا في جميع أمهات شيوخنا.
    وحكى ابن لبابة فيها زيادة: "بعد السلام".
    قال: وقد طرحت من غير رواية، لكنها إرادته، وكذا أدخلها غير واحد على التأويل، ومن المختصرين من أدخلها على النص".

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 98

  • "وألحق في آخر الكتاب في أصل ابن باز: زاد في "الأسدية" ... إلى آخر المسألة.
    قال إبراهيم: لم يدخلها سحنون في "المدونة"، أنا ألحقتها".
  • "وقعت في كتاب "الصوم" - في بعض النسخ - مسألة الصوم في كتاب "الرهون" من المختلطة فيمن نذر شهراً متتابعاً أنه يكتفي بتبييت أول ليلة منه، وكانت هذه المسألة في كتاب "ابن عتاب" بعد المسألة التي نبهنا عليها قبلها، وكتب عليها: ألحق هذه المسألة إبراهيم بن باز من كتاب "الرهون".".
  • " ... ولم تكن المسألتان عند ابن وضاح هنا، وصحتا هنا في كتاب "ابن عتاب" لابن باز، وهما صحيحتان في كتاب "الرهون"، ولعل ابن باز نقلهما منه إلى هنا كما فعل بمسائل من الصيام ... ". يضاف إلى هذا عدد لا يستهان به من التصحيحات والإصلاحات لابن وضاح في المضمون، وفي الرواية ورجال الحديث خاصة.
    ثانيتها: اختلاف روايات "المدونة" عن سحنون اختلافات شتى، بعضها في المضامين وبعضها في الأسانيد وأسماء الرواة، وبعضها في زيادة مسائل أو كلمات أو حروف أو نقصانها.
    وهذه الاختلافات أحياناً تكون فيما بين الروايات القروية مع الأندلسية، وأحياناً بين الروايات القروية في حد ذاتها، وكذا بين الأندلسية، مما يعقد طبيعة السبب وراء هذه الاختلافات هل هو راجع إلى تقدم تاريخ الرواية وتأخره؟ أو إلى ضبط الراوي وتصحيحه؟ أو إلى تدخله وإصلاحه؟ والنماذج من هذا القبيل مما عرضه القاضي عياض يعد بالعشرات، فمن ذلك:
  • "مسألة وقعت في بعض روايات "المدونة" في النسخ القروية، وليست في الروايات الأندلسية عندنا، ولم أروها ولا كانت في كتب شيوخنا، وقد ذكرها أبو بكر بن يونس وأبو محمَّد السوسي من "المدونة"، وكذلك نقلها ابن مغيث الطليطلي، وهي صحيحة في غير "المدونة"".
  • "وقول سحنون: وروى أشهب وابن نافع إلى آخر ما ذكر في

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 99

المسألة، ثابت عند شيوخنا، وقرأه ابن وضاح.
وفي حاشية كتاب "ابن سهل": ألحقه سحنون بالمدونة ولم يكن فيها أولاً، وكذلك حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد، وحديثه بعده عن رجال من أهل العلم، ومسألة ابن القاسم وابن وهب بعده التي ذكرنا ساقط ليحيى ولأحمد، وقرأه الدباغ".

  • "ومغيرة عن الحكم عن إبراهيم: أن رجلاً من أهل السواد.
    كذا في أصل كتابي عن شيوخي، وكذا لأحمد بن خالد في كتاب "ابن سهل"، وله في كتاب "ابن المرابط": عن الحكم عن إبراهيم.
    وكان عنده: معمر عن أبي الحكم، وأصلحه ابن خالد: مغيرة، وعند "ابن المرابط" للإبياني والقابسي: معمر عن أبي الحكم".
    ثالثتها: الخلل في البناء التركيبي للكتاب، وهذا لا يرجع إلى لغة الكتاب وحمولتها التشريعية أو إلى الركاكة الأسلوبية أو الأخطاء النحوية، فلغة "المدونة" سهلة سلسة، لكن طريقة إملائها أول مرة سبب في تسرب ألفاظ غير مقصودة، أو ربما غفل الكاتب أو طغى القلم وسبق، فكان أن أثرت هذه الأخطاء في المعنى، وحملت الكلام ما لا يقصد منه، ومثل هذا لا يساعد من أراد أن يتمسك بألفاظ الكتاب ويستنبط منها كما يستنبط من ألفاظ الشارع، وهي قضية ناقشها الفقهاء قديماً ... ومن أمثلة هذا:
  • "وقوله في منكس التيمم: إن صلى أجزأه، ويعيد التيمم لما يستقبل، قال بعض الشيوخ: هذا حرف مستغنى عنه، إذ لا بدّ من إعادته لكل صلاة، نكسه أو لا ... ".
  • " ... وافهم أن قوله: حتى يؤدى ويقبل، لفظ مكرر مستغنى عن بعضه، فإنه متى ودي فقد رضي وقبل".
  • " ... وغيره يقول: هو لفظ رمي به وجاء على غير تحصيل وقصد ... ".

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 100

  • "كان أبو محمَّد اللوبي يقول: لا حاجة لهذه اللفظة في هذا الموضع ... ". هذه أهم التحديات التي أورثها تناقل الكتاب وروايته، وبقيت تنتظر من يواجهها حتى تصدى لها القاضي عياض بعد أن استعد لذلك وأهله تعمقه في علوم الرواية والإسناد.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 101

المبحث الخامس: اختلاف نسخ المدونة المطبوعة

أ - طبعة دار السعادة

: كانت مطبعة السعادة بمصر، القاهرة، هي المطبعة الأولى التي كان لها شرف إخراج هذا الكتاب سنة 1323 هـ، وكان طبعها على يد حضرة الحاج محمَّد أفندي الساسي المغربي التونسي.
يقول الشيخ سليم البشري شيخ المالكية بمصر: بحمد الله تعالى قد اطلعنا على نسخة "المدونة" رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم عن عالم المدينة: الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله تعالى عنه، التي استحضرها من المغرب الأقصى، وطبع عليها بنفقته حضرة الحاج محمَّد أفندي الساسي المغربي التونسي الشهير، فإذاً هي مظنة الصحة، والضبط، جديرة بالاعتماد عليها، والركون في إجراء الطبع والتصحيح إليها، دون سواها لقدم عهد كتابتها، وكثرة تداولها بأيدي علماء المالكية المتقدمين، ولما على هوامشها من التقارير والفوائد لبعض أكابر المالكية، كالقاضي عياض، وابن رشد، وغيرهما من الأئمة الأعلام المتقدمين، وهي مكتوبة في رق غزال بخط مغربي واضح، كتبها عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي في أجزاء كثيرة جداً، وتاريخ كتابتها سنة 476 هـ 169، وقد شهد

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 102

على طبع هذه النسخة مجموعة من العلماء الذين أشرفوا على عملية طبعها (1). وقد طبعت في ثمان مجلدات تضم ستة عشر جزءاً.

ب - طبعة دار صادر

: هذه الطبعة مصورة عن طبعة دار السعادة إلا أنها خالية من السنة التي وقع فيها تجديد هذه الطبعة، لكن تحمل كل المواصفات التي كانت على طبعة دار السعادة، من تاريخ الطبع، إلى الذي تحفظ له حقوق الطبع، إلى الهوامش، وإلى شهادة العلماء على صحتها.
وتتكون هذه النسخة من ستة مجلدات، تضم ستة عشر جزءاً.

ج - طبعة المكتبة الخيرية - القاهرة مصر -

: طبعت "المدونة" في هذه المطبعة سنة 1324 هـ، وتقع في أربعة مجلدات لكنها خالية من ذكر النسخة التي اعتمدت في طبعها، وقد صدرت بكتاب تزيين الممالك بمناقب مالك، للعلامة جلال الدين السيوطي، وبذيله كتاب مناقب مالك للشيخ الزواوي، وبهامش نسخة "المدونة" المقدمات الممهدات لابن رشد.

د - طبعة دار الفكر - بيروت لبنان - سنة 1398 هـ / 1978 م

: وهذه الطبعة مصورة عن طبعة المكتبة الخيرية وهي في أربعة مجلدات.

هـ - طبعة المكتبة العصرية، صيدا - بيروت

: ظهرت هذه الطبعة سنة 1419 هـ، موافق 1999 م، وكان الذي تولى نشرها مكتبة نزار مصطفى الباز، وهي أول نسخة محققة من نسخ "المدونة"، وقد حققها حمدي الدمرداش محمَّد، وهي جيدة في مظهرها، إلا أنها رديئة في مخبرها، لم تف بالمقصود رغم ما صرف فيها من مجهود, لأن تحقيق كتاب كهذا يصعب أن يقوم به إنسان واحد, لأنه قد170

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 103

يمل، وقد يصعب عليه أن يعود إلى قراءة ما كتب، المرّة بعد الأخرى، ليتأكد من ذلك، وليقوم بتصحيح ما يمكن أن يكون قد أخطأ فيه.
وهذا ما وقع للمحقق، فقد ذكر من بين من اختصر "المدونة" أبا محمَّد بن أبي زيد النضري 171، والصواب: النفزي.
وقال في الزرويلي: الزويلي 172. وخصص عنوانا لسحنون وابن القاسم وأشهب قال فيه: ترجمة الإمام سحنون، والإمام ابن القاسم، والإمام أشهب.
فتحدث تحت هذا العنوان عن سحنون وحده، وترك الباقيين، وتحدث بعد سحنون عن أسد بن الفرات وهو غير مذكور في العنوان.
أما فيما يتعلق بعملية التحقيق فالمقابلة بين النسختين منعدمة في الهامش، فليس في الهامش إلا تخريج الآيات أو الأحاديث.
وقد يشير في بعض الأحيان إلى ما أضافه من نقص إذا كان في هذه النسخة أو تلك، وقد يضعه بين معقوفين، وهذه مشكلة لا يمكن أن تحل بالمقابلة, لأن النقص هو نقص في الرواية من أصلها، فيجب أن تحتفظ كل نسخة بما وجد فيها في أصلها، وإذا كان بينهما اختلاف يثبت في الهامش، وتبقى النسخة سالمة، ويستثنى من هذا الرأي الأغلاط التي يظهر بأنها أخطاء مطبعية.
ولم يشر في الهامش إلى الفروقات الكثيرة الموجودة بين النسختين اللتين اعتمد عليهما.
وتتكون هذه الطبعة من تسعة مجلدات.

  • نماذج من اختلاف نسخ "المدونة":

أ - الاختلاف في التراجم: سأقتصر على عرض بعض النماذج في الأجزاء الأخيرة من "المدونة" ولن أتطرق إلى الاختلاف الذي ذكره عياض.
وسأشير إلى نسخة دار صادر بحرف الصاد، وإلى نسخة دار الفكر بحرف الكاف.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 104

  • في ك: في أكل المسافر من الثمرة إذا طابت 4/ 4، وهو ساقط من ص.
  • في ص: جداد النخل وحصاد زرع المساقاة 5/ 6، وهو ساقط من ك.
  • في ك: مساقاة الثمر الذي لم يبدو صلاحه 4/ 5، وهو ساقط من ص.
  • في ك: ما جاء في مساقاة الذي قد بدا صلاحه وحل بيعه.
    4/ 5، وهو ساقط من ص.
  • في ك: مساقاة الأرض سنين على أن يغرسها ويقوم عليها.
    4/ 8، وهو ساقط من ص، كما سقط منها: في المساقاة سنين.
  • في ص: النخل يكون بين الرجلين يساقي أحدهما الآخر ومساقاة الوصي والمديان والمريض.
    5/ 16. ضم هذا العنوان في دار الفكر التراجم الآتية:
  • ما جاء في النخل يكون بين الرجلين فيساقي أحدهما الآخر.
  • مساقاة حائط الأيتام.
  • مساقاة المأذون له في التجارة.
  • مساقاة نخل المديان.
  • مساقاة نخل المريض.
  • مساقاة الرجلين.
  • في ص: في الرجل يشتري أصول النخل وفيها ثمر فتصيبها جائحة.
    5/ 34. الرجل يشتري الزرع على أن يحصده ثم يشتري الأرض بعد ذلك.
    5/ 35. هاتان الترجمتان سقطتا من ك.
  • في ك: في الذي يأمره السلطان ببيع الرهن يقول: قد قضيت

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 105

المرتهن حقه، ويقول المرتهن: لم أقبض شيئاً.
4/ 157، هذه الترجمة ساقطة من دار صادر.
وأكتفي بهذه النماذج من الاختلاف في التراجم، وهي كثيرة لا يخلو منها كتاب من كتب "المدونة"، وإنما سقنا هذا القدر للاستدلال على الاختلاف الواقع بين النسخ المطبوعة.
وقد يطرح هذا الاختلاف السؤال الآتي، وهو: هل هذه التراجم من وضع سحنون؟ أو من وضع تلامذته؟ مع انعدام التفاصيل الدقيقة للمراحل التي مر منها تأليف "المدونة" إلى أن وصلت إلى وضعها الحالي، لا يمكن إلا أن نقول: بأن هذه التراجم منها: ما كان من وضع سحنون، ومنها: ما هو من وضع تلامذته، لأن فيها تراجم تتفق عليها النسخ، وتراجم وقع فيها اختلاف، وقد تكون هذه الأخيرة من عمل التلاميذ.

ب - الاختلاف في النص بالزيادة أو النقصان:

  • في ك: في الذي يقارض عبده أو أجيره، قلت: أرأيت إن استأجرت أجيراً للخدمة فدفعت إليه مالاً قراضاً أيجوز ذلك؟ قال: قد أخبرتك أن مالكاً قال: لا بأس أن يدفع الرجل إلى عبده مالاً قراضاً، فإن كان الأجير مثل العبد فذلك جائز 4/ 56 - 57. هنا انتهت المسألة في دار الفكر.
    وفي دار صادر: 5/ 107: زيادة: قال سحنون: ليس الأجير مثل العبد ويدخله في الأجير فسخ دين في دين.
  • في ص: في المقارض يشترط على رب القراض غلاماً بعينه قال في آخر الترجمة: قال: يصلح، وقد قال الليث مثل قول مالك في اشتراط العامل على رب المال الغلام بعينه: أنه لا بأس به.
    5/ 111، هنا تمت المسألة في ص. وفي ك: زيادة: قال سحنون: وقال غيره: أحب إلي أن لا يشترط

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 106

شيئاً وأن يكون القراض على سنته، فإن وقع جاز 4/ 59.

  • في ك: في شهادة النساء في قتل الخطإ: قال سحنون: وكذلك تجوز شهادتهن على الاستهلال إذا بقي بدن الصبي وشهد العدول أنهم رأوه ميتاً لأن الاستهلال لا يبقى والبدن يبقى فيرى، ابن وهب: وكذلك قال ربيعة، وكذلك الشاهد الواحد شهد على رجل بالقتل لا يجوز إلا أن يكون البدن قائماً، وكذلك شهادة الصبيان إنما تجوز في القتل إذا رئي البدن، وشهد العدول أنهم رأوا بدن الصبي.
    4/ 83. هنا تمت مسائل الترجمة.
  • في ص: في نفس الترجمة: قال سحنون: وكذلك تجوز شهادتهن على الاستهلال إذا بقي بدن الصبي وشهد العدول أنهم رأوه ميتاً لأن الاستهلال لا يبقى والبدن يبقى فيرى، وكذلك قال ربيعة في الاستهلال.
    قلت: أرأيت شهادة النساء في الجراحات الخطأ أجائزة في قول مالك؟ قال: نعم.
    5/ 161. هنا تمت مسائل هذه الترجمة مع ما بين النسختين من الاختلاف في الزيادة والنقصان.
  • في ك: في آخر ترجمة: الرجل يدير قبل الرجل حقاً بغير شاهد.
    ساق سحنون في آخر هذا الباب حديثاً ثم قال في آخره: من حديث ابن وهب.
    4/ 91.
  • وفي ص: 5/ 175. قال: من حديث ابن مهدي، وبينهما ما بينهما.
  • في ك: في المفلس يقر بالدين لرجل، في آخر الترجمة: وكان ابن أبي سلمة يقول بقول مالك الأول، وقول مالك الأول إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه ولا يرهنه.
    4/ 118.
  • وفي ص: في نفس الترجمة: وكان ابن أبي سلمة يقول: هو قول مالك الأول، إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه أو يرهنه.
    5/ 229. بين النصين اختلاف واضح.
  • في ك: في آخر ترجمة الرجل يطلب قبل الرجل حقاً فيطلب منه

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 107

حميلاً بالخصومة: قلت: فإن قال: أعطني كفيلاً بالحق حتى أقيم بينتي ولا أريد نفساً، أيلزمه أن يعطيه كفيلاً أم لا يلزمه؟ قال: لا أرى ذلك إلا أن يقيم شاهداً، هذا ما يعرف من قوله، إلا أن يكون المدعي يدعي بينة حاضرة يرفعها من السوق، أو من بعض القبائل فأرى للسلطان أن يوقف المطلوب عنده، ويقول للطالب: مكانك أثبت ببينتك، فإن أتى بها وإلا خلى سبيله، سحنون: وهذا الأصل في كتاب "الشهادات" قد بين.
4/ 140. وهذا النص كله ساقط من دار صادر.

  • في ص: في آخر ترجمة كفالة المرأة التي قد عنست.
    قلت: أليس قد كان مالك مرة يقول: إذا عنست جاز أمرها؟ قال: لم أسمعه أنا قط.
    5/ 283. هنا انتهت المسألة.
  • وفي ك: بعد هذا زيادة: ولكن وجدته في كتاب عبد الرحيم.
    4/ 145. وهذه الزيادة تطرح إشكالا، أهي من كلام سحنون، أم هي من زيادة تلامذته؟
  • في ص: قلت: أرأيت إن ارتهنت نصف دابة كيف يكون قبضي لها؟ قال: يقبض جميعها.
    5/ 297، وهذا النص ساقط من دار الفكر.
    في ص: قلت: أرأيت إن كان إنما ورث الأرض عن أخيه، فأتى رجل فادعى أنه ابن أخيه، وأثبت ذلك، وذلك في إبان الحرث، أيكون له أن يقلع الزرع ويكريه الكراء؟ 5/ 375. هنا تمت المسألة من غير أن تظفر بالجواب، وقد علق الناشر على هذا في أسفل الصفحة، بقوله: لم يذكر جواب هذا السؤال، والتمس له تقديراً.
    "المدونة": 5/ 375.
  • وفي ك: جاءت المسألة مقرونة بجوابها فجاء النص كما يلي: قلت: أرأيت إن كان إنما ورث الأرض عن أخيه، فأتى رجل فادعى أنه ابن أخيه، وأثبت ذلك، وذلك في إبان الحرث، أيكون له أن يقلع الزرع؟ قال: ليس أن يقلع الزرع، ولكن له الكراء.
    4/ 193. ولعل هذا الاختلاف هو من الأخطاء التي يمكن أن تنتج عن النسخ، لا عن اختلاف الروايات.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 108

  • في ك: في كتاب "التدليس": ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، قال: وإن رسول عبد الرحمن وجد الفرس حين خلع رسنها قد هلكت، فكانت من عثمان، 3/ 298.
  • وفي ص: وأخبرني ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: لأنه وجد الفرس حين خلع رسنها قد هلكت، فكانت من البائع.
    4/ 306، 307.
  • في ك: في "الصلح من جناية العمد": فكذلك القصاص، والنكاح قبض ذلك وحده لا يجوز له الأخذ بغير شيء فكذلك لا يجوز له الأخذ بالغرر، فليس المرسل لما في يديه كالآخذ.
    3/ 358.
  • وفي ص: ينتهي النص عند قوله: فكذلك القصاص.
    وباقي النص ساقط من ص. 4/ 373. في ك: في "الجعل والإجارة": وإذا قال: اعمل عليها ولكل نصف ما يكون من عملها.
    3/ 391.
  • وفي ص: فإذا قال: اعمل عليها ولك نصف ما يكون من عملها.
    4/ 411.
  • في ك: وقال الليث بن سعد: وإن قضى بعض غرمائه وترك بعضاً جاز له وإن رهن رهنا جاز له ذلك، ما لم يقم به غرماؤه، وكان ابن أبي سلمة يقول بقول مالك الأول، وقول مالك الأول إذا تبين فلسه، ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه ولا يرهنه.
    4/ 118.
  • وفي ص: وقال الليث بن سعد: وإن قضى بعض غرمائه وترك بعضاً جاز له، وإن رهن رهناً جاز له ذلك، ما لم يقم به غرماؤه، وكان ابن أبي سلمة يقول: هو قول مالك الأول، إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه، أو يرهنه.
    لابن وهب 5/ 229. هناك اختلاف في آخر النص بين النصين، كما أن في ص: زيادة: لابن وهب وهذه الزيادة غالباً ما توجد في آخر الباب بعد الآثار التي يذيل

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 109

بها سحنون المسائل الفقهية.
وهذه العبارة تكتب في بعض الأحيان: لابن وهب، وفي بعضها: هذه الآثار لابن وهب، وهذه الزيادة مختصة بدار صادر.

  • في ك: في كتاب "الشفعة الثاني": فيما سمعنا من قول مالك أن أهل الصلح يبيعون أرضهم ممن أحبوا بمنزلة أموالهم، ولا جزية على من اشترى ذلك منهم، لأنه لو أسلم سقطت الجزية عنه وعن أرضه، وهو يتبع بما صالح عليه.
    فإنما عليه ما صالح عليه، ويبيع من أرضه ومن ماله ما شاء.
    4/ 237. كذا هذا النص في ص، إلا أن في آخره: ولا يبيع.
    5/ 456، وهو مخالف للنص السابق لأن ما يثبته هذا ينفيه هذا، وليس هذا بالخطأ المطبعي فيصلح بناء على سياق الكلام، وقد أشار مصحح دار صادر إلى أن هذا اللفظ جاء هكذا في الأصل 173.
  • في ك: قال: وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة على امرأة له أخرى فحلف للأولى بطلاق الثانية، إن آثر الثانية عليها، ثم إنه طلق الأولى البتة.
    قال: قال مالك: تطلق الثانية أيضاً لأنه حين طلق الأولى فقد آثر الثانية عليها 174. هذه المسألة ساقطة من دار صادر، وهي ليست من كتاب الشفعة.

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 110

المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من المدونة

تحدث القاضى عياض في كتابه "التنبيهات" عن بعض النصوص التي طرحها سحنون من "المدونة"، والتي حوق عليها، والتي علم عليها بعض الرواة، فبقيت في بعض الروايات، وسقطت من روايات أخرى، وقد ذكر عياض بعض النسخ التي سقطت منها هذه النصوص، وهذا العمل يثير عدة تساؤلات، من بينها: هل كان هذا نتيجة مقارنة بين ما نقله عن ابن القاسم، وما أخذه من مدونة أشهب؟ أم هذه نصوص كانت في المختلطة فوجد من الروايات ما يخالفها؟ وما هو موقف الفقهاء من النصوص التي ثبت أنه طرحها وهي ما زالت ثابتة في بعض النسخ؟ أو في النسخ المطبوعة الآن؟ وهل هذه النصوص التي طرحها هي التي يجب أن تطرح وحدها، أم هناك نصوص أخرى؟ ولعل هذا ما أدى بالذهبي إلى أن يشير إلى أن "المدونة" فيها أشياء هي رأي محض، قال وهو يتحدث عن "المدونة": وأصل "المدونة" أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيراً، وأسقط منها ما أسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها، بل رأي محض، وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علم عليها، وهم بإسقاطها، وتهذيب "المدونة"،

الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 111

فأدركته المنية رحمه الله، فكبراء المالكية يعرفون تلك المسائل، ويقررون منها ما قدروا عليه، ويوهنون ما ضعف دليله، فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب ذاك القبر - صلى الله عليه وسلم - (1). ولم يكن هذا الطرح كله على مستوى واحد، بل هو مختلف بحسب ما يقتضيه الفهم، فتارةً يطرح نصاً كاملاً، وتارةً يطرح جملة، وتارة يطرح كلمة ويستبدلها بغيرها، إلا أن هذا الطرح ما زال مفتقراً إلى المراحل التاريخية التي مر منها، وإلى التعرف على وصفية الأصل المعتمد الذي كانت تجرى عليه هذه التغييرات.
وفي كلام عياض ما يشير إلى أن سحنون كان ينقح كتابه أثناء إقرائه لتلامذته، فكان يقابل كلام ابن القاسم في بعض الكتب من "المدونة" بكلامه في كتب منها أيضاً.
ويتجلى هذا في كلام بعض تلامذته: أسقطه في العرضة الأخيرة، قرأه في بعض العرضات، ولم يقرأه في أخرى، قرأه سحنون، لم يقرأه.
وسنعرض هذه النصوص المطروحة مع كتابة نصوص "المدونة" في بداية الكلام إذا كان النص الذي ساقه عياض ناقصاً، أو غير واضح مع بعض الإشارات إلى الفرق بين نسختي دار صادر، ودار الفكر، غير أنني لن أطيل في هذا لأنني تطرقت إليه في مواضع أخرى.
وسأعرض هذه النصوص ضمن الكتب الآتية:

فصول الكتاب · 90 فصل · 2277 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة · 2277 صفحة
" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة" والمختلطة:" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة":كتاب المساقاةكتاب الجعل والإجارةكتاب تضمين الصناعكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراضكتاب الشهاداتكتاب المديان والحجر والتفليسكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب القسمةكتاب الحبس والصدقة والهبةكتاب العاريةكتاب القذفكتاب الاستيعاب:كتاب الطبقات لابن أبي دليم (ت: 351 هـ):كتاب إصلاح الغلط لابن قتيبة:كتاب غريب الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد البستي الخطابي:كتاب ابن مزين (ت: 259 هـ):كتاب الخلاف:
كتاب الوضوء والطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثانيكتاب الأيمان والنذوركتاب الضحايا
كتاب الجهاد
كتاب (1) النكاح الأول
كتاب (1) الرضاعكتاب إرخاء الستور
كتاب طلاق السنة
كتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلَم الأول
كتاب السلم الثالثكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب الغرركتاب المرابحةكتاب بيع الخياركتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب الوكالات
كتاب العيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب العراياكتاب المساقاةكتاب الجوائح
كتاب الجعل (1) والإجارة
كتاب تضمين الصناعكتاب الرواحل والدوابكتاب الشركةكتاب القراضكتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديان والحجر (1) والتفليسكتاب المأذونكتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهونكتاب الغصبكتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الحبس (1) والصدقة (2) والهبة
كتاب (1) العاريةكتاب (1) الوديعةكتاب اللقطة (1) والضوال (2) والإباقكتاب حريم الآباركتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب (القطع في) (1) السرقة (2) والحرابةكتاب القذف والحدود في الزناكتاب الجنايات
كتاب الجراحات (1) والديات
جارٍ التحميل