المبحث الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- سعيد بن منصور
- الكتاب
- التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققا
- المؤلف
- أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227هـ)دراسة وتحقيق: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد
- الناشر
- دار الصميعي للنشر والتوزيع
- الطبعة
- الأولى، 1417 هـ - 1997 م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي التحقيق]
التعريف بالمؤلف
1
1 - بيئته وعصره: -
ولد سعيد بن منصور- كما سيأتي- قبل سنة سبع وثلاثين ومائة، أو بعدها بيسير، وتوفي في سنة سبع وعشرين ومائتين، فهو إذاً عاش في الفترة التي نشأت فيها الدولة العباسية إلى أن بلغت أوْجَ قوَّتها، وكان يقال: (لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة.
فالفاتحة السَّفَّاح، والواسطة المأمون، والخاتمة المُعْتَضِد) 1 .
فنشأة الدولة العباسية كانت في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (132هـ) على أنقاض الدولة الأموية، وكان هذا قريباً من ولادة سعيد بن منصور الذي عاش بداية حياته في خراسان مُنْطَلَقِ الدعوة العباسية ومحطّ قوَّتها بقيادة أبي مسلم الخراساني الذي أَبْلَى مع العباسيين بلاءً كان عاقبته القتل من قبل ثاني خلفاء بني العباس: أبي جعفر المنصور؛ بعد أن أحسّ بخطر أبي مسلم الخراساني على دولتهم.
عاش سعيد هذه الحياة الطويلة التي تزيد على تسعين عاماً، وعايش فيها أحداثاً كثيرة، سأتناول الحديث عنها بإيجاز، مقسَّماً على = ليوسف بن عبد الهادي (ص 178 رقم 370) ، وخلاصة تذهيب الكمال للخزرجي (ص 143) ، وشذرات الذهب لابن العماد (2 / 62) ، والرسالة المستطرفة للكتّاني (ص 34) ، والفكر السامي للفاسي (2 / 73 رقم 268) ، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة (4 / 232) .
عناوين ثلاثة: الحالة السياسية، والحالة الفكرية، والحالة العلمية.
أ - الحالة السياسية:
كانت الحالة السياسية في بداية حياة المؤلف (سعيد بن منصور) تشهد فتناً وقلاقل بسبب قيام الدولة العباسية التي وجدت مناهضين لها، شأنها في ذلك شأن أي دولة تنهض من مرحلة الضعف، فتكون عرضة لأطماع الطامعين، فإذا قُدِّر لها أن تقوى شوكتُها، ويصلب عودُها استطاعت أن ترسِّخ دعائم سلطانها، وتبسط نفوذها، وتبطش بأعدائها، وهذا ما حصل للدولة العباسية.
فإنها قامت في سنة (132 هـ) على يد أبي العباس السَّفَّاح عبد الله ويقال: المرتضى، ويقال: القاسم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أوّل الخلفاء العباسيين الذي أخذ يطارد فُلُولَ الأمويين، إلى أن استقرّ له الأمر بعد مقتل آخر خلفاء بني أمية: مروان بن محمد.
ثم أخذ أبو العباس يبسط نفوذه على البلاد والأقاليم، إلا أن كثيراً من الأقاليم كانت تنشقّ عنه بعد أن تكون أعطته البيعة، مثل قنسرين، ودمشق، وحمص، والجزيرة، وقرقيسيا، والرَّقَّة، وغيرها كثير 2 .
كما أن هناك من قام بالخروج عليه، والتحم معه في قتال، مثل بسام بن إبراهيم، والخوارج، وشريك المهري ببخارى، وزياد بن صالح من وراء نهر بَلْخ 3 .
ولم تدم الحياة طويلاً بالسفاح، فإنه ما لبث أن توفي في سنة ست وثلاثين ومائة (136 هـ) . ثم تولّى بعده أخوه أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد الذي استقبل تصدُّعاً في أجزاء دولته استطاع بدهائه رَأْبَه.
فأول ذلك: حينما جاءه خبر وفاة أخيه أبي العباس، كان في الطريق
عائداً من الحج، فتعجل حتى أتى العراق، فأُخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد، سوى الشام، فإنه خرج بها عمُّه عبد الله بن علي مدَّعياً أن السَّفَّاح كان عهد إليه بالخلافة، فأرسل إليه أبو جعفر أبا مسلم الخراساني الذي استطاع أن يوقع به الهزيمة بعد حروب يطول ذكرها، كان من نتيجتها أن هرب عبد الله بن علي إلى أخيه سليمان بن علي في البصرة، فاختفى عنده، فعلم به المنصور، فأخذه، ويقال إنه سجنه في بيت بَنَى أساسه على الملح، ثم أطلق عليه الماء، فذاب الملح، وسقط البيت على عبد الله بن علي، فمات.
ثم أحس أبو جعفر بعد ذلك باستفحال أمر أبي مسلم واستخفافه به واحتقاره له، فأوجس منه خيفة، فسعى في إهلاكه، فما زال به يستدرجه ويَعِدُهُ ويُمَنِّيه، إلى أن أقدمه عليه، فلما تمكَّن منه، أخذ يعاتبه على ما بدر منه، وأبو مسلم يعتذر، وكان أبو جعفر أمر بعض حرسه وقال لهم: كونوا من وراء الرُّواق، فإذا صَفَّقت بيدي، فاخرجوا عليه فاقتلوه، فخرجوا عليه فقتلوه، فيقال: إن المنصور أنشد عند ذلك:
فَأَلْقَتْ عَصَاها واسْتَقَرَّ بها النَّوَى ... كما قَرَّ عَيْناً بالإِيَابِ المسافِرُ
وشهد عصر المنصور بعد ذلك فتناً وقلاقل كثيرة، من أهمِّها:
خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وأخيه إبراهيم بن عبد الله في المدينة والبصرة، وبعد معارك ضارية استطاع المنصور إخماد هذه الفتنة بعد مقتل محمد وأخيه إبراهيم.
وبدأت الأمور تستقرّ للمنصور، فشرع في تطوير مملكته، فبنى مدينة بغداد 4 ، وجعلها دار مملكته، وبنى مدناً أخرى، وهدأت الفتن والحروب، وتوجه للإصلاح الداخلي، ويعتبر أبو جعفر بحق الخليفة
الذي أرسى دعائم الدولة العباسية.
وبعد هذه المدة التي عاشها في الحكم منذ سنة ست وثلاثين ومائة، أدركت أبا جعفر الوفاة في سنة ثمان وخمسين ومائة (158 هـ) بعد أن عهد بالخلافة لابنه محمد المهدي، ومن بعده لعيسى بن موسُى 5 ، إلا أن المهدي لما تولّى الخلافة، أَلَحَّ على عيسى أن يخلع نفسه ويتنازل عن الخلافة للهادي، فامتنع، ثم أجاب بعد ترغيب وترهيب ووعد ووعيد من المهدي له يطول ذكره 6 .
وكان المهدي أتى للخلافة والأمور مستقرّة، فكان عصره بداية عصر ازدهار الدولة العباسية، لذلك نجده أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق 7 ، وأمر بعمارة طريق مكة، فبنى بها القصور، وحَفَرَ الآبار، وعمل المصانع والبِرَكَ، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها 8 . ونجده أول خليفة حمل له الثَّلْجُ إلى مكة 9 . وفي سنة سبع وستين ومائة أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دوراً كثيرة 10 .
وقد شهد عصره شيئاً من الاضطراب 11 ، لكنه لا يداني ما
حصل في عصر والده.
كما أن عصره كان عصر فتوحات في بلاد الروم وجهة جُرْجَان 12 .
وكان رحمه الله سَمْحَ الخلق، محبّاً للسنة، معظِّماً لحُرُمات الله، حسن الاعتقاد، مبغضاً للزنادقة.
كان يصلي بالناس الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوماً، فقال أعرابي: لستُ على طُهْرٍ، وقد رغبت في الصلاة خلفك، فَأْمُرْ هولاء بانتظاري، فقال: انتظروه، ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبَّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه 13 . وأصدر أمره بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصّر المنابر، وصيّرها على مقدار منبر رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - 14 .
وكان إذا عرضت قضيّة، واستُدِلَّ لها بحديث، وَثَبَ عند ذكر النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى يُلْصِقَ خَدَّهُ بالتراب ويقول: سمعت لما قال وأطعت 15 .
وهاجت ريح سوداء ذات مرّة حتى خافوا أن تكون القيامة قد قامت، فطلبه أحد حُجَّابه، فلم يجده في الإيوان، فإذا هو في بيت ساجد على التراب يقول: اللهم لا تُشْمت بنا أعداءنا من الأمم، ولا تفجع بنا نبيّنا، اللهم إن كنت أخذتَ العامة بذنبي، فهذه ناصيتي بيدك، فما أتمّ كلامه حتى انْجلتْ 16 .
ويقول الذهبي عنه: (كان غارقاً- كنحوه من الملوك- في بحر اللذات، واللهو والصيد، ولكنه خائف من الله، معادٍ لأولي الضلالة، حَنِقٌ عليهم) 17 . وهذا الذي ذكره الذهبي من معاداة المهدي لأولي الضلالة وحَنَقِهِ عليهم، دليل على حسن اعتقاده الذي أشار إليه السيوطي بقوله: (كان المهدي جواداً ممدَّحاً، مليح الشكل، محبّباً إلى الرّعيّة، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقاً كثيراً، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرَّدّ على الزنادقة والملحدين) 18 . ويصفه الذهبي بأنه كان قصّاباً في الزنادقة، باحثاً عنهم 19 . والسبب في حرص المهدي على تتبع الزنادقة: أن الزندقة قد نشطت في ذلك العهد، مما اضطر المهدي في سنة ست وستين ومائة وفيما بعدها إلى أن يجدّ في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة 20 ، بل أنشأ ديواناً خاصاً للبحث عن الزنادقة، والتفتيش عنهم، ومحاكمتهم، وعهد به إلى رجل أطلق عليه اسم: (صاحب الزنادقة) ، كما أمر بوضع الكتب للرد عليهم ومناظرتهم، فإذا لم تُجْدِ هذه الوسائل كان يلجأ إلى العنف، فيسرف في قتل الملحدين 21 ، وتابعه على هذه السياسة ابنه الهادي الذي جَدّ
في القضاء عليهم 22 بعد وفاة أبيه في سنة تسع وستين ومائة (169 هـ) ، حيث تولى الخلافة بعده، وعمل بوصية أبيه الذي أوصاه بقتل الزنادقة، واقتدى به في ذلك، وشرع في تَطَلُّبهم من الآفاق، وَجَدَّ في ذلك، فقتل منهم خلقاً كثيراً 23 .
وكان موسى الهادي لما تولى الخلافة عزم على خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد بعده، والعهد بها لابنه جعفر كما صنع أبوه بعيسى بن موسى، فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء، فأجابوه لذلك، وأَبَتْ أُمُّهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، فأَلَحَّ الهادي على أخيه هارون في الخلع، واستشار يحيى بن خالد بن بَرْمَك، فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال: إني أخشى أن تهون الأيمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفراً وليَّ العهد من بعد هارون، وأيضاً فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاقم الأمر ويختلف الناس، فعدل الهادي عن رأيه، ولم يلبث إلا يسيراً حتى توفي في سنة سبعين ومائة (170 هـ) 24 ، وتولَّى الخلافة بعده أخوه هارون الرشيد، = أتوب إلى الله، وأنشده لنفسه: ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يُوَارَى في ثرى رَمْسِهِ فصرفه المهدي، فلما قرب من الخروج، ردَّه، فقال: ألم تقل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى قال: فكذلك أنت، لا تدع أخلاقك حتى تموت، ثم أمر بقتله.
انظر تاريخ الخلفاء (ص 438 - 439) .
وكان عمره إذ ذاك ثنتين وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وولاه الوزارة، وتمكَّن عنده 25 .
وكان هارون من أَمْيَزِ الخلفاء، وأَجَلِّ ملوك الدنيا، ذا شجاعة ورأي، كثير الغزو والحج والصلاة والصدقة، مُحِبّاً للعلم وأهله، معظِّماً لحُرُمات الإسلام، مبغضاً للمِرَاء والجَدَل في الدين، والكلامِ في معارضة النصّ، وكان يبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيّما إذا وُعِظَ (2) .
دخل عليه مرَّة ابن السَّمَّاك الواعظ، فبالغ في إجلاله، فقال ابن السَّمَّاك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه (3) .
ووعظه الفضيل بن عياض مرَّة حتى شهق في بكائه (4) .
وقال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمرّ هارون، فقال فضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أموراً عظاماً (5) .
وقال عمّار الواسطي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس تموت أشد عليّ موتاً من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره.
قال: فكبُر ذلك علينا، فلما مات هارون، وظهرت الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن، قلنا: الشيخ كان أعلم بما تكلم 26 . ولما بلغه موت ابن المبارك، حزن عليه، وجلس للعزاء، فعزّاه الأكابر 27 .
وقال أبو معاوية الضَّرير: صبّ على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه، فقال الرشيد: تدري من يصبّ عليك؟ قلت: لا، قال: أنا، إجلالاً للعلم 28 . وقال القاضي الفاضل: ما أعلم أن لملك رحلة قطّ في طلب العلم، إلا للرشيد؛ فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطّأ على مالك رحمه الله، وكان أصل الموطّأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، قال: ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندريّة، فسمعه على ابن طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثاً 29 . وحدث أبو معاوية الضرير الرشيدَ يوماً عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عمّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضباً شديداً، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنّطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، وما زال أبو معاوية يُسَكِّنه ويقول: بَادِرَةٌ منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن، ثم قال: هذه زندقة، فأمر بسجنه، وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمّه بالأيمان المُغَلَّظَة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بَادِرَةٌ منه، وهو يستغفر الله ويتوب إليه منها، فأطلقه 30 . ودخل بعضهم عليه وبين يديه رجل مضروب عنقه، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق، فقتلته على ذلك قربة إلى الله عز وجلّ 31 .
وبلغه عن بشر المِرِّيسي القول بخلق القرآن، فقال: بلغني أن بشر بن غياث المِرِّيسي يقول: القرآن مخلوق، فلله علي إن أظْفَرَني به لأقتلنّه.
فكان متوارياً أيام الرشيد، فلما مات الرشيد ظهر، ودعا إلى الضلالة 32 .
وأَخَذَ مَرَّةً زنديقاً، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك.
قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -، كلُّها ما فيها حرف نَطَقَ به؟ قال: فأين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزَاري وعبد الله بن المبارك يَنْخُلانها، فيخرجانها حرفاً حرفاً 33 ؟.
وكان عهد هارون الرشيد أطول عهود خلفاء بني العباس وأزهاها؛ فقد كثر فيه الغزو، واتَّسَعَت الفتوحات، ومن ذلك: أنه أرسل الفضل بن يحيى إلى خراسان، فأحسن السيرة فيها، وبنى الرُّبُطَ والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جنداً من العجم سَمَّاهم: العَبَّاسِيَّةَ، وفتح الفضل بلاداً كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقَهَرَ مَلِكَ التُّرك وكان ممتنعاً، وأطلق أموالاً جزيلة، ثم قفل راجعاً إلى بغداد 34 .
وغزا الرشيد بنفسه بلاد الروم، فافتتح حصناً يقال له: الصَّفْصَاف 35 وغيره 36 ، حتى إن الروم كانوا يدفعون إليه الأموال تعبيراً عن خضوعهم له مقابل صلح عقدوه بينهم وبينه في عهد
ملكتهم (رَنَى) الملقَّبة: (أغسطة) ، إلى أن قام الروم بعزل هذه الملكة، ونقض الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وملّكوا عليهم رجلاً يقال له (نقفور) وكان شجاعاً، وخلعوا (رنى) ، وسملوا عينيها، وكتب (نقفور) إلى الرشيد كتاباً يذكر فيه ضعف الملكة التي كانت قبله ويقول: (حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليّ ما حملته إليك من الأموال، وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك) . فلما قرأ هارون كتابه، أخذه الغضب الشديد، حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفاً منه، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم.
من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام) .
ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هَرَقْلَةَ 37 ، ففتحها، واصطفى ابنة ملكها، وغنم من الأموال شيئاً كثيراً، وخرَّب وأحرق، فطلب منه (نقفور) الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك 38 . وبعد أن استمرّ في الخلافة مدة ثلاث وعشرين سنة أدركته الوفاة رحمه الله في سنة ثلاث وتسعين ومائة بعد أن عهد
بالخلافة لابنه محمد الأمين، ومن بعده لابنه عبد الله المأمون 39 . ولما عهد الرشيد لابنه محمد الأمين بولاية العهد من بعده وقدَّمه على عبد الله المأمون قال: (إني لأعرف في عبد الله حَزْمَ المنصور، ونُسُكَ المهدي، وعِزَّةَ الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع- يعني نفسه- لنسبته، وقد قدَّمت محمداً عليه، وإني لأعلم أنه منقادٌ إلى هواه، مُبَذِّر لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أمُّ جعفر 40 ، ومَيْلُ بني هاشم إليه، لقدَّمتُ عبد الله عليه) 41 .
وكان الأمين رحمه الله سُنِّياً، لكنه مسرف على نفسه، سيء التدبير.
يقول الإمام أحمد: (إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن عُلَيَّة؛ فإنه أُدْخِلَ عليه، فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟!) 42 .
وأما إسرافه على نفسه وسوء تدبيره فأشار إليه أبوه هارون كما سبق، وتجد جملة من أخباره في ذلك في البداية والنهاية 43 وتاريخ الخلفاء 44 ، وقد أعرضت عن ذكرها قصداً؛ لخروجها عن الغرض؛ ولأنها تحتاج إلى تمحيص.
ولما تولى الأمين الخلافة سعى في جعل البيعة من بعده لابنه موسى، فعزل أخاه القاسم عمّا كان الرشيد ولاّه، وأرسل إلى أخيه = يقله، وإنما غلط، فأحضر للأمين محمد بن هارون، فشتمه وقال: يا ابن كذا وكذا، أَيْشٍ قلت؟ فقال: أنا تائب إلى الله، لم أعلم، أخطات.
وذكر الفضل بن زياد أنه سأل الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، فقال: ما زال إسماعيل وضيعاً من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات.
قال الفضل: قلت: أليس قد رجع وتاب على روؤس الناس؟ فقال: بلى، ولكن ما زال مبغضاً لأهل الحديث بعد كلامه ذاك إلى أن مات، ولقد بلغني أنه أدخل على محمد بن هارون، فلما رآه زحف إليه، وجعل محمد يقول له: يا ابن ... ، يا ابن ... ، تتكلم في القرآن؟ قال: وجعل إسماعيل يقول له: جعله الله فداه، زلّة من عالم، جعله الله فداه، زلّة من عالم.
قال الفضل: ثم قال لي أبو عبد الله: لعلّ الله أن يغفر له- أي للأمين- لإنكاره على إسماعيل، ثم قال بعدُ: هو ثبت- يعني إسماعيل-.
اهـ وانظر التهذيب (1 / 278 - 279) . وهذا من إنصاف الإمام أحمد رحمه الله، فإسماعيل رحمه الله ثقة حافظ كما سيأتي في ترجمته في الحديث [59] ، ولذا فإن الذهبي رحمه الله ذكر إسماعيل هذا في الميزان للدفاع عنه (1 / 216 - 220) ، ولما ذكر كلام الإمام أحمد فيه قال: (قلت: إمامة إسماعيل وثيقة لا نزاع فيها، وقد بدت منه هفوة، وتاب، فكان ماذا؟ إني أخاف الله لا يكون ذكرنا له من الغيبة) اهـ. وأما ما يتعلق بمسألة القرآن، فإن قوله فيه موافق لقول أهل السنة، قال الخطيب البغدادي في تاريخه (6 / 239) : (وقد رُوي عن ابن علية في القرآن قول أهل الحق ... ) ثم ساق بإسناده عن عبد الصمد بن يزيد مردويه أنه قال: (سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق) .
المأمون يطلب منه أن يقدِّم موسى على نفسه، فردّ المأمون ذلك وأباه، ووقعت الوحشة بينهما، فخلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد، فلما تيقن المأمون ذلك، تسمَّى بإمام المؤمنين وكان في خراسان، فأرسل إليه الأمين جيشاً لقتاله، وأرسل المأمون جيشاً، فالتقيا، وتقاتلا، وكانت الغلبة لجيش المأمون، واستمرّ القتال بينهما في حروب يطول ذكرها، انتهت بقتل الأمين في أول سنة ثمان وتسعين ومائة، وتولِّي المأمون الخلافة بعده 45 . وكان المأمون من أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة، لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ومع ذلك كان معروفاً بالتشيع 46 ، وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن في سنة إحدى ومائتين، وجعل ولي العهد من بعده علياً الرِّضا بن موسى الكَاظِم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيع، حتى قيل: إنه همّ أن يخلع نفسه ويفوِّض الأمر إليه، وهو الذي لقَّبه الرِّضا، وضرب الدراهم باسمه، وزوَّجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك لبس السواد شعار بني العباس ولبس الخضرة بدلاً منه، فاشتدّ ذلك على بني العباس جداً، وخرجوا عليه، وبايعوا إبراهيم
ابن المهدي، ولُقَّب: (المبارك) ، فجهَّز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب، وكان المأمون بخراسان، فسار نحو العراق، فلم يلبث علي الرِّضا أن مات في سنة ثلاث ومائتين، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم إنما نقموا عليه بيعته لعلي الرِّضا وقد مات، فردّوا جوابه أغلظ جواب، فسار إليهم، ثم بدأ الناس يتسللون من عهد إبراهيم بن المهدي، فعلم بذلك، فاختفى، ووصل المأمون إلى بغداد، فكلمه العباسيون في لبس السواد، فتوقف، ثم أجاب إلى ذلك (1) . وبلغ من تشيع المأمون: أنه في سنة إحدى عشرة ومائتين أمر بأن يُنَادَى: برئت الذِّمّة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -: علي بن أبي طالب (2) . وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين أظهر القول بخلق القرآن مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم من غير سبّ لهما 47 ، فاشمأزَّت النفوس منه، وكاد البلد (1، 2) تاريخ الخلفاء (ص 489 - 491، 492) .
يفتتن، فكفّ عن ذلك حتى سنة ثمان عشرة ومائتين حيث امتحن الناس بالقول بخلق القرآن 48 ، ولم يتمّ له ما أراد لوفاته في نفس العام، ثم تولى زمام الفتنة من بعده أخوه المعتصم كما سيأتي.
وما يدلّ على تميز المأمون بالحزم والدَّهاء والشجاعة وباقي الصفات المتقدم ذكرها: أن عصره شهد فتناً عظيمة وانصداعاً في رعيته، استطاع بدهائه وحزمه ورأيه أن يخمد الفتن ويسوس الناس، لولا خوضه فيما خاض فيه من أمور المعتقد 49 ، حتى إن هناك من يتهمه فيما أظهره من التشيع وحب آل البيت الذي أدّى به إلى أخذ البيعة لعلي الرِّضا بولاية العهد من بعده وتزويجه ابنته، ويرى أنه غير صادق في ذلك، وأنه إنما فعله سياسة لاكتساب ولاء الخراسانيين = وعائش الأُمّ لست أشْتُمها ... من يفتريها فنحن منه بَرَا ثم قال ابن كثير بعد ذلك: (وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة، وفيه تفضيل علي على الصحابة، وقد قال جماعة من السلف والدارقطني: من فضّل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار- يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على عثمان، وتقديمه على علي بعد مقتل عمر-، وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر) اهـ.
الذين تشبعت نفوسهم بالعقائد الشيعية.
ويحتج أصحاب هذا الرأي بأن علياً الرِّضا لم يكن راغباً في ولاية العهد، وإنما قبلها تحت ضغط المأمون عليه وتهديده له بضرب عنقه إن لم يقبل، ومع ذلك كان موته بسبب أكله لعنب يقال إنه كان مسموماً دسّه له المأمون للتخلص منه بعد أن ظفر منه بما أراد 50 ، فالله أعلم.
وشهد عصر المأمون فتوحات كثيرة وبخاصة في بلاد الروم، وكان يخرج للغزو بنفسه 51 . ولما توفي خلفه من بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، الذي كان عَرِيّاً من العلم كما يقول السيوطي 52 ، فإنه كان أُمِّياً لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك: أنه كان يتردد معه إلى الكُتّاب غلام، فمات الغلام، فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكُتّاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكُتّاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكُتّاب، فتركوه، فكان أُمِّيّاً، وقيل: بل كان يكتب كتابة ضعيفة 53 .
وكان المعتصم ذا شجاعة وقوة وهمّة، حتى إنه كان يجعل زَنْدَ الرجل بين إصبعيه فيكسره 54 .
وكتب إليه ملك الروم مرة كتاباً يتهدده فيه، فأمر بجوابه، فلما
عُرِض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار 55 .
وهو الذي استطاع القضاء على بَابِك الخُرَّمي الذي يقول عنه الذهبي: (كان أحد الأبطال، أخاف الإسلام وأهله، وهزم الجيوش عشرين سنة، وغلب على أَذِرْ بِيجَان وغيرها، وأراد أن يقيم الملّة المجوسية، وظهر في أيامه المازيار أيضاً بالمجوسية بطبرستان، وعظم البلاء، وكان المعتصم والمأمون قد انفقوا على حرب بابك قناطير مقنطرة من الذهب والفضة) 56 . ولما استنفر المعتصم الجيوش لحرب بابك، ضعفت جبهته مع الروم، وحينما أحيط ببابك الخُرَّمي، كتب الخبيث إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهّز إليّ جمهور جيشه، ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة، فانهض سريعاً إلى ما حولك من بلاده، فخذها، فإنك لا تجد أحداً يمانعك عنها، فركب ملك الروم بعسكره حتى وصل إلى مَلَطْيَة 57 ، فقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً، وأسروا نساءهم.
فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج جداً، وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره، وأمر بتعبئة الجيوش، وقال للأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عَمُّورِيَّة 58 ، لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف
عندهم من القسطنطينية، فسار إليها حتى افتتحها بعد حروب وأمور يطول ذكرها 59 ، وهذا الفتح هو الذي قال فيه أبو تَمَّام قصيدته المشهورة:
السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءًَ من الكُتُبِ ... في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللعبِ
إلى آخرها 60 .
وبالجملة فللمعتصم محاسن ومناقب عديدة، إلا أنه شَانَها بفتنة الناس بالقول بخلق القرآن.
يقول الذهبي رحمه الله: (كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شَانَ سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن) 61 .
ويقول السيوطي: (بويع له بالخلافة بعد المأمون في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره، من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك؛ وأمر المعلّمين أن يعلِّموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقّة في ذلك، وقَتَلَ عليه خلقاً من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين- يعني ومائتين 62 -) . ثم ما لبث المعتصم أن توفي سنة سبع وعشرين ومائتين 63 ، وهي السنة التي توفي فيها المصنِّف سعيد بن منصور.
ب - الحالة الفكريّة:
تقدم عرض موجز عن الحالة السياسية للفترة التي عاشها
المصنِّف سعيد بن منصور ابتداء من بداية الدولة العباسية- تقريباً- وانتهاءً بنهاية ولاية المعتصم.
ومن خلال ذلك العرض نلمح بروز العنصر الفارسي في ذلك العصر، وصَاحَبَهُ ظهور الشُّعُوبِيَّة 64 ، وحركة الزندقة، والتَّشَيُّع، وفي آخر الأمر محنة خلق القرآن.
وجميع هذا موصول بنشأة الدولة العباسية التي ظهرت للوجود، وظهر لظهورها بعض المذاهب الفكرية الغريبة عن الحياة الإسلامية، مما تسبب في ظهور بعض الحركات الانفصالية، وانصداع المجتمع آنذاك، واتّساع الهُوَّة بين العلماء والفئة الحاكمة.
ولاشك في أن هناك عدّة أسباب أدّت إلى ظهور هذه المذاهب، من أهمها- في نظري- سببان:
أ - ترجمة الكتب الأعجمية واليونانيّة وغيرها إلى العربية.
ب - بروز العنصر الفارسي ونشاطه وارتباطه بالجهة الحاكمة.
أما ترجمة الكتب الأعجمية واليونانية وغيرها إلى العربية، فإنها أحدثت انفتاحاً آنذاك على ثقافات وعقائد تلك الأمم المترجمة كتبها، كالفارسية والهندية واليونانية، بالإضافة إلى انضمام بعض كُتَّابهم ومفكِّريهم إلى المجتمع الإسلامي، أمثال ابن المُقَفَّع، ومنهم من لبس لباس الإسلام وأبطن الكفر للطّعن في الإسلام من الداخل كما سيأتي في الكلام عن حركة الزنادقة، ومنهم من ليس كذلك، لكنه دخل في الإسلام متلوِّثاً بثقافته السابقة.
وكان لبعض خلفاء بني العباس أثر ذو فاعلية في نشاط حركة
الترجمة.
فأبو جعفر المنصور أوّل خليفة قرَّب المنجِّمين وعمل بأحكام النجوم، وأوّل خليفة تُرجمت له الكتب السّريانية والأعجمية بالعربية، ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس 65 .
وقال الذهبي: (كان المنصور يُصْغي إلى أقوال المنجِّمين وَيَنْفُقُون عليه، وهذا من هِنَاتِه مع فضيلته) 66 . وبلغت حركة ترجمة هذه الكتب ذِرْوَتَها في عصر المأمون الذي كان يُجِلُّ أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه 67 ، فإنه استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرص 68 . ولذلك يعتبر هو أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملّة الإسلام 69 .
ولما ذكره الذهبي 70 قال: (قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليّات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، وبالغ، وعمل الرَّصَدَ فوق جبل دمشق، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، نسأل الله السلامة) .
وأما العنصر الفارسي، فإنه الذي قامت على أكتافه دولة بني العباس في عصرها الأول، ولذا عظم في ذلك العصر نفوذ الفرس، مما شجّع أصحاب الديانات الفارسية على القيام بحركة زندقية واسعة، وأتاح الفرصة للشعوبية في أن تسفر عن وجهها.
فالموالي كان لهم الدور الأكبر في نشر الدعوة العباسية، وساهموا بالنصيب الأوفر في
اعتلاء بني العباس عرش الخلافة، وهذا الذي جعلهم في ذلك العصر أصحاب الحَظْوَةِ والنُّفوذ والبأس، فقرَّبهم الخلفاء إليهم، وولَّوْهُم أعلى المناصب في الدولة، وكان لأبي جعفر المنصور قَدَمُ السَّبْقِ في ذلك؛ فهو أول من استعمل مواليه على الأعمال، وقَدَّمهم على العرب، وكثُر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها، بحيث أصبح العنصر الفارسي أكثر العناصر امتيازاً وتَفَوُّقاً.
وفي هذا الجوّ المتسامح استطاع الأعاجم أن يجهروا بعدائهم للعرب، وأن يفخروا عليهم، ويُحَقِّروا من شأنهم 71 .
ولما ذكر الذهبي مصير الأمر إلى بني العباس قال: (فرحنا بمصير الأمر إليهم، ولكن- والله- ساءنا ما جرى- لَمَّا جرى- من سيول الدماء، والسبي والنهب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء، ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم، وأنَّى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجميّة خراسانية جبّارة، ما أشبه الليلة بالبارحة!) 72 .
وهذا ما دفع بعض المؤرخين للقول بأن دولة بني العباس دولة خراسانية شرقية 73 ، وفي هذا يقول المقريزي: (إن بني العباس أخذوا الخلافة بالغَلَبَةِ بأيدي عجم أهل خراسان، ونالوها بالقوة، حتى أزال عجم خراسان دولة بني أمية ... ، بل استحالت الخلافة كسرويَّة
قيصريَّة) 74 .
ومن أظهر الأدلّة على النزعة الأعجمية في الدولة العباسية: ما حصل للعرب وقتها من القتل الذي يقال إنه بإيعاز من آل العباس أنفسهم.
فقد وقع في يد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية جواب كتاب كتبه إبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم الخراساني يأمره فيه بقتل كل من تكلم بالعربية في خراسان 75 . ولذلك يقول الذهبي: (كان أبو مسلم بلاء عظيماً على عرب خراسان، فإنه أبادهم بحدِّ السيف) 76 .
ويقول أيضاً: (وقد كان بعض الزنادقة والطُّغَام من التناسُخِيَّة اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى حَلَّ في أبي مسلم الخراساني المقتول؛ عند ما رأوا من تجبُّره واستيلائه على الممالك وسفكه للدماء، فأخبار هذا الطاغية يطول شرحها) 77 .
وسئل عبد الله بن المبارك رحمه الله عن أبي مسلم: أهو خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد، ولكن كان الحجاج شراً منه 78 . وقال علي بن عَثَّام: قال إبراهيم الصائغ: لما رأيت العرب وصنيعها، خِفْتُ ألا تكون لله فيهم حاجة، فلما سلّط الله عليهم أبا مسلم، رجوت أن تكون لله فيهم حاجة 79 .
وكان إبراهيم بن ميمون الصائغ قائل هذه المقالة أحد ضحايا أبي مسلم، فإنه كان من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة لبني العباس، وكان أبو مسلم يَعِدُهُ إذا ظهر أن يقيم الحدود.
فلما تمكّن أبو مسلم، ألَحَّ عليه إبراهيم بن ميمون في القيام بما وعده به حتى أَحْرَجَهُ، فأمر بضرب عنقه، وقال له: لم لا كنت تنكر على نصر بن سيّار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب، فيبعثها إلى بني أميّة؟ فقال له: إن أولئك لم يقرِّبوني من أنفسهم، ويعدوني منها ما وعدتني أنت.
وقد رأى بعضهم لإبراهيم بن ميمون هذا منازل عالية في الجنة؛ بصبره على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه كان آمراً ناهياً قائماً في ذلك، فقتله أبو مسلم 80 .
ويقول أبو نعيم الأصبهاني: (قتله أبو مسلم مظلوماً شهيداً سنة إحدى وثلاثين ومائة) 81 .
فظهر مما تقدم أن الشعوبية أعلنت عداءها للعرب في العصر العباسي الأول، وبرز العنصر الفارسي مستغلاً نصرته لدولة العباسية، هذا مع أن الدعوة العباسية ظهرت وانتشرت في خراسان، وكانت خراسان مركزاً للديانات والعقائد الفارسية 82 . والدولة العباسية، وإن كانت في أصلها دولة عربية، إلا أنها قامت على أكتاف قائد فارسي = والمظالم التي جعلته يتخوّف عليهم من أن لا تكون لله فيهم حاجة، ولم يتصور أن العرب مع ما فيهم هم خير من غيرهم في الجملة، فلما رأى ولاية أبي مسلم وما صنع بالعرب من الظلم استدرك، فرجى أن تكون لله فيهم حاجة، فإن الظالم يسلط عليه من هو أظلم منه، ولذلك يقول علي بن عَثَّام بعد ذكره لهذا القول: (ما انتقم الله من قوم ((في الأصل: لقوم)) إلا بشرٍّ منهم) .
الأصل، وهو أبو مسلم الخراساني (1) ، وكان مُعْظَمُ جيشه من أهل خراسان (2) ، وهذا الذي شجع أصحاب الديانات الفارسية على القيام بحركة زندقية واسعة (3) ، لأنها وجدت حافزاً لها في هذه البيئة المناسبة لدعوتها، وليس أدَلَّ على هذا من أن الذين قاموا يطالبون بالثأر لأبي مسلم الخراساني لما قتله أبو جعفر المنصور هم من المجوس، يقول الذهبي: (ولما قتل- يعني أبا مسلم- خرج بخراسان سنباذ للطلب بثأر أبي مسلم، وكان سنباذ مجوسياً، فغلب على نيسابور والرَّيّ، وظفر بخزائن أبي مسلم، واستفحل أمره، فجهز المنصور لحربه جمهور بن مَرَّار العجلي في عشرة آلاف فارس، وكان المصَافّ بين الرَّيّ وهمذان، فانهزم سنباذ، وقتل من عسكره نحو من ستين ألفاً، وعامتهم كانوا من أهل الجبال، فسبيت ذراريهم، ثم قتل سنباذ بأرض طبرستان) 83 .
وتقدم قريباً ما ذكره الذهبي من أن بعض الزنادقة والطُّغَام من التناسخية اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى حلّ في أبي مسلم الخراساني المقتول، ولذا نجد هناك من اتهم أبا مسلم في إسلامه.
يقول ابن كثير: (قد اتهمه بعضهم على الإسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه عن أبي مسلم ما يدلّ على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادّعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية، والله أعلم بأمره) 84 .
والزَّنْدَقَةُ: لفظة فارسية معَرَّبَة، والزنادقة: هم المبطنون للكفر، (1، 2، 3) انظر كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي ... ) (ص 68 - 70، 80) .
المظهرون الإسلام، أو الذين لا يتديّنون بدين، يفعلون ذلك استخفافاً بالدين 85 .
قال الدكتور عمر فلاتة 86 : ((وقد اندس الزنادقة بين صفوف المسلمين عند ما أكرهوا على الدخول في دين الله، فأظهر جماعة منهم الإسلام، ولم تنشرح صدورهم له، وقد كان بعض هؤلاء الزنادقة ذوي مكانة في مجتمعاتهم قبل الفتح الإسلامي لبلدانهم، وبسقوط إمبراطورياتهم ومملكاتهم أضحوا نسياً منسياً، فدفع بهم الحقد الدفين في نفوسهم إلى الكيد للإسلام والمسلمين، وقد أجهدوا أنفسهم للوصول إلى أغراضهم.
ولما كان باب القرآن قد أُوصِد أمامهم، منذ جُمِع الناس على مصحف واحد، لجأوا إلى باب السنة، منه يدخلون، وعلى السذج من المسلمين يلفقون، فأذكوا نار الفتنة، ووسعوا دائرة الخلاف بين المسلمين، وأدرجوا في الشريعة السمحاء من معتقداتهم الباطلة، يعززونها بوضع الحديث عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -.
وقد تعددت طرقهم في كيفية بث سمومهم ونشر مفترياتهم، فمنهم من اتخذ التشيع له شعاراً ينشر منه مفترياته كما فعل ابن سبأ.
ومنهم من كان يدس الأباطيل والأكاذيب السخيفة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -، قاصدين بذلك تشويه صورة الإسلام الناصعة، في عقائده وعباداته ومقاصده، فقد وضعوا أحاديث تتعلق بذات الله وصفاته تتناقض مع عقيدة الإسلام الصحيحة، وهي تَنُمُّ عما تنطوي عليه بواطنهم، بالإضافة إلى ما يقصدون من وراء ذلك من تنفير العامة عن الإسلام، وإظهاره بمظهر الدين المتناقض الذي يشتمل على كثير من الأمور
المتناقضة وغير المعقولة.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن هؤلاء الزنادقة كثيراً ما نراهم يُقِرُّون بالوضع، بل إن غالبهم كان يُقِرُّ بأنه وضع أحاديث كثيرة تركها تجول بأيدي العامة من الناس.
فهذا عبد الكريم بن أبي العوجاء، لما أراد محمد بن سليمان بن علي ضرب عنقه قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرّم فيها الحلال، وأحل فيها الحرام، ولقد فطرّتكم في صومكم، وصوّمتكم في يوم فطركم.
وهذا المهدي يقول: أقرّ عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس.
ثم قال الدكتور عمر فلاتة: ويرى بعض الباحثين أن إقرار الزنادقة بوضع الحديث، وإصرارهم على ذلك، إنما هو من تحدِّيهم للمسلمين وإصرارهم على زندقتهم.
وقد بدا لي والله أعلم أن إقرار بعضهم، واعترافهم بالوضع في الحديث بصور هائلة، وأرقام خيالية، هو جزء من مخططهم الرهيب، فقد أبت زندقتهم إلا تنفير الناس من معتقداتهم، والطعن عليهم في دينهم، وقد بذلوا جهدهم في ذلك حال تمتعهم بحرياتهم، فلما أُخذوا وأيقنوا بالهلاك، عملوا على تنفيذ مخططاتهم، بالتشكيك فيما في أيدي الناس من الأحاديث والروايات، وليس معنى هذا أنهم لم يكذبوا مطلقاً، بل إنهم كذبوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - بعض الأحاديث، وهم بذلك يُعَدُّون كذابين وضاعين، إلا أنه لا ينبغي أن يسلّم لهم وضع هذه الأعداد الهائلة، لا سيما وأن بعضهم حصرها في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال.
ولو تتبعنا الكتب التي عنيت بجمع الأحاديث الموضوعة، لم تبلغ هذا العدد، فضلاً عن أن تبلغ أحاديث الأحكام
هذا الرقم.
فالزنادقة كما أفسدوا حال حياتهم، أرادوا أن يفسدوا أيضاً بعد أخذهم وتقتيلهم، فألقوا القول رغبة في تشكيك الناس في سنة رسولهم - صلى الله عليه وسلم -، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقد أحسن الخلفاء صنعاً حينما أخذوهم وقعدوا لهم كل مرصد، وأراحوا الأمة الإسلامية منهم؛ بإنزال أشد العقوبة بهم، وكَفَوا المسلمين شرّهم، فقد سنّ الوالي خالد بن عبد الله القسري سنة حسنة فيهم حينما ضحّى بالجعد بن درهم سنة 125 هـ ثم صار خلفاء بني العباس على سنته لما أحسوا بخطرهم على كيان الإسلام، فتعقبوهم قتلاً وتشريداً، وأشهر من أعمل في رقابهم التأديب: الخليفة المهدي الذي أنشأ ديواناً خاصاً للزنادقة يتتبع فيه أوكارهم ويقضي على رؤسائهم) اهـ بتصرف.
وهذا الذي أشار إليه الدكتور عمر فلاتة من أن المهدي أنشأ ديواناً خاصاً للزنادقة سبق الكلام عنه مع ذكر بعض من أوقع بهم العقوبة لاتهامهم بالزندقة 87 ، وسار ابناه الهادي والرشيد على طريقته، وسبق ذكر قصة الزنديق الذي أمر هارن الرشيد بضرب عنقه، فقال الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك.
قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -، كلُّها ما فيها حرف نطَقَ به؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفَزَاري وعبد الله بن المبارك يَنْخُلانها، فيخرجانها حرفاً حرفاً 88 ؟.
وأما التشيع فمتعلق بنشأة الدولة العباسية التي نشأت في خراسان تحت ستار الانتصار لأهل البيت، وخراسان هي مركز (1، 2) انظر (ص 23 - 24، 27) من هذه المقدمة.
التشيع (1) ، وكانت الدعوة العباسية في بدايتها تسير مع التشيع جنباً إلى جنب، إلى أن جاء أبو جعفر المنصور، فنحَّى أولاد علي خوفاً على سلطان بني العباس، وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي، وكان قبل ذلك أمرهم واحداً (2) . ولما رأى العلويون أنهم قد نُحُّوا، قاموا بعدة ثورات، منها ثورة محمد وأخيه إبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب على أبي جعفر المنصور، وتقدّمت الإشارة إليها 89 . وهناك ثورات أخرى من أهمها: ثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب على الهادي في سنة تسع وستين ومائة (4) . وفي سنة سبعين ومائة خرج بعض أهل البيت على هارون الرشيد (5) . وفي سنة ست وسبعين ومائة خرج على الرشيد أيضاً يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب (6) . وفي سنة سبع ومائتين خرج على المأمون باليمن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (7) . وفي سنة تسع عشرة ومائتين خرج على المعتصم محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطّالقان من خراسان (8) .
وقد أطلّ التشيع برأسه في عهد المأمون الذي كان يتشيع ويظهر التشيع، واسْتَوْزَرَ الفضل بن سهل، وهو أول وزير للمأمون، وسمّاه المأمون: ذا الرئاستين؛ لأنه تولى رئاسة السيف ورئاسة القلم- أي رئاسة الجيوش ورئاسة الديوان-، وهو أول وزير لُقِّب، وأول وزير اجتمعت له الوزارة واللقب والتأمير 90 . وكان الفضل متشيعاً، وله أثر كبير في نقل الخلافة من آل العباس إلى آل علي 91 حينما بايع المأمون عليّاً الرضا بولاية العهد من بعده على ما سبق بيانه (3) . وتقدم أن المأمون في سنة إحدى عشرة ومائتين أمر بأن يُنَادى: برئت الذِّمَّة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -: علي بن أبي طالب، وقدَّمه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم (4) . وكان المأمون أيضاً أول من أظهر القول بخلق القرآن، وكان قبل ذلك مُحَارَباً من خلفاء بني العباس، فهارون الرشيد توعَّد وقتل على هذه المسألة (5) . وكذلك ابنه الأمين، وقصته مع إسماعيل بن إبراهيم بن عليّة معروفة، وسبق ذكرها (6) . فلما جاء المأمون أظهر القول بخلق القرآن في سنة اثنتي عشرة ومائتين، فكاد البلد يفتتن، فكفَّ عن ذلك حتى سنة ثمان عشرة ومائتين حيث امتحن الناس بالقول بخلق القرآن 92 ، ودفعه إلى ذلك أمران:
1- تأثُّرُه بما أدخله في ملة الإسلام من المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان، التي يعتبر أول من أدخلها؛ حينما أحضرها من جزيرة قبرص 93 .
2- تأثُّرُه بالمعتزلة والجهمية الذين قرَّبهم وأدناهم ممن أخذوا بقول جهم بن صفوان، وجهم أخذه من الجعد بن درهم، والجعد أخذه من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذه طالوت من خاله لبيد، وهو الذي سحر النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان يقول بخلق التوراة 94 .
يقول الذهبي رحمه الله: (كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائماً في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استُشهد قُفْلُ باب الفتنة عمر رضي الله عنه، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبح صبراً.
وتَفَرَّقَت الكلمة، وتَمَّت وقعة الجمل، ثم وقعة صِفِّين، فظهرت الخوارج، وكفَّرت سادةَ الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسِّمة بخراسان في أثناء عصر التابعين، مع ظهور السنة وأهلها، إلى ما بعد المائتين.
فظهر المأمون الخليفة- وكان ذكياً متكلِّماً، له نظر في المعقول-، فاستجلب كتب الأوائل، وعَرَّبَ حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخَبَّ 95 وَوَضَعَ 96 ، ورفعت الجهمية
والمعتزلة رؤوسها، بل والشيعة، فإنه كان كذلك.
وآل به الحالُ إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمْهَلْ، وهَلَكَ لعامه، وخَلَّى بعده شرّاً وبلاءً في الدين، فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأن كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله.
فأنكر ذلك العلماء.
ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين، فلما ولي المأمون، كان منهم، وأظهر المقالة) 97 .
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: (خالطه- أي المأمون- قوم من المعتزلة، فحسنَّوا له القول بخلق القرآن، وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ، ثم قوي عزمه وامتحن الناس) 98 .
وكانت بداية المحنة لمّا قوي عزم المأمون في سنة ثمان عشرة ومائتين، وكان مقامه آنذاك بطرسوس، فأرسل إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم كتاباً طويلاً لامتحان العلماء يقول فيه: (وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حَشَوَةِ الرَّعيَّة، وسَفَلة العامّة ممن لا نظر له ولا رويَّة، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله وعمىً عنه، وضلالة عن حقيقة دينه ... ) إلى أن قال: (فاجمع من بحضرتك من القضاة، فأقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه ... ) إلخ الكتاب 99 .
ثم كتب المأمون إلى نائبه كتاباً آخر يأمره فيه أن يُشخص إليه
سبعة من العلماء، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو مسلم المستملي عبد الرحمن بن يونس، وإسماعيل بن داود، وأحمد الدَّوْرَقي، وإسماعيل بن أبي مسعود، فامتُحنوا، فأجابوا.
قال يحيى بن معين: (جَبُنّا خوفاً من السيف) .
ثم كتب المأمون بعد ذلك كتاباً آخر يأمر فيه بإحضار من امتنع، وهم عدّة نفر، منهم: الإمام أحمد، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد المعروف بـ: سجَّادة.
فأجابوا كلهم إلا هؤلاء الأربعة، فأمر بهم إسحاق فقُيِّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود، فأجاب سجّادة، ثم عاودهم ثالثاً، فأجاب القواريري، وصمَّم الإمام أحمد ومحمد بن نوح، فبعث بهما مقيَّدين إلى المأمون، فتوفي محمد بن نوح- رحمه الله- في الطريق، ودعا الله الإمامُ أحمد أن لا يريه وجه المأمون، فتلقّاهم خبر موت المأمون في الطريق.
ثم تولى الخلافة بعده المعتصم، فسلك ما كان المأمون ختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموه الصبيان، وقاسى الناس منه مشقّة، وقَتَل عليه خلقاً من العلماء، وضُرب الإمام أحمد، وكان ضربه في سنة عشرين، وقيل: سنة تسع عشرة ومائتين، فصبر رحمه الله حتى أعيا المعتصم أمره، فكفّ عن ضربه، وفرّج الله عنه، واستمرّت هذه المحنة بقية ولاية المعتصم، ثم ابنه الواثق من بعده، حتى جاء المتوكِّل- رحمه الله- من بعدهما، فرفع المحنة عن الناس، وأظهر السنَّة 100 .
قال الذهبي: (وامتحن- أي المعتصم- الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الإمصار، وأخذ بذلك المؤذِّنين وفقهاء المكاتب، ودام ذلك حتى أزاله المتوكِّل بعد أربعة عشر عاماً) 101 .
ومن الواضح أن هذه المحنة إنما طالت من كان قريباً من محلّ إقامة الخليفة، وكان سعيد بن منصور آنذاك بمكة، ولم يُذكر أن أحداً من العلماء المقيمين بمكة امتُحن كما امتُحن هؤلاء المذكورون ومن كان معهم، إلا أن صدى الفتنة عمَّ أرجاء العالم الإسلامي، فساء ذلك علماء أهل السنة، فشرعوا في الردّ على أصحاب هذه المقالة، والتحذير من الخوض في علم الكلام ومجالسة أهل الأهواء، وأقوالهم في هذا كثيرة جداً 102 . وكان بعض هذه الردود والتحذيرات في مؤلفات مستقلة ككتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وبعضهم يسميه: (الرد على الجهمية) 103 ، ومعظم رواياته فيه عن أبيه، وبعض هذه الردود تأتي على صفة أبواب ضمن مؤلفات كما صنع سعيد بن منصور في سننه، فإنه عقد أبواباً تتعلق بأصول الاعتقاد؛ مثل الشفاعة، والقَدَر، والنهي عن مجالسة أهل الأهواء، والنهي عن الاستماع لأهل البدع، والنهي عن سب أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا في الكلام عن معتقده.
= لابن عمه حنبل بن إسحاق، وكتاب المحن لأبي العرب التميمي (ص 438 - 444) ، وسير أعلام النبلاء (10 / 287 -288، 292، 307) ، (11 / 232 فما بعد) ، والبداية والنهاية لابن كثير (10 / 330 - 340) ، وتاريخ الخلفاء (ص 493 - 499) .
جـ- الحالة العلمية:
إن هذه الفترة التي عاشها سعيد بن منصور هي الفترة الذهبية للحالة العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية.
فقد شهد هذا العصر كثيراً من الشخصيات العلمية البارزة التي كان لها أكبر الأثر على الأمة، ولا تزال آثارها باقية.
وعلى رأس هؤلاء: الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى.
كما أن هناك كثيراً من فحول العلماء الذين لا يقلّون عن هؤلاء أهمّية؛ أمثال: ابن جريج والأوزاعي وشعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير وعبد الله بن وهب وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم كثير.
ويعتبر هذا العصر هو عصر التصنيف وتدوين السنة على الأبواب، وبدايته من سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكانت السنّة قبل ذلك يتلقاها العلماء حفظاً، أو في صحف غير مرتّبة.
يقول الذهبي رحمه الله: (في سنة ثلاث وأربعين- يعني ومائة- شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير.
فصنَّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنَّف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم، والليث، وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب، وكثُر تدوين العلم وتبويبه ودوِّنت كتب العربية، واللغة، والتاريخ، وأيام الناس.
وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يَرْوُونَ العلم من صحف صحيحة غير مرتَّبة) 104 .
وسبق أن بَيَّنْتُ 105 متى بدأ التدوين والتصنيف، وأن أوَّل من صنّف على الأبواب: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت 150 هـ) بمكة، والإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) أو محمد بن إسحاق بن يسار (ت 151 هـ) بالمدينة والربيع بن صَبيح (ت 160 هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (ت 156 هـ أو 157 هـ) ، أو حماد بن سلمة (ت 167 هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (ت 161 هـ) بالكوفة، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 157 هـ) بالشام، وهشيم بن بشير الواسطي (ت 183 هـ) بواسط، ومعمر بن راشد (ت 153 هـ) باليمن، وجرير بن عبد الحميد (ت 188 هـ) بالرَّيّ، وعبد الله بن المبارك المَرْوَزي (ت 181 هـ) بمَرْو وخراسان.
أما ابن جريج، فصنّف كتاب السنن، وكتاب الحج أو المناسك، وكتاب التفسير، وكتاب الجامع 106 .
وأما الإمام مالك، فصنّف كتاب الموطّأ 107 .
وأما محمد بن إسحاق، فصنّف كتاب المغازي 108 .
وأما سعيد بن أبي عروبة، فله مصنّفات كثيرة، منها: تفسير القرآن، والسنن، والمناسك، والنكاح، والطلاق 109 .
وأما سفيان الثوري، فله كتب عدَّة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والفرائض، والتفسير 110 . وأما الأوزاعي، فالّف كتباً عديدة، إلا أنها احترقت ولم يبق منها شيء سوى اقتباسات في بعض الكتب، فمن كتبه: كتاب السنن في الفقه، وكتاب المسائل في الفقه 111 . وأما هشيم بن بشير، فهو ممن كثرت عنايته بالآثار، وجمعه للأخبار، وحفظ، وصنَّف كتباً عديدة، منها: السنن في الفقه، والتفسير، والقراءات، والصلاة 112 . وأما معمر بن راشد، فصنّف كتاب المغازي، وكتاب التفسير، وكتاب الجامع 113 . وأما عبد الله بن المبارك، فصنّف كتباً عديدة، منها: المسند وكتاب الزهد، وكتاب الجهاد، وكتاب السنن في الفقه، وكتاب التفسير، وكتاب التاريخ، وكتاب البر والصلة 114 .
وكان هؤلاء الأئمة في عصر واحد تقريباً، فلا ندري أيهم كان أسبق، وإن قال بعضهم: إن ابن جريج أول من صنف، إلا أن الأَوْلى أن يُقَيَّد كل منهم بمصره، فيقال: أول من صنف بالكوفة سفيان الثوري، وهكذا 115 .
وبعض هؤلاء الذين هم أول من صنف من شيوخ سعيد بن منصور، مثل الإمام مالك وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد.
ولم يكن التصنيف في ذلك العصر مقصوراً على هؤلاء، بل هناك عدد كثير ممن صنَّف غيرهم، نذكر منهم:
1- إبراهيم بن طَهْمان (ت 163 هـ) :
كتب الكثير، ودوّن كتبه التي أثنى عليها ابن المبارك بقوله: (إبراهيم بن طهمان صحيح الكتب) 116 .
ومن كتبه: التفسير، والسنن في الفقه، والعيدين، والمناقب 117 .
2- الحسين بن واقد المَرْوَزي (ت 159 هـ) :
له كتاب التفسير، وكتاب الوجوه في القرآن 118 . = وأما كتاب الزهد فقام بتحقيقه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ونشره محمد عفيف الزعبي.
وأما كتاب الجهاد، فقام بتحقيقه الدكتور نزيه حمّاد، ونشرته دار المطبوعات الحديثة بجدّة.
3- زائدة بن قدامة الثقفي (ت 160 هـ) :
له كتب، منها: السنن، والقراءات، والتفسير، والزهد، والمناقب 119 .
4- سفيان بن عيينة (198 هـ) :
له كتاب التفسير 120 .
5- مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ذئب (ت 158 هـ) :
له كتاب السنن، ويحتوي على الفقه، مثل: الصلاة، والطهارة، والصيام، والزكاة، والمناسك، وغير ذلك.
وله كتاب الموطأ، وقد يكون هو نفس السنن، وقد بقي هذا الموطأ لعدة قرون 121 .
وتقدم 122 أن معظم هذه المصنفات كان يضم أحاديث النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما ورد عن الصحابة والتابعين، إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصُنِّفَت المسانيد.
وقد كان لتلك الهجمة الشرسة من الزنادقة وأهل الكلام على العقيدة الإسلامية والسنة النبوية أثر إيجابي على الحركة العلمية آنذاك، حيث شعر العلماء بعظم المسئولية الملقاة على عاتقهم، فعنوا بنقد الأحاديث، والكشف عن أحوال الرواة، والرد على أهل الكلام والتحذير منهم.
فجواب هارون الرشيد لذلك الزنديق الذي ادّعى أنه وضع ألف حديث يدلّ على أن علماء الحديث قد تصدّوا لنقد الأحاديث التي وضعها الزنادقة وغيرهم، وبيّنوا الزائف من غيره.
وشبيه به ما ذكره عبدة بن سليمان قال: قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ 123 .
وأما الكشف عن أحوال الرواة فَيَتَجَلَّى بالنظر إلى ذلك الكم الهائل المودع في كتب الرجال، من كلامهم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وتمييز الثقات من الضعفاء والمجاهيل، ومن كان ثقة ثم عرض له عارض يوجب ضعفه كالاختلاط، ومن هو ثقة ولا تقبل روايته إلا بشروط كالمدلِّسين، والعناية بتواريخ مواليد الرواة ووفياتهم وبلدانهم ... ، إلى غير ذلك مما يتوصل من خلاله إلى نقد الأسانيد.
وكان الكشف عن أحوال الرواة موجوداً منذ عهد النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لكن العلماء في هذا العصر تصدَّوا له بسبب ما تقدم ذكره من وجود الحاجة؛ للوقوف في وجه تلك التحديات المشار إليها.
يقول صالح جزرة: (أول من تكلم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم بعده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين) (2) .
قال ابن الصلاح تعليقاً على هذا الكلام: (قلت: وهؤلاء يعني أنه أول من تصدَّى لذلك وعُني به، وإلا فالكلام فيه جرحاً وتعديلاً متقدم ثابت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجُوِّز ذلك صوناً للشريعة ونفياً للخطأ والكذب عنها) (3) .
وأما الرد على أهل الكلام والتحذير منهم، فتقدم الكلام عنه 124 . 2- اسمه، ونسبه، وكنيته: هو أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة البَزَّازُ 125 ، الخُرَاساني 126 ، النَّيْسَابوري 127 ، الجُوزَجَاني 128 ،. . . . . . . . . . . . . . . . .
البَلْخِي 129 ، المَرْوَزِي 130 - ويقال: الطَّالْقَاني 131 -، المكِّي، المجاور 132 .
3- مولده ونشأته:-
تقدم معنا ما يدل على أن سعيد بن منصور تنقل بين مدن وبلدان خراسان، ما بين بلد ولد بها، وأخرى نشأ بها، وثالثة سكنها، وهكذا إلى أن استقر بمكة حتى الوفاة.
فولادته كانت بجُوزَجَان 133 قريباً من سنة سبع وثلاثين ومائة = وبَلْخ، فتحت عنوة سنة ثلاث وثلاثين للهجرة.
اهـ. من معجم البلدان (2 / 182) .
إما قبلها أو بعدها بيسير؛ لأن وفاته كانت في سنة سبع وعشرين ومائتين، وتوفي وقد جاوز الثمانين أو التسعين.
ولم أجد من حدد عمره حين توفي سوى الذهبي، واختلف قوله فيه، فمرة قال: ((قلت: كان من أبناء ثمانين سنة أو أزيد)) 134 ومرة ذكر أنه توفي في سنة سبع وعشرين ومائتين وهو في عشر التسعين 135 .
وانتقل إلى بَلْخ حيث نشأ بها 136 .
وليس هناك ما يسعفنا في معرفة سبب انتقال أسرته من جُوزجان إلى بَلْخ، ولا في معرفة حالة أسرته التي نشأ في كَنَفها.
وأما بَلْخ فكانت من أجلِّ مدن خراسان، وأَذْكَرِها، وأكثرها خيراً، وأوسعها غلَّةً، تُحمل غلَّتُها إلى جميع خُراسان وإلى خَوارِزِمْ كما قال ياقوت 137 .
وقال السمعاني: (خرج منها عالَم لا يُحصى من العلماء، والأئمة، والمحدِّثين، والصُّلَحَاء قديماً وحديثاً) 138 .
ومن أبرزهم ثلاثة ممن عاصرهم سعيد بن منصور:
أحدهم: أبو إسحاق إبراهيم بن أدْهَم بن منصور البَلْخي، الزاهد المشهور 139 .
والثاني: عصام بن يوسف بن ميمون البَلْخي، أبو عِصْمَةَ الزاهد 140 .
والثالث: مَكِّيُّ بن إبراهيم بن بشير الحَنْظَلي البَلْخي 141 .
4- طلبه للعلم ورحلته فيه:
إن هذا العصر الذي زَخَرَ بهؤلاء الأئمة السَّالِفِ ذكرهم، هو العصر الذي فيه عاش فيه سعيد بن منصور وتكونت فيه شخصيته العلمية، نتيجة نشاطه في طلب العلم، وعُلُوِّ هِمَّتِهِ، مع ما أنعم الله به عليه من يُسْرِ الحال وطول العمر.
ولم أجد فيما بين يدي من المراجع ما يُسْعِفُ في معرفة سِنِّه حال ابتداء الطلب، أو التاريخ الذي ابتدأ فيه بالطلب، ولذا فإن الضرورة تدعونا إلى التعرف على ذلك على وجه التقريب.
فولادته- كما تقدم- كانت قريباً من سنة ست وثلاثين ومائة، إما قبلها أو بعدها بيسير.
وهو يروي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي ذئب 142 والحارث بن نَبْهَان 143 ، وهما أقدم شيوخه وفاة.
فابن أبي ذئب توفي سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة 144 .
والحارث بن نبهان ذكره البخاري في فصل من مات بين الخمسين إلى الستين ومائة 145 .
وقد قال سعيد بن منصور نفسه: (رأيت مالكاً يطوف وخلفه سفيان الثوري يتعلم منه كما يتعلم الصبي من معلِّمه، كلما فعل مالك شيئاً يفعله سفيان، يقتدي به) 146 .
وسفيان الثوري توفي سنة إحدى وستين ومائة 147 .
فنستفيد مما سبق: أن طلب سعيد بن منصور للعلم كان قبل سنة تسع وخمسين ومائة، فقد يكون عمره عشرين سنة أو أقل أو أكثر بقليل، وأنه رحل قبل سنة إحدى وستين ومائة.
والذي يغلب على الظن أن الذي يبلغ به الشوق في طلب العلم إلى أن يرحل، إنما هو من أمضى مدَّةً في الطلب، وحصَّل ما عند شيوخ بلده، فرغب في المزيد.
فالظاهر أن طلبه للعلم كان في حال الصِّغَر.
وقد جاب سعيد البلاد شرقاً وغرباً، وضرب في الأرض؛ طلباً للشيوخ والظَّفَر بعلوّ الإسناد.
يحكي الذهبي أنه سمع بخراسان والحجاز والعراق ومصر والشام والجزيرة وغير ذلك 148 .
ويقول المِزِّي: (ولد بجُوزَجَان، ونشأ بِبَلْخ، وطاف البلاد، وسكن مكة ومات بها) 149 .
وفيما يلي ذكر للمدن التي سمع بها أو روى عن شيوخ 150 من أهلها، وبعضها حدَّث بها:
خُرَاسَان: ذكر الذهبي كما سبق أنه سمع بها.
وهي إقليم واسع ينسب إليه سعيد بن منصور لأنه وُلد ونشأ في بلاد منه (2) ، فمن بدهيّات الأمور أن يكون أول سماعه فيه.
وهذا الإقليم يتبعه بلاد عدّة.
منها مَرْو الشَّاهِجَان والرَّيّ.
وقد سمع سعيد بن منصور من عبد الله بن المبارك وهو من مرو، وسمع من جرير بن عبد الحميد، وكان قاضي الرَّيّ.
كِرْمان: وهي آخر حدود خراسان مما يلي الهند، وليست تابعة لها (3) .
وقد سمع سعيد من حَسَّان بن إبراهيم الكِرْماني
العراق: ذكر الذهبي كما سبق أنه سمع بالعراق.
وهي بلاد تشمل عدة مدن، منها: المدائن 151 ، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد.
فممن سمع منه سعيد بن منصور من أهل المدائن: سَلاَّم بن سُلَيم الطويل، وعبد ربه بن نافع.
ومن أهل الكوفة: أبو الأَحْوص سلاّم بن سُلَيْم الحنفي، وشريك بن عبد الله القاضي، وأبو معاوية الضَّرير محمد بن خازم، ومحمد بن فضيل، ويحيى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وحُدَيج بن معاوية، وغيرهم كثير.
ومن أهل البصرة خلق كثير أيضاً، منهم: إسماعيل بن إبراهيم بن
عُلَيَّة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، ومعتمر بن سليمان، ومهدي بن ميمون، وجعفر بن سليمان الضُّبَعي، ونوح بن قيس، وغيرهم.
ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، وخالد بن عبد الله الطحّان، ويزيد بن هارون، وأبو عوانة وضّاح بن عبد الله، وخلف بن خليفة.
ومن أهل بغداد: إبراهيم بن سليمان المؤدِّب.
الجزيرة 152 : ذكر الذهبي كما سبق أنه سمع بالجزيرة.
ومن أبرز شيوخه من أهل الجزيرة: عَتَّاب بن بشير الجَزَري.
الشام: ذكر الذهبي كما سبق أنه سمع بالشام.
وهي بلاد واسعة تضم العديد من أمهات المدن، منها: دمشق وحِمْص وعَسْقَلان والرَّمْلَة 153 ، وجميعها ممن سمع سعيد عن شيوخ من أهلها.
أما دمشق، فمن شيوخه بها: الوليد بن مسلم، ومروان بن معاوية، وصدقة بن خالد، وسويد بن عبد العزيز، وعمر بن عبد الواحد السلمي، ومدرك بن أبي سعد.
وأما حمص، فمن شيوخه بها: إسماعيل بن عيّاش وفرج بن فضالة.
ومن أهل عسقلان: حفص بن ميسرة ومصعب بن ماهان.
ومن الرَّمْلة: حجر بن الحارث الغسَّاني ومسكين بن ميمون.
مصر: ذكر الذهبي كما سبق أنه سمع بها.
وذكر أبو سعيد بن يونس أنه قدم مصر وكُتب عنه بها 154 .
ومما يدلّ على أنه حدَّث بمصر: ما رواه يعقوب بن سفيان 155 قال: وسمعت الحميدي يقول: كنت بمصر، وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع إليه أهل خراسان وأهل العراق ... إلخ الحكاية، وسيأتي ذكرها بتمامها.
فمن شيوخه من أهل مصر: الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ويعقوب بن عبد الرحمن وغيرهم، وهذا الأخير من أهل الإسكندرية.
الحجاز: ذكر الذهبي كما سبق أنه سمع بالحجاز.
وهو أقليم يضم العديد من المدن، من أهمها: مكة والمدينة حرسهما الله.
وقد سكن سعيد مكة وتوفي بها.
ومن شيوخه بها: سفيان بن عيينة- وكان راويته-، وفضيل بن عياض، وداود بن عبد الرحمن العطار، ومسلم بن خالد.
وأما المدينة فشيوخه فيها كثيرون، منهم: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي، وعبد العزيز بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وفُلَيحْ بن سليمان، وغيرهم.
5- شيوخه وتاثيرهم فيه:
إن هذه الرِّحلة الواسعة في البلاد التي طافها سعيد بن منصور مكَّنته من السماع من عدد من الشيوخ على اختلافهم، فمنهم أئمة ثقات صالحون يُقتدى بهم، ومنهم أناس دونهم منزلة، ومنهم من هو مُضَعَّف، لكنه لا يبلغ درجة الترك عنده، بل هو ممن يكتب حديثه
وإن كان لا يحتجّ به.
وتأثر الطالب بشيخه أمر لا يُنكر، حتى إنك لتجد بعضهم يقلِّد شيخه- ولو بغير قصد- في هيئته، ومشيته، وحركاته، وطريقته في الحديث، وبخاصة إذا اشتدّ إعجابه به، إما لعلمه، أو لصلاحه، أو ما إلى ذلك.
ومن أمثلة ذلك ما حكاه سعيد بن منصور- كما سبق- قال: (رأيت مالكاً يطوف وخلفه سفيان الثوري يتعلَّم منه كما يتعلم الصبي من معلِّمه، كلما فعل مالك شيئاً يفعله سفيان، يقتدي به) .
هذا مع أن سفيان يعتبر من أقران مالك- رحمهما الله تعالى-.
وقد تتلمذ سعيد بن منصور على عدد من أئمة أهل السنة، كالإمام مالك، وابن المبارك، وابن عيينة، وغيرهم، ولذا أصبح هو من أئمة أهل السنة كما سيأتي في الكلام عن معتقده.
وأما ما سوى ذلك، فلا يحضرني هنا أمر يمكن تعيينه مما يظهر أن سعيداً تأثر فيه بأحد من شيوخه، سوى مسألتين: الأولى: مجاورته بمكة، والثانية: موقفه من أهل الرأي.
أما مجاورته بمكة فقد يكون تأثَّر بشيخه الفضيل بن عياض في ذلك، فكلاهما خراساني جاور بمكَّة حتى توفي بها، وكان سعيد معجباً بصلاح شيخه الفضيل، فإنه إذا حدَّث عنه أحياناً يقول: (الشيخ الصالح فضيل بن عياض) 156 .
وأما موقفه من أهل الرأي فقد يكون تأثر بشيخه عبد الله بن المبارك في ذلك.
ومن أمثلة ذلك: شدَّة عبد الله بن المبارك على القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، فإنه سأله رجل عن مسألة، فأفتاه فيها، فقال:
قد سألت أبا يوسف فخالفك، فقال: إن كنت قد صلَّيت خلف أبي يوسف صلوات تحفظها فأعدها.
وقال ابن المبارك أيضاً: إني لأكره أن أجلس في مجلس يُذكر فيه يعقوب 157 .
وقيل له مرة: أي الرجلين أفقه: أبو يوسف أو محمد بن الحسن؟ فقال: لا تقل كان أيّهما.
ولما قيل له: قال أبو يوسف، قال: لا ولا كرامة، قل: يعقوب.
وواضح أن موقفه منه كان بسبب الرأي، فإنه مزَّق يوماً كتاباً فيه ذكر له، وذَكر أن بعضهم هوى جارية كان وطئها أبوه، فاستشار أبا يوسف، فقال له: لا تصدِّقها، وجعل ابن المبارك يقطِّع الكتاب 158 .
ونجد لسعيد بن منصور أيضاً موقفاً من أبي يوسف يدلّ على عدم رضاه عنه.
قال يعقوب بن سفيان 159 : سمعت سعيد بن منصور قال: قال
رجل لأبي يوسف: رجل صلى مع الإمام في مسجد عرفة، ثم وقف حتى دفع بدفع الإمام، قال: ما له؟ قال: لا بأس به.
قال: فقال: سبحان الله! قد قال ابن عباس: من أفاض من عُرَنَةَ فلا حجّ له؛ مسجد عرفة في بطن عُرَنَةَ.
فقال: أنتم أعلم بالأعلام، ونحن بالفقه.
قال: إذا لم تعرف الأصل فكيف تكون فقيهاً؟.
فهاتان المسألتان- مجاورته بمكة، وموقفه من أهل الرأي- قد يكون سعيد بن منصور تأثر فيهما بشيخيه المذكورين، وقد يكون ذلك عن اجتهاد منه ورأياً رآه، وقد يكون موقفه من أبي يوسف بسبب تلك الرؤيا التي رآها، وهي ما رواه أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة ومحمد بن عبد الرحمن الشامي عن سعيد بن منصور أنه قال: رأيت النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النوم، فقلت: يا رسول الله، ألزم أبا يوسف أو هشيماً؟ قال: هشيماً 160 .
وفيما يلي ذكر لشيوخ المصنِّف سعيد بن منصور مرتبين على حروف المعجم 161 :
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري 162 .
إبراهيم بن سليمان بن رَزِين المؤدِّب، نزيل بغداد 163 .
إبراهيم بن قدامة بن إبراهيم الجُمحي 164 .
إبراهيم بن هراسة الشيباني الكوفي 165 . أحمد بن عبد الله 166 . إسماعيل بن إبراهيم بن مِقسَم الأسدي المعروف بابن عُلَيَّة، البصري 167 . إسماعيل بن زكريا بن مُرَّةَ الخُلْقَاني، الكوفي 168 . إسماعيل بن عَيّاش الحِمْصي 169 . إسماعيل بن مسلم المكي 170 . الجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسي، أبو وكيع الكوفي 171 . جرير بن عبد الحميد الضَّبِّي، الكوفي، نزيل الرَّيّ 172 . جعفر بن سليمان الضُّبَعي، البصري 173 . الحارث بن عبيد أبو قُدَامة الإيَادي، البصري 174 . الحارث بن نَبْهَان الجَرْمي، أبو محمد البصري 175 . حِبَّان بن علي العَنَزي، أبو علي الكوفي 176 . حجر بن حارث الغَسَّاني، الرَّمْلي 177 .
حُدَيْج بن معاوية بن حُدَيْج الكوفي 178 . حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ القُطَعي البصري 179 . حسان بن إبراهيم الكِرْماني 180 . الحسن بن يزيد الأصَمّ 181 . حفص بن غياث بن طَلْق بن معاوية النَّخَعي، أبو عمر الكوفي 182 . حفص بن ميسرة الصنعاني، نزيل عسقلان 183 . الحكم بن ظُهير الفَزَاري، أبو محمد الكوفي 184 . حماد بن زيد بن دِرْهم الأزْدي، الجَهْضَمي، أبو إسماعيل البصري 185 . حماد بن شعيب الحِمّاني الكوفي 186 . حماد بن يحيى الأبَحّ، البصري 187 . خالد بن عبد الله الطَّحَّان الواسطي 188 . خلف بن خليفة بن صاعد، أبو أحمد الكوفي نزيل واسط 189 . داود بن عبد الرحمن العطّار، المكّي 190 .
ذَوَّاد بن عُلبة الحارثي، أبو المنذر الكوفي 191 . سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي، أبو عبد الله المدني، قاضي بغداد 192 . سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، أبو محمد المكّي 193 . سويد بن عبد العزيز السُّلمي، الدمشقي 194 . سَلاَّم بن سُليم أبو الأحوص الحنفي، الكوفي 195 . سَلاَّم بن سُليم الطويل المدائني 196 . شَريك بن عبد الله النّخعي، الكوفي 197 . شملة بن هزال، أبو الحتروش البصري 198 . شهاب بن خراش بن حوشب الشيباني، أبو الصلت الواسطي، نزيل الكوفة 199 . صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة التَّيْمي الكوفي 200 . صدقة بن خالد الدمشقي 201 .
طُعمة بن عمرو الجعفري الكوفي 202 . عباد بن عباد المُهَلَّبي، أبو معاوية البصري 203 . عبد الحميد بن سليمان الخزاعي، أبو عمر المدني 204 . عبد ربه بن نافع، أبو شهاب الحنّاط 205 . عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد 206 . عبد الرحمن بن زياد الرَّصَاصي 207 . عبد الرحمن بن زيد بن أسلم 208 . عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة 209 . عبد السلام بن حرب بن مسلم النَّهْدي، أبو بكر الكوفي 210 . عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ 211 . عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمِّي 212 . عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي 213 . عبد الله بن جعفر بن نَجيح السَّعْدي، أبو جعفر المديني، ثم البصري 214 . عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري،
كاتب الليث 215 . عبد الله بن عبد العزيز الليثي، أبو عبد العزيز المدني 216 . عبد الله بن المبارك المروزي 217 . عبد الله بن محمد، أبو علقمة الفَرْوي، المدني 218 . عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل المزني، الكوفي 219 . عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد المصري 220 . عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقريء 221 . عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري، أبو عبيدة البصري 222 . عبيد الله بن إياد بن لَقِيط السدوسي، أبو السَّلِيل الكوفي 223 . عبيدة بن حميد بن صهيب التيمي الحَذَّاء، أبو عبد الرحمن الكوفي 224 . عبيدة بن ميمون التيمي الرَّقَاشي 225 . عتاب بن بشير الجَزَري 226 . عثمان بن مطر الشيباني 227 . عطاف بن خالد المخزومي 228 .
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ السُّلَمِيُّ 229 . عمرو بن ثابت الحدَّاد 230 . عمرو بن خالد بن فَرُّوخ بن سعيد، أبو الحسن الحَرَّاني، نزيل مصر 231 . عون بن موسى الليثي 232 . عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي 233 . فرج بن فضالة بن النعمان التَّنُوخي الشامي 234 . فضيل بن عياض بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور 235 . فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، أبو يحيى المدني 236 . الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي 237 . مالك بن أنس الأصبحي الإمام 238 . محمد بن أبان الجعفي 239 . محمد بن بسيط البصري 240 . محمد بن ثابت العبدي 241 . محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير 242 .
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ذئب 243 . محمد بن عمار بن حفص بن عمر بن سعد المؤذن 244 . مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنُ غَزْوَانَ 245 . محمد بن يحيى الذهلي 246 . مدرك بن أبي سعد الفزاري 247 . مروان بن معاوية الفزاري 248 . مسكين بن ميمون 249 . مسلم بن خالد الزَّنْجي 250 . مسلم بن عطاء، أبو عَتَّاب القرشي 251 . مصعب بن ماهان المروزي نزيل عسقلان 252 . معتمر بن سليمان التيمي 253 . المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي 254 . مهدي بن ميمون الأزْدي المِعْوَلي، أبو يحيى البصري 255 .
نافع بن فضالة 256 . نَجيح بن عبد الرحمن أبو معشر السِّنْدي، المدني 257 . نوح بن قيس الأزْدي 258 . هشيم بن بشير الواسطي 259 . وائل بن داود التيمي 260 . وَضَّاح بن عبد الله، أبو عَوَانة اليَشْكُري 261 . الوليد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثور الهمداني 262 . الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي 263 . وهب بن المبارك 264 . يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زائدة 265 . يزيد بن معاوية، أبو شيبة الكوفي 266 . يزيد بن هارون بن زاذان السُّلَمي، مولاهم، أبو خالد الواسطي 267 .
يعقوب بن عبد الرحمن القاريء، الإسكندراني 268 .
يوسف بن عطية بن ثابت الصَّفَّار، أبو سهل البصري 269 .
يونس بن أبي يعفور العبدي 270 .
أبو الحريش القَصَّار 271 .
هذا ما استطعت أن أظفر به من شيوخ سعيد بن منصور، وعدَّتهم: مائة وعشرة أنفس، أخرج سعيد في هذا القسم المحقق لاثنين وستين منهم، والباقي زدته من باقي المصادر، ومنها المطبوع من سنن سعيد بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، وتهذيب الكمال للمِزّي، غير أن المزي لم يذكر من هؤلاء الشيوخ سوى سبعة وأربعين شيخاً، منهم ثلاثون شيخاً ممن أُخرج لهم في هذا القسم المحقق، فأصبح عدة من أُخرج لهم في هذا القسم ومن زادهم المِزِّي تسعة وسبعين شيخاً، والباقي وهم واحد وثلاثون شيخاً من باقي المصادر المشار إليها في الحواشي السابقة.
وقد اختلف عدد الأحاديث التي أخرجها سعيد عن كل شيخ من هؤلاء الشيوخ الذين أخرج لهم في هذا القسم، فمنهم من أكثر عنه، ومنهم من أقلّ عنه، وهذا- في نظري- يعود لأمرين:
1- تاخر وفاة الشيخ حتى تمكن سعيد من الإكثار عنه.
2- مكانة الشيخ، فحرصه على الرواية عن الأئمة الثقات كهشيم بن بشير، وسفيان بن عيينة، وخالد بن عبد الله الطحّان، وإسماعيل بن
إبراهيم بن عُلَيَّة، وعبد الله بن المبارك، وأبي معاوية محمد بن خازم، وغيرهم، ليس كحرصه على الرواية عن مثل الحارث بن نَبْهان، أو الحكم بن ظُهير، أو الوليد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثور وأمثالهم من الضعفاء الذين تلجئه الضرورة إلى الإخراج عنهم، إما لكونه لم يجد الحديث عند أحد غيره من مشايخه، أو لكونه لا يتحصَّل له الحديث بِعُلُوّ إلا من طريق شيخه الضعيف، ولو رواه عن شيخه الثقة لنزل فيه، والحديث معروف عند أهل العلم من غير طريق ذلك الضعيف.
وقد أكثر سعيد من الرواية عن بعض شيوخه إكثاراً بيِّناً، مما يَدُلُّ على شدة ملازمته لهم، وعلى رأس هؤلاء هُشيم بن بشير الواسطي، ثم سفيان بن عيينة.
أما هُشيم بن بشير، فإنه في هذا القسم المحقق روى عنه أكثر من ربع الكتاب؛ فإن عدد أحاديث هذا القسم: تسعة وستون وثمانمائة حديث، روى عن هُشيم منها: تسعة وثلاثين ومائتي حديث، فهو أكثر شيخ له عنه رواية، وهذا يعود- في ظني- إلى رؤيا رآها، وهي ما رواه أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة ومحمد بن عبد الرحمن الشامي، عن سعيد بن منصور أنه قال: رأيت النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النوم، فقلت: يا رسول الله، ألزم أبا يوسف أو هُشيماً؟ قال: هُشيماً 272 .
وقد كان سعيد بصيراً برواية هشيم، فمعظم روايته عنه نجد هشيماً يصرِّح فيها بالسماع، مما يدلّ على أنه حريص على اجتناب تدليسه ما أمكن، كما أن بعض علماء عصره كان كذلك.
يقول سعيد بن منصور: جاء عبد الرحمن بن مهدي إلى هشيم، فسأله عن أحاديث، وجعل يتحفظ ألا يدلِّس، ويسمع ويتحفظ ولا
يكتب، ثم تنحَّى وجعل يكتب ما سأله باختيار 273 ، وكان فيما سأله: منصور بن زاذان عن الحسن، شيء في القوارير 274 .
قال: فكتب باختيار، فقلت له: يا أبا سعيد 275 ، هذا لم تسمعه من منصور، وليس عليك 276 . قال: فقال لي المدائني الأحول 277 : فعل الله بك وفعل، ألا تركت الحُصَيَّةَ تتهوَّر 278 .
وأما سفيان بن عيينة، فإنه لازمه في مكة، وهو راويته كما قال أبو عبد الله الحاكم 279 ، وأحد الحفاظ من أصحابه.
يقول الدارقطني:
(أصحاب ابن عيينة الحفاظ منهم: الحميدي، ومُسَدَّد، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة) 280 .
ولم يكن سعيد أحفظ أصحاب ابن عيينة، بل كان الحميدي يفوقه باعترافه هو حيث يقول: (لا تسألوني عن حديث سفيان، فإن هذا الحميدي يجعلنا على طَبَق) 281 .
ويقول الحميدي 282 : كنت بمصر، وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع إليه أهل خراسان وأهل العراق.
فجلست إليهم، فذكروا شيخاً لسفيان، فقالوا: كم يكون حديثه؟ فقلت: كذا وكذا.
قال: فَسَبَّحَ سعيد بن منصور، وأنكر ذلك، وأنكر ابن دسيم 283 ، وكان إنكار ابن دسيم أشدَّ عليّ.
فأقبلت على سعيد، فقلت: كم تحفظ عن سفيان عنه؟ فذكر نحو النصف مما قلت، وأقبلت على ابن دسيم، فقلت: كم تحفظ عن سفيان عنه؟ فذكر زيادة على ما قال سعيد نحو الثلاثين مما قلت أنا، فقلت لسعيد: تحفظ ما كتبت عن سفيان عنه؟ قال: نعم، فقلت: فَعُدَّ، قال: فَعَدَّ، ثم قلت لابن دسيم: عُدَّ ما كتبت عن سفيان عنه، فإذا سعيد يغرب على ابن دسيم بأحاديث، وابن دسيم يغرب على سعيد بأحاديث كثيرة، فإذا قد ذهب عليهما أحاديث يسيرة.
قال: فذكرت ما ذهب عليهما.
قال: فرأيت الحياء والخجل في وجهيهما.
وقد بلغ عدد روايات سعيد عن شيخه سفيان بن عيينة في هذا القسم اثنين وستين ومائة حديث، فهو الذي يلي هشيم، ثم يتلوهما باقي الشيوخ على اختلاف عدد رواياتهم، مع الفرق الكبير بينهم وبين هذين الاثنين.
فالذي يتلو سفيان- من حيث العدد- هو خالد بن عبد الله الطَّحَّان، وعدد رواياته هنا: تسعة وخمسون حديثاً، ثم أبو معاوية محمد بن خازم، وعدد رواياته هنا: ثلاثة وأربعون حديثاً، ثم أبو عوانة وضَّاح بن عبد الله، وعدد رواياته هنا: اثنان وثلاثون حديثاً، ثم أبو الأحْوَص سلاَّم بن سُلَيْم، وعدد رواياته هنا: تسعة وعشرون حديثاً، ثم جرير بن عبد الحميد، وعددرواياته هنا: سبعة وعشرون حديثاً، ثم إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة، وعدد رواياته هنا: أربعة وعشرون حديثاً ... ، وهكذا بقية شيوخه.
وفي هذا دلالة على أن الفرق بينهم فرق يسير، ليس كالفرق بينهم وبين هشيم وسفيان اللذَيْن أكثر عنهما إكثاراً ظاهراً، مما يدل على عظم مكانتهما عنده.
6- تلاميذه وتأثيره فيهم:
إن مكانة سعيد بن منصور العلمية جعلت أئمة الحديث يحرصون على التلقِّي عنه، فإمام أهل السنة أحمد بن حنبل- رحمه الله- ممن أخذ عنه، وحدَّث عنه وهو حي 284 . وكان إذا سُئل: من بمكة؟ قال: سعيد بن منصور 285 .
وقد صنَّف أبو نعيم الأصبهاني كتاباً بعنوان: (تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عالياً) ذكر في مقدمته منهجه فيه، والسبب الباعث له على تأليفه، فقال: (ذكر من وقع لنا من أصحاب
سعيد بن منصور عالياً، ذكرت لكل واحد منهم حديثاً واحداً؛ لأقف على عَدَدهم وأسمائهم.
وحملني على ذلك قِدَمُ وفاة سعيد بن منصور، وموضعُه من التوثق والفضل.
وهو سعيد بن منصور، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثبت، صدوق، حدَّث عنه الكبار من الحُفّاظ والمتقنين؛ مثل: هارون الحَمَّال، وأحمد بن محمد بن حنبل، وأبو يحيى محمد بن عبد الرحيم صاعقة، وغيرهم) 286 .
وقد أخرج أصحاب الكتب الستة لسعيد بن منصور 287 ، واحتجَّ به البخاري ومسلم في صحيحهما 288 ، وهو من شيوخهما، ومن شيوخ أبي داود السجستاني، إلا أن مسلماً أكثر من الإخراج عنه في الصحيح 289 أكثر من البخاري، فعدد الأحاديث التي رواها مسلم عنه في الصحيح ستون حديثاً 290 ، بخلاف البخاري الذي لم يخرج له سوى حديث واحد 291 . وهو أحد النَّفَر الأربعة الذين قيل إن مسلماً عَنَاهُم بقوله: (إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه) ، وهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور 292 .
وقد كان بين سعيد والحميدي ما يكون بين الأقران غالباً 293 ، ومكانة الحميدي لا تُنكر، فالبخاري إذا وجد الحديث عنده لا يعدوه إلى غيره 294 ، ومع ذلك نجد مسلماً يُعْنَى بتخريج حديث سعيد بن منصور في الصحيح، ولا يُعَرِّجُ على حديث الحميدي، فهو لم يرو له إلا في المقدمة 295 ، فلست أدري هل تعمَّد هذا الصنيع لأجل شيخه سعيد كما تعمَّد ترك حديث محمد بن يحيى الذهلي لأجل البخاري 296 ؟ أو أنه اكتفى بغيره عنه ولم يتركه لشيء؟ وأما البخاري، فإنه روى في الصحيح عن سعيد بن منصور بواسطة يحيى بن موسى البلخي 297 ، ولم يرو عنه مباشرة، ولذا لم يذكره المِزِّي في تهذيب = أن أبا بكر ابن أخت أبي النَّضْر سأل مسلماً عن حديث أبي هريرة: (وإذا قرأ- يعني الإمام- فانصتوا، فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تَضَعْه هاهنا؟ - يعني في الصحيح-، فقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه.
واختلفوا في توجيه كلمة مسلم هذه.
ومن جملة ما قيل في ذلك: ما حكاه السراج البلقيني في محاسن الاصطلاح (ص 91) حيث قال: (قيل: أراد مسلم بقوله: ما أجمعوا عليه أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور) اهـ. ولم يذكر البلقيني مرجعه في ذلك فالله أعلم.
الكمال 298 ، ولا الذهبي في سير أعلام النبلاء 299 ، ولا ابن حجر في تهذيب التهذيب 300 في شيوخ البخاري.
وقد استوقفني هذا كثيراً وأدهشني! فهل فرّط البخاري في السماع من سعيد بن منصور، وهو الذي أفنى عمره في السماع من الشيوخ والرحلة إليهم؟ وما لبثت إلا يسيراً وإذا بدهشتي تزول بعد أن تيقَّنت أن سعيد بن منصور من شيوخ البخاري، وأن مارواه عنه في الصحيح بواسطة لم يتحصّل له منه مباشرة، وهذا يحصل كثيراً له ولغيره، وأن عدم ذكر المِزِّي والذهبي وابن حجر له في المواضع المشار إليها لا يعني استيفاءهم لشيوخ الراوي وتلاميذه، واستدللت على أن سعيداً من شيوخ البخاري بالآتي:
1- روايته عنه مباشرة في بعض كتبه، ومن ذلك: الأدب المفرد، والتاريخ الصغير.
قال في الأدب المفرد 301 : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حدثنا عبيد الله بن إياد، عن أبيه، قال: سمعت ليلى امرأة بشير تحدِّث عن بشير بن الخَصَاصَية، وكان اسمه زحم، فسمّاه النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشيراً.
وقال في التاريخ الصغير 302 : حدثنا سعيد بن منصور، ثنا حجر بن الحارث الغَسَّاني الرَّمْلي، عن عبد الله بن عوف الكناني عامل عمر بن عبد العزيز على الرَّمْلَة، أنه شهد عبد الملك بن مروان قال لابن عقربة الجُهَني يوم قتل عمرو بن سعيد بن العاص: يا أبا اليمان، إني احتجت
اليوم إلى كلامك، قال: سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - يقول: ((من قام بخطبة لا يلتمس إلا رياء وسمعة، وقفه الله يوم القيامة موقف رياء وسمعة)) .
2- قال مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال 303 : (وفي كتاب الزهرة: روى عنه- أي عن سعيد بن منصور- البخاري، ثم روى عن يحيى بن موسى، عنه) .
3- قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 304 في تعليقه على الحديث الذي أخرجه البخاري عن يحيى بن موسى، عن سعيد بن منصور 305 : (قوله: سعيد بن منصور، هو من شيوخ البخاري، وربما روى عنه بواسطة كما هنا) .
وأما تأثير سعيد بن منصور على تلاميذه، فلا يحضرني شيء مما يمكن أن يشار إلى أنه مما تأثر به تلاميذه فيه.
وفيما يلي ذكر لتلاميذه مرتبين على حروف المعجم، مع الإشارة في الحاشية إلى المرجع الذي فيه ما يدل على أن هذا الراوي ممن روى عن سعيد.
إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكَلْبي، أبو ثَوْر الفقيه، صاحب الشافعي 306 .
إبراهيم بن أبي داود سليمان بن داود الأسدي، أبو إسحاق البُرُلُّسي 307 .
إبراهيم بن فهد بن حكيم البصري 308 .
إبراهيم بن الهيثم البَلَدي 309 .
أحمد بن خُلَيْد الَحَلبي.
أحمد بن سهل بن أيوب الأهْوازي.
أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، أبو بكر بن البَرْقي.
أحمد بن عبد الله الكندي.
أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام 310 .
أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي 311 .
أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الأثرم 312 .
أحمد بن منصور الرمادي 313 .
أحمد بن نَجْدَةَ بن العُريان الهَرَوي 314 .
إسماعيل بن عبد الله العَبْدي، سَمُّويَهْ الأصْبَهَانِي.
بشر بن موسى الأسدي.
بهلول بن إسحاق الأنْباري.
جعفر بن محمد بن الحجاج.
حرب بن إسماعيل الكِرْمَاني 315 .
حَسَّان بن مُخَلَّد البُشْتي 316 .
الحسن بن جرير بن عبد الرحمن الصُّوري 317 .
الحسن بن علي بن زياد السُّرِّي 318 .
الحسن بن علي بن محمد الهُذَلي، أبو علي الخَلاَّل، الحُلْوَاني، نزيل مكة 319 .
الحسن بن محمد بن الصَّبَّاح الزَّعْفَراني (3) .
الحسين بن إسحاق التُّسْتُري (4) .
الحسين بن محمد بن جمعة 320 .
حنبل بن إسحاق 321 .
خلف بن عمرو العُكْبُري 322 .
سعيد بن مَسْعَدَةَ العطّار (8) .
سلمة بن شبيب المِسْمعِي النيسابوري، نزيل مكة (9) .
سلمة بن محمد الخزاندي 323 .
سليمان بن الأشْعَث بن إسحاق أبو داود السِّجِسْتَاني صاحب السنن 324 .
صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري.
العباس بن عبد الله السِّنْدي.
العباس بن الفضل الأسْفَاطي.
العباس بن محمد الدُّوري.
عبد الرحمن بن عمرو أبو زرعة الدمشقي 325 .
عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم 326 .
عبد الله بن أحمد بن أبي مَسَرَّة 327 .
عبد الله بن الحسن بن أحمد أبو شعيب الحرَّاني 328 .
عبد الله بن أبي العاص 329 .
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارمي 330 .
عبد الله بن محمد البردي 331 ,
عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرّازي.
عثمان بن خُرَّزاذ الأنْطاكي.
علي بن عبد العزيز البَغَوي 332 .
عمر بن شَبَّة بن عُبيدة بن زيد النُّميري 333 .
عمرو بن منصور النسائي 334 .
عمير بن مرداس 335 .
محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن البُوشَنْجي 336 .
محمد بن إبراهيم، أبو الفضل الشاشي، المعروف بـ: ناقلة 337 . محمد بن أحمد، أبو بكر الخَزَاندي 338 . محمد بن إدريس بن عمر، أبو بكر ورَّاق الحميدي 339 . محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي (4) . محمد بن إسحاق الصاغاني (5) . محمد بن أسلم الطُّوسي 340 . محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح 341 . محمد بن أيوب بن يحيى بن الضُّرَيس الرَّازي 342 . محمد بن حَسَّان البُسْري الحَسَّاني، أبو عبيد الزاهد 343 . محمد بن خليفة بن صدقة، أبو جعفر الدَّيْر عاقولي، يعرف بغُنْدر 344 . محمد بن رزيق بن جامع أبو عبد الله المديني 345 . محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، وصاحب الطبقات 346 . محمد بن سعيد بن منصور 347 .
محمد بن سليمان الواسطي 348 . محمد بن صالح 349 . محمد بن العباس الكابلي 350 . محمد بن عبد الرحمن الشامي 351 . محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البَزَّاز، المعروف بـ: صاعقة 352 . محمد بن عبد الله بن عمار، أبو جعفر الموصلي 353 . مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصائغ المكِّي 354 . محمد بن علي بن داود، أبو بكر البغدادي المعروف بابن أخت غزال 355 . محمد بن علي بن مروان 356 . محمد بن علي بن ميمون العَطَّار الرَّقِّي 357 . محمد بن عمران بن علي بن عمران، أبو عبد الله الجرجاني، الزاهد، المعروف بالمقابري 358 . محمد بن عمرو بن المُوَجِّه، أبو المُوَجِّه المروزي 359 .
محمد بن محمد بن أبي الورد (أو: ابن الورد) 360 .
محمد بن يحيى الذُّهْلي.
محمد بن يونس الكُدَيْمي.
مسعدة بن سعد العطّار المكِّي.
مسلم بن الحجاج القُشيري، النيسابوري صاحب الصحيح.
معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري 361 .
هارون بن إسحاق الهمداني 362 .
هارون بن عبد الله الحَمّال.
يحيى بن محمد بن يحيى الذُّهْلي.
يحيى بن موسى بن عبد ربه الحدَّاني البَلْخي.
يحيى بن يونس الشيرازي.
يعقوب بن سفيان الفسوي 363 .
يوسف بن سعيد بن مسلم 364 .
يوسف بن يزيد أبو يزيد القراطيسي 365 .
أبو علي السَّكَاني غير مُسَمّىً ولا منسوب 366 .
7- جهوده في خدمة الحديث وعلومه، ومؤلفاته فيه:
إن هذه الرحلة الواسعة لتلك البلاد التي طافها سعيد بن منصور تعتبر مرحلة الجمع والتحصيل التي مكَّنته بعد ذلك من أن يقدم للأمة
الإسلامية هذه الثروة العلمية التي لن ينقطع عنه أجرها- بإذنه تعالى- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه 367 عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) .
وها قد مضى على وفاة سعيد بن منصور ما يقرب من ألف ومائتي عام، والمسلمون ينتفعون بهذا العلم الذي حصّله وقدّمه.
وسأتناول الحديث عن جهوده في خدمة الحديث وعلومه من خلال:
أ- مجالس العلم التي كان يعقدها.
ب- كلامه في الرواة جرحاً وتعديلاً.
جـ- مؤلفاته.
أ- أما مجالس العلم، فإنه كان يعقدها ليبثّ بين الناس ما جمعه وحصّله من علم، فأقبل عليه طلبة العلم ينهلون من هذا المعين، بعد أن عرفوا ما لسعيد بن منصور من مكانة، من خلال شهرته، وحث العلماء لهم على السماع منه.
يقول الفضل بن زياد: (سمعت أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- وقيل له: من بمكة؟ قال: سعيد بن منصور) 368 .
وقال حرب الكرماني: (كتبت عنه- أي عن سعيد بن منصور- سنة مائتين وتسع عشرة، وأملى علينا نحواً من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صنف بعد ذلك الكتب، وكان موسعاً عليه) 369 .
وسيأتي- بإذنه تعالى- أثناء الكلام عن اعتقاد سعيد بن منصور ذكر قصة أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بَزَّة مع الحميدي، وفيها يقول أحمد: فدخلنا على سعيد بن منصور وهو يحدِّث، فلما افترق الناس، دنا منه- أي الحميدي-، فقال لي: حدِّث أبا عثمان حديث الجريجي ... إلخ القصة 370 .
ولم يكن عقد سعيد لمجالس الحديث بعد فراغه من الرحلة واستقراره بمكة، بل كان يأخذ ويعطي في آن واحد.
ففي رحلته إلى مصر، كان يعقد المجالس في مسجد مصر.
يقول الحميدي: (كنت بمصر، وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع إليه أهل خراسان وأهل العراق ... ) إلخ القصة 371 .
ب- وأما الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً، فإن سعيد بن منصور قد انتدب نفسه لذلك في جملة علماء الحديث الذين قَبِل الناس قولهم في الجرح والتعديل، والذين قسمهم الذهبي- رحمه الله- إلى ثلاثة أقسام، حيث قال: (إعلم- هداك الله- أن الذين قَبِل الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام:
1- قسم تكلّموا في أكثر الرواة؛ كابن معين، وأبي حاتم الرازي.
2- وقسم تكلّموا في كثير من الرواة، كمالك، وشعبة.
3- وقسم تكلّموا في الرجل بعد الرجل؛ كابن عيينة، والشافعي.
والكلُّ أيضاً على ثلاثة أقسام:
1- قسم منهم مُتَعَنِّتٌ في الجرح، مُتَثَبِّتٌ في التعديل، يغمز الراوي بالغَلْطَتَيْن والثلاث، ويُلَيِّنُ بذلك حديثه.
فهذا إذا وثَّقَ شخصاً، فَعُضَّ على قوله بِنَاجِذَيْكَ، وتمسَّكْ بتوثيقه.
وإذا ضَعَّفَ رجلاً فانظر هل وافقه غيرُه على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّق ذاك أحدٌ من الحُذَّاق، فهو ضعيف.
وإن وثّقه أحد، فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسَّراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضِّح سبب ضعفه، وغيره قد وثَّقه.
فمثل هذا يُتَوقَّفُ في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب.
وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني: مُتَعَنِّتون.
2- وقسم في مقابلة هؤلاء؛ كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي: متساهلون.
3- وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي: معتدلون منصفون) 372 . اهـ.
وليس لسعيد بن منصور كثير كلام في الرواة نستطيع أن نصفه من خلاله بالتَّعَنُّت، أو التساهل، أو الاعتدال، بل هو من القسم الثالث الذين تكلَّموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي واعتمد أهل الحديث قوله في الجرح والتعديل.
قال الذهبي في مقدمة رسالته التي سماها: (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) 373 : (فنشرع الآن بتسمية من كان إذا تكلَّم في الرجال قُبِل قولُه، ورُجع إلى نقده، ونسوق من يَسَّر الله تعالى منهم على الطبقات والأزمنة ... ) ، ثم شرع في ذكرهم، وجعلهم ثنتين وعشرين طبقة، وذكر سعيد بن منصور في الطبقة الثالثة 374 .
وقال في مقدمة كتابه: (تذكرة الحفاظ) 375 : (هذه تذكرة بأسماء مُعَدِّلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف ... ) ، ثم شرع في ذكرهم، وجعلهم إحدى وعشرين طبقة، ثم قال 376 : (الطبقة الثامنة من الكِتَاب من أكابر الحفاظ، وعدَّتهم مائة وعشرون نفساً ... ) ، ثم ذكر سعيد بن منصور فيهم 377 .
وقد سبق الذهبي إلى هذا الصنيع ابن عدي في كتاب (الكامل) ، فإنه قال في مقدمته 378 : (ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه، من الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم، إلى يومنا هذا، رجلاً رجلاً ... ) ، ثم ابتدأ بمن تكلم في الرجال من الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعي التابعين، ثم قال 379 : (طبقة بعد تابعي التابعين، منهم: وكيع بن الجراح ... ) ، ثم ذكر سعيد بن منصور في هذه الطبقة 380 ، وأورد من كلامه محاورته لابن معين في كاتب الليث، وسيأتي ذكرها.
وأسوق هنا بعض ما جاء عن سعيد بن منصور فيما عثرت عليه من كلامه في الرجال.
فمن ذلك:
ما رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه، قال: (قلت لسعيد بن منصور: أكان مالك بن أنس يرى الكتاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العزيز 381 ؟
قال: ما سألته، وكان ثقة) 382 .
وقال محمد بن يحيى السُّهْلي: (سألت عنه- أي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العزيز الليثي- سعيد بن منصور، فقال: كان مالك يرضاه، وكان ثقة) 383 .
فهذان النَّصَّان تَضَمَّنَا توثيق سعيد لعبد الله بن عبد العزيز الليثي، لكن ظاهرهما التعارض فيما يتعلق بمعرفة رأي مالك فيه، فالظاهر أنه لما سئل في المرة الأولى لم يكن يعرف رأي مالك فيه، ثم عرفه بعد ذلك ممن سأل مالكاً، فأجاب بجوابه الثاني.
وقد يوصف سعيد من خلال هذا النصّ بالتساهل؛ لكون عبد الله بن عبد العزيز الليثي مجمعاً على ضعفه، لكن من الخطأ الحكم عليه بهذا؛ لأن نَصّاً واحداً لا يكفي في الحكم عليه بهذا، والله أعلم.
ومما جاء عنه من الكلام في الرجال: ما حكاه هو نفسه، قال: جاءني ابن معين بمصر، فقال لي: يا أبا عثمان، أحب أن تمسك عن كاتب الليث 384 . فقلت: لا أمسك عنه، وأنا أعلم الناس به، إنما كان كاتباً للضِّياع 385 .
فهذا النص يظهر منه أن سعيد بن منصور عرف حال أبي صالح، = سوى ما ذكره سعيد.
انظر التهذيب (5 / 301 - 302) ، والتقريب (ص 312 رقم 3444) .
وأنه لم يكتب كل ذلك الحديث الذي يرويه عن الليث بن سعد، وإنما كان كاتباً لضياع الليث، ولذلك كتب بكاتب الليث.
ويُجَلِّي ذلك ما ذكره سعيد بن منصور أيضاً قال: قلت لأبي صالح كاتب الليث: سمعت من الليث؟ قال: لم أسمع من الليث إلا كتاب يحيى بن سعيد 386 .
وقد كان لهذه الحكاية محلٌّ عند علماء الجرح والتعديل فيما يتعلق بسماع أبي صالح من الليث بن سعد.
قال أبو عثمان سعيد بن عمرو البَرْذِعيّ: قلت لأبي زرعة: أبو صالح كاتب الليث؟ فضحك وقال: ذاك رجل حسن الحديث.
قلت: أحمد يحمل عليه في كتاب ابن أبي ذئب، وحكاية سعيد بن منصور قد عرفتَها؟ قال: نعم، وشيء آخر؛ سمعت عبد العزيز بن عمران يقول: قرأ علينا كتاب عُقَيْل، فإذا في أوّله مكتوب: حدثني أبي، عن جدي، عن عقيل، فإذا هو كتاب عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد.
قلت: فأي شيء حاله في يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح، والمشيخة؟ قال: كان يكتب لليث، فالله أعلم 387 .
ومن كلامه في الرجال أيضاً، ما نقله القاضي عياض في ترتيب المدارك 388 ، حيث قال: (قال سعيد بن منصور: إنا لنقول- أو إنه ليقال-: ما يطوف بهذا البيت أحد من خلق الله أفضل من القَعْنَبي) 389 .
ومن ذلك أيضاً قوله: (حدثنا الشيخ الصالح فضيل بن عياض) 390 .
وفي حكايته المتقدمة 391 مع عبد الرحمن بن مهدي ما يدل على وصفه هشيماً بالتدليس.
وكلامه أيضاً عن القاضي أبي يوسف بما يدل على عدم رضاه عنه، وسبق نقله 392 .
وذكره حكاية اقتداء سفيان الثوري بالإمام مالك بما يدل على ثنائه على الإمام مالك، وسبق نقلها أيضاً 393 .
ومن ذلك ما حكاه عن سفيان بن عيينة رحمه الله أنه قال: (عليكم بسماع المتقدم الذي سمعتم مني) 394 .
وهذا النصّ يفيد في تقديم رواية من سمع من سفيان قديماً على سماع المتأخِّر، إذا كان هناك اختلاف عليه.
وقد يحكي سعيد حكاية مفادها الجرح في الراوي، بسبب غفلته وسلامته، ودفعه كتبه إلى من لا يعرف، أو بسبب النوم في مجالس الحديث.
فمن ذلك قوله عن رِشْدين بن سعد 395 : (كنت أخذت منه = المديني لا يُقَدِّمان عليه في الموطأ أحداً، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين.
اهـ من تقريب التهذيب (ص 323 رقم 3620) . ومراد سعيد بهذا: تفضيل القعنبي في وقته، لا على الإطلاق.
بعض كتبه لأكتبه وأسمع منه، ثم كَسَلْتُ عن ذلك، فكان يجيء إلى القَيْسَارِيَّة، فيقول لأصحابنا: إنسان منكم أخذ لنا كتاباً، وليس يَرُدُّه علينا (كذا) ، وذكر عنه سعيد سلامةَ عَقْلٍ 396 .
ومن ذلك قوله: (كان عبد الله بن وهب 397 يسمع معنا عند المشايخ، فكان ينام في المجلس، ثم يأخذ الكتب من بعضنا، فيكتبها) 398 .
وقد يذكر سعيد حكاية فيها مدح للراوي؛ كقوله: (قدم وكيع 399 مكة- وكان سميناً-، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السِّمَنُ وأنت راهب العراق؟ فقال له وكيع: هذا من فرحي بالإسلام، فَأَفْحَمَهُ) 400 .
ومن ذلك أيضاً ما رواه محمد بن سعيد بن منصور، قال: سمعت أبي يقول: قلت ليحيى بن معين: لِمَ لا تجمع حديث الزُّهْري؟ فقال: كفانا محمد بن يحيى 401 جَمْعَ حديث الزهري 402 . = وقال ابن يونس: كان صالحاً في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلّط في الحديث، مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة.
اهـ من التقريب (ص 209 رقم 1942) .
وقال محمد بن سعيد بن منصور: كان أبي يحدِّث عن محمد بن يحيى، فيقول: حدثني محمد بن يحيى الزُّهْري، يعني لشهرته بحديث الزُّهْري 403 . وفي المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان عدة أحكام على بعض الرواة يتبادر إلى الذهن أنها صادرة من سعيد بن منصور، لكن الغالب على الظن أنها ليعقوب نفسه؛ يبين فيها أنه يروي عن ذلك الرجل المتكلم فيه بجرح أو تعديل من طريق شيخه سعيد بن منصور، ثم يحكم على الراوي، وهذا كقوله: (وحدثنا سعيد بن منصور، ثنا يوسف بن عطيّة، وهو ضعيف) 404 . وكقوله: (حدثنا سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن شيبة بن نعامة، وهو ضعيف) 405 . وكقوله: (حدثنا سعيد، قال: ثنا سفيان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن علقمة، وهو مكّي ثقة كناني من أشرافهم) 406 . وكقوله: (حدثنا سعيد، عن سفيان، عن سعيد بن سعيد، مكِّي لا بأس به) 407 . ومما يقوِّي الظن أن الكلام ليعقوب بن سفيان: قوله مرة: (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون مؤذِّن مسجد الرَّمْلَة، وهو لا بأس به، وقد سمعنا نحن من ابنه، وكان لا بأس
به 408 .
فقوله هنا: (وقد سمعنا نحن من ابنه، وكان لا بأس به) يظهر منه أن الكلام ليعقوب لا لسعيد، والله أعلم.
وشبيه بهذا ما سيأتي في الحديث رقم [40] ؛ حيث يقول سعيد: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ إِدْرِيسَ- وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ-، قَالَ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ لَنَا إِمَامًا يَلْحَنُ، قَالَ: أخِّروه.
فهذا الثناء على إدريس يحتمل أن يكون من سعيد أو من شيخه جرير، ولم أجد ما يقوِّي أحد الاحتمالين، وسواء كان من هذا أو ذاك، فكلاهما ممن يعتمد قوله في الجرح والتعديل 409 .
وقد ينقل سعيد الكلام في الراوي عن إمام آخر، كقوله: (قلت لابن إدريس 410 : رأيتَ سالم بن أبي حفصة؟ قال: نعم، رأيته طويل اللحية، أحْمَقَها، وهو يقول: لبَّيْك لبَّيْك قاتل نَعْثل، لبَّيْك لبَّيْك مُهْلِكَ بني أمية) 411 .
ولم يقتصر جهد سعيد بن منصور على الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً، بل له إسهام في ذكر وفيات الرواة التي يستفاد منها في معرفة اتّصال السند من عدمه، وتصويب ما تصحّف من الأسماء، والاهتمام
بمعرفة اسم من اشتهر بكنيته، والتعليق على بعض الأحاديث سنداً ومتناً.
أما كلامه عن تواريخ الوفيات فليس بكثير، فمنه ما ذكره البخاري في التاريخ الصغير 412 حيث قال: (قال سعيد بن منصور: مات فُلَيح بن سليمان سنة ثمان وستين) - يعني ومائة-.
وأما تصويب ما تصحَّف من الأسماء، فليس بكثير أيضاً، ومثاله: ما ذكره ابن حجر في ترجمة سعد بن عياض الثمالي من التهذيب قال: (وقال سعيد بن منصور: حدثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن سعيد بن عياض ... ، فذكر أثراً.
قال سعيد بن منصور: كذا قال! وإنما هو: سعد- يعني بسكون العين-) 413 .
وأما معرفة اسم من اشتهر بكنيته، فليس بكثير أيضاً، ومثاله: ما جاء في تاريخ أبي زرعة الدمشقي: (وأبو عقيل السلمي ... ، قال أبو زرعة: فحدثنا سعيد بن منصور أنه سمع هشيماً يقول: هاشم بن بلال) 414 .
وأما تعليقه على بعض الأحاديث، فمنه ما يتعلق بالسند، ومنه ما يتعلق بالمتن.
أما السند، فمنه: تصويبه لأسماء بعض رجال الإسناد، وتقدم مثاله قبل قليل.
ومنه بيانه للمبهم في الإسناد، ومثاله: ما أخرجه من طريق شيخه عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصنابُحي، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سمّاه، قال: نهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - عن الأغلوطات.
قال الأوزاعي: يعني شرار المسائل.
ثم بين سعيد بعد ذلك من هو الصحابي المبهم فقال: (قال سعيد: هذا عن معاوية، ولكنه لم يُسَمِّه) 415 .
ومنه بيانه لنسب بعض الرواة، ومثاله: ما أخرجه من طريق شيخه أبي وكيع الجراح بن مليح، عن الهزهاز بن ميزن، أن عدي بن فرس خيَّر امرأته ثلاثاً ... ، الحديث.
ثم عقّب عليه سعيد بقوله: (قال سعيد: فَرَسُ: جَدُّ وكيع) 416 .
ومنه تعقيبه على بعض الأحاديث بتفرُّد بعض الرواة به، مثل قوله: (ليس هذا الحديث عند أحد إلا عند أبي معاوية) 417 .
وأما تعليقه على المتن، فمنه ما يتعلق بتوجيه بعض القراءات، مثل ما رواه عن عُبيد بن عُمير أنه قرأ: ﴿يهدي بهُ الله﴾ 418 ، ثم قال سعيد: لغة 419 .
ومنه ترجيح بعض الآراء الفقهية، ومثاله: ما رواه عن الحسن البصري: في الرجل يوصي للرجل بالوصية، فيموت الموصى له قبل الموصي، قال الحسن: (الوصية لولد الموصى له) ، ثم عقّب سعيد على ذلك بقوله: (قال سعيد: لم يصنع شيئاً) ، ثم روى بعده أثراً عن إبراهيم النخعي أنه قال في المسألة نفسها: (يرجع إلى ورثة الموصي) ، ثم عقّب سعيد على ذلك بقوله: (قال سعيد: أصاب) 420 .
وقد يذكر كنيته أحياناً بدل اسمه؛ فإنه رجَّح مرَّة قول مجاهد على
قول طاوس بقوله: (قال أبو عثمان: القول ما قال مجاهد) 421 .
وقد يكون في عبارته أحياناً شيء من القسوة، فإذا لم يعجبه القول عقَّب عليه بقوله: (بئس ما قال) 422 .
وهكذا في عدة أمثلة تدلّ بمجموعها على أن للمصنِّف سعيد بن منصور اختيارات فقهية 423 .
جـ- وأما مؤلفاته، فذكروا منها:
1- كتاب (السنن) ، وبعضهم يسمِّيه: (مصنف سعيد بن منصور) .
2- كتاب التفسير.
3- كتاب الزهد.
والواقع: أن كتاب التفسير، وكتاب الزهد من ضمن السنن كما سيأتي الحديث عنه مفصَّلاً في دراسة الكتاب- إن شاء الله-.
وقد قال أبو عبد الله الحاكم: (له مصنفات كثيرة) 424 ، ولم أجد ذكراً لشيء من هذه المصنفات سوى السنن، وما هو جزء منها كالتفسير والزهد، فإما أن يكون هناك مصنفات أخرى لا نعلم عنها شيئاً، أو يكون الحاكم قصد بعض الكتب التي هي من ضمن السنن، والله أعلم.
8- ثناء العلماء عليه:
إن أقوال العلماء في الثناء على سعيد بن منصور، وروايتهم عنه، واحتجاجهم بحديثه، جميع هذا يُجَلِّي لنا مكانته العلمية، ومحلَّه عند
علماء الحديث.
فقد احتج به الجماعة أصحاب الكتب الستة في كتبهم، وعلى رأسهم البخاري ومسلم 425 ، وأخرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه، وكذا أبو عوانة الاسفرائيني والدارمي.
ولما أخرج الحاكم حديثه قال: (قد اتفقا جميعاً- يعني البخاري ومسلماً- على الاحتجاج بحديثه) 426 .
وروى عنه جمع من كبار أئمة الحديث؛ كالإمام أحمد، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، وابنه يحيى، والبخاري، ومسلم، وأبي داود السجستاني، والدارمي، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وأبي زرعة الدمشقي، وابن سعد صاحب الطبقات، ويعقوب بن سفيان صاحب المعرفة والتاريخ، وأبي ثور الفقيه، وهارون بن عبد الله الحمَّال، ومحمد بن أسلم الطُّوسي، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة، وابن عمار الموصلي، وأبي بكر الأثرم، وحرب الكرماني، وابن الضُّريس، والحافظ سَمُّويَهْ، وبشر بن موسى الأسدي، وعباس الدُّوري، وغيرهم خلق 427 .
وكان الإمام أحمد- رحمه الله- كثير الامتداح له.
يقول حرب الكرماني: (سمعت أحمد بن حنبل يحسن الثناء على سعيد بن منصور) 428 .
وقال سلمة بن شبيب: (وذكرت له- أي للإمام أحمد- سعيد بن منصور، فأحسن الثناء عليه، وفخَّم أمره) 429 .
وقال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل:
سعيد بن منصور؟ قال: من أهل الفضل والصدق) 430 .
وكان رحمه الله يحث طلبة الحديث على السماع منه.
قال الفضل بن زياد: (سمعت أبا عبد الله، وقيل له:من بمكة؟ قال: سعيد بن منصور) 431 .
ومن عظم مكانته عنده: أنه حدث عنه وهو حي.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: (حدثنا أبي عنه وهو حي) 432 .
ولم يكن الثناء على سعيد بن منصور مقصوراً على الإمام أحمد، بل توالت عبارات علماء الحديث في الثناء عليه وتوثيقه.
فمحمد بن عبد الرحيم، المعروف بصاعقة كان إذا حدَّث عنه أثنى عليه وأطراه، وكان يقول: (حدثنا سعيد بن منصور، وكان ثبتاً) 433 .
وقال أبو زرعة الدمشقي: فحدثني أحمد بن صالح 434 وعبد الرحمن بن إبراهيم 435 ، أنهما حضرا يحيى بن حسَّان 436 مقدِّماً لسعيد بن منصور، يرى له، ويثبت حفظه، وكان حافظاً 437 .
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: (كتبت عنه سنة مائتين
وتسع عشرة، وأملى علينا نحواً من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صنَّف بعد ذلك الكتب، وكان موسعاً عليه) 438 . وقد وثّقه يحيى بن معين 439 وعبد الله بن نُمير، وابنه محمد 440 ، وأبو حاتم الرازي 441 ، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش 442 ، ومسلمة بن القاسم 443 ، والخطيب البغدادي 444 . وقال محمد بن سعد: (كان ثقة كثير الحديث) 445 . وقال الخليلي: (سعيد بن منصور ثقة، متفق عليه) 446 . وقال ابن قانع: (هو ثقة ثبت) 447 . وقال أبو حاتم ابن حِبّان: (كان ممن جمع وصنَّف، وكان من
المتقنين الأثبات) 448 .
وقال الدارقطني: (أصحاب ابن عيينة الحُفَّاظُ منهم: الحميدي، ومُسَدَّدُ، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة) 449 .
وقال أبو عبد الله الحاكم: (هو رواية سفيان بن عيينة، وأحد أئمة الحديث، وله مصنَّفات كثيرة، متفق على إخراجه في الصحيحين؛ فإن الإمامين محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج قد رويا عنه، واحتجّا به في الصحيحين) 450 .
ولما صنَّف أبو نعيم الأصبهاني كتابه: (تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عالياً) ذكر السبب الحامل له على تصنيف هذا الكتاب، فقال: (وحملني على ذلك قِدَم وفاة سعيد بن منصور، وموضعه من التوثُّق والفضل.
وهو سعيد بن منصور، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثبت، صدوق، حدَّث عنه الكبار من الحفاظ والمتقنين) 451 .
وفي ترجمة محمد بن يحيى الذُّهْلي من تاريخ بغداد قال الخطيب البغدادي: (حدَّث عنه- أي عن الذُّهْلي- جماعة من الكُبَراء ... ) ، ثم ذكر فيهم سعيد بن منصور 452 .
ولما ذكر ابن دِحْيَةَ الكَلْبي حديثاً في كتابه (العَلَم المشهور) ، قال: (وأسنده الإمام المُجْمَعُ على عدالته، المتفق في الصحيحين على
إخراج حديثه وروايته: أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني) 453 .
وقال ابن القطّان الفاسي: (هو أحد الأثبات) 454 .
وقال الذهبي: (الحافظ، الإمام ... ، كان ثقة صادقاً، من أوعية العلم) 455 .
وقال أيضاً: (رَحَلَ وطَوَّفَ، وصار من الحفاظ المشهورين، والعلماء المتقنين) 456 .
وقال أيضاً: (من نظر سنن سعيد بن منصور، عرف حفظ الرجل وجلالته) 457 .
وقال أيضاً: (الحافظ الثقة، صاحب السنن) 458 .
وقال أيضاً: (الإمام الحجَّة) 459 .
9- ما تكلم به فيه والجواب عنه:
اتفقت كلمة أئمة الجرح والتعديل السابق ذكرهم على توثيق سعيد بن منصور والثناء عليه.
ويعكِّر على ذلك بعض الأقوال التي قيلت فيه مما يمكن أن يُعَدَّ جرحاً، لكنها ليست بشيء إذا وُضعت في ميزان النقد الصحيح.
فمن ذلك:
أ- أن سعيد بن منصور روى حديثاً عن شيخه إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا محمد بن إسحاق، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن
عبد الله اليَزَني، عن عبد الرحمن الصَّنَابُحي، قال: رأيت أبا بكر يمسح على الخمار.
روى هذا الحديث يعقوب بن سفيان الفسوي، عن شيخه سعيد بن منصور، ثم ذكر يعقوب أن سعيداً سمَّى الصنابحي: عبد الرحمن بن عثيلة، وأن غير سعيد يقول: ابن عسيلة، قال يعقوب: (وهو الصحيح) - يعني بالسين، ثم قال: (وكان سعيد بن منصور إذا رأى في كتابه خطأ لم يرجع عنه) 460 . اهـ.
ولأجل قول يعقوب هذا، ذكر الذهبي سعيد بن منصور في ميزان الاعتدال 461 ، وامتدحه بقوله: (الحافظ الثقة) ، ولم يلتفت إلى هذا القول فيه.
وأما الحافظ ابن حجر، فإنه رأى أن صنيع سعيد هذا لا يقتضي جرحه؛ لأنه لم يكن من باب المكابرة في التمسك بالخطأ، بل من شدة ثقته بضبطه؛ فإنه لما ذكر سعيد بن منصور في التقريب 462 ، قال: (ثقة مصنِّف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدّة وثوقه به) .
وعليه، فلا يقدح قول يعقوب هذا في شيخه طالما عُرف أنه كان واثقاً بكتابه؛ لشدَّة تحرِّيه أثناء سماع الحديث، وحفظه بعد ذلك لكتابه من أن يعبث به عابث.
وسبق في بيان آرائه في الرجال أنه كان يَنْتَقِدُ شيخَه عبد الله بن وهب لأنه كان يسمع معهم عند المشايخ، وينام في المجلس، ثم يأخذ الكتب من بعضهم فيكتبها 463 .
ولم يحرص على الأخذ من رِشْدين بن سعد، لَمّا استبان له أنه يدفع كتابه لمن لم يعرف، وذكر عنه سلامةَ عَقْلٍ 464 .
ومع هذا الحرص والتحرِّي، قد يخطئ سعيد كغيره من الأئمة الذين لم يسلم منهم أحد من الخطأ، لكن أخطاءهم مغمورة في بحر صوابهم، والماء إذا بلغ القُلَّتين لم يحمل الخبث.
فهذا إمام الأئمة مالك بن أنس- رحمه الله- أخطأ في اسم الصُّنَابُحي هذا، خَطَّأه البخاري 465 ، فهل حَطَّ ذلك من قدره؟.
وهذا إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطّان يقول عنه الإمام أحمد: (ما رأيت أقلّ خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث) ، ثم قال: (ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟) 466 .
وكم للبخاري من أخطاء في الرواة في تاريخه الكبير، دفعت ابن أبي حاتم إلى أن يؤلِّف مؤلَّفاً في بيان أخطاء البخاري 467 ، فكان ماذا؟.
فسعيد بن منصور أخطأ كما أخطأ غيره، ولم يكثر منه الخطأ حتى يكون قادحاً، بل الأئمة معترفون بحفظه وجلالته، وتقدم قول حرب الكرماني: (أملى علينا نحواً من عشرة آلاف حديث من حفظه)
ووصفه بالحفظ يحيى بن حسّان وأبو زرعة الدمشقي، وقال ابن حبّان: (من المتقنين الأثبات) ، وسبق نقل قول الذهبي: (من نظر سنن سعيد بن منصور، عرف حفظ الرجل وجلالته) .
فإن قيل: ليس الكلام في كونه أخطأ من عدمه، وإنما في كونه لا يرجع عما في كتابه من الخطأ.
فالجواب: أن سعيداً لم يَسْتَجِزْ- والله أعلم- العدول عما هو موجود في كتاب رأى أنه قد ضبطه وجوّده.
ولو أن الراوي عدل عن الوجه الذي تَلَقَّى عليه ذلك الحديث إلى الوجه الذي يراه صواباً، لاضطربت وجوه الترجيح بين الروايات التي فيها اختلاف، وازداد الإشكال في اختلاف الأحاديث.
ب- ومن جملة ما تُكُلِّم به في سعيد بن منصور: ما ذكره سلمة بن شبيب، قال: (وقد كنت أسمع سليمان بن حرب- وهو بمكة- ينكر عليه الشيء بعد الشيء، وكذلك كان الحميدي، لم يكن الذي بينه وبين الحميدي حسناً، فكان الحميدي يُخَطِّئه في الشيء بعد الشيء من رواية ما يروي عن سفيان) 468 .
وهذا الكلام لم يلتفت إليه أحد، ولذا لم يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 469 ، والسبب أن سليمان بن حرب وعبد الله بن الزبير الحميدي قرينان لسعيد بن منصور، وثلاثتهم من سكان مكة، وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة من أبرز شيوخ سعيد كما تقدم، ويعتبر سليمان بن حرب راوية لحماد بن زيد، والحميدي راوية لسفيان بن عيينة، فلا عجب أن يكون بينهما وبين سعيد ما يكون بين الأقران غالباً،
وكلام الأقران بعضهم في بعض لا يلتفت إليه، بل يُطْوَى ولا يُرْوَى.
هذا مع أن ما بينهم لم يبلغ حدّ القدح والحطّ من أحدهم على الآخر، بل نلمس منهم اعتراف بعضهم بفضل الآخر، وهذه صفة أهل الإخلاص.
فانظر إلى تواضع سعيد ولين جانبه ولُطْف عبارته حين يقول: (لا تسألوني عن حديث حماد بن زيد، فإن أبا أيوب 470 يجعلنا على طَبَق، ولا تسألوني عن حديث سفيان، فإن هذا الحميدي يجعلنا على طَبَق) 471 .
وفي نظري أن سلمة بن شبيب رحمه الله بالغ بقوله: (لم يكن الذي بينه وبين الحميدي حسناً) ، إذ لو كان ذلك كذلك، لما كان الحميدي يحضر في مجالس الحديث التي كان يعقدها سعيد بن منصور (3) ، ولم يكن إذا ظفر بشيء من غرائب العلم يحرص على إطلاع سعيد عليه 472 ، فمؤدَّى عبارة سلمة هذه: أن بينهما ما يمنع من هذا كله، وقد عرفتَ ما فيه.
ومع هذا فلا ننفي أن يكون دخل في النفوس شيء من جرَّاء ما يجري بينهما حال مذاكرة الحديث ورجحان وجهة نظر أحدهما على الآخر (5) ، إلا أن هذا لم يبلغ دينهما 473 ، بل هما كباقي العلماء الذين إذا جدّ الجِدّ رأيت منهم العجب.
فهذا وكيع بن الجراح رحمه الله كان بينه وبين قرينه سفيان بن عيينة تباعد، وفي سنة أربع أو خمس وثمانين ومائة جاء وكيع إلى مكة، وحدَّث عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عن عبد الله البَهِيّ، أن أبا بكر الصديق جاء إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم بعد وفاته، فأكبَّ عليه، فقبَّله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك!.
ثم قال البَهِيُّ: وكان تُرك يوماً وليلة حتى رَبَا بطنه صلى الله عليه وسلم، وانْثَنَتْ خِنْصِرَاه.
فلما حدَّث وكيع بهذا، اجتمعت قريش، ورفع أمره إلى العثماني والي مكة، فأرسل إليه، وحبسه، وعزم على قتله وصَلْبه، وأمر بخشبة أن تنصب خارج الحرم.
وبلغ وكيعاً ذلك وهو في الحبس، فقال للحارث بن الصديق: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل واحتجنا إليه- يعني سفيان بن عيينة-، فقال له الحارث: يا أبا سفيان، دع هذا عنك، فإن لم يُدْرِكْكَ قُتِلْتَ.
فأرسل إلى سفيان، ففزع إليه، ودخل على العثماني، فكلَّمه فيه، والعثماني يَأْبَى، وكان من جملة ما قال سفيان: الله الله، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيهه، وهذا حديث معروف.
قال سفيان: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع.
ومن جملة ما قال سفيان أيضاً للعثماني: إني لك ناصح، إن هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، فإن أنت أقدمت عليه، أقل ما يكون: أن تقوم عليك عشيرته وولده بباب أمير المؤمنين، فيشخصك لمناظرتهم.
فَعَمِلَ فيه كلام سفيان، وأمر بإطلاقه من الحبس، فأُخرج وكيع من الحبس، وركب حماراً، وحُمِلَ متاعه عليه، وسافر متوجهاً إلى المدينة.
= عنه قال: كان بين سعد- يعني ابن أبي وقاص- وخالد- يعني ابن الوليد- كلام، فذهب رجل يقع في خالد عند سعد، فقال- أي سعد-: مَهْ! إن ما بيننا لم يبلغ دينَنَا.
قال سعيد بن منصور: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع وابن عيينة والعثماني، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تَتَّكلوا على الوالي، وارجموه بالحجارة حتى تقتلوه.
فعزموا على ذلك، وبَلَغَنَا الذي هم عليه، فبعثنا بريداً إلى وكيع: أن لا يأتي إلى المدينة، ويمضي من طريق الرَّبَذَة 474 ، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد، رجع راجعاً إلى الرَّبَذَة، ومضى إلى الكوفة 475 .
فهذه القصة مَثَلٌ من عدّة أمثلة تحكي مواقف السلف في مثل هذه الأحوال والخطوب، وموقف سعيد بن منصور فيها موقف العالم الناصح المشفق.
وأما ما يتعلق بالحديث ورواية وكيع له، فيقول الذهبي في ذلك: (فهذه زَلَّة عالم، فما لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد؟ كادت نفسه أن تذهب غلطاً ... ) ، ثم أخذ في الاعتذار عنه وتوجيه الرواية وجهة صحيحة، ثم قال: (وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز سفيان بن عيينة) 476 .
10- عقيدته:
شهدت الفترة التي عاشها سعيد بن منصور ظهور عدة اتجاهات مباينة لمعتقد أهل السنة والجماعة 477 ، فاستشعر أهل السنة خطر هذه
الاتجاهات، فوقفوا في وجهها بالردود العلمية المُدَعَّمَةِ بالكتاب والسنة، والتحذير من خطر البدعة والمبتدعين.
وقد كان لسعيد بن منصور رحمه الله إسهام في هذا الجانب يدلّ على أنه من أئمة أهل السنة، ولذا كان الإمام أحمد رحمه الله يثني عليه ويطريه، وهو لا يفعل ذلك إلا بأهل السنة المعلنين بها، وموقفه من الذين أجابوا في فتنة خلق القرآن مكرهين معروف 478 .
ويدلنا على معتقد سعيد بن منصور ما ذكره تلميذه حرب الكرماني في مسائله المشهورة 479 حيث قال: (هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسِّكين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، إلى يومنا هذا.
وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرها عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.- قال:- وهو مذهب أحمد 480 ، وإسحاق بن إبراهيم 481 ، وعبد الله بن مخلد 482 ، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونيَّة وتَمَسُّكٌ
بالسنة، والإيمان يزيد وينقص ... ) ، ثم أخذ في ذكر هذه العقيدة 483 .
ويزيد ذلك وضوحاً ما سأعرضه من بعض ما وقفت عليه من سننه في بعض مباحث العقيدة، فمن ذلك:
ـ عند قوله سبحانه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾ ، أورد أثراً بإسناد صحيح عن مجاهد أنه قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ، وخلقه لها 484 . وهذا من معتقد أهل السنة في باب القدر.
ـ وعند قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التواب الرحيم﴾ ، أورد أثراً من رواية أبي عون خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن مجاهد، وفيه: أن الله أمر إبراهيم الخليل عليه السلام أن يؤذِّن في الناس بالحج، وأن من أجاب إبراهيم من الخلق يومئذ فهو حاج، ثم قال مجاهد لخصيف: يَا أَبَا عَوْنٍ، القَدَريَّةُ لَا يصدِّقون بهذا 485 . وأوضحت في تعليقي على قول مجاهد هذا ما مراده به.
ـ وعند قوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فمن نفسك﴾ ، أورد أثراً بإسناد صحيح عن أبي صالح ذَكْوان السَّمَّان- فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سيئة فمن نفسك﴾ -، قَالَ: بِذَنْبِكَ، وإِنَّا قدَّرناها عَلَيْكَ 486 .
وهذا أيضاً من معتقد أهل السنة في باب القدر.
وفي القسم المخطوط من السنن عقد سعيد بعض الأبواب التي هي من صلب مباحث العقيدة، فمن ذلك أنه: ـ عَقَد باباً في ما جاء في لزوم الجماعة 487 . ـ وعقَد باباً في الأئمة المضلِّين 488 . ـ وعقَد باباً في ما جاء في خيار الأئمة 489 . ـ وعقَد باباً في النهي عن سبِّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - واللعنة على من سبَّهم 490 . ـ وعقَد باباً في فضل عثمان بن عفان 491 . ـ وعقَد باباً في ما جاء في فضيلة الحسن والحسين ابني علي 492 . ـ وعقَد باباً في المِرَاء 493 . ـ وعقَد باباً في ما جاء بمن وُكِلَت الفتنة 494 . ـ وعقَد باباً في كراهية الاختلاف 495 . ـ وعقَد باباً في النهي عن مجالسة أهل الأهواء 496 . ـ وعقَد باباً في النهي عن الاستماع إلى أهل البدع 497 .
ـ وعقَد باباً طويلاً في ما جاء في الشفاعة 498 .
ـ وعقَد باباً طويلاً في ما جاء في القَدَر 499 .
وهناك بعض النقول التي أتت في بعض الكتب مما يمكن أن يضاف لما سبق.
فمن ذلك: ما رواه الخطيب البغدادي قال:
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أنبأ أحمد بن محمد بن عبد الله القطان، ثنا عبد الكريم بن الهيثم، ثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بَزَّة، ثنا أبو العباس الوليد بن عبد العزيز بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، قال: حدثتني أمي، عن جدي عبد الملك، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن أبي الدرداء قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - من فَلْقِ فيه إلى أذني هذه- ورآني أمشي بين يدي أبي بكر وعمر- فقال: ((يا أبا الدرداء، أتمشي بين يدي من هو خير منك؟)) 500 . فقلت: ومن هو يا رسول الله؟.
فقال: ((أبو بكر وعمر، ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين خير من أبي بكر)) .
قال 501 : فحدَّثت الحميدي 502 ، فقال لي: اذهب بنا إليه حتى أسمعه منه، فقلت له: منزله بالثقبة، والثقبة على رأس ثلاثة أميال من مكة.
فلما كان ذات يوم دفنا رجلاً من قريش باكراً، ثم قال لي الحميدي: هل لك بنا في الرجل؟ قلت: نعم، فخرجنا نريده.
فلما كنا بقصر داود بن عيسى لقينا ابن عم له فقال: يا أبا بكر أين تريد؟ قال: أردنا أبا العباس، فقال: يرحم الله أبا العباس، مات أمس.
فقال الحميدي: هذه حَسْرة.
ثم قال: أنا أسمعه منك.
فدخلنا على سعيد بن منصور وهو يحدِّث، فلما افترق الناس، دنا منه، فقال لي: حدث أبا عثمان حديث الجُرَيْجي، فحدثته.
فقال سعيد: قطع هذا كلَّ عِلَّة.
فقلت للحميدي: ما قطع كل علة؟.
فقال لي: إن أناساً زعموا أن علياً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - وأنه لا يقاس به أحد من الناس، فلما أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - ما قال، علمنا أن علياً ليس بنبي ولا مرسل، فقطع كل علة 503 .
ومن ذلك أيضاً: ما رواه ابن عساكر في تاريخه من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أبو معاوية، نا عمر بن ذر، قال: خرجت وافداً إلى عمر بن عبد العزيز بن في نفر من أهل الكوفة، وكان معنا صاحب لنا يتكلم في القَدَر، فسألنا عمر بن عبد العزيز عن حوائجنا، ثم ذكرنا له القَدَر، فقال: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس، ثم قال: قد بيّن الله ذلك في كتابه: ﴿فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم﴾ ، فرجع صاحبنا ذلك عن القَدَر 504 .
11- من اتفق معه في الاسم واسم الأب:
أورد الخطيب البغدادي في كتابه: (المتفق والمفترق) 505 خمسة ممن
يُسَمَّون سعيد بن منصور، أحدهم صاحب السنن.
وأذكر الأربعة الآخرين لتمييزهم عن المترجم له.
أما الأول، فهو: سعيد بن منصور بن محرز بن مالك بن أحمد الجُذَامي، الشامي، أرسل عن جدّ أبيه مالك بن أحمد، وحدَّث عنه الوليد بن مسلم الدمشقي، وهذا أعلى طبقة من صاحب السنن، لأن الوليد بن مسلم من شيوخ صاحب السنن.
وأما الثاني، فهو: سعيد بن منصور الرَّقِّي 506 ، يروي عن عثمان بن عطاء الخراساني، روى عنه عمر بن شَبَّةَ، وهذا يقارب طبقة صاحب السنن؛ لأن عمر بن شبة روى عنهما كليهما.
وأما الثالث، فهو: سعيد بن منصور المشرقي الكوفي 507 ، يروي عن زيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن علي بن حسين، روى عنه إسماعيل وحصين ابنا عبد الرحمن الجعفي، وهذا أيضاً أعلى طبقة من صاحب السنن، لأنه يروي عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المقتول سنة اثنتين وعشرين ومائة 508 .
وأما الرابع، فهو: سعيد بن منصور بن حنش، أبو حنش السبائي، وهو أعلى من المصنف طبقة، لأن الخطيب ذكر أنه توفي سنة أربع وثمانين ومائة.
12- أولاده:-
لم أجد في ما وقفت عليه من المراجع ما يسعف في معرفة شيء
عن عائلة سعيد بن منصور، سوى أن له من الأولاد: أحمد 509 ومحمداً 510 ، وهذان لم أجد من ترجم لهما، مع أن محمداً روى شيئاً عن والده كما سبق.
وهناك بعض الرواة الذين يشتبه في أنهم من سلالة سعيد بن منصور.
منهم: الشيخ الإمام المحدِّث الواعظ القدوة، شيخ الإسلام، الأستاذ أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور النيسابوري، الحِيري.
ولد سنة ثلاث ومائتين، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائتين 511 .
ولم أجد أدنى إشارة تدلّ على أن أبا عثمان هذا حفيد لسعيد بن منصور صاحب السنن، إلا أن كنيته وطبقته تُقَوِّي الاحتمال بأنه حفيده، وقد يكون من أحفاد من اتفق مع سعيد في الاسم والنسب ممن تقدم ذكرهم 512 ، أو غيرهم، فالعلم عند الله.
ولسعيد بن إسماعيل هذا ابن يقال له: أحمد، نقل عنه الذهبي، فقال: (قال أبو الحسين أحمد بن أبي عثمان: توفي أبي لعشر بقين من ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين ومائتين، وصلى عليه الأمير أبو صالح) 513 .
وله أيضاً ابن يقال له محمد.
قال الذهبي: (الإمام الحافظ المجَوِّد القدوة الزاهد الأديب، أبو بكر، محمد بن الإمام الزاهد أبي عثمان سعيد بن إسماعيل، النيسابوري، الحِيْرِيّ.
سمع عليّ بن الحسن الهلالي ومحمد بن عبد الوهاب الفرَّاء وتَمْتَاماً وإسماعيل القاضي وبكر بن سهل، وكان واسع الرِّحْلة عالماً.
روى عنه: أبو علي الحافظ وولده أبو سعيد وأبو أحمد الحاكم.
وكان من كبار الغزاة في سبيل الله، ويرابط بطرسوس.
توفي في المحرم سنة خمس وعشرين وثلاثمائة) 514 .
ولمحمد هذا ابن يقال له: أحمد.
قال الخطيب البغدادي: (أحمد بن محمد بن سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور، أبو سعيد النيسابوري، المعروف بابن أبي عثمان، الغازي.
وجَدُّه سعيد هو المُكَنَّى: أبو عثمان، وكان واعظ أهل نيسابور وشيخ الصُّوفية.
فأما أبو سعيد، فكان من عباد الله الصالحين، وقدم بغداد حاجاً دفعات عدَّة، آخرها في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، ... بلغني أن ابن أبي عثمان خرج غازياً إلى طرسوس، فمات بها) 515 .
وقال الحاكم أبو عبد الله: (أحمد بن محمد بن سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور، الواعظ، الحافظ، أبو سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان رضي الله عنهم وكان قد جمع الحديث الكثير، وصنَّف في الأبواب والشيوخ، ثم أدركته الشهادة بطرسوس،.... صنَّف التفسير الكبير، وخرَّج على المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج، وكان من محبّته للحديث يكتب بخطه ويسمع إلى أن استشهد رحمه
الله....، وتوفي بطرسوس للنصف من شعبان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة) 516 .
فهل يا تُرى هذه الذرية الطيبة من سلالة هذا الإمام سعيد بن منصور صاحب السنن؟.
13- وفاته وبيان الراجح في تاريخها:-
وهكذا بعد حياة حافلة بطلب العلم وتعليمه والتصنيف فيه، أدرك سعيداً الأمر الذي لابد منه، وهو الموت الذي كتبه الله على العباد.
وقد اختلِفَ في تاريخ وفاته على أربعة أقوال: فمنهم من قال: توفي سنة ست وعشرين ومائتين، ومنهم من قال: سنة سبع وعشرين ومائتين، ومنهم من قال: سنة ثمان وعشرين ومائتين، ومنهم من قال: سنة تسع وعشرين ومائتين.
واختُلف أيضاً في الشهر الذي توفي فيه، فمنهم من قال: توفي في رجب، ومنهم من قال: في رمضان.
أ- أما الذي قال: إنه توفي سنة ست وعشرين ومائتين، فهو تلميذه أبو زرعة الدمشقي، حيث قال في تاريخه: (ومات سعيد بن منصور سنة ست وعشرين ومائتين) 517 .
ب- أما الذي قال: إنه توفي سنة سبع وعشرين ومائتين فهم كثير، منهم: محمد بن سعد، وأبو داود، ومحمد بن عبد الله الحضرمي مُطَيَّن، وحاتم بن الليث الجوهري، وعبد الله بن محمد البغوي، وأبو سعيد ابن يونس، وابن حبان، وكذا جاء عن البخاري في بعض الروايات.
أما ابن سعد فقال: (سعيد بن منصور، ويُكّنَّى أبا عثمان، توفي بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين) 518 . وأما أبو داود، فقال أحمد بن محمد بن الحسين: (وذكر أبو داود أنه مات سنة سبع وعشرين ومائتين) 519 . وأما محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مُطَيَّن فقال: (وفيها- يعني سنة سبع وعشرين ومائتين- مات سعيد بن منصور الخراساني) 520 . وأما حاتم بن الليث الجوهري فقال: (مات سعيد بن منصور بمكة- ويكنى أبا عثمان- سنة سبع وعشرين ومائتين) 521 . وأما عبد الله بن محمد البغوي فقال: (ومات سعيد بن منصور بمكة وبها مات، في شهر رجب سنة سبع وعشرين ومائتين) 522 . وأما أبو سعيد ابن يونس الصَّدَفي فقال: (سعيد بن منصور الخراساني، من أهل مرو، قدم مصر، وكُتب عنه بها، وكان قد قطن بمكة وبها مات، في رمضان، سنة سبع وعشرين ومائتين) 523 . وأما ابن حبان فقال في كتاب الثقات: (مات بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين) 524 . وأما البخاري، فسيأتي ذكر كلامه في حكاية القول الرابع.
جـ- وأما الذي قال: إنه توفي سنة ثمان وعشرين فلم أجده، ولكن حكاه المزِّي عن غير معيَّن.
قال المِزِّي في تهذيب الكمال: (وقال أبو زرعة الدمشقي: مات سنة ست وعشرين ومائتين.
وقال غيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائتين) 525 .
د- وأما الذي قال: إنه توفي سنة تسع وعشرين ومائتين، فهو موسى بن هارون الحمّال أحد تلامذة سعيد 526 .
وأما البخاري، فاختُلف عنه.
ففي التاريخ الكبير قال: (سعيد بن منصور، مات بمكة سنة تسع وعشرين ومائتين أو نحوها) 527 .
وفي التاريخ الأوسط قال: (مات سعيد بن منصور بمكة- أبو عثمان الخراساني، سكن مكة- يعني سنة سبع وعشرين ومائتين) 528 .
وهذا الاختلاف على البخاري يرجع- فيما يظهر- إلى تقارب رسم (سبع) و (تسع) ، فتصحفت (تسع) إلى: (سبع) في الأوسط، والصواب عن البخاري ما جاء في التاريخ الكبير، وقد أطال مغلطاي في بيان خطأ من رواه (سبع) عن البخاري، وذلك في كتابه إكمال تهذيب الكمال 529 .
والراجح من هذه الأقوال قول من قال: إنه توفي سنة سبع وعشرين ومائتين لكثرتهم، وهذا الذي رجحه كل من جاء بعدهم،
فقد اختاره أبو نعيم 530 ، وابن خير الإِشبيلي 531 ، وابن نقطة 532 ، وغيرهم.
ولما ذكر المزِّي هذه الأقوال، قال: (والصحيح الأول والله أعلم) 533 - يعني قول من قال: سنة سبع وعشرين ومائتين-.
وقال الذهبي: (قال ابن سعد، وأبو داود، وحاتم بن الليث، وجماعة: مات بمكة سنة سبع وعشرين.
زاد ابن يونس، فقال: في رمضان.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سنة ست، والأول الصحيح.
وصحَّف موسى بن هارون، فقال في سنة تسع وعشرين ومائتين) 534 .
وقال أيضاً: (وقال ابن سعد، وأبو داود، ومُطّيَّن، وحاتم بن الليث: مات سنة سبع وعشرين.
قال ابن يونس: مات بمكة في رمضان سنة سبع.
وقال بعضهم: سنة ست، وهو غَلَط.
وقال بعضهم: سنة تسع، وهو غلط أيضاً) 535 .
وأما الشهر الذي توفي فيه، فاختلف فيه قول ابن يونس والبغوي كما سبق.
فابن يونس يرى أنه توفي في شهر رمضان، والبغوي يرى أنه توفي في شهر رجب.
ويصعب الترجيح بين القولين بلا مُرَجِّح، والذي ذكره المزِّي والذهبي أنه توفي في شهر رمضان بناءً على قول ابن يونس، والذي يظهر أنهما لم يطلعا على قول البغوي، والله أعلم.
وهكذا بعد حياة دامت ما يقرب من تسعين عاماً قضاها سعيد
ابن منصور في جمع ميراث النبوة- العلم-، وتبليغه، وَافَتْهُ مَنِيَّتُهُ والأمر الذي لا مَفَرّ منه.
نسأله تعالى أن يرفع درجته في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، آمين.