التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققاصفحات 1474-1513

سورة المائدة

صفحات 1474-1513
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعيد بن منصور
الكتاب
التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققا
المؤلف
أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227هـ)دراسة وتحقيق: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد
الناشر
دار الصميعي للنشر والتوزيع
الطبعة
الأولى، 1417 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي التحقيق]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (4 / 492 رقم 2163) ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (4 / 396) .

743- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيق قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ أُجُورَ القُسَّام 1 ، وَيَقُولُ: كَانُوا يَقُولُونَ: الرِّشْوة عَلَى الْحُكْمِ سُحْت، مَا أَرَى حُكْمًا يُؤْخَذُ عليه رِشْوة.2
= الموضع السابق: ((لا يحلّ لأحد أن يعطي السحت، كما لا يحل لأحد أن يأخذه، ولا نرى عليًّا - رضي الله عنه - يعطي شيئًا يراه سحتًا - إن شاء الله تعالى -)) . اهـ.

744-[ل130/أ] حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْن 1 ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانُ يَكْرَهُ الشَّرْط، وَلَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقْسِمَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ فَيُعْطِيَهُ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
745- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش 3 ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ 4 ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّشْوة فِي الْحُكْمِ سُحْت، ومَهْرُ البَغِِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَثَمَنُ القِرْد، وَثَمَنُ الْخِنْزِيرِ، وَثَمَنُ الْخَمْرِ، وَثَمَنُ المَيْتة، وَثَمَنُ الدَّم، وعَسْبُ الفَحْل (4) ، وَأَجْرُ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيةِ، وَأَجْرُ الْكَاهِنِ، (وَأَجْرُ الساحر) (5) ،2 = ابن سيرين: إن لم يكن خبيثًا فما أدري ما هو.
قلت: وكراهة ابن سيرين لأجر القسّام محمولة على ما إذا كان اشترط ذلك؛ وأما إذا لم يشترط، فلا بأس به عنده كما في الأثر الآتي، وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4 / 454) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (6 / 12 - 13) في البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، من طريق المصنِّف، به مثله، إلا أنه قال: ((السحت: الرشوة في الحكم)) ، و: ((أجر المغنيّة)) ، وجاء عنده مثلما في النسخة هنا: ((وجعيلة الغزو)) . قال البيهقي بعد أن أخرجه: ((هذا منقطع بين حبيب بن صالح وابن عباس، وهو موقوف)) . وأخرجه الخطّابي في "غريب الحديث" (2 / 473) من طريق المصنِّف، مختصرًا، ولفظه: ((الرشوة)) في الحكم سحت، وثمن الدَّم، وأجرة الكاهن، وأجرة القائف، وهديّة الشفاعة، وجعيلة الغرق)) . ثم أخذ الخطابي - رحمه الله - في بيان معنى ذلك، فقال: ((أما ثمن الدم فإنه أراد كَسْب الحَجَّام، وقد نهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - عنه، إلا أن تأويله عند عامة أهل العلم: أنه نهي كراهة لا نهي تحريم، وقد احتجم رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - فأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يطعمه إياه.
وإنما كره ذلك لخبثه ودناءة مخرجه والله أعلم.
وأما أجر الكاهن فلا إشكال في تحريمه، وفي أنه من أكل المال بالباطل، وذلك لأن قوله زور، وفعله محرم، وقد نهى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ حُلْوان الكاهن.
وأما أجر القائف فإنه لم يبطل ذلك من أجل أن فعله باطل، ولكنه إنما كره له أخذ الأجرة؛ لأنه كالحاكم فيما يقطع به من إلحاق الولد وإثبات النسب.
والحاكم متى ما أخذ من المتحاكمين أجرًا كان رشوة، إنما أجره على بيت المال، وقد أثبت رسول الله حكم القافة.
وأما هدية الشفاعة فمكروهة على الوجوه كلها؛ وذلك لأنه إن كانت شفاعته في باطل، فقد أتى محظورًا وأخذ محرمًا، وإن كانت في حق فقد أخذ على المعروف ثمنًا.
=

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ ] 746- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانة 1 ، (عَنْ مُغيرة) 2 ، عَنِ الشَّعْبي، وإِبْرَاهِيمَ، قَالَا: إِذَا ارْتَفَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ، إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، (فَإِنْ حَكَمَ) 3 حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.4
= وأما جَعيلة الغرق، فهي ما يُجعل للغائص على استخراج المتاع الذي غرق في البحر، يقال: جعلت له جَعيلة وجَعَالة بفتح الجيم، أي: جُعْلاً، والمكروه من ذلك على وجهين: أحدهما: أن يستأجره على أن يخرج متاعه من البحر بأجرة معلومة، وهذا فاسد، والإجارة عليه باطلة؛ لأنه غرر لا يُدْرَى هل يظفر به أم لا، وهو مثل الإجارة على أن يَرُدَّ عبده الآبق وفرسه العَائِر وما أشبههما.
والوجه الآخر: أن يغرق متاع الرجل، فيرمي به البحر إلى الساحل، فيأخذه الإنسان، فإنما هو بمنزلة اللقطة يجدها، ليس له أن يطلب على ردِّها جعلاً.
فأما إذا جَعَلَ للغائص جُعْلاً في طلب متاعه، كان ذلك جائزًا، كما لو جعلها لطالب العبد؛ لأنه إنما يأخذ الجعل على كَدِّ نفسه، لا على ردِّ عبده)) . اهـ.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ] 747- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا العَوَّام 1 ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ 2 التَّيْمي - فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ -، قال: بالرَّجْم.
= وقد أخرجه البيهقي في "سننه" (8 / 246) في الحدود، باب ما جاء في حدّ الذميين، ومن قال: إن الإمام مخيّر في الحكم بينهم ... ، من طريق المصنِّف، به مثله.
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (6 / 63 رقم 10008) ، و (8 / 322 رقم 19240) . وابن جرير الطبري في "تفسيره" (10 / 329 رقم 11979) . وابن أبي حاتم في "تفسيره" (3 / ل 4 / ب) . والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص160) . جميعهم من طريق سفيان الثوري، عن مغيرة، به نحوه، إلا أن ابن جرير والنحّاس لم يذكرا قوله: ((فَإِنْ حَكَمَ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ الله)) . وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (ص134 رقم 242) . وابن جرير في "تفسيره" (10 / 330 و 334 - 335 رقم 11983 و 11997) . كلاهما من طريق هشيم، عن مغيرة، به نحوه.
وأخرجه ابن جرير أيضًا برقم (119977 و 11978 و 11985) من طريق جرير بن عبد الحميد، وعمرو بن أبي قيس، كلاهما عن مغيرة، به نحوه، إلا أنهما ذكرا المشركين بدل أهل الكتاب، ولم يذكر عمرو في روايته قوله: ((فإن حكم ... )) الخ.

[قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ] 748- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْباني (1) ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفى: أَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله123

عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجْمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً قَالَ: قُلْتُ: أَقَبْلَ سُورَةِ النُّورِ، أَمْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: لا أدري.
[قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ] 749- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْر 1 ، عَنْ طاوُس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون﴾ - قَالَ: لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إليه.
= وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (10 / 75 رقم 8824) من طريق علي بن مُسْهِر، عن أبي إسحاق الشيباني، به نحوه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = "الجرح والتعديل" (9 / 53 - 54 رقم 228) ، و"التهذيب" (11 / 33 رقم 74) ، و"التقريب" (ص572 رقم 7288) . قلت: وذكر الحافظ ابن حجر في الموضع السابق من "التقريب" أنه من الطبقة السادسة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن أبيه قال: قيل لابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فأولئك هم الكافرون﴾ ، قال: هي كفره، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.
وهذا إسناد صحيح، إلا أن سفيان لم يسمعه من ابن طاوس، وإنما بينهما معمر.
فقد أخرجه الإمام أحمد في "الإيمان" (ل 131 / أ) . ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (2 / 521 - 522 رقم 571 و 572) . وابن جرير الطبري في "تفسيره" (10 / 355 - 356 رقم 12053 و 12054) . وابن بطة في "الإبانة" (2 / 734 رقم 1005) . جميعهم من طريق سفيان الثوري، عن معمر، عن ابن طاوس، به، بلفظ: هي به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (1 / 191) عن معمر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فأولئك هم الكافرون﴾ ، قال: هي كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وهذا إسناد صحيح.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: الإمام أحمد في "الإيمان" (ل 131 / ب) . ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (2 / 521 رقم 570) . والقاضي وكيع في "أخبار القضاة" (1 / 41) . وابن جرير في "تفسيره" (10 / 356 رقم 12055) . وابن أبي حاتم في "تفسيره" (3 / ل 7 / أ) . وابن بطّة في "الإبانة" (2 / 736 رقم 1009) .

750- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد 1 ، عَنْ أَبِيهِ 2 ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ 3 ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، و: ﴿الظالمون﴾ ، و: ﴿الفاسقون﴾ في اليهود خاصة.4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ارتضوا على أن يجعلوا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - فلما جاء رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فأولئك هم الفاسقون﴾ ثم قال: فيهما والله نزلت وإياهما عنى الله عز وجل.
وأخرجه أبو داود في "سننه" (4 / 7 - 8 رقم 3576) في الأقضية، باب في القاضي يخطئ.
وابن جرير الطبري في "تفسيره" (1 / 350 - 351 رقم 12037) . والطبراني في "المعجم الكبير" (10 / 367 - 368 رقم 10732) . أما أبو داود فمن طريق زيد بن أبي الزرقاء، وأما ابن جرير فمن طريق عبد الله بن وهب، وأما الطبراني فمن طريق داود بن عمرو الضَّبِّي، ثلاثتهم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزناد، به، ولفظ ابن جرير والطبراني مطوّل نحو لفظ الإمام أحمد السابق، إلا أن ابن وهب عند ابن جرير روى الحديث على أنه عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بن عتبة مرسلاً، ليس فيه ذكر لابن عباس.
وأما أبو داود فرواه مختصرًا بلفظ: عن ابن عباس قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فأولئك هم الكافرون﴾ إلى قوله: ﴿الفاسقون﴾ ، هؤلاء الآيات الثلاث نزلت في اليهود خاصّة، في قريظة والنضير.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7 / 15 - 16) بعد أن ذكر الحديث: ((رواه أحمد والطبراني بنحوه، وفيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ وهو ضعيف، وقد وُثِّق، وبقية رجال أحمد ثقات)) .

751- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ قَالَ: نا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدة، قَالَ: نا الشَّعْبي، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون﴾ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الظالمون﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، ﴿فَأُولَئِكَ هم الفاسقون﴾ ، قال: نزلت في النصارى.1

752- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا العَوَّام 1 ، عَنْ (يُسَيْر) 2 ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَنْ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فأولئك هم الكافرون﴾ ، و ﴿الظالمون﴾ (3) ! فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَنْ قَضَى بين اثنين! = وأخرجه ابن القاصّ في "أدب القاضي" (1 / 82 - 83) من طريق سفيان بن عيينة، عن زكريا، به نحو لفظ المصنِّف.
وأخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" أيضًا (ص102 - 103 رقم 248) عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي، به، بمثل لفظ سفيان السابق عن زكريا.
ومن طريق سفيان أخرجه وكيع في "أخبار القضاة" (1 / 42) . وابن جرير في "تفسيره" (10 / 354 رقم 12041) . وأخرجه وكيع أيضًا في الموضع السابق.
وابن جرير برقم (12042) . كلاهما من طريق شعبة، عن ابن أبي السَّفَر، عن الشعبي، به نحو لفظ المصنف، إلا أن وكيعًا إنما ذكر الآية الأولى التي نزلت في المسلمين، ولم يذكر ابن جرير الآية الثانية التي نزلت في اليهود.
وأخرجه ابن جرير برقم (12039) من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَر، به نحو لفظ سفيان عن زكريا السابق.
وأخرجه وكيع في الموضع السابق.
وابن جرير برقم (12040) . كلاهما من طريق محمد بن فضيل، عن ابن شُبْرُمة، عن الشعبي، به بمعناه.

753- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا الْمُغِيرَةُ 3 ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ - فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اسْتُحْلِفُوا-: يُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ بِدِينِهِمْ، فَإِذَا بَلَغت اليمين، استُحلفوا بالله.124 = وهو يُسَيْر - بالتصغير - ابن عمرو - أو: ابن جابر -، الكوفي، مختلف في نسبته، قيل: كندي، وقيل غير ذلك، وقيل: أصله: أُسَيْر، فسُهِّلت الهمزة، وقيل: إن ابن جابر آخر، تابعي.
روى يسير هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم، روى عنه ابنه قيس وأبو إسحاق الشيباني والعَوَّام بن حوشب وغيرهم، وهو ثقة، أدرك زمن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويقال: له رؤية، قال العَوَّام بن حوشب: ((ولد في مهاجر النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة، ومات سنة خمس وثمانين)) ، وقال ابن سعد: ((كان ثقة، وله أحاديث)) ، ووثقه العجلي وابن حبان.
اهـ. من "تاريخ الثقات" للعجلي (ص483 رقم 1864) ، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (9 / 308 رقم 1327) ، و"الثقات" لابن حبان (4 / 61) و (5 / 557) ، و"التهذيب" (11 / 378 - 379 رقم 738) ، و"التقريب" (ص607 رقم 7808) .

754- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا مُغيرة 1 ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ لَا تَسْتحْلِفُوا بِغَيْرِ اللَّهِ أَحَدًا.
755- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الْمَلِكِ 3 قَالَ: يُسْتَحْلَفُون بِاللَّهِ، وَإِنَّ التَّوْرَاة والإنْجِيل لَمِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
756- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا الْمَسْعُودِيُّ 5 ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (4) ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْلِفُ أَهْلَ الْكِتَابِ بالله عز وجل.24 = وعلَّقه ابن حزم في "المحَّلى" (10 / 551) بلفظ: يستحلفون بالله، ويغلَّظ عليهم بدينهم.

757- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نَا حُصَين 3 ، عَمَّنْ حَدَّثَه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فهو كفارة له﴾ -، قال: كفارة للجارح.12 = من يطالع طبقة الذين رووا عنه قبل الاختلاط يجعل هشيمًا في مصافِّهم، بخلاف من روى عنه بعد الاختلاط فإن طبقتهم متأخرة عن هشيم، ومع ذلك لم ينفرد به المسعودي كما سيأتي.

758- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَين (1) ، عن ابن عباس، مثله.12

759- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا مُغِيرَةُ (1) ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لِلْجَارِحِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (2) : لِلْمَجْرُوحِ.1234 = حصين بن عبد الرحمن هنا أسقط الواسطة بينه وبين ابن عباس، وهو راو مبهم ذكره هشيم في روايته السابقة، ولم يُذكر في ترجمة حصين أنه روى عن ابن عباس.
انظر "التهذيب" (2 / 381) .

760- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا فُضَيْلٌ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ 1 ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ - فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ له﴾ - قَالَ: الَّذِي أَصَابَهُ 2 ، وَالْمَجْرُوحُ أَجْرُهُ على الله.3
= مجاهد قال: كفارة للجارح، وأجرٌ للعافي؛ لقوله: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الآية (40) من سورة الشورى] . وابن جريج تقدم في الحديث [9] أنه مدِّلس، وهذا الحديث أخذه عن مجاهد بواسطة.
فقد أخرجه ابن جرير (10 / 371 رقم 12102) من طريق آخر عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، به وفيه زيادة.
وأخرجه ابن جرير أيضًا (10 / 368 رقم 12099) من طريق شبل، عن عبد الله بن كثير، به نحوه.
وقد صح هذا المعنى عن مجاهد كما سيأتي في الحديث الآتي والذي بعده، وفي الحديث الآتي صح عن إبراهيم أنه قال: للجارح، مثل قول مجاهد.

761- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ 1 ، سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ 2 يَسْأَلُ مُجَاهِدًا، عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ: لِلْجَارِحِ.
762- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا [ل130/ب] سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيان 4 ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ (4) ، أَنَّ رَجُلًا هَتَم (5) فَمَ رجلٍ عَلَى عَهْدِ مُعَاوِيَةَ، فَأُعْطِيَ ديةَ فأَبَى إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ، فَأُعْطِيَ دِيَتَيْنِ =3 = ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن حزم في "المحلى" (12 / 232) . وأخرجه ابن أبي شيبة برقم (8040) . وابن جرير برقم (12090) . كلاهما من طريق جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ منصور، عن إبراهيم ومجاهد، به مثل سابقه.
وهذا إسناد صحيح أيضًا.
ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن حزم في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = وغيرهم، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وأبو إسحاق الشيباني والأعمش وشعبة وغيرهم، وكانت وفاته سنة ست عشرة ومائة، وهو ثقة رُمي بالتشيع، روى له الجماعة، ووثقه الإمام أحمد والعجلي والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: ((صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم)) ، ورماه بالتشيع الإمام أحمد وابن معين والجوزجاني والدارقطني.
اهـ.. من "الجرح والتعديل" (7 / 2 رقم 5) ، و"التهذيب" (7 / 165 - 166 رقم 329) ، و"التقريب" (ص388 رقم 4539) . ونقل الحافظ ابن حجر في "التهذيب" عن الطبري قوله: ((عدي بن ثابت ممن يجب التثبت في نقله)) ، وهذا محمول على ما رواه عدي عن أبيه عن جده؛ فقد قال ابن أبي داود: ((وحديث عدي بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده معلول)) ، وقال البرقاني: ((قلت للدارقطني: فعدي بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده؟ قال: لا يثبت، ولا يُعرف أبوه ولا جده، وعدي ثقة)) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ] 763- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا حُدَيْج بنُ مُعَاوِيَةَ 1 ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ 2 ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ 3 ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي قوله: ﴿ومهيمنًا عليه﴾ - قال: مُؤْتَمَنًا عليه.4
= لفظه: ((إلى يوم تصدق به)) ، وقال أبو يعلى: ((إلى يوم تصدق)) ، وأما ابن جرير فالظاهر أنه سقط من إسناده سفيان بن عيينة، وأما لفظه فهكذا: ((من يوم تصدق إلى يوم ولد)) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ] 764- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيح 1 ، عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يفضِّل بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ، فقرأ: ﴿فحكم الجاهلية يبغون﴾ .2 = والصفات".
وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (10 / 378 - 380 رقم 12107 و 12108 و 12109 و 12110 و 12111 و 12112 و 12113 و 12116 و 12117 و 12118) ، من طريق سفيان الثوري وأبي الأحوص وإسرائيل وعنبسة ومطرِّف وقيس بن الربيع وزهير وشريك، جميعهم عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، وبعضهم قال: عن رجل من تميم، به مثله.
وقد رواه ابن جرير في بعض طرقه عن شيخه محمد بن بشار بندار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، به.
وهذا إسناد حسن لذاته رجاله كلهم ثقات تقدمت تراجمهم، عدا التميمي فصدوق.
وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (3 / 9 / أ) من طريق سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، به مثله، وسمّى التميمي، فقال: واسمه: أربد.
وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (1 / 117) من طريق أبي عامر العَقَدي، عن سفيان الثوري، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، به مثله.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ] 765- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو 1 ، سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ: ﴿فَعَسَى 2 اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحَ الْفُسَّاقُ عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ، قَالَ عَمْرٌو: فَلَا أَدْرِي كَانَتْ قِرَاءَةً، أَمْ فسَّر؟ [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ ] 766- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى 4 ،3

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ] 767- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيح 1 ، عَنْ مُجَاهِدٍ - فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قولهم الإثم﴾ - قَالَ: الرَّبانيون: هُمُ الْفُقَهَاءُ الْعُلَمَاءُ، (وهم) 2 فوق الأحْبَار.3
= وأخرجه ابن جرير أيضًا برقم (1280 و 12181 و 12182) من طريق سهل وأبي موسى إسرائيل بن موسى وهشام، ثلاثتهم عن الحسن، به نحوه.
وأخرجه خيثمة الطرابلسي في "فضائل الصحابة" (ص131 - 132) . والبيهقي في "دلائل النبوة" (6 / 362) . كلاهما من طريق الحسن بن صالح، عن أبي بشر، عن الحسن، به نحوه.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾ ] 768- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا الْحَارِثُ بْنُ عُبيد الإِيَادي 1 ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاس الجُرَيْري 2 ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقيق، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحرس، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بلِّغ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ من الناس﴾ ، فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنَ القُّبَّة 3 ،4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بملاحقكم؛ فإن الله قد عصمني من الناس)) . وسنده ضعيف لإرساله، وهو صحيح إلى مرسله عبد الله بن شقيق، فالراوي له عن ابن عُليَّة هو شيخ ابن جرير: يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، وتقدم في الحديث [390 و 391] أنه ثقة من الحفاظ.
وأخرجه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" (2 / 78) ، من طريق وُهيب بن خالد، عن الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شقيق مرسلاً.
ورواية ابن عليَّة وحدها أرجح من رواية الحارث؛ لأنه أوثق منه، وسمع من سعيد قبل اختلاطه، فكيف وقد وافقه وُهيب؟ ويشهد لبعض معناه ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (6 / 81 رقم 2885) في الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، و (13 / 219 رقم 7231) في التمنِّي، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليت كذا وكذا)) . ومسلم في "صحيحه" (4 / 1875 رقم 39 و 40) في فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -. كلاهما من طريق يحيى بن سعيد الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامر بن ربيعة، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قالت: أرِقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - ذات ليلة، فقال: ((ليت رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة)) ، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -: ((من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص، يا رسول الله، جئت أحرسك، قالت عائشة: فنام رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - حتى سمعت غطيطه.
اهـ. واللفظ لمسلم.
وأخرج البخاري في "صحيحه" أيضًا (6 / 96 و 97 رقم 2910 و 2913) في الجهاد، باب من علَّق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، وباب تفرُّق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر.
ومسلم في "صحيحه" (4 / 1786 - 1787 رقم 13 و 14) في الفضائل، باب توكله على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس.
=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كلاهما من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال غزونا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم- غزوة قِبَلَ نجد فأدركنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم- في واد كثير العِضَاهِ، فنزل رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم- تحت شجرة فعلَّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرَّق الناس في الوادي يستظلُّون بالشجر.
قال: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم: ((إن رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صَلْتًا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله.
ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله.
قال: فَشَامَ السيفَ، فها هو ذا جالس)) . ثم لم يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم-.
هذا لفظ مسلم، وفي إحدى روايات البخاري: فإذا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: ((إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا، فقال: من يمعنك مني؟ فقلت: الله - ثلاثًا -)) ، ولم يعاقبه وجلس.
اهـ. ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((شام السيف)) : أي: أغْمَدَه.
انظر "لسان العرب" (12 / 330) . وأشار الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (6 / 98) في شرح هذا الحديث إلى أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحرس، ثم قال: ((قيل: إن هذه القصة سبب نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا نزلنا طلبنا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعظم شجرة وأظلَّها، فنزل تحت شجرة، فجاء رجل فأخذ سفيه، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ قال: ((الله)) ، فأنزل الله.
﴿والله يعصمك من الناس﴾ ، وهذا إسناد حسن، فيحتمل إن كان محفوظًا أن يقال: كان مخيَّرًا في اتخاذ الحرس، فتركه مرةً لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية، ترك ذلك)) . اهـ. وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (2 / 79) : ((ومن عصمة الله تعالى لرسوله = [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ] 769- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ لَحْن الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ 1 ، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزكاة﴾ (2) ، وَ (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) (3) ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذَا عَمَلُ الكُتَّاب، أخطأوا في الكِتَاب (4) . = - صلى الله عليه وسلم - حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحُسَّادها ومعانديها ومترفيها، مع شدّة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلاً ونهارًا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمِّه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، لا شرعية، ولو كان أسلم، لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيّض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحوَّل إلى دراهم وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود، وكلما همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء، كاده الله وردّ كيده عليه؛ كما كاده اليهود بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوّذتين دواء لذلك الداء، ولما سمَّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها)) . اهـ. والله أعلم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = هنا لا يتبين فيه الأعراب، فجرى على جهةٍ واحدةٍ الأمران؛ فجاز رفع الصابئين رجوعًا إلى أصل الكلام.
قال الزجَّاج: وسبيل ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحد.
وقال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير؛ والتقدير: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك)) . اهـ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يشدِّد نون ((هَذَانَ)) ، وهذه القراءة سَلِمَتْ من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها: ما هذان إلا ساحران.
وقرأ المدنيون والكوفيون: (إِنّ هَذَان - بتشديد ((إنّ)) - لساحران)) ، فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب.
قال النحّاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة.
ورُوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنه قرأ: ((إِنْ هَذَان إلا ساحران)) ، وقال الكِسَائي: في قراءة عبد الله: ((إِنْ هَذَانِ ساحران)) - بغير لام -. وقال الفَرَّاء: في حرف أُبَيّ: (إِنْ ذَانِ إلا ساحران)) . فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير، لا أَنَّها جائز أن يُقْرأ بها؛ لمخالفتها للمصحف.
قلت - أي القرطبي -: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الردّ له، والنحّاس في إعرابه، والمهدوي في "تفسيره"، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض، وقد خَطَّأها قوم، حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله تعالى أن أقرأ: ((إِنَّ هَذَان)) ... ) ، ثم ذكر القرطبي من أُثر عنه من السلف أنه حكم على هذه القراءة بالخطأ، وأن ذلك من النُّساخ، ثم شرع في ذكر الأقوال الستة المذكورة في توجيه هذه القراءة، وأحسنها قول من قال: إنها لغة بني الحارث بن كعب وزَبيد وخَثْعم وكِنَانة بن زيد؛ الذين يُلْزِمون المثنى الألف في جميع أحواله؛ يقولون: جاء الزيدان، و: رأيت الزيدان، و: مررت بالزيدان، ومن ذلك قول الشاعر: إن أبَاها وأبا أبَاها ... ... قد بَلَغا في المَجْد غَايتَاها والأصل أن يقول: وأبا أبيها و: غايتيها.
قال أبو جعفر بن النحّاس: ((وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية، إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يُرتضى بعلمه وأمانته، منهم أبو زيد الأنصاري ... ، وأبو الخطاب الأخفش - وهو رئيس من رؤساء اللغة -، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = والكسائي، والفَرَّاء، كلهم قالوا: هذا على لغة بني الحارث بن كعب، وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب: أن هذه لغة بني كنانة)) ، ثم نقل القرطبي عن المهدوي أنه حكى أنها لغة لِخَثْعَم، ثم أطال في ذكر باقي الأقوال، فانظره إن شئت.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وابن أبي داود في "المصاحف" (ص43) . ثلاثتهم من طريق أبي معاوية، به مثله، إلا أن بعضهم لم يذكر الآيات مثل ترتيب المصنِّف، وإنما قدَّم بعضها وأخَّر بعضها الآخر.
وأخرجه عمر بن شَبَّةَ في "تاريخ المدينة" (3 / 1013 - 1014) ، فقال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن مسهر، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيه قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن لحن القرآن: ﴿إنّ هَذَان لساحران﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا والصابئون والنصارى﴾ ، ﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ وأشباه ذلك، فقالت: أيْ بُنَيَّ، إن الكُتَّاب يخطئون.
وهذه متابعة جيّدة لأبي معاوية، فعلي بن مُسْهِر تقدم في الحديث [63] أنه حافظ فقيه محدِّث ثقة.
وشيخ ابن شَبَّة هو: أحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي المَوْصلي، نزيل بغداد، روى هنا عن علي بن مسهر، وروى أيضًا عن محمد بن ثابت العبدي وفرج بن فضالة وحماد بن زيد وغيرهم، روى عنه عمر بن شَبَّة وأبو داود وأبو زرعة وابن أبي الدنيا وغيرهم، وهو صدوق، كتب عنه الإمام أحمد، وقال ابن معين في رواية: ((ليس به بأس)) ، وفي أخرى قال: ((ثقة صدوق)) ، وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات، وقال صاحب "تاريخ الموصل": ((كان ظاهر الصلاح والفضل)) ، وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائتين.
اهـ. من "الجرح والتعديل" (2 / 39 رقم 1) ، و"تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص42 رقم 99) ، و"التهذيب" (1 / 9 رقم 1) ، و"التقريب" (ص77 رقم 1) . وبهذه الطريق يتضح أن أبا معاوية قد توبع على الحديث عن هشام بن عروة، فإما أن يكون الخطأ من هشام - وهو الأقرب -، وإما أن تكون عائشة رضي الله عنها قد أخطأت في اجتهادها؛ لأن هذه الحروف التي ذُكِر أن الكُتَّاب أخطأوا فيها صحيحة في اللغة، وليس هناك ما يدعو إلى الحكم على الكُتَّاب =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بالخطأ، وفي قبول هذه الدعوى فتح لباب الطعن في هذا الكتاب المحفوظ بحفظ الله سبحانه له: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الآية (9) من سورة الحجر] ، بل فيه طعن في سلف الأمة؛ في إهمالهم تقويم هذا الخطأ، وإجماعهم على السكوت عنه، وإقرائهم لتلاميذهم كذلك؛ فإنه مع كونه في المصاحف التي نسخها عثمان - رضي الله عنه - هكذا، فهو في مصحف أُبَيّ بن كعب وقراءته كذلك، وقد اختار ابن جرير الطبري - رحمه الله - في "تفسيره" (9 / 397 - 398) قول من قال: إن ((المقيمين)) في موضع خفض نَسَقًا على ((ما)) التي في قوله: ((بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)) ، وأن يوجه معنى ((المقيمين الصلاة)) إلى الملائكة، فيكون تأويل الكلام: ((والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إليك)) يا محمد من الكتاب، (وبما أنزل من قبلك)) من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة، ثم يرجع إلى صفة ((الراسخين في العلم)) ، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر، ثم قال ابن جرير بعد ذلك: ((وإنما اخترنا هذا على غيره؛ لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أُبَيّ ابن كعب ﴿والمقيمين الصلاة﴾ ، وكذلك هو في مصحفه - فيما ذكروا -، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب، لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف - غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه - بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبي في ذلك ما يدلّ على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطّ، لم يكن الذين أُخذ عنهم القرآن مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - يُعَلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب.
وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا أدلّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب)) . اهـ. وقد ذهب أبو عمرو الداني في "المقنع" (ص118 - 119) إلى توجيه قول =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عائشة رضي الله عنها هذا، فذكره، وأجاب عنه بقوله: ((تأويله ظاهر؛ وذلك أن عروة لم يسأل عائشة فيه عن حروف الرسم تزاد فيها لمعنى وتنقص منها لآخر؛ تأكيدًا للبيان، وطلبًا للخِفَّة)) . وإنما سألها فيه عن حروف من القراءة المختلفة الألفاظ، المحتملة الوجوه، على اختلاف اللغات التي أذِنَ الله عز وجل لنبيّه عليه السلام ولأُمته في القراءة بها، واللزوم على ما شاءت منها؛ تيسيرًا لها، وتوسعة عليها.
وما هذا سبيله وتلك حاله، فعن اللحن والخطأ والوهم والزلل بمعزل؛ لفشّوه في اللغة، ووضوحه في قياس العربية.
وإذا كان الأمر في ذلك كذلك، فليس ما قصدته فيه بداخل في معنى المرسوم، ولا هو من سببه في شيء، وإنما سمي عروة ذلك لحنًا، وأطلقت عائشة على مرسومه كذلك الخطأ، على جهة الاتّساع في الأخبار، وطريق المجاز في العبارة إذ كان ذلك مخالفا لمذهبهما، وخارجًا عن اختيارهما، وكان الأوجه والأَوْلى عندهما الأكثر والأفْشَى لديهما، لا على وجه الحقيقية والتحصيل والقطع لما بيّناه قَبْلُ من جواز ذلك وفشوِّه في اللغة، واستعمال مثله في قياس العربية، مع انعقاد الإجماع على تلاوته كذلك دون ما ذهبا إليه، إلا ما كان من شذوذ أبي عمرو بن العلاء في (إن هذين) خاصّة.
هذا الذي يُحمل عليه هذا الخبر، ويتأوّل فيه، دون أن يُقطع به على أن أم المؤمنين رضي الله عنها مع عظيم محلّها، وجليل قدرها واتّساع علمها، ومعرفتها بلغة قومها، لَحَّنَت الصحابة وخَطَّأت الكَتَبَة، وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة موضعهم الذي لا يجهل، ولا ينكر، هذا مالا يسوغ ولا يجوز.
وقد تأوّل بعض علمائنا قول أمّ المؤمنين: أخطأوا في الكتاب، أي: أخطأوا في اختيار الأوْلى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أنَّ الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز؛ لأنّ ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدّة وقوعه، وعظم قدر موقعه، وتَأوَّلَ اللحن: أنه القراءة واللغة؛ كقول عمر رضي الله عنه أُبَيٌّ أقرأنا، وإِناّ لندع بعض لحنه، أي: قراءته ولغته، فهذا بَيِّن وبالله التوفيق)) . اهـ. =

جارٍ التحميل